بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه رب العالمين،و الصلاه و السلام على الرسول الاعظم
محمد و آله الطيبين الطاهرين،حمله الشريعه و قاده البشريه.
و بعد،فقد عرفت مدارس الفقه الامامى-و فى مقدمتها مدرسه
النجف الاشرف التى تعتبر منذ قرابه الف عام امتدادا لمدرسه
الكوفه-بنوع من الدراسات امتازتبالاصاله و الدقه و
الشمول،نظرا لفتحها على نفسها باب الاجتهاد و مواصلتها
لحركه البحث و التحقيق الراميه الى استنتاج المعارف
الاسلاميه من اصح المصادر،وبلوغ واقع الاسلام من اسلم
طرقه.
و قد كان للدراسات الفقهيه عند هذه المدرسه النصيب الاوفر
من الدقه و العمق و الشمول،حيث امكن لهذه المدرسه،بما
اوتيت من عناصر الحركه و الانفتاح فىمجال البحث و
التحقيق،و على يد رجالاتها النوابغ و علمائها الافذاذ،ان ترسم
طرائق البحث الفقهى الصحيحه،و تحدد مناهجه السليمه و
تميز قواعده المشتركه فىعمليات الاستنباط عن غيرها من
المسائل المختصه، ثم فصلها عنها فى مجال البحث و التصنيف
و التدريس.فاتسعت على اساس ذلك ابحاث اصول الفقه،بعد
انكانت بصوره بدائيه و اصبحت ذات شان خطير و اعتبرت
علما مستقلا عن الفقه له اسسه و مناهجه الخاصه به،بعد ان
كانت تعيش على مائده الفقه و تعتبر منتوابعه.
و الحق :ان الدراسات الاصوليه الموسعه،و ما جد و تطور منها
لتمثل -فى رايى-ابرز معالم الفكر الشيعى اصاله و عمقا و تعبر
عن اروع ما تجلت به عبقريه علماءالاماميه و قدراتهم الفكريه
الخلاقه،فى استنتاج القواعد العامه بتفاصيلها و دقائقها فى
مجالات مختلفه،من قضايا العرف و اللغه،او احكام العقل و
العقلاء،او احكامالشرع المقدس.حتى اصبح البون شاسعا جدا
بين ما انتهت اليه الدراسات الاصوليه الموسعه اليوم لدى علماء
هذه الطائفه،و بين ما كانت عليه من ذى قبل،بحيث لايمكن
لايه حركه اجتهاديه ترمى الى بلوغ الحكم الشرعى،ان تستغنى
عن هذه الدراسات،و ان ايه ممارسه فقهيه للاستنباط،بعيده
عن مناهج هذه الدراسات لتبدوهزيله جدا حينما تقارن
بممارسات الاستنباط القائمه على اساسها.
و هذا الكتاب،هو الجزء الرابع من القسم الثانى من كتابنا(بحوث
فى علم الاصول)الذى يمثل بدوره حلقه من حلقات تلك
الحركه الفكريه، حيث يعرض آخر ماانتهى اليه الفكر الاصولى
فى مرحلته الحاضره من مراحل تطورها لدى علمائنا.
و يشتمل هذا الجزء على قسم تعارض الادله-التعادل و
الترجيح-من ابحاث علم الاصول،التى استفدتها خلال تشرفى
بحضور مجلس درس سيدى المفدى واستاذى
الاعظم،سماحه آيه اللّه العظمى السيد محمد باقر الصدر -دام
ظله الشريف-عندما كان يواصل دورته الاولى من محاضراته
فى علم الاصول فى جامعهالعلم الكبرى(النجف الاشرف).
و كان-دام ظله-قد افاض فى مباحث التعادل و التراجيح
بتاريخ(8 شعبان لسنه 1390 هجريه)حين انتهى به المطاف
اليها فى دورته الاصوليه الاولى.و قد انهى تلكالبحوث
بتاريخ(13 ربيع الثانى 1391 هجريه).
و يمتاز بحث تعارض الادله من بين ابحاث علم الاصول،بتكفله
اهم القواعد الاصوليه دورا،و اكثرها حاجه اليها فى الفقه،لانها
ذات اتصال مباشر بممارسات الفقيهلعمليه استنباط الاحكام
الشرعيه.
و قد كان سيدى الاستاذ-دام ظله الشريف-يلقى هذه البحوث
على غرار المنهاج المعهود و المتعارف لبحث التعادل و
التراجيح فى الدراسات الاصوليه، انسجامامع الظروف
التدريسيه العامه،و لكنه ادخل عليها بعد ذلك شيئا من التغيير
فى المنهجه،مع اضافه بعض الفصول الذى كان انسب بهذه
الابحاث منه بالابحاثالاصوليه الاخرى،فجاء الكتاب-نتيجه
لذلك-مشتملا على قسمين اساسيين.قسم التعارض غير
المستقر و قسم التعارض المستقر.يسبقهما الحديث عن
معنىالتعارض لغه و اصطلاحا و البحث عن مبررات وجوده
بين الروايات.
اما قسم التعارض غير المستقر فيشتمل على استعراض اقسام
التعارض غير المستقر،من الورود و الحكومه و التخصيص و
القرينيه و الاظهريه،مع توضيح خصائصكل قسم منها و بيان
ما يحتاج اليه كل قسم من مصادرات اضافيه وراء دليل الحجيه
ليتم بها حل التعارض و الجمع العرفى بين المتعارضين.
و سوف نجد من خلال بحوث التعارض غير المستقر و اقسام
الجمع العرفى ان قسم الورود منها لا يوجد فيه تعارض حقيقى
بين الدليلين و لذلك لا يكون تقديمالدليل الوارد فيه بحاجه
الى ايه مصادره من مصادرات قواعد الجمع العرفى،كما نجد
ايضا الموضع الطبيعى لحالات التزاحم بين حكمين-باب
التزاحم-و علاقتهابباب التعارض،حيث يتبرهن رجوع باب
التزاحم الى قسم الورود من التعارض غير المستقر.
و اما قسم التعارض المستقر،فمنهج البحث فيه هو التحدث
عن مسالتين رئيسيتين.تتكفل اولاهما:بعلاج التعارض
المستقر من زاويه دليل الحجيهالعام،و تتكفلالثانيه:بعلاج
التعارض على ضوء الاخبار الخاصه التى تتمثل فى اخبار
الطرح،و اخبار العلاج.
و من الملاحظ:ان هذه الاخبار بدورها قد ابتليت بمشكله
التعارض و الاختلاف فيما بينها،فتكون بحاجه الى علاج
تعارضها فى المرتبه السابقه، و سوف يتضح منبحوث هذا
الكتاب ان ما يثبت فى النتيجه بمفادها من قاعده الطرح او
الترجيح مما يمكن تخريجه على مقتضى القاعده الاوليه فى
الجمله.
و اخيرا،فانى اذا ابتهل الى اللّه سبحانه ان يوفقنى لتكميل هذه
البحوث القيمه تاليفا و نشرا،اساله تعالى ان يمتع المسلمين
بدوام ظل سيدنا الاستاذ -دامتبركاته-و ان يديم ايام افاداته
العامره،انه سميع مجيب.
