الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الفرضية الثالثة-ما هوالمختار من ان حجية الظهور موضوعها عبارة عن الظهور التصديقى لا التصوري كما افاد المحقق الاصفهانى(قده)الا ان الجزء الثانى هوعدم العلم بالقرينة المنفصلة لاعدم واقع القرينة المنفصلة كما افاد المحقق النائينى(قده)، ونتيجة ذلك انه اذا احتملنا القرينة المتصلة كنا بحاجة الى احراز موضوع اصالة الظهور فى المرتبة السابقة باصل اوغيره واذااحتملنا القرينة المنفصلة رجعنا الى اصالة الظهور ابتدا بلا حاجة الى اصل طولى لانحفاظ كلا الجزئين المذكورين كما هوواضح.

والاختلاف بين هذه الفرضيات ربما يتصور انه مجرد خلاف تحليلى نظري لا اثر عملى له، الا انه سوف يظهر من خلال البحث وجود مغزى عملى له، ولنبدا بالتعليق على الفرضيتين الاولى والثانية لنخرج منه بتثبيت فرضيتنا المختارة فنقول:

اما الفرضية الاولى التى تبناها المحقق النائينى(قده)وفاقا مع الشيخ الانصاري(قده)فما ذكر فيها من ان موضوع اصالة الظهور هوالظهور التصديقى لا التصوري صحيح على ما سوف ياتى تحقيقه من خلال التعليق على الفرضية الثانية ولكن ما ذكر فيها من توقفه على عدم واقع القرينة المنفصلة بحيث لا بد من تنقيح عدمها فى المرتبة السابقة باصالة عدم القرينة غير تام، وذلك لان اصالة عدم القرينة هذه اما ان تكون اصلا تعبديا بحتا على حد الاصول العملية الشرعية واما ان تكون اصلا عقلائيا على اساس نكتة الكاشفية والطريقية، والاول باطل لوضوح ان العقلاءليست لهم تعبدات عملية وان اصولهم اللفظية كلها بملاك الكاشفية والطريقية لا التعبد العملى البحث. واما الثانى فهوصحيح الا انه لا كاشف ولا طريق عن عدم القرينة الا نفس الظهورالتصديقى المنعقد فى الخطاب باعتبار استبعاد ان المتكلم يتكلم بكلام ظاهر فى ارادته لمعنى ولا ينصب قرينة متصلة على مرامه، بشهادة انه لولم يكن كلامه ظاهرا فى ذلك بل مجملا لم يكن يستبعد مجىء الشارح والمبين، فتمام نكتة استبعاد القرينة المنفصلة هوظهور الكلام فى المرام التصديقى نفسه وهذا معناه ان الرجوع الى الظهور ابتدا فهوموضوع الحجية عند عدم وصول القرينة المنفصلة بلا حاجة الى اصل طولى اسبق، وبهذا التحليل يمكن ابطال هذه الفرضية لا بما جاء فى مناقشة المحقق الاصفهانى(قده)من ان الظهور عند العقلاء مقتض لعملهم به فلا يمكن ان تكون القرينة بوجودها الواقعى مانعة عن العمل لان المانع لا بد وان يكون فى افق المقتضى وصقعه وما يمكن ان يكون مانعا لهم عن عملهم انما هووصول القرينة لهم فعدمه وهوعدم العلم بالقرينة هوالذي ينبغى ان يكون الجزء الاخر من العلة اوالموضوع.

فان هذا البيان كانه انسياق مع تصور ان المراد بالسيرة العقلائية نفس عملهم الخارجى بما هوتحرك وفعل صادر من العقلاء لا ما يكشف عنه ذلك العمل الخارجى من مبنى ومعنى كلى بنحوالقضية الحقيقية المجعولة فان العمل الخارجى لا محالة يكون المؤثر فيه والعلة له هووصول المانع لا وجوده الواقعى، واما المضمون المستكشف منه فقضية جعلية وقرار على حدسائر القضايا والجعول يكون الحكم فيها وهوالحجية تابعا لموضوعه الواقعى الماخوذ مقدر الوجود.على ان امتناع العقلاء عن عملهم بالظهور كما يتوقف على العلم بالقرينة ووصولها كذلك يتوقف على العلم بالظهور فليكن الجزء الاول لموضوع حجية الظهور والمقتضى لها العلم بالظهور لا واقعه، اللهم الا ان يفسر الظهور بما يساوق ذلك لانه يقصد به الدلالة التصورية ولعلهامساوقة للعلم والانسباق عنده.

واما فرضية المحقق الاصفهانى(قده)التى تجعل الظهور التصوري موضوعا للحجية فالمناقشة فيه:ان هذا الظهور مجرد امر تكوينى ايجادي والحجية العقلائية انما تكون بملاك الكاشفية.نعم هذا الظهور من الحيثيات التعليلية لتكوين الظهور التصديقى الكاشف عن المراد فيما اذا لم ينصب قرينة متصلة على خلافه. وعليه فجعل هذا الظهور موضوعا للحجية خلاف ما ذكرناه من ان الاصول والقواعد العقلائية قائمة على اساس الطريقية والكاشفية.

وبهذا ننتهى الى صحة الفرضية الثالثة، وهى ان موضوع الحجية مركب من جزئين الظهور التصديقى الكاشف عن المراد، وعدم العلم بالقرينة المنفصلة، واما القرينة المتصلة فقد عرفت ان عدمها ماخوذ فى الجزء الاول لانها كما عرفت تهدم الظهور التصديقى ذاتا.

وحينئذ تارة يعلم بعدم القرينة واخرى يشك فيه، وعلى الاول لا اشكال فى الرجوع الى اصالة الظهور ابتد، وعلى الثانى فتارة يكون الشك فى وجود القرينة المنفصلة مع العلم بعدم المتصلة فيرجع الى اصالة الظهور ابتدا ايضا لتحقق موضوعها وجدان، واخرى يشك فى وجود قرينة متصلة وفى مثله لا يمكن الرجوع الى اصالة الظهور ابتدا للشك فى تحقق موضوعه وهوالظهور التصديقى وهنا حالتان:

الاولى-ان يكون احتمال القرينة المتصلة ناشئا من احتمال غفلة حسية عن القرينة، كما اذا كنا مشافهين بالخطاب وهنا تجري اصالة عدم القرينة التى مرجعها روحا الى اصالة عدم الغفلة فى الامور الحسية التى تكون بملاك كاشفية نوعية واضحة.

الثانية-ان يكون احتمال القرينة المتصلة ناشئا من غير ناحية الغفلة، كما اذا لم نكن مشافهين بالخطاب وانما وصلنا الخطاب ضمن رسالة الا ان قسما منها كانت مقطوعة مثلا واحتملنا وجودقرينة فى المقدار المقطوع منه، وفى مثل هذه الحالة لا يشك عاقل فى عدم حجية الظهور ولا اصالة عدم القرينة.

وهكذا يعرف ان احتمال القرينة سوا كان من احتمال قرينية الموجود اومن اصل وجود القرينة لا نافى له اذا كان من غير ناحية الغفلة كما لوكان الكلام منقولا الينا.

