الطريق الى المهدى المنتظر (عج)
تاليف: سعيد ايوب كلمه المركز
لقد آمن المولف الراحل بالاسلام اعمق الايمان واصدقه ونذر
حياته الفكريه والعلميه كلها من اجل جلاء صورته وتبيينمعالم
خطه الاصيل المتمثل بخط ائمه الهدى من اهل بيت النبوه
(ع)، ولهذا انصبت بحوثه كلها تقريبا حول قضيهالامامه
والوصايه واثبات كونها سنه الهيه تاريخيه عرفتها كل النبوات
السابقه، وضروره هدايه ربانيه اقتضتها استمراريهالنبوه الخاتمه
لنبى الاسلم (ص).
وفى هذا البحث الذى استللناه من مولف المفكر الراحل
(ابتلاءات الامم) يناقش المولف - رحمه اللّه - جانبا مهما
منجوانب عقيده الامامه وركنا من اكرانها الاساسيه وهو
عقيده المهدى المنتظر عجل اللّه تعالى فرجه.
رحم اللّه تعالى المولف الفقيد رحمه واسعه ونفع قراءه بعلمه
ومولفاته القيمه.
واللّه تعالى من وراء القصد، وهو ولى التوفيق.
مركز الغدير للدراسات الاسلاميه
الفصل الاول: نور الظلام
معجزات بين يدى الموكب
وفى عهد البعثه كان القرآن الملجا الوحيد للنبى(ص) عندما
كان يقيم حجته على الناس، ولقد بين لهم النبى الخاتم ما
انزل اليهم من ربهم على امتداد البعثه، والزم القرآن الناس بان
يكون لهم فى النبى(ص) اسوه حسنه، وجعل اتباع
الرسول(ص) شرطا فى حب اللّه، ولقد بين القرآن والسنه -منذ
اليوم الاول للمسيره- ان كل راى دينى يجب ان ينتهى الى
القرآن الكريم، حتى لا يتمكن الاجانب من نشر الاباطيل بين
المسلمين، كما بين القرآن والسنه ان كتاب اللّه لا يقبل النسخ
والابطال والتهذيب والتغيير، وان اى تعطيل سيفتح الطريق
امام سنن الاولين.
2- الاخبار بالغيب عن اللّه
(وليعلم اللّه من ينصره ورسله بالغيب) «الحديد: 25».
وان اى حدث لا بد ان تكون له مقدمه يترتب عليها نتيجه،
والناس عند صنعهم لمقدمه الحدث، كبيرا كان او صغيرا،
يعلمون جانب الحلال فيه وجانب الحرام، بما اودعه اللّه فيهم
من الفطره، ولان اللّه-تعالى-، وهو العليم المطلق، يعلم مصير
هذه المقدمه وما يترتب عليها من نتائج ما زالت فى بطن
الغيب، يخبر -سبحانه- على لسان الانبياء والرسل بما ينتظر
الناس من نتائج، لكى ياخذوا باسباب الهدى ويتجنبوا اسباب
الضلال، وباختصار: فان من اخذ باسباب الدجال سقط فى
سلته، وهوى فى نار جهنم يوم القيامه، ومن اخذ باسباب
الهدى شرب من حوض النبى(ص).
ان اللّه-تعالى- يمتحن الناس باخذهم الاسباب، وهم تحت
مظله الامتحان والابتلاء يتمتعون بحريه الاخذ بها، وكل مسيره
-على امتداد الزمان- يتخللها ماض وحاضر ومستقبل،
والماضى يحمل دائما فى احشائه الزاد، ومهمه الحاضر ان
يستمد منه اسباب الهدى، وينطلق بها الى المستقبل، فمن
ادركه الموت وهو على هدى، بعثه اللّه على نفس السبب، وكل
انسان سيصل الى ما هاجر اليه، وان اخبار الغيب التى جاء بها
رسول اللّه(ص) كشفت المسيره، وظهر ما فى بطونها من زاد
الماضى، واذا وقف الحاضر امام هذا الزاد ثم رجع القهقرى
بتحليل الحوادث التاريخيه، يصل الى المقدمه فى الماضى
البعيد، فاذا امعن النظر فيها وجد انها تحتوى على اصول
القضايا واعراقها التى يراها فى حاضره، فكما تكون المقدمه
تكون النتيجه، والدعوه الال-هيه الخاتمه امرت باتقاء الفتن،
وهذا لا يتحقق الا بالبحث فى اصول القضايا، قال تعالى: (يا ايها
الذين آمنوا استجيبوا للّه وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم
واعلموا ان اللّه يحول بين المرء وقلبه وانه اليه تحشرون× واتقوا
فتنه لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصه) «الانفال: 24-25»،
والنبى(ص) بين ان الحاضر اذا رضى بانحراف الماضى، شارك
بالمشاهده وان لم يحضر، قال(ص): (اذا عملت الخطيئه فى
الارض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب
عنها فرضيها كان كمن شهدها)((1)).
