الصفحة السابقة

الصفحة التالية

اما وجدانا-فلشهادته بان من يريد شيئا من غيره تكون نفس ارادته تلك محركة له الى ابرازها له ولوبترشيح ارادة غيرية منها نحوالابراز لا ان هناك ارادة نفسية اخرى تتعلق بالابراز.

واما برهانا-فكانه وقع خلط بين طوليتين، طولية المقدمة وطولية المقدمية بمعنى ان القسم الثانى من المقدمات طوليتها للارادة بلحاظ وجودها لا مقدميتها فان المقدمة اذا كانت فى طول الارادة وتحريكها استحال تحريك الارادة نحوها لان مقدميتها حينئذ فرع التحريك فيستحيل ان يكون التحريك نحوها باعتبار مقدميته، واما اذا كانت المقدمية من اول الامر غايته وجودالمقدمة يكون فى طول الارادة فلا اشكال فى تحريك الارادة نحوتلك المقدمة والمقام من هذا القبيل فان صدور الفعل خارجا من العبد متوقف على ابراز المولى لارادته كتوقفه على سائر المقدمات.

الوجه السادس-وهوايضا منسوب((30)) الى المحقق العراقى(قده)وكانه اريد به دفع شبهة اجتماع الضدين اوالمثلين وهومتوقف على مقدمة حاصلها:ان الوجود الواحد قد يكون له حيثيات متعددة بلحاظ بعضها يكون مطلوبا وباعتبار بعضها الاخر لا يكون كذلك، وهذا له تطبيق واضح فى المركبات الحقيقية والمحقق العراقى(قده) يطبقه على الوجود الواحد ايضا بلحاظ مقدماته اذا كانت متعددة فيقول:انه قد يكون الوجود الواحد من ناحية بعض مقدماته ومباديه مطلوبا دونه بلحاظ مباديه الاخرى ويستنتج من هذه المقدمة ان التكليف والمرام الواقعى للمولى لتحققه خارجا وانبعاث المكلف نحوه مقدمات عديدة راجعة للمولى، منها جعل الخطابا الواقعى ومنها جعل الخطاب الظاهري بالاحتياط حين جهله بالخطاب الاول الواقعى، وحينئذ ربما يفترض ان ذلك المرام من ناحية المقدمة الاولى الراجعة الى الخطاب الواقعى مراد ولكن من ناحية المقدمة الثانية الراجعة الى جعل خطاب ظاهري بايجاب الاحتياط غير مطلوب بل مرخص فى تركه ولا يلزم من ذلك التضاد لتعدد الحيثيات.

وهذا الوجه ايضا لا محصل له فانه يرد عليه.

اولا:ان ما فترض فى المقدمة من ان لوجود ذي المقدمات حيثيات متعددة بعدد مقدماتها غير معقول فى طرف الوجود، فان الوجود البسيط مهما تكثرت مقدماته فليس له الا باب واحدوهوباب تحقق جميع تلك المقدمات نعم هناك تكثر وتحصيص بلحاظ ابواب عدم ذلك الشىء فقد يعدم من ناحية عدم هذه المقدمة وقد يعدم من ناحية عدم مقدمته الاخرى فلا بد من تصحيح كلامه بما يرجع الى هذا المعنى.

وثانيا-ان ارادة سد باب عدم المرام من ناحية عدم الخطاب الواقعى ارادة غيرية لابد من فرض ارادة قبلها ببرهان ان هذه ارادة سد باب عدم المرام من ناحية عدم الخطاب الواقعى الذي هوكاشف عن الارادة فننقل الكلام الى تلك الارادة المبرزة بالخطاب الواقعى فان اجري فيها التحصيص المذكور ايضا فكانت غيرية كان لابد من ارادة قبلها تكون نفسية فلا بد من الانتهاءالى ارادة كذلك لاستحالة ان تكون ارادة سد باب العدم من ناحية عدم الخطاب نفسية كما اشرنا وبلحاظ الارادة النفسية يلزم التضاد فان مشكلة التضاد انما تكون بلحاظ ارادة الفعل النفسية كما هوواضح لا بلحاظ الارادة الغيرية لسد ابواب العدم من قبل المولى بجعل الخطابات.

وثالثا-وهويرجع الى الثانى روحا-ان ارادة سد باب العدم من ناحية عدم الخطاب الواقعى اما ان تكون ارادة غيرية اي قبلها ارادة اوانها تمام الارادة فى نفس المولى، فعلى الاول عرفت محذور التضاد وعلى الثانى فهذا يتحقق بمجرد جعل الخطاب الواقعى فانه به يكون عدم الامتثال من ناحية عدم جعل الخطاب الواقعى ممتنعا لا محالة فيكون تمام المراد نفس جعل الخطاب لا فعل المكلف.

ورابعا-ان لصدور المرام خارجا بابا واحدا دائما يسده المولى لان المكلف اما ان يعلم بالخطاب الواقعى اولا فالمكلف العالم ليس له الا باب عدم جعل الخطاب الواقعى واما جعل الخطاب الظاهري فلا اثر له بالنسبة اليه والمكلف الشاك ليس له ايضا الا باب عدم جعل الخطاب الظاهري بالاحتياط واما جعل الخطاب الواقعى فعدمه لا يوجب عدم المرام فليس هناك بابان للعدم ليقال احدهما سده تحت الطلب دون الاخر.

والصحيح فى كيفية الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية يتوقف بيانه على رسم مقدمات جملة من نكاتها قد تقدم البحث عنها عرضا وبالمناسبة الا ان موضعها الرئيسى المقام فنقول:

المقدمة الاولى-ان الغرض سوا كان تكوينيا اوتشريعيا اذا اصبح مورده معرضا للاشتباه والتردد فان كان بدرجة بالغة من الاهمية بحيث لا يرضى صاحبه بتفويته فسوف تتوسع دائرة محركيته فتكون اوسع من متعلق الغرض الواقعى، فمثلا لوتعلق غرض تكوينى باكرام زيد وتردد بين عشرة وكان الغرض بمرتبة لا يرضى صاحبه بفواته فلا محالة سوف يتحرك فى دائرة اوسع فيكرم العشرة جميعا لكى يحرز بلوغ غرضه، وهذه التوسعة امر وجدانى لا ينبغى النزاع فيه وهى توسعة فى المحركية وفاعلية الغرض والارادة لا فى نفسهما بل الغرض والحب والارادة باقية على موضوعها الواقعى وهواكرام زيد لا غيره اذ لا غرض نفسى فى اكرام غيره ليتعلق شوق اوارادة به ولا هومقدمة لوجود المراد وهواكرام زيد لتتعلق الارادة الغيرية به.ومرجع ذلك الى ان نفس احتمال الانطباق منشا لمحركية الارادة المتعلقة بالمطلوب الواقعى كالقطع به لشدة اهميته ونفس الشىء صادق فى حق الغرض التشريعى الذي يكون صاحب الغرض وهوالمولى ومتعلق غرضه فعل ماموره فانه اذا كان غرضه بدرجة عالية من الاهمية بحيث لا يرضى بفواته حتى مع التردد والاشتباه فسوف يوسع دائرة محركية غرضه من دون ان تتوسع دائرة نفس الغرض بمباديه وتكون توسعة دائرة المحركية هنا بمعنى جعل الخطابات تحفظ الغرض الواقعى باي لسان كان من الالسنة، فان ذلك لا يغير من جوهرها شيئا فان روحهاعبارة عن خطابات تبرز بها شدة اهتمام المولى بغرضه الواقعى بدرجة لا يرضى بفواته مع التردد والاشتباه. وبهذا يكون منجزا على العبد عقلا ورافعا لموضوع البراة والتامين العقلى على القول به لانه مشروط كما تقدم سابقا بعدم احراز اهمية غرض المولى بالنحوالمذكور.

