الصفحة السابقة

الصفحة التالية

اما هذا الاخير فثبوتا وان كنا قد صورنا فيما سبق معقولية اخذ القطع بالحكم بمعنى الجعل فى موضوع شخصه بمعنى المجعول الا انه حينئذ لا بد من التماس برهان يقتضى مثل هذا التقييدفى ادلة جعل الحجية وما يمكن ان يذكر كبرهان على ذلك دعوى ان اطلاق الحجية لغير العالم به غير معقول اذ لا اثر له حينئذ وبقرينية امتناع اللغوعقلا اوعقلائيا على المولى الحكيم يستفاد تقيد الجعل بصورة العالم بها. والفرق بين اطلاق الحجية وبين اطلاق الاحكام الواقعية انما يكون من جهة معقولية الاثر وهوالمحركية فى موارد الاحكام الواقعية حتى مع الجهل بهاحيث يمكن الاحتياط بلحاظها وهومرتبة من المحركية وعدم معقولية ذلك فى موارد الشك فى الحكم الظاهري لانه بما هوحكم ظاهري لا امتثال له ولا تنجيز فلا يكون بلحاظه احتياط ايضا.

والجواب على هذا التقريب من وجهين:

1- اننا لوسلمنا مانعية امثال هذه اللغويات عن تمامية الاطلاق مع كونه اخف مؤونة عن التقييد فيرد النقض حينئذ بانحفاظ الاطلاق فى ادلة الاحكام الواقعية فى موارد القطع بعدمها اذ لايعقل حينئذ المحركية الناقصة بلحاظها بل مع الشك فيها فى العبادات ايضا على ما تقدم وما يكون جوابا على النقض هناك من المصلحة فى اطلاق الجعل اوغيره يكون جوابا هنا ايضاخصوصا والمشهور التزموا بوجود المصالح فى نفس جعل الاحكام الظاهرية.

2- ان هذه اللغوية فرع ان تكون الحجية المشكوكة لا يترتب عليها اثر عملى وهذا فرع اثبات اللغوية بلحاظ المرحلة الثانية اعنى بلحاظ الموقف العملى والاثر العقلى فلا بد من البحث بلحاظ تلك المرحلة فنقول:

تحقيق حال هذه النقطة وتوضيحها مرتبط بتحديد نوع العلاقة فيما بين الاحكام الظاهرية انفسها فاننا فيما سبق تعرفنا على نوع العلاقة فيما بين الاحكام الواقعية والاحكام الظاهرية وانها لاتضاد بينهما والان لا بد من ملاحظة العلاقة بين حكمين ظاهرين لواجتمعا فى مورد وانه هل يوجد تضاد بينهما ام لا؟ومقدار ذلك على تقدير وجوده على كل من مسلكنا ومسلك المشهورفى حقيقة الاحكام الظاهرية؟.

والصحيح ان يقال:تارة يفرض ان الحكمين الظاهرين طوليان بان اخذ فى موضوع احدهما الشك فى الاخر كما اذا اريد اثبات حجية خبر الثقة مثلا بالاستصحاب اوبالعكس، وقد يفرض ان موضوعهما فى عرض واحد كما لواريد جعل البراة والاستصحاب الملزم بالتكليف فى مورد واحد حيث ان موضوع كل منهما الشك فى الحكم الواقعى.

فاذا فرض عرضية الحكمين الظاهرين فبناء على مسالك القوم من افتراض المصلحة فى نفس جعل الاحكام الظاهرية لا تنافى بينهما بوجوديهما الواقعيين وانما التنافى بمقدار وجوديهماالواصلين الى المكلف حيث يتنافيان من حيث التنجيز والتعذير واما بلحاظ المبادي فلا تنافى لتعدد الجعلين واقعا وتعدد موضوع المصلحة فمن يذهب الى احد مسالك القوم لابد له من الالتزام بعدم التنافى بين جعل الاحكام الظاهرية العرضية بوجوداتها الواقعية لعدم التضاد فيما بينهما الا فى مرحلة الوصول فالمحذور بهذا المقدار لا اكثر.

واما على مسلكنا من ان الحكم الظاهري ناشىء عن مبادي حقيقية وهى نفس المبادي الواقعية ومقدار اهتمام المولى بها فى مقام التزاحم الحفظ ى فحينئذ لا يعقل جعل حكمين ظاهرين متعاكسين حتى واقعا ولولم يصل الى المكلف لان جعل الالزامى منهما معناه اهتمام المولى بملاكاته الالزامية الواقعية وجعل الترخيصى منهما معناه عدم اهتمامه بها بل ترجيحه لملاكاته الواقعية الترخيصية، والاهتمام مع اللا اهتمام بامر واحد متنافيان لا محالة.

فعلى اساس تصوراتنا فى حقيقة الحكم الظاهري يكون التنافى بين حكمين ظاهريين عرضيين ثابتا واقعا كالتنافى بين حكمين واقعيين كذلك، وهذا احد الفوارق والثمرات المترتبة بين المسلكين.

واما اذا فرض طولية الحكمين الظاهريين فلا تنافى بينهما بوجوديهما الواقعيين حتى على مسلكنا اذ يعقل ان يكون اهتمام المولى بملاكاته الواقعية مختلفا فى مرتبة الشك فى نفس الحكم الظاهري الذي يراد تنجيز الواقع اوالتعذير عنه به عما اذا لم يكن للمكلف الا الشك فى الحكم الواقعى الاولى فقط، وبعبارة اخرى:بما ان موضوع الحكم الظاهري الاول هوالشك فى الواقع وموضوع الثانى هوالشك فى ذلك الحكم الظاهري فلعل مقتضى التزاحم الحفظ ى بين الملاكات الواقعية تختلف بلحاظ كل من المرتبتين للشك فباللحاظ الاول يكون الترخيص هوالحافظ لما هوالاهم وباللحاظ الثانى يكون الالزام هوالحافظ لما هوالاهم فى نظر المولى كيفا اوكما.

وعلى ضوء هذه المقدمة نقول:ان الصيغة الساذجة لاثبات ان الشك فى الحجية يساوق عدم الحجية بلحاظ مرحلة التاثير والمنجزية والمعذرية عقلا ان تمام ما كان يجري من اصول وقواعدعقلية اوشرعية على تقدير عدم الحجية تبقى جارية مع الشك فيها ايضا فالبراة العقلية مثلا جارية على القول بها حتى مع الشك فى الحجية لان ضم احتمال الحجية الى احتمال الواقع لايحقق علما وبيانا، وهكذا البراة الشرعية يصح التمسك باطلاق دليلها لانه من الشك فى التخصيص الزائد بالنسبة اليه حتى لوقيل بحكومة دليل حجية الامارة على الاصل لان الحكومة نوع من التخصيص ولكن بلسان رفع الموضوع.نعم لوكان التقديم بملاك الورود لكان من الشبهة المصداقية له الا انه مجرد فرض، وكذلك الحال بالنسبة الى دليل الاستصحاب فى مورد احتمال حجية امارة على خلافه، وكذلك الحال ايضا بالنسبة الى التمسك باطلاق دليل الحكم الواقعى فيما اذا شك فى حجية ما يدل على تخصيصه فانه حجة حتى يثبت المخصص ويحرزومجرد احتمال حجية المخصص لا يكون احرازا له.