والنبى(ص) بين لامته المقدمات والنتائج حتى قيام الساعه،
ليكونوا على بينه من امرهم، وياخذوا باسباب الاهداف التى للّه
فيها رضا، فعن ابى زيد قال: (صلى بنا رسول اللّه(ص) الفجر،
وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى، ثم
صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم
صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فاخبرنا بما كان وبما
هو كائن، فاعلمنا احفظنا) ((2))، وعن انس قال: (قال رسول
اللّه(ص): من احب ان يسال عن شىء فليسال عنه، فواللّه لا
تسالونى عن شىء الا اخبرتكم به ما دمت فى مقامى هذا)((3))،
وعن حذيفه قال: (واللّه انى لاعلم الناس بكل فتنه هى كائنه
فى ما بينى وبين الساعه، كان رسول اللّه(ص) يحدث مجلسا انا
فيه عن الفتن، فقال(ص) وهو يعدها: منهن ثلاث لا يكدن
يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار،
قال حذيفه: فذهب اولئك الرهط كلهم غيرى)((4))، وعنه
ايضا انه قال: (ما من ثلاثمائه تخرج الا ولو شئت سميت سائقها
وناعقها الى يوم القيامه)((5))، وقال ايضا: واللّه ما ادرى انسى
اصحابى ام تناسوا، واللّه ما ترك رسول اللّه(ص) من قائد فتنه
الى ان تنقضى الدنيا يبلغ معه ثلاثمائه فصاعدا، الا قد سماه
باسمه واسم ابيه واسم قبيلته)((6)).
لقد اقام النبى(ص) الحجه عند المقدمه، وهو يخبر بالغيب عن
ربه، وعندما انطلقت المسيره بعد وفاته(ص) تحت سقف
الامتحان والابتلاء، لم تخل المسيره من الفتن، بدليل ان
حذيفه الذى يعرف الفتن وقادتها قال بعد وفاه النبى(ص) باقل
من ثلاثين عاما: (انما كان النفاق على عهد النبى(ص)، فاما
اليوم فانما هو الكفر بعد الايمان)((7))، وقال: (ان المنافقين
اليوم شر منهم على عهد النبى(ص)، كانوا يومئذ يسرون واليوم
يجهرون)((8))((8))، وقال: (ان كان الرجل يتكلم بالكلمه على عهد
رسول اللّه(ص) فيصير منافقا، وانى لاسمعها من احدكم فى
المقعد الواحد اربع مرات)((9)).
والطريق من توضيح النبى للفتن وهى فى بطن الغيب الى
ظهور الفتن فى عالم المشاهده، طريق يخضع للبحث، بهدف
اتقاء الفتن المهلكه، وحصار وقودها فى دائره الذين ظلموا
خاصه، وعدم البحث فى هذا الطريق يفتح ابوابا عديده، منها
مشاركه الذين ظلموا اذا رضى عن فعلهم، لان الراضى عن
فعل قوم كالداخل معهم، وقد جاء فى الحديث الشريف: (المرء
مع من احب)((10))، وكما ان عدم البحث يلقى بالحاضر على
الماضى، فكذلك يلقى به على ما يستقبله من فتن مهلكه. عن
حذيفه انه قال: (تعرض الفتن على القلوب، فاى قلب انكرها
نكتت فى قلبه نكته بيضاء، واى قلب لم ينكرها نكتت فى قلبه
نكته سوداء، حتى يصير القلب ابيض مثل الصفا، لا تضره فتنه ما
دامت السماوات والارض، والاخر اسود مربدا كالكوز مجخيا لا
يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، الا ما اشرب فى هواه)((11)). وما
زالت فى بطن الغيب احداث واحداث، لا ينجو منها العالم الا
بعلمه، وكذلك فان هناك احداثا اذا جاءت لا ينفع نفسا ايمانها
يومئذ، لانها لم تبحث على امتداد الطريق، فانتج ذلك عدم
معرفه الحق على امتداد الطريق، ولما كان الحق عند هذه
النفس يخضع لتحديد الاهواء، تسقط النفس فى سله الدجال
التى تحتوى على جميع الاهواء، وما يستقبل الناس من آيات
كبرى، جاء فى قوله تعالى: (يوم ياتى بعض آيات ربك لا ينفع
نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت فى ايمانها خيرا
قل انتظروا انا منتظرون) «الانعام: 158»، (فالايه الكريمه بينت
ان هناك آيات لا ينفع عند ظهورها ايمان، ومن لم يكن مصلحا
يومئذ تائبا لم تقبل منه توبته، كما ان اللّه لا يقبل عملا صالحا
من صاحبه اذا لم يكن قد عمل به قبل ذلك، ومن هذه الايات:
الدخان، والدابه، وخروج ياجوج وماجوج، ونزول عيسى بن
مريم، وخروج الدجال، وطلوع الشمس من مغربها)((12)).
وبالجمله، فقد اخبر النبى(ص) بالغيب عن ربه جل وعلا،
لياخذ الناس باسباب الهدايه نحو ما يستقبلهم من احداث ما
زالت فى بطن الغيب، والاخذ بالاسباب من الوسائل التى
يمتحن اللّه-تعالى- بها عباده، واخبار الرسول بالغيب هو فى
حقيقته دعوه للايمان باللّه، لانه يامر بالاستقامه، ويبين ان عدم
الاستقامه يودى الى كفران النعمه، ويفتح الطريق امام الفتن،
وكفران النعمه عقوبته سلب نعمه الهدايه، وبه ياتى الهلاك،
وطريق الفتن يلقى باتباعه تحت اعلام الدجال، قال
النبى(ص): (ما صنعت فتنه منذ كانت الدنيا، صغيره او كبيره،
الا لفتنه الدجال)((13)).
ثانيا: التحذيرات الذهبيه
وحذر -تعالى- من عاقبه الاختلاف فى الدين فى اكثر من آيه
من كتابه الكريم، منها قوله تعالى: (ان الذين فرقوا دينهم
وكانوا شيعا لست منهم فى شىء انما امرهم الى اللّه ثم ينبئهم
بما كانوا يفعلون) «الانعام: 159»، قال المفسرون: اى ان الذين
فرقوا دينهم بالاختلافات والانشعابات المذهبيه بعد ان جاءهم
العلم، ليسوا على طريقتك التى بنيت على وحده الكلمه ونفى
الفرقه، انما امرهم فى هذا التفريق الى ربهم فينبئهم يوم
القيامه بما كانوا يفعلون، ويكشف لهم حقيقه اعمالهم، والايه
عامه، تعم اليهود والنصارى والمختلفين بالمذاهب والبدع من
هذه الامه.