النجف الاشرف-محمود الهاشمى
تمهيد
1-تعريف التعارض
2-التعارض و التزاحم
3-كيف نشا التعارض فى الادله الشرعيه
4-تقسيم البحث
تعريف التعارض
التعارض لغه:
التعارض،لغه من(العرض)و هو ذو معان عديده.و الظاهر ان
المعنى الملحوظ من بينها فى هذه الصياغه هو العرض بمعنى
جعل الشىء حذاء الشىء الاخر و فىقباله،و العرضيه بهذا
المعنى كما قد تكون بملاك التماثل و المباراه بين
الشيئين،فيقال عارض فلان شعر المتنبى،بمعنى انشد
مثله،كذلك قد تكون بملاك التناقضو التكاذب بين
شيئين،فانه ايضا نحو تقابل و مباراه بينهما يجعل احدهما فى
عرض الاخر.فبهذه المناسبه و على اساس هذا الاعتبار سمى
الكلامان المتكاذبانبالمتعارضين.
التعارض اصطلاحا:
تعريف التعارض عند المشهور
تعريف التعارض عند المحققالخراسانى-قده
لقد نسب الشيخ الانصارى-قده-للمشهور تعريف التعارض بانه
(تنافى مدلولى الدليلين على وجه التناقض او التضاد)(1))و
لكن المحقق الخراسانى عدل عنذلك الى تعريف آخر،فذكر
انه(تنافى الدليلين او الادله بحسب الدلاله و مقام الاثبات،على
وجه التناقض او التضاد)(2)) مبررا هذا العدول:بمحاوله اخراج
مواردالجمع العرفى عن نطاق التعريف،اذ التنافى بين
المدلولين ثابت فى موارد الجمع العرفى ايضا فيشمله تعريف
المشهور بينما لا يشمله التعريف الاخر،لعدم التنافىبحسب
الدلاله مع وجود الجمع العرفى.
التعارض فى كلمات مدرسهالمحقق النائينى-قده
و قد انتصرت مدرسه المحقق النائيى-قده-لتعريف
المشهور،موكده عدم شموله لموارد الجمع العرفى،لعدم
التنافى بين المدلولين فى هذه الموارد.
و قد اوضح ذلك السيد الاستاذ-دام ظله-بان الدليلين اذا
كانت نسبه احدهما الى الاخر قابله للجمع العرفى،بان كانت
نسبه التخصص او الورود او الحكومه اوالتخصيص فلا يوجد اى
تناف بين مدلوليلهما،و يخرجان عن التعارض.
(اما التخصص،فخروجه-عن التعارض-واضح.فان التخصص هو
خروج موضوع احد الدليلين عن موضوع الاخر بالوجدان،فلا
مجال لتوهم التنافى بين الدليليناصلا.فاذا دل دليل على
حرمه الخمر مثلا لا مجال لتوهم التنافى بينه و بين ما دل على
حليه الماء،اذ الماء خارج عن موضوع الخمر بالوجدان.
و اما الورود،فانه ايضا رفع احد الدليلين لموضوع الدليل الاخر
تكوينا، غايه الامر:ان هذا الرفع يتم بواسطه التعبد الشرعى،فانه
بالتعبد الشرعى يتحققامران،احدهما:تعبدى،و هو ثبوت
المتعبد به،و الاخر:وجدانى و هو ثبوت نفس التعبد،فانه عند
قيام الاماره فى موارد الاصول العقليه يرتفع موضوع الاصل
العقلىوجدانا،و لكن بواسطه التعبد،لان موضوع الاصل العقلى
هو عدم البيان و لو بالحجه التعبديه فثبوت التعبد بنفسه يكون
بيانا،فيرفع موضوع الاصل العقلى،فلا منافاهبينهما.
و اما الحكومه،فالوجه فى خروجها عن التعارض:هو ان الحكومه
على قسمين.الاول:ما يكون احد الدليلين بمدلوله اللفظى
شارحا للمراد من!15 الدليل الاخر،امالورود اداه التفسير فيه
مثل(اى)و(اعنى)،او لصيروره الدليل الحاكم لغوا عند فرض
عدم وجود الدليل المحكوم،كما فى قوله(ع)(لا ربا بين الوالد و
ولده)الشارحلعقد الوضع فى دليل حرمه الربا،فيكون نافيا
للحكم بلسان نفى الموضوع او قوله(ع):
(لا ضرر و لا ضرار)و قوله تعالى:(ما جعل عليكم فى الدين من
حرج)الشارح لعقد الحمل فى الادله المثبته للتكاليف بعمومها
فى موارد الضرر و الحرج،و بيان انالمراد ثبوتها فى غير موارد
الضرر و الحرج.
الثانى:ما يكون احد الدليلين رافعا بمدلوله لموضوع الحكم فى
الدليل الاخر و ان لم يكن بمدلوله اللفظى شارحا له،و
ذلك:كحكومه الامارات على الاصولالشرعيه،فان الامارات لا
تكون شارحه للاصول فان جعل الاماره لا يكون لغوا لو لم يكن
الاصل مجعولا،و لكن الاماره تكون موجبه لارتفاع موضوع
الاصل بالتعبدالشرعى،و لا تنافى بينهما ليدخل فى التعارض.
و الوجه فى ذلك:ان الدليل المحكوم متكفل لبيان حكمه و لا
يكون متكفلا لتحقق موضوعه بل مفاده قضيه شرطيه-لما بينا
من ان مرجع القضيه الحقيقيه الىقضيه شرطيه-و اما الدليل
الحاكم،فهو يتصدى لبيان انتفاء الشرط و لا تنافى بين القضيه
الشرطيه التى تدل على ثبوت التالى عند ثبوت الشرط و بين
القضيه الدالهعلى انتفاء الشرط،لان القضيه الشرطيه لا تتكفل
بيان تحقق الشرط.ففى الاصل و الاماره يكون الموضوع
الماخوذ فى ادله الاصول هو الشك،و اما ان المكلف شاكاو غير
شاك فهو خارج عن مفادها، و الاماره ترفع الشك بالتعبد
الشرعى فلا يبقى موضوع للاصل.
و ظهر بما ذكرناه:ان الدليل الحاكم يتقدم على المحكوم و لو
كان بينهما عموم من وجه،لارتفاع موضوع المحكوم فى ماده
الاجتماع بلا فرق بين كون الحاكم اقوىدلاله من المحكوم او
اضعف.
واما التخصيص:فالوجه فى خروجه عن التعارض هو ان حجيه
العام -بل حجيه كل دليل-تتوقف على امور ثلاثه:صدوره عن
المعصوم، و كون ظاهره مراداللمتكلم،و ان ارادته له جديه.و
من المعلوم ان بناء العقلاء على العمل بالظواهر انما هو فى مقام
الشك فى المراد الاستعمالى او المراد الجدى دون فرض
العلمبارادته خلاف الظاهر او انه فى مقام التقيه او الامتحان،
فلا يمكن الاخذ بالظهور مع قيام القرينه على الخلاف،بلا فرق
بين كونها متصله او منفصله،غايته ان القرينهالمتصله تمنع عن
انعقاد الظهور من اول الامر،دون القرينه المنفصله فانها تكشف
عن كونه غير مراد للمتكلم.