وهذا يعنى ان الخطاب الموسع الذي هوالخطاب الظاهري ليس على طبقه غرض فى متعلقه ولكنه مع هذا ليس بمعنى ان المصلحة فى نفس جعله كما تقدم فى بعض الوجوه السابقة بل هذه الخطابات خطابات جدية وتحريكات مولوية حقيقة يراد بها التحفظ على الغرض الواقعى المهم فى نظر المولى ولهذا تكون رافعة لقاعدة البراة العقلية على القول به، وهذا بخلاف التصوير المشار اليه حيث قلنا ان مثله لا يكون منجزا عقل، لان التنجيز لا يكون باكثر من تنزيل العبد نفسه منزلة جارحة للمولى فاذا كان على هذا التقدير هناك تحرك من قبل المولى كان هناك تنجز وتحرك من قبل العبد والا فل، وفى التصوير المذكور لا تحرك منه لان المفروض تحقق الغرض بنفس جعل الخطاب بخلافه على هذا التصوير فانه قد اشرنا الى كيفية توسع دائرة المحركية التكوينية فى موارد الاشتباه والتردد.

وقد يتوهم:ان الغرض اذا فرض تكوينيا فما معنى التوسع فى محركيته من دون توسع فى نفس الغرض والارادة مع ان الافعال الصادرة خارجا كلها صادرة بالاختيار لا بالقسر فلابد من الالتزام بوجود ارادات متعددة بتعددها فيكون هناك توسع فى الغرض والارادة لا محالة غاية الامر ان هذه الارادات لا تكون نفسية بل طريقية.

والجواب-ان اريد بالارادة المعنى الفلسفى المعبر عنه بالشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات فنحن لا نسلم ان الفعل الاختياري يصدر عن امر من هذا القبيل وانما يصدر عن اعمال القدرة والسلطنة وما اكثر ما يصدر الفعل الاختياري من الانسان وهوغير مشتاق اليه اصلا بل مبغوض لديه وان اريد نفس صدور الفعل باختيار الانسان فهذا هومعنى توسع دائرة المحركية مع كون مصب الغرض والحب هوالمطلوب الواقعى فحسب.

المقدمة الثانية-ان التزاحم بين حكمين على ثلاثة اقسام:

1- التزاحم الملاكى وهوفيما اذا افترض وجود ملاكين فى موضوع واحد احدهما يقتضى محبوبيته والاخرى يقتضى ما ينافيها ويضادها كالمبغوضية مثلا فيقع التزاحم الملاكى بمعنى انه يستحيل ان يؤثر كل منهما فى مقتضاهما لمكان التضاد بينهما ومن خصائص هذا التزاحم انه لا يكون الا فى موضوع واحد والا لم يكن هناك اجتماع الضدين فلوكان كل من الملاكين فى موضوع اوحيثية تقييدية غير موضوع الاخر فلا محذور فى تاثيرهما معا فى ايجاد الحب والبغض. وكذلك من احكام هذا التزاحم تاثير اقوى المقتضيين بعد الكسر والانكسار فى ايجادمقتضاه وحينئذ يكون مقتضاه فعليا ومقتضى الاخر ساقطا مطلقا.

2- التزاحم الامتثالى-وهوما اذا كان الملاكان فى موضوعين وفعلين الا انه للتضاد بينهما لا يمكن الجمع بينهما فى مقام الامتثال فهذا التزاحم انما هوفى مرحلة الامتثال الناشىء من ضيق القدرة على الجمع والقدرة تكون دخيلة فى التحريك والامر ولا يشترط وجودها فى المحبوب اوالمبغوض ومن هنا تكون مبادي الحكم من الحب والبغض فعلية فى موارد هذا السنخ من التزاحم ما لم يفرض دخل القدرة فى الملاك والغرض نفسه.

3- التزاحم الحفظ ى-وذلك فيما اذا فرض عدم التزاحم الملاكى لتعدد الموضوع وعدم التزاحم الامتثالى لامكان الجمع بين مصب الغرضين والفعلين المطلوبين واقعا وانما التزاحم فى مقام الحفظ التشريعى من قبل المولى عند الاتشباه واختلاط موارد اغراضه الالزامية والترخيصية اوالوجوبية والتحريمية فان الغرض المولوي يقتضى الحفظ المولوي له فى موارد الترددوالاشتباه بتوسيع دائرة المحركية بنحويحفظ فيه تحقق ذلك الغرض فاذا فرض وجود غرض آخر فى تلك الموارد فلا محالة يقع التزاحم بين الغرضين والمطلوبين الواقعيين فى مقام الحفظ حيث لا يمكن توسعة دائرة المحركية بلحاظهما معا فلا محالة يختار المولى اهمهما فى هذا المقام. ومن هنا يعرف ان هذا التزاحم بين الغرضين والملاكين ليس بلحاظ تاثيرهما فى ايجاد الحب والبغض لانهما متعلقان بموضوعين واقعيين متعددين ولا بلحاظ تاثيرهما فى الالزام الواقعى بهما بقطع النظر عن حالة الاشتباه والتردد لانهما بوجوديهما الواقعيين مما يمكن الجمع بينهما بل بلحاظ تاثيرهما فى توسيع دائرة المحركية من قبل المولى وحفظه التشريعى لكل منهما بالنحوالمناسب له.

المقدمة الثالثة-ان الترخيص على قسمين فتارة يكون ناشئا من عدم المقتضى فى الالزام، واخرى يكون ناشئا من المقتضى فى الاباحة واطلاق العنان، بمعنى ان هناك مصلحة فى ان يكون العبد مطلق العنان من قبل مولاه وان كان كل من الفعل والترك خاليا عن مصلحة. وحينئذ يقع السؤال عن هذا الاخير وانه هل يعقل التزاحم بينه وبين مقتضى الالزام؟وباي قسم من اقسامه؟ والجواب:انه يعقل التزاحم الملاكى والحفظ ى بينه وبين مقتضى الالزام دون التزاحم الامتثالى اذ لا امتثال للترخيص ليقع التزاحم بينه وبين الالزام.

وعلى ضوء هذه المقدمات الثلاث نستخلص النتيجة المرجوة فى المقام فنقول:انه تارة يكون الحكم الظاهري الزاميا والواقعى ترخيصيا كما لواوجب المولى الاحتياط فى قسم من الشبهات باي لسان كان واخرى يفرض العكس وفى كليهما لا محذور.