وفى الوقت الذى امرت فيه الدعوه الال-هيه الخاتمه بعدم
الاختلاف، اخبر النبى(ص) بالغيب عن ربه العليم المطلق، بان
الامه ستختلف من بعده وسيتبع بعضها سنن اليهود
والنصارى، قال(ص): (ان بنى اسرائيل تفرقت احدى وسبعين
فرقه، فهلك احدى وسبعون فرقه، وخلصت فرقه واحده، وان
امتى ستفترق على اثنتين وسبعين فرقه تهلك احدى وسبعون
وتخلص فرقه، قيل: يا رسول اللّه، من تلك الفرقه؟ قال:
الجماعه، الجماعه)((16))، اما اتباع سنن الاولين ففى قوله
تعالى: (وعد اللّه المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم
خالدين فيها هى حسبهم ولعنهم اللّه ولهم عذاب مقيم×
كالذين من قبلكم كانوا اشد منكم قوه واكثر اموالا واولادا
فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين
من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذى خاضوا اولئك حبطت
اعمالهم فى الدنيا والاخره واولئك هم الخاسرون) «التوبه:
(حذركم اللّه ان تحدثوا فى الاسلام حدثا وقد علم انه سيفعل
ذلك اقوام من هذه الامه، فقال تعالى: (فاستمتعوا بخلاقهم
فاستمتعتم بخلاقكم...) «الايه السابقه»، وانما حسبوا ان لا يقع
بهم من الفتنه ما وقع ببنى اسرائيل قبلهم، وان الفتنه عائده
كما بدات)((17))، وروى ابن كثير عن ابن عباس، قال: (ما
ىىىىاشبه الليله بالبارحه، (كالذين من قبلكم) هولاء بنو
اسرائيل شبهنا بهم، والذى نفسى بيده لتتبعنهم حتى لو دخل
الرجل جحر ضب لدخلتموه)((18))، وعن ابى سعيد الخدرى
قال: قال رسول اللّه(ص): (لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا
بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم)،
قالوا: يا رسول اللّه، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟((19))، وقال
المفسرون: ان المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض، وانهم
جميعا والكفار ذو طبيعه واحده فى الاعراض عن ذكر اللّه
والاقبال على الاستمتاع بما اوتوا من اعراض الدنيا من اموال
واولاد، والخوض فى آيات اللّه، ثم فى حبط اعمالهم فى الدنيا
والاخره والخسران، ومعنى الايات: انتم كالذين من قبلكم،
كانوا اشد منكم قوه، واكثر اموالا واولادا، فاستمتعوا بنصيبهم،
وقد تفرع على هذه المماثله انكم استمتعتم كما استمتعوا
وخضتم كالذى خاضوا، اولئك حبطت اعمالهم فى الدنيا
والاخره واولئك هم الخاسرون، وانتم ايضا امثالهم فى الحبط
والخسران.
لقد حذرت الدعوه الال-هيه عند المقدمه من الاختلاف فى
الدين، وذكرت ان الاختلاف بعد العلم لا يمكن ان يضع اصحابه
على طريقه رسول اللّه(ص)، لانها طريقه بنيت على وحده
الكلمه ونفى الفرقه، وحذرت الدعوه ايضا من سلوك سبيل
الذين اوتوا الكتاب، وبينت برامجهم واهدافهم، واخبرت بانهم
يصدون عن سبيل اللّه، ويعملون من اجل ان تضل الامه وتتبع
طريقتهم فى الحياه، ثم اخبر رسول اللّه(ص) بالغيب عن ربه
بما يستقبل الناس، ومنه: ان الامه ستفترق وسيتبع بعضها
طريقه اليهود والنصارى، والتحذير عند المقدمه فيه ان الصراع
قائم بين الحق والباطل، وظهور الذين اتبعوا اليهود والنصارى
عند نهايه الطريق، لا يعنى سقوط المسيره، وانما يعنى سقوط
الغثاء والزبد الذى لا قيمه له، واعلام هولاء يحملها المنافقون
والمنافقات، كما ظهر فى صدر الايه الكريمه.
2- التحذير من امراء السوء
والنبى(ص) اخبر ان الامه ستركن الى هولاء، وامر بان تاخذ
بالاسباب، لان اللّه-تعالى- ينظر الى عباده كيف يعملون، فعن
ثوبان قال: قال رسول اللّه(ص): (انما اخاف على امتى الائمه
المضلين) ((20))، وعن ابى هريره قال: قال رسول اللّه(ص):
(يهلك امتى هذا الحى من قريش)، قالوا: فما تامرنا يا رسول
اللّه؟ قال: (لو ان الناس اعتزلوهم)((21))، وعن خباب بن الارث
قال: انا لقعود على باب رسول اللّه(ص) ننتظره ان يخرج لصلاه
الظهر، اذ خرج علينا فقال: اسمعوا، فقلنا: سمعنا، ثم قال:
اسمعوا، فقلنا: سمعنا، فقال: (انه سيكون عليكم امراء فلا
تعينوهم على ظلمهم، فمن صدقهم بكذبهم فلن يرد على
الحوض)((22))، وعن حذيفه قال: (قال رسول اللّه(ص):
سيكون عليكم امراء يظلمون ويكذبون، فمن صدقهم بكذبهم
واعانهم على ظلمهم، فليس منى ولست منه، ولا يرد على
الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعينهم، فهو منى وانا
منه، وسيرد على الحوض)((23))، ومن هذه الاحاديث يستنتج
ان الامراء ضد خط اهل البيت، بدليل انهم لن يردوا على
الحوض، وفى الحديث ان اهل البيت مع القرآن ولن ينفصلا
حتى يردا على الحوض، ويستنتج ايضا ان اهل البيت لن يكونوا
فى صدر القافله، وان هناك احداثا ستودى الى ابعادهم عن
مركز الصداره، بدليل وجود الائمه المضلين وامراء
ىىىىالظلم، فلو كان اهل البيت فى الصداره، ما اتخذوا هولاء
بطانه لهم، لان اهل البيت مع القرآن، والقرآن نهى عن ذلك.