والتقريب المعمق لهذه النتيجة على ضوء ما تقدم فى المقدمة السابقة ان يقال:بان الشك فى حجية امارة مرجعه الى احتمال حكم ظاهري فتارة يفرض الحصول على دليل يدل على حكم ظاهري مخالف كما اذا لاحظنا دليل البراة فى مورد قيام ما يشك فى حجة على حكم الزامى، واخرى نفرض الحصول على دليل يدل على حكم واقعى على خلاف مؤدى الامارة المشكوكة.

اما فى الحالة الاولى فان كان الدليل على البراة قطعيا فهودليل قطعى على عدم حجية تلك الامارة وان كان ظنيا معتبرا كما لوتمسكنا باطلاق دليل البراة فهوحجة على البراة وبالتالى دليل على عدم جعل الحجية لتلك الامارة فى عرض البراة حيث انهما متنافيان بناء على مسلكنا مطلقا((32)) وعلى مسلك القوم فى خصوص حال الوصول فيدل على عدم اطلاق حجية تلك الامارة المشكوكة لمن وصلت اليه البراة لا اكثر.

ولا يتوهم:انه يلزم على فرض حجية المنجز فى الواقع اجتماع حكمين ظاهريين متنافيين احدهما الخبر الملزم والثانى حجية الاطلاق فى دليل البراة على التعبد بالبراة.

لان هذين الحكمين الظاهريين طوليان وقد تقدم عدم المنافاة بينهما حتى على القول بالتنافى بين الاحكام الظاهرية بوجوداتها الواقعية.

واما الحالة الثانية-فان كان الدليل على الحكم الواقعى قطعيا فلا موضوع للحجية، وان كان تعبديا كاطلاق اوعموم تمسكنا به لاثبات مؤداه حيث ان الاطلاق حجة ما لم تثبت حجة اقوى على خلافه.الا ان هذا الاطلاق لا ينفى لنا جعل الحجية كما كان فى الحالة الاولى لان مفاده الحكم الواقعى وهولا ينفى جعل حكم ظاهري عند الشك فيه واما حجية الاطلاق فهى حكم ظاهري فى طول ذلك الحكم الظاهري وفرع عدم وصوله.

الوجه الثانى-التمسك بما دل على النهى عن اتباع الظن وغير العلم لانه مع الشك فى الحجية يكون الشك فى تخصيص زائد لعمومه فيمكن التمسك به لنفى الحجية المشكوكة.

وقد اعترض عليه المحقق النائينى(قده)بان الشك فى الحجية يوجب تعذر التمسك بالاطلاق فى هذه الادلة لكونه من الشبهة المصداقية لها اذ الحجية المشكوكة على فرض ثبوتها تكون بلسان جعل الطريقية والعلمية فتكون رافعة لموضوع عدم العلم.

وقد استشكل عليه السيد الاستاذ.

اولا-بان الحجة بوجودها الواقعى لا يترتب عليها اثر عقلا من التنجز والتعذير ومن هنا قيل بان الشك فيها يساوق عدمها ومعه كيف يمكن ان تكون رافعه لموضوع ادلة عدم العمل بالظن؟وهذا يعنى ان حكومتها موقوفه على فرض وصولها فمع عدمه يصح التمسك بالعمومات.

وفيه:ان المقدار الذي يثبت من عدم الاثر على الحجية المشكوكة عدم تنجيزها وتعذيرها لا اكثر من ذلك واما الحاكمية على الدليل الماخوذ فيها عدم العلم فليست بلحاظ المنجزية والمعذرية ليقال بعدم ترتبها بالوصول بل باعتبار المجعول الاعتباري والتشريعى فى الحجية وهوجعل العلمية والطريقية اي بلحاظ المرحلة الاولى من الحجية لا الثانية وهى ليست ممايقطع بعدمها حين الشك.

وثانيا-بالنقض بادلة الاصول العملية التى قد اخذ فى موضوعها عدم العلم فانه بناء على هذا لا يصح التمسك بها عند الشك فى حجية شىء لكونه من التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية بنفس البيان.

وفيه:امكان التخلص عن النقض بالتمسك بالاستصحاب الموضوعى الذي ينقح به عدم الحجة وبالتالى موضوع الاصل العملى وهذا العلاج وان كان قد يقترح فى المقام الا انه صيغة مستقلة بنفسها كافية لاثبات عدم الحجية ولولم تكن ادلة النهى عن الظن ثابتة((33)).

وثالثا-انه بناء على هذا المنهج تكون الادلة المذكورة لغوا لانه مع القطع بعدم الحجية لا حاجة اليها ومع الشك فيها لا فائدة لها لعدم امكان التمسك بها.

وفيه:ان اي فائدة اكبر من ان تكون هذه الادلة بنفسها من موجبات القطع بعدم الحجية فى جملة من الموارد.

الا ان ما افاده الميرزا(قده) ايضا غير تام.لاحد وجهين:

1- ان الحكومة هنا على تقدير القول بها فهى رفع للموضوع تعبدا لا حقيقة-كما صرح به الميرزا نفسه فى موضعه-ومن الواضح ان حقيقة الحكومة هى التخصيص ولكن بلسان رفع الموضوع وقد ذكرنا فى محله انه مع الشك فى الحاكم يكون المرجع اطلاق المحكوم لانه من الشك فى التخصيص بحسب روحه.نعم اذا قلنا بالورود فى وجه تقديم الامارات على بيان تبرعنا به نحن عن الميرزا(قده)وسميناه بالحكومة الميرزائية فالبيان المذكور غير تام الا ان اصل ذلك الوجه لم يكن صحيحا.

2- ان النواهى المذكورة ليست تكليفية بل هى ارشاد الى عدم حجية الظن فيكون فى عرض دليل الحجية نافيا للحجية والعلمية والطريقية عن الظن بحيث لوثبتت الحجية فى مورد كان دليلها مخصصا لاطلاق النفى المذكور. وهذا الجواب تام حتى على القول بالحكومة الميرزائية بالمعنى الذي يرجع الى الورود لان المستفاد من الادلة المذكورة حينئذ الاخبار عن عدم اعتبار الظن علما بذلك المعنى اذ لا موجب لحمل الحجية المنفية فى هذه الايات على مطلق الحجية والمنجزية والمعذرية لا خصوص العلمية والطريقية مع ان الموضوع فيها الظن الذي هونفس موضوع الحجية فى ادلتها والذي فيه كشف ناقص خصوصا وقد ورد التعبير فى الاية بانه لا يغنى عن الحق شيئا الذي هونفى للكاشفية والطريقية.

واما اصل كلام الشيخ(قده) فلا باس به فان هذه النواهى ادلة اجتهادية على عدم حجية الظن حيث نهت عن اتباعه وانه لا يغنى من الحق شيئا وما ثبتت حجيته من الامارات يكون بمثابة تقييدلاطلاق هذه النواهى. وبهذه الادلة ايضا يرد على القائلين بحجية بعض الظنون الاجتهادية كالقياس والاستحسان. ودعوى:ان هذه النواهى مخصوصة باصول الدين((34)) اما لظهور سياقهافى ذلك اولكونه القدر المتيقين منها.

