ويشهد باختلافهم فى الفتوى، ان عمر بن الخطاب لم يكن
يعلم حكم ديه الاصابع، فكان يقضى بتفاوت ديتها على حسب
اختلاف منافعها، حتى وجد كتابا عند آل عمرو بن حزم، يذكر
فيه سنه النبى(ص) فى ذلك((88))، ولم يعلم عمر حكم
الجنين اذا اسقط قبل ولادته، حتى جاء المغيره بقضاء رسول
اللّه(ص) فى ذلك((89))، واختلفوا فى ميراث
الجده((90)).وبالجمله، اجتهد الصحابه تحت سقف الامتحان
والابتلاء، وكان الاجتهاد قابلا للخطا وللصواب، فعن موسى بن
ابراهيم قال: (ان ابا بكر حين استخلف، قعد فى بيته حزينا،
فدخل عليه عمر بن الخطاب، فاقبل ابو بكر عليه يلومه، وقال:
انت كلفتنى هذا الامر، وشكا اليه الحكم بين الناس، فقال عمر:
او ما علمت ان رسول اللّه(ص) قال: (ان الوالى اذا اجتهد
فاصاب الحق فله اجران، وان اجتهد فاخطا فله اجر واحد).
فكانه سهل على ابى بكر)((91)).
ثالثا: المقدمات العمريه والنتائج الامويه
والنبى(ص) امر بكتابه العلم، وقال: (قيدوا العلم
بالكتاب)((93))، وعن رافع قال: (خرج علينا رسول اللّه(ص)
فقال: تحدثوا، وليتبوا من كذب على مقعده من النار، قلت: يا
رسول اللّه، انا لنسمع منك اشياء فنكتبها؟ قال: اكتبوا ولا
حرج)((94))، وعن ابى هريره قال: (ليس احد من اصحاب
النبى(ص) اكثر منى حديثا عن رسول اللّه الا ابن عمرو، فانه
كان يكتب ولا اكتب)((95)).
وروى ان النبى(ص) قال: (الا انى اوتيت الكتاب ومثله
معه)((96))، وكان يقول: (نضر اللّه امرا سمع منا حديثا فحفظه
حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه الى من هو افقه منه، ورب
حامل فقه ليس بفقيه)((97))، وقال: (تسمعون ويسمع منكم
ويسمع ممن سمع منكم)((98)).
ولقد وقف البعض من قريش فى طريق الروايه والكتابه، ومن
المحفوظ ان اللّه-تعالى- لعن على لسان رسوله(ص) بعض
الافراد والقبائل، وان الرسول ذكر اسماء رووس الفتن وهو يخبر
بالغيب عن ربه، حتى ان حذيفه قال: (واللّه ما ترك رسول
اللّه(ص) من قائد فتنه الى ان تنقضى الدنيا بلغ معه ثلاثمائه
فصاعدا، الا قد سماه لنا باسمه واسم ابيه واسم قبيلته)((99))،
ويشهد بصد قريش عن الروايه، ما روى عن عبداللّه بن عمرو
قال: (قلت: يا رسول اللّه، اقيد العلم؟ قال: نعم، قلت: وما
تقييده؟ قال: الكتابه)((100))، وروى عنه انه قال: (كنت اكتب
كل شىء اسمعه من رسول اللّه(ص) اريد حفظه، فنهتنى
قريش، فقالوا: انك تكتب كل شىء تسمعه من رسول اللّه(ص)،
ورسول اللّه بشر يتكلم فى الغضب والرضا، فامسكت عن الكتابه،
فذكرت ذلك لرسول اللّه(ص)، فقال: اكتب، والذى نفسى بيده
ما يخرج منى الا حق -واشار الى فيه)((101))، وما حدث مع
عبداللّه، حدث مع ابن شعيب، فعن عمر بن شعيب عن ابيه عن
جده قال: (قلت: يا رسول اللّه، اكتب كل ما اسمع منك؟ قال:
نعم، قلت: فى الرضا والغضب؟ قال: نعم، فانى لا اقول فى ذلك
كله الا حقا)((102)).
وبينما كان النبى(ص) يحث على الروايه والكتابه على امتداد
عهد البعثه، كان يخبر بالغيب عن ربه بانه يوشك ان يكذبه
احدهم، وان الروايه سيتم تعطيلها الى ان يشاء اللّه، فعن معد
يكرب قال: (قال رسول اللّه(ص): يوشك احدكم ان يكذبنى
وهو متكى على اريكته، يحدث بحديث من حديثى فيقول: بيننا
وبينكم كتاب اللّه، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما
وجدنا فيه من حرام حرمناه، الا وان ما حرم رسول اللّه مثل ما
حرم اللّه)((103)). وقال(ص) لاصحابه: (لالفين احدهم متكئا
على اريكته، ياتيه الامر من امرى بما امرت به او نهيت عنه،
فيقول: لا ادرى ما وجدناه فى كتاب اللّه اتبعناه)((104))،
وقوله: يوشك، اشاره الى ان الامر قريب، وقوله: متكى على
اريكته، المتكى: كل من استوى قاعدا على وطاء متمكنا.
ا- اجتهادات الصحابه فى روايه الحديث وتدوينه
بيننا وبينكم كتاب اللّه، فاستحلوا حلاله وحرموا
حرامه)((106)).
وروى ان عمر بن الخطاب قال فى خلافته: (انى كنت اريد ان
اكتب السنن، وانى ذكرت قوما كانوا قبلكم، كتبوا كتبا فاكبوا
عليها وتركوا كتاب اللّه، وانى -واللّه- لا اشوب كتاب اللّه بشىء
ابدا)((107))، وروى عن مالك ان عمر قال: (لا كتاب مع كتاب
اللّه)((108))، وعن يحيى بن جعده قال: (اراد عمر ان يكتب
السنه ثم بدا له ان لا يكتبها، ثم كتب فى الامصار: من كان
عنده شىء من ذلك فليمحه)((109))، وعن القاسم بن محمد
ان عمر قال: (لا يبقى احد عنده كتاب الا اتانى به فارى فيه
رايى، فظن الناس انه يريد ان ينظر فيها ويقومها على امر لا
يكون فيه اختلاف، فاتوه بكتبهم، فاحرقها بالنار)((110)).