وبالجمله، اخبر النبى(ص) بوجود تيار فى بطن الغيب سيعمل
ضد سياسه اهل البيت، وان هذا التيار لن يرد على الحوض،
لقوله(ص): (لا يبغضنا احد ولا يحسدنا احد الا ذيد يوم القيامه
عن الحوض)((24))، وقوله لعلى بن ابى طالب: (يا على، معك
يوم القيامه عصا من عصى الجنه تذود بها المنافقين عن
حوضى)((25))، وامر النبى(ص) بمواجهه هذا التيار باعتزالهم
وعدم اعانتهم وعدم تصديقهم، وروى عن ابن مسعود، قال:
قال(ص): (ان رحى الاسلام دائره، وان الكتاب والسلطان
سيفترقان، فدوروا مع الكتاب حيث دار، وستكون عليكم ائمه
ان اطعتموهم اضلوكم وان عصيتموهم قتلوكم، قالوا: فكيف
نصنع يا رسول اللّه؟ قال: كونوا كاصحاب عيسى، نصبوا على
الخشب ونشروا بالمناشير، موت فى طاعه، خير من حياه فى
معصيه)((26))، وروى عن معاذ قال: قلت يا رسول اللّه: ارايت
ان كان علينا امراء لا يستنون بسنتك، ولا ياخذون بامرك، فما
تامرنى فى امرهم؟ فقال: (لا طاعه لمن لم يطع اللّه عز
وجل)((27)).
وروى عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه(ص): (ان اول ما
دخل النقص على بنى اسرائيل، كان الرجل يلقى الرجل فيقول:
يا هذا، اتق اللّه ودع ما تصنع فانه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد،
فلا يمنعه ذلك ان يكون اكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك
ضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض، ثم تلا قوله تعالى: (لعن الذين
كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم) الى
قوله: (فاسقون) «المائده: 78-81»، ثم قال رسول اللّه(ص):
(كلا -واللّه- لتامرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتاخذن
على يدى الظالم ولتاطرنه على الحق اطرا (اى: لتردنه الى
الحق)، ولتقصرنه على الحق قصرا، او ليضربن اللّه بقلوب بعضكم
على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم)((28))، وقال(ص): (مثل
القائم على حدود اللّه والمدهن فيها، كمثل قوم استهموا على
سفينه فى البحر، فاصاب بعضهم اعلاها، واصاب بعضهم
اسفلها، فكان الذين فى اسفلها يصعدون فيستقون الماء
فيصبون على الذين فى اعلاها، فقال الذين فى اعلاها: لا
ندعكم تصعدون فتوذوننا، فقال الذين فى اسفلها: فاننا ننقبها
من اسفلها فنستقى، فان اخذوا على ايديهم فمنعوهم نجوا
جميعا، وان تركوهم غرقوا جميعا)((29)).
كانت هذه بعض تعاليم النبوه لمواجهه الظلم والجور فى وقت
ما على امتداد المسيره، اما بعد استفحال الظلم والجور، نتيجه
للثقافات التى عمل منها المنافقون واهل الكتاب غثاء مهمته
النباح تاييدا للجلادين، والتصفيق للزبانيه ومصاصى الدماء،
يقول النبى(ص): (ما ترون اذا اخرتم الى زمان حثاله من
الناس، قد مرجت عهودهم ونذورهم فاشتبكوا، وكانوا هكذا
(وشبك بين اصابعه)، قالوا: اللّه ورسوله اعلم، قال: تاخذون ما
تعرفون وتدعون ما تنكرون، ويقبل احدكم على خاصه نفسه،
ويذر امر العامه)((30))، وفى روايه: (اتق اللّه عز وجل، وخذ ما
تعرف ودع ما تنكر، وعليك بخاصتك، واياك وعوامهم)((31)).
وبالجمله، بين النبى(ص) ان صنفا من الناس سيحرص على
الاماره من بعده، قال(ص): (انكم ستحرصون على الاماره،
وستصير حسره وندامه يوم القيامه، نعمت المرضعه وبئست
الفاطمه)((32)). نعم المرضعه: لما فيها من حصول الجاه
والمال ونفاذ الكلمه وتحصيل اللذات الحسيه، وبئست
الفاطمه: اى بعد الموت لان صاحبها يصير الى المحاسبه.
قال(ص): (ليتمن اقوام ولوا هذا الامر، انهم خروا من الثريا
وانهم لم يولوا شيئا)((33))، وليس معنى هذا ان الاسلام لا
يعترف بالقياده والاماره، فالاسلام يقوم على النظام، وفيه لكل
شىء ذروه، والحديث يحذر غير اصحاب الحق من ان ينازعوا
الامر اهله، لانه فى المنازعه ضياع للامانه، قال رسول اللّه(ص):
(اذا ضيعت الامانه فانتظر الساعه، قالوا: كيف اضاعتها يا رسول
اللّه؟ قال: اذا اسند الامر الى غير اهله، فانتظروا الساعه)((34)).