و ايضا،لا فرق بين القرينه القطعيه و القرينه الظنيه،كالخبر
فانه قرينه قطعيه غير وجدانيه بل قرينه تعبديه،غايته:ان
القرينه القطعيه مقدمه على الظهور بالورود،لارتفاعموضوع
حجيته وجدانا،اذا لا يبقى معها شك فى المراد،بخلاف القرينه
الظنيه فانها مقدمه بالحكومه لارتفاع موضوع حجيته بالتعبد
الشرعى.
فالدليل الخاص و ان كان مخصصا بالنسبه الى الدليل العام
لكنه حاكم بالنسبه الى دليل حجيه العام،لانه يرفع الشك فى
المراد من العام تعبدا،فمرجع التخصيصالى الحكومه بالنسبه
الى دليل الحجيه فلا منافاه بينهما على ما تقدم.
كما ان مرجع الحكومه الى التخصيص فان مفاد قوله(ع)(لا ربا
بين الوالد و ولده)هو نفى حرمه الربا بينهما،و ان كان بلسان
نفى الموضوع، فهو تخصيص بالنسبه الىالادله الداله على
حرمه الربا عموما،لكنه تخصيص بلسان الحكومه.
هل تكون مواد الجمع العرفىمن التنافى بين الدلالتين؟
فتحصل،مما ذكرنا:ان الخاص يقدم على العام من باب الحكومه
بالنسبه الى دليل حجيه العام،و ان كان تخصيصا بالنسبه الى
نفس العام.و هذا هو الفارق بينالتخصيص و الحكومه
المصطلحه فان الدليل الحاكم حاكم على نفس الدليل
المحكوم فى الحكومه الاصطلاحيه،بخلاف التخصيص اذ
الخاص ليس حاكما علىنفس العام بل حاكم على دليل
حجيه)(3)).
و نلاحظ فى ضوء هذه الكلمات.
اولا-ان المحقق الخراسانى-قده-لا يرى تلازما بين التنافى
بين المدلولين و التنافى بين الدلالتين،فهو يعتقد ان الاول
ثابت فى موارد الجمع العرفى دون الثانى.
و ثانيا-ان مدرسه المحقق النائينى-قده-التى يمثلها السيد
الاستاذ -دام ظله-تنفى التنافى بين المدلولين فى موارد
الجمع العرفى،فضلا عن التنافى بين الدلالتين.
و ثالثا-ان المحقق الخراسانى و المحقق
النائينى-قدهما-يتفقان على لزوم اخراج موارد الجمع العرفى
عن تعريف التعارض.
و لا بد من تمحيص هذه الامور الثلاثه.
اما فيما يتعلق بالامر الاول،فالصحيح هو ان التنافى فى موارد
الجمع العرفى كما يوجد بين المدلولين يوجد كذلك بين
الدلالتين،سواء كان المراد من الدلاله الظهوراو الحجيه.اما
التنافى بحسب الظهور،فلان الدليل المنفصل لا يرفع الظهور
فيبقى التنافى بين الدليلين المنفصلين فى موارد الجمع
العرفى محفوظا.
و اما التنافى بحسب الحجيه فلان حجيه العام مع حجيه ظهور
الخاص لا محاله متنافيتان.نعم،لو اريد من التنافى بحسب
الدلاله ما سوف نشير اليه من التنافىبحسب اقتضائى دليل
الحجيه لشمولهما،فلا يكون تناف فى موارد الجمع العرفى،لان
اقتضاء دليل الحجيه لشمول العام معلق على عدم مجىء
الخاص.غير ان هذاليس مقصودا للمحقق
الخراسانى-قده-بقرينه انه يرى التعارض هو التنافى بين
الدلالتين على وجه التناقض او التضاد و من الواضح ان التنافى
بين اقتضائى دليلالحجيه يكون بنحو التضاد دائما،لان حجيه
كل من المتعارضين امر وجودى مضاد لحجيه الاخر.
هل تكون مواد الجمع العرفىمن التنافى بين المدلولين؟
و اما الامر الثانى الذى يرتبط بمدرسه المحقق
النائينى-قده-ففيما افيد فيها بالنسبه الى الحكومه يرد عليه.
اولا-ثبوت التنافى بين مدلولى الدليلين فى موارد الحكومه
بجميع اقسامه،و ما ذكره السيد الاستاذ-دام ظله-من ان
المحكوم لا نظر له الى موضوعه فلا يتنافى معمدلول الحاكم
النافى لموضوع المحكوم،سوف ياتى انه غير تام.و منه يعرف ان
محاوله ارجاع التخصيص الى الحكومه لو صحت فهى لا تجدى
فى رفع التنافىبين المدلولين ايضا.
ثانيا-ان عدم التنافى بين المدلولين فى موارد الحكومه ان تم
فانما يتم فى موارد الحكومه التى تتحقق بملاك رفع الدليل
الحاكم لموضوع المحكوم، و اما فى مواردالحكومه المتحققه
بملاك النظر فى الدليل الحاكم الى عقد الحمل من الدليل
المحكوم محضا دون تصرف فى موضوعه،كما فى حكومه(لا
ضرر) على ادلهالاحكام الواقعيه،فلا يتم ما ذكر لنفى التعارض
بين المدلولين، لوضوح ان مفاد الحاكم و المحكوم فى تلك
الموارد ثابتان فى عرض واحد، فيتنافيان لانحفاظالموضوع
فيهما معا مع تنافى محموليهما.
و فيما افاده بالنسبه الى التخصيص يرد عليه:
ان الكلام فى وجود تناف بين المدلولين و عدمه انما هو فى
مدلولى الدليلين الذين يتحقق الجمع العرفى بينهما،فما هو
محط الجمع العرفى هو محط البحث ايضافى تنافى المدلولين
و عدمه،و فى موارد التخصيص يوجد عندنا انحاء ثلاثه من
التقابل.احدها:التقابل بين دليل الخاص و دليل حجيه العام.
الثانى:التقابل بين دليل حجيه الخاص و دليل حجيه
العام.الثالث:التقابل بين نفس الدليل الخاص و الدليل العام.
اما التقابل الاول،فلا تنافى فيه اصلا، اذ لا تعارض و لو بنحو غير
مستقر بين دليل الخاص و دليل حجيه العام، لان مفاد الاول
حكم واقعى و مفاد الثانى حكمظاهرى،و لا مانع من اجتماع
هذين الحكمين معا ثبوتا،بان يكون الحكم الواقعى على طبق
الخاص،و يكون ظهور العام حجه ايضا.
و اما التقابل الثانى،فيقدم فيه دليل حجيه ظهور الخاص على
دليل حجيه ظهور العام بالورود،باعتبار ان دليل حجيه العام
يقيد بعدم قيام الخاص على خلافه،وبشمول دليل الحجيه
لظهور الخاص يرتفع هذا الموضوع وجدانا.
و اما التقابل الثالث،فيقدم الخاص على العام بالتخصيص الذى
هو علاج عرفى لتعارض غير مستقر بين الخاص و العام،حيث
يفترض العرف ان للمتكلم فى مقامتحديد مراده ان يعتمد على
القرائن المنفصله ايضا،و هذا بنفسه السبب و المبرر للحل
المتقدم فى التقابل بين دليل حجيه الخاص و دليل حجيه
العام.