وعن سعد بن ابراهيم عن ابيه ان (عمر بن الخطاب قال لابن
مسعود ولابى ذر ولابى الدرداء: ما هذا الحديث عن رسول
اللّه(ص)؟ واحسبه حبسهم بالمدينه حتى اصيب)((111))،
وعن السائب بن يزيد قال: (سمعت عمر بن الخطاب يقول لابى
هريره: لتتركن الحديث عن رسول اللّه(ص)، او لالحقنك بارض
دوس)((112))، وعن الزهرى عن ابى سلمه قال: (سمعت ابا
هريره يقول: ما كنا نستطيع ان نقول: قال رسول اللّه(ص)،
حتى قبض عمر بن الخطاب)((113)).
وبعد عمر بن الخطاب بدا بعض الصحابه يروون بعض ما
عندهم، فاخذ عثمان بن عفان بسنه عمر فى عدم الروايه، فعن
محمود بن لبيب قال: (سمعت عثمان بن عفان يقول: لا يحل
لاحد يروى حديثا لم يسمع فى عهد ابى بكر ولا عهد
عمر)((114))، ثم اخذ معاويه بن ابى سفيان بهذه السنه، فقال:
(ايها الناس، اقلوا الروايه عن رسول اللّه(ص)، وان كنتم
تتحدثون فتحدثوا بما كان يتحدث به فى عهد عمر)((115)).
وعندما جاء عهد الامام على بن ابى طالب، لم يكن السواد
الاعظم من الامه يعرفون عنه الا القليل، وذلك لان عهده جاء
بعد وفاه النبى(ص) بربع قرن تقريبا، عمم فيها عدم الروايه
على منزلته ومناقبه، وفى عهده بدا الصحابه يروون الاحاديث
عن رسول اللّه(ص)، وكان على يقول: (خرج علينا رسول
اللّه(ص) فقال: اللهم ارحم خلفائى، اللهم ارحم خلفائى، اللهم
ارحم خلفائى، قالوا: يا رسول اللّه، ومن خلفاوك؟ قال: الذين
ياتون من بعدى ويروون احاديثى ويعلمونها للناس)((116))،
وعن الحسن بن على قال: (قال رسول اللّه(ص): رحمه اللّه على
خلفائى، قالوا: ومن خلفاوك يا رسول اللّه؟ قال: الذين يحبون
سنتى ويعلمونها للناس)((117))، وعن سعيد بن المسيب قال:
(ما كان احد من الناس يقول: سلونى، غير على بن ابى
طالب)((118))، وكان على يحض الناس على السوال، ويقول:
(الا رجل يسال فينتفع، وينتفع جلساوه)((119))، وكان يقول:
(تزاوروا وتدارسوا الحديث، ولا تتركوه يدرس (اى: تعهدوه لئلا
تنسوه))((120))، وقال: (تعلموا العلم، فاذا علمتموه فاكظموا
عليه ولا تخالطوه بضحك وباطل فتمحه القلوب)((121)).
وبالجمله، بينت الدعوه الال-هيه الخاتمه، ان الحديث عن
النبى الخاتم(ص)، لا غنى للمسيره عنه، لانه مكمل للتشريع
ومبين لمجملات القرآن، ومخصص لعموماته ومطلقاته، كما
ان الحديث تكفل بكثير من النواحى الاخلاقيه والاجتماعيه
والتربويه، واخبر فيه النبى(ص) بالغيب عن ربه جل وعلا،
فبين للناس ما يستقبلهم من احداث لياخذوا باسباب النجاه
من مضلات الفتن، وبعد رحيل النبى الخاتم(ص) اجتهد بعض
الصحابه فى امر الروايه والتدوين، ولقد تواترت الاخبار فى منع
عمر بن الخطاب الصحابه، وهم الثقات العدول، وردعهم عن
روايه العلم وتدوينه، وفى هذا يقول ابن كثير: (هذا معروف عن
عمر)((122))، ثم سار على سنه عمر خلفاء وملوك بنى اميه،
ولم ترو الاحاديث الجامعه للعلم والمبينه للناس ما يستقبلهم
من احداث، الا فى عهد الامام على بن ابى طالب((123)).
ب- من آثار عدم الروايه والتدوين
1) اضواء على القص
واستلم بنو اميه اعلام القص بعد ذلك، روى ان عبد الملك بن
مروان قال: (انا جمعنا الناس على امرين: رفع الايدى على
المنابر يوم الجمعه، والقصص بعد الصبح والعصر)((127))،
ولبس القص الزى الدينى فى عهد بنى اميه، وذلك ان
النبى(ص) كان يبدا بالصلاه فى العيدين ثم يخطب بعد ذلك،
ففعل بنو اميه العكس، وبداوا بالخطبه لينشروا بذلك مذهبهم
السياسى بين الناس، روى الامام مسلم عن ابى سعيد الخدرى
ان رسول اللّه(ص) كان يخرج يوم الاضحى ويوم الفطر، فيبدا
بالصلاه، فاذا صلى صلاته وسلم، قام فاقبل على الناس وهم
جلوس فى مصلاهم، فان كان له حاجه ببعث ذكره للناس، او
كانت له حاجه بغير ذلك امرهم بها((128)).
اما التغيير ففى ما رواه مسلم عن ابى سعيد الخدرى: (ان
مروان خطب قبل الصلاه، فقال له ابو سعيد: غيرتم واللّه، قال
مروان: يا ابا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقال: ما اعلم -واللّه- خير
مما لا اعلم، قال مروان: ان الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد
الصلاه، فجعلتها قبل الصلاه)، وقد اختلف فى اول من سن هذه
السنه، قال فى تحفه الاحوازى: (اختلف فى اول من غير ذلك،
فروايه الامام مسلم صريحه فى ان مروان اول من بدا الخطبه
قبل الصلاه، وقيل: سبقه الى ذلك عثمان بن عفان، روى ابن
المنذر باسناد صحيح الى الحسن البصرى، قال: اول من خطب
قبل الصلاه عثمان، وروى ان مروان فعل ذلك تبعا لمعاويه،
ومعاويه عندما قدم المدينه قدم الخطبه) ((129)).
وكان الامام على يتصدى للقصاصين وينهاهم عن القص، فعن
ابى البحترى قال: (دخل على بن ابى طالب المسجد، فاذا رجل
يخوف، فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس، فقال: ليس
برجل يذكر الناس، ولكنه يقول: انا فلان بن فلان، اعرفونى،
فارسل اليه فقال: اتعرف الناسخ من المنسوخ، قال: لا، فقال:
اخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه)((130)).