اما فى القسم الاول فلان مرجعه الى ان المولى حينما يشتبه على عبيده احكامه الالزامية ولا يوجد طريق لرفع هذا الاشتباه له اولا مصلحة فى ذلك فلا محالة يحفظ اغراضه الالزامية الواقعية بتوسعة دائرة المحركية لها فيجعل حكما ظاهريا الزاميا روحه عبارة عن ايجاب الاحتياط نتيجة شدة اهتمامه باغراضه الواقعية الالزامية وعدم رضاه بفواته حتى فى حالات الشك والاشتباه بالمباحات الواقعية من دون ان يلزم من ذلك اجتماع الضدين فى مورد المباح الواقعى ولا المثلين فى مورد الحرمة الواقعية، لما قلناه فى المقدمة الاولى من انه لا توسعة فى غرضية الغرض بمباديه بل متعلقه هوالامر الواقعى وليست هذه الخطابات الا توسعة فى المحركية لذلك الغرض المنصب على متعلقه الواقعى، كما ان تقديم الغرض الالزامى لاهميته لايعنى زوال الاغراض الواقعية الترخيصية اوغيرها المخالفة مع الغرض الالزامى الذي رجحه المولى ذاتا وانما يعنى زوال حفظها التشريعى بتوسيع دائرة محركيتها ظاهرا لعدم اهميتها فى قبال الاغراض الالزامية المرجحة كما تقدم فى المقدمة الثانية فلا منافاة بين هذه التوسعة فى المحركية والاغراض الواقعية فى مورد المخالفة.

واما فى القسم الثانى فلعين ما تقدم فى القسم الاول باضافة نكتة ان الاحكام الترخيصية الواقعية فى هذا القسم لابد وان تكون عن مقتض للترخيص وان يكون العبد مطلق العنان من قبل مولاه ولا يكفى مجرد عدم المقتضى للالزام فان الحكم الترخيص الناشىء عن عدم المقتضى للالزام لا يمكنه ان يزاحم مقتضى الالزام،  فدليل جعل الحكم الظاهري الترخيصى بنفسه يدل على وجود اغراض ترخيصية اقتضائية من هذا القبيل. وكذلك الحال فيما اذا جعل حكم ظاهري الزامى فى مورد حكم واقعى الزامى مخالف.

وقد ظهر من مجموع ما تقدم معنى قولنا ان الغرض اذا كان بدرجة من الاهمية فيستدعى من المولى حفظه عند الاشتباه بتوسيع دائرة محركيته فان درجة الاهمية هذه يراد بها ما اذا كان حفظه التشرعى اهم من حفظ الغرض الاخر.

ومن هنا يعرف بان هناك فعليتين للغرض الواقعى، فعلية بقطع النظر عن التزاحم الحفظ ى وفى هذه الفعلية يكون الغرض الواقعى بمباديه من الحب والبغض والارادة فضلا عن الملاك محفوظا فى متعلقه الواقعى، وفعلية اخرى بلحاظ التزاحم الحفظ ى وتعنى فعلية المحركية لاحد الغرضين فى موارد الاشتباه والتزاحم الناشىء منه التى لا تكون الا لاهم الغرضين الفعليين بالفعلية الاولى. وغاية ما يدل عليه دليل القائل ببطلان التصويب هواشتراك العالم والجاهل فى الاحكام الواقعية الفعلية بالمعنى الاول اي اشتراكهما فى المصالح الواقعية والحب والارادة فضلا عن الجعل والاعتبار.

ثم ان ما ذكره صاحب الكفاية(قده)من وجود فعليتين للحكم الواقعى يمكن ان يراد به هذا المعنى وان كان تعبيره قاصرا عنه.

وهذا الذي ذكرناه فى وجه الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية واضح جدا فى فرض انسداد باب العلم واما اذا فرضنا انفتاح بابه وامكان سعى المكلف للوصول العلمى الى الواقع فلا بدلتصوير وقوع التزاحم الحفظ ى حينئذ من فرض عناية زائدة هى ان يفرض وجود مصلحة فى ان يكون العبد مطلق العنان من ناحية السعى والتعلم فيحكم بالترخيص من دون السعى حفاظاعلى مصلحة اطلاق عنان العبد من ناحيته.

ثم انه يمكن ان يستشكل على هذا الوجه للجمع باحد اشكالين:

الاول-ان الخطابات الواقعية انما تصدر بداعى المحركية والباعثية وليست مجرد ملاكات واغراض اوحب وبغض فالعلة الغائبة من الاحكام انما هوالانبعاث والتحرك من المكلفين، وحينئذيقال بان جعل الحكم الظاهري المخالف يكون نقضا لهذا الغرض من هذه الناحية وان لم يكن نقضا للغرض من ناحية مبادي الحكم.

وان شئت قلت:ان الحكم الواقعى لا يراد منه مجرد الحب والبغض بل ذلك زائدا المحركية والباعثية فالخطاب الواقعى بمعنى الحب والبغض المحركين لا يمكن ان يجتمع مع الحكم الظاهري المخالف له.

والجواب عليه-ان داعى المحركية والباعثية له احد معان اربعة:

1- داعى المحركية الفعلية. وهذا لا يحتمل ان يكون دخيلا فى حقيقة الحكم الواقعى لانه لا يناسب مع توجيه الخطاب الى العامى الذي يعلم بانه لا يتحرك بالفعل خارجا فلوكان الحكم كذلك لزم تخصيصه بالمطيع وهوواضح الفساد.

2- داعى المحركية الفعلية بضم قانون العبودية اي تسجيل الانبعاث عقلا على العبد كيفما اتفق. وهذا ايضا غير محتمل لاقتضائه اختصاص الخطابات بغير موارد العذر العقلى كموارد قاعدة قبح العقاب بلا بيان لوقيل به اوالقطع بالخلاف اوالغفلة والنسيان، اذ فى هذه الموارد لا يعقل تسجيل الانبعاث على العبد مع انه لا اشكال فى اطلاق الخطابات لجميع هذه الموارد عندناولغير الاخيرين عند الجميع مما يعنى ان الداعى العقلائى من الاحكام اوسع من المقدار المذكور.

3- داعى المحركية من قبل المولى اي ايجاد تمام ما يكون بيد المولى فى مقام تحريك العبد من التصدي المولوي لتحصيل مرامه بقطع النظر عن التامينات والاعذار العقلية.فالداعى هوان لا يكون هناك قصور فى الحجة من قبل المولى.

وبناء على هذا المعنى يكون جعل الحكم الظاهري نقضا للغرض لان معناه القصور فى المحركية من قبل المولى فى موارد الحكم الظاهري وان كان محفوظا وغير قاصر فى موارد التامينات العقلية من دون حكم ظاهري مولوي.

4- الا ان الصحيح بطلان هذه الفرضية ايضا لان ادلة الاحكام والخطابات الواقعية الاولية لا يستفاد منها اكثر من داعى التحريك والباعثية بلحاظ صلاحية نفس ذلك الخطاب وبقطع النظرعن العوامل الطارئة من التزاحمات وجعل التامينات الشرعية، وهوالذي عبرنا عنه بالفعلية الاولى. وهذا هوالاحتمال الرابع لداعى المحركية والباعثية وهومحفوظ حتى مع جعل الحكم الظاهري على الخلاف.