ومن هنا يظهر المغزى العملى بين الفرضيات الثلاث فانه بناء على الفرضية الاولى والثانية كان يمكن التمسك باصالة الظهور فى موارد احتمال القرينة المتصلة لتمامية الظهور التصوري اوالتمسك باصالة عدم القرينة.

وقد يقال:على هذا ينسد باب العمل بالظهورات فى الفقه لاحتمال وجود قرائن متصلة مع الروايات الصادرة عن المعصومين(ع)ولم تصل الينا.

والجواب:ان احتمال قرينة متصلة فيها لم تنقل الين، ان كان من جهة احتمال غفلة الناقل عن سماعها فهومنفى باصالة عدم القرينة على اساس عدم الغفلة، وان كان من ناحية احتمال اسقاط الناقل لذكرها فهومنفى بشهادة الناقل السلبية السكوتية، فان سكوته فى مقام النقل واقتصاره على ما نقل من الظهور بنفسه شهادة منه بعدم وجود قرينة مغيرة لمعنى ذلك الظهور، لانه فى مقام نقل كل ما له دخل فى فهم ذلك المعنى الذي ينقله الينا كما هوواضح.

نعم لواحتملنا قرينة متصلة لا يكون للراوي نظر اليها فى مقام النقل فلا يمكن نفيها بشهادته كما هوالحال فى القرائن اللبية المرتكزة فى الاذهان بنحوتكون كالمتصل، فان الراوي ليس فى مقام نقل المرتكزات العامة المعايشة فى عصره والتى لا يلتفت اليها تفصيلا غالبا كما هوواضح.

الجهة الثالثة: اصالة الظهور والاصول اللفظية الاخرى:

الجهة الثالثة-فى النسبة بين اصالة الظهور وساير الاصول اللفظية كاصالة الحقيقة والعموم والاطلاق وعدم القرينة ونحوذلك، وغير اصالة القرينة من هذه الاصول اللفظية حصص من اصالة الظهور بحسب الحقيقة فاصالة الحقيقة تعنى اصالة الظهور التصديقى الاول اي ان الاصل ان المتكلم يقصد افهام المعنى الحقيقى التصوري لا المجازي، واصالة العموم فى مقابل تخصيص لا يلزم منه تجوز، واصالة الاطلاق من حصص اصالة الظهور بلحاظ الظهور التصديقى الثانى الكاشف عن المراد الجدي، وكذلك سائر الاصول اللفظية الاستظهارية كاصالة عدم الاستخدام والتقدير والحذف ونحوها فانها جميعا حصص من اصالة الظهور بلحاظ احدى المرتبتين، وهى كلها قد نسميها بالاصول الوجودية وفى مقابلها اصالة عدم القرينة اوعدم التخصيص والتقييد، وقد عرفت النسبة بينها وبين اصالة الظهور فى الجهة السابقة من انها بمثابة الاصل الموضوعى لها فى مورد جريانها وهوما اذا كان احتمالها من ناحية احتمال الغفلة الحسية.لا اكثروفى غير ذلك فهى عبارة اخرى عن اصالة الظهور.

ويترائى من كلمات الشيخ الانصاري والمحقق الخراسانى(قدهما)محاولة كل منهما التوحيد بين الاصلين-السلبى والايجابى اعنى اصالة عدم القرينة والتخصيص والتقييد واصالة الظهوروالعموم والاطلاق....

فالمحقق الخراسانى(قده)حاول ارجاع اصالة عدم القرينة-الاصل العدمى-الى اصالة الظهور-الوجودي-وقد استدل عليه فى بعض كلماته:بان العقلاء لا اشكال فى انهم يعملون بالظهورسوا قطعوا بعدم القرينة المتصلة اواحتملوها-ولومن باب الغفلة-كما ان الوجدان العقلائى شاهد فى ان المرجع لهم فى الحالتين امر واحد، اي ان هناك نكتة كاشفية مشتركة فى الحالتين لانكتتين مختلفتين مع انه فى حالة القطع بعدم القرينة ليس اصالة الظهور اذ لا معنى لاجرا اصالة عدم القرينة فيها فيعرف من ذلك ان الاصل فى حالة الشك هوالظهور ايضا لا غير.

وهذا البيان ان اريد به اثبات وحدة الاصلين فغير تام، لان وجدانية وحدة النكتة فى الموردين لا تقتضى اكثر من الاحتياج الى اصالة الظهور فى الحالتين فهى مرجع فيهما وهذا لا ينافى ان نكون فى احداهما-وهوحالة الشك فى القرينة-بحاجة الى اجرا اصل آخر فى المرتبة السابقة وهواصالة عدم القرينة والا فيكون التمسك بالظهور تمسكا بالاصل مع الشبهة المصداقية فى موضوعه وهذا ما لا يرتكبه العقلاء.

لا يقال-الجاري فى كل من الحالتين اصل واحد على كل حال، لان حكومة اصالة عدم القرينة على اصالة الظهور ظاهرية لا واقعية فبها نرتب آثار حجية الظهور لا انه نتمسك باصالة الظهورفيها حقيقة على ما هوالتحقيق.

فانه يقال-هذا لا ينافى وجدانية مرجعية اصالة الظهور على كل حال ولوبمعنى انه فى حالة الشك ايضا لا بد من افتراض حجية كبرى الظهور لكى تجري اصالة عدم القرينة، فالوجدان بهذاالمقدار مقبول ولا يضر بتعدد الاصلين.

وان اريد اثبات عدم كفاية اصالة عدم القرينة وحدها كما يحاوله الشيخ على ما ياتى بل لا بد من اصالة الظهور فهذا لا يحتاج فيه الى الوجدان المذكور، بل يبرهن عليه بان اصالة عدم القرينة فى حالة الشك لا يجعلها باولى من حالة القطع بعدم القرينة، ومع ذلك من الواضح انه يمكن ان يكون مراد المتكلم على خلاف الظهور من دون قرينة ولا نافى لهذا الاحتمال الا اصالة الظهور.

واما الشيخ الانصاري(قده)فالمترائى من بعض عبائره التوحيد بين الاصلين بارجاع اصالة الظهور-الاصل الوجودي-الى اصالة عدم القرينة-الاصل العدمى- ولا يتحصل لنا برهان واضح على هذا المدعى من كلماته.

الا ان المحقق العراقى(قده)حاول البرهنة عليه بربط هذه المسالة بمسالة قبح تاخير البيان عن وقت الحاجة وعدمه، فذكر انه بناء على القول بقبح تاخير البيان عن وقت الحاجة لا محالة يستكشف فى كل مورد ثبت فيه عدم ارادة الظهور انه كان هناك قرينة لكى لا يلزم القبح المذكور، وعليه يكون احتمال ارادة خلاف الظاهر-الذي يراد نفيه باصالة الظهور-مساوقا دائمالاحتمال القرينة، فاذا نفينا هذا الاحتمال باصالة عدم القرينة ثبت ارادة الظهور جدا والا لزم القبح وهومحال بلا حاجة الى اصالة الظهور، وهكذا ربط الحاجة الى اصالة الظهور بالقول بجوازتاخير البيان عن وقت الحاجة.