ويفسر هذا ما روى عن داود بن ابى صالح، قال: (اقبل مروان
بن الحكم يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على قبر النبى(ص)،
فقال: اتدرى ما تصنع؟ واقبل عليه واذا هو ابو ايوب الانصارى،
فقال: نعم، جئت رسول اللّه(ص) ولم آت الحجر، سمعت رسول
اللّه(ص) يقول: لا تبكوا على الدين اذا وليه اهله، ولكن ابكوا
عليه اذا وليه غير اهله)((35)).
وبين النبى(ص) للامه اسباب الهدى على امتداد المسيره،
تحت مظله الامتحان والابتلاء، بين الاسباب فى عصر فيه
الصحابه، وبينها فى عصر فيه التابعون، وبينها فى عصور جاءت
بعد ذلك، واللّه تعالى ينظر الى عباده كيف يعملون.
3- التحذير من ذهاب العلم
وكما ان النبى(ص) امر امته بان يمسكوا بحبل اللّه ليردوا على
الحوض، اخبر كذلك -بالغيب عن ربه- بان العلم سيرفع،
ورفعه هو نتيجه لذهاب اوعيته، عن ابى الدرداء قال: (كنا مع
النبى(ص)، فشخص ببصره الى السماء ثم قال: هذا اوان
يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شىء، فقال
زياد بن لبيد: كيف يختلس منا، وقد قرانا القرآن؟ فواللّه لنقرانه
ولنقرئنه نساءنا وابناءنا، قال: ثكلتك امك يا زياد، ان كنت
لاعدك من فقهاء اهل المدينه، هذه التوراه والانجيل عند
اليهود والنصارى، فماذا تغنى عنهم؟)((36))، وفى روايه عن
شداد بن اوس قال: (وهل تدرى ما رفع العلم؟ ذهاب
اوعيته)((37))، وفى روايه عن ابى امامه قال: (وهذه اليهود
والنصارى بين اظهرهم المصاحف، لم يصبحوا يتعلقون بحرف
واحد مما جاءتهم به انبياوهم، وان من ذهاب العلم ان يذهب
حملته، وان من ذهاب العلم ان يذهب حملته، وان من ذهاب
العلم ان يذهب حملته)((38))، وقال فى تحفه الاحوازى:
(ومعنى هذه التوراه والانجيل عند اليهود والنصارى، اى ان
القراءه دون علم وتدبر محل نظر، وقال القارى: اى: فكما لم
تفدهم قراءتهما مع عدم العمل بما فيهما فكذلك انتم)((39)).
وعلى امتداد المسيره ظهر ما كان فى بطن الغيب، ظهر الذين
يقراون القرآن لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الاسلام كما يمرق
السهم من الرميه، وظهر الذين قراوا ثم نقروا ثم اختلفوا ثم
ضرب بعضهم رقاب بعض، وظهر الذين قراوا ثم اعتزلوا ثم
خرجوا على جيرانهم بالسيوف ورموهم بالشرك، بينما كانوا هم
الى الشرك اقرب، وظهر الذين لا يقراون القرآن الا فى حفلات
النفاق التى يشرف عليها اليهود والنصارى فى كل مكان، وعلى
اكتاف هولاء وهولاء، انطلق البعض فى طريق التقدم الى
الخلف، وارتبط مصيرهم بمصير الذين سبقوهم، قال
النبى(ص): (ان بنى اسرائيل انما هلكت حين كثرت
قراوهم)((40))، واخبر النبى(ص) بان الذين يقراون القرآن لا
يجاوز تراقيهم، نطف فى اصلاب الرجال وقرارات النساء، كلما
نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين، وقال:
(لا يزالوت يخرجون، حتى يخرج آخرهم مع الدجال)((41))،
وفى روايه: (كلما قطع قرن نشا قرن، حتى يكون مع بيضتهم
الدجال)((42)).
وبالجمله، اقام النبى(ص) الحجه فى اول الطريق، وانطلقت مع
المسيره حتى نهايه الطريق، وامر النبى(ص) امته ان تاخذ
بحبل اللّه حتى لا يضلوا، وقال: (ما من نبى بعثه اللّه عز وجل
فى امه قبلى الا له من امته حواريون واصحاب ياخذون بسنته
ويقتدون بامره، ثم انها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا
يفعلون ويفعلون ما لا يومرون، فمن جاهدهم بيده فهو مومن،
ومن جاهدهم بلسانه فهو مومن، ومن جاهدهم بقلبه فهو
مومن، وليس وراء ذلك من الايمان حبه خردل)((43))، وقال
فى الفتح الربانى: (الحواريون هم خلصان الانبياء واصفياوهم،
والخلصان هم الذين نقوا من كل عيب. وقيل:
الخلصان هم الذين يصلحون للخلافه بعد الانبياء)((44)).
لقد دافع الاسلام عن العلم، ولم يقاتل يوما من اجل الكرسى،
وامر بالجهاد للابقاء على الذروه التى تفيض بالعلم الال-هى
ذروه كل العلوم واشرف العلوم، لان هولاء وحدهم هم الذين
يحملون النور المحمدى، ذلك النور الذى يعتبر برزخا بين
الناس وبين النور الال-هى، الذى تندك له الجبال.
ثالثا: العتره بين التحذير والابتلاء
واخبر النبى(ص) على بن ابى طالب بما سيجرى عليه من
بعده، وقال له: (ان الامه ستغدر بك بعدى، وانت تعيش على
ملتى، وتقتل على سنتى، من احبك احبنى، ومن ابغضك
ابغضنى، وان هذه (يعنى لحيته) ستخضب من هذا (يعنى
راسه))((49))، وروى ان النبى(ص) قال له: (الا احدثك باشقى
الناس؟ رجلين، احيمر ثمود الذى عقر الناقه، والذى يضربك يا
على على هذا (يعنى راسه) حتى تبتل منه هذه (يعنى
لحيته))((50)).