الثانى-اننا حينما نصور ثبوت الاحكام الواقعية فى مورد الحكم الظاهري لا بد وان نصورها بنحوتكون صالحة للدخول فى العهدة بحيث تكون متنجزة فى نفسها بحكم العقل لا مجردملاك ومصلحة من دون صلاحية الدخول فى العهدة عقلا فى نفسه فان مثل هذا لا يكون حكما مولويا وفى المقام وان استطعنا تصوير انحفاظ ذات الاغراض الواقعية الا انها باعتبار كونهامزاحمة بالاغراض الترخيصية الاهم اوالمساوية معها بحسب الغرض فيكون من موارد الكسر والانكسار بين الاغراض الواقعية المتزاحمة،  وبعد ترجيح جانب الغرض الترخيصى لا يكون الغرض الالزامى حكما بل مجرد ملاك ومصلحة غير قابلة للتنجز والدخول فى العهدة عقلا فلم يثبت اشتراك العالم والجاهل فى الحكم حقيقة بل فى مجرد الغرض والمصلحة وهذا هوماتقدم الاشكال عليه فى الوجه الذي ذكرناه عن الكفاية.

فان قلت:كيف والمفروض ان الاغراض الواقعية الالزامية اذا وصلت الى المكلف فسوف تتنجز عليه فهى صالحة للمنجزية.

قلت:انها انما تتنجز فى هذه الحالة لانه بالعلم بها تخرج عن باب التزاحم ويزول مزاحمها فتتبدل موضوعا وهذا واضح.

والجواب:ان هذا خلط بين التزاحم الملاكى والتزاحم الحفظ ى وافتراض ان الاغراض اللزومية مبتلاة بالمزاحمة مع الاغراض الترخيصية بمعنى وجود غرض فى اطلاق عنان المكلف فى نفسه ولوبحكم العقل بينما المدعى ومزاحمتها مع غرض ترخيصى بمعنى اطلاق عنانه من قبل المولى بحيث لا يتحقق لوفرض كونه مرخصا بحكم عقله نتيجة جهله اوعذر عقلى اخر لان مثل هذا الترخيص غير مستند الى المولى والغرض الترخيصى انما هوفى اطلاق عنانه من قبل مولاه بحيث يقال ان شريعته سمحاء سهلة مثلا ومثل هذا الغرض الترخيصى لا يمكن حفظه الا من قبل المولى نفسه بمعنى انه اذا لم يجعل الترخيص واطلاق العنان ولولتساوي الغرضين فى نظره فالعبد لا يمكنه ان يحقق هذا الغرض بعد ذلك مهما كان وضعه ويكون الغرض اللزومى متنجزا لا محالة اذ فى تفويته حينئذ فوات الغرضين معا فلا يقاس بموارد مزاحمة الغرض اللزومى مع غرض آخر ترخيصى اوتحريمى فى نفس الفعل يتحقق بفعل العبدالذي هومن موارد التزاحم الملاكى.

لا يقال:هذا الترخيص واطلاق العنان يكون على هذا التقرير من سنخ الحكم المجعول لمصلحة فى نفس جعله وقد تقدم الاشكال فى معقوليته.

فانه يقال:ليس الغرض وجود مصلحة فى نفس جعل الترخيص من قبل المولى بل فى كون المكلف مرخصا ومطلق العنان بالحمل الشايع المستند الى جعل المولى وتشريعه لا الى حكم عقله فالمصلحة فى واقع اطلاق العنان لا فى مجرد جعله وهذا واضح.

ثم ان الحكم الظاهري بالتفسير المذكور كما يعقل فى باب اشتباه الاحكام والاغراض الالزامية للمولى كذلك يعقل فى اشتباه الاغراض الواقعية غير الالزامية كالاستحباب والكراهة فلودارالامر بين ان يكون شىء مستحبا اومباحا بالمعنى الاخص اومكروها اومباحا امكن جعل حكم ظاهري يحفظ احد الغرضين الواقعيين الاهم فقد يرجع الغرض الاباحتى بالمعنى الاخص فيحكم بالاباحة ظاهرا وقد يرجح الغرض الاستحبابى اوالكراهتى فيحكم بالاستحباب اوالكراهة ظاهرا. ومرجع الاول نفى اشتغال عهدة المكلف من قبل المولى بالمقدار المناسب والمعقول للاغراض غير اللزومية من اشغال العهدة ومرجع الثانى الى ادخال ذلك الغرض غير اللزومى فى العهدة بالنحوالمناسب له.

وبهذا ظهر وجه اندفاع القول بان جعل الحكم الظاهري فى موارد اشتباه الاغراض غير اللزومية غير معقول لانه ان اريد به دفع العقاب فهومقطوع العدم وان اريد به نفى حسن الاحتياط فهومقطوع الثبوت على كل حال.فان هذا خلط بين نفى الاحتياط العقلى وبين نفى اشغال الذمة من قبل المولى المقتضى لتوقع صدور الفعل من عبده بالمقدار المناسب مع مثل هذه الاغراض المولوية الثابتة فى موارد العلم بها.

ثم ان هذا الوجه للجمع واضح بناء على الطريقية فى حقيقة الاحكام الظاهرية بان يفترض خلوها عن مبادي واقعية غير الاغراض الواقعية.

واما على السببية والموضوعية التى تفترض وجود مبادي لنفس هذه الاحكام الظاهرية فلا مخلص عن شبهة وقوع التضاد بين مباديها ومبادي الاحكام الواقعية.

وهناك محاولة لتخريج الجمع بين الاحكام الواقعية والظاهرية حتى على السببية والموضوعية مبتنية على الاستفادة من بعض ملاكات القول بجواز اجتماع الامر والنهى وهوالمسلك القائل بكفاية تعدد العنوان لدفع غائلة الاجتماع لكون مصب الاحكام انما هوالعناوين فى عالم الذهن بما هى حاكية عن الخارج لا المعنونات فمعروض المصلحة والغرض وان كان هوالمعنون الاان معروض الحكم هوالعنوان بالحمل الاولى الذي يرى به كانه الخارج وهومتعدد واتصاف المعنون الخارجى بالمطلوبية اوالمحبوبية والمبغوضية انما هوبالعرض والعناية لا بالحقيقة، وعلى هذا فيجوز اجتماع الامر والنهى على موجود واحد خارجى بعنوانين كما اذا تعلق الامر بالجنس والنهى بالفصل رغم ان التركيب بينهما فى الخارج اتحادي.