وهذا البيان ايضا غير تام، لان تطبيق قاعدة قبح تاخير البيان عن وقت الحاجة فرع بيانية الظهور فى الدليل الاول وهى فرع حجيته، والا فلوكان الخطاب مجملا وليس بحجة فاي قبح فى تاخير البيان حينئذ فان حاله حال عدم الخطاب راس، وعليه فاثبات ارادة الظهور باصالة عدم القرينة فرع حجية الظهور فى المرتبة السابقة حتى بناء على مسلك قبح تاخير البيان.

الجهة الرابعة: التفصيل فى حجية الظهور:

الجهة الرابعة-فى التعرض الى التفصيلات فى الحجية بين بعض المكلفين وبعض اوبعض الظهورات وبعض واهمها ثلاثة اقوال:

القول الاول-

التفصيل بين المقصودين بالافهام فيكون الظهور حجة لهم دون غيرهم. وهذا تارة يقرب بدعوى قصور مقتضى الحجية وهوالسيرة العقلائية عن شمول من لم يكن مقصودابالافهام حيث لم يعلم انعقاد بناء العقلاء على العمل بالظواهر ولولم يكونوا مقصودين بالافهام.

واخرى يقرب بابراز نكتة فرق بين المقصود بالافهام وغيره، وذلك لان المقصود بالافهام لا منشا لاحتمال ارادة خلاف الظاهر بالنسبة اليه الا اختفاء القرينة عليه وهومنفى باصل عدم القرينة اذ لولم تكن هناك قرينة ومع ذلك اريد خلاف الظاهر فى حقه كان خلف كونه مقصودا بالافهام، واما غير المقصود بالافهام فيحتمل ارادة خلاف الظاهر من غير ناحية الاختفاء عليه وذلك لانه يحتمل ان يكون هناك تواطؤ خاص اواصطلاح اواشارة معينة بين المتكلم وبين من قصد افهامه يكون قرينة عنده لا يفهمها غيره لعدم كونه مقصودا بالافهام فليس منشا احتمال ارادة خلاف الظاهر فى حقه منحصرا فى احتمال الغفلة عن القرينة.

وقد اجيب عن هذا التفصيل بكلا تقريبيه فى الكتب، بان اصالة الظهور اوعدم القرينة اصل براسه فى مقابل اصالة عدم الغفلة وهوغير مخصوص بالمقصود بالافهام بل مطلق بحسب مقتضى  الحجية.

وهذا المقدار من الجواب قد اتضح على ضوء ما سبق عدم وفائه بحسم الاشكال، لانه لواريد التمسك باصالة الظهور فقد عرفت انه متوقف على احراز موضوعه باصالة عدم القرينة واصالة عدم القرينة ليست تعبدا بحتا بل لا بد من ان ترجع الى نكتة كاشفية نوعية عقلائية كعدم الغفلة مثلا.

ومن هنا كان الاحسن فرز الاحتمالات فى ارادة خلاف الظاهر من الكلام والتفتيش عن نكتة كاشفية نوعية فى نفى كل منها ثم يرى ان تلك النكتة ما هى حدودها وهل تجري فى حق غيرالمقصود بالافهام ام لا؟ فنقول:احتمال ارادة خلاف الظاهر يكون له احد مناشىء خمسة:

الاول-ان لا يكون المتكلم فى مقام البيان اصلا بل فى مقام الاهمال والاجمال، ولهذا قد يقطع بانه لم ينصب قرينة ومع ذلك يحتمل ارادته لخلاف الظاهر لكونه فى مقام التمويه على سامعيه وهذا الاحتمال وارد فى حق المخاطب وغيره نعم المقصود بالافهام لا يرد فى حقه ذلك لانه خلف كونه مقصودا بالافهام والنسبة بينه وبين المخاطب عموم من وجه كما لايخفى، والنافى لهذا الاحتمال فى حق غير المقصود بالافهام اصل عقلائى هواصالة كون المتكلم فى مقام البيان فان نفس خروجه من حالة الصمت الى حالة التكلم ظاهر فى ذلك ولذلك كانت نكتة هذا الاصل العقلائى الظهور الحالى السياقى ونسبته الى المخاطب وغيره على حد سوا كما هوواضح.

الثانى-ان يكون مريدا خلاف الظاهر ونصب قرينة منفصلة عليه، وهذا الاحتمال ايضا منسد بالنسبة الى المقصود بالافهام بشخص ذلك الكلام لانه خلف كونه كذلك. ولكنه منفى فى حق غيره ايضا بظهور حالى سياقى للمتكلم فى انه فى مقام بيان تمام مرامه بشخص كلامه لا بمجموع كلمات منقطعة منفصلة الى آخر عمره، وهذا هوالظهور الذي يجعل الاعتماد على القرائن المنفصلة امرا على خلاف الطبع العقلائى وهذا ايضا لا يختلف الحال فيه بين المخاطب وغيره.

الثالث-ان يكون قد اراد خلاف الظاهر ونصب عليه قرينة متصلة غفل عنه، وهذا الاحتمال وارد حتى بالنسبة الى من قصد افهامه، والنافى له هواصالة عدم الغفلة لكل من كان فى محضرالاحساس بذلك الكلام.

الرابع-ان يكون قد اراد خلاف الظاهر وقد اعتمد طريقة مخصوصة فى المحاورة بينه وبين مخاطبه اوالمقصود بالافهام من قبله، وهذا الاحتمال ايضا منفى بظهور حالى سياتى هوظهور حال المتكلم على انه يجري وفق لغة العرف والمحاورة عند ما يتكلم بتلك اللغة ما لم يكن هناك قرينة على اعتماد اصطلاحات اوطريقة مخصوصة غير الطرائق العرفية.

الخامس-احتمال قرينة متصلة لم تصل الينا من جهة الضياع، وهذا الاحتمال تقدم انه لا يمكن التمسك بالظهور لنفيه سوا فى ذلك المقصود بالافهام اوغيره على ما تقدم مفصلا. وهكذا اتضح عدم الفرق بين المقصود بالافهام وغيره لتمامية نكتة حجية الظهور فى حقهما كبرى وصغرى.

القول الثانى-

التفصيل بين الظهور الذي يظن بخلافه فلا يكون حجة وما لا يظن بخلافه فيكون حجة وقد يتشدد فى ذلك فيشترط حصول الظن بالوفاق، ومدرك هذا التفصيل كانه ملاحظة موارد السيرة والعمل من قبل العقلاء بالظهورات فى اوضاعهم الخارجية حيث انهم قد لا يعملون بها اذا ظن بخلافها.

