الصفحة السابقة

الصفحة التالية

ويؤيد ذلك ايضا التعبير فى ذيلها-ان كنتم لا تعلمون-الظاهر فى ان السؤال من اجل تحصيل العلم والاطلاق المفقود لديهم.

وبما ذكرنا ظهر ان المراد من الذكر هوالكتاب والدين وقد استعمل فى القرآن الكريم كثيرا بهذا المعنى حيث اطلق على الكتاب الكريم وعلى التوراة فى عدة مواضع.

واما ما ورد فى تفسيرها من ان المراد باهل الذكر الائمة(ع)فلا شك فى انهم هم اهل الذكر الحقيقيين لانهم ورثة كل الرسالات والشرايع والكتب السماوية وورثة آدم ونوح وابراهيم واسماعيل وكل من تقدمهم من انبياء اللّه ورسله، الا ان هذا من التفسير بالباطن لا الظاهر والا فلا معنى ولا مناسبة فى ارجاع المشككين فى نبوة محمد(ص)الى الائمة(ع)لاثبات حقانية الرسول ودفع شبهة بشريته.

وبهذا نختم الحديث عن الاستدلال على حجية خبر الواحد بالايات الكريمة وقد ظهر انه لا توجد فيها آية تدل على ذلك.

الاستدلال على حجية خبر الواحد بالسنة:

لا بد ان نشير قبل استعراض الروايات التى يستدل بها على حجية خبر الواحد الى ان الاصحاب ذكروا فى تحديد منهج هذا الاستدلال بانه لا بد وان تكون السنة التى يراد اثبات حجية خبر الواحد بها متواترة قطعية. وقد عمق صاحب الكفاية(قده)هذه الفكرة بانه يكفى ان يثبت ولوبالتواتر الاجمالى حجية خبر واحد واجد لاخص صفات الاعتبار كالعدالة مثلا والظن اوالوثوق بصدق مضمونه اذ نثبت حينئذ حجية سائر اخبار الثقاة التى لا تكون من الصحيح الاعلائى بالتمسك باطلاق رواية تدل على الحجية وتكون من حيث السند صحيحا واجداللشروط المتقدمة، وهذا يعنى ان حجية الصحيح الاعلائى يثبت بالقطع وحجية سائر المراتب من الموثق تثبت بالحجة وهذا منهج صحيح فنى نظريا ولكن المحققين لم يصرفوا الجهد بعدذلك فى ملاحظة تطبيقه على ما بايدينا من الاحاديث والروايات الدالة على حجية خبر الواحد.

والمتتبع فى الروايات التى صنفت تحت عنوان حجية خبر الثقة يرى ان اكثرها لا دلالة لها على الحجية اصلا وما يتبقى منها بعد فرز ذلك لا يكاد يبلغ حد التواتر اذ لا يزيد على خمسة عشر رواية وفيما يلى نشير الى الطوائف المستدل بها على الحجية فى مجموع الاخبار التى ذكرت تحت هذا العنوان على ما جاء فى كتاب جامع احاديث الشيعة الذي حاول ان يجمع كافة احاديثنا فى هذا المجال.

1- ما ورد بعنوان تصديق الامام لبعض الروايات بعينها على نحوالقضية الخارجية، كما فى رواية ابى بصير حماد بن عبيد اللّه بن اسيد المروي عن داود بن القاسم ان ابا جعفر الجعفري قال ادخلت كتاب يوم وليلة الذي الفه يونس بن عبد الرحمن على ابى الحسن العسكري(ع)فنظر فيه وتصفح كله ثم قال:هذا دينى ودين آبائى وهوالحق كله((80)).

وواضح ان هذه الطائفة لا تدل على اكثر من التصديق الشخصى بنحوالقضية الخارجية لبعض الروايات وهذا غير الحجية.

2- ما ورد بعنوان لزوم التسليم لما ورد عنهم والانقياد له، من قبيل رواية الحسن بن جهم قال قلت للعبد الصالح هل يسعنا فيما ورد علينا منكم الا التسليم لكم؟فقال:لا واللّه لا يسعكم الاالتسليم لنا.

وواضح عدم دلالتها ايض، لانها تنظر الى ما هوقول المعصوم وصادر عنه وانه لا بد من التسليم والانقياد لهم وعدم اعمال الذوق والاجتهاد فى مقابلهم كما كان يفعل العامة.

3- ما ورد بعنوان الحث على تحمل الحديث ونقله، من قبيل رواية جابر عن ابى جعفر(ع)قال:سارعوا فى طلب العلم فوالذي نفسى بيده لحديث واحد فى حلال وحرام تاخذه عن صادق خير من الدنيا وما حملت من ذهب وفضة...الخ.

ومثلها احاديث منقولة عن رسول اللّه(ص)(من حفظ من امتى اربعين حديثا مما يحتاجون اليه فى امر دينهم بعثه اللّه عز وجل يوم القيامة فقيها عالما)((81)).

وهى تدل على الحث على المعرفة الاسلامية ولا اشكال فى انه من افضل الاعمال بل مرتبة منه واجبة كفاية على الامة، وهواجنبى عن محل الكلام اللهم الا من باب الملازمة التى تقدم جوابها.

4- ما ورد بعنوان الاحالة على اشخاص معينيين، من قبيل ما ورد فى احوال السيد الشريف عبد العظيم الحسنى(ره)عن ابا حماد الرازي يقول دخلت على على بن محمد(ع) بسر من راى فسالته عن اشياء من الحلال والحرام فاجابنى فيها فلما ودعته قال لى يا ابا حماد اذا اشكل عليك شىء من امر دينك بناحيتك فسال عنه عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنى واقرئه منى السلام((82)).

وهى حوالة على اشخاص معينين، فحتى لوسلم دلالتها على ان الاحالة المذكورة اعم من الاحالة على الفقيه فى اخذ الفتوى بحيث تشمل الاحالة على الراوي مع ذلك لا تدل على الحجية المطلوبة فى المقام، اذ لعل ذلك باعتبار علم الامام(ع)بان اولئك الاشخاص لا يكذبون لكونهم على مرتبة عظيمة من التقوى والجلالة، وهذا امر قد يتفق حصول العلم به لغيرالمعصوم(ع)فكيف به، نعم لا باس بان يستانس منها حجية اصالة عدم الغفلة الثابتة عقلائيا ايضا.

5- ما امر فيها بنقل الحديث وتداوله، من قبيل رواية ابان بن تغلب عن ابى عبد اللّه(ع)قال يا ابان اذا قدمت الكوفة فاروهذا الحديث:من شهد ان لا اله الا اللّه مخلصا وجبت له الجنة((83)).

وهى ايضا لا تدل على المطلوب الا بتوهم الملازمة بين الامر بالرواية ووجوب القبول تعبدا وقد مر تفنيدها.

6- ما دل على الثناء على المحدثين ورواة احاديث اهل البيت(ع)وتراثهم، من قبيل رواية عيسى بن عبد اللّه العلوي العمري عن ابيه عن آبائه عن على(عليه السلام) قال قال رسول اللّه(ص)، اللهم ارحم خلفائى ثلاثا قيل يا رسول اللّه ومن خلفائك قال الذين يبلغون حديثى وسنتى ثم يعلمونها امتى((84)).

وهى ايضا لا دلالة فيها على المطلوب، لانها ناظرة الى وجوب حفظ التراث وتعليمه الناس وذلك لا يدل على الحجية الا على الملازمة غير الصحيحة على ما تقدم.

7-ما دل على ان انتفاع السامع للحديث قد يكون اكثر من انتفاع راويه، من قبيل ما عن غوالى اللئالى عنه(ص)انه قال:رحم اللّه امرء سمع مقالتى فوعاها واداها كما سمعها فرب حامل فقه ليس بفقيه وفى رواية-فرب حامل فقه الى من هوافقه منه((85)) والاستدلال بها مبنى على دعوى ان انتفاع السامع فرع الحجية.

وفيه:انها ليست فى مقام بيان انه متى يثبت صدور الحديث عن المعصوم وانما يتعرض بعد الفراغ عن ثبوته الى انه ربما يكون السامع افضل فهما واكثر ورعا من المتحمل للحديث المطلع عليه مباشرة واين هذا من الحجية؟ 8-ما دلت من الاحاديث على ان على راس كل قرن يبعث اللّه من يحفظ هذا الدين ويحميه ويرد عنه الاشكالات والشبهات ويتم الحجة على الناس لتبقى كلمة اللّه وحجته قائمة الى يوم الدين((86))، وهى ايضا اجنبية عن الحجية التعبدية بل تدل على الحجية الحقيقية والتمييز بين الحق والباطل ودحضه بالبرهان المبين، وهذا شىء ثابت بالتجربة الخارجية ايضا.

9-ما دل على الترغيب فى حفظ الكذب وكتابة الاحاديث، كما فى حديث عبيد بن زرارة قال، قال:ابوعبد اللّه(ع)احفظوا بكتبكم فانكم سوف تحتاجون اليها((87)).

والاستدلال بها مبنى على دعوى الملازمة بين وجوب الحفظ والكتابة الطريقى ووجوب القبول والحجية وقد عرفت تفنيدها بل فى الامر بالحفظ والكتابة لوحظ صيانة نفس الراوي، الامرالذي فيه غرض نفسى سوا كان نقله حجة للغير ام لا.

10-ما دل على التحذير من التحريف فى نقل الحديث، من قبيل رواية ابى بصير عن احدهما(ع)فى قول اللّه تعالى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه.قال هم المسلمون لال محمد(ص)اذا سمعوا الحديث ادوه كما سمعوه لا يزيدون ولا ينقصون((88)).

وهى ايضا اجنبية عن المدعى، لانها تنظر الى وظيفة الراوي وانه لا يجوز له التحريف وهوامر واجب فى نفسه سوا كان نقله حجة ام لا.

11-ما دل على جواز نقل الحديث بالمعنى، من قبيل رواية محمد بن مسلم قال:قلت لابى عبد اللّه(ع)اسمع الحديث منك فازيد وانقص؟قال ان كنت تريد معانيه فلا باس((89)).

وهى ايضا لا تدل على المطلوب، لنظرها الى تحديد وظيفة الراوي فى مقام النقل وتحمل الحديث.

12-ما دل على وجوب السماع من صادق، من قبيل رواية المفضل بن عمر قال قال ابوعبد اللّه(ع)من دان اللّه بغير سماع عن صادق الزمه اللّه التيه الى العناء ومن ادعى سماعا من غير الباب الذي فتحه اللّه فهومشرك وذلك الباب المامون على سر اللّه المكنون ومثلها غيرها((90)).

وواضح ان المراد بالصادق فيها الامام(ع)لا مطلق الثقة، ولهذا عبر عنه(بمن دان اللّه)اي المراد الصادق بقول مطلق الذي هوالمعصوم ويشهد بذلك ذيل الحديث.

13-ما دل على حجية نقل ثقاة الامام(ع)، من قبيل رواية المراغى وقد ورد فى ذيلها(لا عذر لاحد من موالينا فى التشكيك فيما روى عنا ثقاتنا قد عرفوا باننا نفاوضهم بسرنا ونحمله(اياه)اليهم وعرفنا ما يكون من ذلك انشاء اللّه)((91)).

وهى ايضا لا تدل على حجية خبر الثقة، لان الوارد فيه عنوان ثقاتنا وعنوان ثقتى اخص من عنوان الثقة المطلق بل يدل على ان اولئك ممن اصطفاهم الامام(ع) وجعلهم حملة علمه وسره ومثله لا اشكال فى صدقه وعدم تطرق احتمال الكذب اليه.

14-ما دل على المنع من رفض الرواية لمجرد راي وذوق واستحسان، من قبيل ما جاء فى رواية الحذا(وامقتهم-اي من اصحابه-للذي اذا سمع الحديث ينسب الينا ويروي عنا فلم يقبله واشماز منه وجحده وكفر من دان به وهولا يدري لعل الحديث من عندنا خرج والينا اسند فيكون بذلك خارجا عن ولايتنا)((92)).

وهى ايضا اجنبية عن المدعى، لانها تنهى عن اعمال الراي والاستحسان والذوق ورد الحديث لمجرد ذلك بل تكفير من يدين به وجعل الدين ما يراه بحسب ذوقه ولا ينافى ذلك مع عدم حجية خبر الواحد.

15-ما دل على الترجيح عند التعارض بموافقة الكتاب ومخالفة العامة، بدعوى ان ذلك دليل على حجية الخبر فى نفسه والا لما وقع تعارض بين حجتين.

وفيه:يمكن ارادة الحجية القطعية كما اذا كان الخبر قطعى السند، وليست هذه الطائفة من اخبار الترجيح والعلاج فى مقام البيان من ناحية حجية اصل الخبر ليتمسك باطلاقها كماهوواضح.

وهكذا يتضح ان هذه الطوائف لا دلالة فى شىء منها على المطلوب وبعد افرازها لا تبقى لدينا اكثر من خمسة عشر رواية مما قد تتم دلالتها على الحجية وهوعدد لا يبلغ حد التواتر.

ولكن فى خصوص المقام هناك بعض القرائن الكيفية التى قد توجب حصول الاطمئنان بصدور بعض هذه الروايات اذا ما لوحظت الى جانب الخصوصية الكمية، والميزان هوالاطمئنان لاصدق عنوان التواتر، بل هناك رواية واحدة يمكن دعوى القطع اوالاطمئنان الشخصى بعدم تعمد شىء من رواتها للكذب فيها لخصائص فى سندها على ما سوف ياتى شرحه، ولوفرض عدم حصول ذلك منها فلا اقل من حصوله بها مع ضم الروايات الاخرى اليه.

وفيما يلى نستعرض هذه الروايات جاعلين محور الاستدلال واساسه تلك الرواية التى اشرنا اليها وهى رواية الحميري(ره)فنقول:

روى الكلينى(قده)عن محمد بن عبد اللّه الحميري ومحمد بن يحيى العطار جميعا عن عبد اللّه بن جعفر الحميري، قال اجتمعت انا والشيخ ابوعمرو-عثمان بن سعيد(ره)-عند احمد بن اسحق فغمزنى احمد بن اسحق ان اساله عن الخلف-اي الحجة(عج)-فقلت له يا ابا عمروانى اريد ان اسالك عن شىء وما انا بشاك فيما اريد ان اسالك عنه فان اعتقادي ودينى ان الارض لا تخلومن حجة الا اذا كان قبل القيامة باربعين يوما فاذا كان ذلك وقعت الحجة واغلق باب التوبة فلم يك ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل اوكسبت فى ايمانها خيرا فاولئك شرار من خلق اللّه عز وجل وهم الذين تقوم عليهم القيامة ولكنى احببت ان ازداد يقينا وان ابراهيم سئل ربه عز وجل ان يريه كيف يجى الموتى قال اولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى، وقد اخبرنى ابوعلى احمد بن اسحق عن ابى الحسن(ع)قال.سالته وقلت من اعامل اوعمن اخذ وقول من اقبل فقال له العمري ثقتى فما ادى اليك عنى فعنى يؤدي وما قال لك عنى فعنى يقول فاسمع له واطع فانه الثقة المامون، واخبرنى ابوعلى انه سئل ابا محمد عن مثل ذلك فقال له العمري وابنه ثقتان فما اديا اليك عنى فعنى يؤديان وما قالا لك فعنى يقولان فاسمع لهما واطعهما فانهما الثقتان المامونان فهذا قول امامين قد مضيا فيك، قال فخر ابوعمروساجدا وبكى ثم قال سل حاجتك فقلت له انت رايت الخلف من بعد ابى محمد(ع)فقال اي واللّهورقبته مثل ذ، واوما بيده.فقلت له فبقيت واحدة فقال هات قلت فالاسم؟قال محرم عليكم ان تسئلوا عن ذلك ولا اقول هذا من عندي فليس لى ان احلل ولا احرم ولكن عنه(ع)، فان الامرعند السلطان ان ابا محمد(ع)مضى ولم يخلف ولدا وقسم ميراثه واخذه من لا حق له فيه وهوذا عياله يجولون ليس لاحد ان يتعرف اليهم اوينيلهم شيئا واذا وقع الاسم وقع الطلب فاتقوا اللّهوامسكوا عن ذلك((93)).

والكلام فى هذا الحديث الشريف من حيث السند تارة والدلالة اخرى.

اما من حيث السند فهى مظنونة الصدق ظنا شخصيا اطمئناني، من ناحية عدم تعمد الكذب على الاقل بحيث نحتاج فقط الى ضم اصالة عدم الغفلة العقلائية لقرائن سوف نذكره، ولوفرض عدم حصول الظن الاطمئنانى المذكور من تلك القرائن الخاصة امكن تكميل الظن المذكور بضم الروايات الاخرى التى سوف نوردها. وان فرض التشكيك فى كل ذلك وعدم حصول اطمئنان شخصى فلا اشكال ان هذا السند من اعلى الاسانيد الذي افراده كلهم اصحاء بالوجدان لا التعبد فيكون هوالقدر المتيقن من السيرة العقلائية الدالة على الحجية وبذلك تثبت حجية تمام مفاده فاذا كان مفاده حجية مطلق خبر الثقة اثبتنا به حجية مطلق خبر الثقة.

والحديث موجود فى الكافى الكتاب الذي لا شك فى انه للكلينى(قده)لان اصله ثابت لنا بالتواتر القطعى، واحتمال التصحيف والاشتباه من النساخ فى خصوص هذه الرواية منتف باتفاق النسخ الموجودة منه وتطابقها مع ما نقل اصحاب الكتب الاخرى عنه، اذن فكان الرواية مسموعة من الشيخ الكلينى(قده)وهوشخص لا يتطرق اليه احتمال تعمد الكذب وذلك واضح لمن تامل جلالة مقامه واتفاق الفقهاء على ورعه وتقواه واتقانه، حتى ان الشيخ الطوسى ذكر فى ترجمته انه ما الف شخص كتابا فى الاسلام اثبت واضبط من الكافى. ومثل هذه الشهادة موجودة من غير الشيخ الطوسى فى حقه ايض، واحتمال الخطا منه ضعيف.مضافا الى امكان نفيه باصالة عدم الغفلة، مع ان الرواية منقولة عن شخصين مما يبعد احتمال الخطا فيه. وبعد الكلينى يوجدشخصان محمد بن يحيى العطار الذي هوثقة جليل القدر مشهور بذلك مشهود له من قبل الشيخ الطوسى والنجاشى وغيرهما ولم يغمز فيه حتى من قبل المتوسعين فى الغمز، وقد عبرعنه النجاشى بانه شيخ اصحابنا فى عصره ومثله لا يحتمل تعمد كذبه جزما بل يطمئن بصدقه، هذا اذا كان وحده فكيف اذا انضم اليه محمد بن عبد اللّه الحميري الذي هومثله ايضا فى اتفاق كلمة الاصحاب على توثيقه وجلالة قدره ومكانته وانه كان له مراسلات مع الامام(ع)، وبعدهما عبد اللّه بن جعفر الحميري الذي كان من اجلاء الطائفة ايضا معروف بوثاقته وضبطه حتى قال النجاشى انه شيخ اصحابنا فى قم الذي كان موطنا لحوزة معروفة بالنقد والحساسية تجاه من يروي عن الضعاف فضلا عن الضعيف نفسه وهوينقل فقرة الاستدلال فى الرواية عن مجلس احمد بن اسحاق وهومن اجلاء الاصحاب وقد كان جالسا فيه ايضا عثمان بن سعيد الذي هومن خواص الامام العسكري وثقاته وابوابه واحد النواب الاربعة، اذن فمثل هذه السلسلة الذهبية مما يطمئن بصدق تمام رواتها.

واما من حيث الدلالة ففيها فقرتان يمكن الاستدلال بكل منهما:

الاولى-ما صدر من الامام ابى الحسن الثالث(ع)(العمري ثقتى فما ادى اليك فعنى يؤدي وما قال لك عنى فعنى يقول فاسمع له واطع فانه الثقة المامون).

وصدر هذه الفقرة وان كانت حوالة شخصية على العمري فتكون نظير الحوالة على السيد عبد العظيم الحسنى فى الطائفة الرابعة المتقدمة وقد ذكرنا انها لا تدل على المطلوب اذ يحتمل قويا انه من جهة القطع العادي بصدق ذلك الشخص وعدم تعمد كذبه، الا ان الاستدلال بذيلها حيث انه ورد فيه التعليل بقوله(فاسمع له واطع فانه الثقة المامون)وهوبمثابة كبرى كلية اشيراليها وهى ان كل ثقة مامون يسمع له وهومعنى حجية خبر الثقة. وقد يلاحظ على هذا الاستدلال بتشكيكين.

الاول-ان هذه الحوالة حوالة على مرتبة عالية من الوثاقة لا مجرد كون الشخص ثقة متحرجا بحسب طبعه عن الكذب، وذلك بقرينة ما جاء فى الصدر من ان العمري ثقتى فان من ينصب من قبل الامام يكون عادة على مكانة عالية من الوثاقة والعدالة والتعليل تفريع على ذلك، هذا مضافا الى ان التعليل ورد بعنوان انه الثقة المامون واللام فى مثل هذا المقام كما افاد علماء العربية تدل على الكمال كما فى قولك انه الفقيه العالم، فغاية ما يقتضيه التعليل هوالتعدي الى الثقة المطلق اي من كان غاية فى الوثاقة والامانة ومثله قد يحصل الاطمئنان بقوله عادة.

وفيه:عدم تمامية القرينتين مع، اما الاولى فلان مجرد التفريع على الصدر لا يضر بعموم التعليل المشير الى قاعدة كلية مركوزة والتمسك به لا بالصدر.

واما الثانية-فلان اللام ليس من معانيها الكمال بل هى للجنس والعهد بل الجنس ايضا نوع عهد ذهنى كما قال صاحب الكفاية(قده)ومنشا استفادة الكمال مناسبة حمل اسم الجنس المعرف باللام على الشخص فانه حيث لا معهودية لشخص معين ووضوح عدم كونه الجنس بما هوجنس معهود ذهنا فيشعر ذلك بوجود عناية ملحوظة فى هذا الحمل، وقد اعتبروا العناية الملحوظة كونه على مرتبة عالية من المعنى المفاد باسم الجنس التى تكون متعينة بذاتها لكونها مرتبة جلية واضحة. ولكن كما يمكن ان تكون العناية ذلك يمكن ان تكون العناية وضوح المصداقية للجنس وانطباقه عليه اثباتا بل هذا هوالمناسب فى مقام التعيين((94)).

الثانى-ان هذه الحوالة يحتمل فى حقها ان تكون من باب الارجاع الى المقلد فى مقام اخذ الفتوى لا الارجاع الى الراوي بقرينة قوله(واطع).

وفيه:ان وجوب الاطاعة لا يناسب عرفا بالنسبة الى المفتى ايضا وانما يناسب الحاكمية والولاية، فلا بد وان يحمل على الاطاعة فى استماع الاخبار التى ينقلها عن الامام(ع)ولزوم تصديقه فيها. ومما يدل على ذلك ان المامور هواحمد بن اسحق الذي لم يكن من العوام بل من خواص الائمة(ع)ومن اصحاب الكتب والمقام وله تلاميذ كما يظهر من ترجمة حاله فلا يناسب ارجاعه الى العمري فى التقليد بل ارجاع له اليه فى الروايات باعتباره كان يعيش فى حوزة قم البعيدة عن موطن الامام(عج).

الفقرة الثانية-ما صدر عن الامام العسكري(ع)فى حق(عثمان بن سعيد العمري وابنه ثقتان فما اديا اليك عنى فعنى يؤديان وما قالا لك فعنى يقولان فاسمع لهما واطعهما فانهما الثقتان المامونان).

وتقريب الاستدلال بها كما تقدم، بل الاستدلال بهذه الفقرة اولى واوضح لعدم تفريع التعليل فيها على قوله(ثقتى)بل على قوله(انهما ثقتان)، كما لا يحتمل ان يكون هذا الارجاع من باب الارجاع الى باب الامام(ع)لان ابنه لم يكن بابا للامام الحادي عشر لكى يحول احمد بن اسحق عليه بل هى احالة على الثقة فى مقام قبول اخباره((95)).

ومن جملة هذه الروايات صحيحة عبد اللّه بن ابى يعفور قال:قلت لابى عبد اللّه(ع)انه ليس كل ساعة القاك يمكن القدوم ويجىء الرجل من اصحابنا فيسالنى وليس عندي كل ما يسالنى عنه قال:فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفى فانه قد سمع ابى وكان عنده مرضيا وجيها((96)).

وهى من حيث السند صحيحة ورواتها كلهم من الثقاة بالوثاقة الوجدانية، وهناك طريقان لها مما يعزز صدورها.

واما الدلالة فالاستدلال بها لمكان التعبير الوارد فيها(فما يمنعك...)المشعر بالمفروغية عن كبرى مركوزة يراد تنبيه السائل والفاته اليها وليست هى الا حجية خبر الثقة، وهذه الاحالة ليست من الارجاع فى التقليد لوضوح ان ابن ابى يعفور كان من اجلة الاصحاب والعلماء واصحاب المصنفات وكان ممن يرجع اليه فى الحلال والحرام كما هويذكره فى سؤاله من الامام(ع)فى هذه الرواية فليس الارجاع الا بملاك الارجاع الى الاحاديث والروايات، كما ان التعليل بالوجاهة يراد به الوجاهة الدينية المساوقة مع الوثاقة فى النقل بحسب مناسبات الحكم والموضوع فتكون الرواية دالة على امضاء كبرى حجية خبر الثقة.

ومن جملة هذه الروايات صحيحة يونس بن يعقوب، قال كنا عند ابى عبد اللّه(ع) فقال اما لكم من مفزع اما لكم من مستراح تستريحون اليه ما يمنعكم من الحرث بن المغيرة((97)).

والاستدلال بها كالاستدلال بما سبقها وبنفس النكتة المشار اليها.

وهناك روايات اخرى لا باس بدلالتها ايضا على الحجية من قبيل رواية محمد بن عيسى عن الرضا(ع)قال قلت لابى الحسن جعلت فداك انى لا اكاد اصل اليك اسئلك عن كل ما احتاج اليه من معالم دينى ا فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج اليه من معالم دينى؟فقال نعم((98)).

فان ظاهرها ان السائل يشير فيها الى الكبرى المركوزة ويطبقها على يونس بن عبد الرحمن والامام(ع)يمضى ذلك ويامره باتباعه وقبول قوله.

الا ان هذه الرواية وغيرها مما يمكن ان يستدل بها على الحجية غير صحيحة السند فتكون قيمها الاحتمالية ضعيفة نسبيا فتصلح لان تكون مؤيدة مكملة للقيمة التصديقية المطلوبة فى الرواية التى جعلناها محور كلامنا.

الاستدلال بالاجماع والسيرة:

وهوبحسب روحه استدلال بالسنة الا انها تستكشف بالدليل القطعى المتمثل فى سيرة المتشرعة وعمل الاصحاب اوسيرة العقلاء.

وقد ذكر الشيخ الاعظم(قده)فى الرسائل وجوها عديدة لتقريب الاجماع اوجهها تقريبه بالسيرة فنقتصر عليها فى المقام، وهى تارة:تقرب كسيرة متشرعة وعمل اصحاب الائمة.واخرى:كسيرة العقلاء وعلمهم.فهنا تقريبان تقدم نظيرهما فى بحث حجية الظواهر وبيان منهجة الاستدلال بكل منهما ولذلك نوجز فى المقام تلك النكات ضمن تطبيقه على خبر الثقة فنقول:

التقريب الاول-الاستدلال بالسيرة العقلائية، ذلك انه لا ينبغى الاشكال فى وجود مسوغات عقلائية تقتضى العمل بخبر الثقة فى مقام تشخيص الوظيفة العملية وهذه المسوغات سواافترضنا نشؤوها عن استقرار عادتهم على الاكتفاء بخبر الثقة فى مجال اغراضهم التكوينية اواستقرار بنائهم على حجيته فى مجال الادانة وتحميل المسؤولية فهى على كل حال تشكل للعرف العام عادة عقلائية تقتضى اوتعرض على الاقل العقلاء على الاقدام بالعمل بخبر الثقة، فلوكان الشارع لا يرضى بذلك كان عليه ان يردع عن مثل هذا الديدن ويمنع عن تعرض اغراضه الشرعية لمثل هذه العادة، فيستكشف من عدم الردع الامضاء باحد التقريبات المتقدمة فى مسالة حجية الظواهر، كما ان عدم الردع نحرزه من عدم وصوله فى مسالة من هذا القبيل توجد فيه مقتضيات الوصول، وبهذا قد اتضح ان الاستدلال بهذه السيرة لا يتوقف على افتراض انعقادها على حجية خبر الثقة بعنوانه بل يكفى حصول العادة والطريقة بنحويعرض اغراض الشارع الى الخطر فيما اذا لم تكن طريقة مشروعة وتحقق هذه العادة لا ينبغى التشكيك فيها مهما شكك فى مناشئها وجذورها.

التقريب الثانى-الاستدلال بالسيرة المتشرعية من اصحاب الائمة(ع)وعلماء الطائفة، فانه لا اشكال فى ان الروايات التى بايدينا ليس رواتها كلهم من الاجلاء الذين لا يحتمل فى حقهم تعمدالكذب كيف وفى الرواة من ثبت كونه وضاعا دجالا كما شهد بذلك الائمة(ع)فى حق بعضهم وشهد بذلك النقادون من علماء الرجال وكبار الطائفة، بل ان بعض الرواة ايضا كان يتهم بعضهم بعضا ويكذبه، وبين القسمين طائفة منهم كانوا وسطا بين الطائفتين وهم اكثر الرواة حيث لا يعهد انهم على تلك المرتبة العالية من التقوى والورع والضبط ولكن لا يعرف فى حقهم الوضع والدس اوالكذب، ولا اشكال ان روايات مثل هذه الطائفة لم يكن يحصل منها العلم اوالاطمئنان والفقهاء واصحاب الائمة(ع)كانوا يواجهون هذه الروايات فى اكثر المسائل الفقهية، لان الاحاديث هى اساس الفقه وعماده عند جميع المذاهب الفقهية الاسلامية فلا بد لهم من موقف تجاهها ولا يحتمل ان يكون موقفهم تجاهها الرفض من دون استعلام حالها عن الامام(ع)اذكيف يمكن افتراض ذلك مع ان العمل بخبر الثقة ان لم يكن عقلائيا فلا اقل انه ليس مرفوضا عقلائيا فكيف يفرض عدم استعلام حال حجيته عنهم(ع)مع كون الشبهة حكمية بل ام الشبهات التى يقوم عليها عماد الفقه، كما لا يحتمل انهم رفضوها بعد استعلام حالها عن المعصومين(ع)اذ كيف يمكن فرض ذلك مع عدم وصول رواية على المنع بل ما وصل اما دال على الحجية اومناسب معها قابل للحمل عليه، بل اساسا احتمال رفض العمل بهذه الاخبار غير وارد للقطع بعملهم بها والا لم يقم للفقه عماد ولما وقع هذا الاهتمام بها فى مقام النقل والضبط والافتاء.كما انه لوفرض ممنوعية هذا العمل شرعا كان لزوم الردع عنه اوضح من الردع عن القياس والاستحسان، لان جميع المدارس الفقهية من اصحاب الراي والحديث كانوا معا يذهبون الى حجيته بخلاف القياس فكيف لم يرد ما يشعر بالردع بل ورد ما يدل على الامضاء والقبول. واما احتمال ان يكونوا قد عملوا بها من دون سؤال جريا على سليقتهم العقلائية اوالموروثة من عصر النبى(ص)والصحابة اومن جهة استعلام ذلك عن المعصومين(ع)واستفادة امرهم بذلك من الروايات المتقدمة وغيرها مما يحتمل صدوره عنهم، فهذان الاحتمالان كلاهما بصالح الحجية فان ذلك يكشف عن السنة المتمثلة فى تقرير المعصوم لعمل اصحابه اوبيان موافق صادر منه اليهم واما احتمال انهم قد عملوا بها لحصول العلم اوالاطمئنان لهم منها فهوبعيد بل ممايقطع بعدمه على ما ذكره الشيخ الاعظم فى رسائله وابرز قرائن وشواهد عليه فراجع وتامل.

وبهذا التقريب للاستدلال بالسيرة على الحجية لا يبقى مجال للايراد المعروف من ان السيرة مردوع عنها بعمومات النهى عن اتباع الظن وغير العلم، فان التقريب المذكور يدل على انعقادعمل المتشرعة من اصحاب الائمة(ع)بالفعل على العمل باخبار الثقاة مما يعنى عدم كفاية وصلاحية تلك العمومات لردعهم، فلا يحتمل ان يكون الامام(ع)قد اعتمد عليها فى مقام الردع بل نفس انعقاد سيرتهم دليل قطعى على عدم شمول تلك النواهى للعمل بخبر الثقة.نعم على التقريب الاول من الاستدلال بالسيرة ينفتح مجال لمثل هذه الشبهة ويكون جوابنا عليها ما تقدم فى تاسيس الاصل من عدم صحة الاعتماد فى مقام الردع عن سيرة عقلائية راسخة وطبع وسليقة مستحكمة بهذه الدرجة على مجرد اطلاق اوعموم من هذا القبيل والذي قد وقع الخلاف فى اصل دلالته، ولهذا نجد ان الشارع لم يكتف فى مقام الردع عن العمل بالقياس بذلك بل اكد وشدد النكير فيه حتى صار ذلك واضحا جليا فلوكان العمل بخبر الثقة كذلك ايضا لصاربصدد الردع عنه كذلك خصوصا مع ان الحاجة الى العمل به اشد واركز وتورط الناس عموما والمسلمين خصوصا بالاخذ والعمل باحاديث الثقاة اكثر.هذا مضافا الى ما تقدم من المناقشة فى اصل دلالة هذه النواهى على عدم الحجية فراجع.

وقد واجه المحققون من علماء الاصول هذه الشبهة بنحوآخر فاتخذت مدرسة المحقق النائينى جوابا عليها ومدرسة صاحب الكفاية جوابا آخر، فذكرت الاولى بان السيرة فى المقام حاكمة على الادلة الناهية عن العمل بالظن لانها تجعل الخبر حجة والحجية معناها جعل الطريقية وكونه علما فيرتفع موضوعها.

وفيه:اولا-ما تقدم مرارا فى اصل دعوى حاكمية ادلة الحجية على الادلة الناهية عن العمل بالظن من ان مفاد الاخيرة ان كان هونفى الحجية فتكون فى عرض دليل اثبات الحجية فاحدهماينفى العلمية والاخر يثبتها وهومعنى التعارض بينهم، وان فرض ان مفادها امر مترتب على نفى الحجية فمثل هذا المفاد يكون محكوما لكل ما يدل على الحجية باي لسان كان ولا يعقل ان يكون رادعا لانها فرع عدم الحجية.

وثانيا-فى خصوص المقام لا يعقل حكومة دليل الحجية على الايات الناهية عن العمل بالظن، لان الحكومة تصرف تصرف من الدليل الحاكم فى موضوع الدليل المحكوم انشاء وتعبداوهذا انما يعقل فيما اذا كان الدليل الحاكم المتصرف من قبل نفس المشرع للدليل المحكوم، وفى المقام حيث ان دليل الحجية هوالسيرة العقلائية فلا يعقل ان تكون مباشرة حاكمة على الايات الناهية عن العمل بالظن شرع، اذ لا يعقل للعقلاء بما هم عقلاء التصرف فى موضوع حكم الشارع واما اذا اريد جعل امضاء الشارع لها حاكما ومتصرفا فى الايات فهوصحيح الا ان الكلام بعد فى كيفية استكشاف هذا الامضاء واما لوفرض ثبوته والفراغ عنه فلا محالة تثبت حجية خبر الثقة سوا كان مفاد الحجية جعل العلمية اولا((99)).

واما مدرسة صاحب الكفاية فقد تورطت فى مقام التخلص عن رادعية الايات فى دعوى غريبة، هى استحالة الرادعية لانها دورية.اذ رادعية المطلقات عن السيرة فرع عدم تخصيص السيرة لها والا لم يكن اطلاقها حجة ليكون رادعا عن السيرة وعدم مخصصية السيرة فرع الرادعية فتوقفت الرادعية على نفسها.

ثم اصطدم صاحب الكفاية بدور آخر فى جانب المخصصية انسياقا مع نفس المنهج فى التفكير، لان مخصصية السيرة ايضا فرع عدم الرادعية والا لم تكن حجة وعدم الرادعية فرع المخصصية والا كانت المطلقات حجة فتوقفت المخصصية على نفسها. والنتيجة الغريبة ان المخصصية ممتنعة وعدمها ايضا ممتنع مع ان هذا بنفسه ممتنع لان ارتفاع النقيضين ممتنع وفيمايلى نتكلم فى نقطتين:

الاولى-فى تحقيق حال اصل هذه التوقفات المذكورة فى تقريب دورية كل من مخصصية السيرة ورادعية الايات.

وليعلم ان مثل هذه المغالطة التى اوقعتهم فى مثل هذا المازق والدوران المغلق انما ينشا من خطا تورط فيه بعض المحققين عند تطبيق مشكلة الدور على بعض الموارد، حيث تصور ان الدور المستحيل انما هووجود ما يتوقف على نفسه خارجا ولهذا حاول ابطال وجوده واثبات عدمه خارجا لانه لووجد كان متوقفا على نفسه وهومحال، مع ان المستحيل هونفس توقف الشىء على نفسه وعليته لنفسه سوا وجد خارجا ام لا فلا بد من ابطال التوقف فى نفسه فنقول:

اما دورية المخصصية من جهة توقفها على عدم الرادعية المتوقف على التخصيص، فالجواب عليها:ان مخصصية السيرة تارة يدعى انها على تقدير ثبوتها تكون بنحوالتخصيص بالمتصل لكونها قرينة لبية كالمتصل بالخطاب المانع عن انعقاد اطلاق فيه، واخرى يدعى انها على تقدير ثبوتها تكون بنحوالتخصيص بالمنفصل الرافع لحجية الاطلاق.

اما على التقدير الاول فمن الواضح ان مخصصية السيرة لا تتوقف على شىء وانما تتوقف على اصل وجود السيرة تكوين، لانها بوجودها التكوينى الارتكازي يمنع عن انعقاد الاطلاق فى الايات سوا استكشف امضاؤها من قبل الشارع اولا.

وعليه فلا تتوقف المخصصية بهذا المعنى على عدم الرادعية فلا دور بل تكون السيرة رافعة لموضوع الاطلاق.

واما على التقدير الثانى، فالمخصصية باعتبارها منفصلة فتتوقف على حجية السيرة بمعنى كاشفيتها عن ثبوت مفادها شرعا وهويتوقف على احراز امضاءها شرعا فلا يكفى مجرد وجودهاتكوينا للمخصصية وحيث ان احراز امضاءها متوقف على احراز عدم رادعية المطلقات لها فتتوقف المخصصية على عدم الرادعية الموقوف على المخصصية فتاتى شبهة الدور، ولكن هناايضا يجب ان يقال بانه تارة يبنى على ان الكاشفية الوجدانية للسيرة متوقفة على عدم وجود دلالة وبيان من الشارع على الردع ولولم يكن حجة على ما اشرنا اليه فى بحوث السيرة، حيث قلنا انه يكفى فى عدم حجية السيرة وجود اخبار وبيانات ولوضعيفة السنة وغير حجة تردع عنها لان ذلك يكفى لتحقق احتمال الردع ولا بد من احراز عدمه وجدان، واخرى يبنى على ان كاشفية السيرة فرع عدم وجود دلالة حجة على الردع فيكفى عدم ثبوت الردع ولوبحجة فى تمامية كاشفية السيرة، فعلى الاول لا تكون السيرة مخصصة ولا دورية لمخصصيته، لان مخصصيتها فرع عدم ذات البيان الرادع عن مفادها وهوموجود لتمامية اطلاق المطلقات ذاتا على كل حال من غير ان يكون متوقفا على المخصصية. وعلى الثانى الذي قد تستحكم شبهة الدور فيه، لان المخصصية فرع عدم حجية الاطلاق وهوفرع المخصصية، ايضا لا تكون السيرة مخصصة ولا مخصصيتها دورية، والوجه فيه ان كاشفية السيرة تشبه البرهان الانى اي كشف المعلول عن علته، لانه استكشاف للامضاء من عدم الردع حيث ان عدم الردع معلول للامضاء كما ان الردع كاشف عن عدم الامضاء ومعلول له ومن الواضح ان عدم الردع الحجة المعلول لامضاء الشارع للسيرة غير عدم الردع الحجة المعلول لحجية السيرة ومخصصيته، فان الاول هوعدم الردع الحجة فى نفسه بينما الثانى عدم الردع الحجة باعتبار السيرة، وعليه فالمخصصية تتوقف على هذا التقدير-على عدم حجية الاطلاقات فى نفسها وبقطع النظر عن السيرة-بنحوالقضية الشرطية-ومن الواضح انه بقطع النظر عن السيرة تكون الاطلاقات حجة بحسب الفرض فلا امضاء ولا مخصصية كما لا دورية، لان عدم الردع الحجة المتوقف على المخصصية عدم الردع الحجة بالفعل وعدم الردع الحجة المتوقف عليه المخصصية عدم الردع الحجة فى نفسه وبنحوالعدم اللولائى الشرطی.

واما دورية الرادعية فايضا غير صحيحة، اذ لوبنى على ان السيرة بمثابة التخصيص المتصل فالرادعية متوقفة على عدم ذات السيرة تكوينا وهى غير متوقفة على عدم الرادعية كما هوواضح.وان بنى على ان السيرة بمثابة التخصيص المنفصل فان بنى على كفاية ذات الرادع ولولم يكن حجة للردع فالرادعية لا تتوقف الا على ثبوت ذات الدلالة الاطلاقية وهى غير متوقفة على عدم مخصصية السيرة، لانها لا ترفع ذات الدلالة. وان بنى على عدم كفاية ذلك بل لا بد من حجية البيان الرادع فى نفسه وبقطع النظر عن السيرة فالرادعية لا تتوقف الا على حجية الاطلاق الرادع فى نفسه وهى متوقفة على امرين ثبوت ذات الدلالة وعدم العلم ببطلان مفادها على تقدير حجيته، ولوفرض انه على تقدير عدم حجيتها يمكن افتراض العلم ببطلان مفادها كمالوكان هناك اطلاق محكوم لها بحيث يكون حجة على تقدير عدم حجيتها وفرض العلم من الخارج بان حجية ذلك الاطلاق يلازم مطابقته للواقع فان دليل الحجية تشمل الدلالة المذكورة بلا اشكال لان موضوع الحجية ذات الدلالة واما عدم الحجية فى فرض العلم بالبطلان فمن باب القيد العقلى والعقل لا يقتضى التقييد باكثر من القضية التعليقية الشرطية وهى ان لا يكون على تقدير حجية الدلالة يقطع ببطلانه، وفى المقام على تقدير حجية اطلاقات النهى لا قطع ببطلانها فتكون حجة، اذن رادعية الايات لا تتوقف على عدم مخصصية السيرة بل على ذات الدلالة والقضية التعليقية وكلاهما ثابت.

النقطة الثانية-فى ما انقسمت اليه مدرسة صاحب الكفاية من اتجاهين ذهب احدهما الى تقدم السيرة على الايات وتخصيصها بها وذهب الاخر الى العكس ولكل من الاتجاهين تقريباته.

اما الاول-فقد قرب بوجوه:

احدها-ما انتهى اليه فى الكفاية، من ان الرادعية اذا كانت دورية ومستحيلة فسوف لا يثبت الردع لا محالة والمخصصية ليست دورية لانها متوقفة على عدم العلم بالردع الذي يكفى فيه عدم صلاحية الايات للرادعية.

وفيه:

اولا-ما تقدم من عدم دورية رادعية الايات.

ثانيا-ما افيد من عدم دورية المخصصية لكفاية عدم ثبوت الردع فى ثبوتها غير تام على ما تقدم، اذ لا بد من ثبوت عدم الردع ليستكشف الامضاء.

ثالثا-اذا كانت المخصصية متوقفة على عدم العلم بالردع ايضا تبقى شائبة الدور، لان الردع عنده متوقف على عدم التخصيص فيكون عدم العلم بالردع متوقفا على عدم العلم بعدم التخصيص وهذا يعنى ان التخصيص متوقف على عدم العلم بعدم التخصيص اي الشك فى التخصيص وهومستحيل لاستحالة توقف شىء على العلم اوعدم العلم بشخص ذلك الشىء.

ثانيها-ما جاء فى تعليق صاحب الكفاية على كفايته، من ان المقام من صغريات الدوران بين مخصصية الخاص المتقدم اوناسخية العام المتاخر، لان السيرة العقلائية على حجية الخبر بمثابة الخاص المتقدم زمانا على نزول الايات الناهية والمفروض انه لا ردع عنها بقطع النظر عن هذه الايات فكانت ممضاة شرعا فى صدر الشريعة قبل نزوله، كما ان الايات ليست ظاهرة فى الردع من اول الامر لان التشريعات الصادرة فى عصر النبى(ص)ليس لها ظهور فى ثبوتها من اول البعثة وانما يوجد ظهور من هذا القبيل فى الخطابات الصادرة عن الائمة(ع)لانهم ليسوابمشرعين، وعليه فالتعارض بحسب الحقيقة بين الاطلاق الزمانى للخاص المتقدم والاطلاق الافرادي للعام المتاخر والمختار فى ذلك تقديم التخصيص على النسخ.

وهذا الوجه يتوقف على ان يفترض تاخر الايات الناهية زمانا بنحوبحيث يكون قد مر على السيرة زمان كان يمكن للمولى عرفا الردع فيه ولم يردع، واما لولم يفرض ذلك كما اذا كانت الايات الناهية مكية النزول مثلا فلا دوران كما هوواضح.

ويرد عليه:ان المقام ليس من صغريات الكبرى المذكورة، لان الخاص المتقدم ليس دليلا لفظيا له اطلاق ازمانى بل سيرة عقلائية وهى دليل لبى تتم دلالته على اساس استكشاف امضائه من عدم الردع، ومن الواضح ان عدم الردع فى كل زمان لا يمكن ان يستكشف منه عقلا اوبظهور الحال اكثر من امضاء مفاد السيرة فى ذلك الحال لا فى جميع الاحوال والازمنة القادمة.فالحاصل:ليس لعدم الردع دلالة على الامضاء الى الابد ليكون هناك دلالة على الاطلاق الازمانى لمفاد الخاص وعليه فلا معارض للاطلاق الافرادي للعام، نعم لوافترض ان الظهورالحالى فى الامضاء الذي كان احد مدارك حجية السيرة له سعة بقدر ما للارتكاز من عموم ازمانى تم ما ذكر الا انه ليس كذلك بل غاية ما يقتضيه الظهور الحالى المذكور تقرير وامضاءالسيرة بالفعل.

لا يقال-على هذا لا يمكن التمسك بدليل السيرة لتخصيص اوتقييد الاطلاقات الفوقانية ولوكانت السيرة ممضاة فى عصر المعصومين(ع)، لان ذلك لا يدل على اكثر من الموافقة عليها فى ذلك الزمان واما الان فلا دليل لنا على ثبوت ذلك المفاد عند الشارع الا الاستصحاب المحكوم للدليل الاجتهادي.

فانه يقال-لا يحتمل فى المطلقات التخصيص بلحاظ الزمن الاول بالخصوص فى الشريعة فلوخرج الزمان الاول منها بالسيرة لم يبق لها دلالة على ثبوت مفادها فى الزمن الثانى والثالث، وعليه فالاستصحاب المذكور هوالمرجع فى امثال المقام. والنتيجة ان موارد تمسك الفقيه بالسيرة بحسب الحقيقة يثبت فيها مؤدى السيرة شرعا فى زمن المعصوم(ع)واما بالنسبة لنافلا بد من التمسك بالاستصحاب وعدم النسخ مثلا.

ثالثها-بعد فرض الدوران بين الرادعية والمخصصية اوبين النسخ والتخصيص وعدم تقديم احدهما على الاخر، يقال بالتساقط والرجوع الى الاستصحاب.

وهذا يتوقف:اولا-على الافتراض المشار اليه فى الوجه السابق من ثبوت امضاء السيرة قبل نزول الايات شرعا.

وثانيا-عدم تعين الناسخية من جهة عدم اطلاق ازمانى فى الخاص المتقدم.

وبعد هذا وذاك يرد عليه ان دليل حجية الاستصحاب هوخبر الواحد نفسه فلا يعقل التمسك به لاثبات حجيته كما هوواضح.اللهم الا ان يدعى ان استصحاب عدم النسخ بالخصوص دليله الاجماع القطعى.

رابعها-ما ذكره الاصفهانى(قده)من ان الرادع عن السيرة المذكورة انما هوظهور الايات الناهية وحجيته فرع حجية الظهور الثابتة بالسيرة ايض، ومن الواضح انه لا معنى لافتراض انعقادسيرتين وبنائين عمليين من العقلاء على العمل بكل من الخبر والظهور المذكور لانه تناقض فاذا سلمنا السيرة على العمل بخبر الواحد الثقة فلا محالة لا عمل بالظهور المذكور.

وهذا التقريب من الغرابة بمكان، فان المراد من انعقاد سيرة العقلاء على العمل بالظهور انعقاد سيرتهم على كاشفية الظهور عن المراد اما انهم هل يعملون بمراد متكلم كالشارع اويعصونه فذلك لا ربط له بالسيرة المنعقدة، فربما يعصى بعض العقلاء الشارع فى صريح خطاباته فضلا عن ظواهرها كما لوفرض ان بعض العقلاء لا يقيمون الصلاة كما هوكذلك واقعا فهل هذا يعنى انهم لا يبنون على حجية ظهور اقيموا الصلاة فى الكشف عن وجوبه شرعا؟فالحاصل وقع خلط بين العمل بالظهور بمعنى حجيته فى الكشف عن مراد المتكلم والعلم به بمعنى الاخذبمؤداه وامتثاله.

واما الاتجاه الثانى وهوتقديم رادعية الايات على مخصصية السيرة فله تقريبات اهمها اثنان:

الاول-وهوعكس ما ذكر فى التقريب الاول للاتجاه السابق-ان المخصصية اذا كانت دورية فلا محالة تكون الايات حجة فى اثبات الردع لان كل ظهور حجة ما لم يعلم بالمخصص وفى المقام لم يعلم مخصصية السيرة وهذا يعنى ان رادعية الايات متوقفة على عدم العلم بالمخصصية لا عدم المخصصية واقعا فلا دورية فى الرادعية فيكون اطلاق الايات حجة ويثبت به الردع عن السيرة.

وقد حاول المحقق الاصفهانى(قده)ان يجمع بين هذا وبين ما ذكرناه فى تقريب الاتجاه الاول من عدم دورية المخصصية لانها متوقفة على عدم ثبوت الردع لا عدم الردع فاستنتج ان كلا من الرادعية والمخصصية ليست دورية، لان كلا منهما متوقف على عدم ثبوت الاخر اي عدم العلم به لا عدمه واقع، بل نسب ذلك ايضا الى صاحب الكفاية وجعله هومراده من الكلام المتقدم فى اثبات الاتجاه السابق ثم اشكل عليه:بان هذا ينتج نتيجة الرادعية، لان لازم ذلك ان موضوع كل من حجية اطلاق الايات وحجية السيرة تام وحيث انه لا يمكن فعلية حجيتهما معا فلايكون شىء منهما حجة فلا تتم السيرة فى اثبات حجية خبر الثقة، وهى نتيجة الرادعية.

وهذه النتيجة مضافا الى انا لا نعرف وجه استفادتها من كلام صاحب الكفاية مع ظهوره فى نفى دورية مخصصية السيرة لا رادعية الايات غير تام، اذ لا معنى لافتراض تمامية مناط كل من المتنافيين معا فيقال بانهما لا يوجدان للتنافى بينهم، لان هذا معناه ان كلا منهما متوقف على عدم الاخر وهذا دور مستحيل على ما تقدم فى بحث الضد واعترف به المحقق المذكور نفسه ولهذا يلتزم فى باب التضاد ان المانع فى مرحلة علة الضدين بمعنى ان كل منهما متوقف على عدم علة الضد الاخر فلا يتم المناط فى كل من الحجيتين لا انه يتم ولا يتحقق شىء منهماللتضاد والتمانع بينهما.

واما اصل هذا التقريب فايضا غير تام، لان الاثنينية بين المخصص والعلم بالمخصص انما يتصور فى الادلة اللفظية التى لها مقام ثبوت ومقام اثبات بنحوقد ينفك احدهما عن الاخر، واما فى المقام فمخصصية السيرة مقام اثباتها عين مقام ثبوتها لان حجيتها انما تكون على اساس كاشفيتها الوجدانية المساوقة للعلم بالتخصيص وعدم ارادة الاطلاق من الايات، وعليه فان تمت كاشفية السيرة فهى مساوقة مع العلم بالتخصيص وان لم تتم فلا مخصص واقعا. وانما الصحيح فى ابطال دورية رادعية الايات ما ذكرناه فى الاتجاه السابق من ان حجية الايات متوقفة على امرين ذات الدلالة وعدم العلم بالكذب والاول محرز بناء على عدم المخصصية المنفصلة للسيرة، والثانى مبنى على ما اشرنا اليه من ان اللازم عدم العلم بالكذب على تقدير الحجية لامطلقا اي حتى على تقدير عدم الحجية اذ لا موجب لتقييد الحجية عقلا اوعقلائيا باكثر من هذا المقدار، وفى المقام لوكانت المطلقات حجة لما كان يعلم بكذبها لان السيرة لا تكون حجة حينئذ اذ تكون دليلا على الردع، وان فرض انه على تقدير عدم حجيتها كانت السيرة حجة لعدم دليل معتبر على الردع فرادعية الايات ليست دورية بهذا البيان لا بالبيان المذكور فى هذاالتقريب، كما ان المخصصية ايضا ليست دورية بالبيان المتقدم فى النقطة السابقة، لانها متوقفة على عدم حجية الايات فى نفسها وبقطع النظر عن السيرة وعدم حجيتها فى نفسها غير متوقفة على المخصصية وانما المتوقف عليها حصة اخرى من عدم الحجية.

لا يقال:تكفى هذه النكتة وهى توقف المخصصية على عدم حجية الايات فى نفسها لاثبات الرادعية وعدم المخصصية، لان الايات حجة فى نفسها لولا السيرة بلا اشكال اذن فشرط مخصصية السيرة غير ثابت فتكون الايات حجة بالفعل.

فانه يقال:فعلية حجية اطلاق الايات انما تكون فيما اذا لم تكن متوقفة على عدم القطع بخلافها فى نفسه وبقطع النظر عن حجيتها-كما هوالصحيح-حيث قلنا انه يكفى عدم القطع ولوعلى تقدير حجيتها فقط واما لوتوقف على ذلك فلا يكون شىء من حجية السيرة والايات ثابتة لان شرط حجية كل منهما مفقود فلا تكفى النكتة المذكورة الا لاثبات عدم المخصصية فقط.