الصفحة السابقة

الصفحة التالية

اولا - هذا خلط بين المراد التشريعى والمراد التكوينى من التكاليف فان ما يقال من ان التكليف يجعل بداعى المحركية والباعية يعنى ان المراد التكوينى ومقصود الامر من تكليفه ان تنقدح الارادة والشوق فى نفس المكلف نحوما كلف به لا ان التكليف والارادة التشريعية متعلق بالارادة والاختيار.

وثانيا- لوفرض ان التكليف متعلق بالارادة والاختيار فان كان قيد اصابة الارادة للواقع ماخوذا فى متعلق التكليف بنحوقيد الواجب لزم محذور التكليف بغير المقدور، واما اذا اخذ فيه بنحوقيدالوجوب بان جعل اصابة قطعه للواقع شرطا فى التكليف فلا محذور فى البين ولازم اختصاص التكاليف بموضوعاتها الواقعية انما هوذلك كما هوواضح.

ثم ان السيد الاستاذ حاول الجواب على هذا الاستدلال بامرين كلاهما لا يرجع الى محصل((8)).

اما الاول-فبالنقض بالواجبات بدعوى:ان لازم ذلك من صلى مع القطع بدخول الوقت ثم بان خلافه لابد وان تكون صلاته مجزية لتحقق المامور به بالامر الواقعى الاولى وهواختيار ما قطع بكونه صلاة فى الوقت.

وفيه:اذا فرض الواجب مضيقا كما اذا وجبت الصلاة فى كل الوقت اووجب اكرام كل عالم فتخيل ان زيدا عالم فاكرمه ثم بان عدم كونه عالما فيلتزم فيه القائل بحرمة التجري بثبوت الوجوب فيه وحرمة الترك، وان فرض الواجب موسعا فتعلق التكليف بالارادة المتعلقة بالفرد الواقعى من الصلاة فى الوقت مقدور فى حقه لا محالة فلا يسقط التكليف عنه.

واما الثانى فالحل بدعوى:ان الاحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد فى متعلقاتها عند العدلية وهى فى الافعال بوجوداتها الواقعية كما هومقتضى ظواهر ادلتها ايضا.

وهذا الجواب من الواضح انه لا يحل الاشكال شيئا فان المستدل يعترف بان ظاهر الخمر هوالخمر الواقعى وانما كان يستفيد شمول الخطاب للتجري من باب ظهور كل تكليف فى انه بداعى التحريك والباعثية وان التكليف باصابة القطع للواقع تكليف بغير مقدور لا يمكن ان يتقيد التكليف بها وهذا نظير الاعتراف باشتراط القدرة وعدم التكليف فى موارد العجز رغم صدق عنوان الفعل فيها ايضا وتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد فى مذهب العدلية، فان كل ذلك لا ينافى مع اشتراط تعلق التكليف بالمقدور والفعل الصادر عن الاختيار.

2-التمسك بقاعدة الاستلزام العقلى لحرمة التجري:

واما الاستدلال على حرمة التجري بقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع فحاصله:انه قد ثبت فى مقام سابق قبح الفعل المتجرى به عقلا فبناء على ان كل ما حكم العقل بقبحه ولزوم تركه حكم به الشرع ايضا يثبت فى المقام حرمة التجري شرعا.

والبحث عن صحة صغرى هذا الاستدلال قد فرغنا عنه فى المقام الاول المتقدم ويبقى الكلام عن صحة الكبرى وصحة تطبيقها فى المقام.

اما البحث عن الكبرى وبشكل موجز يناسب المقام فقد ذكر المحقق الاصفهانى(قده) بان الملازمة بين ما حكم به العقل حكم به الشرع بديهية واضحة باعتبار ان الشارع هوسيد العقلاءورئيسهم فاذا حكم العقلاء بحكم بما هم عقلا كان هوفى طليعتهم وعلى راسهم، ومن هنا ذكر ان التعبير بالتلازم مسامحة والاصح هوالتعبير بالتضمن لاندراج الشارع فى العقلاء وضمن بناءهم الذي هومدرك هذه القضايا العملية.

وهذا الاستدلال مما لا يمكن المساعدة عليه لما تقدم من ان الحسن والقبح امران واقعيان ثابتان فى لوح الواقع الذي هواوسع من لوح الوجود وليسا امرين تشريعيين وحكم العقلاء لا يرادبه سوى ادراكهم لهذه القضايا نفس الامرية لا تشريعهم لها.

ثم لوفرض ذلك جريا مع مشرب هؤلاء الحكماء فلا موجب لدعوى الملازمة بين حكمهم وحكم الشارع فضلا عن التضمن لان حكمهم انما يصدر عنهم باعتبار وقوعه فى طريق المصالح التى يشخصونها لحفظ نظامهم والشارع سبحانه خارج عن دائرة تلك المصالح فاي ملزم بان يكون تابعا لاحكامهم وللنظام الذي يشخصونه لانفسهم.

وقد يدعى فى قبال ذلك استحالة جعل حكم شرعى واستكشافه فى مورد حكم العقل لان حكم الشرع انما يكون بداعى التحريك بتوسيط حكم عقلى فى النهاية بلزوم الاطاعة وقبح المعصية، والمفروض فى المقام ان الحكم العقلى بالقبح ثابت منذ البداية فاذا كان محركا للعبد كفى وحصل المقصود بلا حاجة الى توسيط جعل شرعى والا فلا فائدة فى جعله وتوسيطه فى البين لانه وحده لا يكون محركا من دون حكم العقل بقبح المعصية.

وهذه الدعوى مع اصل دعوى الملازمة كلتاهما باطلة.

اما الاولى فلان اعمال المولى لمولويته فى موارد الحسن والقبح يوجب تحقق ملاك ثان للحسن والقبح زائدا على الحسن والقبح الثابتين بالعنوان الاولى لذلك الفعل اذ يتحقق بذلك عنوان وملاك جديد هواطاعة المولى ومعصيته بحيث تكون مخالفته حينئذ ظلما له فيتاكد الملاك العقلى ويتعدد فقد يكون محركا حينئذ للمكلف.

واما دعوى الملازمة فبطلانها من جهة ان الشارع تارة يكون غرضه فى مقام حفظ الفعل الحسن وترك الفعل القبيح بنفس درجة الحافظية والمحركية الذاتية الثابتة فى الفعل من ناحية حسنة اوقبحه واستحقاق المدح والثواب اوالذم والعقاب عليه، واخرى يكون غرضه فى حصول مرتبة اشد وارفع من ذلك بحيث يكون له اهتمام اكبر، فعلى الاول لا موجب لافتراض اعمال المولى لمولويته وجعل حكم شرعى على وزان ذلك الحكم العقلى وانما يرشد الى حكم العقل ويؤكده. وعلى الثانى فلا محالة يتصدى من اجل مزيد الحافظية والاهتمام الى اعمال مولويته والامر بذلك الفعل الحسن اوالنهى عن الفعل القبيح شرعا. وتشخيص هذه المرتبة من الاهتمام قد يكون على اساس استظهار من دليل شرعى اوعلى اساس مناسبات ذوقية وعقلائية لا يمكن التعويل عليها ما لم تبلغ مرتبة الجزم واليقين. وهكذا يظهر انه لا برهان على اصل الملازمة.