وبالجمله، قال فى الفتح الربانى: القص: هو اخبار الناس بقصص
الماضين، وعمل ذلك مذموم شرعا، لانه يصرف الناس عن
الاشتغال بالعلوم الدينيه، ولم يعهد ذلك فى عصر النبى(ص)،
وقال ابن حبان: (قال ابو حاتم: كان القصاصون يضعون الحديث
فى قصصهم، وكانوا اذا دخلوا بمساجد الجماعات ومحافل
القبائل من العوام والرعاع اكثر جساره على وضع
الحديث)((131))، كما وضعوا احاديث تنافى عصمه الانبياء،
فجعلتهم يخطئون، ونسبوا الى النبى(ص) انه كان يسب ويلعن
ويجلد بغير سبب، ونسبوا اليه انه كان يسهو فى الصلاه، وانه
كان ينسى آيات القرآن الكريم، وارادوا من وراء تجريد النبى من
العصمه ان يبرروا اخطاء الامراء الذين جلدوا الشعوب وضيعوا
الصلاه، وان يعطوا للذين لعنهم اللّه على لسان رسوله(ص)
جواز المرور لتولى المراكز القياديه.
ووضع القصاصون احاديث تحمل بصمه اهل الكتاب، والصق
بالتفسير روايات وقصص لا يتصورها عقل، ولا يجوز ان يفسر
بها كتاب اللّه، ووضعوا فى هذه الاحاديث ان اللّه يشغل حيزا من
المكان، ويضحك، وينتقل من مكان الى آخر، وانه يتالف من
اعضاء، وهو عباره عن هيكل مادى، وعين ويد واصابع وساق
وقدم.
وبالجمله، كان القص وراء تغييب العقل ووطئه
ويشهد بذلك ان عليا عندما تولى الخلافه لم يكن السواد
الاعظم يعلم عن منزلته ومناقبه شيئا، حتى انشد باللّه كل
امرى مسلم سمع النبى(ص) يقول: (من كنت مولاه فعلى
مولاه)، ان يقوم، وكان قد جمعهم فى الرحبه، ولم يعرف العوام
مناقبه الا من خلال ما رواه الصحابه بعد ذلك، وكان العديد من
الصحابه يتحدثون فى مجالسهم الخاصه عن مناقبه، ولكن هذا
الحديث لم يكن يخرج الى الساحات العامه، وفى مقابل هذا
التعتيم، كان لعدم الروايه الاثر الكبير فى ظهور الذين حذر
منهم النبى(ص) وهو يخبر بالغيب عن ربه، ويشهد بذلك ما
روى عن حذيفه انه قال: (واللّه ما ادرى انسى اصحابى ام
تناسوا، واللّه ما ترك رسول اللّه(ص) من قائد فتنه الى ان
تنقضى الدنيا بلغ من معه ثلاثمائه فصاعدا، الا وقد سماه لنا
باسمه واسم ابيه واسم قبيلته)((133))، ومعنى (ام تناسوا) اى
اظهروا النسيان لمصلحه، ومعنى (باسمه واسم ابيه)، يعنى
وصفا واضحا مفصلا لا مبهما، مجملا، فالاستقصاء متصل.
وروى عن حذيفه انه قال: (ان المنافقين اليوم شر منهم على
عهد النبى(ص)، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون)((134))،
وقال: (انما كان النفاق على عهد النبى(ص)، فاما اليوم فانما هو
الكفر بعد الايمان)((135))، وحذيفه مات بعد مقتل عثمان
باقل من شهر، وكان مريضا، وعندما علم بان الناس بايعوا على
بن ابى طالب، بايع وهو على فراش المرض، وحث الناس على
الالتفاف حول على بن ابى طالب وعمار بن ياسر، وامر ولديه
بالقتال مع على، فقاتلا تحت اعلام الامام على، حتى
قتلا((136)).
وبعد ظهور النفاق فى ظل سياسه اللاروايه، خاف الصحابه فلم
يحدثوا بالاحاديث الكاشفه، ويشهد بذلك، ما رواه البخارى عن
ابى هريره قال: (حفظت من رسول اللّه(ص) وعاءين، فاما
احدهما فبثثته، واما الاخر فلو بثثته قطع هذا
البلعوم)((371))، وعنه انه قال: (قال رسول اللّه(ص): (هلاك
امتى على يدى غلمه من قريش)، ان شئت ان اسميهم بنى
فلان وبنى فلان)((138))، وعنه انه قال: (انى لاحدث احاديث،
لو تكلمت بها فى زمان عمر، او عند عمر، لشج راسى)((139)).
ويشهد به ايضا، ما روى عن بجاله، قال: (قلت لعمران بن
حصين: حدثنى عن ابغض الناس الى رسول اللّه(ص)، فقال:
تكتم على حتى اموت؟ قلت: نعم، قال: بنو اميه وثقيف وبنو
حنيفه)((140)). ومن الثابت والمعروف ان بنى اميه شقوا
طريقهم نحو السلطه بعد وفاه النبى(ص)، فامر ابو بكر -رضى
اللّه عنه- يزيد بن ابى سفيان على الشام((141))، وبعد وفاه
يزيد، قام عمر بتامير معاويه((142))، وروى ان عمر كان يقول
للناس: (اتذكرون كسرى وعندكم معاويه؟!)((143))، وقال
لهم عندما ذكروا معاويه: (دعوا فتى قريش وابن سيدها، انه
لمن يضحك فى الغضب، ولا ينال منه الا على الرضا)((144)).
واحاديث النبى(ص) التى يحذر فيها من بنى اميه، احاديث
كثيره، منها: ما روى عن ابى ذر انه قال: قال رسول اللّه(ص):
(اذا بلغ بنو اميه اربعين رجلا، اتخذوا مال اللّه دولا، وعباد اللّه
خولا، ودين اللّه دغلا)((145))، ومعنى (مال اللّه دولا)، اى:
يكون لقوم دون قوم، (وعباد اللّه خولا)، اى: خدما وعبيدا،
(ودين اللّه دغلا)، اى: يدخلون فى الدين امورا لم ترد بها السنه.