و فى ضوء هذا التحليل يتضح امران.
الاول-ان محط الجمع العرفى انما هو التقابل الثالث الذى
يكون بين الدليل الخاص و الدليل العام نفسيهما،فان اراد
السيد الاستاذ-دام ظله- من انكار التنافى بينالمدلولين فى
موارد التخصيص دعوى:ان الجمع العرفى فى هذه الموارد
يتمثل فى التقابل بين دليل حجيه العام و الخاص.ففيه:ان حل
هذا التقابل بالورود اوالحكومه انما يكون فى طول جمع عرفى
اسبق رتبه يحل به التقابل بين نفس العام و الخاص،فانه لو لم
نفرض ملاكا يقتضى تقديم الخاص على العام فى
تلكالمرتبه،لم تكن نكته للتقديم المذكور.و مجرد ما ذكر من
ان حجيه العام مقيده بعدم العلم بالخلاف و الخاص بعد
حجيته علم تعبدى بالخلاف،لا يكفى مبررالذلك التقديم،اذ
ليس ذلك باولى من العكس فكما يمكن ان يقال:ان حجيه
ظهور العام فى العموم موضوعها الشك و الخاص الحجه يرفع
هذا الشك،كذلكيمكن ان يقال:ان حجيه ظهور الخاص
موضوعها الشك و العام يرفعه،فلا بد و ان نفترض فى المرتبه
السابقه سببا لتقديم الخاص على العام،و هو نفس الجمعالعرفى
بينهما.
اختلاف صيغه التعريف باختلافالقصد من التعارض
و ان اراد بذلك:انكار التنافى بين مدلولى الدليلين فى ذلك
الجمع العرفى الاسبق رتبه.فهذا واضح البطلان،لان هذا
الجمع العرفى انما هو بين نفس العام و الخاصو التنافى بين
مدلوليهما ظاهر.
الثانى-ان ما جاء فى التقرير من جعل التعارض بين دليل
الخاص و دليل حجيه العام و كونه من الحكومه لا يخلو من
تشويش و التباس،فان دليل الخاص لو لوحظبنفسه مع دليل
حجيه العام فلا تعارض بينهما حتى بنحو غير مستقر، لما تقدم
من امكان صدق مضمونهما معا.و انما التعارض بين مدلولى
الخاص و العام من جهه،وبين دليل حجيه الخاص و دليل
حجيه العام من جهه اخرى.و الاول يحل بالجمع العرفى الذى
يعين المراد من العام على طبق الخاص، و الثانى يحل بورود
حجيهالخاص على حجيه العام.
و اما الامر الثالث،الذى يرتبط بتعريف التعارض فالواقع اننا
يجب ان نعرف ماذا نقصد من وراء تعريف التعارض لنصوغه
بالطريقه التى تفى بمقصودنا،لاننا فىحالات التعارض بين
الدليلين نواجه عده اسئله.
الاول-ان هذا التعارض هل هو مستحكم بنحو يسرى الى دليل
الحجيه، فيكون اقتضاء دليل الحجيه الشمول لاحدهما منافيا
فعلا لاقتضائه شمول الاخر،او ان هذاالتعارض بين الدليلين فى
مرحله دلالتهما او مدلوليهما لا يسرى الى دليل الحجيه،بل
يحل فى هذه المرحله.و هو ما يسمى بالجمع العرفى؟
الثانى-ان هذا التعارض اذا كان مستحكما و ساريا الى دليل
الحجيه فما هو مقتضى دليل الحجيه؟التساقط او التخيير او
الترجيح؟
الثالث-ان التعارض سواء كان مستحكما او لم يكن مستحكما
هل عولج حكمه فى دليل خاص وراء دليل الحجيه العام؟و هذا
هو بحث الاخبار العلاجيه.
و كل هذه الاسئله يقع الجواب عليها فى عهده علم
الاصول،لدخول ذلك فى نطاق وظيفته.
و على هذا الاساس يمكن القول:بان المقصود من تعريف
التعارض اذا كان التعارض المستحكم السارى الى دليل
الحجيه،باعتباره موضوع البحث فى السوال الثانىالذى ينقح
فى مقام الجواب عنه الاصل الاولى من حيث التخيير او
التساقط،فلا بد من صياغه التعريف بنحو يقتضى خروج موارد
الجمع العرفى.و لكن عرفت انتعريف المشهور-و كذا تعريف
المحقق الخراسانى قده-لا يفى بذلك،لان موارد الجمع العرفى
لا تخرج لا بفرض المنافاه بين المدلولين و لا بفرض المنافاه
بينالدلالتين،لانحفاظهما معا فى غير الورود من اقسام الجمع
العرفى.و انما الصحيح ان يقال فى تعريفه حينئذ:ان التعارض
هو التنافى بين الدليلين فى مرحله شمولدليل الحجيه لهما،و
بهذا العنوان قد ينطبق التعارض على دليلين غير متكاذبين
فى الدلاله و المدلول ايضا،كدليلين ترخيصيين غير مثبتين
للوازم مع العلم الاجمالىبانتفاء احد الترخيصين، فان هذين
الدليلين متنافيان فى مرحله شمول دليل الحجيه لهما لكنهما
غير متكاذبين.
و لكن،يبقى السوال عن الهدف الفنى الذى يستهدفه الباحث
وراء اخراج موارد الجمع العرفى عن موضوع بحث التعارض،مع
ان علم الاصول هو العلم الذى يتعهدببيان قواعد هذا الجمع.و
يجيب عن السوال الاول من الاسئله الثلاثه المتقدمه،كما ان
السوال الثالث ايضا لا يختص بغير موارد الجمع العرفى،فلا
موجب لحصرالتعارض المبحوث عنه هنا فى خصوص ما يقع
موردا للسوال الثانى خاصه.نعم لا باس بالاستفاده من هذا
التعريف لتعريف احد قسمى التعارض الرئيسيين،و هوالتعارض
المستقر الذى سوف يقع موضوعا للبحث فى الاصل الاولى و
الاصل الثانوى على ما سوف ياتى بيانه.
و اما اذا كان المقصود من تعريف التعارض،التعارض الذى يقع
موردا للاسئله الثلاثه جميعا،فلا بد فى تعريفه بنحو يشمل
موارد الجمع العرفى باقسامه المتعدده،وحينئذ فلا يصح
التعريف المشهور-و لا تعريف المحقق
الخراسانى-قده-لذلك،لان المنافاه،سواء جعلت بين الدلالتين
او المدلولين لا تشمل الورود من اقسامالجمع العرفى،اذ لا
منافاه بين الدليل الوارد و الدليل المورود،لا فى المدلول و لا
فى الدلاله.