واخبر النبى(ص) الحسين بن على بما سيجرى عليه من بعده،
وروى ابن كثير عن عمره بنت عبد الرحم-ن انها قالت: اشهد
لقد سمعت عائشه تقول: انها سمعت رسول اللّه(ص) يقول:
(يقتل الحسين بارض بابل)((51))، وروى الحاكم عن ابن
عباس، قال: (ما كنا نشك واهل البيت متوافرون ان الحسين
يقتل بالطف) ((52))، وروى ان النبى(ص) قال: (ان ابنى هذا
يقتل بارض من ارض العراق يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك
فلينصره)((53))، وقال النبى(ص): (اخبرنى جبريل ان ابنى
الحسين يقتل بعدى بارض الطف، وجاءنى بهذه التربه واخبرنى
ان فيها مضجعه) ((54)).
والخلاصه، ان اللّه يختبر الناس بالناس، وبهذا الاختبار يظهر
اهل الريب من اهل الايمان، قال تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض
فتنه) «الفرقان: 20»، وقال سبحانه: (وكذلك فتنا بعضهم
ببعض ليقولوا اهولاء من اللّه عليهم من بيننا اليس اللّه باعلم
بالشاكرين) «الانعام: 53»، وقال تعالى: (وهو الذى جعلكم
خلائف فى الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فى
ما آتاكم) «الانعام: 165»، والدعوه الخاتمه بينت الدرجات. وامر
-تعالى- بموده قربى النبى، حيث قال: (قل لا اسالكم عليه اجرا
الا الموده فى القربى) «الشورى: 23»، وبينت الدعوه ان الذين لا
يصلون ما امر اللّه به ان يوصل، والذين لم ياخذوا بما امرهم
-تعالى- به من طاعه، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه من نهى،
فهولاء خاسرون فى الدنيا والاخره، قال تعالى: (الذين ينقضون
عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما امر اللّه به ان يوصل
ويفسدون فى الارض اولئك هم الخاسرون) «البقره: 27»، وقال
جل شانه: (فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا فى الارض
وتقطعوا ارحامكم× اولئك الذين لعنهم اللّه فاصمهم واعمى
ابصارهم) «محمد: 22-23».
وبينت الدعوه الال-هيه الخاتمه ان عدم موده الذين امر اللّه
بمودتهم، يفتح الطريق امام موده اعداء الفطره، وقد امروا بعدم
مودتهم، قال تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى
وعدوكم اولياء تلقون اليهم بالموده وقد كفروا بما جاءكم من
الحق) «الممتحنه: 1»، فالايه تنهى عن موده المشركين
والكفار، وتنهى ان يتخذوا اولياء واصدقاء واخلاء، قال تعالى
حاكيا عن ابراهيم قوله لقومه: (وقال انما اتخذتم من دون اللّه
اوثانا موده بينكم فى الحياه الدنيا ثم يوم القيامه يكفر بعضكم
ببعض ويلعن بعضكم بعضا) «العنكبوت: 25»، قال المفسرون:
وبخهم على سوء صنيعهم فى عباده الاوثان، وقال: انما اتخذتم
هذه ليجتمعوا على عبادتها صداقه والفه منكم، بعضكم لبعض
فى الحياه الدنيا، ثم يوم القيامه ينعكس هذا الحال، فتصبح
هذه الصداقه والموده بغضا وشنانا، وتتجاحدون ما كان بينكم،
ويلعن الاتباع المتبوعين، والمتبوعون الاتباع.
فالطريق يبدا بامر اللّه ونهيه، وعلى امتداد الطريق يمتحن اللّه
الناس ببعضهم، فمن سلك فى ما امر اللّه به نجا، ومن لم ياخذ
بوصايا اللّه ضل، واللّه-تعالى- امر بصله الارحام، وذروه الارحام
عتره النبى الخاتم(ص)، قال(ص): (ان اللّه - تعالى- جعل ذريه
كل نبى فى صلبه، وان اللّه- تعالى- جعل ذريتى فى صلب على
بن ابى طالب)((55))، وقال: (ان لكل بنى اب عصبه ينتمون
اليها الا ولد فاطمه فانا وليهم وانا عصبتهم)((56))، وقال:
(نحن خير من ابنائنا، وبنونا خير من ابنائهم، وابناء بنينا خير
من ابناء ابنائهم)((57))، وهكذا فكما ان للعلم درجات،
فللارحام درجات، وميزان هذه الدرجات هو التقوى والعلم
باللّه، فمن التف حول الذين امر اللّه بمودتهم شرب من الماء،
ومن ابى فتحت عليه موده اخرى يتهوك فيها تهوك اليهود فى
الظلم، ويوم القيامه يعض على يديه، قال تعالى: (ويوم يعض
الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا× يا
ويلتى ليتنى لم اتخذ فلانا خليلا× لقد اضلنى عن الذكر بعد اذ
جاءنى وكان الشيطان للانسان خذولا× وقال الرسول يا رب ان
قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا) «الفرقان: 27-30».