والحديث روى عن ابى سعيد الخدرى، وابن عباس، وابى ذر،
ورواه الامام احمد، والحاكم، وابو يعلى، والطبرانى، والبيهقى،
وروى بلفظ: (اذا بلغ بنو ابى العاص)، وبلفظ: (اذا بلغ بنو
فلان)، وقال الحاكم بعد روايته للحديث: (ليعلم طالب العلم
ان هذا باب لم اذكر فيه ثلث ما روى، وان اول الفتن فى هذه
الامه فتنتهم، ولم يسعنى فيما بينى وبين اللّه -تعالى- ان اخلى
الكتاب من ذكرهم) ((146)).
والخلاصه، انه كان لسياسه اللاروايه واللاتدوين آثار جانبيه،
منها: اكتفاء الناس بتلاوه القرآن دون الوقوف على معانيه
واهدافه، وادى ذلك الى ظهور الذين يقراون القرآن لا يجاوز
تراقيهم، وفى عهد الامام على ظهرت حقيقتهم امام الناس،
وحاربهم الامام فى موقعه النهراوين، وما زالت بقيتهم فى
اصلاب الرجال وارحام النساء، لان منهجهم وثقافتهم لن تموت
حتى يخرج الدجال، ومنها: ظهور الذين لعنهم اللّه على لسان
نبيه بعد ان ضاع التحذير منهم فى عالم اللاروايه، ومنها
التعتيم على الهداه، واقتصر ذكرهم فى المجالس الخاصه،
ومنها: ظهور القص وعلى مائدته صنعت مناقب وتواريخ لقوافل
لا تحمل من العلم الا قشوره، وعلى القص ظهرت ثقافات
التحمت مع ثقافه اهل الكتاب، وتشهد بذلك عقيده الجبريه،
يقول الشيخ محمد ابو زهره: (اول من دعا الى هذه النحله من
المسلمين الجعد بن درهم، وقد تلقى ذلك عن يهودى بالشام،
لان اليهود اول من فعل ذلك وعلموه بعض المسلمين، وهولاء
اخذوا ينشرونه)((147))، ولقد استغل بنو اميه هذه العقيده فى
اخضاع المسلمين، بحجه ان قيادتهم مفروضه عليهم بقضاء اللّه
وقدره، وان اى تمرد عليهم هو تمرد على قضاء اللّه، ولقد قامت
هذه العقيده على احاديث وضعها القصاص، كان الهدف من
ورائها تزييف النشاط الانسانى منذ بدء الخلق الى قيام الساعه،
وتحت اعلام عقيده الجبر انطلقت جحافل بنى اميه الى ديار
المسلمين، بعد ان مهد القص والاحاديث الموضوعه طريقهم
نحو اتخاذ دين اللّه دغلا، ليتخذوا مال اللّه دولا، وعباد اللّه خولا،
وقتلوا الذين يامرون بالقسط من الناس، من امثال: حجر بن
عدى، والحسين بن على، وغيرهما.
ولم تكن عقيده المرجئه بعيده عن نسيج القصاص، لان
الاحاديث الموضوعه هى التى غذتها، وعلى ذروه عقيده
المرجئه يجلس يوحنا الدمشقى، وهو آخر كبار علماء النصرانيه
على مذهب الكنيسه الاغريقيه، وكان ابوه صاحب عبد الملك
بن مروان، وصنف يوحنا كتابا فى فضائل النصرانيه على منهج
محادثه بين مسلم ونصرانى((148))، وقال الشيخ ابو زهره:
(كان يوحنا يبث بين علماء النصارى فى البلاد الاسلاميه طرق
المناظرات التى تشكك المسلمين فى دينهم، وظهرت آراء
يوحنا بالشام)، بعد ان وجدت لها حصنا صنعه القص والاحاديث
الموضوعه، ومن خلال هذا الالتقاء تطرق البحث حول مرتكب
الكبيره، هل هو مومن ام غير مومن؟ وهل يضر مع الايمان
ذنب؟ وعلى مائده البحث خرجت العقيده التى تعتذر عن بنى
اميه فى ما ارتكبوه من جرائم، بمعنى: لقد ضربوا بعقيده
الجبريه، واعتذروا بعقيده المرجئه، التى تقول بانه لا ينبغى
المفاضله بين المسلمين، ولا الحكم على احد بتقوى وغير
تقوى، فالمسلم يكفى ان يكون مسلما، وبهذه العقيده تم
الافتراء على اللّه ورسوله بتغيير الاحكام الشرعيه، واظهار البدع
والباطل، وقولهم: ان الامه مرحومه، واللّه رفع العذاب عنها،
وانهم فى امن من عذاب اللّه وان انهمكوا فى كل اثم وخطيئه،
وهتكوا كل حجاب، والامه مغفور لها، محسنهم
ىىىىومسيئهم، وان لهم الكرامه فى الدنيا، ولهم ان يفعلوا
ما شاءوا بعد ان استظلوا بمظله حجاب الامن، ولهم فى الاخره
مغفره توجب فتح ابواب الجنه امامهم، وبعقيده المرجئه اشتد
الساعد بعد ان ارتدى قفازا من حرير فى الوقت الذى يحتفظ
فيه بقبضته الحديديه، وملئت الارض ظلما وجورا.
2- مخالفه السنه النبويه فى قسمه الاموال
ولان المجتمع فى نظر الشريعه ذو شخصيه واحده، له كل
المال الذى اقام به صلبه وجعله له معاشا، فان الشريعه الزمت
المجتمع بان يدير المال ويصلحه ويعرضه معرض النماء،
ويرتزق به ارتزاقا معتدلا مقتصدا، ويحفظه من الضياع والفساد،
ومن مجملات القرآن التى تتعلق بالاموال، وبينها رسول
اللّه(ص) ليستقيم حال المجتمع، قوله تعالى: (يسالونك عن
الانفال قل الانفال للّه والرسول فاتقوا اللّه واصلحوا ذات بينكم
واطيعوا اللّه ورسوله ان كنتم مومنين) «الانفال: 1»، والمعنى:
يسالك اصحابك يا محمد عن هذه الغنائم التى غنمتها، فقل:
هى للّه والرسول، يحكم فيها اللّه بحكمه ويقسمها الرسول.