واما البحث عن امكان تطبيق هذه القاعدة بعد الفراغ عن كبراها فى المقام اووجود مانع عن تطبيقها فقد افيد عدة محاولات للمنع عن ذلك.

المحاولة الاولى-ما افاده المحقق النائينى(قده)من ان استكشاف خطاب شرعى لحرمة التجري اما ان يفرض فيه انه نفس الخطاب الاولى بحيث يكون ذلك الخطاب من اول الامر يثبت الحرمة لشرب الخمر الواقعى والتجري فى شرب الخمر مثل، اويفرض انه خطاب اخر، وعلى الثانى فتارة يفترض ان الخطاب الثانى مخصوص بموارد التجري، واخرى يفرض شموله لموارد التجري والعصيان معا فالفروض ثلاثة وكلها باطلة.

اما الاول فلان حرمة الفعل المتجري به ناشئة بحسب الفرض من قبح التجري الناشىء من وصول حرمة شرب الخمر الواقعى فيكون متاخرا عنها ولا يعقل ان يؤخذ المتاخر مع المتقدم فى خطاب واحد.

واما الثانى فلان حرمة خصوص الفعل المتجرى به يستحيل وصولها الى المكلف لان المتجري لا يرى نفسه متجريا بل عاصيا فيكون جعله لغوا.

واما الثالث فلان تحريم الجامع بين التجري والمعصية وان كان قابلا للتنجز على المكلف الا انه يكون فى نظر القاطع اخص مطلقا من حرمة الخمر الواقعى، فان النسبة بين حرمة الخمرالواقعى وحرمة مقطوع الخمرية واقعا وان كانت العموم من وجه الا انه بحسب نظر القاطع الذي يرى قطعه مصيبا للواقع دائما النسبة عموم مطلق فيلزم اجتماع المثلين بحسب نظره وهومحال، وانما يعقل تعدد الحكم لوكان بينهما تباين اوعلى الاقل العموم من وجه حتى يصح تعددهما بلحاظ موردي الافتراق.

وهذه المحاولة غير تامة لان ما ذكر فيها فى الفروض الثلاثة مما لا يمكن المساعدة عليه.

اما ما افيد فى الفرض الاول من لزوم اخذ التحريم المتاخر مع المتقدم فيرده ما هومقرر فى محله بمناسبة البحث عن حجية الخبر مع الواسطة من انه بلحاظ عالم المجعولات والاحكام الفعلية لا مانع من تاخر بعضها عن بعض واخذ بعضها فى موضوع البعض الاخر مع كونها جميعا مجعولة بخطاب واحد وجعل واحد، وفى المقام يكون وصول الحرمة الفعلية للخمر الواقعى الذي يريد شربه ماخوذا من موضوع الحرمة الفعلية للتجري ولا محذور وان كانا مجعولين بخطاب واحد.

واما ما ذكر فى الفرض الثانى من عدم امكان وصول حرمة التجري بعنوانه الى المتجري.فجوابه:انه لا يشترط فى وصول التكليف الوصول التفصيلى بل لوكان يمكن للتكليف ان يصل الى المكلف ولوبالوصول الاجمالى اوبالحجة كفى ذلك فى معقوليته، وفى المقام التجري كما عرفت غير مختص بموارد العلم بالواقع بل يثبت فى مطلق موارد تنجز الواقع ولوبغير العلم-كمااعترف بذلك المحقق النائينى نفسه-فاذا تنجز التحريم الواقعى بغير العلم وفرضنا حرمة الفعل المتجرى به فالمكلف يحصل له العلم الاجمالى بحرمة هذا الفعل على كل حال اما بعنوانه الاولى اوبعنوان التجري فيكون مقطوع الحرمة.

واما ما ذكر فى الفرض الثالث من لزوم اجتماع المثلين فى نظر القاطع فقد حاول السيد الاستاذ الجواب عليه((9)) تارة بانه يمكن ان يفرض فى مورد عدم وصول حرمة الخمر الواقعى للمكلف ووصول حرمة معلوم الخمرية اليه ويكفى ذلك لتعدد الحكم، واخرى بانه لا مانع من تعدد الحكم على نحوالعموم المطلق كما فى مثل تعلق النذر بالصلاة الواجبة.

وكلا هذين الجوابين غريب فى بابهما.

اما الاول-فلانه لا يرفع مشكلة لزوم اجتماع المثلين بحسب نظر القاطع المحال الا ان يدعى اختصاص حرمة شرب مقطوع الخمرية بمن لا يعلم بحرمة شرب الخمر وهذا غير محتمل وخروج عن محل الكلام.هذا مضافا:الى ان هذا الجواب خلاف مبنى الاشكال اذ المفروض ان حرمة معلوم الخمرية ناشئة من القبح الناشىء من التجري الذي لا يكون الا بفرض وصول الحرمة الواقعية فمع عدم وصولها لا قبح ولا تجري فلا موضوع للحرمة بالعنوان الثانوي.

واما الثانى-فلان مورد النقض تكون النسبة فيه بين الحكمين العموم من وجه لا المطلق فان وجوب الصلاة مع وجوب الوفاء بالنذر من الواضح ان النسبة بينهما عموم من وجه.اللهم الا ان يكون المقصود انكار اصل استحالة اجتماع حكمين مثلين فى مورد واحد بعنوانين اذا كان احدهما اعم من الاخر الا ان ما ذكر ليس مصداقا له وانما الصحيح التمثيل بموارد الامر بالجامع والامر بالفرد والحصة فانه لا محذور فيه.

هذا مضافا:الى ان النسبة بين الخمر الواقعى ومعلوم الخمرية فى المقام ايضا العموم من وجه بحسب نظر القاطع لانه يعلم انه ربما يكون شىء معلوم الخمرية ولوعند غيره اوفى مرة اخرى مع عدم كونه فى الواقع خمرا فيكون جعل حكمين معقولا من زاوية نظره ايضا.

المحاولة الثانية-ما ذكره السيد الاستاذ من ان حرمة التجري المستكشفة بالقبح لوفرض اختصاصها بفرض التجري فقط كان بلا موجب اذ ليس المتجري باسوا حالا من العاصى، بل مثل هذا الحكم غير قابل للتنجز والوصول الى المكلف لان المتجري يجد نفسه عاصيا دائم، وان فرض شموله للعاصى ايضا لزم التسلسل اذ لكل خطاب عصيان وباعتبار ذلك العصيان يتحقق خطاب اخر له عصيان اخر وهكذا((10)).

ويرد عليه:اما بالنسبة الى الفرض الاول فلما تقدم من امكان وصول الحرمة الى المكلف ولوفى موارد التنجز بغير العلم واختصاص التحريم بالمتجري ليس بملاك اسوئيته ليقال انه بلاموجب بل بملاك مزيد الاهتمام والحفظ المولوي لملاك القبح بجعل خطاب شرعى فى مورده واما موارد العصيان فالخطاب الشرعى موجود فيها فلا موجب لجعل خطاب اخر فيه.