وعلى امتداد المسيره الاسلاميه، قامت طائفه الحق بالدفاع
عن الفطره، ولم يضرها من عاداها او من خذلها، وفى عهد
الامام على، خرج عليه اصحاب الاهواء، فقاتلهم الامام على
تاويل القرآن، وعنه انه قال: (امرنى رسول اللّه(ص) بقتال
الناكثين والقاسطين والمارقين)((58))، فالناكثون: اهل
الجمل، والقاسطون: اهل الشام، والمارقون: الخوارج، وانطلقت
مسيره الامام -رضى اللّه عنه- باعلام الحميه، وروى ان
النبى(ص) قال له: (انت اخى وابو ولدى، تقاتل فى سنتى
وتبرى ذمتى، من مات فى عهدى فهو كنز اللّه، ومن مات فى
عهدك فقد قضى نحبه، ومن مات يحبك بعد موتك ختم اللّه
له بالامن والايمان، ما طلعت شمس او غربت، ومن مات
يبغضك مات ميته جاهليه، وحوسب بما عمل فى
الاسلام)((59))، وقال(ص): (من خرج من الطاعه وفارق
الجماعه فمات، فميتته جاهليه، ومن قاتل تحت رايه عميه،
يغضب لعصبته ويقاتل لعصبته وينصر عصبته، فقتل، فقتلته
جاهليه، ومن خرج على امتى يضرب برها وفاجرها، لا يتحاشى
لمومنها ولا يفى الذى عهدها، فليس منى ولست منه)((60)).
وعلى هذا الضوء، انطلقت الامه الخاتمه تحت سقف الامتحان
والابتلاء، واللّه-تعالى- ينظر الى عباده كيف يعملون لاستحقاق
الثواب والعقاب يوم القيامه.
الفصل الثانى:اضواء على المسيره
وكان الذين فى قلوبهم مرض يختزنون فى ذاكرتهم بعض ما
اخبر به النبى(ص) فى ما يستقبل الناس، ومنه تفسيره لقوله
تعالى: (وجاهدوا فى اللّه حق جهاده) «الحج: 78»، وقوله: (فاما
نذهبن بك فانا منهم منتقمون) «الزخرف: 41»، وقوله تعالى:
(الم تر الى الذين بدلوا نعمه اللّه كفرا) «ابراهيم: 28»، وقول
النبى القرشى: (يا معشر قريش، ليبعثن اللّه عليكم رجلا منكم
امتحن اللّه قلبه للايمان، فيضرب رقابكم على الدين، فقال ابو
بكر: انا هو يا رسول اللّه؟ قال: لا، قال عمر: انا هو يا رسول اللّه؟
قال: لا، ولكنه خاصف النعل، وقد كان القى نعله الى على بن
ابى طالب يخصفها)((61)).
وكان فى الساحه افراد وقبائل ذمهم اللّه-تعالى- او لعنهم على
لسان رسوله(ص) وهو يخبر بالغيب عن ربه لعلم اللّه بما فى
قلوبهم، ومنه امره(ص) بجهاد مخزوم وعبد شمس((62))،
وقوله: (ان اشد قومنا لنا بغضا بنو اميه وبنو المغيره وبنو
مخزوم)((63))، وفى روايه: (بنو اميه وثقيف وبنو
حنيفه)((64))، ولعنه للحكم بن ابى العاص((65))، ولعنه لابى
الاعور السلمى((66))، ولعنه لاحياء: لحيان ورعلا وذكوان
وعصيه((67))، وكان فى الساحه مجموعه تخريبيه من اثنى
عشر رجلا، حاولوا قتل النبى(ص) عند عودته من تبوك، آخر
غزواته، واسر النبى(ص) باسمائهم الى حذيفه، وكان حذيفه
وعمار بن ياسر معه(ص) عند محاوله هذه المجموعه اغتياله،
وروى ان حذيفه قال: يا رسول اللّه، الا تبعث الى كل رجل منهم
فتقتله، فقال: (اكره ان يتحدث الناس ان محمدا يقتل
اصحابه)، وقال النبى(ص) لحذيفه: (فان هولاء فلانا وفلانا
(حتى عدهم) منافقون لا تخبرن احدا)((68))، وعدم افشاء
النبى(ص) باسمائهم يستنتج منه ان هذه المجموعه لم تكن
من رعاع القوم، وانما من اشد الناس فتكا، وقتلهم يودى الى
طرح ثقافه يتناقلها الناس بان محمدا فى آخر ايامه بدا يقتل
اصحابه، ويستنتج منه ايضا ان اللّه-تعالى- شاء ان تنطلق
المسيره تحت مظله الامتحان والابتلاء، بعد ان تبينت طريق
الحق وطريق الباطل، واخفاء اسماء المجموعه التخريبيه هو فى
حقيقته دعوه للالتفاف حول الذين بينهم واظهرهم رسول اللّه
للناس. وروى الامام مسلم عن حذيفه انه قال: (اشهد اللّه ان
اثنى عشر منهم حرب للّه ولرسوله فى الحياه الدنيا ويوم يقوم
الاشهاد)((69))، وروى عن عمار بن ياسر انه قال: (قال رسول
اللّه(ص): ان فى امتى اثنى عشر منافقا لا يدخلون الجنه ولا
يجدون ريحها حتى يلج الجمل فى سم الخياط)((70))، وكان
عمار بن ياسر علامه مميزه فى المسيره لانه كان يحمل قول
النبى(ص) فيه: (ويح عمار تقتله الفئه الباغيه، يدعوهم الى
الجنه ويدعونه الى النار)((71)).