وروى ان النبى(ص) قال: (انما انا قاسم وخازن، واللّه
يعطى)((151))، وقال: (ما اعطيكم ولا امنعكم انا قاسم اضع
حيث امرت)((152))، وبين النبى(ص) حكم اللّه فى الغنيمه،
قال تعالى: (واعلموا انما غنمتم من شىء فان للّه خمسه
وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان
كنتم آمنتم باللّه...) «الانفال: 41»، وبين الرسول حكم الخمس
وحكم الاربعه اخماس، وعلموا حق الذين حرمت عليهم
الصدقه من ذى القربى، وحق الجنود.
وقال تعالى: (انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها
والمولفه قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل اللّه وابن
السبيل فريضه من اللّه واللّه عليم حكيم) «التوبه: 60»، قال
المفسرون: بين اللّه-تعالى- انه هو الذى قسم الصدقات وبين
حكمها وتولى امرها بنفسه، ولم يكل قسمتها الى احد غيره،
فقوله: (فريضه من اللّه)، اشاره الى ان تقسيمها الى الاصناف
الثمانيه امر مفروض منه تعالى، واشاره الى ان الزكاه فريضه
واجبه، وقوله تعالى: (واللّه عليم حكيم)، اشاره الى ان فريضه
الزكاه مشرعه عن علم وحكمه، لا تقبل تغيير المغير.
وروى ابو داود عن زياد بن الحارث قال: (اتيت النبى(ص)
فبايعته، فاتاه رجل، فقال: اعطنى من الصدقه، فقال له
النبى(ص): ان اللّه لم يرض بحكم نبى ولا غيره فى الصدقات
حتى حكم فيها، فجزاها ثمانيه اجزاء، فان كنت من تلك الاجزاء
اعطيتك حقك).
واقامت الشريعه الخاتمه الحجه على المسيره، فاخبر النبى
الخاتم(ص) ان فتنه امته فى المال، وبين كيف تدخل الامه فى
حجاب الامن. وفى الوقت الذى بين فيه النبى(ص) حكم
الغنيمه اخبر بالغيب عن ربه، بان فتنه المال ستصيب البعض،
وقال: (كانى براكب قد اتاكم فنزل، فقال: الارض ارضنا والفىء
فيونا، وانما انتم عبيدنا، فحال بين الارامل واليتامى وما افاء اللّه
عليهم)((153))، اخبر النبى بهذا حتى ياخذوا بالاسباب وهم
تحت سقف الامتحان والابتلاء، لان اللّه-تعالى- ينظر الى عباده
كيف يعملون.
ب- اجتهاد الصحابه فى الاموال
روى البخارى ومسلم عن عائشه (ان فاطمه بنت رسول
اللّه(ص) سالت ابا بكر بعد وفاه رسول اللّه(ص) ان يقسم لها
ميراثها مما ترك رسول اللّه(ص)، فقال لها ابو بكر: ان رسول
اللّه(ص) قال: لا نورث ما تركناه صدقه، فغضبت فاطمه
فهجرت ابا بكر، فلم تزل مهاجره له حتى توفيت، وعاشت بعد
رسول اللّه(ص) سته اشهر، فكانت فاطمه تسال ابا بكر نصيبها
مما ترك رسول اللّه(ص) من خيبر وفدك وصدقته بالمدينه،
فابى ابو بكر ذلك..)((154)).
وروى الامام احمد انه: (لما قبض رسول اللّه(ص) ارسلت
فاطمه الى ابى بكر، فقالت: اانت ورثت رسول اللّه(ص) ام اهله؟
فقال: بل اهله، قالت: فاين سهم رسول اللّه(ص)؟ فقال: انى
سمعت رسول اللّه(ص) يقول: ان اللّه -عز وجل- اذا اطعم نبيا
طعمه ثم قبضه جعله للذى يقوم من بعده، فرايت ان ارده على
المسلمين)((155)).
ولقد ثبت بالاحاديث الصحيحه ان ابا بكر ابى ان يعطى فاطمه
-رضى اللّه عنها- ما ترك رسول اللّه(ص) من خيبر وفدك
وصدقته بالمدينه، وذلك لما عنده من حديث لم يروه غيره.
وفى عهد عمر روى البخارى ومسلم ان صدقه رسول اللّه(ص)
بالمدينه دفعها عمر الى على بن ابى طالب والعباس، وامسك
خيبر وفدكا ((156))، وذلك ايضا لما عنده من حديث، وروى
ان اهل البيت ردوا الى عمر ما دفعه اليهم لانهم وجدوه دون
حقهم الذى بينه رسول اللّه لهم، فعن يزيد بن هرمز ان نجده
الحرورى ارسل الى ابن عباس يساله عن سهم ذى القربى،
ويقول: لمن تراه؟ فقال ابن عباس: لقربى رسول اللّه(ص)،
قسمه لهم رسول اللّه(ص)، وقد كان عمر عرض علينا من ذلك
عرضا رايناه دون حقنا فرددناه عليه، وابينا ان نقبله((157)).
وكان لقرار منع ميراث الرسول وصدقته آثار جانبيه منها:
التعتيم على اهل البيت، لان خروجهم من تحت سقف ما كتبه
اللّه لهم، وهم الذين حرمت عليهم الصدقه، يجعلهم كغيرهم
من الناس، ولم يفعل النبى(ص) هذا فى حياته، وانما كان يضع
الناس فى مواضعهم التى حددها اللّه تعالى، فعن جبير بن
مطعم قال: (مشيت انا وعثمان بن عفان الى رسول اللّه(ص)،
فقلنا: يا رسول اللّه، اعطيت بنى المطلب وتركتنا ونحن وهم
منك بمنزله واحده، فقال: انما بنو المطلب وبنو هاشم شىء
واحد)((158))، وفى روايه: (انا وبنو المطلب لا نفترق فى
جاهليه ولا اسلام، وانما نحن وهم شىء واحد، وشبك بين
اصابعه)((159)).