مدفوعة:بان مجرد السياق لا يقتضى تخصيص مفاد النهى العام فى الاية كما ان القدر المتيقن حتى اذا كان من داخل الخطاب فضلا عما اذا كان من خارجه لا يمنع عن انعقاد الاطلاق وتمامية مقدمات الحكمة فيه.

الوجه الثالث- ما يظهر من كلمات الشيخ(قده)ايضا من التمسك بما دل على حرمة الاسناد الى الدين والافتاء بلا علم من مثل قوله تعالى(ءآ اللّه اذن لكم ام على اللّه تفترون)((35)) وفرق هذا الصنف من الادلة عما تقدم انها تدل على حرمة ذاتية نفسية فى اسناد ما لم يعلم الى اللّه تعالى وليست ناظرة بمدلولها المطابقى الى العمل والاتباع لتكون ارشادا الى عدم الحجية فاستفادة عدم الحجية منها مبنية على ثبوت الملازمة بين حرمة الاسناد وعدم الحجية اذ لوكان حجية لجاز الاسناد ايضا.

والكلام حول هذا الوجه يقع من عدة نقاط:

الاولى- فى تحقيق حال الملازمة المذكورة ومقدارها.

والصحيح:ان كون جواز الاسناد من شؤون الحجية فرع مسالة قيام الامارات مقام القطع الموضوعى وعدمه فانه لوقيل بقيام الامارة مقام القطع الموضوعى فنفى جواز الاسناد يكون نفياللحجية لا محالة والا فيكون جواز الاسناد لازما اخص فلا يدل نفيه على نفى ملزومه، بل حتى على القول بقيامها مقام القطع الموضوعى فليس ذلك الا باعتبار الملازمة بحيث يكون نفى هذا الاثر وثبوت حرمة الاسناد ملازما لنفى قيامها مقام القطع الطريقى الذي هوالحجية المبحوث عنها فى المقام.فالصحيح ان مجرد حرمة الاسناد فى مورد الامارة المشكوكة لا تكفى لاثبات عدم الحجية ما لم تضم عناية زائدة ولوعرفا وهى ان حرمة الاسناد فى الاية انما هوبلحاظ عدم الحجية.

الثانية-ان جواز الاسناد هل هومن لوازم الحجية بوجودها الواقعى اوبوجودها العلمى فلوقيل انه من لوازمها بوجودها الواقعى تم الاستدلال والا لم يتم لاننا عالمون حينئذ بحرمة الاسنادعلى كل حال سوا كانت الامارة المشكوكة حجة ام لا.

وتحقيق الحال فى هذه النقطة انه بعد الفراغ عن الملازمة فى النقطة السابقة قد يقال بان هناك مسلكين فى باب قيام الامارة مقام القطع الموضوعى:

احدهما-مسلك جعل الطريقية والعلمية، وبناء عليه يكون جواز الاسناد من لوازم واقع الحجية وجعل العلمية لانه من التوسعة فى موضوع جواز الاسناد واقعا.

والاخر-مسلك الملازمة بين تنزيل المؤدى-الحكم الظاهري-منزلة الواقع وتنزيل العلم بالواقع التنزيلى منزلة العلم بالواقع الحقيقى، وقد تقدم شرح المسلكين وتوضيح كل منهما، وبناءعلى هذا يقال:بان جواز الاسناد من اثار العلم بالمؤدي والواقع التنزيلى الذي هوالحكم الظاهري فيكون فرع وصول الحجية واما مع عدمه فيعلم بحرمة الاسناد للعلم بارتفاع احد جزئى الموضوع على كل حال وهوالعلم بالواقع التنزيلى سوا كانت الحجية ثابتة ام لا فثبوت حرمة الاسناد فى مورد الشك فى الحجية لا يدل على عدم حجيته واقعا.

ولكن الصحيح:انه بناء على هذا المسلك ايضا يمكن نفى الحجية للامارة المشكوكة وذلك بالتمسك باطلاق هذه الادلة بالنسبة لمن يعلم بحجية تلك الامارة واثبات انه يحرم عليه الاسنادواقعا ايضا-وان كان قد يكون معذورا بمقتضى علمه- وهذه الحرمة الثابتة فى حقه بمقتضى هذا الاطلاق وعدم تخصيص دليل حرمة الاسناد بغير مورد الامارة المشكوكة لا تتم الا اذا كانت تلك الامارة غير حجة واقعا والا لكان كلا جزئى الموضوع لجواز الاسناد محققا فى حقه.

النقطة الثالثة-ان شبهة التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية التى اثارها المحقق النائينى(قده)بالنسبة الى الوجه الثانى جارية هنا، ويدفعها جوابنا الاول عليها هناك دون الثانى لان الدليل هنا لايتكفل نفى الحجية العلمية ابتدا ليكون فى عرض دليل العلمية والحجية وانما يدل على حرمة الافتاء من دون علم فلوفرض ان دليل الحجية يجعل غير العلم علما بنحوالورود كان تمسكا به فى الشبهة المصداقية.

الوجه الرابع-التمسك باستصحاب عدم الحجية اما باجرائه بلحاظ اصل جعل الحجية وتشريعه فيرجع الى استصحاب عدم الجعل الثابت قبل الشرع، اوباجرائه بلحاظ المجعول فيرجع الى استصحاب عدم فعلية الحجية الثابتة ولوقبل تحقق الموضوع المشكوك فى حجيته بنحوالاستصحاب فى الاعدام الازلية وكلاهما ينتج المقصود.

وقد استشكل فيه بتقريبين:

التقريب الاول- ما فهمه المحقق الخراسانى(قده)من كلام الشيخ(قده)من الاستشكال فيه من قبل الشيخ - افتراض ان النظر الى حيثية حرمة الاسناد ومحاولة اثباتها بمثل هذاالاستصحاب - بان حرمة الاسناد غير مترتب على عدم الحجية واقعا بل على الشك فى الواقع وعدم حجة معلومة وهذا وجدانى بقطع النظر عن الاستصحاب فلا اثر مشكوك لكى تجري بلحاظه الاستصحاب.

فاورد عليه بايرادين:

1- ان الاصل انما يلتمس له الاثر الشرعى اذا كان جاريا فى الموضوع لا فى الحكم الشرعى نفيا واثباتا فانه بنفسه اثر مجعول امره بيد الشارع رفعا ووضعا فيعقل التعبد به.

وقد اجاب عليه الميرزا(قده)بان الاصل العملى لا بد فى جريانه من اثر عملى ولا يكفى لتصحيحه مجرد كون مؤاده-اي المستصحب-مجعولا شرعيا من دون ان يترتب عليه تنجيزااوتعذير.

2- ان حرمة الاسناد كما يترتب على نفس الشك كذلك يترتب على عدم الحجية واقعا وبالاستصحاب يحرز الاثر بلحاظ الفرد الاخر من الموضوع.