الا ان الصحيح:ان الموارد المذكورة لوفرض وجودها فانما تكون فى مجال الاغراض الشخصية التكوينية لا مجال الاغراض التشريعية والادانة العقلائية اعنى باب الحجية والتنجيز والتعذيربين الموالى وعبيدهم، فانه فى هذا المجال لا يفرق العقلاء بين ما يظن بخلافه اول، ومن هنا افاد المحقق النائينى(قده)فى مقام مناقشة هذا القول بانه انما يتجه فى سيرة العقلاء بلحاظ مصالحهم الشخصية لا المولوية، وهذا الالتفات منه متين الا انه بحاجة الى تكميل وتمحيص، ذلك انه ربما يعترض عليه بهذا المقدار بان حجية الظهور فى باب الاغراض المولوية التشريعية ايضا انما تكون بملاك الطريقية والكاشفية لا الموضوعية والتعبد البحت ومعه كيف ينسجم اطلاق الحجية فى هذا المجال مع عدمه فى مجال الاغراض الشخصية والذي يكون الظهورطريقا اليه، وهل هذا الا الالتزام بموضوعية الظهور للحجية؟.

والجواب-ان فذلكة الفرق المذكور راجع الى الفرق فى نكتة الكاشفية والطريقية لا اصله، فان ملاك الكاشفية فى مجال الاغراض الشخصية انما يكون هوالكشف الشخصى، لان الغرض فيه شخصى ليس له طرف آخر ولا علاقة له به ومن هنا كان الظهور متاثرا بالظن الشخصى على خلافه سلبا اوايجابا.

وهذا بخلاف باب الاغراض المولوية فانه غرض بين طرفين المولى والعبد وبلحاظ الادانة والتسجيل وفى هذا المجال لا يناسب ان تكون الكاشفية الشخصية عند العبد مثلا ميزانا بل الميزان الكاشفية النوعية المحفوظة فى الظهور فى نفسه باعتباره غالب المطابقة والحفظ للواقع ولاعراض المولى، فان هذا هوالميزان الموضوعى المناسب والمحدد من جهة وهوالاوفق لاغراض المولى من جهة ثانية فان المولى الذي اليه يرجع امر هذه الحجية جعلا ورفعا انما يجعلها بلحاظ التزاحم الحفظ ى الواقع بين ملاكات احكامه ولا معنى لان يلحظ الظن الشخصى للعبد فى مقام تحديد ما يكون احفظ لها.

القول الثالث-

التفصيل بين ظواهر الكتاب الكريم وغيرهما من النصوص الشرعية، وهناك اتجاهان فى تخريج هذا التفصيل، احدها دعوى الخروج التخصيصى عن الحجية بعد الاعتراف بتحقق اصل الظهور فى الايات القرآنية، والاخرى دعوى الخروج التخصصى من جهة انكار انعقاد ظهور فى تلك الايات لنكات خاصة. والقول بالتفصيل انما يكون على الاتجاه الاول لاالثانى فانه لا يكون تفصيلا فى حجية الظهور كما هوواضح.

واياما كان فالاتجاه الاول يذكر فى اطاره عدة وجوه نقتصر فيها على وجهين:

الوجه الاول-التمسك بما دل من الايات القرآنية على النهى عن اتباع المتشابه من القرآن بعد دعوى ان المتشابه يشمل الظاهر والمجمل، لان المتشابه انما لوحظ فيه وجود معنيين متشابهين من حيث صلاحية اللفظ القرآنى لارادة كل منهما وان كان احدهما اقرب واشد علقة باللفظ من الاخر.

وما قيل اويمكن ان يقال فى مناقشة هذا الوجه امور:

الاول-استحالة شمول النهى عن المتشابه للظواهر القرآنية، اذ غاية ما يثبت بالتقريب المذكور ظهور كلمة المتشابه فى شمول الظاهر والمجمل معا ولا يكون صريحا فى ذلك فتكون هذه الاية بنفسها من الظواهر القرآنية فلودلت على النهى عن العمل بها المساوق مع عدم حجيتها لزم من ذلك عدم حجية نفسها فتكون حجيتها مستلزمة لعدم حجية نفسها وكل ما يلزم من وجوده عدمه محال.

وقد يقال:انها لا تشمل نفسها ليلزم المحال المذكور لقرينتين:

احداهما-قرينة عقلية وهى لزوم المحال، فان مركز هذا المحذور بحسب الحقيقة اطلاقها لنفسها فان هذا الاطلاق هوالذي لوكان حجة لزم من وجود حجيتها عدمها فهى التى تسقط عن الحجية لان المحذورات العقلية تسقط الحجية بمقدارها لا اكثر كما هوواضح.

والثانية-قرينة عرفية هى ان الاية قضية خارجية وليست حقيقية، لانها ناظرة الى القرآن الكريم وما فيه من المتشابهات والمحكمات وهى قضايا وخطابات خارجية كما هوواضح ومعه فيكون نظر الاية الناهية الى غيرها من الايات النازلة خارجا فلا اطلاق لها فى نفسها لنفسها ليلزم من حجيته عدم حجيتها.

وقد يتخلص عن هذا الجواب، بانها وان كانت لا تشمل نفسها باحدى القرينتين الا اننا بعدم الفرق فى ملاك عدم الحجية بين ساير الظهورات القرآنية وشخص هذا الظهور فاذا ثبت عدم حجية غيرها يلزم عدم حجية نفسها فيعود الاشكال.

وهذا الحوار اشكالا وجوابا كانه يفترض ان المحذور المذكور انما هوفى وقوع شىء يلزم من وجوده عدمه، ولهذا يحاول فى الاشكال المنع عن وقوعه مع ان المحذور فى نفس استلزام الشىء لعدم نفسه كقضية واقعية ثابتة فى لوح الواقع الاوسع من لوح الوجود وليس المحذور بلحاظ عالم الوجود والوقوع الخارجى لكى يكتفى فى التخلص عن المحذور بالالتزام بعدم وقوع اللازم والملزوم خارج، فان عالم الاسلتزامات والملازمات على ما تقدم مرارا عالم واقعى وليس خياليا وثبوت الاستلزام المذكور فى نفسه محال.فلا بد من ابطال نفس الاستلزام وهذامطلب سيال فى جملة من البحوث الاصولية وغير الاصولية كنقل السيد المرتضى للاجماع على عدم حجية الخبر فى مسالة حجية خبر الواحد، والظاهر من المحققين فى جميع ذلك انهم قبلوا الاستلزام وابطلوا وقوع اللازم خارجا ومثله صدر منهم فى محذور الدور الذي كان يلزم فى بعض الموارد فلم يبطلوا الدوران والتوقفين وانما انكروا وقوع الدائرين فى الخارج وهذاغير فنى كما عرفت، بل لا فائدة له فى التخلص عن المحذور اذ ما ذا يقولون حينئذ فى موارد ثبوت الاستلزام المذكور من الطرفين كما اذا لزم من وجوده عدمه ومن عدمه وجوده فهل يلتزمون بالوجود اوالعدم اوبهما اوارتفاعهما وكلها محال كما لا يخفى.فهناك مثلا شبهة خبر الاغريقى المعروفة، من انه اذا قال اغريقى ان كل خبر اغريقى كاذب فان هذا الخبر بنفسه خبراغريقى فان كان كاذبا لزم منه صدقه بعد فرض كذب سائر اخبار الاغريق-وان كان صادقا لزم منه كذبه لانه بنفسه خبر اغريقى وهوصادق فلم يكن كل خبر اغريقى كاذبا فان السالبة الجزئية نقيض الموجبة الكلية فيلزم من صدقه كذبه ومن كذبه صدقه.