اما فى ما يختص بحقوق الجنود، فقد بينه النبى(ص) حين
سئل: ما تقول فى الغنيمه؟ قال: (للّه خمس، واربعه اخماس
للجيش)((160))، لكن عمر بن الخطاب اجتهد فى هذا، وامر
بوضع جميع الغنائم فى بيت المال، ثم قام بتقسيم هذه الغنائم
وفقا لما يراه، ودون على ذلك الدواوين، وعدم قسمه عمر
للغنائم يشهد به ما روى عن ابراهيم انه قال: لما افتتح
المسلمون السواد قالوا لعمر: اقسمها بيننا فانا فتحناها، فابى
عمر وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟((161)) وقال
عمر: (لولا آخر المسلمين ما فتحت قريه الا قسمتها سهمانا
كما قسم رسول اللّه خيبر سهمانا، ولكنى اردت ان يكون جزيه
تجرى على المسلمين، وكرهت ان يترك آخر المسلمين لا
شىء لهم)((162))، وفى روايه قال: (ولكنى اتركها خزانه
لهم)((163)).
ويشهد التاريخ ان هذه الخزانه اضرت اكثر مما نفعت، فبعد ان
بسط بنو اميه ايديهم على بيوت المال التى تركها عمر بن
الخطاب، اتخذوا دين اللّه دغلا، ومال اللّه دولا، وعباد اللّه خولا،
واستمرت بيوت المال على امتداد المسيره يشترى بها الحكام
الذمم ويسفكون بها الدم الحرام.
وكان هناك العديد من الصحابه الذين عارضوا سياسه عدم
قسمه الغنائم على سنه رسول اللّه(ص)، منهم الزبير بن العوام،
فعن سفيان بن وهب قال: (لما فتحنا مصر بغير عهد، قام الزبير
فقال: اقسمها يا عمرو بن العاص، فقال: لا اقسمها، فقال الزبير:
واللّه لتقسمنها كما قسم رسول اللّه خيبر، فقال: واللّه لا اقسمها
حتى اكتب الى امير المومنين، فكتب عمر اليه: اقرها حتى
تغزوا منها حبل الحبله)((164))، قال المفسرون فى رد عمر:
(يريد حتى يغزو اولاد الاولاد ويكون عاما فى الناس)، وقيل: (او
يكون اراد المنع من القسمه حيث علقه على امر مجهول).
ويشهد التاريخ ان عمرو بن العاص بسط يده على مصر كلها،
وكان خراجها له طيله حياته فى عهد معاويه بن ابى سفيان،
وذلك عندما تكاتف عمرو مع معاويه على على بن ابى طالب،
فكافاه معاويه بان تكون مصر له طعمه، ومن الذين اعترضوا
على قرار عمر: بلال بن رباح، فقد قال له عندما افتتحوا ارضا:
اقسمها بيننا وخذ خمسها، فقال عمر: لا، هنا عين المال،
ولكنى احبسه فيئا يجرى عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال
واصحابه: اقسمها بيننا، فقال عمر: اللهم اكفنى بلالا وذويه.
قال راوى الحديث: فما حال الحول ومنهم عين
تطرف((165))، اى: ماتوا بفضل دعاء عمر.
وكان بلال كثير الاعتراض على سياسه عمر، عن ابن ابى حازم
قال: (جاء بلال الى عمر حين قدم الشام، وعنده امراء الاجناد،
فقال: يا عمر، انك بين هولاء وبين اللّه، وليس بينك وبين اللّه
احد، فانظر من بين يديك ومن عن يمينك ومن عن شمالك،
فان هولاء الذين جاووك (اى اتباع بلال)، واللّه لم ياكلوا الا
لحوم الطير (اى لم يصل اليهم من الامراء شىء)، فقال عمر
للامراء: لا اقوم من مجلسى هذا حتى تكفلوا لى لكل رجل من
المسلمين بمديت((166)) بر وحظهما من الخل والزيت، قالوا:
تكفلنا لك يا امير المومنين)((167)).
اما قسمه عمر بن الخطاب بين الناس، فلقد فضل عمر
المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين، وفضل
المهاجرين كافه على الانصار كافه، وفضل العرب على العجم،
وروى انه قال: (من اراد ان يسال عن المال فلياتنى، فان اللّه
جعلنى له خازنا وقاسما، الا وانى بادى بالمهاجرين الاولين انا
واصحابى فمعطيهم، ثم بادى بالانصار الذين تبواوا الدار
والايمان فمعطيهم، ثم بادى بازواج النبى(ص) فمعطيهن)،
وفى روايه: (ففرق لازواج النبى(ص) الا جويريه وصفيه
وميمونه، فقالت عائشه: ان رسول اللّه(ص) كان يعدل بيننا،
فعدل بينهن عمر)((168))، ثم قال عمر: (من اسرعت به
الهجره اسرع به العطاء، ومن ابطا عن الهجره ابطا به عن
العطاء، فلا يلومن احدكم الا مناخ راحلته)((169)).
وبالجمله، قال رسول اللّه(ص): (ايما قريه افتتحها اللّه ورسوله
فهى للّه ورسوله، وايما قريه افتتحها المسلمون عنوه، فخمسها
للّه ولرسوله وبقيتها لمن قاتل عليها)((170))، وكان(ص)
يسوى بين الجنود فى القسمه، ولم يخص احدا بشىء دون
الاخر((171))، ولقد اخبر بالغيب عن ربه بما سيحدث من
بعده، وقال لابى ذر: (كيف انت وائمه من بعدى يستاثرون بهذا
الفىء، اصبر حتى تلقانى)((172))، وقال: (خذوا العطاء ما دام
عطاء، فاذا كان انما هو رشى فاتركوه، ولا اراكم تفعلون،
يحملكم على ذلك الفقر والحاجه، الا وان رحى بنى مرج قد
دارت، وان رحى الاسلام دائره، وان الكتاب والسلطان
سيفترقان، فدوروا مع الكتاب حيث دار...) ((173)).
واذا كان الاجتهاد قد اخرج اهل البيت والجنود الذين شاركوا
فى المعارك من قسمه رسول اللّه(ص)، فان الاجتهاد قد اخرج
المولفه قلوبهم من القسمه التى قسمها اللّه تعالى.
ولقد ذكرنا من قبل ان اللّه-تعالى- هو الذى قسم الصدقات،
وبين حكمها، وتولى امرها بنفسه، ولم يكل قسمتها الى احد
غيره، وجزاها -سبحانه- ثمانيه اجزاء، لا تقبل تغيير المغير، قال
تعالى: (انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها
والمولفه قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل اللّه وابن
السبيل فريضه من اللّه) «التوبه: 60»، وروى ان النبى(ص)
اعطى المولفه قلوبهم، وهم صنفان: صنف كفار، وصنف اسلموا
على ضعف، وذلك ليامن شرهم وفتنتهم، لان من شان الصدقه
انها تولف بين القلوب وتبسط الامن، وظل النبى(ص) يعطى
هذا السهم للمولفه قلوبهم ليعاونوا المسلمين او ليقوى
اسلامهم، حتى وفاته(ص).