فالصحيح،ان يقال فى تعريفه:ان التعارض هو التنافى بين
المدلولين ذاتا بلحاظ مرحله فعليه المجعول التى هى مرحله
متاخره عن المرحله التى يتعرض لهاالدليل،حيث ان الدليل
متكفل للجعل لا لفعليه المجعول،فكلما كان هناك تناف بين
المدلولين بلحاظ مرحله المجعول-اى لم يمكن اجتماع
المدلولين فى عالمالفعليه معا و لو باعتبار التنافى بين
موضوعهما-صدق التعارض بهذا المعنى،سواء كان هذا التنافى
ناشئا من التنافى بين الجعلين او لا.و بذلك يشمل التعريف
مواردالورود ايضا،لان هذه الموارد لا يمكن فيها اجتماع
المجعولين الفعليين و ان كان اجتماع الجعليين ممكنا.و انما
قيدنا التنافى بين المجعولين بكونه ذاتيا،لاخراجالتنافى
المصطنع بينهما الناشىء من تقييد موضوع خطاب بعدم
خطاب آخر،دون ان يكون ذلك على اساس التنافى الذاتى بين
حكميهما مسبقا.
و اما اذا كان المقصود من تعريف التعارض،تحديد التنافى
الحقيقى بيندليلين،فسوف نجد ان تعريف المشهور و تعريف
المحقق الخراسانى-قده-يفىبذلك،دون الصيغه التى تفى
بالمقصود الاول و الصيغه التى تفى بالمقصود الثانى، و ذلك
لان الصيغه التى تفى بالمقصود الاول تكون اضيق دائره من
حالات التنافىالحقيقى،لما تقدم من ان التنافى بين الدليلين
بحسب المدلول و الدلاله ثابت فى غير الورود من اقسام الجمع
العرفى،و الصيغه الثانيه اوسع دائره من حالات
التنافىالحقيقى،لان عدم امكان اجتماع المجعولين فى
الفعليه فى موارد الورود لا يحقق تنافيا بين الدليلين،لان
المرحله التى يتعرض لها الدليل انما هى الجعل لاالمجعول.و
يكون التعارض بموجب هذه الصيغه المستفاده من تعريف
المشهور غير مختص بموارد التعارض المستحكم،كما لا يكون
شاملا لقسم الورود مناقسام التعارض غير المستقر،و لا حاجه
فى هذه الصيغه الى الاهتمام باخراج موارد الجمع العرفى
جميعا،بل العكس هو الصحيح،لان المقصود بها ضبط
حالاتالتنافى الحقيقى بين الدليلين و هى تشمل غير الورود
من اقسام التعارض غير المستقر.
التعارض بين الاصلين و بينالاصل و الاماره
و يتلخص من ذلك كله:ان تعريف التعارض ان كان تعريفا
لمعنى مصطلح فالمساله مساله اختيار تبعا للحاجه الفنيه التى
من اجلها وضع الاصطلاح و لهذا فالانسببهذه الحاجه هو
الصيغه الثانيه التى تستوعب الاسئله الثلاثه التى يجب على
علم الاصول معالجتها.و ان كانت الصيغه الاولى يمكن
الاستفاده منها فى تعريف قسم منالتعارض يقع موضوعا
للبحث الاصولى.و ان كان تعريف التعارض تعريفا لواقع
موضوعى،و هو حالات التنافى الحقيقى بين دليلين،فكل من
تعريف الشيخ الاعظم وتعريف المحقق الخراسانى-قدهما- يفى
به،للتلازم بين تنافى المدلولين و تنافى الدلالتين.
و سوف نعبر فيما يلى عن الصيغه الثانيه بالتعارض
الاصطلاحى و عن الصيغه الثالثه بالتعارض الحقيقى.
التعارض بين الاصلين و بين الاصل و الاماره:
و التعارض،تاره:يفرض بين دليلين اجتهاديين،كالتعارض بين
روايتين.و اخرى:يفرض بين اصلين عمليين،كالتعارض بين
اصل البراءه و الاستصحاب.و ثالثه:بين اصلعملى و دليل
اجتهادى،كالتعارض بين البراءه و الروايه الداله على الحرمه
مثلا،فهل هنا اقسام ثلاثه للتعارض حقيقه؟
الصحيح،ان الفرضين الاخيرين ليسا قسيمين للفرض الاول،بل
هما حالتان من حالاته،و مصداقان آخران للتعارض بين
الدليلين الاجتهاديين.
و ذلك:لان حالات التعارض بين الاصلين العمليين ترجع فى
الحقيقه الى التعارض بين دليلى حجيتهما بلحاظ ما يدل عليه
كل منهما من جريان اصل لا يلائم جريانالاصل الاخر،و ليس
التعارض بين الاصلين حقيقه،اذ ليس للاصل مدلول و محكى
ليحصل التنافى بينهما بلحاظ مدلوليهما او دلالتيهما، و انما
للاصل معلول و اثرعلى فرض الوصول،و هو المنجزيه و
المعذريه،فلا دلاله له على نفى الاصل الاخر.
و اما حالات التعارض بين الدليل الاجتهادى و الاصل،كتعارض
الخبر الدال على الحرمه مع البراءه عنها،فمرجعها-فى
الحقيقه-الى التعارض بين الدليل الاجتهادىالدال على البراءه
و دليل حجيه الخبر،و لا تعارض بين نفس الخبر و البراءه،اذ
ليس للبراءه مدلول و محكى ينافى مدلول الخبر بل لها اثر
معلول لوصولها،و هوالتامين،و هو ينافى ما لحجيه الخبر
المذكور من معلول لوصوله و هو التنجيز.فالتنافى بحسب
الحقيقه بين ثبوت التعذير الذى هو اثر الاصل و ثبوت التنجيز
الذى هواثر الدليل الاجتهادى،حيث يستحيل صدقهما معا
فيكون التعارض بين ما يدل على ذلك التعذير و هذا التنجيز.
و هكذا نعرف:ان التعارض يكون دائما بين الدليلين،و نقصد
بالدليل كل ما كان متكفلا للكشف عن حكم شرعى.
التعارض بين الدليل اللفظى و الدليل العقلى:
و التعارض كما يمكن ان يفرض بين دليلين لفظيين كذلك
يمكن ان يفرض بين دليلين عقليين،او دليل عقلى و دليل
لفظى.
اما التعارض بين دليلين عقليين،فلا بد و ان يفرض فيهما عدم
كونهما معا قطعيين بان يكون احدهما او كلاهما ظنيا قام
الدليل على حجيته تعبدا.
و حينئذ،فان كان احدهما قطعيا و الاخر ظنيا كان الدليل
القطعى واردا على الدليل الظنى،لان التعارض يقع-فى
الحقيقه-بين الدليل العقلى القطعى و دليل حجيهذلك
الظن،و قد اخذ فى موضوع دليل الحجيه الشك،و الدليل
القطعى رافع له حقيقه.و اما لو كانا ظنيين معا،فيرجع
التعارض بينهما الى التعارض بين الدليلينالاجتهاديين
الدالين على حجيتهما،فلا بد من تطبيق قواعد التعارض
عليهما.
و اما التعارض بين دليل عقلى و دليل لفظى،فان كان الدليل
العقلى قطعيا كان واردا على الدليل اللفظى ايضا لعين الملاك
المتقدم،و ان كان اللفظى قطعيا و العقلىظنيا انقلبت النسبه
و كان اللفظى واردا على العقلى الظنى،لنفس السبب،و ان كانا
ظنيين معا كان التعارض فى الحقيقه بين دليل حجيتهما،
فتطبق عليهما قوانين بابالتعارض.
و الفرق الاساسى بين حالات التعارض فى الادله اللفظيه،و
حالات التعارض فى غيرها،ان ملاكات الجمع العرفى-باستثناء
الورود-لا تتصور فى غير الادله اللفظيهالكاشفه عن مراد
الشارع-على ما سوف تاتى الاشاره اليه فى محله ان شاء اللّه
تعالى-فان امكانيه الجمع العرفى فى حاله تعارض عقليين
ظنيين او عقلى ظنى ولفظى ظنى انما تتوقع فى رتبه دليلى
الحجيه للمتعارضين اذا كانا لفظيين لا فى رتبه نفس
المتعارضين،و هذا بخلاف حاله تعارض الدليلين
اللفظيين،فانه قد تكونامكانيه الجمع العرفى بينهما بنحو لا
يستقر التعارض و لا يسرى الى دليل الحجيه.
التعارض و التزاحم
التزاحم،هو التنافى بين الحكمين بسبب عدم قدره المكلف
على الجمع بينهما فى عالم الامتثال.و لا بد لنا بصدد تعريف
التعارض من ان نعرف النسبه بين التزاحمالذى هو نحو من
انحاء التنافى،و بين التعارض الذى عرفنا فيه نحوا من انحاء
التنافى ايضا.
كيف يمكن اخراج بابالتزاحم عن التعارض
و هنا لا بد و ان نلحظ كلا المعنيين السابقين للتعارض و
هما،التعارض الحقيقى و التعارض الاصطلاحى.
اما بالنسبه الى التعارض الحقيقى،فحالات التزاحم تخرج عنه
اذا تم شرطان:
الاول-ان نلتزم فى كل خطاب شرعى-بموجب مقيد لبى
له-بقيد هو(عدم الاشتغال بضد واجب لا يقل عنه فى
الاهميه)فيكون موضوع الصلاه مثلا من لم يشتغلبضد لها
واجب لا يقل عنها فى الاهميه،و كذا فى وجوب الازاله.
الثانى-ان نلتزم بامكان الترتب فى الوجوبين المتزاحمين،بان
يكون الوجوب الاخر مجعولا على تقدير عصيان الوجوب
الاول.فان تم هذان الامران كانت مواردالتزاحم خارجه عن
نطاق التعارض الحقيقى،و اما اذا انكرنا الامر الاول،و قلنا:بان
خطاب(صل)مثلا غير مقيد بعدم الاشتغال بضد واجب لا يقل
عنه فى الاهميه،و اناطلاقه بنفسه يدل على عدم وجود
مكافىء للصلاه فى الاهميه،فمن الواضح وقوع التعارض
الحقيقى حينئذ بين اطلاق خطاب(صل)و اطلاق
خطاب(ازل)لان كلامنهما يدل حينئذ على وجوب متعلقه
مطلقا حتى مع الاشتغال بالاخر،و نتيجه هذا الاطلاق الزام كل
من الخطابين بصرف القدره فى متعلقه بدلا عن متعلق الاخر.
كما انا اذا قبلنا الامر الاول و انكرنا الامر الثانى،و قلنا باستحاله
الترتب، فسوف يحصل التنافى بين الخطابين،و لو كانا
مشروطين بالمخصص اللبى، من ناحيه ادائه الىفعليه كلا
الخطابين المجعولين فى فرض العصيان،و هذا يعنى سرايه
التنافى الى عالم الجعل و استحاله ثبوت الخطابين
المشروطين بما هما مشروطان ايضا،و هومعنى التعارض.
نسبهالبحثالاصولىفىالتزاحمالىالبحثالاصولى
فىالتعارض
و اما دخول التزاحم اثباتا و نفيا فى التعارض الاصطلاحى،فهو
مساله اختيار،لان مقوم التعارض الاصطلاحى التنافى بين
المجعولين فى عالم الفعليه، فان عمم هذاالتنافى بين
المجعولين للتنافى غير المباشر بينهما-و لو باعتبار ما يستتبعه
المجعول من تنجز و امتثال-دخل التزاحم فى التنافى
المصطلح،لان كلا من المجعولينفى موارد التزاحم ينافى
المجعول الاخر،لا بنفسه بل بامتثاله.
و اما نسبه البحث الاصولى فى التزاحم الى البحث الاصولى فى
التعارض الاصطلاحى،فهى نسبه البحث الصغروى الى البحث
الكبروى،لان بحث التعارضالاصطلاحى يفى ببيان احكام و
قوانين التعارض المستحكم و احكام و قوانين التعارض غير
المستحكم(موارد الجمع العرفى)و على بحث التزاحم تقع
عهدهتحقيق الصغرى،اذ يبحث عما اذا كان هناك تعارض
مستحكم فى مورد التزاحم اولا،و ذلك عن طريق دراسه
الامرين السابقين اللذين يتوقف على تماميتهماخروج التزاحم
عن التعارض الحقيقى،فان ثبت الامران و انتفى التعارض
المستحكم انفتح مجال للحديث عن قوانين الترجيح و التخيير
فى باب التزاحم،و هى كلهافى الحقيقه تطبيقات لقانون الورود
الذى يتعهد بحث التعارض الاصطلاحى بتنقيحه كبرويا-على
ماياتى تفصيله و توضيحه ان شاء اللّه لدى دراسه نظريهالورود-.
كيف نشا التعارض فى الادله الشرعيه
اهم العواملالتىيمكنانتذكرلتفسير
ظاهرهالتعارضفىالروايات
و قد يتساءل عن منشا وقوع التعارض بين الاحاديث الصادره
عن المعصومين(ع)رغم انهم جميعا يفصحون عن احكام الشرع
المبين المنزه عن التناقض والاختلاف.
و قد ينطلق من ذلك للتشكيك فى الاسس و الاصول
الموضوعيه التى يبتنى عليها الفقه الجعفرى بل التراث الشيعى
بكامله،من الاعتقاد بعصمه الائمه و اعتباراقوالهم و النصوص
الصادره عنهم كالقرآن الكريم و السنه النبويه مصدرا تشريعيا
يرجع اليها فى مجال التعرف على احكام الشريعه
المقدسه.فتجعل من ظاهرهالتعارض و الاختلاف الملحوظه
بين النصوص الصادره عنهم دليلا على الزعم القائل:بان الائمه
ليسوا الا مجتهدين كسائر الفقهاء و المجتهدين،و ليست
الاحاديثالصادره عنهم الا تعبيرا عن آرائهم الاجتهاديه
الخاصه،فيكون من الطبيعى حينئذ وجود الاختلاف و التعارض
فيما بينها،و بهذا تفقد هذه الاحاديث الشريفه قيمتهاالتشريعيه
و المصدريه.و لسنا هنا بصدد الدفاع عن عقيده العصمه،فان
لذلك مجالا غير هذا البحث،و انما نود ان نشير فيما يلى الى
اهم العوامل التى يمكن انتفسر ظاهره التعارض الموجوده بين
الاحاديث و النصوص الصادره عن ائمتنا(ع)،دون ان يكون فيها
ما يفقد قيمتها التشريعيه.
1-الجانب الذاتى للتعارض:
كثيرا ما لا يكون بين النصين المدعى تعارضهما اى تناف فى
الواقع، و لكن الفقيه الممارس لعمليه الاستنباط قد يتراءى له
التناقض بينهما على اساس الاطار الذهنىالذى يعيشه و يتاثر
به فى مجال فهم النص فيخطىء فى تشخيص معنى النص اما
لجهله باللغه و عدم اطلاعه على دقائقها،او لغفلته عن وجود
بعض القرائن،اوقرينيه الموجود منها،او لعدم معرفته بطرو
تغيير فى بعض الاوضاع اللغويه.فهو يفهم النص فى ضوء ما يراه
معنى له بالفعل،ثم يفترض انه كان معنى اللفظ فى زمانصدور
النص ايضا،و لو من جهه اصاله عدم النقل و الثبات العقلائيه.
فكل واحد من هذه العوامل قد يسبب وقوع التعارض فيما بين
النصوص لدى الفقيه الممارس لعمليه الاستنباط،و لكنه
تعارض ذاتى و ليس تعارضا موضوعيا ثابتافى واقع الامر.
2-تغير احكام الشريعه عن طريق النسخ:
و من العوامل الموثره فى نشوء ظاهره التعارض بين الاحاديث
وقوع النسخ فى جمله من الاحكام الشرعيه.
و النسخ،ان اخذناه بمعناه الحقيقى،و هو رفع الحكم بعد وضعه
و تشريعه الذى هو امر معقول،بل واقع فى الاحكام العرفيه بلا
كلام و ادعى وقوعه فى الاحكامالشرعيه من قبل بعض
الاصوليين،فسوف لن يكون النسخ من باب التعارض و التنافى
بين الدليلين بحسب الدلاله و مقام الاثبات، لان الدليل الناسخ
حينئذ لا يكونمكذبا للدليل المنسوخ،لا بلحاظ دلالته على
اصل الحكم المنسوخ و لا بلحاظ دلالته على دوامه و
استمراره،و انما يكون دالا على تبدل الحكم و تغيره ثبوتا بعد
انكان نظر المشرع على طبق المنسوخ حدوثا و بقاء
حقيقه.فالنسخ فى الشريعه على هذا الاساس و ان كان من
الاختلاف و التنافى فى الحكم،و قد يكون له مبرراتهمن التدرج
فى مقام التقنين و التشريع او غيره من المبررات،الا انه يكون
تنافيا فى عالم الثبوت و ليس من التعارض الذى هو التنافى فى
عالم الاثبات.
و ان فسرنا النسخ فى الشريعه بما يرجع الى التخصيص بلحاظ
عمود الزمان،و ان الناسخ يكشف عن انتهاء امد الحكم المنسوخ
و محدوديته بذلك الزمان،و انالناسخ يكشف عن انتهاء امد
الحكم المنسوخ و محدوديته بذلك الزمان من اول الامر و ان
كان بحسب ظاهر دليله مطلقا من ناحيه الزمان، فسوف يندرج
النسخفى باب التخصيص الذى هو احد اقسام التعارض غير
المستقر،حيث تحصل المعارضه بين اصل دلاله الدليل
المنسوخ على استمرار الحكم و دوامه و بين الدليلالناسخ.و قد
يدور الامر بين ان يكون الدليل المتاخر ناسخا للحكم المتقدم
و رافعا لاستمراره،او يكون مخصصا لبعض افراده فيكون بيانا
لاراده الخصوص من اولالامر.و قد بينت فى محله مرجحات
كل من التخصيص او النسخ بما لا مجال هنا لشرحه.
و هكذا يتضح:ان تغير احكام الشريعه عن طريق النسخ يكون
ايضا احد العوامل المستوجبه للتعارض بين الاحاديث و
النصوص.و لكن التعارض على اساس هذاالعامل تنحصر دائرته
فى النصوص الصادره عن النبى(ص) و لا تعم النصوص
الصادره عن الائمه(ع)لما ثبت فى محله من انتهاء عصر
التشريع بانتهاء عصرالنبى(ص)و ان الاحاديث الصادره عن
الائمه المعصومين ليست الا بيانا لما شرعه النبى(ص)من
الاحكام و تفاصيلها.
3-ضياع القرائن:
و من جمله ما يكون سببا فى نشوء التعارض بين النصوص
ايضا،ضياع كثير من القرائن المكتنف بها النص او السياق الذى
ورد فيه،نتيجه للتقطيع اوالغفله فى مقامالنقل و الروايه،حتى
كان يرد احيانا التنبيه على ذلك من قبل الامام نفسه.كما فى
الحديث الوارد فى المساله الفقهيه المعروفه(ولايه الاب على
التصرف فى مالالصغير)حيث كان يستدل اصحابه على ولايته
بما كان يروى عن النبى(ص)(انت و مالك لابيك)فجاء فى
روايه الحسين ابن ابى العلاء انه قال:(قلت لابى عبداللّه(ع):ما
يحل للرجل من مال والده؟قال:قوته بغير سرف اذا اضطر
اليه.فقلت له قول رسول اللّه(ص)للرجل الذى اتاه فقدم اباه
فقال له:انت و مالك لابيكفقال:انما جاء بابيه الى النبى(ص)
فقال:يا رسول اللّه هذا ابى ظلمنى ميراثى من امى،فاخبره الاب
انه قد انفقه عليه و على نفسه.فقال النبى(ص):انت و مالك
لابيك،ولم يكن عند الرجل،او كان رسول اللّه(ص)يحبس الاب
للابن؟(4)).
فقد حاول الامام(ع)ان ينبه فى هذه الروايه على ان الحديث
المنقول عن النبى(ص)قد جرد من سياقه،و ما كان يحتف به
من القرائن التى يتغير على اساسهاالمدلول،فان قوله(ص)(انت
و مالك لابيك)لو كان صادرا مجردا عن ذلك السياق امكن ان
يكون دليلا على حكم شرعى،هو ولايه الاب على اموال ابنه بل
نفسهايضا و لكنه حينما ينظر اليه فى ذلك السياق لا يعدو ان
يكون مجرد تعبير ادبى اخلاقى.
و تكثر الغفله عن القرائن فيما اذا كانت ارتكازيه عامه تنشا من
البيئه و ظروف النص،فان الراوى و ان كان مسوولا فى مقام
النقل و الروايه عن نقل النص بكامله وكامل ما يكتنف به من
القرائن و الملابسات التى تلقى ضوءا على المعنى المقصود
منه-و لذلك اعتبرنا سكوت الراوى عن نقل القرينه شهاده
سلبيه منه على عدموجودها حين صدور النص،و بذلك
استطعنا ان نتخلص من مشكله الاجمال اذا ما احتمل وجود
قرينه مع النص لم تصل الينا،على ما حققناه فى محله،-الا
انالقرائن اذا كانت ارتكازيه عامه فلا تكون محسوسه لدى
الراوى حين النقل كى يذكرها صريحا،لانها حينئذ قضايا عامه
معاشه فى ذهن كل انسان فلا يشعر الراوىبحاجه الى ذكرها
باللفظ-و لذلك استثنينا فى محله عن قاعده رفع اجمال النص
حين احتمال وجود القرينه بشهاده الراوى السلبيه المستكشفه
من سكوته،ما اذاكانت القرينه المحتمله قرينه ارتكازيه
عامه،لان الراوى حينئذ يفترض وجودها ارتكازا عند السامع
ايضا فلا يتصدى لنقلها،و لا يكون فى سكوته شهاده
سلبيهبعدمها-فقد يبقى النص على هذا الاساس منقولا بالفاظه
مجردا عن القرينه الارتكازيه العامه،فاذا ما تغير عبر عصور
متعاقبه ذلك الارتكاز العام و تبدل الى غيره،تغير معنى النص
لا محاله،و اذا اعتبرنا مثل هذا الظهور حجه،و لو تمسكا باصاله
عدم القرينه كما هو مسلك المشهور،فقد ينشا على هذا
الاساس التنافى بين هذاالنص و غيره من النصوص المتكفله
لبيان نفس الحكم الشرعى.
4-تصرف الرواه و النقل بالمعنى:
و تصرف الرواه فى الفاظ النص و نقلهم له غير مكترثين
بالفاظه و غير محافظين على حرفيته فى اغلب الاحيان هو
العامل الاخر فى نشوء التعارض بين النصوص،اذمن الطبيعى ان
يقع حينئذ فى دلاله النص او مدلوله شىء من التغيير و
التبديل،بان تتغير مرتبه دلاله النص و درجه صراحتها،او يتغير
مدلوله نتيجه غفله الراوى اوجهله فى مقام التصرف،فينشا
على اساس ذلك التعارض او تستحكم المعارضه بسبب التغيير
الحاصل بحيث لو لاه لكان من الممكن الجمع بين النصوص و
حلالمعارضه باحد انحاء الجمع العرفى التى سوف ياتى
شرحها.و قد كان من الطبيعى على هذا الاساس ان يتاثر درجه
التغير و التصرف فى النص بمدى قدره الراوىعلى ضبط تمام
المعنى و نقله من دون تصرف فيه الا بما لا يخل،فكلما كان
الراوى اعلم بدقائق اللغه و اعرف بظروف صدور النص و
بيئته،كان احتمال التغيير فيماينقله الينا اضعف درجه و اقل
خطوره.و مما يشهد على وجود هذا العامل فى الروايات ما
نجده فى احاديث بعض الرواه بالخصوص من اصحاب
الائمه(ع).
من غلبه وقوع التشويش فيها،حتى اشتهرت روايات عمار
الساباطى مثلا،بين الفقهاء بهذا المعنى،لكثره ما لوحظ فيها
من الارتباك و الاجمال فى الدلاله اوالاضطراب و التهافت فى
المتن فى اكثر الاحيان،و قد صار العلماء يعتذرون فى مقام
الدفاع عن صحه ما يصح عن طريقه و عدم قدح اضطراب متنه
فى اعتباره،بانهمن عمار الساباطى الذى لم يكن يجيد النقل و
التصرف فى النصوص لقصور ثقافته اللغويه.
5-التدرج فى البيان:
و من اهم عوامل نشوء التعارض بين الروايات ايضا،اسلوب
التدرج الذى كان يسلكه ائمتنا(ع)فى مجال بيان الاحكام
الشرعيه و تبليغها الى الناس، حيث لم يكونوايفصحون عن
الحكم و تفاصيله و كل ابعاده دفعه واحده و فى مجلس واحد
فى اكثر الاحيان،بل كانوا يوجلون بيان التحديدات و التفاصيل
الى ان تحين فرصهاخرى،او يتصدى الراوى بنفسه للسوال
عنها ثانيه.
و هذه ظاهره واضحه فى حياه الائمه(ع)التثقيفيه مع
اصحابهم و رواه احاديثهم،يلحظها كل من تتبع و درس
الاحاديث الصادره عنهم.و ربما تلحظ هذه الحاله فىالحديث
الواحد.حيث يبين الامام(ع)الحكم الشرعى اولا على سبيل
الايجاز و يسكت عن التفاصيل لولا الحاح السائل بعد ذلك و
تصديه بنفسه لفهم حدودالحكم و دقائقه،كما نشاهد ذلك فى
مثل روايه العيص بن القاسم،قال:(قال ابو عبد اللّه(ع)فى
حديث:
و كره النقاب-يعنى للمراه المحرمه-و قال تسدل الثوب على
وجهها،قلت:حد ذلك الى اين؟قال:الى طرف الانف قدر ما
تبصر)(5)).
فان جواب الامام(ع)بجواز اسدال المراه الثوب على وجهها من
دون تقييد ذلك بطرف الانف ظاهر فى جواز اسدالها على
كامل وجهها،و لكن تصدى السائل ثانياللسوال عن حد ذلك
الحكم اوجب ان يبين الامام(ع)، ما يكون منافيا مع الجواب
الاول و مقيدا له.
و لعل السبب الذى كان يدعو لهذا التدرج فى البيان،هو مراعاه
حاله المتشرعه التى لم تكن تسمح لهم باستيعاب التفاصيل
كلها دفعه واحده فى ظل تلك الظروفالسياسيه،و مع تلك
الامكانات المحدوده المستعصى معها التعليم و التعلم من
جهه،و تطبيقا لفكره التدرج الطبيعى فى مجال التربيه و
التثقيف على الاحكامالشرعيه تلك الفكره التى طبقها
النبى(ص)ايضا فى بدء الدعوه الى الاسلام،من جهه اخرى.فكان
من نتائج هذا الاسلوب ان اعتمد الائمه فى مقام تبليغ
تفاصيلالاحكام الشرعيه و تثبيتها فى اذهان اصحابهم على
القرائن المنفصله و البيانات المتاخره بعضها عن بعض،فشاع
على هذا الاساس التعارض و التنافى بين النصوص والاحاديث
الصادره عنهم بنحو التخصيص او التقييد او القرينه،كما نجده
فى كتب الحديث التى بايدينا اليوم.
6-التقيه:
و التقيه ايضا كان لها دور مهم فى نشوء التعارض بين
الروايات،فلقد عاش اكثر الائمه المعصومين(ع)ظروفا عصيبه
فرضت عليهم التقيه فى القول او السلوك.
و لا نريد هنا شرح الاسباب التاريخيه التى دعت الائمه(ع)الى
الاتقاء فى احاديثهم او التحفظ فى حياتهم العمليه،فان
للحديث عن ذلك مجالا آخر، و لكنه ينبغىان نشير الى ان
التقيه التى كان يعملها الائمه لم تكن تقيه من حكام بنى اميه
و بنى العباس فحسب،بل كانوا يواجهون ظروفا اضطرتهم!35
الى ان يتقوا ايضا منالمسلمين و الراى العام عندهم،فلا يصدر
منهم ما يتحدى معتقدات العامه و يخالف مرتكزاتهم و
موروثاتهم الدينيه التى تدخلت فى نشاتها عوامل غير
موضوعيهكثيره فى ظل الاوضاع التى حكمت المسلمين فى
تلك الفتره من التاريخ.
|