وعلى ضوء هذا المسلك فى بحث الاجتماع نذكر المحاولة المذكورة باحد تقريبين:

التقريب الاول-ان المصلحة والملاك فى الحكم الظاهري بناء على السببية ليست قائمة فى نفس الفعل بعنوانه الاولى المتعلق للحكم الواقعى ومادئة كصلاة الجمعة مثلا بل قائمة بعنوان آخر كعنوان اتباع الامارة وسلوكها فلا يلزم اجتماع الحكمين الضدين فى عنوان واحد واما التلازم والتزاحم بين الملاكين للتلازم بين العنوانين خارجا بحسب الفرض فانما يكون بين التكليفين الواصلين لا بينهما بوجوديهما الواقعيين فيمكن ان تكون صلاة الجمعة حراما مثلا واقعا وتقوم الامارة على وجوبها فيصبح سلوكها واجبا ظاهرا ولا منافاة بينهما بعد فرض عدم وصولهما معا لتقيد الحكم الظاهري بعدم وصول الواقعى.

وهذا التقريب لئن تم فى مثل موارد كون الحكم الظاهري الزاميا كالحكم الواقعى المحتمل فهولا يتم فى مورد الحكم الظاهري الترخيصى كما اذا فرض قيام الامارة على الترخيص والاباحة لان مصب هذه الاباحة الظاهرية وموضوعها ان كان نفس العنوان المتعلق به الحكم الواقعى فهوممتنع للتضاد بحسب الغرض وان كان عنوانا اخر فجعل الاباحة فيه لا يمكن ان يزاحم الحكم الواقعى الالزامى لان الالزام لا يمكن ان يزاحمه الترخيص لكى يؤمن عنه عقلا فجعل هذه الاباحة ليس باكثر من جعل الاباحة الواقعية على عنوان ملازم مع الواجب الواقعى الذي لا يكون مزاحما بوجه مع اللزوم، فجعل مثل هذه الاباحة لا يستلزم تامينا عن الوجوب الواقعى كما فى جعل الحرمة الظاهرية من قبله المستلزم لذلك عقلا لكونه منعا من قبل المولى.

التقريب الثانى-ان نتصور الحكم الظاهري بمباديه الحقيقية فى نفس العنوان الاولى المتعلق به الحكم الواقعى ومع ذلك لا يلزم محذور التضاد. وقد افاد المحقق العراقى(قده)فى تصويرذلك بيانا غريبا ويمكن توضيحه من خلال النقاط التالية:

1- ان الغرض بحسب الخارج وان كان دائما فى طول معروضه ومتاخرا عنه رتبة الا انه بحسب عالم الذهن واللحاظيمكن ان يلحظ كذلك ايضا فيكون على وزان الخارج ومطابقاله، ويمكن ان يلحظ الموصوف متاخرا عن وصفه وفى طوله وذلك بالرجوع الى ما لاحظه اولا من المقيد فيلحظه مرة اخرى فى طول تقيده بصفته وهذا شىء من شان الذهن فقط باعتبارقدرته على الرجوع ثانية الى ما لاحظه اولا. ومثل هذا المعروض، اي الذات الملحوظة يكون متاخرا عن الذات الملحوظة باللحاظ الاول فتكون هناك ذاتان ملحوظتان للذهن بحسب النظرالتصوري.

2- ان الحكم اذا كان متعلقا بالموصوف على نحوالتقييد فى النسبة الناقصة فلا يكون ملحوظا الا باللحاظ الاول اي فى المرتبة السابقة على وصفه لعدم رجوع الذهن الى الذات الموصوفة مرة اخرى. واما اذا كان متعلقا به على نحوالشرطية والنسبة التامة بان قيل مثلا اذا كان الخمر مشكوك الحرمة جاز شربه فهنا قد اخذ فى موضوع الحكم الذات باللحاظ الثانى المتاخر عن وصفه.

3- ان الاحكام الظاهرية اذا افترضناها مجعولة على نحوالقضية الشرطية كما هوالمستفاد من ادلتها كان معروضها الذات الملحوظة فى المرتبة الثانية المتاخرة عن الوصف والموصوف الملحوظتين فى موضوع الاحكام الواقعية، واحد الحكمين لا يمكن ان يشمل الذات المعروضة للحكم الاخر فلا تضاد بين الحكمين لتعدد مركز كل منهما فى الذهن الذي هوعالم عروض الحكم وان كان مصداقهما واحدا فى الخارج.

وهذا التقريب غير تام كما هوواضح.

فانه يرد عليه:

نقضا:بانه لوتم امكن الحكم باجتماع الحكمين الواقعيين المختلفين وذلك باخذ اتصاف الموضوع باحدهما بنحوالشرطية فى موضوع الاخر فيقال اذا كان الخمر مباحا فهوحرام واذا كانت صلاة الجمعة واجبة فهى محرمة ولا محذور لتعدد الذات الملحوظة معروضة لكل من الحكمين مع وضوح بطلان ذلك.

وحلا-ان التغاير المذكور مجرد تغاير فى كيفية اللحاظ دون تغاير فى الملحوظ بذلك اللحاظ نظير التغاير بين الانسان والحيوان الناطق اي الحد مع المحدود المتغايران بالاجمال والتفصيل فى الصورة الذهنية اللحاظية عقلا مع وحدة الملحوظ بهما ذات،  وذلك ببرهان ان الطولية المذكورة فى اللحاظ بالنحوالمذكور لوكانت قيدا فى الملحوظ لاستحال انطباقه على الخارج لان الذات التى تكون فى طول وصفه يستحيل ان تتحقق فى الخارج فهذا القيد من شؤون اللحاظ فحسب ولا اشكال ان هذا المقدار من التغاير لا يكفى لدفع غائلة التضاد بل لا بد من تغايرالملحوظين بالذات ايضا ولهذا لا يقبل مثل المحقق العراقى ان يتعلق الوجوب باكرام الانسان والحرمة باكرام الحيوان الناطق.

وهكذا يتضح بطلان هذا التقريب ايضا وغرابته، بل يكفى فى غرابته وضوح ان امكان الحكم الظاهري لا يتاثر سلبا وايجابا بكون صياغته بنحوالقضية الشرطية اوالوصفية.

وقد اتضح انه بناء على الموضوعية لا مخلص عن محذور التضاد.

ومن مجموع ما تقدم يتضح وجه اندفاع شبهة نقض الغرض من اشكالات العقل النظري، فان الحكم الظاهري وان كان نقضا للغرض الواقعى فى مورد الخطا الا انه نقض لا ضعف الغرضين حفاظا على اقواهما فى مورد التزاحم ومثله ليس بمستحيل ولا قبيح بل هوالمطابق مع حكمة المولى.

ثم ان هناك طرازا آخر من الاشكال على الاحكام الظاهرية لم يتعرض له الاعلام وهوالاشكال فى معقولية انحفاظ نفس الاحكام الواقعية فى موارد الجهل بقطع النظر عن جعل الحكم الظاهري المضاد اوالمماثل فيها اي الاشكال فى معقولية نفس الحكم الواقعى لا فى كيفية الجمع بينه وبين الظاهري، ويمكن تقريبه باحدى صيغتين:

الصيغة الاولى-ان انحفاظ الحكم الواقعى واشتراك العالم والجاهل فيه غير معقول فى بعض الموارد على الاقل كموارد القطع بعدم ذلك الحكم الواقعى لتقوم الحكم الواقعى بالمحركية والباعثية وهذه لوكانت معقولة فى موارد احتمال الحكم الواقعى حيث يحسن الاحتياط فهى غير معقولة فى موارد القطع بعدمه فثبوته واقعا لا يكون قابلا للمحركية ولوالاحتمالية الناقصة.