وهذه الشبهة انما اثيرت فى المنطق لنقض مبدا عدم التناقض وفى مثله لا معنى لقبول الاستلزام ونفى الوقوع، لان العدم ايضا كان محالا وارتفاعه مع الوجود ايضا محال.فلا بد من ابطال الاستلزام، وهذا ما نورده فى مقامين:

المقام الاول-فى دفع شبهة التناقض المذكورة، وحاصله:ان هذه القضية قضية خبرية حقيقية تنحل الى قضايا ومدلولات لا نهائية كل قضية منها تقع بنفسها مصداقا وموضوعا لقضية اخرى تنطبق عليه، لان كل واحدة منها هى قضية خبرية صادرة عن اغريقى واذا دققنا فى هذه السلسلة اللانهائية من القضايا نجد ان صدق كل واحدة منها يلزم منه كذب طرفيها ما قبلها وما بعدهااي القضية المحكية بها عنها والقضية الحاكية عنه، لان المحمول فيها هوالكذب فاذا كانت صادقة كان محكيها كاذبة لا محالة كما ان الحاكى عنها كاذبة ايضا لانها تحكى كذبها والمفروض صدقها ويلزم من كذب كل واحدة صدق طرفيها لانها تحكى كذب القضية السابقة عليها فاذا كانت كاذبة فى هذه الحكاية كان لا محالة ما قبلها صادقة والا لم تكن بكاذبة، كما ان ما بعدهاالحاكية عن كذبها تكون صادقة لا محالة وهكذا نجد انه لم يلزم من صدق كل قضية كذب نفسها بل كذب قضية اخرى ولا من كذبها صدقها بل صدق قضية اخرى.فالخبر الاغريقى الاول اذاكان كاذبا كان نفس هذا الاخبار عن كذبه صادقا لا محالة، فاذا كان هذا الاخبار بنفسه موضوعا لقضية اخرى تحليلية مستفادة من كون القضية حقيقية لا خارجية فهناك اخبار اخر عن كذبها وذاك اخبار كاذب لان المفروض صدق الاخبار الاول عن الكذب وهوبنفسه مصداق ايضا لقضية اخرى تحليلية فهناك اخبار اخر عن كذبها لا محالة وهذا اخبار صادق لان المفروض كذب الاخبار الثانى التحليلى عن الكذب. وهكذا تكون هذه القضايا التحليلية متسلسلة فى الكذب والصدق من دون اجتماعهما على مركز واحد وقضية واحدة.

واما نفس انحلال هذه القضية الى قضايا لا نهائية من حيث مضمونها فلا محذور فيه، لان التسلسل انما يكون محالا فى جانب العلل لا المعلولات هذا فى عالم الوجود فكيف فى عالم الواقع وصدق مثل هذه النسب والقضايا التصديقية الواقعية.

ثم ان هناك شبهة تناقض اخر آثاره الفيلسوف المادي(رسل)وعلى اساسه بنى لنفسه منطقا جديدا هوالمنطق الرمزي الرياضى، وهى شبهة ان الكلى الذي لا يصدق على نفسه هل يصدق على نفسه اولا.فان قيل يصدق يلزم منه ان لا يصدق على نفسه، لان المحمول فيه ذلك، وان قيل لا يصدق على نفسه لزم ان يكون صادقا على نفسه لان انطباق عدم الصدق على واقعة ضروري فيكون واجدا لمحمول نفسه وهومعنى الصدق.

والجواب:ان قيد لا يصدق على نفسه من القيود الثانوية وليست الاولية، بمعنى انه لا بد من افتراض عنوان كلى فى المرتبة السابقة على نفس عنوان الصدق وعدمه لكى يلحظ فيه الصدق وعدمه فاذا اريد بهذا العنوان نفس عنوان الكلى فهويصدق على نفسه، وان اريد الكلى المقيد بانه لا يصدق اي هذا المفهوم المقيد فهذا القيد من القيود الطولية نظير ان يقول المتكلم اخباري هذا كاذب ويقصد شخص هذا الاخبار فكما ان هذا الكلام لا محكى له اصلا بل قضية مفرغة كذلك المقام، ولهذا نجد انه لا معنى لملاحظة الصدق وعدم الصدق سوا فى عنوان المفهوم الذي لا يصدق على نفسه اوفى عنوان المفهوم الذي يصدق على نفسه، لان كليهما عنوانان ثانويان طوليان بالمعنى المتقدم.

المقام الثانى-فى حل الاشكال فى مقامنا فنقول:اذا تعاملنا مع النهى عن اتباع المتشابه معاملة القضايا الحقيقية المنحلة الى ما لا نهاية من قضايا يكون مدلول كل واحدة منها عدم حجية القضية السابقة عليه، وحينئذ يلزم من حجية كل منها التعبد بمفادها الذي هوعدم حجية التى قبلها لا عدم حجية نفسها.نعم لوكانت القضية خارجية اوحقيقية وادعينا القطع بعدم الفرق بين عدم حجية التى قبلها وعدم حجية نفسها فسوف تتشكل دلالة التزامية على عدم حجية نفسها ايض، فقد يقال:يلزم المحذور وهوان حجيتها يستلزم عدم حجيتها.

الا ان الصحيح عدم الاستلزام ايضا لان الذي يلزم من حجية هذه الدلالة هوالتعبد بمفادها لا ثبوت مفادها حقيقة، فان الحجة قد تخطا وهذا يعنى ان لازم حجيتها ثبوت عدم حجية الدلالة التى قبلها وبالملازمة عدم حجية نفسها تعبدا لا حقيقة فلم يلزم من حجيتها عدم حجيتها بل من حجيتها واقعا التعبد بعدم حجيتها ظاهرا وهذا ليس بمحال وان كان لغوا اذ لا معنى لجعل حجية تستلزم نفيها ظاهر، اذ يستحيل ان تصل مثل هذه الحجية.

الثانى-ما يقتضيه النظر الدقيق فى فهم الاية الكريمة وهى قوله تعالى(( هوالذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فاما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ماتشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا اللّه والراسخون فى العلم))((50))، فلقد قسمت فيها الايات القرآنية الى قسمين محكمات ومتشابهات ثم عابت على اهل الزيغ والهوى من اتباع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة والتاويل وقد استفيد منه النهى عن اتباع المتشابه حيث اعتبرت ذلك طريقة اهل الزيغ والا فلا نهى صريح عن اتباع المتشابه، ولكن من الواضح ان المتفاهم عرفا من هذا التعبير بعد تلك القسمة الثنائية ان النظر الى الذين يختصمون باتباع المتشابهات ويلتقوطنها ويفصلونها عن المحكمات ابتغاء الفتنة والمشاغبة وتشويش الاذهان من خلال ذلك التشابه كما هوشان من يريدون الفتنة والمشاغبة، فظاهر الاية على هذا النهى عن مثل هذه الفتنة التى تكون بالاقتصار على المتشابهات والتركيز عليها من دون الرجوع الى المحكمات التى هن ام الكتاب.

وقد ورد فى تفسير الاية انها نزلت فى نصارى آل نجران الذين كانوا يشنعون على المسلمين ببعض المتشابهات الواردة فى حق عيسى وان له حالة فوق البشر وانه روح منه سبحانه بغرض الفتنة والوصول الى ما يزعمونه افكا وكفر، واين هذا من حجية الظواهر القرآنية بعد مراجعة المحكمات لغرض اقتناص المراد منها.

الثالث-ما ذكره المحققون من علماء الاصول من المنع عن شمول المتشابه للظاهر، فان مجرد قابلية اللفظ لان يستعمل فى كل من المعنيين لا يجعله متشابها اذا كان واضحا بينا فى احدهمالكونه المعنى الحقيقى دون الاخر بل لا بد من تساوي نسبة دلالة اللفظ الى كل منهما وتقاربهما ليصدق عليه المتشابه وهذا لا يكون الا فى المجمل.

وهذا الكلام لا ينبغى الشك فيه، الا ان هناك بحثا ينبغى استيعابه، وهوان المتشابه ما ذا يراد به فى الاية الكريمة، التشابه والاجمال فى المفهوم والمدلول الاستعمالى للفظ اوالتشابه فى المصداق بمعنى عدم معروفية المصداق مع وضوح المدلول المستعمل فيه اللفظ فى نفسه؟ والتمسك بالاية استدلالا وجوابا مبنى على ارادة التشابه المفهومى الا ان هذا الافتراض فى  نفسه بعيد لامرين:

1- تصريح القرآن نفسه بان آياته انما نزلت بيانا وتبيانا وهدى ونورا بل بلسان عربى مبين، وهذا لا ينسجم مع فرض التشابه المفهومى والاجمال.

2- وجود قرائن فى نفس الاية تنفى ارادة هذه المعنى، وذلك قرينتان:

احداهما-التعبير(الاتباع)فى قوله تعالى(فيتبعون ما تشابه)، فان الاتباع لا معنى له اذا اريد المتشابه المفهومى اذ ذلك فرع وجود مدلول ظاهر يتعين فيه اللفظ ومع التشابه المفهومى لا مدلول ليتبع، وهذا بخلاف ما لواريد التشابه المصداقى بمعنى انهم يتبعون الايات التى مصاديقها الخارجية متشابهة لا تناسب مع المصداق الواقعى الغيبى الذي ينطبق عليه مفهوم الاية، فمثلا كلمة الصراط فى اهدنا الصراط المستقيم اوالعرش والكرسى فى الايات الاخرى التى مدلولها اللغوي واضح لا تشابه فيه الا ان مصاديقه الخارجية سنخ مصاديق لا تنسجم ان تكون هى المقصودة فى هذه الايات فمن فى قلبه زيغ يتبع مثل هذه الايات ليطبقها على مصاديقها الخارجية المتشابهة-وهذا التطبيق عبر عنه بالتاويل من الاول كما فى تاويل الرؤيا وتطبيقه على مصداقه الواقعى- ابتغاء الفتنة وتشويش العقائد والافكار.

الثانية-كلمة التاويل فى قوله تعالى(ابتغاء تاويله)فان المتشابه لواريد به المتشابه المفهومى فيكون معنى التاويل حمله على خلاف معناه ومفهومه، ومن الواضح ان هذا غير صادق الا فى حق الظاهر لا المتشابه الذي يتساوى المعنيان فيه. وهذا بخلاف ما لواريد من التشابه المصداقى ويكون معنى التاويل الجري والتطبيق على المصاديق.

والحاصل ظاهر الاية ارادة التشابه المصداقى بمعنى ان هناك اناسا فى قلوبهم زيغ فيتبعون الايات التى مصاديق مداليلها المفهومية فى الخارج لا تنسجم مع واقع مصاديقه، لان هذه من عالم الشهود والمادة وتلك من عالم الغيب فيطبقونها على المصاديق الخارجية الحسية باعتبار عدم معروفية تلك المصاديق الغيبية وعجز الذهن البشري عن ادراكها فى هذه النشاة ويحاولون بذلك القاء الشبهة والفتنة والبلبلة فى الاذهان وهذا مسلك عام فى فهم وتفسير الايات المتشابهة، وعلى ضوء هذا يتضح ان الاية اجنبية عن محل الكلام بالمرة.

لا يقال:اذا كانت المصاديق الخارجية غير معقولة فلا محالة يكون ذلك قرينة على ارادة معنى آخر مجازا فيكون من التشابه المفهومى.

فانه يقال:لا موجب لرفع اليد عن ظهور استعمالها فى مداليلها اللغوية والعرفية وعدم المعقولية لا تقتضى ذلك وانما تقتضى ان يكون تطبيق المفاهيم المذكورة على تلك المصاديق الواقعية الغيبية فيه نوع من العناية نظير المجاز السكاكى، فان هذا هومقتضى تقريب الانسان حسى النشاة والنزعة الى عالم الغيب لا استعمال اللفظ ابتدا فى معان غيبية غير مفهومة بل غير قابلة للفهم احيان، فان هذا لا يكون استعمالا اصلا مع انه لا اشكال فى ان الايات القرآنية مستعملة فى معانيها المفهومية المحددة عند السامعين لها على حد الكلمات العربية الاخرى.

ومن مجموع ما ذكرناه فى هذا الجواب بالامكان استخلاص جوابين آخرين كمايلى:

الرابع-ان الاستدلال بالاية مبنى على حمل التشابه على التشابه بلحاظ المفهوم والمدلول الاستعمالى، مع انك قد عرفت ان المراد هوالتشابه بلحاظ عالم المصاديق والتطبيق.

الخامس-لوسلم ارادة المتشابه بحسب المفهوم، فما فى ذيل الاية من قوله تعالى(ابتغاء تاويله)دليل على ان المنهى عنه هواتباع المتشابه بنحوالتاويل فلوكانت الاية شاملة للظاهر القرآنى كان دليلا على النهى عن المعنى التاويلى لها وهوالحمل على خلاف الظاهر لا اتباع الظاهر نفسه.

السادس-لوقطع النظر عن كل ذلك وسلم الاستدلال فغايته اطلاق الاية للعمل بالظواهر فيقيد بما دل من الروايات على حجية الظواهر القرآنية ولزوم الرجوع اليها لكونها اخص منها كماهوواضح.

السابع-وهوجواب جدلى على علمائنا الاخباريين الذي بنوا على عدم حجية ظواهر الكتاب تمسكا بمثل هذا الاستدلال اوغيره والتزموا ايضا بقطعية ما فى الكتب الاربعة من الروايات، ولعل احد الدواعى على الغائهم حجية الظواهر القرآنية فتح الباب على مصراعيه لتقبل الروايات المنقولة عنهم(ع)فى تفسيرها اوتاويلها بقطع النظر عن اسانيدها وعن تحكيم القرآن عليه، فانه لمثل هؤلاء نقول بانه يجب الرجوع فى العمل بشخص هذا الظهور القرآنى الى الروايات الواردة فى تفسيره وبمراجعة الكتب الاربعة نجد انه قد ورد فى الكافى عن شيخه الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن محمد بن اورمة عن على بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير عن ابى عبد اللّه(ع)فى قوله تعالى(هوالذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب)قال:امير المؤمنين(ع) والائمة(واخر متشابهات)قال:فلان وفلان(فاما الذين فى قلوبهم زيغ)اصحابه واهل ولايتهم (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله ومايعلم تاويله الا اللّه والراسخون فى العلم) امير المؤمنين والائمة(ع)((51)).

ومثل هذه الرواية على طريقتنا لا يعمل به، لانها مخالفة للكتاب من جهة وغير تامة سندا من جهة اخرى ولا يكفى مجرد نقلها فى الكتب الاربعة.

اما المخالفة مع الكتاب فلما سوف ياتى فى بحوث التعادل والتراجيح من ان كل رواية تكون مخالفة لكتاب اللّه سبحانه زخرف باطل لم يقله الائمة(ع)، واي مخالفة اشد من مثل هذه التاويلات الباطنية التى لا يمكن تطبيقها بوجه من الوجوه مع الكتاب الكريم.

واما ضعف السند، اذ ليس فى سندها من ثبتت وثاقته الا الكلينى(قده)وشيخه الحسين بن محمد واما الباقين فعبد الرحمن بن كثير قد ذكر النجاشى انه كان يضع الحديث، وحسان الهاشمى قال عنه انه ضعيف جدا وانه ذكره بعض اصحابنا فى الغلاة فاسد الاعتقاد وفى الخلاصة فاسد ضعيف رايت له كتابا فى تفسير القرآن ليس له صلة بالاسلام ومحمد بن اروقة قال النجاشى حكى جماعة من شيوخ القميين عن الحسن بن وليد انه طعن عليه بالغلو، وقال الشيخ انه ضعيف وروى عن القميين ايضا رميه بالغلوحتى دسوا اليه من يفتك به-مما يعنى انهم استحلوادمه-، ومعلى بن محمد ذكر النجاشى انه مضطرب الحديث والمذهب وقد نقل العلامة عن ابن الغضائري ان حديثه نعرفه وننكره.

وهذه الرواية وغيرها من امثالها خير دليل وشاهد عند المنصف على ان ليس كلما يتواجد فى الكتب الاربعة بصحيح ولا اصحابها يلتزمون بذلك وانما كان غرضهم تدوين الحديث ولهذاكانوا يروون فيها المتناقضات فلا بد من اعمال قواعد السند فى الاخذ برواياتها.

الوجه الثانى-الاستدلال بجملة من الروايات التى يدعى دلالتها على عدم حجية القرآن الكريم وهى طوائف ثلاث:

الاولى-ما دل على اختصاص فهم القرآن الكريم باهل بيت العصمة، لانه لا يفهمه الا من خوطب به ولم يخاطب به الا هم.

وهذه الطائفة لا اشكال فى وضوح دلالتها على المطلوب، فان حصر فهم القرآن بجماعة مساوق لاسقاط حجية فهم الاخرين ولوكان فهما عاما الذي هوالظهور والا لم يكن محصورا بهم، بل هذه الطائفة لوتمت تسقط الدلالات القرآنية الصريحة ايضاولا تختص بالظواهر، لان ما حصر فهمه باهل البيت(ع)كل الكتاب لا قسم منه الا ان الاستدلال بهذه الطائفة غير تام لعدة وجوه:

اولها-انها معارضة للسنة القطعية المتواترة الحاكية لقول المعصوم وفعله وتقريره مما يدل على مرجعية القرآن للمسلمين واحالتهم اليه فى مقام اقتناص المعانى، بل السيرة العملية للنبى(ص)والائمة مضافا الى احاديثهم الصريحة التى ترجع المسلمين الى القرآن الكريم ثابتة ثبوتا قطعيا بنحويقطع معه ببطلان مفاد هذه الطائفة، بل حديث الثقلين وامثاله الذي هومدرك الرجوع الى اهل البيت ومرجعيتهم كالصريح فى عرضية مرجعية الكتاب الكريم للعترة والا كان المرجع واحدا وهوالعترة وكان الكتاب الكريم مجرد كتاب معميات والغاز الى غير ذلك من ادلة الارجاع والاحالة الى الكتاب المنقولة عنهم(ع)والتى تدل دلالة قاطعة لا شك فيها على ان القرآن مرجع مباشر للمسلمين.

ثانيها-ان هذه الطائفة لا تصلح للردع عن العمل بالظهورات القرآنية، لان الردع عن ارتكاز من هذا القبيل وفى موضوع له هذه الاهمية والخطورة العظيمة لا يكفى فيه صدور اربع روايات بل لوكان هناك ردع عن العمل بالقرآن الذي كان هوالمصدر الاساسى لكل المعارف الاسلامية طيلة تاريخ الاسلام لكان واضحا معروفا.

ثالثها-انها ضعيفة سندا جميع، فان اوجدت عند احد احتمال الردع فهومسبوق بالامضاء فيجري استصحاب بقاء الحجية الثابتة فى اول الشرع بالنحوالذي تقدم شرحه.

ومما يؤكد بطلان هذا المفاد ان رواة هذه الروايات توجد ظاهرة مشتركة فيما بينهم هى ظاهرة الباطنية ومحاولة تحويل النظر من ظاهر الشريعة الى باطنه، ومن تتبع فى احوال المنتسبين الى الائمة(ع)وجد ان هناك اتجاهين فيما بينهم:

احدهما-الاتجاه السائد فى فقهاء الاصحاب الذي كان يمثل ظاهر الشريعة والذي هوواقعها ايضا وكان يتمثل فى زرارة ومحمد بن مسلم وامثالهم. والاخرة اتجاه باطنى كان يحول دائما ان يلغز فى القضايا ويحول المفهوم الى اللا مفهوم وفى احضان هذا الاتجاه نشا الغلووحيث لم يكن لهم مدارك واضحة اتجهوا الى تاويل القرآن واستخراج بطون له، فمثل سعد بن طريف الواقع فى سند هذه الروايات كان له اتجاه باطنى وقد قال ان الفحشاء رجل والمنكر رجل والصلاة تتكلم فى تفسير قوله تعالى ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ونحوذلك من الغرائب وجابر يزيد الجعفى هوالذي ينسب اليه انه يقول دخلت على ابى جعفر(ع)وانا شاب فناولنى كتابا وقال هذا علم لك وحدك لا تظهره على الناس والا كانت عليك لعنتى وكتابا آخر لا اظهره الا بعد هلاك بنى امية. ونقل ايضا عنه انه قد سمع من الباقر(ع)سبعين الف حديث لا يمكنه ان يقول شىء منها لاحد.

ونحوذلك من الامور التى تتجه الى تركيز هذه المعانى وهى كلهااجزا من قضية كلية حاولها الغلاة المنحرفون وهى صرف الانظار من ظاهر الشرع الى باطن لا معنى له.

ولهذا نجد ان امثال هذه الامور لم ينقل شيئا منها فقهاء اصحاب الائمة الذين كانوا حملة فقههم وفكرهم وتراثهم كزرارة ومحمد بن مسلم واضرابهم افلم يكن الاولى-لوكان هناك ردع عن العمل بظواهر القرآن-من ان يبين ذلك الردع الى هؤلاء الفقهاء الاجلاء وتصل الينا تلك الردوع عن طريقهم فانهم اولى بذلك وهم مورده ومحتاجون اليه، كل ذلك يوجب الاطمئنان بان هذه الطائفة من الروايات موضوعة ولا محصل لها اولا بد من تاويلها وصرفها الى معان اخرى غير حجية الظواهر القرآنية.

الطائفة الثانية-ما يدل على عدم جواز الاستقلال بتفسير القرآن والاستغناء عن الائمة(ع)فى التوصل الى واقع المراد الالهى منها كما كان شان العامة، وهذا المفاد لا اشكال فى ثبوته بل قطعيته عندنا فان القرآن احد الثقلين لا كلاهما وظهوراته انما تكون حجة بعد الفحص عن المفسر والمخصص فى الثقل الاخر.الا ان هذا المطلب اجنبى عن محل بحثنا وهوحجية الظواهر القرآنية بعد الفحص وعدم وجدان التخصيص، فان هذا لا يعنى الاستقلال بالقرآن بوجه من الوجوه.

الطائفة الثالثة-ما نهت عن تفسير القرآن بالراي وان من فعله فقد كفر اوهوى. والاستدلال بها موقوف على دعوى ان حمل اللفظ على ظاهره تفسير بالراي. ومن هنا استشكلوا عليه بان هذاليس تفسيرا اذ التفسير هوكشف القناع وازالة الستر والظاهر ليس مستور، ولوسلم انه تفسير فليس بالراي اذ المراد منه الراي والاجتهاد الشخصى لا التفسير بما يفهمه الناس نوعا بحسب قواعد العرف واللغة.

وهذا جواب صحيح، ولكن قد يقابل بشبهة هى ان الظهورات احيانا تقتنص بعد التدبر والتامل واعمال الراي خصوصا اذا كان ظهورا سياقيا اوعلى اساس اعمال نكات ومناسبات اذ الظهورلا يكون واضحا ساذجا دائما بل قد تحتاج الى المعية ونباهة للتوصل اليه واعمال دقة وراي ومن هنا اختلف فهم العلماء عن العوام واختلفت انظار الاعلام فيما بينهم ايضا حسب اختلاف درجات علمهم وفطنتهم فيصدق فى مثل ذلك انه تفسير بالراي.

والجواب:ان الدقة واعمال الراي المذكور فى التوصل الى الدال لا المدلول اوالتفسير، بمعنى ان الالمعية والتدبر يؤثران فى الاستيعاب للنكات والالتفات الى الخصوصيات التى تعط ى للكلام ظهورا فى المعنى بحيث لوشرحها للاخرين والفتهم اليها لسلموا بالظهور فى ذلك المعنى وهذا ليس تفسيرا بالراي.

ثم ان هناك احتمالين آخرين فى المراد بالتفسير بالراي فى قبال الاجتهاد الشخصى:

الاول-ان يراد به اعمال الجانب الذاتى فى التفسير فى قبال الجانب الموضوعى، اي تحكيم موقف مسبق على النص القرآنى ومحاولة تاويله بما ينسجم مع الراي المتبنى والمرغوب للمفسر.فانه قد شاعت مذاهب واتجاهات وآرا حاول صاحب كل منها ان يستدل بالقرآن على مذهبه ورايه وهواستغلال للقرآن فى واقعه ولكن بصورة استدلال.

والحاصل المراد التفسير بما يرغبه الانسان وما توافق مصلحته لا ما يقتضيه الموضوع فى نفسه وهذا من اشنع الاعمال وجدير ان يعبر عنه بالكفر والهوى اذ هومساوق مع تحريف الحقائق والدلائل وبالتالى عدم الايمان بمرجعية القرآن الكريم.

والفرق بينه وبين الاجتهاد الشخصى ان الاجتهاد الشخصى قد يكون موضوعيا اي على اساس البرهان والدليل العقلى كما فى تفاسيرالمعتزلة بخلاف هذا المسلك فى تفسير القرآن. وهذا راي ذهب اليه اكثر المسلمين فى مقام فهم هذه النواهى. وهذا الاحتمال لولم يحصل القطع بارادته على ضوء بعض الشواهد والقرائن فلا اقل من انه محتمل قريبا فى جملة منها.

الثانى-ان يراد بالراي المدرسة الفقهية المعاصرة لعصر الصادقين وهوالاتجاه الذي بنى على العمل بالتخمينات والظنون الناشئة منها كالقياس والاستحسان والاستصلاح، فانه كان قد بداانقسام خطير بين المسلمين الى اتجاهين ومدرستين مدرسة الراي ومدرسة الحديث، فمن المحتمل قويا ان يكون المراد بالراي هنا هذا المعنى ولا اقل من احتماله وهوكاف فى الاجمال، وهذا المعنى وان كان اصطلاحيا نقل اليه اللفظ عن معناه اللغوي الا ان اصالة عدم النقل لا تجري فى امثال المقام على ما سوف يظهر. وهذا الاحتمال قريب روحا مع الاول، لان اعمال الظنون يستبطن لا محالة جانبا ذاتيا غير موضوعى وهوترجيح احد الاحتمالين على الاخر فى مقام التفسير بلا دليل وعلم وهونحومن الذاتية فى التفسير.

ثم انه فى مقابل هذه الطائفة توجد روايات دلت على حجية الظواهر القرآنية فتكون معارضة معها اومقدمة عليها وهى على طوائف عديدة.

الاولى-ما دل على وجوب التمسك بالقرآن الكريم خصوص ما جعل فيه الكتاب عدلا عرضيا للعترة، وهذه الطائفة تدل اما بالاطلاق اللفظ ى لواريد منه الكتاب بما هولفظ دال على المعنى، اوبالاطلاق المقامى لواريد به المعنى على حجية دلالاته فتكون معارضة مع الطائفة السابقة لوتمت فى نفسها والنسبة بينهما عموم من وجه لشمولها لما اذا كانت الاية صريحة وشمول تلك لما اذا كان تشابها وبعد التعارض والتساقطیرجع الى استصحاب حجية الظهور الثابتة ولوبالامضاء فى اول الشرع.

الثانية-ما دل على عرض الشرط فى المعاملات ونحوه على كتاب اللّه الدال باحد البيانين المتقدمين - الاطلاق اللفظ ى اوالمقامى-على حجية الظواهر القرآنية والتعارض بنحوالعموم من وجه فان لم نقل بتقديم هذه الطائفة فى مورد الاجتماع لعدم امكان اختصاصها بخصوص موارد مخالفة الشرط مع النص الصريح فلا اقل من التساقط والرجوع الى استصحاب الحجية.