فالساحه بعد وفاه النبى(ص) كان فيها جميع التيارات، وكان
فيها مجموعه حرب للّه ولرسوله فى الحياه الدنيا، ويبدو من
قراءه الاحداث انه كان فى الساحه مجموعه من اصحابه اخذت
فى اعتبارها ان ولايه على بن ابى طالب قد تودى الى احداث
اعتقدوا انها يمكن ان تعصف بالدعوه، فاختاروا حلا وسطا، يبعد
به على بن ابى طالب عن مركز الصداره، وتظل به الدعوه
قائمه، ويشهد بذلك قول ابى بكر -رضى اللّه عنه- لرافع بن ابى
رافع حين عاتبه على توليه الخلافه: (ان رسول اللّه(ص) قبض
والناس حديثو عهد بكفر، فخفت ان يرتدوا وان يختلفوا فدخلت
فيها وانا كاره)((72))، وفى روايه قال: (تخوفت ان تكون فتنه
يكون بعدها رده)((73))، ويشهد به -ايضا- قول عمر بن
الخطاب اثناء خلافته: (ان بيعه ابى بكر كانت فلته)((74))، قال
فى لسان العرب: (يقال: كان ذلك الامر فلته، اى فجاه، اذا لم
يكن عن تدبر ولا ترو، والفلته: الامر يقع من غير احكام، وفى
حديث عمر اراد فجاه وكانت كذلك، لانها لم ينتظر بها العوام،
وقال ابن الاثير فى حديث عمر: والفلته كل شىء فعل من غير
رويه، وانما بودر بها خوف انتشار الامر)((75)).
ويشهد به قول عمر لابن عباس: (يا ابن عباس، ما منع قومكم
منكم؟ قال: لا ادرى، قال: لكنى ادرى، يكرهون ولايتكم لهم،
يكرهون ان تجتمع فيكم النبوه والخلافه)((76))، وزاد فى
روايه: (فاختارت قريش لنفسها فاصابت ووفقت)((77)).
وروى ان عمر بن الخطاب -عندما اختلف بعض الانصار مع
بعض المهاجرين فى سقيفه بنى ساعده، على من الذى يتولى
الخلافه ومن يتولى الوزاره- امر بقتل مرشح الانصار سعد بن
عباده، وذلك حينما اشتد الخلاف وتشابكوا بالايدى، روى
الطبرى: (قال ناس من اصحاب سعد: اتقوا سعدا الا تطاوه،
فقال عمر: اقتلوه اقتلوه، ثم قام على راسه فقال: لقد هممت ان
اطاك حتى تندر عضوك)((78))، وروى البخارى: (قال قائل:
قتلتم سعد بن عباده، فقال عمر: قتله اللّه)((79))، وكتبت
النجاه لسعد، وروى انه قال بعد بيعه ابى بكر: (لو ان الجن
اجتمعت لكم مع الانس ما بايعتكم حتى اعرض على
ربى)((80))، ولم يبايع سعد حتى خرج فى خلافه عمر بن
الخطاب الى الشام، وقتل فى الطريق، وروى ان الجن هم الذين
قتلوه!
ونظرا لاتساع الهوه فى روايه الحديث بعد ابعاد اهل البيت عن
مكانتهم فى الذروه، اختلف الناس فى الفتوى، حتى قال الامام
على: (ترد على احدهم القضيه فى حكم من الاحكام، فيحكم
فيها برايه، ثم ترد القضيه بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف
قوله، ثم يجتمع القضاه بذلك عند الامام الذى استقضاهم
فيصوب آراءهم جميعا، وال-ههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم
واحد، افامرهم اللّه-تعالى- بالاختلاف فاطاعوه؟ ام نهاهم عنه
فعصوه؟ ام انزل سبحانه دينا تاما فقصر الرسول عن تبليغه
وادائه؟ واللّه تعالى يقول: (ما فرطنا فى الكتاب من شىء)
«الانعام: 38»، وفيه تبيان كل شىء. وذكر ان الكتاب يصدق
بعضه بعضا، وانه لا اختلاف فيه: (ولو كان من عند غير اللّه
لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) «النساء: 82». ان القرآن ظاهره انيق
وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضى غرائبه، ولا تكشف
الظلمات الا به)((82)).
ويشهد بعدم معرفه جميع الصحابه بما روى عن رسول
اللّه(ص)، واختلافهم فى الفتوى، ما رواه البخارى عن ابى
هريره انه قال: (ان اخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق
بالاسواق، وان اخواننا من الانصار كان يشغلهم العمل فى
اموالهم، وان ابا هريره كان يلزم رسول اللّه(ص)، يشبع بطنا،
ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون)((83))، وروى
البخارى ان عمر بن الخطاب لم يكن يعلم حكم الاستئذان،
وذلك عندما استاذنه ابو موسى، وعندما لم يوذن له رجع، فقال
له عمر: ما منعك؟ قال: استاذنت ثلاثا فلم يوذن لى فرجعت،
وقال النبى(ص): اذا استاذن احدكم ثلاثا فلم يوذن له فليرجع،
فقال عمر: واللّه لتقيمن عليه بينه، فانطلق ابو موسى الى
مجلس من الانصار، وقال: امنكم احد سمعه من رسول
اللّه(ص)؟ فقال ابى بن كعب: لا يقوم معك الا اصغر القوم -وفى
روايه: لا يشهد الا اصاغرنا((84))-، قال ابو سعيد الخدرى:
(وكنت اصغر القوم، فقمت معه، فاخبرت عمر ان النبى(ص)
قال ذلك)((85))، وفى روايه: (قال عمر: خفى على هذا من
امر رسول اللّه(ص)، الهانى الصفق بالاسواق)((86)).
ويشهد بانهم لم يكونوا على علم بجميع ما روى عن رسول اللّه،
ما روى فى حديث صحيح، عن سالم بن عبداللّه عن ابيه: (ان ابا
بكر وعمر وناسا، جلسوا بعد وفاه النبى(ص)، فذكروا اعظم
الكبائر، فلم يكن عندهم فيها علم، فارسلونى الى عبداللّه بن
عمرو اساله، فاخبرنى ان اعظم الكبائر شرب الخمر، فاتيتهم
فاخبرتهم فانكروا ذلك، ووثبوا اليه شيعا حتى اتوه فى داره،
فاخبرهم بحديث رسول اللّه...)((87)).
|