الصيغة الثانية-ما اذا فرض القطع وجدانا اوتعبدا بحرمة صلاة الجمعة فانه حينئذ لا يعقل ثبوته فى الواقع لوكان لا من جهة محذور اللغوية وعدم المحركية بل لكونه تكليفا بغير مقدور، لان هذا الخطاب ان كان امرا باتيان الجمعة مع التحفظ على الوظيفة المنجزة على العبد كان من الامر بالنقيضين وهومستحيل لانه يعتقد حرمتها بحسب الفرض، وان كان يقتضى اتيانها بدلا عن وظيفته المنجزة عليه فهوغير مقدور مولويا وان كان مقدورا تكوينا لانه يلزم عليه عقلا بقانون العبودية ترك صلاة الجمعة بحسب الفرض بل يمكن تعميم اشكال عدم القدرة فى خصوص العبادات فيما اذا قطع بعدم المطلوبية والمشروعية ولولم يقطع بالحرمة الذاتية لان الاتيان بالفعل بقصد القربة غير مقدور حينئذ تكوينا الا على وجه التشريع المحرم وهومناف للقربة ايضا.

ويمكن تصوير نفس المحذورين فى الصيغتين فى بعض حالات الشك فى الحكم الواقعى ايضا وذلك فيما اذا فرض دوران الامر بين المحذورين بان احتمل المكلف الحرمة بنفس درجة احتماله للوجوب فان ثبوت الحكم الواقعى كما اذا كان هوالوجوب غير معقول لانه يستحيل محركيته فى هذه الحالة حتى بالتحريك الناقص وهذا محذور الصيغة الاولى وكذلك يستحيل امتثاله اذا كان عباديا وهذا محذور الصيغة الثانية.

والجواب عن الاشكال اما بصيغته الاولى فاستحالة المحركية يمكن ان يراد بها احد امور:

1- ان الحكم الواقعى يستحيل ثبوته لان حقيقة الحكم وروحه المحركية من قبل المولى فاذا استحال كان الحكم مستحيلا.

وجوابه:ان التحريك من قبل المولى يتوقف على حيثيتين، احداهما تحت سلطان المولى وهى اشغال ذمة المكلف بالفعل بجعل خطاب يبرز فيه مبادي الحكم بداعى القائه على عهدة العبد مهما كانت صياغته القانونية الاعتبارية اواللفظية التعبيرية. الا ان هذه الحيثية لا تكفى وحدها للمحركية بل لابد من ضم حيثية ثانية اليها وهى وصول ذلك الاشغال للعهدة الى المكلف بنحويحكم العقل بتنجزه وقبح مخالفته وهذه الحيثية ليست تحت سلطان المولى بما هومولى. وواضح ان ما هومفاد الخطابات الواقعية والتى يدعى المخطئة انحفاظها واشتراكها بين العالمين والجاهلين انما هوالحيثية الاولى فقط لا الثانية فانها اجنبية عن مفاد الخطابات فضلا عن كونه حقيقة الحكم وهذا المقدار اعنى الحيثية الاولى محفوظة حتى فى موارد القطع بالعدم.وان قيل بان هذا لا نسميه حكما فذاك نقاش فى اللغة والا فروح النزاع بين المخطئة والمصوبة راجعة الى ثبوت اطلاق مفاد الخطابات الواقعية وعدمه ومفادها ليس الا التحريك بمقدارالحيثية الاولى كما هوواضح.

2- ان الخطابات الواقعية من جملة مدلولاتها العرفية التصديقية انها صادرة بداعى المحركية والباعثية فلا يعقل اطلاق مفادها لمن لا يعقل فى حقه المحركية والباعثية.

والجواب:ان الداعى المذكور وان كنا نسلم كونه مدلولا عرفيا تصديقيا للخطابات ايضا الا ان المدلول انما هوالمحركية بمقدار ما يكون تحت سلطان المولى لا بالمقدار الخارج عنه والاكثرمنه اي بمقدار الحيثية الاولى فقط وهى معقولة فى موارد القطع بالعدم كما اشرنا فيكون اطلاق الخطابات الواقعية معقولة ايضا. ومرجع ذلك الى ان كل خطاب مجعول بداعى التحريك والتنجز لووصل الى العبد.

3- ان يراد دعوى لغوية الاطلاق المذكور لان المحركية بمقدار الحيثية الاولى من دون ضمن الحيثية الثانية اي اثر لها؟.

والجواب:ان اللغوية انما تكون لوكان المولى قد تصدى لجعل الخطاب الواقعى فى خصوص هذا المورد لا ما اذا كان بالاطلاق الذي هواخف مؤونة من التقييد.

هذا مضافا الى امكان فرض المصلحة فى نفس اطلاق الخطاب بعد فرض تمامية الملاك فى المتعلق بان يكون اطلاق الخطاب فيه مصلحة صياغية قانونية لا يمكن توفيرها وتنظيم تمام محصولها واثارها لوجعلت الخطابات الواقعية مقيدة. واما دعوى كفاية ترتب الاثر الشرعى على الاطلاق بلحاظ الاعادة والقضاء بعد انكشاف الخلاف فى دفع اللغوية فهويرجع الى الجانب الصياغى كما يظهر بالتامل.

وبهذا يتضح الجواب على الصيغة الثانية للاشكال من لزوم التكليف بغير المقدور فان التكليف حينما يكون محركا يكون تكليفا بالمقدور وذلك حينما تتوفر الحيثية وهى وصولها الى المكلف وكونه من دونها غير مقدور لا يضر به لانه ليس محركا بالفعل ليكون تحريكا نحوغير المقدور فان غير المعقول انما هوالتكليف بغير المقدور حينما يراد المحركية وفاعلية التكليف وذلك حين وصوله لا اكثر من هذا المقدار فان العقل لا يحكم باكثر من ذلك كما هوواضح.

هذا كله حال الاشكالات النظرية اعنى بلحاظ العقل النظري فى مسالة الجمع بين الحكمين الواقعى والظاهري.

واما الاشكال بلحاظ احكام العقل العملى وهواشكال لزوم الالقاء فى المقسدة اوتفويت المصلحة الملزمة القبيحين عقلا فقد تصدى لدفعه المحققون فبرزت فى المقام اجابتان عليه:

الاجابة الاولى-ما يستفاد من كلمات الشيخ الاعظم(قده)بالبناء على مبنى السببية بدعوى:ان التفويت المذكور اوالالقاء فى المفسدة متدارك ومعه لا تفويت حقيقة فلا موضوع للقبح. وحيث كان هذا الوجه مبنيا على الموضوعية فاعترف بلزوم الاشكال بناء على الطريقية فى جعل الاحكام الظاهرية.

الاجابة الثانية-الالتزام بوقوع التفويت كما هوبناء على الطريقية الا انه لا قبح فيه اذا كانت هناك مصلحة تقتضى التعبد بذلك الحكم الظاهري اي اذا كانت هناك مصلحة فى نفس الجعل نظيرالتفويت الثابت فى موارد التقية وان كان فعل المكلف فارغا من المصلحة.

والفرق بين الاجابتين، ان الاولى ترفع موضوع القبح العقلى وهوالتفويت وذلك بجعل المصلحة المتدارك بها مصلحة الواقع فى الفعل ولوبعنوانه الثانوي بينما الثانية تعترف باصل التفويت ولكنها ترى عدم قبح فيه اذا كانت المصلحة فى نفس جعله،  ومن هنا كانت الاجابة الاولى معرضة للاستشكال عليها بلزوم التصويب وانقلاب الوظيفة الواقعية من الفعل الواقعى الى ما تعلق به الحكم الظاهري من فعل المكلف وهذا بخلاف الاجابة الثانية حيث يبقى فعل المكلف فى موارد خطا الحكم الظاهري خاليا عن المصلحة فلا انقلاب فى متعلق الحكم الواقعى ومصلحته.

وتعليقنا على الاجابة الاولى-ان المحصل من مجموع كلمات القوم فى المقام تقسيم السببية الى اشعرية ومعتزلية وامامية وقد ربطوا الاجابة بالسببية الامامية.

وتوضيح ذلك:ان السببية الاشعرية يراد بها ان يكون قيام الامارة على الحكم موجبا لثبوت ذلك الحكم نفيا واثباتا وهذا يكون له احد نحوين:

1- ان لا يكون هناك حكم واقعى بقطع النظر عن الامارة بل المجعول ان كل ما ادت اليه الامارة فهوحكم اللّه، وهذا باطل لكونه غير معقول اذ لا يعقل حينئذ فرض الامارية والكاشفية عن الحكم ولا يجدي فى دفع الاستحالة معقولية اخذ العلم بالحكم اذا اريد به الجعل فى موضوع مجعوله لان تمام الجعل الواقعى بحسب الفرض انما هوان كل ماادت اليه الامارة فهوحكمى ونسبة هذا الجعل الى وجوب الجمعة اوالظهر على حد واحد فكيف تكون الامارة امارة على وجوب الجمعة دون الظهر اوبالعكس. وان شئت قلت:ان مثل هذا الجعل مفرغ لا يعقل الامع افتراض جعول واقعية قبله لتكون الامارة امارة على حكم من الاحكام واما اذا كان تمام ما هوثابت واقعا هذا الجعل فسوف يستحيل امارية امارة حينئذ.

لا يقال: لنفرض ان هناك جعول عديدة بعدد ما يتحمله كل موضوع من الاحكام الشرعية فهناك جعل لوجوب الجمعة لوعلم به ولوجوب الظهر لوعلم به ولحرمة الفقاع لمن علم به ولاباحته لمن علم به وهكذا بناء على ما تقدم من صحة اخذ العلم بالجعل فى موضوع الحكم.

فانه يقال:ان لازم ذلك ثبوت الاحكام الخمسة على كل موضوع بعد ثبوت التصويب والسببية بهذا المعنى لانه يمكن ان يعلم بتمام تلك الجعول وهومستحيل.اذن فهذا النحومن التصويب يتهافت مع اصل فرض الامارية.

2- ان تكون احكام واقعية لها متعلقات معينة ثابتة واقعا ولكن يكون قيام الامارة عليها قيدا فى ثبوته، وفرقه عن الاول انه لولم تؤد الامارة الى الحكم الواقعى المقيد بالعلم به فلا حكم حينئذاما الواقعى المجعول فلعدم حصول قيده واما ما اداه الامارة فلعدم جعله.

وهذا الوجه لا استحالة فيه بعد فرض معقولية اخذ العلم بالحكم بمعنى الجعل فى موضوع شخصه الا انه باطل بالضرورة للزوم خلوالواقعة فى المورد المشار اليه من الحكم الواقعى راسا.

واما السببية المعتزلية فيراد بها ان تكون الاحكام الواقعية ثابتة على موضوعاتها وملاكاتها الا انها مقيدة بعدم وصول خلافه، وفرق هذا عن السببية الاشعرية بالنحوالاول واضح واما النحوالثانى فيظهر فيما لوفرض امكان اخذ عدم العلم بالخلاف فى موضوع شخص ذلك الحكم. ولكنه باطل ايضا للزومه خلوالواقعة عن الحكم كما تقدم وان كانت دائرة الخلوبناء على هذه السببية اضيق منها على السببية الاشعرية.

واما السببية الامامية فبافتراض مصلحة فى عنوان سلوك الامارة والجري على طبقها ما دامت امارة وفى حدود الجري عليها فمصب المصلحة ليس هوالمؤدى بل عنوان السلوك الذي هوعنوان ثانوي ينطبق على فعل المكلف وينتزع عنه ولذلك تقدر هذه المصلحة بقدر هذا العنوان اي يتدارك بها ما يفوت من المكلف بسبب سلوك الامارة لا اكثر من ذلك فلا يمكن ان يتدارك بها المقدار الباقى من مصلحة الواقع بعد انكشاف الخلاف كالاعادة فى الوقت والقضاء خارجه لان الفائت بالسلوك هومصلحة الفضيلة مثلا اومصلحة اصل الوقت واما الزائد فيبقى على حاله فيجب تحصيله.

وقد افاد الشيخ(قده)ان هذا الوجه يجمع بين ميزتين حل اشكال قبح التفويت حيث يضمن للمكلف تدارك الفائت منه وعدم لزوم التصويب وتواليه الفاسدة.

وقد اعترض عليه السيد الاستاذ وغيره بان التصويب لا فرق فيه بين انقلاب الواقع من الوجوب التعينى بالجمعة مثلا الى الوجوب التعيينى بالظهر اوانقلابه من التعيينى الى التخييري فعدم انحفاظ الواقع بحده تصويب على كل حال وفى المقام مع استمرار الحجة الى اخر الوقت يكون الحكم الواقعى الادائى متعلقا بالجامع بين الجمعة اوالظهر حيث صار سلوك الامارة عدلاللواجب الواقعى.

وكان بالامكان الاعتراض بمورد اخر يكون فيه التصويب اشد واوضح وذلك كما اذا فرضنا قيام امارة على اباحة ما هوحرام واقعا كالعصير العنبى المغلى.فان فوات المفسدة الواقعية وتداركهابمصلحة سلوك الامارة يوجب زوال الحرمة واقعا وانقلابها الى الاباحة وهذا اشد مراتب التصويب.

وليعلم ان هذا الايراد لا فرق فيه بين افتراض المصلحة السلوكية استيفائية اوتداركية اي انها من سنخ مصلحة الواقع اوغيرها ولكنها يتدارك بها مصلحة الواقع الفائتة وانما لم يؤمر بها مع الواقع لعدم امكان الجمع بينهما.فانه على كلا التقديرين يقال انه بعد الكسر والانكسار تكون المصلحة المطلوبة للمولى القابلة للتحصيل هوالجامع بين الامرين كما هوواضح.