وكان ابو سفيان((174)) وابنه معاويه((175)) من الذين
اعطاهم النبى من سهم المولفه قلوبهم، وروى (ان عمرو بن
العاص حين جزع عن موته، فقيل له: قد كان رسول اللّه(ص)
يدينك ويستعملك، فقال: اما -واللّه- ما ادرى احبا كان ذلك ام
تالفا يتالفنى؟)((176))، وعلى الرغم من ان النبى(ص) كان
يعطى ابا سفيان من سهم المولفه، الا ان الصحابه كانوا
يختلفون فى تحديد موقعه، روى (ان ابا سفيان اتى على
سلمان وصهيب وبلال فى نفر، فقالوا: واللّه ما اخذت سيوف اللّه
من عنق عدو اللّه ماخذها، فقال ابو بكر: اتقولون هذا لشيخ
قريش وسيدهم؟ فاتى النبى(ص) فاخبره، فقال النبى(ص): يا
ابا بكر، لعلك اغضبتهم، لئن كنت اغضبتهم لقد اغضبت ربك،
فاتاهم ابو بكر، فقال: يا اخوتاه اغضبتكم، قالوا: يغفر اللّه لك يا
اخى)((177))، قال النووى: (هذه فضيله ظاهره لسلمان
ورفقته هولاء)((178))، وروى ان النبى(ص) اعطى قريشا
حين افاء اللّه عليه اموال هوازن، فقال الناس من الانصار: يعطى
قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فعندما سمع رسول
اللّه(ص) بمقالتهم، ارسل الى الانصار فجمعهم ولم يدع احدا
غيرهم، فقال: (انى لاعطى رجالا حدثاء عهد بكفر اتالفهم، افلا
ترضون ان يذهب الناس بالاموال وترجعون برسول اللّه الى
رحابكم؟ فواللّه لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوا: اجل يا
رسول اللّه قد رضينا، فقال لهم: انكم ستجدون بعدى اثره
شديده، فاصبروا حتى تلقوا اللّه ورسوله فانى فرطكم على
الحوض)((179)).
لقد كان فى سهم المولفه امتحان وابتلاء، ولكن الصحابه بعد
رسول اللّه(ص) اجتهدوا فيه..
روى (ان الاقرع بن حابس وعيينه بن حصين، وكانا من المولفه
قلوبهم، جاءا يطلبان ارضا من ابى بكر، فكتب بذلك خطا،
فمزقه عمر بن الخطاب، وقال: هذا شىء كان يعطيكموه رسول
اللّه(ص) تاليفا لكم، فاما اليوم فقد اعز اللّه الاسلام واغنى عنكم،
فان ثبتم على الاسلام، والا فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا الى
ابى بكر، فقالوا: انت الخليفه ام عمر؟ بذلت لنا الخط ومزقه
عمر، فقال ابو بكر: هو ان شاء اللّه، ووافق عمر)((180)).
وعن الشعبى انه قال: (كانت المولفه على عهد رسول اللّه(ص)،
فلما ولى ابو بكر انقطعت)((181))، واعترض ابن قدامه على
انقطاع سهم المولفه وقال: ان اللّه-تعالى- سمى المولفه فى
الاصناف الذين سمى الصدقه لهم، والنبى(ص) قال: (ان اللّه
حكم فيها فجزاها ثمانيه اجزاء)، وكان -عليه الصلاه والسلام-
يعطى المولفه كثيرا فى اخبار مشهوره، ولم يزل كذلك حتى
مات، ولا يجوز ترك كتاب اللّه وسنه رسوله الا بنسخ، والنسخ لا
يثبت بالاحتمال، ثم ان النسخ انما يكون فى حياه النبى(ص)،
لان النسخ انما يكون بنص ولا يكون النص بعد موت النبى(ص)
وانقراض زمن الوحى، ثم ان القرآن لا ينسخ الا بقرآن، وليس
فى القرآن نسخ لذلك ولا فى السنه، فكيف يترك الكتاب
والسنه بمجرد الاراء والتحكم، او بقول صحابى او
غيره؟((182)).
والخلاصه، ختم اللّه-تعالى- آيه الانفال بقوله: (واطيعوا اللّه
ورسوله ان كنتم مومنين) «الانفال: 1»، وفى هذا تحذير من
الاختلاف، واخبار بان طاعه الرسول طاعه للّه، وختم -سبحانه-
آيه الخمس بقوله: (ان كنتم آمنتم باللّه وما انزلنا على عبدنا
يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) «الانفال: 41»، قال ابن كثير:
(اى امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس فى الغنائم ان كنتم
تومنون باللّه واليوم الاخر وما انزلنا على الرسول فى
القسمه)((183))، وختم سبحانه آيه الزكاه بقوله: (فريضه من
اللّه واللّه عليم حكيم) «التوبه: 60»، قال ابن كثير: (اى حكما
مقدرا بتقدير اللّه وفرضه وقسمه، فهو -تعالى- عليم بظواهر
الامور وبواطنها، وبمصالح عباده فى ما يقوله ويفعله ويشرعه
ويحكم به)((184)).
والمسيره قد اجتهدت تحت سقف الامتحان والابتلاء، ولكن
احاديث الاخبار بالغيب، وحركه التاريخ، تثبت ان بعض هذه
الاجتهادات انتهت فى نهايه المطاف الى دائره لا تحقق الامان
بصوره من الصور، قد تكون بيوت المال قد امتلات بالذهب
والفضه عند المقدمه، ولكن عند النتيجه نرى ان تفضيل هذا
عن ذاك فى القسمه، ادى الى الصراع القبلى بين ربيعه ومضر،
وبين الاوس والخزرج((185))، واشعل الصراع العنصرى بين
العرب والعجم، والصريح والموالى((186))، كما ادى الاجتهاد
فى الخمس الى اختلاف الامه فى من هم عشيره النبى
الاقربون؟ ومن هم اهل بيته وعترته؟، وادى الاجتهاد فى
الاربعه اخماس الخاصه بالجنود، الى استيلاء الامراء فى الامصار
على معظم هذه الاموال، وكان لهذا اثر سيى على امتداد
المسيره، وادى الاجتهاد فى سهم المولفه، الى استواء ضعيف
الايمان مع قويه، وادى الى تهييج النفوس على الانتقام باى
وسيله، لان الصدقه من خصائصها انها تنشر الرحمه وتورث
المحبه، وتولف بين القلوب، وتبسط الامن، فاذا امسكت -وكان
تحت سقف الامه منافقون، منهم: اثنا عشر رجلا اخبر
النبى(ص) انهم حرب للّه ولرسوله فى الحياه الدنيا، ولن يدخلوا
الجنه حتى يلج الجمل فى سم الخياط- كان امساكها سببا فى
فتح طرق الفساد.
رابعا: من معالم المسيره
وحركه الدعوه الخاتمه فى اتجاه الشعوب هى حركه المنقذ
للفطره من الانحراف والضلال، ولقد اعطى النبى(ص) الفكره
الصحيحه الداعيه للفتح الاسلامى، وبين ان الفتح ليس للقتل
او الانتقام، وانما هو رحمه وشفقه على البلاد المفتوحه،
ولتخليصها من نير العبوديه، وتطبيق النظام الاسلامى
الفطرى فيها، ولم تكن الغنائم هى غايه الفتح، فالغنائم ليس
لها اهميه تذكر بجانب هدف الفتح الاسمى، فرفع الظلم عن
البلد المفتوح هو المقصد، سواء غنم الجيش او لم يغنم،
والاسلام ينظر الى الغنيمه على اساس انها من قبيل جوائز
التشجيع على القتال فى سبيل اللّه، لان المقصود من الحرب
الظفر على الاعداء، فان غلبوا فقد حصل المطلوب، وتكون
الاموال التى غنمها المقاتلون زياده على اصل الغرض، ولما
كانت الغنيمه حصيله القتال فى سبيل اللّه، وبما ان اللّه-تعالى-
وضع احكاما خاصه بالقتال فى سبيله، فانه -تعالى- قسم
الغنيمه على الجيش المنتصر لرفع معنوياته، وترغيبا له
بالتكرار. وبالجمله، الغنيمه زياده على اصل الغرض الذى من
اجله يقاتل الجيش، وهى ملك للّه ورسوله، وتوضع حيثما اراد
اللّه ورسوله.
واجتهد الصحابه فى غنائم الحرب، فصب هذا الاجتهاد -فى
نهايه المطاف- فى دوائر التنافس والتحاسد وغير ذلك، ويشهد
لذلك قوله(ص) وهو يخبر بالغيب عن ربه فى ما رواه مسلم
عن عبداللّه، قال: (قال رسول اللّه(ص): اذا فتحت عليكم فارس
والروم اى قوم انتم؟ قال عبد الرحم-ن بن عوف: كما امرنا اللّه،
فقال النبى(ص): او غير ذلك، تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم
تتدابرون، ثم تتباغضون، او نحو ذلك، ثم تنطلقون فى مساكن
المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض)((187)).
فالفتح انتج ثقافه لم تكن يوما من اهداف الفتح، وايقظ غريزه
العرب الجاهليه بعدما سكنت بالتربيه النبويه، والطريق الذى
انتهى بالتباغض -كما مر فى الحديث السابق-، امتد لينتهى
بالبغى فى حديث آخر يخبر فيه النبى(ص) بالغيب عن ربه
ويقول: (سيصيب امتى داء الامم، الاشر والبطر، والتكاثر،
والتشاحن، والتباغض، والتحاسد، حتى يكون البغى)((188)).
والطريق الى البغى كان عليه امراء لا يمتازون الا بالسواعد
القويه، وروى ان حذيفه قال لعمر بن الخطاب: (انك تستعين
بالرجل الفاجر، فقال له عمر: انى لاستعمله لاستعين بقوته، ثم
اكون على قفائه)((189))، وقال فى فتح البارى: (والذى يظهر
من سيره عمر فى امرائه الذين كان يومرهم فى البلاد، انه كان
لا يراعى الافضل فى الدين فقط، بل يضم اليه الذى عنده مزيد
من المعرفه بالسياسه، فلاجل هذا استخلف معاويه، والمغيره
بن شعبه، وعمرو بن العاص، مع وجود من هو افضل منهم فى
امر الدين والعلم)((190)).
وذكر ابن حجر (ان عمر ولى اياس بن صبيح القضاء فى البصره،
وكان اياس من اصحاب مسيلمه الكذاب)((191))، و-(كتب
عمر الى الامراء ان يشاوروا طليحه بن خويلد، وكان طليحه قد
اسلم ثم ارتد ثم اسلم، وكان قد ادعى النبوه)((192))، وروى
ان (ابن عدى الكلبى قال لعمر: انا امرو نصرانى، فقال عمر: فما
تريد؟، قال: اريد الاسلام، فعرضه عمر عليه، ثم دعا له برمح،
فعقد له على من اسلم، وقال عوف بن خارجه: ما رايت رجلا لم
يصل صلاه امر على جماعه من المسلمين قبله)((193)).
واذا كان طريق البغى من علاماته التنافس والتحاسد والتدابر
والتباغض، فانه يختزن فى احشائه معالم الضلال، عن عبداللّه
قال: قال رسول اللّه(ص): (لم يزل امر بنى اسرائيل معتدلا،
حتى نشا فيهم المولدون، وابناء سبايا الامم التى كانت بنو
اسرائيل تسبيها، فقالوا بالراى فضلوا واضلوا)((194))، فابناء
الامم اذا لم يجدوا الرعايه والتربيه الصحيحه، اصبحوا من
العوامل التى تساعد على الهدم، وهولاء ترعرعوا فى المسيره
الاسلاميه تحت سقف الدوله الامويه، ثم امتدوا بامتداد
المسيره، وذكر الطبرى: (ان اول سبى قدم المدينه من العجم
كان فى عهد ابى بكر)((195))، وذكر البلاذرى: (ان معاويه
حاصر قيساريه حتى فتحها فوجد من المرتزقه سبعمائه الف،
ومن السامره ثلاثين الفا، ومن اليهود مائتى الف)((196))،
فبعث الى عمر عشرين الفا من السبى((197)).
|