واما بالنسبة الى الفرض الثانى فاستحالة التسلسل انما هوفى الوجودات الخارجية لا الاعتبارية فلتكن هناك مجعولات عديدة متسلسلة بعدد الالتفات الى العناوين الثانوية المترتبة والتى يعتبرها العقل قبيحة كلما توجه والتفت اليها.

المحاولة الثالثة-ما افاده السيد الاستاذ ايضا من ان كبرى الملازمة بين ما حكم به العقل حكم به الشرع مخصوصة بما يدركه العقل فى سلسلة علل الاحكام الشرعية كقبح الكذب وغصب مال الغير مثلا لا فى مرتبة معلولات الاحكام الشرعية كحسن الاطاعة وقبح المعصية، فانه فى هذا القسم لا يعقل جعل حكم شرعى اذ لوكان حكم العقل بحسن الاطاعة وقبح معصية الحكم الواقعى كافيا فى المحركية واتمام الحجة على العبد وزجره عن المعصية ودفعه الى الطاعة فلا حاجة الى جعل الحكم الشرعى الثانى وان لم يكن كافيا فلا فائدة فى جعل حكم اخراذ هومثل الحكم الاول ولا يزيد عليه شيئا فيكون لغوا على كل تقدير، ومحل كلامنا وهوحرمة التجري من هذا القبيل((11)).

وفيه-ما تقدم لدى البحث عن كبرى الملازمة من انه كلما كان الشارع يهتم بحفظ الملاك باكثر مما يقتضيه الحسن والقبح العقليين من الحفظ الذاتى وكان ذلك يحصل بجعل الشارع امكن استكشاف جعل شرعى فى مورد الحكم العقلى من غير فرق بين ان يكون حكم العقل فى مرتبة علل الاحكام اوفى سلسلة معلولاته، وفى مسالة التجري يمكن للشارع جعل خطاب تحريمى له لكى يحفظ ملاكات احكامه الواقعية بمرتبة جديدة وزائدة من الحفظ ولوفى حق من تنجز عليه التكليف الواقعى بغير العلم، فانه اذا علم بحرمة التجري عليه على كل حال فقد يتحرك ولا يقدم على ارتكاب المخالفة لان للانقياد والتحرك عن خطابات المولى درجات فقد ينقاد المكلف فى موارد العلم بالتكليف ولكنه لا ينقاد فى موارد الاحتمال اوالظن وان كان منجزا عليه فيكون جعل حرمة التجري لمزيد الحافظية وسد ابواب العدم بهذا الخطاب وفى هذه المرتبة فلا لغوية اصلا.

3-التمسك بالاجماع على حرمة التجري:

وقد يتمسك لاثبات حرمة التجري بالاجماع القائم فى مسالة الظن بضيق وقت الواجب على حرمة تاخير الواجب ولوانكشف بعد ذلك بقاء الوقت، وكذلك حكمهم بوجوب التمام على من سافر سفرا يظن فيه بالخطر لكونه سفر معصية ولوتبين بعد ذلك عدم الخطر من السفر.

وفيه-لواريد الاجماع المنقول فليس بحجة، وان اريد المحصل فقد نقل الخلاف اولا. ولا حجة له بعد ان كانت للمسالة مدارك اخرى عقلية ونقلية ثانيا.على ان الثابت فى المسالة الاولى فى كلمات الاصحاب استحقاق العقاب وهواعم من الحرمة.

وفى المسالة الثانية يوجد كلام فى حرمة الاقدام على الخطر والضرر المظنون بعنوانه لانه من الالقاء فى التهلكة فيكون الظن اوالقطع بالضرر ماخوذا بنحوالموضوعية فى التحريم وهوخارج عن بحث التجري المرتبط بالقطع الطريقى، واما البحث عن مدارك كل من المسالتين الفقهيتين فهوموكول الى محله من الفقه.

4-التمسك بالاخبار لحرمة التجري:

وقد يستدل على حرمة التجري بالروايات الدالة على العقاب بقصد المعصية ولا يبعد ان يكون ظاهر ذلك التجري فى الشبهة الموضوعية بان يكون اصل حرمة فعل ثابتا كبرويا ولكن يقصده المكلف خارج، كالنبوي الدال على انه(اذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول كلاهما فى النار قيل هذا القاتل فما بال المقتول قال(ص)لانه اراد قتل صاحبه)((12)).

وقد ناقش فى الاستدلال بها السيد الاستاذ بانها على تقدير تماميتها سندا ودلالة لا تدل على اكثر من حرمة قصد المعصية الواقعية فلا ربط لها بالحرام الخيالى وما يعتقده المكلف حراما مع عدم كونه حراما فى الواقع((13)).

وهذا الاعتراض غير سديد، فانه اذا سلم دلالتها على حرمة قصد المعصية فلا فرق حينئذ بين قصد المعصية فى مورد لوصدر الفعل منه كان مصادفا للواقع اولا فانه من حيث قصد المعصية لافرق بينهما اصلا كما لا يخفى، كما انه اذا ثبتت حرمة التجري على مستوى القصد فتثبت فى التجري على مستوى اشد وهوالاقدام على الفعل ايضا.

والصحيح فى منع هذا الاستدلال ان هذه الروايات ان تم شىء منها سندا فبين ما لا يدل على اكثر من استحقاق العقوبة على القصد وهواعم من الحرمة، وبين ما يدل على حرمة نفس الرضاوالنية السيئة اونفس الالتقاء بالسيف بملاك قائم فيها مع قطع النظر عن الفعل الخارجى الاخر.

ثم ان هناك طائفة اخرى من الروايات تدل بظاهرها على نفى العقاب على مجرد نية الحرام من دون التلبس به.

وقد جمع بينهما السيد الاستاذ بحمل الطائفة الاولى على ما اذا قصد المعصية ولم يرتدع من قصده حتى حيل بينه وبين العمل والطائفة الثانية على ماذا ارتدع عن قصده بنفسه، وذلك بتطبيق قاعدة انقلاب النسبة لان النبوي المتقدم بمقتضى ذيلها يدل على العقاب فتخصص الطائفة الاولى بفرض عدم الارتداع لا محالة((14)).

وهذا الجمع مضافا الى عدم قبول مبناه-وهوكبرى انقلاب النسبة-غير صحيح لان النبوي اما ان يستظهر منها حرمة نفس الالتقاء بالسيف كحرام مستقل ويفهم من ارادة القتل فى ذيلها ذلك فيكون اجنبيا عن محل الكلام، واما ان يحمل ارادة القتل فيها على مجرد قصد القتل فحينئذ لا وجه لدعوى اختصاصها بما اذا لم يكن يرتدع فان قصد القتل وارادته اعم من ذلك اللهم الا ان يقال ان القدر المتيقن من هذه الطائفة وموردها ذلك، ولكنه قد حقق فى محله ان مجرد وجود قدر متيقن بين الطائفتين المتعارضتين لا يكون وجها للجمع العرفى بينهما بتخصيص كل منهمابالمتيقن من مضمونه.

فالصحيح حمل الطائفة الثانية على نفى فعلية العقوبة تفضلا ومنة من اللّه سبحانه على عباده لانها ليست ظاهرة فى اكثر من نفى فعلية العقاب، بل وفى السنة بعضها القرينة على ذلك من قبيل ما دل على(ان اللّه تفضل على آدم على ان لا يكتب على ولده وذريته ما نووا ما لم يفعلوا)وما دل على ان الملائكة الموكلين بتسجيل الذنوب يمهلون العباد ولا يكتبون بمجرد النية وقصدالمعصية، فان هذه الالسنة بنفسها تدل على ثبوت الاستحقاق الذي تدل عليه الطائفة الاولى وانما لا فعلية ولا تسجيل منة وفضلا من اللّه سبحانه لعباده فلا تنافى بين الطائفتين اصلا. وهكذايثبت عدم الدليل على حرمة التجري شرعا.

تنبيهات:

الاول-قد عرفت عدم اختصاص التجري بفرض القطع بالحرمة بل يجري فى كل مورد يتنجز التكليف لعدم وجود مؤمن عن التكليف الواقعى المحتمل ولوجاء به برجاء عدم مصادفة الحرام الواقعى عليه بجميع حصصه وصوره حتى صورة رجائه لعدم المصادفة مع الحرام الواقعى لكون اقدامه تجريا وخروجا عن مراسم العبودية والطاعة لمولاه ومجرد رغبته ورجائه ان لا يصادف الحرام الواقعى لا يرفع موضوع حق المولى.

نعم وقع الكلام فيمن حصل على مؤمن على الارتكاب ولكنه اقدم على المشتبه برجاء مصادفة الحرام كمن شرب مستصحب الحلية برجاء ان يكون هوالحرام الواقعى فذكر المحقق النائينى(قده)ان هذا تجر ايضا ويترتب عليه احكامه.

والتحقيق-انه لواريد اعتبار نفس الفعل الذي اقدم عليه تجريا وقبيحا فهوغير تام، لانه بحسب الفرض له مؤمن شرعى يستند اليه، وان اريد اعتبار حالته النفسانية وهوشوقه نحوالحرام الواقعى اوعدم مبالاته بحفظ احكام الشارع وملاكاته تجريا فهذا صحيح فان حق الطاعة التى ندركها لمولانا وخالقنا يشمل مثل ذلك ايض، لانه حق مطلق يستحق صاحبه الانقياد والطاعة المطلقة حتى على هذا المستوى، الا ان هذا لا ربط له بشرب المايع برجاء مصادفته للخمر الواقعى بل يرتبط بالفعل النفسانى والاستعداد والاهتمام.

الثانى-ذهب صاحب الفصول(قده)بناء على ان الحسن والقبح يختلفان بالوجوه والاعتبارات الى القول بوقوع الكسر والانكسار بين قبح التجري وبين المصالح الواقعية للمولى فيقدم الاقوى والغالب منهم، فربما يرتفع قبح التجري اذا صادف واجبا واقعيا فيه مصلحة كبيرة وربما يشتد قبحه فيما اذا صادف مكروها واقعيا وربما يتعدد القبح اذا صادف الحرام الواقعى.

واجاب المحقق العراقى(قده)عليه بان قبح التجري مرتبته متاخرة عن مرتبة الحكم الواقعى لان مرتبته مرتبة العصيان المتاخر عن الحكم فلا يقع بينهما المنافاة، وكانه طبق فى المقام الجواب المذكور فى مبحث كيفية الجمع بين الحكم الواقعى والحكم الظاهري.

ويرد عليه:مضافا الى بطلان هذا الوجه للجمع ودفع المنافاة هناك على ما سوف ياتى فى محله، ان صغرى التاخر فى الرتبة انما هوبلحاظ تعلق القطع بالحكم الواقعى وتاخره عنه وهذا انمايكون بلحاظ الحكم المقطوع به لا الحكم الواقعى الاخر كالوجوب ومصلحته التى اوقع صاحب الفصول بينه وبين قبح التجري الكسر والانكسار.

والصحيح فى الجواب ما تقدم من ان الحسن والقبح ليسا مجعولين من قبل العقلاء وبملاك حفظ المصلحة ودفع المفسدة بل هما بابان عقليان مستقلان عن المصلحة والمفسدة، فرب ما فيه مصلحة يكون اقدام المكلف عليه قبيحا ورب ما فيه المفسدة يكون الاقدام عليه حسن، والبابان يختلفان موضوعا ومحمول، فان المصلحة والمفسدة امران واقعيان وجوديان بخلاف الحسن والقبح فانهما امران ذاتيان حقيقيان فى لوح الواقع الذي هواوسع من لوح الوجود، كما ان المصلحة والمفسدة لا يشترط فى تحققهما وموضوعهما العلم اوالالتفات بخلاف الحسن والقبح فانهما متقومان بذلك على ما تقدم مفصلا فلا ينبغى الخلط بينهما.

نعم ربما يكون احراز المصلحة فى مورد رافعا لموضوع القبح كما فى ضرب اليتيم لمصلحة تاديبه ومنه يعرف ان ما صنعه صاحب الفصول من التعامل مع المصلحة والقبح كامرين واقعيين يقع بينهما الكسر والانكسار مع قطع النظر عن احراز المكلف للمصلحة غير سديد.

الثالث-ذكر المحقق العراقى ان ثمرة القول بقبح التجري تظهر فى العبادات فيما اذا تنجز على المكلف حرمة عبادة ما-كصلاة الجمعة-بالحرمة الذاتية مثلا ومع ذلك جاء بها المكلف برجاء صحتها وعدم حرمتها ثم انكشف عدم حرمته، فبناء على قبح التجري لا يقع الفعل صحيحا بل باطلا لعدم امكان التقريب بالقبيح وان لم يكن محرما شرعا واما بناء على عدم القبح فتقع صلاته صحيحة ومجزية.

وفيه-ان الفعل العبادي يقع باطلا على كل تقدير لان المقصود من التقرب والاتيان بالفعل من اجل المولى ان يفعله بداعى المولى، اي ان يكون حال المولى بحسب نظره على تقدير الفعل احسن منه على تقدير الترك ومع فرض تنجز الحرمة عليه كيف يتاتى للمكلف ان ياتى بالفعل بداعى المولى فهذه الثمرة غير تامة.

الجهة الثالثة: اقسام القطع ومدى قيام الامارة مقامه

الجهة الثالثة-فى تقسيمات القطع وقيام الامارات والحجج مقامها فقد قسم الى الطريقى والموضوعى، والاول ما كان الحكم ثابتا فى مورده مع قطع النظر عنه سوا كان قطعا بصغرى الحكم كالخمرة اوبكبراه كتحريم كل خمر، والثانى ما كان للقطع نفسه دخل فى ترتب الحكم ومنه يظهر انه يمكن ان يكون قطع بحكم طريقا الى ذلك الحكم وموضوعا لحكم آخر وهذا واضح وانما البحث فى عدة مقامات.

المقام الاول: تقسيمات القطع الموضوعى:

المقام الاول-فى اقسام القطع الموضوعى، وقد قسم القطع الموضوعى الى اقسام اربعة فقد قسم الشيخ الاعظم القطع الموضوعى الى قسمين ما اخذ موضوعا بما هوطريق الى الواقع ومااخذ موضوعا بما هوصفة فى النفس. واضاف صاحب الكفاية (قده)انقساما آخر حيث قسم كل من القسمين الى ما يكون القطع تمام الموضوع لذلك الحكم وما يكون جزء الموضوع والواقع المقطوع به جزءه الاخر.

وقد اثير الاشكال على كل من التقسيمين.

اما بالنسبة الى تقسيم الشيخ(قده)فقيل بان القطع الموضوعى دائما يكون ماخوذا بما هوكاشف ولا يمكن اخذه بما هوصفة وبقطع النظر عن حيثية الكشف لان الكاشفية ذاتية للقطع بل ليس القطع شيئا زائدا على الكشف ليعقل اخذه بما هوصفة وبقطع النظر عن كاشفيته، اذن فليس القطع الموضوعى ماخوذا الا بنحوالكاشفية غاية الامر تارة يكون بنحوتمام الموضوع واخرى بنحوجزء الموضوع والواقع جزءوه الاخر.

وكان المحقق الخراسانى(قده)اراد الاجابة على هذا الاشكال بعبارة فى الكفاية يحتمل فيها احد وجهين كلاهما غير تام:

الاول-ان العلم كما اشتهر بين الحكماء نور فى نفسه ونور لغيره فله جنبتان نورية، فقد تلحظ نوريته لنفسه فيكون صفتي، وقد يلحظ نوريته لغيره فيكون بنحوالكاشفية.

وفيه-ان المقصود ان العلم نفسه النور والظهور فكل شىء يوجد ويظهر فى النفس بالعلم واما العلم فظهوره بنفسه، وحينئذ ان اريد من اخذ العلم بنحوالصفتية اخذه بما هوحالة حاضرة فى النفس ومع قطع النظر عن نوريته فما اكثر الامور غيره من حالات النفس ايضا كالحب والبغض فيكون الموضوع مطلق ما يحضر فى النفس من المجردات وهوخلاف المفروض، وان اريدخصوصية النورية فهى عين الكاشفية.

الثانى-ان العلم من الصفات الحقيقية-اي المتاصلة لا الاعتبارية-ذات الاضافة-اي ليست كالاعراض تحتاج الى موضوع فقط بل تحتاج الى ما تضاف اليه وتتعلق به ايضا-فان اخذ العلم موضوعا للحكم بقطع النظر عن اضافته الى متعلقه كان صفتي، وان اخذ بما هومضاف الى متعلقه كان على نحوالكاشفية.

وفيه-ان اريد اضافة العلم الى المعلوم بالذات فاضافته اليه اضافة اشراقية -بحسب مصطلح الحكماء لا مقولية اي لا تعدد بينهما ولا تغاير الا بالاعتبار والتحليل- فهى عين العلم وليس شيئااخر زائدا عليه، وان اريد اضافته الى المعلوم بالعرض خارجا فهما وان كانا شيئين ووجودين ولكنه ليست هذه الاضافة من مقومات العلم ولا لازما فيه بدليل انه قد لا يكون مصادفا للواقع اصل، بل فى فرض المصادفة ايضا ليست الاضافة حقيقية بل مجازية، وبالعرض. وسوف ياتى مزيد تعليق على ارادة هذه الاضافة.

والصحيح فى تصوير هذا التقسيم ان يقال:ان العلم وان كان بنفسه انكشافا لكن له ملازمات فى الخارج وجودية اوعدمية كراحة النفس واطمئنانها واستقرارها وسكونها وغير ذلك، وحينئذتارة يؤخذ العلم بما لها هذه الخصوصيات الصفتية الموضوعية، واخرى يؤخذ بما هوانكشاف وظهور بالذات للمعلوم، والاول هوالموضوع على نحوالصفتية والثانى هوالموضوع على نحو الكاشفية.

وان شئت قلت:ان العلم فيه جنبتان جنبة انه انكشاف للعالم وجنبة انه انكشاف فيه اي انكشاف لغيره، والخصيصة الثانية ليست مقومة للعلم بدليل ثبوت العلم للباري مع انه نفس المنكشف له لا غيره، وعليه فاذا لوحظ العلم بما هوانكشاف فى النفس كان صفتي، واذا لوحظ بما هوانكشاف للعالم كان على نحوالكاشفية. وظاهر دليل اخذ العلم موضوعا اخذه بما هوانكشاف له لا بماهوانكشاف فيه.فهذا التقسيم لا غبار عليه.

واما بالنسبة الى تقسيم الكفاية لكل من القسمين الى ما اخذ تمام الموضوع وما اخذ جزء الموضوع والجزء الاخر هوالواقع المنكشف به.فقد اعترضت عليه مدرسة المحقق النائينى(قده)بان العلم الماخوذ بنحوالكاشفية لا يكون الا جزء الموضوع ولا يعقل اخذه بنحوتمام الموضوع لان معنى كونه تمام الموضوع انه لا دخل للواقع فى الحكم، ومعنى كونه ماخوذا بنحوالطريقية ان للواقع دخلا فى الحكم فالجمع بين الامرين تناقض((15)).

والواقع ان صاحب هذا الاشكال يفهم من الكاشفية غير ما يريده صاحب التقسيم الرباعى وغير ما افترضه صاحب الاشكال المتقدم، فالكاشفية التى يريدها صاحب التقسيم للعلم الانكشاف الذاتى الحاصل للعلم سوا كان مصادقا للواقع ام ل، والكاشفية التى تفترضها مدرسة الميرزا الانكشاف بالعرض والمجاز اي الاصابة للواقع، فلواريد اخذ هذه الحيثية العرضية فى العلم موضوعا فهذا كما افيد لا يمكن ان يكون الا بنحوجزء الموضوع بحسب النتيجة لاتمام الموضوع لان فرض الاصابة لا يمكن الا مع فرض وجود الواقع.الا ان هذه الحيثية ليست من مقومات العلم ولا يكون اخذ مفهوم العلم واليقين فى موضوع حكم مساوقا مع اخذ اصابته للواقع وكاشفيته بهذا المعنى المجازي.بل على العكس يكون مقتضى اطلاق دليل اخذ العلم موضوعا نفى الكاشفية بهذا المعنى لانه يقتضى اخذ مطلق العلم سوا كان مطابقا للواقع اومخالفا له، فكما يتمسك باطلاق العلم بلحاظ مناشئه واسبابه كذلك يتمسك باطلاقه من حيث الاصابة وعدم الاصابة.

وهكذا يتضح انه يصح تقسيم القطع الموضوعى الى الاقسام الاربعة كما افاد صاحب الكفاية.

نعم اضاف فى الكفاية قسما جديدا للقطع الماخوذ على نحوالصفتية وهوالقطع الماخوذ بما هوصفة للمقطوع به حيث قسمه الى ما يكون على نحوجزء الموضوع اوتمامه.

وفيه-ان اراد من المقطوع به المعلوم بالذات فليس هذا قسما اخر للقطع الصفتى فى قبال ما مضى، فان القطع الماخوذ بنحوالصفتية للقاطع تكون خصوصية المعلوم ايضا ماخوذة فيه والا لزم ثبوت الحكم عند القطع باي شىء من الاشياء، فاضافة العلم الى معلوم معين كاضافته الى العالم ماخوذ فى موضوع الحكم عليه والا كان كل قطع ومن كل قاطع محققا لموضوع الحكم فى حق غير القاطع ايضا. وان اريد من المقطوع به المعلوم بالعرض فقد عرفت ان هذا هوالكاشفية بالمعنى المجازي والذي ذكرنا ان مفهوم القطع ليس مساوقا معه.على انه حينئذ لا يصح تقسيمه الى ما يكون تمام الموضوع وما يكون جزء الموضوع لان هذه الاضافة المجازية مساوقة مع الاصابة ولزوم وجود الواقع فلا يكون الحكم ثابتا من دونه.

ومن مجموع ما تقدم يتضح ان كيفية اخذ القطع فى موضوع حكم شرعى يعقل باحد انحاء خمسة:

1-اخذه بما هوتمام الموضوع.

2- اخذه بما هوصفة جزء الموضوع.

3- اخذه بما هوانكشاف بالذات تمام الموضوع.

4- اخذه بما هوانكشاف بالذات جزء الموضوع.

5- اخذه بما هوانكشاف للواقع بالعرض والمجاز وهويساوق كونه جزء الموضوع.

كما اتضح ان ظاهر اخذه بنحوالكاشفية اخذه بما هوانكشاف بالذات لا بالعرض والمجاز.

المقام الثانى: قيام الامارة مقام القطع الطريقى:

المقام الثانى- فى قيام الاماراة مقام القطع الطريقى، وبالرغم من عدم الاشكال فى قيام الامارة مقام القطع الطريقى اثباتا لكونه هوالمتيقن من دليل الحجية بل هوالغاية من جعله، الا انه قد وقع الاشكال فى ذلك ثبوتا حيث قد يتوهم استحالة ذلك من باب ان الامارة اذا قامت مقام القطع الطريقى فان نجزت الواقع المشكوك مع كونه مشكوكا فهو خلاف قانون قبح العقاب بلا بيان العقلى، وان انشات حكما ظاهريا ونجزته ففيه:

اولا-انه خلاف ما سوف ياتى من ان الحكم الظاهري ليس له تنجيز مستقل عن الحكم الواقعى المشكوك.

وثانيا-ان هذا ليس معناه التنزيل وقيام شىء منزلة القطع الطريقى المنجز للحكم الواقعى بل هوتنجيز بملاك حكم آخر وهوالحكم الظاهري وقد وصل الى المكلف بالعلم الوجدانى.

وهذه الشبهة مع شبهة ابن قبة هما الشبهتان اللتان حركتا الفكر الاصولى فى باب الامارات والاحكام الظاهرية باتجاه التماس تخريجات وتفسيرات لحقيقة هذا الحكم وكيفية الجمع بينه وبين الحكم الواقعى.

والصحيح:ان هذه الشبهة لا اساس لها على مبنانا وانما ينتهى اليها كشبهة بناء على مسالك القوم-اي بناء على الاعتراف بقاعدة قبح العقاب بلا بيان كحكم عقلى مستقل عن مسالة حق الطاعة-والوجه فى ذلك واضح فانه بناء على مسلك حق الطاعة للمولى فى موارد الشك والجهل بالواقع لا اشكال فى الاماراة المنجزة لكونها بحسب الحقيقة مؤكدة للحق المذكوروموجبة لمزيد مسؤولية العبد تجاه مولاه فى تلك الواقعة التى دلت الامارة على الالتزام الشرعى فيها. واما الامارة المؤمنة الدالة على الترخيص فهى ايضا لا تكون منافية مع حكم عقلى لان العقل وان كان يحكم بالتنجيز لولا قيام الامارة المرخصة الا ان ذلك كان من باب حق الطاعة والمولوية، وواضح ان هذا مرتفع موضوعا مع قيام طريق قد اذن الشارع على اساسه فى الاقدام، فانه مع هذا الاذن يكون الاقدام جريا على طبق العبودية وقانون الرقية ولا يكون سلبا لحق مولوي كما هوواضح.نعم يبقى الاشكال فى كيفية تعقل صحة الاذن المذكور المعبر عنه بالحكم الظاهري واجتماعه مع الحكم الواقعى بنحولا يلزم منه التضاد اومحذور آخر، وهذا هوالشبهة الاخرى التى اثارها ابن قبة وسوف ياتى التعرض لها وحلها.

واما على مسالك المشهور فقد يجاب على الشبهة بجواب مبتن على تصورات مدرسة المحقق النائينى(قده)وذلك بان يقال:ان البيان الماخوذ عدمه موضوعا فى قاعدة قبح العقاب بلا بيان قد تم ووجد بقيام الامارة لان دليل الحجية قد جعل الامارة علما وبيانا.

وهذا المدعى تارة يبين بلسان الحكومة وان دليل الحجية ينزل الظن الخبري مثلا منزلة العلم فيكون حاكما على دليل قبح العقاب بلا بيان على حد حاكمية دليل (الطواف بالبيت صلاة)على دليل(لا صلاة الا بطهور)وحينئذ يكون الاشكال فيه واضح، فانه يرد عليه:

اولا-ان الحكومة انما تتصور بلحاظ احكام مشرع واحد بان يحكم دليل تشريع من تشريعاته على دليل تشريعه الاخر ولا تتصور بين ادلة احكام مشرع بالنسبة لاحكام العقل العملى كمافى المقام.

وثانيا-ان الحكومة ليست فى روحها الا التخصيص، غاية الامر انه بلسان التنزيل والتعبد برفع الموضوع من دون ان يكون الموضوع مرتفعا حقيقة، ولذلك ارجعنا الحكومة الى القرينة الشخصية فى بحوث التعارض، وعليه فكون دليل الحجية بلسان الحكومة لا يغير من جوهر المسالة شيئا ولا يعالج الاشكال القائل بمناقضة الجعل المذكور مع الحكم العقلى بقبح العقاب بلا بيان.

واخرى يبين المدعى بلسان الورود وان موضوع القاعدة هوالبيان الاعم من الظاهري اوالواقعى. وان شئت قلت:الاعم من العلم الوجدانى والتعبدي فيجعل العلمية للامارة يتحقق فرد من هذا الجامع حقيقة.

وهذا البيان وان كان احسن حالا من سابقه ولكن على اي حال سوا قرر المدعى به اوبالبيان المتقدم يرد عليه بان هذا ليس علاجا لروح الاشكال وانما يتناول السطح الظاهري والصياغى للمسالة ليس ال، فان كون المجعول فى باب الامارة الطريقية والعلمية اولا مجرد تعابير صياغية لفظية لا يغير جوهر الحكم الظاهري المجعول شيئ، ولا يمكن ان يكون مجرد هذا التعبيروالاعتبار سببا لارتفاع المناقضة مع الحكم العقلى بقبح العقاب بلا بيان بل لا بد من التفتيش عن نكتة ثبوتية فى نفس الحكم الظاهري المجعول لرفع التناقض حتى لولم يكن الجعل بلسان جعل الطريقية والعلمية، كما هوكذلك فى موارد الاصول العملية الشرعية غير التنزيلية كاصالة الاشتغال الشرعية مثلا فانه لا اشكال عند احد فى انه على تقدير جعله فى مورد تكون مقدمة على البراة العقلية ايضا.

فالصحيح فى العلاج ان يقال:انه لوتنزلنا عن انكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان وسلمنا بها فلا بد وان لا نسلم بها على اطلاقها بل فى قسم مخصوص من الاحكام وهوالحكم المشكوك الذي لا يعلم بانه على تقدير ثبوته فالمولى لا يرضى بتفويته حتى من الشاك لمزيد اهتمامه به كما فى مورد احتمال هلاك المولى نفسه مثل، واما الحكم الشرعى المشكوك الذي يعلم فى مورده بانه على تقدير ثبوته فالمولى لا يرضى بتفويته فالعقل لا يحكم بقبح العقاب بل يحكم بالعقاب على تقدير التفويت، كما يشهد بذلك مراجعة حكم العقلاء فى مورد المثال المذكور، ودليل الحكم الظاهري المنجز يكون بحسب الحقيقة دالا على ان التكليف فى مورده من هذا القسم فيرتفع موضوع القاعدة العقلية لا محالة.

ووجه هذه الدلالة قد يقرب بطريق الان، وذلك بان يدعى كشف دليل الحكم الظاهري الالزامى عن اهتمام الشارع بالحكم الواقعى المشتبه حتى فى حال الاشتباه لكونه معلولا عن هذه المرتبة من الاهتمام، الا ان هذا موقوف على ان يضم الى دليل الحكم الظاهري البراهين المذكورة فى حقيقة الحكم الظاهري والتى تثبت ان الحكم الظاهري لا يعقل دفع محذور التضاداوالتصويب اوغير ذلك فيه الا بافتراض انه حكم ناشئ عن ملاك التحفظ على الواقع والاهتمام به، فيعلم من ذلك بان الحكم الواقعى المشتبه على تقدير وجوده فى مورد الحكم الظاهري مما يهتم به المولى فيرتفع بالعلم بهذه القضية الشرطية موضوع القاعدة العقلية.

ويمكن ان يقرب بدلالة عرفية لا عقلية بدعوى بان هذا هوالمستظهر من ادلة الاحكام الظاهرية اللفظية وهوالنكتة العقلائية ايضا من ورا جعل الحجية العقلائية الممضاة شرعا فى الادلة اللبية.

وبما بيناه اتضح ان فذلكة دفع الشبهة انما هوبمقدار ما يبرزه الخطاب الظاهري من مرتبة الاهتمام المولوي بالملاكات الواقعية ايا كان لسان الانشاء والجعل وصياغة الحكم الظاهري من جعل الطريقية اوالمنجزية اوالحكم المماثل اوغير ذلك، فان ذلك كله تفننات فى الصياغة والتعبير ولا دخل لها فى اصل المطلب.

ثم انه يظهر من بعض كلمات المحقق العراقى(قده)محاولة للجواب على هذه الشبهة بان الخطاب الظاهري فى مورد الامارة اوالاصل امره مردد بين ان يكون مطابقا للواقع فيكون خطاباواقعيا منجز، اذ لا نريد بالخطاب الواقعى المنجز عقلا الا خطابا وراه ملاكات ومباديء حقيقية، وبين ان يكون خطابا ظاهريا اجوف لا ملاك وراه. وبما ان اصل الخطاب معلوم وجدنا فهذايعنى انه على احد التقديرين وهوتقدير مطابقة الخطاب للواقع يكون البيان ثابتا فى حقنا فيكون المقام شبهة مصداقية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا يصح التمسك بها.

والجواب-بعد الفراغ عن ان الخطاب الظاهري ليس بنفسه منجزا يكون المعلوم هوالخطاب المردد بين كونه واقعيا منجزا اوظاهريا غير منجز والعلم بالجامع بين ما يتنجز ولا يتنجز ليس بمنجز، وان شئت قلت:ان ما هوموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان انما هوكونه واقعيا فمن دون العلم بذلك يقبح العقاب بلا بيان.

ومن مجموع ما اوضحناه اتضحت عدة امور:

1- ان صاحب الكفاية(قده)فى بحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعى قد اختار ان المجعول فى باب الاحكام الظاهرية هوالمنجزية والمعذرية، وقد استشكل عليه من قبل مدرسة المحقق النائينى(قده)بان جعل المنجزية والمعذرية غير معقول، اذ لواريد واقع المنجزية فهوحكم عقلى لا معنى لجعله من قبل الشارع، وان اريد عنوان المنجزية ومفهومها فالانشاء وان كان سهل المؤونة الا ان مثل هذا الانشاء لا يعقل ان يكون مستتبعا للمنجزية حقيقة لانه على خلاف قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

وقد تبين مما ذكرناه ان هذا الاعتراض فى غير محله وهوجري وتعامل مع قاعدة قبح العقاب بلا بيان كدليل من الادلة اللفظية بحيث لا يمكن رفع اليد عنها الا بتبديل موضوعها من اللابيان الى البيان والعلم، وقد عرفت ان هذا التصور غير تام وان تنجيز الامارة للواقع المشكوك روحه وملاكه ان الخطاب الظاهري يكشف عن اهتمام المولى بخطابه الواقعى على تقدير وجوده بنحوالقضية الشرطية، وهذا لا يفرق فيه ان يكون ابراز ذلك بلسان جعل الامارية والطريقية اوبلسان جعل المنجزية اوغير ذلك فلصاحب الكفاية اولا-اختيار ان المجعول عنوان المنجزية والمعذرية وذلك كاف فى رفع موضوع القاعدة باعتبار مدلوله التصديقى المستكشف من خلال هذه الجعل.

وثانيا-اختيارا ان المجعول واقع المنجزية فانه وان كان امرا واقعيا مدركا بحكم العقل الا انه قابل للجعل تبعا وبالتسبيب وذلك بايجاد ملاكه ومنشاه وهوابراز اهتمام المولى وعدم ترخيصه فى المخالفة الاحتمالية، كما وقع ذلك فى ادلة الاحكام الاولية الواقعية، حيث كثيرا ما يبرز الحرمة ببيان مدى العقاب المترتب على الارتكاب والمخالفة، فمسلك جعل المنجزية كسائر المسالك المتبناة من قبل المحققين يمكن ان يكون صياغة معقولة لجعل الحكم الظاهري.

2-بعد ان فرغوا عن استحالة جعل المنجزية للامارة رتبوا على ذلك انه لا يمكن تنزيل الظن منزلة العلم ابتدا لان التنزيل معناه اسرا حكم المنزل عليه على المنزل، وقد فرضنا ان الحكم فى المقام وهوالمنجزية غير قابل للجعل ومن هنا حاولوا تخريج قيام الظن والامارة منزلة العلم على اساس اخر.

وقد اتضح على ضوء ما تقدم ان لسان التنزيل ايضا لسان من السنة الحجية وجعل الحكم الظاهري اما بان يفرض ان هذا التنزيل بلحاظ حيثية شدة اهتمام المولى فيكون مرجعه الى الاخبارعن اهتمام بالتكاليف المظنونة كالمقطوعة، واما بان يكون تنزيلا بلحاظ المنجزية التى قد عرفت انها قابلة للجعل تبعا وتسبيب، اوعنوان، واما ان يكون بمعنى انشاء نفس التنزيل فان هذا ايضاصالح لابراز الاهتمام، فكل هذه الصياغات والتفننات معقولة فى نفسها وتؤدي غرضا ثبوتيا واحدا.

3-انهم حاولوا تخريج قيام الامارة مقام العلم الطريقى على احد اساسين:

1- ما صنعته مدرسة المحقق النائينى(قده)من ان المجعول فى الامارات هوالطريقية واعتبار الامارة علما من دون تنزيل واسرا فيرتفع اللابيان وينقلب بيانا وعلما.

وقد اتضح مما سبق ان هذا كله مرتبط بالالفاظ ونظر الى عالم الصياغة فان مجرد جعل الحكم الظاهري ان كان يكشف عن اهتمام المولى فهذا هوملاك لرفع موضوع القاعدة سوا انشاه بعنوان جعل العلمية اوجعل الحكم المماثل اوجعل المنجزية، والا فمجرد اعتبار ما ليس بعلم علما لا يغير واقعا ولا يرفع موضوع الحكم العقلى كما لوفرضنا ان المولى انما جعل العلمية لامن اجل التحفظ على الواقع بل لان شخصا اعطاه دينارا لكى يعتبر ما ليس بعلم علما.نعم هذا مجرد لسان فنى للصياغة بل من اجود السنة صياغة الحكم الظاهري. والغريب ان هذه المدرسة اشكلت على المحقق الخراسانى(قده) القائل بجعل المنجزية فى الامارات بانها غير قابلة للجعل الا عنوانا وهولا يرفع موضوع القاعدة لانه مجرد اعتبار، مع انك عرفت ان المنجزية قابلة للجعل العنوانى وللجعل الحقيقى التبعى، واما جعل الطريقية والعلمية للامارة فلا يعقل الا بنحوالجعل العنوانى والانشائى الذي هوسهل المؤنة فكيف وافقت هذه المدرسة بارتفاع موضوع قاعدة قبح العقاب بهذا الجعل العنوانى الانشائى ولم توافق على ما كان يعقل فيه الجعل الحقيقى والعنوانى معا؟.

2-ما ذهبت اليه مدرسة الشيخ الانصاري(قده)حيث ادعت ان التزيل بحسب الحقيقة لمؤدى الامارة منزلة المقطوع لان المؤدى اما حكم شرعى اوموضوع لحكم شرعى فيكون قابلاللاسرا الشرعى، الا ان هذا التخريج تبقى فيه نقطة فراغ حيث انه لا يوضح كيف يكون مثل هذا التنزيل رافعا لموضوع القاعدة العقلية.

وعلى كل حال قد عرفت ان كل هذه السنة وصياغات لا تمس روح الجواب بشىء وانما حقيقة الجواب ما شرحناه.

المقام الثالث: قيام الامارات مقام القطع الموضوعى

الماخوذ على وجه الطريقية:

المقام الثالث: فى قيام الامارات مقام القطع الموضوعى الماخوذ على وجه الطريقية. وقد وقع البحث فى امكانه ثبوتا لا من جهة الاشكال فى امكان التنزيل هنا شرعا لان اثر القطع الموضوعى شرعى بحسب الفرض فيعقل التنزيل بلحاظه.بل من ناحية منع امكان جعل ذلك بنفس دليل حجية الامارة وقيامها مقام القطع الطريقى، والغريب ان القوم اقتصروا على البحث الثبوتى دون مرحلة الاثبات وملاحظة ادلة الحجية وانها هل تفى باثبات هذا التنزيل اولا؟فكان توجههم الى عالم الامكان والاستحالة والصناعة.

وايا ما كان فقد صاغ المحقق الخراسانى برهان الاستحالة على النحوالتالى:

ان قيام الامارة مقام القطع الطريقى اوالموضوعى مرجعه الى التنزيل، كما عرفت، والتنزيل اذا كان بصيغة تنزيل المودى منزلة المقطوع فهذا انما ينتج قيامها مقام القطع الطريقى لان مفاده حينئذ جعل الحكم على طبق المقطوع لا القطع نفسه، واذا كان بصيغة تنزيل نفس الامارة منزلة القطع فهوينتج قيامها مقام القطع الموضوعى فيما له من الاحكام ولا ينتج قيامها مقام القطع الطريقى، لان الاثر المنزل عليه فى الطريقى مترتب على المؤدى والمقطوع به دون نفسه وملاحظة القطع فيه تكون على نحوالطريقية والمرآتية لا الموضوعية فاستفادة التنزيلين معا يستلزم اجتماع اللحاظين الالى والاستقلالى على شىء واحد وفى لحاظ واحد وهومحال.

ثم استدرك بانه لوكان هناك ما بمفهومه يمكن ان يكون جامعا بينهما امكن ذلك ولكنه لا يوجد.

وهذه العبارة قد تحمل على ارادة وجود مفهوم جامع بين اللحاظين الا انه ليس هوالمقصود لوضوح ان الجامع بين اللحاظين مفهوما موجود ولونفس عنوان اللحاظ ولكنه لا يجدي فى حل الاشكال لان مفهوم اللحاظ ليس لحاظا بالحمل الشايع فهوكغيره يتعلق به اللحاظ مع ان اللازم فى التنزيل المطلوب وجود اللحاظ بالحمل الشايع كما هوواضح.

بل الظاهر ان المقصود وجود مفهوم يعم الظن والمؤدي والقطع والمقطوع بحيث يكون له مصداقان فيكون تنزيلا واحدا كليا لذلك العنوان منزلة العنوان الاخر فينحل الى تنزيلين لا محالة وحيث انه لا جامع كذلك فتثبت الاستحالة.

والاشكال المذكور انما يتم فيما اذا لم يكن دليل الحكم الذي، اخذ فى موضوعه القطع قد اخذه بما هوحجة ومنجز فانه حينئذ يكون دليل حجية الامارة واردا على ذلك الدليل بلا حاجة الى تنزيل آخر وهذا خارج عن البحث، فمورد الاشكال ما اذا كان دليل الحكم الموضوعى قد اخذ القطع بما هوقطع موضوعا للحكم لا بما هوحجة لكى نحتاج الى حكومة وتنزيل.

ولحل هذا الاشكال يوجد موقفان، احدهما للمحقق الخراسانى(قده)والاخر للميرزا النائينى(قده) وقبل التعرض لهما على نحوالتفصيل نعلق على هذا المنهج بمايلى:

الصفحة السابقة

الصفحة التالية