وكان هذا الايراد كان ملحوظا لمدرسة نظرية المصلحة السلوكية حيث يستفاد من تضاعيف كلماتهم محاولة الاجابة عليها بافتراض الطولية بين المصلحة والحكم الواقعى-كما جاء ذلك فى تعابير الشيخ(قده)صريحا-وكان المراد من ذلك افتراض ان المصلحة السلوكية استيفاؤها مشروط ببقاء الواقع وانحفاظه بحده فيكون انحفاظ الوجوب التعيينى لصلاة الجمعة مثلا شرطا فى تحقيق المصلحة المطلوبة للمولى فى الجامع بين الفعلين-بنحوشرط التحقق والترتب لا الاتصاف-فلوفرض ان المولى رفع يده عن حكمه الواقعى بحده والامارة لم تكن فى معرض ان تصيب وتخطی ء فلا مصلحة فى سلوكها ايضا. وترتب المصلحة على السلوك بمقدار الواقع استيفاء اوتداركا لا يؤدي الى صيرورته عدلا للواجب الواقعى لان عدلية مثل هذا العدل فى طول انحفاظ ذلك الواقع فيستحيل ان يكون رافعا له اذ يلزم من وجوده عدمه.نعم هناك توسعة قهرية تكوينية فى دائرة الغرض ومبادي الحكم الا ان هذه التوسعة لا تؤدي الى توسعة الجعل الشرعى لما ذكرناه.

ومن هنا افاد الشيخ(قده)بان هذا من وجوه الرد على المصوبة وكان هذه المدرسة اكتفت فى المقام بنفى التصويب بلحاظ الجعل فان كان التصويب المتفق على بطلانه شاملا للتصويب بلحاظ مبادي الحكم فهذا لازم لا محالة.

ثم انه لم تتضح فذلكة فرض اصحاب هذه المدرسة المصلحة فى السلوك الذي هوعنوان ثانوي لا فى المؤدى والفعل كما ذهب اليه المعتزلة اوالاشاعرة فقد يقال:ان منظورهم فى ذلك تصوير مصلحة مرنة بحيث لا تستدعى الاجزا لوانكشف الخلاف.الا ان هذا كان يمكن تصويره حتى مع فرض المصلحة فى المؤدى لانها على كل حال منوطة ببقاء الحكم الظاهري المنوط بالشك فمع ارتفاعه ترتفع المصلحة((31)).

وقد يقال:بان نظرهم الى دفع مشكلة التضاد ضمنا بفرض مركز المصلحة ومباديء الحكم الظاهري عنوانا ثانويا غير مركز مباديء الحكم الواقعى، وهذا مطلب قد تقدم شرحه.

وقد يقال:بان المنظور لهم ان المصلحة اذا كانت فى العنوان الاولى كان حكمه واقعيا كاحكام الافعال الاخرى.

ولكن قد عرفت ان ظاهرية الحكم ليست منوطة بهذا التمييز بل يكفى فى الظاهرية ان يكون الحكم منوطا بالشك فى الواقع ودائرا مداره سوا كان على عنوان اولى اوثانوي.

وقد يقال:ان نظرهم الى دفع التصويب وافتراض اشتمال المؤدى على مصلحة الواقع اوما يتدارك به حتى مع خطا الامارة.

وهذا ايضا قد عرفت الان عدم صحته لاننا ان افترضنا الطولية بين هذه المصلحة وانحفاظ الحكم الواقعى فلا تصويب على كل حال بلحاظ الجعل والا فالتصويب لازم كما افاده الاستاذ.

فتبين عدم وجود نكتة فنية للتفرقة بين المصلحة السلوكية والمصلحة فى المؤدى.

واما تعليقنا على الاجابة الثانية:فتحقيق الحال فيه:ان مصلحة التعبد بالحكم الظاهري ان كانت مصلحة طريقية بحيث تكون روحها نفس الملاكات الواقعية المتزاحمة بنحوالتزاحم الحفظ ى وتلك المصلحة هى افتراض ان ما يحفظ بالحكم الظاهري من تلك الملاكات اكثر اواهم مما تفوت منها فهذا صحيح ورافع لقبح التفويب الا انه رجوع الى نفس الجواب الذي به دفعنااشكالات العقل النظري،  وان كانت مصلحة اخرى نفسية ورا الملاكات الالزامية اوالترخيصية الواقعية فهذه المصلحة يمكن تصويرها باحد شكلين:

1- ان تكون المصلحة النفسية فى الجعل والانشاء كما اذا كانت المصلحة راجعة الى جعل المولى نفسه ولعل منه موارد التقية الراجعة الى الامام نفسه.

2- ان تكون المصلحة النفسية فى نتيجة الجعل وهواطلاق عنان العبد نظير التقية الواقعة فى قصة على بن يقطين.

اما الشكل الاول-فقد تقدم ان مثل هذا الجعل لوفرض تحققه فهولا يكون موضوعا لحكم العقل بلزوم الطاعة والمنجزية.

واما الشكل الثانى- فان كانت هذه المصلحة فى نفس فعل المكلف نتيجة قيام الامارة كوضوء على بن يقطين، فهذا رجوع الى المصلحة السلوكية ومبنى السببية، وان كانت قائمة فى اطلاق عنان العبد الذي هونتيجة فعل المولى وداع من دواعى فعل المكلف اي حالها حال الاباحات الاقتضائية فسوف يقع التضاد بينها وبين الاحكام الواقعية بلحاظ المبادي لا محالة ونحن انمادفعنا اشكال التضاد بنكتة جعل الحكم الظاهري طريقيا محضا.

الامر الثالث: حكم الشك فى الحجية

الامر الثالث من المقدمة-فى تاسيس الاصل عند الشك فى الحجية، ولا اشكال ان مقتضى الاصل عند الشك فى الحجية عدم ثبوتها وانما الكلام فى وجه ذلك وتخريجه الصناعى.

وقدذكر لذلك وجوه:

الوجه الاول-ان مقتضى الاصل عدم الحجية لان الشك فى الحجية يساوق القطع بعدمها وتوضيح الحال فى هذا الوجه يتوقف على بيان مقدمة حاصلها:انه لابد من التمييز بين مرحلتين.

1- مرحلة جعل الحجية كحكم شرعى ظاهري وهى المرحلة التى بيد المولى.

2- مرحلة تاثير الحجية المجعولة واستتباعها للتنجيز والتعذير(الموقف العملى للمكلف تجاه المولى).

وما ذكر فى هذا الوجه من ان الشك فى الحجية يساوق القطع بعدمها تارة يفرض:انه كذلك بلحاظ المرحلة الثانية اي ان الشك فى جعل الحجية شرعا-المرحلة الاولى يكون مساوقا مع القطع بعدم الحجية بمعنى استتباع التنجيز والتعذير عقلا-المرحلة الثانية-. واخرى: يفرض اكثر من ذلك بحيث يدعى مساوقة الشك فى جعل الحجية للقطع بعدمها حتى بلحاظ المرحلة الاولى والذي يرجع الى اخذ العلم بالحجية فى موضوعها.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية