|
تمهيد المفهوم الاصولى لفكرة الاصل العملى و مراحل تطوره.
حقيقة الاصل العملى الشرعى
تقسيم الاصول العلمية الشرعية الى محزرة و غيرها.
تقسيم الاصول العلمية الى البراءة و التخيير
و الاحتياط و الاستسحاب.
مباحث الاصول العملية
قبل الشروع في استعراض الاصول و القواعد العملية لا بد من
تقديم مقدمات:
المقدمة الاولى- في شرح لامفهوم الاصولى عن فكرة الاصل
العملي و ما مر به من مراحل متطورة حتى انتهى الى التحديد و
التنقيح الذي نفهمه اليوم فنقول: ان منهج الاستنباط فى الفقه
الامامي قداعتمد على افتراض مرحلتين للااستنبطيطلب في
اولاهما الدليل على الحكم الرشعى و يطلب في الثانية
تشخيص الوظيفة العملية تجاهه تنجيزا او تعذيرا.والقواعد التى
تقرر في المرحلة الثانيه هي التي تسمى بالاصول العملية لانها
تشخص الموقف العملي تجاه التشريع من دون ان تشخص
الحكم الواقعى نفسه ، هذه المنهجه يتميزبه الفقه الامامي عن
فقه العامة الذي يتجه الى اثبات الحكم الشرعي دائما -المرحله
الاولى -فان لم يمكن اثابته بالادلة القطعية او المفروغ عن
دليليتها شرعا تحول الى طرف اضعف فى مقام الاثبات من
الامارات و المظنون القائمة على اساس اعتبارات و مناسبات
واستحسانات فهو يتوسل بكل وسيلة الى ايبات الحكم الشرعي
مهما امكان بينما في الفقه الامامي كلما لم تقم عند الفقيه
الادلة القطعية او الشرعية المفوغ عنهاانتقل الى المرحلة
الثانيهة وهي تشخص الوظيفة المقررة عند الشك و لو عقلا
دون ان يتجه الى الاتماس الادلة والامارات الناقصة لا ثبات
الحكم الشرعي الواقعي ، و من هنا نجدان الفقه الامامي توسع
في بحث الاصول العملية و اقسامها و شرائط كل منها بينما فقه
العامة لم يتعرض لتلك البحوث بل على العكس من ذلك نجد
ان للبحث عن الامارات و الظنون و محاولات اثبات الحكم
الشرعي على اساسها مجالا و اسعا في اصول فقه العامة في
الوقت الذي يكون البحث عنهاعندنا محصورافي حدود ما هو
في معرض قيام دليل ضرعي على حجيته.
الا ان فكرة الاصول العملية لم تكن بهذا الوضوح في كلمات
اصحابنا منذ فجر تاريخ الفقه الامامي و تدوينه، بل في مبدا
الامر ادرجت الاصول العملية في دليل العقل و قبل بان
مصادرالفقه اربعة الكتاب والسنة والاجماع و العقل و ادرجت
اصالة البراءة في الاخير و ادعى جمع كالسيد المرتضى ابن
زهرة (قدهما)
ان هده الادلة كلها قطعية فاعتبرت البراءة
قطعية و العمل بها عمل بدليل العقل القعى و بذالك اجابوا
على فقه العامة بانم يعملون بالقطع و لا يحتاجون الى اعمال
الظنون والامارات الاناقصة و كذلك ادرج في الذليل العقلي
بعد ذلك اصل الاستصحاب بل يلاحظ ان البراءة لاحقت
بالاستصحاب و اعتبرت منه لان لاحالة الاصلية براءة الذمة قبل
الشرع و هي تثبت بالاستصحاب حال الاعقل و وسموه بالدليل
العقلي القطعى مع انه ليس دليلا على الحكم فضلا من ان
يكون قطعيا و انماالقطعي تفريغ الذمة به.و في كلمات المحقق
(قده) و غيره من تللك المرحلة نجد انهم صاغوا الاستدلال
بالبراءة على الاباجة و عدم الالزام صياغة استدلالية
عقلية قطعية تطبيعا لمنهجة الادلة عليها فقالوا بان التكليف
بالمجهول غير معقول لانه تكليف بما لا يطاق او ان عدم الدليل
على الحكم دليل على العدم ، لان الاحكام قدبلغت جميعا و
هكذا حاولوا الباس البراءة ثوب الدليل القطعي على الحكم
الشرعى الواقعى و بعد ان التفت الى ان الادلة المعتمدة فى
الفقه فيما ما هو ظنى ولكنه معتبر شرعا كلظهورات و خبر
الثقة مثلا و شاع تقبل فكرة الاعمل بالظن اذا كان معتبرا شرعا
بدليل قطعي اعتبرت الاصول العملية ادلة دليلا ظنيا بل
ذلك لبعض المتاخرين كما ذكره الشيخ الانصاري(قده)
واستغرب منه .
و بعد ذالك اختمرت تذريجيا الفكرة الصحيحة عن الاصل
العملي و انه لا يطلب منه الكشف عن الحكم الواقعي و جعله
دليلا عليه لكي يبحث عن كونه قطعيااو ظنيا و انما المطلوب
منه تحديد الموقف العملي للمكلف تجاه الحكم الواقعي
عندعدم امكان اثابته بدليل ومن هنا يكنون قطعيا لان فراغ
الذمة به يكون قطعيا ولكنه مع ذلك لا يصح حشره ضمن
الادلة وقد جاءت في كلمات المحقق جمال الدين اشارة الى
مثل هذه التفرقة والتى كانت بحق بداية اختمار هذه الفكرة
وعلى يد الاستاذ الوحيد البهبهاني (قده) و تلامذته خصوصا
صاحب الحاشية على المعالم تحددت الفكرة و تنقحت اكثر
حتى انا نجد ان صاحب الحدائق المعاصرللاستاذ الوحيد
يستعرض في كتابه الدرة النجفية ادلة القائلين باصل البراءة و
يناقشها و هي كلها بروحية ان البراءة ذليل على الحكم، ثم
يقول في نهاية ذلك و من هنا ذهب بعض متاخرى المتاخرين
ان البراءة ليست دليلا على الحكم و انما على نفي تكليفنا
بالحكم و لعل نظره الى المحقق جمال الدين او الى
الوحيدالبهبهاني (قدهما)و كان اختمار هذه الفكرة احد الامور
التي جعلتنا نعتبر عصر الوحيد و مرحلته من تاريخ علم
الاصول عصرا ثالثا من عصور هذا العمل و تاريخه وقد كان هذا
فتحا كبيرا في منهجة بحوث علم الاصول و ان كان ذلك لم
ينعكس في التصنيفات المدونة الا على يدالشيخ
الانصارى(قده)حيث صنف كتابه((فرائدالاصول)) حسب هذاه
المنهجه .و قد نقل فيه عن الوحيد انه سمى الامارات بالادلة الا
جتهادية و الاصول بالا دلة الفقاهتية و قال انه يرجع نكتة
مراجعته الى تعريف كل من الاجتهاد والفقه حيث يعرف الاول
لانه تحصيل العمل بالتكليفغ الشرعي و كان الاستاذ الوحيد
حمل لحكم الشرعي في الاول على الواقعى و الافالفقه الامامي
يا يعتمد على الظن بالحكم الواقعى من دون قطع بحجيته ،
والثانى على الاعم منه و من الظاهري بل ينبغى ان يراد به
الاعم منهما و من الوظيفة العقلية العملية والا فالفقه لا يكون
دائما موجبا للعمل بالحكم الشرعي الواقعي. هذدا مجمل تاريخ
فكرة الاصل العملي.
- في البحث عن حقيقة الاصل العملي الشرعي
ثبوتا و فرقه عن الدليل الا جتهادي من زاوية الجاعل المشرع
لهما.
و هذا البحث قد شرحناه مفصلا عند البحث عن الحكم
الظاهري و كيفية الجمع بينه و بين الحكم الواققي، و حاصل
ماذكرناه هناك ان حيقة الحكم الظاهري انه الحكم الصادر من
قبل المولى في مقام الحفظ على الا هم من الملاكات والا
غراض المولوية الواقعية الالزامية المتزاجمة مع الملاكات
المقتضية للاباحة والترخيص في موارد الاشتباه والتردد تزاحما
خفظيا. و قلنا هناك ان الاهمية المرجحة تارة تكون على
اساس نوعية الملاك الواقعي المحتمل واخرى تكون
على اساس قوة الا حتمال محضا بحيث يكون الحكم الشرعي
الظاهري نسبته الى كل من الالزام والترخيص على حد واحد
ولا توجد نكتة لجعله الا الترجيح على اساس قوة الاحتمال و
كاشفيته الغالبية عن الواقع و الاول حقيقة الاصل العملي و
الدليل الفقاهتي و الثانى حقيقة الاماره و الدليل الاجتهادي، و
اما كيفية صياغة الحكم الظاهري الناشيء على اساس احد
هذين الملاكين من الناحية اللفظية اوالاعتبارية من حيث
جعل الطريقية تراة والمنجزية اخيرى والجري العملى
ثالثافذلك كله فوارق صورية صياغية لا تمس جوهر الحكم و لا
يوجب تنوعها تغييرا في حقيقة ذلك الحكم الظاهري المجعول
و روحه، و من هنا قلنا انه يمكن اعتبارالعملية او المنجزية في
مورد الاصل كما يمكن جعل وجوب الجري العملي في مورد
الامارة من دون ان يلزم من نجرد هذا الاعتبار اى تغير في
النتائج والحقائق.نعم الانسب مع حقيقة الحكم الظاهري لاقائم
على اساس الترجيح بقوة الاحتمال و الكاشفة ان تكون
الصياغة العقلائية او الاعتبارية لها في مرحلة الاثبات جعل
الاحتمال الاقوى علما و طريقا وكاشف، بينما لا نسب مع
الحكم لاظاهري بملاك قوة المحتمل و نويته جعل وجوب
اجرى العملى والاحتياط و نحو ذلك فهذه الخصوصيات
والحيثيات صياغية -
و اثباتية بصورة طبيعية و على القاعدة
بالنسبة الى كل منهما على ماسوف يظهر لدى البحث عن
الاصل المثبت.
وفيما يلي نتعرض الى ثلاثة اتجاهات مشهورة بين المحققين
من علماء الاصول في التفرقة بين الاصل و الامارة:
الاتجاه الاول - ما يظهر من بعض كلمات الشيخ الاعظم (قده)
و نقحته مدرسة المحقق لانائيني (قده) من ان الفرق بين
الامارات و الاصول يتمثل في سنخ المجعول في كل منهم،
حيث ان المجعول في الامارة الطريقية و العملية بينما
المجعول في الاصل ايجاب الجري العملي او تنزيله منزلة في
العمل في الجري العملي.
وقد اتضح ان هذه التفرقة صورية و بحسب الصياغة ليس غير،
والهدف من التفرقة بين الامارة و الاصل ليس مجرد التمييز
بين المصطلحين فان هذين المصطلحين لم يردا في لسان
دليل شرعي ليتوخى من ورائه اثر فقهي ، و انما القصد تبرير ما
هو المركوز و التسالم عليه من ان لوازم الامارات و مثبتاتها
حجة بينما لوازم لاصل ليست كذالك اذا لم تكن اثارا شرعية. و من هنا حينما فرق
المحقق النائيني(قده)بين الامارة و الاصل بالفرق المزبور رتب على ذلك هذا الاثر
واستدل عليه بان العلم بشيء علم بجميع لوازمه و مستلزماته فيكون جعل العلمية
للامارة مثبتا لجميع ذالك بخلاف الجرى العملي فان ايجاب
جري عملي على وفق امر لايلزم منه ايجاب الجري على لوازم ذلك الشيء، لان الجري العملي فعل خارجي فقد يحكم المولى
بعمل دون عمل.
و قد اشكل عليه السيد الاستاذ بان مجرد كون المجعول هو العلمية في باب الامارات لا
يقتضي حجية مثبتاتها لان العلم بالشيء انما يستلزم العلم بلوازمه اذا كان العلم وجدانيا لا
تعبدي، لانه مجرد تعبد و حكم شرعي يكون حدود جعله بيد
الشارع و لا ملازمة بين جعله بلحاظ المؤدى و جعله بلحاظ
لوازمه، و من هنا انكرحجية مثبتات الامارة على القاعدة بل
اعتبرها كالاصول من حيث احتياج حجية مثبتاتها الى عناية
زائدة و دليل خاص، و هكذا التزم السيد الاستاذ بصحة ما ذهب
اليه الميرزا في ميزان التفرقة بين الاصل و الامارة و انكر ترتب
تلك الخاصية المرتكزة و الاثر المتسالم عليه للامارة و هي
حجية مثبتاتها مع انه كان الاجدر اعتبار عدم صلاحية تلك
التفرقة لتبرير الخاصية المذكورة دليلا على قصورها.
و اما بناء على تفسيرنا فيبدو تبرى الخاصية واضحا جد، فانه اذا كان تمام الموضوع و
الملاك في جعل الحجية في باب الامارة انما هو علاج التزاحم الحفظي على اساس المرجح الكيفي و هو
الترجيح بقوة الاحتمال و الكاشفية فسوف تكون المثبتات
حجة على القاعدة لان نفس الدرجة من الكشف التصديقي و
بنفس الملاك الكاشف ثابت بلحاظ المداليل الالتزامية للامارة
ايضا الا من حيث كون المؤدى مدلولا مطابقيا و اللازم التزاميا
غير مصرح به و مثل هذه الخصوصية لاتكون دخيلة في ملاك
الحجية عرفا و عقلائيا على ما سوف ياتي تفصيل الكلام فيه في
تنبيهات الاستصحاب.و هذا بخلاف ما اذا كان الحكم الظاهري
مبتنيا على اساس ملاك و نكتة موضوعية و هي نوع المحتمل و
خصوصيته فيختص الحكم الظاهري بالحجية بذلك لا محالة و
لا يمكن التعدي منه الى المداليل الالتزامية على القاعدة.
ثم ان الشيخ الاعظم(قده)ذكر في الرسائل ان الاحتمال
المتساوى الطرفين لا يعقل جعل الامارية له لان نسبته الى
الطرفين على حد واحد و المتاخرون اعترضواعليه بان جعل
الاحتمال امارة لا يعني جعله كاشفا حقيقيا بل تعبديا و باب
التعبد واسع و اعتباره سهل.
الا ان هذا الكلام ايضا ناجم من الخلط بين اللسان و الروح، فان
التفرقة بين الامارة و الاصل ان كان على اساس نوع المجعول و
لسان الانشاء صح ما ذكر بل صح جعل الوهم علما و امارة، و اما ان كان على الاساس
الذي ذكرناه فكلام الشيخ(قده)متجه اذ علاج التزاحم الحفظي على اساس قوة الاحتمال و درجة
الكاشفية لابد فيه من فرض قوة للكاشفية في احد الطرفين و
كان الشيخ ارتكازا كان يعيش ما ذكرناه و ان لم تكن عبارته و
ما فية ببيانه.
و هناك خلط آخر وقعت فيه مدرسة المحقق النائيني(قده)من
جراء الفرق المذكور و هو تفريع ما هو خاصية و اثر لمقام الاثبات
الى مقام الثبوت، فانهم حكموابتقديم الامارات على الاصول
من جهة حكومتها عليها لان الاصل اخذ في موضوعه الشك و
عدم العلم و بما ان الامارة يكون المجعول فيها العلمية و
الطريقية فتكون رافعة لموضوع الاصل تعبدا و بحكم
الشارع، فجعلت حكومة الامارات على الاصول من نتائج مسلك
جعل الطريقية و العلمية في تفسير حقيقة الامارة مع انه من
الواضح ان الحكومة نوع من التخصيص و القرينية في مقام
الاثبات و ليست من خصائص عالم الثبوت فمهما كان
المجعول في باب الامارة او الاصل و مهماكان روح كل منهما
فلا ربط لذلك بباب الحكومة لانها انما تكون على اساس
خصوصية في لسان الدليل الحاكم و المحكوم فلو جعلت
الامارية بلسان وجوب العمل بالخبر او اخذ في موضوع الاصل
عدم العلم الوجداني لم تكن الامارة مقدمة على الاصل((1)).
الاتجاه الثاني-التفرقة بين الامارة و الاصل على اساس ان
موضوع الاصل اخذ فيه قيد الشك بخلاف الامارة حيث لم
يؤخذ فيه الا نفس قيام الامارة.
و هذا الاتجاه مضافا الى انه لا يفي بتفسير الفروق و الاثار
المترتبة على كل من الاصل و الامارة التي اشرنا اليها غير
معقول في نفسه، لان عدم تقيد موضوع الجعل الظاهري
الاماري بالشك يستلزم اطلاقه لحال العلم و هو غير معقول
على ما تقدم في بحث القطع.و من هنا اضطر بعضهم في مقام
التخلص عن هذا الاعتراض الى التعبير بان الشك مورد للامارة
لانها مجعولة في ظرف الشك و ان لم يكن قد اخذ في
موضوعه الشك.
الا ان هذا مجرد تغيير في العبارة، اذ المقصود ان الجعل اذا كان
قد فرض فيه وجود الشك و فرغ عنه فهو معنى اخذه قيدا في
موضوع الحكم و الا كان الحكم مطلقا و شاملا لحالات العلم و
هو غير معقول.
الاتجاه الثالث-تحويل الفرق بين الامارة و الاصل من مقام
الانشاء و الجعل الى مقام الاثبات و الدلالة و انه ان ورد في
لسان الدليل في مقام الاثبات الشك فالحكم الظاهري اصل
عملي و الا فهو امارة.و من هنا يسلم هذا الاتجاه عن الاعتراض
الثبوتي الموجه الى الاتجاه السابق و لكنه ايضا غير تام، اذ مضافا
الى انه لا يفي بتبريرخاصية كل من الامارة و الاصل من حيث
اثارهم، انها اكثر قشرية من الاتجاهين السابقين فعلى هذا
الوجه سوف تكون امارية الحكم الظاهري مرتبطة بنوع اللسان و
نحو اللفظ الوارد فيه، فمثلا اذا استدل ب آية النفر او النبا على
حجية خبر الثقة كان امارة و ان استدل بمثل آية السؤال عن
اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون كان اصل، و هذا واضح البطلان.
نعم هذه النكتة الاثباتية قد تعالج بها مشكلة تقديم الامارة على
بعض الاصول العلمية كالاستصحاب بناء على مسالك جعل
الطريقية فيه ايضا كما هو مختار بعض اصحاب مدرسة المحقق
النائيني(قده)، حيث ادعي من قبلهم ان دليل الامارة انما
يتقدم على دليل مثل هذا الاصل العملي رغم ان المجعول
فيهما معا الطريقية، لان الماخوذ في موضوع دليل الاستصحاب
عدم العلم و اليقين بينما لم يؤخذ ذلك في موضوع دليل
الامارة و العقل لا يقتضي تخصيصه الا بصورة عدم
العلم الوجداني فيكون اطلاقه رافعا لموضوع دليل الاستصحاب
دون العكس.و هذا بحث سوف ياتي التعرض اليه في محله.
و هكذا يتضح ان الاتجاهات المذكورة جميعا لا ترجع الى
محصل صحيح.
هذا كله في التفرقة بين الامارة و الاصل العملي المجعول
شرعا.
و اما الاصل العملي العقلي و فرقه عن الشرعي بل عن مطلق
الحكم الشرعي الظاهري سواء كان اصلا او امارة فيتلخص في
ان الحكم الظاهري علاج مولوي لحالات التزاحم الحفظي و من هنا كان الاصل الشرعي او
الامارة اعمالا للمولوية و تشريعا من قبل المولى لان التزاحم الحفظي لا يرجع علاجه الى العبد
و هذابخلاف الاصول العقلية فانها لا تعدة ان تكون مدركات
عقلية لحدود حق طاعة المولى على العبد في مقام الامتثال
اثباتا او نفيا و من هنا كانت مرتبة الاصول العملية العقلية
متاخرة عن الشرعية و في طولها و كانت الاخيرة فضلا عن
الامارات واردة عليها و رافعة لموضوعها لانها ناظرة الى
متطلبات المولى بينما الاصول العقلية ناظرة الى حدود حق
طاعته في متطلباته فتكون متفرعة عليها نفيا او اثباتا و معلقة
عليها.
اقسموا الاصول العملية الشرعية الى اصول
محرزة او تنزيلية و غيره، و مثل للاول بالاستصحاب و للثاني
بالبراءة او الاحتياط الشرعيين، و البحث في هذه المقدمة حول
ميزان هذه التفرقة.
و قد ذكرت مدرسة المحقق النائيني(قده)جريا على مسالكه و
تصوراته لحقيقة الحكم الظاهري و اقسامه و التفرقة فيما بينها
على اساس سنخ المجعول الانشائي، بان اليقين فيه حيثيات
اربع:
1-الاستقرار و الثبات الجزمي في قبال التذبذب.
2-الكاشفية.
3-البناء و الجري العملي على طبقه.
4-التنجيز و التعذير.
و الحيثية الاولى مخصوصة باليقين و القطع الوجداني و لا
يمكن اسرائها الى التعبدي لانها خصوصية تكوينية فلا يمكن
ان تاتى بالتعبد و الجعل، و اما الثانية فهي المجعولة في الامارات
لانها نزلت منزلة العلم في الطريقية و الكاشفية، و اما الثالثة
فهي المجعولة في الاصول التنزيلية، و اما الرابعة فهي التي
تثبت في الاصول غيرالتنزيلية و لو بتوسط جعل شرعي
ظاهري فيها يستتبعها اذا قيل بان التنجيز و التعذير العقليين
لا يمكن جعلهما ابتداء على ما تقدم ذلك عن
المحقق النائيني(قده)في بحث القطع.
و التحقيق ان يقال:ان المنظور اليه في هذا التقسيم تارة يكون
عالم الثبوت و اخرى عالم الاثبات بمعنى يشمل الجعل و
الانشاء.
فاذا اريد التمييز في مرحلة الثبوت بين الاصلين، فالتمييز
بينهما يمكن ان يكون بما تقدمت الاشارة اليه اجمالا في بحث
الحكم الظاهري من ان الحكم الظاهري اذا كان قد جعل على
اساس الترجيح بملاك نوعية المحتمل محضا فهو اصل غير
تنزيلي و اما اذا كان على اسا الترجيح بملاك نوعية المحتمل
مع مراعاة كاشفية الاحتمال فهو اصل تنزيلي، فالاصل التنزيلي
او المحرز انما هو ذلك الحكم الظاهري الذي قد لوحظ فيه
درجة الكاشفية و قوة الاحتمال و ان كانت هناك
خصوصية ذاتية ملحوظة في جعله ايضا و التي نعبر عنها بنوعية
المحتمل، و من آثار هذه التفرقة الثبوتية انه لوزالت قوة
الاحتمال و درجته الملحوظة لم يعد الاصل التنزيلي حجة، و
من هنا لم تكن قاعدة الفراغ حجة فيما اذا لم تكن هناك
احتمال الا ذكرية بل العمل على تقدير وقوعه صحيحا يكون
صادرا غفلة و هذا بخلاف ما اذا كان اصلا غير تنزيلي و ان كانت
حيثية الفراغ عن العمل الذاتية ملحوظة في الحكم المذكور
ايضا و لهذا لا نثبت بها امرا لم يفرغ عنه بعد في العمل، و هذا
بخلاف ما اذاكان امارة.
و اذا اريد التمييز في عالم الاثبات، فيمكن التفرقة بينهما على
اساس ان دليل الاعتبار تارة يتكفل اثبات المنجزية او المعذرية
من دون عناية زائدة فيكون غير تنزيلي كما في قوله احتط
لدينك، و اخرى يفرض وجود عناية تنزيلية في لسانه فيكون اصلا تنزيليا او محرزا.و
العناية المذكورة يمكن ان تكون باحد نحوين: 1-ان يكون تنزيلا للحكم الظاهري التعبدي
منزلة الحكم الواقعي بان يقول مثلا كل شيء طاهر بطهارة هي نفس
الطهارة الواقعية تنزيلا و تعبد، و الاثر العملي لذلك عما اذا لم
يكن دليل الاعتبار متكفلا مثل هذا التنزيل ترتيب آثار الحكم
الواقعي المنزل فيما اذا كان قد وقع موضوعا لها في مثل هذه
الحالة اما واقعا لو كان التنزيل المذكور واقعيا و توسعة في
موضوع ذلك الاثر فتكون الحكومة واقعية.
او ظاهرا ان كان مجرد التعبد بذلك في مورد الشك فتكون
الحكومة ظاهرية، و على اساس الفرق بين هذين النحوين من
الحكومة فرق صاحب الكفاية(قده)في الاجزاء بين الحكم
الظاهري الامارة و الحكم الظاهري الاصل كاصالة الاباحة
فحكم في الاخير بالاجزاء لكونه من الحكومة الواقعية
بخلاف الامارات.
و لعل مما يمكن ان نسرده كتطبيق فقهي لذلك مسالة طهارة
مدفوع ما يؤكل لحمه و نجاسة ماكول ما يحرم اكل لحمه، فانه
اذا شك في حيوان انه ماكول اللحم اولا فسوف يظهر الاثر لهذا
التمييز.فانه تارة يفترض ان عنوان محلل الاكل و محرمه
ماخوذ كشمير و معرف الى.واقع العناوين التفصيلية للحيوانات
في الحكم بنجاسة او طهارة مدفوعة، و اخرى يفترض انه
بعنوانه موضوع في الحكم بذلك، و على الثاني تارة يفترض
الموضوع مطلق الحكم بحلية لحمه و اخرى يكون خصوص
الحلية الواقعية للحمه و تشخيص ما هو الصحيح من هذه
الافتراضات الثلاثة متروك الى الفقه، فعلى الاول و الثاني من
الافتراضين لا يظهر اثر للتمييزالسابق في هذه المسالة اذ على
الاول منهما سوف لا يثبت طهارة مدفوع الحيوان المشكوك
بمجرد الحكم بحليته ظاهرا سواء كان منزلا منزلة الحلية
الواقعية ام ل، و على الثاني منهما سوف يترتب ذلك على كل
حال بالورود.و اما على الفرضية الثالثة فيظهر اثر التمييز
عندئذ، اذ بناء على ان تكون اصالة الحل مجرد حكم بالحلية
ظاهرا من دون تنزيلها منزلة الحلية الواقعية فلا يكفي جريانها
في الحيوان المشكوك لاثبات موضوع طهارة مدفوعه، و اما لو
كان المستفاد من دليلها تنزيلهامنزلة الحلية الواقعية في الاثار
واقعا او ظاهرا فلا محالة سوف يتنقح بذلك موضوع الحكم
بطهارة المدفوع بالحكومة الظاهرية او الواقعية.
هذا و لكن من الواضح ان عناية التنزيل المذكور بحاجة الى
مؤنة زائدة في دليل الاصل اذ ينزل فيها الحكم الظاهري منزلة
الحكم الواقعي واقعا فالتنزيل المذكورحكم في طول الحكم
الاول الذي يجعل به اصل الحكم الظاهري فلا يمكن الجمع
بينهما في جعل واحد و قد تقدم الكلام في ذلك في بحوث
الاجزاءمفصلا.
2-تنزيل الاصل نفسه منزلة العلم و اليقين اما في الكاشفية او
بلحاظ الجري العملي و هذا هو مصطلح النائيني في الاصل
التنزيلي و ما وقع البحث في وجود مثل هذه العناية في دليله
عند الاصحاب انما هو الاستصحاب حيث يدعى ان الاحتمال
قد نزل فيه منزلة اليقين و لو في الجري العملي و من اختار ان
التنزيل فيه بلحاظ الكاشفية ادعى انه من الامارات و نقض به
في بحث حجية مثبتاتها.
و قد عرفت ان مسالة حجية مثبتات الاحكام الظاهرية غير
مرتبطة بعالم الاثبات.
و اما الاثر العملي لهذه العناية التنزيلية فهو ترتيب آثار القطع
الموضوعي على الاصل المذكور بالحكومة الواقعية و هذه كبرى
كلية نذكر فيما يلي تطبيقين لها:
1-تقدم هذا الاصل التنزيلي على غيرها من الاصول العملية
بالحكومة، اذ انها سوف تكون علما تعبدا فترفع موضوع ذلك
بخلاف العكس اذ ليس المجعول في الاصل غير التنزيلي انه
علم و يقين من غير فرق في هذا التقديم بين ان يكون الاصل
غير التنزيلي من هذه الناحية تنزيليا من ناحية العناية الاولى ام
لا.
2-ان هذا يؤدي الى بطلان ما تقدم من تقدم الامارات على
الاصول التنزيلية ايضا على اساس ان المجعول في الامارة
الطريقية و العلمية، لان هذا مجعول فيهمامعا.
و لعل هذا هو الذي دعى المحقق النائيني(قده)ان يميز بين
الطريقية المجعولة في باب الامارات و المجعولة في الاصول
التنزيلية بالنحو المتقدم شرحه، اذ يمكن ان يقال حينئذ بان
جعل الامارة يرفع موضوع الاصل التنزيلي دون العكس لان
المجعول في الاخير الجري العملي لا الكاشفية و ما هو موضوع
الاحكام الظاهرية عدم الكاشف لاعدم الجري العملي.
و لكن بناء على هذا سوف يبطل التطبيق الاول ايض، اذ الماخوذ
في موضوع الاصل غير التنزيلي ايضا هو ذلك فلا يرتفع
موضوعه بالاصل التنزيلي.
و من هنا وجد اتجاه آخر يقول ان المجعول في الاصول
التنزيلية الطريقية و الكاشفية كالامارات و لهذا تتقدم على
الاصول غير التنزيلية و لكنها انما يتقدم عليهاالامارة لعدم اخذ
الشك في لسان دليل حجيتها و ان كان صورة العلم خارجة
عنه عقلا بخلاف دليل حجية الاصل التنزيلي و حينئذ لا بد في
المخصص العقلي من الاقتصار على قدره و هو ما لا يعقل فيه
جعل حكم ظاهري و هو صورة العلم الوجداني بالخلاف فقط لا
التعبدي، فدليل الاصل التنزيلي لا يمكن ان يرفع ما هو موضوع
دليل الامارة بخلاف العكس.و ان شئتم قلت:ان الحكومة لا
تكون الا بلحاظ ما اخذ موضوعا شرعا لا عقلا-كما في
المخصص العقلي-لان الحكومة من اقسام القرينية و من شؤون
اللفظ كما قررناه في محله و قد تقدم اجمالا و سوف ياتي
مفصلا في بحث النسبة بين الامارات و الاصول تفصيل
الكلام حول هذه النقطة. المقدمة الرابعة-اعتاد علماء الاصول تقسيم الاصول العملية الى اربعة: البراءة و الاشتغال و التخيير و الاستصحاب، و وجه تخصيصها بالذكر دون غيرها من القواعد و الاصول العملية كاصالة الصحة او الطهارة هو جوابه التاريخي الذي اشرنا اليه في المقدمة الاولى من ان بحث الاصول نشا تحت عنوان الدليل العقلي و الاصول المذكورة هي المناسبة مع الدليل العقلي لكونها ذات جذور عقلية حتى الاستصحاب الذي كانوا يستدلون عليه بالعقل، و اول من استدل عليه بالنقل كان هو والد الشيخ البهائي(قده)و جوابه المنهجي ان الاصول الاخرى اما ان لاتجري في الشبهات الحكمية فلاتقع في طريق استنباط حكم شرعي اصلا كاصالة الصحة او انها لا تكون مشتركة في الفقه كما في اصالة الطهارة و كلا الامرين شرط في اندراج المسالة في بحوث علم الاصول على ما تقدم شرحه مفصلا في تعريف علم الاصول.
اصالة البراءة
يقسم البحث عن اصالة البراءة الى قسمين، الاول-في البراءة
العقلية، و الثاني- في البراءة الشرعية.
و قد كادت ان تكون اجماعية في العصر الثالث من عصور العلم
اي منذ زمن الوحيد البهبهاني(قده)و قد اكتسب هذا الاصل
صيغة فنية تحت قاعدة عقلية سميت بقبح العقاب بلا بيان، و
بحسب الحقيقة قد شكلت هذه القاعدة احد الاسس الرئيسية
للتفكير الاصولي المعاصر و طرازه و لهذا استحكمت القاعدة
استحكاماشديدا و منشا هذا التفكير ما اشرنا اليه في مباحث
القطع من ان المحققين من علماء الاصول قد فصلوا بين امرين
احدهما مولوية المولى و حق طاعته و اعتبروا المولوية و حق
الطاعة كليا متواطئا لا تقبل الزيادة و النقصان و ليست ذات
مراتب و هي عبارة عن حق طاعة كل تكليف يصدر عن المولى
واقعا اذا تمت عليه الحجة و البيان.و الثاني-ميزان الحجية و
المنجزية، فقالوا بان البحث في اصل المولوية موضعه علم
الكلام و اما البحث عن ميزان الحجية فهو وظيفة
البحث الاصولي.و في هذا المجال بينوا قاعدتين احداهماحجية
القطع و ان كل حجة لا بد و ان ترجع الى القطع و الحجية
ذاتية للقطع، و الثانية انتفاء الحجية بانتفاء القطع لانه من
مستلزمات كون الحجية ذاتية للقطع و هذا هو قاعدة قبح
العقاب بلا بيان.و ترتب على ذلك ان الظن بنفسه لا يمكن ان
يكون حجة فلا بد لكي يكون حجة من جعل جاعل و عندئذ
نواجه حيرة في ان جعل الجاعل كيف يجعل الظن حجة و
منجزا و هل ذلك الا تخصيص في حكم العقل بقبح العقاب
بلابيان مع ان الاحكام العقل غير قابلة للتخصيص، و من هنا
برزت اتجاهات جعل الطريقية و العلمية للحكومة على حكم
العقل و قال بعضهم بان العقاب على مخالفة الحكم الظاهري
المقطوع به لا الواقعي اما مطلقا او في خصوص ما لم يجعل له
العلمية كقاعدة الاحتياط الشرعية.
و قد اوضحنا مفصلا في بحوث القطع ان هناك خطا اساسيا في
هذا الطرز من التفكير، حيث فصل بين الحجية و المولوية مع
انه لا فصل بينهما بل البحث عن الحجية بحث عن حدود
المولوية بحسب الحقيقة لان المولوية عبارة عن حق الطاعة و
حق الطاعة يدركه العقل بملاك من الملاكات كملاك شكر
المنعم او ملاك الخالقية او المالكية و لكن حق الطاعة له
مراتب و كلما كان الملاك آكد كان حق الطاعة اوسع، فقد
يفرض بعض المراتب من منعمية المنعم لا يترتب عليه
حق الطاعة الا في بعض التكاليف المهمة لا في كله، و قد تكون
المنعمية اوسع بنحو يترتب حق الطاعة في خصوص التكاليف
المعلومة، و قد تكون مولوية المولى اوسع دائرة من ذلك بان
كانت منعميته بدرجة يترتب عليه حق الطاعة حتى في
المشكوكات و المحتملات من التكاليف.فهذا بحسب الحقيقة
سعة في دائرة المولوية اذن فالحجية ليست شيئا منفصلا عن
المولوية و حق الطاعة و مرجع البحث في قاعدة قبح العقاب
بلابيان الى البحث عن ان مولوية المولى هل تشمل التكاليف
المحتملة ام لا.و لا شك انه في التكاليف العقلائية عادة تكون
المولوية ضيقة و محدودة بموارد العلم بالتكليف و اما
في المولى الحقيقي فسعة المولوية وضيقها يرجع فيها الى
حكم العقل العملي تجاه الخالق سبحانه، و مظنوني انه بعد
الالتفات الى ما بيناه لا يبقى من لا يقول بسعة مولوية المولى
الحقيقي بنحو تشمل حتى التكاليف الموهومة.و من هنا نحن لا
نرى جريان البراءة العقلية.
و فيما يلي نتكلم في جهتين:
اولاهما-استقراء الجانب التاريخي للمسالة.
الثانية-في استعراض ما استدل به على قاعدة قبح العقاب بلا
بيان.
اما الجهة الاولى-فقبل الشيخ الصدوق(قده)لم يكن لهذه
القاعدة عين و لا اثر و اما في عصره فيظهر منه انه يقول
بالاباحة عند الشك في الالزام و لكن لم يظهر منه انه يقصد
البراءة العقلية فلعل مراده الاباحة الشرعية.و اما فيما بعد
الصدوق فالشيخ المفيد و الطوسي(قد هما)لم يظهر منهما
تبني هذه القاعدة العقلية بل قد يستشم من كلامهما العكس
فانه كانت هناك مسالة اصولية يبحث فيها عن حكم الاصل في
الاشياء هل هول الحظر او الاباحة فيما اذا لم يستقل العقل فيه
بالقبح او الحسن فقيل فيه بالحظر لانه لا يؤمن من وقوع
المفسدة بسبب الاقدام و هذا الطرز من التفكير لا يناسب مع
قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
و بعد الشيخ الطوسي(قده)بفترة قرن من الزمان تقريبا نجد ان
ابن زهرة(قده) يذكر البراءة العقلية و لكن بحسب الظاهر لم
يكن يقصد بها قبح العقاب بلا بيان بالمعنى المعروف حاليا و
انما كان يقول بقبح التكليف مع عدم العلم لانه من التكليف
بغير المقدور و من هنا تحير المتاخرون عنه في كيفية تفسير
ذلك و انه كيف يكون الجهل موجبا لانتفاء القدرة فحملوا كلامه
على ان المقصود ان الامتثال التفصيلي غير مقدور. و بعد ذلك جاء دور المحقق(قده)فاستدل على البراءة بتقريبين:
الاول-استصحاب حال العقل، و في هذا التقريب ارجع البراءة
الى كبرى الاستصحاب، و من الواضح ان الاستصحاب غير
قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
الثاني: ان التكليف بشيء مع عدم نصب دليل عليه قبيح و عدم
وصول الدليل دليل على عدم وجوده ، و هذا ايضا غير القاعدة.
و بعد المحقق شاع ادراج البراءة في الادلة العقلية، لان كلا
التقريبين المتقدمين عن المحقق (قده) يدرجها في الادلة
العقلية لان الاستصحاب عندهم كان بحكم العقل كما ان
التقريب الثاني عقلي و قد ذهب صاحب المعالم(قده) الى
التقريب الثاني و نقل في الرسائل ذلك عن القوانين و استغرب
منه.
ثم بعد ذلك في العصر الثالث من علم الاصول تبلورت البراءة
العقلية بعنوان قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ثم شكك جملة
منهم في جريانها في الشبهات المفهومية لان البيان العرفي قد
يكون تاما فيها على تقدير شمول المفهوم و ان كان غير تام عند
الشاك، ورد من قبل الاخرين بان المراد من البيان العلم عند
المكلف نفسه فلابد من تمامية البيان عند الشاك.كما انه ذهب
بعضهم الى عدم جريانها في الشبهات الموضوعية لان المولى
ليس من وظيفته بيان الموضوعات و تعيين المصاديق، ورد بان
المقصود العلم بالمجعول و هو غير حاصل في الموضوعات ايضا
و ليس المقصود البيان و الخطاب الشرعي لكي يقال بان ذلك
مختص بالشبهات الحكمية.
و كل هذه التشكيكات توحي بان القاعدة ليست فطرية و
مسلمة.
الجهة الثانية-استدل على قاعدة قبح العقاب بلا بيان بوجوه
عديدة.
الاول-الاحالة الى الوجدان العرفي و العقلائي في باب
المولويات العقلائية، حيث نرى انهم لا يؤاخذون على ارتكاب
مخالفة التكليف الواقعي في موارد الجهل وعدم العلم بالحكم
الواقعي و لا الظاهري الالزامي.فيكون هذا منبها مثلا على
ارتكازية قاعدة قبح العقاب بلابيان و عقليتها.
و هذا الوجه غير تام، لانه مبني على ان يكون حق الطاعة و
المولوية امرا واحدا لا درجات لها و لا مراتب، و قد عرفت خلافه
و ان المولويات العرفية و العقلائية باعتبارها مجعولة و ليست
ذاتية او بملاكات ضعيفة فالمقدار المجعول من المولوية
عقلائيا ليس باكثر من موارد العلم بالتكليف و اما في المولى
الحقيقي و الذي تكون مولويته ذاتية بملاك بالغ كامل مطلق و
هو المنعمية التي لا حد لها بل و المالكية و الخالقية للانسان
فالعقل لا يرى اي قصور في مولويته و حق طاعته بل
يرى عمومهما لتمام موارد التكليف حتى موارد عدم العلم به.
و بذلك يظهر ان التقريب المذكور قد وقع فيه الخلط بين
المولويات الاعتبارية المجعولة و المولوية الحقيقية الذاتية و
بالالتفات الى التمييز بينهما لا يبقى في الاحالة الى السيرة
العقلائية او الوجدان العرفي اية دلالة او منبهية على حقانية
قاعدة عقلية باسم قبح العقاب بلا بيان.
الثاني-ما تمت صياغته في مدرسة المحقق النائيني(قده)و
حاصله:ان القاعدة مرجعها الى انه يقبح العقاب على ترك
التحرك حيث لا موجب للتحرك و قد عده من القضايا التي
قياساتها معه، و توضيح الفكرة كبرويا بانه لا معنى لتسجيل
العقاب على ترك التحرك في مورد لم يكن فيه موجب
للتحرك، و اما الصغرى فباعتبار ان الامور الواقعية و منها
التكاليف انما تكون محركة بوجوداتها الواصلة لا الواقعية
فالعطشان انما يتحرك نحو ماء يعلم به لا مالا يعلم به.
و هذا البيان ايضا غير تام، لان المحرك على قسمين: 1-المحرك التكويني و هو الذي
ينشا من وجود غرض تكويني نحو الشيء ملائم مع قوة من قوى الانسان او رغبة من رغباته.
2-المحرك التشريعي و هو عبارة عن حكم العقل بلا بدية
التحرك سواء كان لدى الانسان غرض فيه ام لا.
فان كان النظر الى التحرك التكويني فالشيء بوجوده الواقعي و ان لم يكن هو المحرك
التكويني بل بوجوده الواصل لان وجوده الواقعي لا يكون احد مباديءالارادة و التحرك و لا
يتدخل في تكوين غرض نفساني له و عملية التحرك عملية
شعورية نفسانية بحاجة الى الوصول الا ان الوصول له مراتب
من جملتها الوصول الاحتمالي و بحسب تفاوت درجات اهمية الشيء تختلف المحركية فقد يفرض تحقق المحركية من
احتمال وجود المطلوب كما هو واضح.
و اما المحرك التشريعي فمرجعه الى حق الطاعة، فانه الذي
يلزم بتطبيق العمل على وفق ما امر به المولى و يحكم بلا
بديته، و الكلام بعد في هذا الحق و حدوده فمن يقول به حتى
في حالات الشك و عدم العلم بالتكليف يرى وجود المحرك
المولوي و ثبوت الموجب له حتى مع الوصول الاحتمالي.
الثالث-ما وجد في كلمات المحقق الاصفهاني(قده)حيث ذكر
في مقام تقريب القاعدة بانها فرد من افراد حكم العقل في باب
الحسن و القبح العقليين اللذان مرجعهما الى قضيتي حسن
العدل و قبح الظلم و في المقام بعد افتراض المولوية نرى ان
مخالفة تكليف تمت عليه الحجة خروج عن زي العبودية
فيكون ظلماقبيحا و اما مخالفة ما لم تتم عليه الحجة فليس
ظلما و لا يستحق فاعله العقاب و اللوم.و هذا الكلام من الواضح
انه مصادرة اذ ما ذا يراد بالحجية، اذ لو اريد بها مايصحح العقاب
كانت القضية بشرط المحمول و ان اريد بها العلم فهو اول
الكلام فيكون الدليل عين المدعى نفسه و بمنهجة غير فنية
لانه التزم فيها بان مرجع قضاياالحسن و القبح الى قاعدة اولية
بديهية هي حسن العدل و قبح الظلم و قد تقدم في بحث
الدليل العقلي ان قضية قبح الظلم و حسن العدل لا يمكن ان
تكون اولية-لان الظلم عبارة عن سلب ذي حق حقه فلا بد من
تشخيص الحق الذي هو من مدركات العقل العملي نفسه في
المرتبة السابقة عليه.
الرابع-ما ذكره المحقق المذكور ايضا مبنيا على مصطلحه في
باب الحكم و التكليف، حيث انه قسم الحكم الى انشائي و
حقيقي و الاول ما يحصل بالجعل والانشاء من دون ان يفرض
فيه داعي البعث و التحريك الامر المحفوظ حتى في الاوامر
الاستهزائية فضلا عن الاختبارية، و الثاني ما يحصل بالجعل
بداعي التحريك و البعث الحقيقي و هو الذي يكون حكما
حقيقيا.و من الواضح ان كل خطاب لا يعقل ان يكون باعثا الا
ان يصل الى المكلف اذ لا يمكن ان يكون الحكم مجعولا بداعي
البعث و التحريك الا اذا كان و اصلا لعدم الباعثية في غير
صورة الوصول اذن لا يكون الحكم حكما حقيقيا الا في حالة
وصوله و من دون ذلك فلا وجود حقيقي للحكم فيقبح العقاب
على تركه لانه لا وجود له.
و فيه:اولا-ان الانشاء يمكن ان يكون محركا في حالة الوصول
الاحتمالي بناء على سعة دائرة حق الطاعة، فهذا الوجه يتوقف
على دعوى ضيق حق الطاعة في المرتبة السابقة فلا يكون الا
مصادرة.
و ثانيا-ان غاية ما تقتضيه عدم وجود الحكم بالمعنى المذكور و
اما ملاكات الحكم و مباديه من المصلحة و المفسدة و الارادة
او الكراهة فهي امور تكوينية محفوظة في حالات العلم و الجهل معا و هذه المباديء هي روح الحكم و حقيقته و هي تكفي
للحكم بالمنجزية و حق الطاعة للمولى في موارد احتمالها سواء
سمي ذلك حكما اصطلاحا ام ل، فان ذلك بحث لفظي في
التسمية بحسب الحقيقة.
و هكذا يتلخص انه لا اساس لقاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا
موجب للذهاب الى البراءة العقلية في الشبهات بل العقل يحكم
بلزوم الاحتياط فيها جميعا لان حق اطاعة مولانا الحقيقي ثابت
بنحو مطلق ما لم يحرز اذن المولى في المخالفة فيرتفع
موضوع الحق المذكور.و من هنا يكون الاصل الاولي في
الشبهات هو الاحتياط و لا نخرج عنه الا بمقدار ما يثبت من
الترخيص الشرعي و الحكم الظاهري في موارد الامارات او
الاصول الشرعية.
و اما البراءة الشرعية فقد استدل عليها بالكتاب و السنة. ((الاستدلال على البراءة الشرعية بالكتاب))
اما الكتاب فب آيات:
منها-قوله تعالى (لا يكلف اللّه نفسا الا ما آتاها)((2)) بناء على
شمول الموصول فيها للتكليف((3)) و عدم الموجب لتقييده
بالفعل او بالمال بالخصوص و ان فرض موردها المال لانها مسوقة مساق الكبرى الكلية
المعلل بها و هذا لا يناسب التقييد بالمورد و عليه فيكون المعنى لا يكلف اللّه
نفسا بتكليف الا ما آتاها و ايتاء التكليف ايصاله اذ ايتاء كل شيء بحسبه.
و قد استشكل في هذا الاستدلال باشكال معروف حاصله:ان
المراد بالموصول ان كان هو الفعل او المال كان الموصول
مفعولا به لفعل (يكلف اللّه)بينها لو اريد به التكليف كان مفعولا
مطلق، و نسبة المفعول به الى الفعل مباينة مع نسبة المفعول
المطلق اليه فلا يمكن الجمع في كلام واحد بينهما لانه من
استعمال اللفظ في معنيين و هو ان لم يكن غير معقول فلا
اشكال انه مما لا يمكن اثباته بالاطلاق في اسم الموصول و بما
ان ارادة المال متيقن منه على كل حال لكونه موردها
فيتعين ان تكون النسبة المذكورة هي نسبة المفعول به الى
فعله.
و قد اجيب عليه بجوابين:
الاول-ما ذكره المحقق العراقي(قده)من دعوى استعمال
الهيئة في نسبة جامعة بين النسبتين.
و هذا ان اريد به وجود نسبة جامعة بين النسبتين حقيقة فهذا
خلاف ما برهن عليه في المعاني الحرفية من تباين النسب ذاتا
و عدم وجود جامع ذاتي ما هوي فيمابينه، و ان اريد وجود
نسبة ثالثة مباينة ذاتا مع كل من النسبتين و تكون ملائمة مع
اطلاق الموصول للتكليف فهذا ممكن ثبوتا الا انه لا يمكن
اثباته باجراء الاطلاق و مقدمات الحكمة في الموصول بل تكون
النتيجة على الاقل الاجمال.
الثاني-ما افاده المحقق النائيني(قده)من ان المصدر قد ينظر
اليه بنحو الاسم و هو بهذا النظر يكون ذاتا فيصح ان يقع مفعولا
به لانه بهذا اللحاظ لا يكون مصدرا وحدثا بل ذاتا كسائر
الذوات.
و هذا الجواب ايضا غير تام، لان المصدر و ان كان يمكن ان يراد
به اسم المصدر بعناية الا ان هذه عناية في كيفية لحاظ
المصدر و ليس هناك شيئان حقيقيان خارجااحدهما المصدر
الحدث و الاخر اسم المصدر الذات و الاطلاق و مقدمات
الحكمة في اسم الموصول لا تثبت الا عمومه لما هو ثابت
حقيقة في الخارج و ليس واقع التكليف كحدث في الخارج
صالحا لذلك بحسب الفرض.
و الصحيح:ان هذه المشكلة نشات من و هم لغوي وقع فيه علم
الاصول حيث اعتاد على ان يعبر عن الحكم بالتكليف و قد ورد
في الاية(لا يكلف اللّه)فتوهم انه لايمكن ان يشمله الا كمفعول
مطلق مع ان مادة الكلفة في الاية مبائنة مع الحكم و الجعل
مفهوما فيصح وقوعه مفعولا به لفعل لا يكلف على حد المال و
الفعل.
ثم ان هذا المفاد هل هو سنخ مفاد ينفي وجوب الاحتياط لو ثبت بدليل او يكون محكوما
له؟تشخيص ذلك مبني على ان نعرف ان المنفي بالاية الكلفة في موردالشيء او بسببه فان
كان المعنى ان الشيء الشيء الذي لم اوت به لا اكلف بسببه فلا يكون نافيا للاحتياط
الشرعي لان دليله يثبت الكلفة بسبب ايجاب الاحتياط وان كان المعنى ان الشيء الذي لم يؤت لا
كلفة في مورده كان منافيا لايجاب الاحتياط الشرعي و الاقرب
هو ذلك كما هو المناسب مع مورد الاية.
نعم ان هذا اللسان قد يقال انه لا يشمل الشبهات الموضوعية
لان ايتاء الحكم من الشارع خاص بالحكمية.و لكن الصحيح ان
المراد بالايتاء في الاية الاتيان التكويني او الاعم منه و من التشريعي لا التشريعي
خاصة لان موردها المال و ايتاؤه يكون تكوينيا فالاية تدل على نفي وجوب الاحتياط في
الشبهتين معا.نعم لايبعد عدم اطلاقها للشبهة قبل الفحص لان الايتاء يحتمل تحققه فيه
اذا كان المدرك عليه موجودا في ايدينا فان ايتاء كل شيء بحسبه.
و منها-قوله سبحانه (و ما كنا معذبين حتى نبعث
رسولا)((4))تقريب الاستدلال:ان المولى نفى التعذيب الا في
حالة ارسال الرسول و هو و ان كان بمعنى بعثة النبي(ص) الا
انه بعد حمله على المثالية يكون المعنى حتى نتم البيان و
الحجة فيستنتج ان العقاب منوط بالبيان فلا عقاب من دونه.
و قد يستشكل بان الاية تنفي فعلية العقاب لا الاستحقاق و هو
اعم من المقصود.
و الجواب:ان سياق الجملة و تركيبها يدل على ان المنفي ليس
من شان المتكلم لا ينبغي كما يظهر بمراجعة الاشباه و
النظائر((5))و ان شئتم قلتم:ان هذا اللسان من السنة
الترخيص و الاباحة و رفع المسؤولية عرفا.
و قد يعترض بان المراد بالعذاب فيها العذاب الدنيوي لا
الاخروي فيكون اجنبيا عن المطلوب.
و الجواب:مضافا الى عدم وجود ما يدل على تقييد العذاب فيها
بالدنيوي عدااستعمال فعل الماضي و الذي اشرنا الى ان سياقه
سياق نفي الشانية لا الاخبار عن الامم الهالكة بل ان سياقها
يناسب ارادة العذاب الاخروي لانها وردت في سياق (و لا تزر
وازرة وزر اخرى)و هي تنظر الى عالم الادانة و المسؤولية و
العقاب الاخروي اي الى عالم التشريع لا التكوين.ان النكتة
واحدة بعد فرض ان المستفاد من الاية نفي الشانية.
هذا و لكن ينبغي ان يعلم ان المقدار الذي يثبت بها البراءة ما
لم يصدر من الشارع البيان لا ما لم يصل الى المكلف لان بعث
الرسول غاية ما يمكن ان يحمل عليه هو الكناية عن صدور
التشريع لا وصوله الى المكلف و المطلوب لنا اثبات البراءة فيما
لم يصل الى المكلف فالاية غاية ما تدل عليه اناطة العقاب
بالصدور والتشريع لا بالعلم و الوصول و هو مطلب آخر لا يمكن
احرازه في الشبهات و احرازه باستصحاب عدم الصدور رجوع
الى الاستصحاب الذي يمكن اجراؤه في عدم جعل الحكم ابتداء
و ان كان الاول موضوعيا و سوف ياتي مزيد بحث في هذه
النقطة.
|
|---|