واجاب عليه الميرزا(قده)ايضا بانه لوسلم الاصل الموضوعى الفقهى فهذا معناه ان موضوع الحرمة هوالجامع بين الشك وبين عدم الحجية واقعا وهذا الجامع موجود فى ضمن احد فردية وهوالشك بقطع النظر عن الاستصحاب فاثبات فرده الاخر بالاستصحاب لاثبات اثره تحصيل للحاصل بل من اردا انحاء تحصيل الحاصل لانه تحصيل تعبدي لما هوحاصل وجدانا.

وتوضيح الحال فى المقام يقتضى بسطا من الكلام حاصله:ان افتراض ترتب حرمة الاسناد على عدم الحجية والشك فى الحجية له احدى ثلاث صور.

الصورة الاولى-ان يفترض وجود حرمتين مجعولتين احداهما حرمة اسناد ما لا حجية له واقعا كما اذا دل دليل على حرمة اسناد مؤدى ما لا يكون حجة الى الشارع، والثانية حرمة اسناد مالم يعلم حجيته سوا كان حجة فى الواقع ام لا. وفى هذه الصورة من الواضح ان محذور تحصيل الحاصل غير متجه لان الاصل ينقح حرمة اخرى غير المحرزة بالوجدان فيتعدد التكليف والعقاب حسب تعدد موضوعه.

الصورة الثانية-ان تفترض حرمة واحدة موضوعها الجامع بين عدم الحجية واقعا وعدم العلم بالحجية ويراد بعدم العلم الاعم من الشك والعلم بالعدم.

وفى هذه الصورة من الواضح لزوم تحصيل الحاصل اذ ليست هنالك الا حرمة واحدة موضوعها محفوظ على كل حال وجدانا.

الصورة الثالثة-ان يفرض وحدة الجعل كما فى الصورة السابقة ولكن يفترض ان المراد بعدم العلم خصوص الشك دون فرض العلم بالعدم ولوبنكتة كفاية موضوعية عدم الحجية المحرزة حينئذ للحرمة بخلاف من يشك.

وفى هذه الصورة يمكن ان يقال فى دفع محذور تحصيل الحاصل المستحيل بانه بناء على قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعى وحكومة دليل حجيته على دليل القطع الموضوعى سوف يرتفع الشك الوجدانى ويتبدل الى العلم بالعدم تعبدا وبذلك يرتفع حكمة حقيقة لان حكومة دليل الامارة اوالاستصحاب على دليل القطع الموضوعى واقعى لا ظاهري فيبقى الفردالاخر من الموضوع وهوعدم واقع الحجة هوالمحرز تعبدا وظاهرا بالاستصحاب فالحرمة التعبدية المحرزة بالاستصحاب لا تجتمع فى عرض الحرمة الوجدانية لكى يكون من تحصيل الحاصل.

نعم بناء على طولية قيام الامارة اوالاستصحاب مقام القطع الموضوعى لقيامها مقام القطع الطريقى لا يتم هذا البيان للزوم الدور حينئذ اذ يتوقف قيامه كذلك على جريانه بلحاظ احرازالحرمة التعبدية الظاهرية والمفروض انه فرع عدم ثبوت الحرمة الواقعية وجدانا، الا ان مسلك الميرزا(قده)نفسه فى قيام الامارة والاستصحاب مقام القطع الموضوعى لم يكن يقتضى الطولية وانما كانت الطولية على مسلك المحقق الخراسانى(قده).

واما الاشكال بانه اي فائدة فى جعل مثل هذا الاستصحاب مع انه كان يترتب الاثر المراد تنجيزه بقطع النظر عنه بالقطع الوجدانى فهذا مرجعه الى اشكال اللغوية اثباتا لا تحصيل الحاصل المحال ثبوتا وهولا يمنع عن الاطلاق.

الا ان هذه الفرضية لا تخلومن غرابة فى نفسها اذ مضافا الى ما تستلزمه من فرضية اشدية حال الشاك فى الحجية من العالم بالعدم وهوغير عرفى، يلزم منها ان يكون جريان الاستصحاب مخففا بلحاظ الحرمة المراد اثباتها حيث به يرتفع الشك الذي كان يقتضى ثبوت الحرمة واقعا وبارتفاعه تكون الحرمة ثابتة تبعدا لا واقعا بحيث لوكان الاستصحاب مخالفا للواقع فلا حرمة واقعية اصلا.

التقريب الثانى للاشكال-ان يلتفت الى ان استصحاب عدم الحجية لا يراد منه اثبات حرمة الاسناد بل من اجل التنجيز اوالتعذير، وحينئذ، قد يستشكل فيه بالاشكال المتقدم من الميرزا(قده)بان يقال ان التامين حاصل وجدانا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان-على القول بها اوفرض الكلام فى الامارة الالزامية-.

والجواب-ان هناك مرتبتين للقاعدة العقلية تامينا اوتنجيزا-احداهما حكم العقل بلحاظ الشك فى الواقع الذي هوالشك الاولى للمكلف، والاخرى حكمه بلحاظ الشك الثانوي الناشىء فى طول قيام الامارة المشكوكة حيث انه يحتمل حينئذ شدة اهتمام المولى بالملاكات الواقعية التى على طبق مؤدى الامارة على ما تقدم فى شرح حقيقة الحكم الظاهري.

واشكال تحصيل الحاصل ان كان بلحاظ الحكم العقلى الاول فمن الواضح انه غير ما يؤمن عنه الاستصحاب لانه تامين بلحاظ الشك الاولى وهوغير مناف مع التنجيز بلحاظ الشك الثانوي المنفى بالاستصحاب، وان كان بلحاظ الحكم العقلى الثانى فهما وان كانا فى مرتبة واحدة وبمؤدى واحد الا انهما مختلفان من ناحية ان الحكم العقلى تامين بملاك عدم البيان بينما الاستصحاب يكون تامينا شرعيا وبه يكون التامين من سنخ آخر فلا تحصيل للحاصل كيف وهذا بنفسه جار فى جميع الاستصحابات والامارات النافية للتكليف فى موارد جريان البراة العقلية فى نفسهامع انه لم يستشكل فيه احد، فالصحيح ان حال استصحاب عدم الحجية كحال الاستصحابات الجارية فى الاحكام الفرعية لا ينبغى الاستشكال فيه فى نفسه وان كنا فى غنى عنه بالادلة الاجتهادية الدالة على عدم حجية مشكوك الحجية المتمثلة فى صنفين من الادلة:

احدهما-عمومات حرمة اتباع الظن.

الثانى-المدلول الالتزامى لاطلاق ادلة الاصول والاحكام الظاهرية الجارية فى مورد الشك فى حجية الامارة المخالفة لها على ما تقدم شرحه فى الوجه الاول من وجوه صياغة هذاالاصل.

وبهذا ينتهى الكلام عن المقدمة.

حجية السيرة  

يبدا عادة بالظواهر بوصفها اول الامارات والظنون المعتبرة شرعا بلا خلاف ولكن بما ان مهم الدليل الذي يجري الاستدلال به على حجية اهم الامارات كالظواهر وخبر الثقة-وهما اهم امارتين فى الفقه-انما هوالسيرة العقلائية من هنا كنا بحاجة الى بحث مستقل عن السيرة ودليليتها ونكات هذه الدليلية وشروطها لنكون على رؤية واضحة فيما ياتى من مواضع الاستناد اليهامن المباحث الاصولية. والواقع ان الاستدلال بالسيرة لم يقتصر على خصوص المسائل الاصولية وفى باب الامارات بل شاع ذلك فى الفقه ايضا خصوصا فى مثل ابواب المعاملات التى يكون للعقلاء تقنين فيها.بل الملحوظ اتساع دائرة الاستدلال بها كلما تقلصت الادلة التى كان يعول عليها سابقا لاثبات المسلمات والمرتكزات الفقهية من امثال الاجماع المنقول والشهرة واعراض المشهور عن خبر صحيح اوعملهم بخبر ضعيف ونحوذلك فانه قد عوض بالسيرة عن مثل هذه الادلة فى كثير من المسائل التى يتحرج فيها الفقيه الخروج عن فتاوى القدماء من الاصحاب اوالارا الفقهية المشهورة.

من اجل ذلك راينا ان الصحيح عقد بحث مستقل عن السيرة العقلائية بعنوانها.

السيرة العقلائية:

ونقصد بها ما هواعم من السلوك الخارجى فهى تشمل ايضا المرتكزات العقلائية وان لم يصدر منهم بالفعل سلوك خارجى على طبقها لعدم تحقق موضوعها بعد والعنوان الجامع المواقف العقلائية سوا تجسدت فى سلوك خارجى ام لا.كما ان مرادنا من السيرة هنا ما يعم السيرة المتشرعية والسيرة العقلائية بالمعنى الاخص المقابل لها.

والكلام عن حجيتها يقع فى جهات:

الجهة الاولى: اقسام السيرة العقلائية:

الجهة الاولى-ان السيرة العقلائية يمكن تقسيمها الى ثلاثة اقسام:

القسم الاول-السيرة العقلائية التى تنقح موضوع الحكم الشرعى ولا تشرع الحكم وانما يثبت الحكم بمقتضى اطلاق دليله من كتاب اوسنة اوغيرها.

وتنقيح موضوع الحكم الشرعى بالسيرة العقلائية يكون باحد نحوين:

1- ان تكون السيرة العقلائية بنفسها منقحة ثبوتا لفرد حقيقى من الموضوع كما اذا لاحظنا دليل وجوب امساك الزوجة بمعروف اوتسريحها باحسان، الذي دل على وجوب النفقة تحت عنوان الامساك بمعروف فان المعروف من العرف وهوالشايع والمستساغ.فاذا اقتضت السيرة والتعارف على ان تكون نفقة الزوجة فى هذا الوقت مثلا بنحواتم واكمل مما كان معروفا بالنسبة لها فى غابر السنين بحيث خرج ذلك الحد عن كونه معروفا ومستساغا نتيجة الاختلاف فى الظروف الفكرية اوالاقتصادية اوالاجتماعية فسوف يتوسع صدق عنوان النفقة بمعروف عما كان عليه سابقا فتجب هذه المرتبة منها ولا تكفى المراتب التى كانت كافية فيما سبق، وهذا بحسب الحقيقة من تدخل السيرة فى تكوين موضوع الحكم الشرعى ثبوتا توسعة اوتضييقا.

2- ان تتدخل السيرة فى تنقيح الموضوع اثباتا وكشفا لا ثبوتا كما كان فى النحوالاول.كما اذا دل دليل على ان المؤمنين عند شروطهم واكتشفنا من تبانى العقلاء وسيرتهم على خيار الغبن انهم لا يرضون فى البيع والمعاوضة بفوات المالية وانما يرفعون اليد عن الخصوصية مع الحفاظ على المالية بما يساويها عرفا فى العوض فان مقتضى ظهور حال كل انسان على انه يمسسسى حسب المقاصد العقلائية انه ايضا لا يرضى بذلك،  وهذا كاشف نوعى عن انه يشترط على الاخر ضمنا بعدم تفاوت فاحش فى المالية بين العوض والمعوض والا فهوغير راض بالمعاوضة وتنفيذها.

ويترتب على الفرق المذكور بين النحوين انه لوشذ انسان عن السيرة وخرج عن مقتضاها فلن يؤثر ذلك فى النحوالاول بل يبقى الحكم ثابتا فى حقه ايضا لان انعقاد سيرة العقلاء من دونه قد اوجد فردا حقيقيا من الموضوع فلا اثر لمخالفته وهذا بخلاف النحوالثانى الذي كان دور السيرة مجرد الكشف عن قصده وشرطه فلونص على مخالفته لهم فى مورد معين كان ذلك رافعا للحكم لكشفه عن عدم المنكشف بالسيرة فى ذلك المورد والذي هوموضوع الحكم ثبوتا فهذا الفرق يؤثر فى كيفية استنباط الفقيه الحكم على اساس كل من النحوين.

وهذه السيرة بكلا نحويها يكون حجة على القاعدة بلا حاجة الى التماس دليل عليها لانها تنقح موضوع الحكم الشرعى تنقيحا حقيقيا اما ثبوتا اواثباتا ولهذا ايضا لا يتوقف استناد الفقيه فى عملية الاستنباط اليها على اثبات انها كانت معاصرة لزمن صدور النص والتشريع لعدم دحل ذلك فى الحكم الكلى المشرع، وانما اللازم ملاحظة وجودها فى الزمن الذي يراد اثبات الحكم فيه فلوكانت موجودة فى زمن التشريع ولكنها تبدلت بعد ذلك لسقطت عن التاثير فى مجال الاستنباط وهذا واضح.

القسم الثانى-السيرة التى تنقح ظهور الدليل وهذا يدخل تحته اعمال المناسبات العرفية والمرتكزات الاجتماعية المرتبطة بفهم النص فاننا سوف نذكر فى بحث الظواهر ان المرتكزات العرفية والعقلائية تتدخل ايضا فى تكوين الظهور وانها تعتبر بمثابة القرائن اللبية المتصلة بالكلام التى تتصرف وتحدد من ظهور اللفظ والمراد منه توسعة اوتضييقا.

وحجية هذا القسم من السيرة ايضا على القاعدة بعد الفراغ عن كبرى حجية الظهور بلا حاجة الى دليل زائد.

ويفترق هذا القسم عن القسم السابق فى حاجته الى اثبات معاصرة السيرة لزمن صدور النص((36)) من المعصوم، لان الحجة انما هوظهور النص ولكن اذا احرزنا ثبوته فى عصرنا واحتملناعدمه فى زمن النص كفى ذلك فى عدم امكان التمسك بالمدلول اللغوي للفظ لا لمجرد احتمال القرينة المتصلة التى لا نافى له عندنا فحسب بل لانه يمكن ادراجه تحت كبرى اصالة عدم النقل فى اللغة بان يراد بها اصالة عدم نقل مطلق الظهور النوعى العام للكلام سوا كان على اساس العلقة اللغوية اوالقرينة النوعية اللبية المتصلة كالسيرة.

القسم الثالث-السيرة المتشرعة وهى التى يراد الاستدلال بها على كبرى الحكم الشرعى كالسيرة العقلائية القائمة على ان من حاز شيئا من الاموال المنقولة المباحة ملكها وكذلك السيرة القائمة على خيار الغبن فى المعاملة اذا اريد الاستدلال بها على اثبات الخيار ابتدا لا باستكشاف شرط ضمنى على اساسه كما كان فيما سبق- وينبغى التمييز بين الطرزين من الاستدلال بمثل هذه السيرة ليتبع فى كل منهما شروطه-.

والاستدلال بهذا القسم من السيرة قد يكون لاثبات حكم شرعى كلى واقعى وهذا ما يقع الاستدلال به فى كتب الفقه، وقد يكون لاثبات حكم شرعى ظاهري وهذا ما يقع الاستدلال به فى كتب الاصول عادة كالسيرة القائمة على حجية الظواهر اوخبر الثقة مثلا. وسوف يظهر بعض الفوارق الفنية فى طريقة استعمال هذه السيرة فى كل من المجالين.

وهذا القسم من السيرة تتوقف دليليته على اثبات عناية اضافية وليست على القاعدة كما فى القسمين السابقين اذ لا معنى للاستدلال ابتدا بعمل العقلاء وبنائهم على حكم الشارع الاقدس.

وصيغة تلك العناية التى لا بد منها وسوف ياتى الحديث عنها مفصلا انه لا بد من استكشاف امضاء الشارع لها من اتخاذه موقفا ملائما معها كاشفا عن امضائه لمضمونها والذي ادناه السكوت والتقرير فتكون الحجة بحسب الحقيقة الامضاء والتقرير الصادر عن المعصوم لا نفس السيرة. وواضح ان هذه العناية بحاجة الى ان تكون السيرة معاصرة لزمن التشريع وموجودة فى زمن المعصوم(ع)فلا تنطبق على السير المستحدثة والمتجددة فيما بعد زمانهم فهناك ركنان لا بد من توفرهما لتتم دليلية هذه السيرة.

1- اثبات معاصرتها مع زمن يكون فيه المعصوم ظاهرا يتخذ المواقف الفقهية تجاه امثالها اثباتا اونفيا.

2- فحص الموقف الملائم الذي اقله السكون ليرى انه ما هى الحدود التى يمكن ان يستكشف منه الامضاء وكيفيته، وسوف يقع الحديث عن هذين الركنين مفصلا.

ولعله بما ذكرناه يتضح الجواب على ما قد يتساءل عنه من انه لماذا يحرص الفقهاء فى الاستدلال بمثل هذه الادلة اللبية على التمسك بالسيرة العقلائية القديمة دون السيرة العقلائية المستحدثة مع ان وضع العقلاء فى تقدم ونضج وتزايد خبراتهم الفكرية والاجتماعية والقانونية فلا يتمسك مثلا بالارتكاز العقلائى الحديث الذي يرى فى بعض الاختصاصات المعنوية حقوقا كحق التاليف والنشر على حد الاختصاصات المادية الساذجة المتمثلة فى الحيازة مثلا.

فان هذا الكلام انما يصح فيما اذا كان الاستدلال بالسيرة العقلائية بما هى سيرة للعقلاء ومتابعة لهم لا بما هى كاشفة عن موقف الشارع وقد عرفت ان الذي يفيد فى مجال استنباط الحكم الشرعى هوالثانى لا الاول وهوموقوف على معاصرة السيرة زمانا لعصر التشريع.

وقد يقال:ان الشارع قد امضى السير العقلائية المعاصرة له لا بوصفها الشخصى بل بوصفها النوعى العقلائى بمعنى انه يفهم من عدم تصدي الشارع لبيان احكام وتاسيس تشريعات فى ابواب متعددة من الحياة مما للعقلاء شان فيه انه قد تركها اليهم وحول على ارتكازاتهم فيكون هذا امضاء اجماليا لما ينعقد عليه بنائهم الا ما ثبت جزئيا عدم متابعة الشارع لهم فيه وردعهم عنه.

وفيه:اولا-انه لم يثبت سكوت الشارع عن اعصار الاحكام والتشريعات فى ساير الموارد التى يراد التحويل فيها على السيرة العقلائية بل قد بينت احكامها ايضا اوورد ما يحتمل صدوره عن الشارع فى مقام بيانها ولوبنحوالعموم والاطلاق اوالقاعدة الكلية وعدم كثرة ذلك لعله ناتج عن عدم كثرة الاستثناءات لتلك القواعد العامة الكلية، وما قد يقال من عدم كفاية مجرد الاطلاق للردع عن سيرة مرتكزة انما يصح فى سيرة معاشة حية لا ما سوف يحدث بعد عصر التشريع مع عدم ابتلاء المكلفين بها فى زمانه.

وثانيا-ان سكوت الشارع انما يدل على امضاء السيرة بنحوالقضية الخارجية وليس فيه تقرير لاكثر من ذلك فلا يمكن استكشاف امضاء عام منه لمطلق السير العقلائية بنحوالقضية الحقيقية اذ ليس الاستدلال فى المقام بكلام ودلالة لفظية ليكون ظاهرا فى القضية الحقيقية وانما بسكوت وتقرير وهولا يقتضى اكثر من امضاء القضية الخارجية كما هوواضح.

الجهة الثانية:السيرة المتشرعية وكيفية الاستدلال بها:

الجهة الثانية-تبين مما سبق ان السيرة المتشرعية بحاجة الى ان يتوفر فى حقها امران ليمكن الاستدلال بها:

احدهما-اثبات معاصرتها لزمن وجود المعصوم(ع).

والاخر-ثبوت الموقف الملائم منه تجاهها الكاشف عن امضائه لمضمونها. وفيما يلى نحقق حال هذين الركنين وكيفية احراز كل منهما:

1- طرق اثبات معاصرة السيرة مع زمن المعصوم(ع)

اذا واجه الفقيه سيرة عقلائية متشرعية فغايته انه يجد نفسه معاصرا معها فلا بد من اثبات انها كانت ثابتة فى زمن المعصومين(ع)ايضا. وهذا ما قد يذكر بشانه عدة وجوه:

الوجه الاول-ان يجعل نفس انعقادها وتطابق العمل عليها بالفعل-مع كون موضوعها ومضمونهما عام البلوى بحيث لا محالة ينعقد فيه تطابق عملى عام-دليلا على انها ذات جذور قديمة ترتفع الى عهد الائمة المعصومين(ع)فاذا فرض انعقاد السيرة مثلا عند المتشرعة على الاخفات فى صلاة الظهر من يوم الجمعة يجعل نفس هذا التطابق فى العمل دليلا على ثبوتها منذعهود الائمة وانها متلقى منهم، وذلك بنكتة انه من المستبعد جدا بل من الصعب والممتنع عادة تحول التزام المتشرعة فجاة من لزوم الجهر فى صلاة الظهر من يوم الجمعة الى الاخفات فيها فان ذلك اذا لم يكن مستندا الى عصر التشريع فلابد وان يكون مرتبطا بسبب مثير وظروف استثنائية طارئة ادت الى ذلك يشار اليها عادة اذا ما كانت.

وهذا الوجه لا يمكن المساعدة عليه فى كثير من الاحيان-حتى لوافترضنا ان مضمونها مما ينعقد فيه تطابق عملى-اذ ان صعوبة التحول فى الالتزامات المتشرعية والعقلائية مسلمة بمعنى ان التحول الفجائى يقطع بعدمه عادة بحساب الاحتمالات الا ان اصل هذا الافتراض فى كيفية تحول السيرة ليس متعينا بل هناك افتراضات اخرى كان تكون السيرة قد تحولت تدريجاوخلال قرون متمادية حسب عوامل مساعدة توفرت بالتدريج بان نفرض فى المثال بروز فتوى بعدم وجوب الجهر فى ظهر الجمعة لعدم تمامية دليل شرعى عليه تؤدي الى عدم التزام جملة من المتشرعة بالجهر فيها ثم يجىء آخر بعد فترة من الزمن ويشكك فى اصل جواز الجهر لكون الاخفات فى الظهرين هومقتضى القاعدة على مستوى الادلة والسيرة اوالاجماع قدانثلمت نتيجة الفتوى السابقة فيفتى بلزوم الاخفات ويصبح ذلك تدريجا هوالموقف الفنى والعلمى من هذه المسالة فتتطابق الفتاوى على لزوم الاخفات فيها فتنعقد سيرة متشرعية عليه.

ففرضية من هذا القبيل ليست بغريبة ولا صعبة التوقع.

الوجه الثانى-اثبات معاصرة السيرة ووجودها فى زمن المعصوم(ع)بالنقل والشهادة من قبيل ما ينقله الطوسى(قده)من استقرار بناء اصحاب الائمة والمتشرعة فى حياتهم على الاعتماد على اخبار الثقات فى مقام اخذ معالم دينهم جيلا بعد جيل. وهذا الوجه ان فرض فيه تظافر النقل واستفاضته بنحوقطعى اوتوافر قرائن على قطعيته فلا اشكال، وان فرض فيه النقل بخبر ثقة فهوانما يجدي فيما لوثبتت حجية خبر الثقة فى المرتبة السابقة بدليل آخر فلا يجدي اذا كانت السيرة يراد الاستناد اليها فى اثبات حجية نفس الخبر كما هوواضح. والتسامحات التى تثبت من قبل الناقلين للاجماعات المنقولة لا تقدح فى المقام لانها عادة انما كانت فى مقام نقل فتاوى الاصحاب حيث كان يتسامح فيه لا فى مقام نقل التزام المتشرعة وسيرة اصحاب الائمة فانه لم يثبت التسامح منهم فى مقام نقلها فانه اخبار عن عمل خارجى لا عن مسالة علمية ليكتفى فى تحصيل الموافق فيها على مجرد توفر الدليل واقتضائه لتلك الفتوى.

الوجه الثالث-استقرا الاوضاع الاجتماعية المتعددة فى مجتمعات مختلفة وبعد ملاحظة تطابقها على شىء واحد يعمم الحكم على جميع المجتمعات العقلائية حتى المعاصرة لعهدالمعصومين(ع).

وهذا الوجه ايضا لا يتم فى جملة من الاحيان لاننا بهذا الاستقرا نلاحظ المجتمعات المعاصرة بينما يراد التعميم الى مجتمع يفصلنا عنه زمان طويل بما كان يحتويه من احداث وظروف ووقايع ومثل هذا التعميم متعذر بحسب قواعد حساب الاحتمالات غالبا لان التعميم انما يصح فيما اذا لم تحتمل نكتة وخصوصية فى حالة معينة تميزها عن غيرها من الحالات وهذاالاحتمال ثابت هنا بعد ان علم اجمالا بتغير الاوضاع الاجتماعية فى الجملة عما كانت عليه فى الازمنة السابقة وعدم ثباتها جميعا على ما كانت عليه نتيجة طروعوامل مختلفة يحتمل تحقق بعضها بالنسبة الى تلك السيرة.

الوجه الرابع-ان المسالة التى يراد اثبات السيرة فيها اذا كانت من المسائل الداخلة فى ابتلاء الناس بها كثيرا وكان السلوك الذي يراد اثباته وانعقاد السيرة عليه نحوسلوك لا يكون خلافه من الواضحات لدى الناس والمتشرعة مع عدم تكثر السؤال والجواب عنها على مستوى الروايات والادلة الشرعية فانه فى مثل ذلك يستكشف ان ذلك السلوك كان ثابتا فى زمان المعصوم(ع)ايضا والا لزم اما ان يكثر السؤال عنه اويكون خلافه من الواضحات عند الناس عادة وكلاهما خلف، مثلا اذا فرض انعقاد السيرة على العمل بخبر الثقة الامر الذي ليس عدمه من الواضحات بحسب الطباع العقلائية مع كون المسالة محلا للابتلاء كثيرا ولم ترد فى الادلة والنصوص الصادرة عنهم ما يمنع عن العمل بخبر الثقة بل فيها ما تؤكد العمل به كان ذلك دليلاعلى ان هذا السلوك كان متبعا فى تلك الازمنة ايضا.

الوجه الخامس-وهويتم فى مورد لولم تكن السيرة منعقدة على ما يراد اثبات انعقادها عليه لكان لها بديل وكان ذلك البديل ظاهرة مهمة لا تقتضى العادة ان تمر بدون تسجيل لخطورتها، ولعل من احسن امثلة ذلك انعقاد السيرة على العمل بالظواهر فانه لولم تكن هذه السيرة موجودة فى عهدهم ولم يكن بناء الصحابة والاصحاب على جعل الظهور مقياسالاقتناص المعنى فلا بد من ان تكون هناك مبان اخرى بديلة لذلك فى مقام الاقتناص، اذ لا شك فى انهم كانوا يقتنصون المعانى من الادلة الشرعية على كل حال فلولم يكن ذلك على اساس الظهور فلا بد من قاعدة اخرى بدلا عن الظهور وذاك البديل لوكان لكان ظاهرة اجتماعية فريدة وملفتة للنظر بحيث لا يمكن ان تمر دون ان يصل الينا آثارها واخبارها بشكل وآخر فان ماهواقل من ذلك تصل آثاره عادة الى المتاخرين بالتدريج فكيف لا تصل الينا رائحة بديل عن الظهورات بوجه من الوجوه فيستكشف منه انه لم يكن هناك بديل بل كان الظهور هوالحجة.

هذه هى وجوه خمسة قد يستند اليها اوالى بعضها على الاقل فى اثبات معاصرة السيرة لزمان المعصومين(ع)وهناك وجوه اخرى جزئية كثيرة على اساس نكات وخصوصيات غير منضبطة يواجهها الفقيه عادة فى الفقه، فمثلا السنة الروايات وطرز الاسئلة فيها قد تكون كاشفة اثباتا اونفيا عن ارتكاز المتشرعة فى عصر المعصومين(ع) فبالنسبة الى طهارة اهل الكتاب مثلا قدجعلنا لسان الروايات التى استند اليها المشهور لاثبات نجاستهم دليلا على انه لم تكن النجاسة مما انعقدت السيرة عليها عند اصحاب الائمة والمتشرعة لان تلك الاسئلة قد بين فيهاالاستشكال بضميمة فرض ان اهل الكتاب يشربون الخمر وياكلون لحم الميتة فلوكانت النجاسة الذاتية لهم امرا مشهورا فلما ذا يفترض النجاسة العرضية والمعرضية لها مع فرض نجاستهم ذاتا، وكذلك فقه العامة فى باب المعاملات مثلا يمكن ان يعطی بعض القرائن نفيا اواثباتا على استقرار التعامل الخارجى فى زمن الائمة على موقف معين الى كثير من الخصوصيات الحديثة والتاريخية وغيرهما مما لا ضوابط لها يترك تفصيلها الى الفقه حسب موارد المسائل وطبيعتها.

2- كيف نستكشف الموقف الملائم الكاشف عن الامضاء:

وهذا هوالركن الثانى فى تتميم دلالة السيرة وهذا ما تختلف صيغته فى السيرة العقلائية عنها فى السيرة المتشرعية ذلك ان اصحاب الائمة(ع)المعاصرين معهم لهم حيثيتان حيثية كونهم عقلاء تتحكم فيهم احكامهم ومواقفهم وحيثية كونهم متشرعة يطبقون احكام الشريعة المقدسة فيما لا ربط له بالعقلاء ومواقفهم كما اذا انعقدت سيرتهم مثلا على الجهر فى صلاة ظهر يوم الجمعة-وعلى هذا الاساس تكون هناك سيرتان لهم سيرتهم بما هم متشرعة وسيرتهم فى القضايا التى للعقلاء موقف فيها وملاك كاشفية كل من السيرتين عن قبول الشارع لمضمون تلك السيرة يختلف عن الاخر.

فالسيرة المتشرعية دلالتها على قبول الشارع لمضمونها تشبه دلالة البرهان الانى بتوضيح:اننا نتكلم عن المتشرعة المعاصرين لعهد الائمة(ع)الذين اتيح لهم تلقى الاحكام والمعارف الشرعية عنهم بطريق الحس اوالقريب من الحس وذلك بالسؤال عنهم-وهم جل الاصحاب المعاصرين لهم والناقلين لاثارهم واما فقهاء عصر الغيبة فان تطابق ارائهم وفتاواهم على شىءيكون اجماعا فى الفتوى القائمة على اساس الحدس لا الحس وهذا ما سوف ياتى الحديث عن حجيته وكاشفيته فى فصل قادم- ومن الواضح ان تطابق آرا الاصحاب والمتشرعة فى عصرمن هذا القبيل لا محالة يكشف عن تلقيهم ذلك الحكم من الشارع بمعنى استناد موقفهم العملى اليه لان احتمال استناده الى نكات عقلائية غير موجود بحسب الفرض اذ المفروض ان السيرة انعقدت فى مسالة شرعية بحتة كالجهر فى الصلاة فلوفرض ان سلوكهم المذكور مما لا يرضى به الشارع وغير مقبول لديه بل غير مستند اليه فهذا معناه افتراض الغفلة الحسية فى عدد كبير من الناس.اما بالغفلة عن اصل الفحص والسؤال اوعن الفحص التام وهومنفى بحساب الاحتمالات فان كل واحد وان كان معقولا فى حقه ذلك الا ان غفلة الجميع فى قضية حسية منفى بحسب قوانين حساب الاحتمالات ومنطق الاستقرا، بل كيف تطابقت الغفلات على نتيجة واحدة متفق عليها فان هذا ايضا بعيد بنفس الحساب ومن هنا كانت هذه السيرة اقوى من اجماع اهل الراي والاجتهاد بمراتب فى مقام الكشف عن الموقف الشرعى، لان الاجماع انما يكون فى قضية حدسية مما يكون احتمال الخطا فيها من قبل الجميع معقولا لولا عنايات فائقة.

وهذا البيان لا يمكن اجراؤه فى السيرة العقلائية اذ يمكن فيها افتراض ان المرتكزات العقلائية لشدة سيطرتها على الافراد وتحولها الى عادة لا شعورية يكون منشا لاستقرار السلوك المعين فلا ينحصر سببه فى التلقى من الشارع. ومن هنا كان لا بد فى اثبات دلالتها من الاستعانة بقضيتين شرطيتين:

احداهما-انه لولم يكن الشارع موافقا على مضمون السيرة لردع عنها.

الثانية-انه لوكان قد ردع عنها لوصل الينا.

وحيث انه لم يصل الينا فلا ردع وهوكاشف عن الامضاء بحكم الشرطية الاولى.

وهذا يعنى ان السيرة العقلائية بحاجة الى ثلاث نقاط حتى تتم دلالتها على الموقف الشرعى.

النقطة الاولى-اثبات الشرطية الاولى التى محصلها دلالة عدم الردع على الامضاء وهذا ما يمكن تقريبه باحد وجهين:

1- ان تكون دلالة عقلية بملاك استحالة نقض الغرض وتخلف المعصوم عن ادا رسالته من تبليغ الشريعة وبيان احكامها وحلالها وحرامها، فانه بحكم كونه حجة على العباد فى تبليغ الشريعة مسؤول عن توضيح ما يخالفها من اوضاع الناس والا كان مخالفا لمسؤوليته بما هومكلف- بالفتح- وناقضا لغرضه بما هومكلف-بالكسر- وكلاهما مستحيل. وهذا الوجه ينطبق فيما اذا كانت السيرة العقلائية تشكل خطرا على اغراض الشارع بان كان مفعولها ساريا الى باب الشرعيات كالسيرة على الرجوع الى اهل الخبرة فى كل فن المقتضى للرجوع الى الفقهاء فى اخذ معالم الدين اما جريا ورا العادة اولعموم النكتة فى نظرهم وعدم الفرق بين علم الفقه وساير الفنون.

2- ان تكون دلالة حالية بدعوى ان لسكوت المعصوم(ع)عن موقف عقلائى عام يقع بين يديه ظهورا حاليا فى انه موافق عليه ويقبله نظير دلالة سكوته عن عمل شخصى يقع امامه اوسكوت الاب عن تصرف معين من ابنه الكاشف عن رضاه به وقد قيل ان السكوت قد يكون ابلغ من الكلام فى التعبير عن المرام.

وهذا يختلف باختلاف الظروف والملابسات والامام(ع)بوصفه له مقام التبليغ والمسؤولية فى ادا الاحكام يكون لسكوته ظهور حالى يشبه ظهور سكوت الاب عن تصرف ابنه فى الكشف عن موافقته عليه، وهذا الظهور الحالى ان بلغ مرتبة اليقين كان حجة بلا كلام والا احتيج فى اثبات حجيتها ضم كبرى حجية الظهور حتى اذا كان حاليا. ومنه يظهر انه لا يمكن بهذاالظهور- اذا لم يكن قطعيا-تتميم الاستدلال بالسيرة على حجية الظهور نفسه.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية