فالطريق كان عليه ضعيف الايمان، وكان عليه ابناء الامم، وكان
عليه امراء التنافس، والتحاسد، والتدابر، والتباغض، والبغى،
وكان عليه المنافقون، ومنهم اثنا عشر رجلا حرب للّه ولرسوله
فى الحياه الدنيا، وعلى طريق كهذا، لا نستبعد ان تضيع
الصلاه، وقد سجل حذيفه البادره الاولى قبل وفاته، فقال:
(ابتلينا، حتى جعل الرجل منا لا يصلى الا سرا)((198))، وكان
النبى(ص) قد اخبر بالغيب عن ربه، ان الصلاه فى طريقها الى
الضياع، فعن ابى ذر قال: (قال رسول اللّه(ص): يا ابا ذر، امراء
يكونون بعدى يميتون الصلاه فصل الصلاه لوقتها...)((199))،
قال النووى: (اى يجعلونها كالميت الذى خرجت
روحه)((200)).
وروى ان الوليد بن عقبه -وكان اخا عثمان لامه- حين كان
واليا لعثمان بن عفان على الكوفه اخر الصلاه، فقام عبداللّه بن
مسعود فصلى بالناس، فارسل اليه الوليد وقال له: ما حملك
على ما صنعت؟ اجاءك من امير المومنين امر ام ابتدعت؟
فقال: لم ياتنى من امير المومنين امر ولم ابتدع، ولكن ابى اللّه
-عز وجل- علينا ورسوله (ص) ان ننتظرك بصلاتنا وانت فى
حاجتك((201)).
وبينما كان الامراء يميتون الصلاه، كانت الصلاه تودى بروحها
خلف على بن ابى طالب، روى مسلم عن مطرف قال: (صليت
انا وعمران بن حصين خلف على بن ابى طالب، فكان اذا سجد
كبر، واذا رفع راسه كبر، واذا نهض من الركعتين كبر، فلما
انصرفنا من الصلاه، اخذ عمران بيدى ثم قال: صلى بنا هذا
صلاه محمد(ص)((202))، وفى روايه: قال عمران: قد ذكرنى
هذا صلاه محمد(ص))، وروى ان عمران بن حصين مات سنه
اثنتين وخمسين هجريه((203)).
ولما كان حذيفه قد صلى سرا، ولما كان ابن مسعود قد شهد
تاخير الصلاه، فان ابا الدرداء قد شهد شيئا آخر، فعن ام الدرداء
قالت: (دخل على ابو الدرداء وهو مغضب، فقلت: من اغضبك؟
قال: واللّه لا اعرف فيهم من امر محمد(ص) شيئا الا انهم
يصلون جميعا)((204))، ومات ابو الدرداء فى خلافه عثمان.
ثم جاء عام ستين، وهو العام الذى حمل الصبيان اعلامه، وفيه
قال النبى(ص): (تعوذوا باللّه من راس الستين ومن اماره
الصبيان)((205))، وقال: (ويل للعرب من شر قد اقترب على
راس الستين تصير الامانه غنيمه، والصدقه غرامه، والشهاده
بالمعرفه، والحكم بالهوى)((206))، فراس الستين تطوير
للعربه التى تنطلق بوقود الراى، وراس الستين هو الوعاء الذى
يصب فيه اماته الصلاه من العهود التى سبقته، وينطلق منه
وقود اضاعه الصلاه، وقراءه القرآن بلا تدبر، قال النبى(ص) وهو
يخبر بالغيب عن ربه: (يكون خلف بعد ستين سنه، اضاعوا
الصلاه واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف
يقراون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرا القرآن ثلاثه: مومن،
ومنافق، وفاجر)((207))، وعن ابى سعيد قال: (المنافق كافر
به، والفاجر يتاكل منه، والمومن يومن به)((208)).
ومن الدلائل على ان جيل الستين اخذ وقوده ممن سبقه، ان
النبى(ص) اخبر فى حديث آخر بان كثره المال هى الخلفيه
الاساسيه التى يتم عليها تفريخ هولاء، قال(ص): (مما اتخوف
على امتى ان يكثر فيهم المال حتى يتنافسوا فيقتلون عليه،
وان مما اتخوف على امتى ان يفتح لهم القرآن، حتى يقراه
المومن والكافر والمنافق)((209)).
فالمال انتج التنافس، والتحاسد، والتدابر، والتباغض، والبغى،
وفتح القرآن امام العامه -مع عدم وجود العالم به- ادى الى
ترتيله فى زحام الاسواق، حيث لا مستمع ولا منصت، ومن
الاصاغر اخذ العلم الذى ادى الى ضياع الصلاه، ولقد سئل
النبى(ص) عن اشراط الساعه، فقال: (ان من اشراطها ان
يلتمس العلم عند الاصاغر)، قال ابن المبارك: (الاصاغر الذين
يقولون برايهم)((210))، وعن ابن مسعود قال: (لا يزال الناس
بخير ما اخذوا العلم عن اكابرهم، فان اخذوه من اصاغرهم
وشرارهم هلكوا)((211))، وعن انس قال: (قيل: يا رسول اللّه،
متى ندع الائتمار بالمعروف والنهى عن المنكر؟ قال: اذا ظهر
فيكم ما ظهر فى بنى اسرائيل، اذا كانت الفاحشه فى كباركم،
والملك فى صغاركم، والعلم فى رذالكم)((212)).
واذا كان ابو الدرداء قد شهد قبل وفاته انه لا يعرف فى الناس
من امر محمد(ص) شيئا الا انهم يصلون جميعا، فان انس بن
مالك شهد عام ستين، حيث مقدمه الخلف الذين اضاعوا
الصلاه واتبعوا الشهوات، روى البخارى عن الزهرى قال:
(دخلت على انس فوجدته يبكى، فقلت: ما يبكيك؟ قال: ما
اعرف شيئا مما ادركت، الا هذه الصلاه، وهذه الصلاه قد
ضيعت)((213))، ومات انس سنه ثلاث وتسعين، وكان يقول:
(لم يبق احد صلى القبلتين غيرى)((214)).
وفى الخلف الذين يضيعون الصلاه بعد انبياء اللّه، يقول تعالى:
(اولئك الذين انعم اللّه عليهم من النبيين من ذريه آدم وممن
حملنا مع نوح ومن ذريه ابراهيم واسرائيل وممن هدينا
واجتبينا اذا تتلى عليهم آيات الرحم-ن خروا سجدا وبكيا×
فخلف من بعدهم خلف اضاعوا الصلاه واتبعوا الشهوات فسوف
يلقون غيا) «مريم: 58-59»، قال المفسرون: ذكر اللّه حزب
السعداء، وهم الانبياء ومن اتبعهم من القائمين بحدود اللّه
واوامره، المودين فرائض اللّه، ثم ذكر -سبحانه- الخلف: اى
البدل السيى، وقوله تعالى: (فخلف من بعدهم)، اى قام مقام
اولئك الذين انعم اللّه عليهم، وكانت طريقتهم الخضوع
والخشوع للّه بالتقدم اليه بالعباده، قوم سوء اضاعوا الصلاه،
وضياع الشىء: فساده او افتقاده، ومعنى انهم اضاعوا الصلاه: اى
افسدوها بالتهاون فيها والاستهانه بها، حتى تنتهى الى امثال
اللعب بها والتغيير فيها والترك لها، فاذا كانوا قد فعلوا هذا
بالصلاه فانهم لما سواها من الواجبات اضيع، لانها عماد الدين
وقوامه، ثم اخبر -سبحانه- بان القوم السوء الذين اضاعوا الصلاه،
وهى الركن الاصيل فى العبوديه، واتبعوا الشهوات، هولاء
سيلقون غيا: اى خساره، وهذه العقوبه سنه ثابته لا تتبدل ولا
تتغير، يعاقب اللّه بها كل خلف طالح، وذكر ابن كثير فى تفسير
ىىىىهذه الايه، ان هذا الخلف فى هذه الامه ايضا((215)).
والخساره التى توعد اللّه بها الخلف الذين اضاعوا الصلاه واتبعوا
الشهوات، يحمل اسبابها امراء السوء وسبايا السوء الذين تربوا
على القصص، وتسربت اليهم روح الامم المستعليه الجباره،
فهولاء وغيرهم فتحوا ابواب القتال من اجل الملك، وعند نهايه
القتال، وفى نهايه المسيره كانت الخساره عنوانا رئيسيا لكل
شىء فى عالم الاستدراج.
اما القتال على الملك، فيشهد به ابو برزه الاسلمى، روى
البخارى عن ابى المنهال قال: (لما كان ابن زياد ومروان
بالشام، ووثب ابن الزبير بمكه، ووثب القراء بالبصره، انطلقت مع
ابى الى ابى برزه الاسلمى، فقال ابى: يا ابا برزه، الا ترى ما وقع
فيه الناس؟ فقال: انى احتسبت عند اللّه انى اصبحت ساخطا
على احياء قريش، انكم -يا معشر العرب- كنتم على الحال الذى
علمتم من الذله والقله والضلاله، وان اللّه انقذكم بالاسلام
وبمحمد(ص)، حتى بلغ ما ترون، وهذه الدنيا افسدت بينكم،
ان ذاك الذى بالشام -واللّه- ان يقاتل الا على الدنيا، وان هولاء
الذين بين اظهركم -واللّه- ان يقاتلون الا على الدنيا، وان ذاك
الذى بمكه -واللّه- ان يقاتل الا على الدنيا)((216)).
ونتيجه القتال على الملك، انه لم تستطع الدوله البقاء تحت
حكم اداره مركزيه واحده، فعند بدايه المسيره اتسعت الدوله
من شواطى المحيط الاطلسى فى المغرب الى نهر السند فى
الشرق، ومن بحر مازندران فى الشمال الى منابع النيل فى
الجنوب، وكما توسعت الدوله بسرعه، تجزات بسرعه ايضا، فاذا
نظرنا على امتداد المسيره لنرصد معالم الاختلاف والتفرق
على الارض، نجد ان عبد الرحم-ن الداخل، وهو احد افراد
الاسره الامويه، قد اسس دوله مستقله فى اسبانيا سنه 138هـ،
ورفع يد الحاكم العباسى عن ذلك الجزء من الدوله العباسيه،
ثم ظهر الادارسه واسسوا دولتهم، ثم جاء الاغالبه واستولوا على
بقيه مناطق افريقيا عام 184هـ، ثم ظهر ابن طولون فى مصر
والشام وفصلهما عن الدوله، وعند حلول سنه 323هـ اسس
الاخشيد حكمه فى مصر، ولم يبق تحت نفوذ الدوله العباسيه
السياسى من بلاد المغرب سوى رمزها.
اما فى المشرق، فتم تاسيس الدوله الطاهريه بخراسان عام
204هـ، وتتابع ظهور الدويلات الصغيره بعد ذلك شرق ايران،
كالصغاريين والسامانيين والغزنويين، ثم قامت الدوله البويهيه
فى الجزء المتبقى لهم فى ايران، ثم جاء المغول عام 334هـ
وانزل الستار على الدوله العباسيه، وكان للدوله فرع يحكم
رمزيا فى مصر، قضى عليه سليم الاول من سلاطين آل عثمان،
بعد استيلائه على مصر عام 922هـ.
وعلى امتداد المسيره كانت الاصابع اليهوديه تعمل فى الخفاء،
كانت تثقب فى الجدار بواسطه ابناء الامه، وتحطم الاقفال
بواسطه الحروب الصليبيه المتعدده الاشكال، حتى جاء اليوم
الذى طبقت فيه اتفاقيه سايكس بيكو على الشام، وفرض
الانتداب الفرنسى على شمال هذه البلاد، وقسم الى كيانين
هما: سوريا، ولبنان، وفرض الانتداب البريطانى على جنوبها،
وقسم الى كيانين هما: الاردن، وفلسطين، وفى عام 1917م
صدر وعد بلفور، الذى يقضى بانشاء وطن قومى لليهود فى
فلسطين، وفى عام 1967م بسط اليهود ايديهم على ما حلموا
به طيله حياتهم، بسطوا ايديهم على الارض الواسعه، التى
يحيط بها غثاء من كل مكان.
لقد بدا الطريق من عند البحث عن الدرهم والدينار،
والنبى(ص) اخبر عن ربه جل وعلا، فقال: (كيف انتم اذا لم
تجبوا دينارا ولا درهما-؟ قالوا: ولم ذاك؟ قال: تنتهك ذمه اللّه
وذمه رسوله، فيشد اللّه قلوب اهل الذمه فيمنعون ما
بايديهم)((172))، وقال: (يوشك ان تداعى عليكم الامم من
كل افق كما تداعى الاكله الى قصعتها، قالوا: يا رسول اللّه، فمن
قله بنا يومئذ؟ قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن
فى قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب عدوكم، لحبكم الدنيا
وكراهيتكم الموت)((218))، وقال صاحب عون المعبود: (اى
يدعو بعضهم بعضا لمقاتلتكم وسلب ما ملكتموه من الديار
والاموال، ولقد وصفهم النبى(ص) بغثاء السيل، لقله شجاعتهم
ودناءه قدرهم، وغثاء السيل: اى كالذى يحمله السيل من زبد
ووسخ)((219)).
لقد اخبر النبى(ص) ان فتنه امته فى المال، وان الدرهم
والدينار سيهلكهم كما اهلك الذين من قبلهم، وبين
النبى(ص) موضع كل مال فى الاسلام، وامر الامه بان تتمسك
بالكتاب والعتره، وان تاخذ باسباب الحياه التى تحقق السعاده
فى الدنيا بما يوافق الكمال الاخروى، فيامروا بالمعروف وينهوا
عن المنكر، ولكن القافله تركت الامراء الصبيان يعبثون بكل
شىء، خوفا من الجوع والفقر، وفى نهايه المطاف وقف الحاضر
امام الماضى على رقعه واحده، يدوى فيها صوت النبى الاعظم
محمد بن عبداللّه بن عبد المطلب، النبى العربى القرشى
الهاشمى المكى المدنى(ص)، وهو يقول: (منعت العراق
درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر
اردبها ودينارها، وعدتم من حيث بداتم، وعدتم من حيث
بداتم، وعدتم من حيث بداتم)((220)).
الفصل الثالث:فجر الضمير
ومن امثال العرب فى الشبه: من استرعى الذئب فقد ظلم،
واصل الظلم الجور ومجاوزه الحد، ومنه حديث الوضوء: (فمن
زاد او نقص، فقد اساء وظلم)، اى اساء الادب بتركه السنه
والتادب بادب الشرع، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب من
ترداد المرات فى الوضوء، وفى التنزيل: (الذين آمنوا ولم يلبسوا
ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن) «الانعام: 82»، قال ابن عباس:
اى لم يخلطوا ايمانهم بشرك، والظلم: الميل عن القصد.
والعرب تقول: الزم هذا الصوب ولا تظلم عنه، اى لا تجر عنه،
وقوله تعالى: (ان الشرك لظلم عظيم) «لقمان: 13»، يعنى ان
اللّه-تعالى- هو المحيى المميت، الرازق المنعم وحده لا شريك
له، فاذا اشرك به غيره، فذلك اعظم الظلم، لانه جعل النعمه
لغير ربها((221)).
وبينت الدعوه الخاتمه ان الافتراء على اللّه كذبا، والتكذيب
باياته او الاعراض عنها، والصد عن سبيله -سبحانه- من اعظم
الظلم، لان الظلم يعظم بعظمه من يتعلق به، واذا اختص
بجنب اللّه كان اشد الظلم، واخبر -سبحانه- فى كتابه بانه
اهلك القرون الاولى لما ظلموا، ووعد -سبحانه- رسله بهلاك
الظالمين، قال تعالى: (فاوحى اليهم ربهم لنهلكن الظالمين×
ولنسكننكم الارض من بعدهم) «ابراهيم: 13-14».
وبالنظر الى المسيره البشريه، تجد ان الظلم، فى نهايه
المطاف، تدثر باكثر من دثار من حرير وزخرف، واصبح له
عقائد وثقافات وقوانين، تشرف عليها حكومات وهيئات
وجمعيات، والخارج عن هذه العقائد والقوانين هو فى نظر هذه
الدول والموسسات، خارج عن الحق، يستحق التاديب بواسطه
الاساطيل او السجون، او بالتجويع تاره وبالتخويف تاره اخرى.
وبالنظر الى مسيره الشعوب فى عصرنا هذا، نجد للوثنيه اعلاما،
وهذه الوثنيه استترت وراء التقدم العلمى والاختراعات
الحديثه، وقد يكون التقدم مفيدا فى عالم الماده، ولكن اذا كان
للدنيا عمل، فلا بد ان يستقيم هذا العمل مع الزاد الفطرى،
ولقد ذم القرآن الكريم الذين لا يذعنون بيوم الحساب،
ويعملون للدنيا بسلوكهم الطريق الذى يغذى التمتع بالدنيا
الماديه فحسب، قال تعالى: (الا لعنه اللّه على الظالمين× الذين
يصدون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجا وهم بالاخره هم كافرون)
«هود: 18-19»، فالايه فسرت من هم الظالمون، وبينت انهم
الذين يصدون عن الدين الحق ولا يتبعون مله الفطره،
وبالاخره هم كافرون، وهذه الوثنيه لها جماعاتها وموسساتها
وبنوكها التى تمول مخططاتها.
وبالنظر الى مسيره بنى اسرائيل، نجد انها انتجت فى عصرنا
الحاضر عنكبوتا ضخما تختفى وراء خيوطه العديد من
موسسات الظلم والجور، التى تعمل على امتداد التاريخ من
اجل تغذيه الامل، الذى حلم به بنو اسرائيل ليلا طويلا، وهو
مملكه داود، وعاء العهد الابراهيمى، وراء هذه الخيوط تختفى
جمعيات مسيحيه تعمل من اجل ذات الهدف، نظرا لان
المسيحيه الحاضره خرجت من تحت عباءه بولس، الذى ادعى
انه اوحى اليه، وهو لم ير المسيح، ولم يكن من تلاميذه، ولقد
وضعه القرآن وامثاله تحت سقف الظلم، فى قوله تعالى: (ومن
اظلم ممن افترى على اللّه كذبا او قال اوحى الى ولم يوح اليه
شىء ومن قال سانزل مثل ما انزل اللّه) «الانعام: 93»، وهذه
الجمعيات التى تعمل ظاهره او من وراء ستار، لها موسساتها
وبنوكها واساطيلها التى تمول وتحمى مخططاتها واهدافها.
وبالنظر الى المسيره الخاتمه، نجد ان الظالمين فيها قد اخذوا
بذيول الذين من قبلهم واتبعوهم شبرا بشبر، وذراعا بذراع،
ومن اتبع احدا يصل معه الى حيث يصل، وما اللّه بظلام للعبيد.
وفى ما يلى سنلقى ضوءا على جذور بعض الحركات وفروعها
التى عليها بصمه الظلم والجور، لتظهر جذورها الفكريه
والعقائديه، ومواقع انتشارها ونفوذها، ويرى الحاضر كيف يتقدم
الظلم الى الخلف من اجل تنفيذ اهداف ما انزل اللّه بها من
سلطان.
1- مسيرات وثنيه
المذهب الشمالى، وقد غالى اهله فى بوذا حتى الهوه، والمذهب
الجنوبى، وهولاء معتقداتهم اقل غلوا فى بوذا، وكتبهم منسوبه
الى بوذا او حكايات لافعاله سجلها بعض اتباعه((222)).
ب- الهندوسيه
وكانت الديانه الهندوسيه تحكم شبه القاره الهنديه، ولكن
المسافه الشاسعه بين المسلمين والهندوس، فى نظريتهما الى
الكون والحياه، والى البقره التى يعبدها الهندوس ويذبحها
المسلمون وياكلون لحمها، كان ذلك سببا فى حدوث
التقسيم، حيث اعلن عن قيام دوله الباكستان بجزءيها الشرقى
والغربى، والذى معظمه من المسلمين، وبقاء دوله هنديه
معظم سكانها من الهندوس، والمسلمون فيها اقليه
كبيره ((223)).
ج - السيخيه
وموسس السيخيه الاول ناناك، ولد سنه 1469م فى قريه
بالقرب من لاهور، وكان محبا للاسلام من ناحيه، مشدودا الى
تربيته وجذوره الهندوسيه من ناحيه اخرى، مما دفعه لان
يعمل على التقريب بين الديانتين، ويقال ان ناناك لم يكن
الاول فى مذهبه السيخى هذا، وانما سبقه اليه شخص آخر
اسمه كبير (1440 1518م)، درس الدين الاسلامى والهندوكى،
وكان حلقه اتصال بين الدينين، وكان كبير يتساهل فى قبول
كثير من العقائد الهندوكيه ويضمها الى الاسلام شريطه بقاء
التوحيد، لكنه لم يفلح اذ انقرض مذهبه بموته مخلفا مجموعه
اشعار تظهر تمازج العقيدتين المختلفتين الهندوسيه
والاسلاميه، مرتبطتين برباط صوفى يجمع بينهما.
وللسيخ بلد مقدس يعقدون فيه اجتماعاتهم المهمه، وهو
مدينه امرتيسار من اعمال البنجاب، وقد دخلت عند التقسيم
فى ارض الهند، واكثريه السيخ تقطن البنجاب، اذ يعيش فيها
85% منهم، ولهم لجنه تجتمع كل عام منذ سنه 1908م، تنشى
المدارس، وتعمل على انشاء كراسى فى الجامعات لتدريس
ديانه السيخ ونشر تاريخها، ويقدر عدد السيخ حاليا بحوالى 15
مليون نسمه داخل الهند وخارجها((224)).
د- الكونفوشيوسيه
2- مسيرات عنكبوتيهخلفت المسيره الاسرائيليه
ا- الماسونيه
منظمه يهوديه سريه ارهابيه غامضه، محكمه التنظيم، تهدف
الى ضمان سيطره اليهود على العالم، وتدعو الى الالحاد
والاباحيه والفساد، جل اعضائها من الشخصيات المرموقه فى
العالم، يوثقهم عهد بحفظ الاسرار، ويقومون بما يسمى
بالمحافل للتجمع والتخطيط والتكليف بالمهام((226)).
واختلف فى تاريخ ظهور الماسونيه لتكتيمها الشديد، والراجح
انها ظهرت سنه 43م، وسميت (القوه الخفيه)، وهدفها التنكيل
بالنصارى واغتيالهم وتشريدهم، ومنع دين المسيح من
الانتشار((227))، وكانت تسمى فى عهد التاسيس القوه
الخفيه، ومنذ بضعه قرون تسمت بالماسونيه، لتتخذ من نقابه
البنائين الاحرار لافته تعمل من خلالها، واهم افكارهم
ومعتقداتهم: انهم يكفرون باللّه ورسله وكتبه وبكل الغيبيات،
ويعملون على تقويص الاديان، واسقاط الحكومات الشرعيه،
والغاء انظمه الحكم الوطنيه فى البلاد المختلفه، والسيطره
عليها، واباحه الجنس، واستعمال المراه كوسيله للسيطره،
والعمل على تقسيم غير اليهود الى امم متنابذه تتصارع بشكل
دائم، وبث سموم النزاع داخل البلد الواحد، واحياء روح الاقليات
الطائفيه العنصريه، والعمل على السيطره على روساء الدول
لضمان تنفيذ اهدافهم التدميريه، والسيطره على الشخصيات
البارزه فى مختلف الاختصاصات لتكون اعمالهم متكامله،
والسيطره على اجهزه الدعايه والصحافه والنشر والاعلام،
واستخدامها كسلاح فتاك شديد الفاعليه، والسيطره على
المنظمات الدوليه، كمنظمه الامم المتحده للتربيه والعلوم
والثقافه، ومنظمات الارصاد الدوليه، ومنظمات الطلبه
والشباب والشابات فى العالم.
والماسونيه لها محافل فى كل العالم تقريبا، وبيدها اكثر موارد
الاقتصاد ووسائل الانتاج فى العالم، ولهم عصابات ارهابيه
لتنفيذ العمليات الاجراميه للتخلص من كل من يقف فى
طريقهم عن قصد او عن غير قصد((228))، ويتبع الماسونيه
مجموعه نواد ذات طابع خيرى اجتماعى فى الظاهر، لكنها لا
تعدو ان تكون واحده من المنظمات العالميه التابعه للماسونيه
التى تديرها اصابع يهوديه، بغيه افساد العالم والسيطره عليه،
ومن هذه النوادى الليونز، وله نواد فى امريكا واوروبا وكثير من
بلدان العالم، ومركزه الرئيسى فى اوك بروك بولايه الينوى فى
الولايات المتحده الامريكيه، ويتجلى النشاط الظاهرى لليونز
فى: الدعوه الى الاخاء والحريه والمساواه، وتنميه روح الصداقه
بين الافراد بعيدا عن الروابط العقيديه، ودعم المشروعات
الخيريه، ودعم مشروعات الامم المتحده، وتقديم الخدمات
الى البيئه المحليه، والاهتمام بالرفاهيه الاجتماعيه، ونشر
المعارف بكل الوسائل الممكنه، ولا يستطيع اى شخص ان
يقدم طلب انتساب اليهم، وانما هم الذين يرشحونه ويعرضون
عليه ذلك((229)).
ومن ذلك ايضا نادى الروتارى، وهو منظمه ماسونيه، تسيطر
عليه اليهوديه العالميه، ومن افكار الروتارى ومعتقداته: عدم
اعتبار الدين مساله ذات قيمه، لا فى اختيار العضو ولا فى
العلاقه بين الاعضاء، ولا يوجد اى اعتبار لمساله الوطن،
واسقاط الدين يوفر الحمايه لليهود ويسهل تغلغلهم فى
الانشطه الحياتيه كافه، وهذا يتضح من ضروره وجود يهودى
واحد او اثنين على الاقل فى كل ناد، وباب العضويه غير مفتوح
لكل الناس، ولكن على الشخص ان ينتظر دعوه النادى
للانضمام اليه على حسب مبدا الاختيار، والعمال محرومون من
عضويه النادى، ولا يختار الا من يكون ذا مكانه عاليه. وبدات
انديه الروتارى فى امريكا سنه 1905م، وانتقلت بعدها الى
بريطانيا والى عدد من الدول الاوروبيه، ومن ثم صار لها فروع
فى معظم دول العالم، ولها نواد فى عدد من الدول العربيه،
كمصر والاردن وتونس والجزائر وليبيا والمغرب ولبنان، وتعد
بيروت مركز جمعيات الشرق الاوسط((230)). وتختلف
الماسونيه عن الروتارى فى ان قياده الماسونيه وراسها
مجهولان، على عكس الروتارى الذى يمكن معرفه اصوله
وموسسيه، والروتارى وما يماثله من النوادى مثل: الليونز،
الكيوانى، ابناء العهد، يعمل فى نطاق المخططات اليهوديه من
خلال سيطره الماسون عليها، والذين هم بدورهم مرتبطون
باليهوديه العالميه نظريا وعمليا-((231)).
ب-الصهيونيه
ومن المنظمات التى خرجت من عباءه الصهيونيه: منظمه
شهود يهوه، وهى منظمه تقوم على سريه التنظيم وعلنيه
الفكره، دينيه وسياسيه، ظهرت فى امريكا فى النصف الثانى
من القرن التاسع عشر، وهى تدعى انها مسيحيه، والواقع انها
واقعه تحت سيطره اليهود وتعمل لحسابهم، وهى تعرف باسم
جمعيه العالم الجديد، الى جانب شهود يهوه الذى عرفت به
ابتداء من سنه 1931م، وتومن هذه المنظمه بعيسى رئيسا
لمملكه اللّه، ويعملون من اجل اقامه دوله دينيه دنيويه
للسيطره على العالم، ويقتطفون من الكتاب المقدس الاجزاء
التى تحبب باسرائيل واليهود، ويقومون بنشرها، ويعادون
النظم الوضعيه ويدعون الى التمرد، ويعادون الاديان الا
اليهوديه، وجميع روسائهم يهود، ويعترفون بقداسه الكتب التى
يعترف بها اليهود ويقدسونها، ولهذه المنظمه علاقه مع
المنظمات التبشيريه، والمنظمات الشيوعيه والاشتراكيه
الدوليه، ولهم علاقه كبيره مع اهل النفوذ من اليونانيين
والارمن((233)). وخرجت من تحت عباءه اليهوديه بعض
التيارات الفكريه منها:
1) العلمانيه
2) التغريب
ويضاف الى ذلك الفرويديه، وهى مدرسه فى التحليل النفسى،
اسسها اليهودى سيجموند فرويد، وهى تفسر السلوك الانسانى
تفسيرا جنسيا، وتجعل الجنس هو الدافع وراء كل شىء، كما انها
تعتبر القيم والعقائد حواجز وعوائق تقف امام الاشباع الجنسى،
مما يورث الانسان عقدا وامراضا نفسيه، ولم ترد فى كتب فرويد
وتحليلاته ايه دعوى صريحه للانحلال كما يتبادر الى الذهن،
وانما كانت هناك ايماءات تحليليه كثيره تتخلل المفاهيم
الفرويديه، تدعو الى ذلك، وقد استفاد الاعلام الصهيونى من
هذه المفاهيم لتقديمها على نحو يغرى الناس بالتحلل من
القيم، وييسر لهم سبله بعيدا عن تعذيب الضمير((237)).
واستغل اليهود المذهب الراسمالى، والراسماليه: نظام
اقتصادى ذو فلسفه اجتماعيه وسياسيه، يقوم على اساس
تنميه الملكيه الفرديه والمحافظه عليها، متوسعا فى مفهوم
الحريه، ولقد ذاق العلم بسببه ويلات كثيره، وما تزال
الراسماليه تمارس ضغوطها وتدخلها السياسى والاجتماعى
والثقافى، وترمى بثقلها على مختلف شعوب الارض، وتقوم
الراسماليه - فى جذورها- على شىء من فلسفه الرومان
القديمه، ويظهر ذلك فى رغبتها فى امتلاك القوه، وبسط
النفوذ والسيطره، ولقد تطورت متنقله من الاقطاع الى
البرجوازيه الى الراسماليه، وخلال ذلك اكتسبت افكارا ومبادى
مختلفه، تصب فى تيار التوجه نحو تعزيز الملكيه الفرديه
والدعوه الى الحريه، ولا يعنى الراسماليه من القوانين الاخلاقيه
الا ما يحقق لها المنفعه، ولا سيما الاقتصاديه منها على وجه
الخصوص، وتدعو الراسماليه الى الحريه، وتتبنى الدفاع عنها،
لكن الحريه السياسيه تحولت الى حريه اخلاقيه واجتماعيه، ثم
تحولت بدورها الى اباحيه، وازدهرت الراسماليه فى انجلترا
وفرنسا والمانيا واليابان وامريكا، والى معظم العالم الغربى،
وكثير من دول العالم يعيش فى جو من التبعيه لها، ووقف
النظام الراسمالى الى جانب اسرائيل دعما وتاييدا بشكل مباشر
او غير مباشر((238)).
ووضع اليهود بصماتهم على المذهب الشيوعى، وهو مذهب
فكرى يقوم على الالحاد، وان الماده هى اساس كل شىء،
ويفسر التاريخ بصراع الطبقات وبالعامل الاقتصادى، وظهر
المذهب على يد ماركس اليهودى الالمانى (1818-1883م)،
وتجسد فى الثوره البلشفيه التى ظهرت فى روسيا سنه
1917م، بتخطيط من اليهود، وتوسعت الثوره على حساب
غيرها بالحديد والنار، وقد تضرر المسلمون منها كثيرا، وافكار
هذا المذهب ومعتقداته تقوم على: انكار وجود اللّه وكل
الغيبيات، وقالوا بان الماده هى اساس كل شىء، وفسروا تاريخ
البشريه بالصراع بين البرجوازيه والبروليتاريا، وقالوا: ان الصراع
سينتهى بدكتاتوريه البروليتاريا، وحاربوا الاديان واعتبروها
وسيله لتخدير الشعوب، مستثنين من ذلك اليهوديه، لان
اليهود شعب مظلوم!! وحاربوا الملكيه الفرديه، وقالوا بشيوعيه
الاموال والغاء الوراثه، ولم تستطع الشيوعيه اخفاء تواطئها مع
اليهود، وعملها لتحقيق اهدافهم، فقد صدر منذ الاسبوع الاول
للثوره قرار ذو شقين بحق اليهود:
ا- يعتبر عداء اليهود عداء للجنس السامى يعاقب عليه القانون.
ب- الاعتراف بحق اليهود فى انشاء وطن قومى فى
فلسطين((239)).
وهكذا وضع اليهود المسيره البشريه بين مذهبين اقتصاديين،
يعارض كل منهما الاخر، ليشتد الصراع على امتداد المسيره،
مع احتفاظ اليهود بثمرات كل مذهب، وثمرات الصراع القائم
بينهما.
ج- التبشير
والخلاصه
فالشعب اليهودى داخل دائرته ظل على امتداد تاريخه بعد
السبى يومن بضروره العمل من اجل احياء مملكه داود، التى
يكون لها المجد على شعوب الارض، ويسبح معها الجبال
والطير، وظل اتباع هذا الاعتقاد على امتداد تاريخهم وفى
احلك الاوقات يقيمون حياتهم على اساس هذا الدين الذى
يحقق هذه النتيجه، وعندما عاشوا فى بقاع الارض المختلفه
متباعدين، كانوا فى الوقت نفسه متقاربين نتيجه لوحده الفكر
والهدف، ولم يذوبوا فى المجتمعات، وانما اجتمعوا فى احياء
خاصه بهم داخل المجتمعات الكبيره، وعملوا من اجل ان تكون
المجتمعات الكبيره فى قبضتهم، وذلك عن طريق سيطرتهم
على الاقتصاد ورجال الحكم.
وبعد عوده اليهود الى فلسطين، وبعد انتصارهم عام 1967م،
يخطى من يظن ان الحرب بين الفطره وبين اليهود قد انتهت،
ومخدوع كل من يظن ان كل ما هو معلق بين المسلمين وبين
اليهود قد تحله العقود او المواثيق او اتفاقيات الصلح والاعتراف
المتبادل، لان المهمه الاسرائيليه لن تنتهى الا بظهور امير
السلام الذى ينتظره اليهود. وقد ياخذ السلام بين العرب وبين
اليهود اشكالا متعدده، ولكن تبقى الحقيقه الاكيده ان هذا
السلام فى نظر اليهود سيكون ورقه تكتيكيه من اوراق الحرب
المستمره، حتى ياتى امير السلام (الدجال) فينصب فسطاطه
فى المنطقه، ويتبعه جميع الذين تعاموا عن هذه الحقيقه.
ويجب ان نعترف ان قطاعا عريضا داخل المسيره الاسلاميه لا
يعرف ذاته، ولا يعرف القوى المعاديه له، او بمعنى آخر، يجب
ان نعترف بان هولاء يبدو وكانهم لا يريدون ان يعرفوا ذواتهم،
او كانهم لا يقدرون على محاوله المعرفه، وانهم لا يعرفون
عدوهم معرفه حقيقيه، او لعلهم لم يحاولوا ان يعرفوا، وفى
جميع الحالات يجب ان نعترف باننا لا نعرف انفسنا ولا نعرف
عدونا.
ويجب ان نعترف بان الفطره يحيط بها الظلم من كل مكان،
وان الوسائل المحيطه بها يمسك بزمامها الجبان، وكلمه
الجبان لا تعنى الرجل الخائف الرعديد فقط، وانما تعنى ذلك
الرجل الذى اذا تمكن من عدوه كان اكثر جبنا، بمعنى انه لا
يعرف فى التعامل معه معنى من معانى النباله او الكرم او
الشهامه، انما يستعمل معه ادنا الوسائل وادناها الى الحطه،
والفطره الانسانيه تحيط بها اكثر الناس جبنا، بمعنى اكثر
الناس ميلا للانتقام..
واذا كان البحث العلمى قد قدم للمسيره البشريه مجهودات
عظيمه، من عصر الطاقه اليدويه الى عصر الفحم، الى عصر
البخار.. الى عصر البترول، الى عصر الكهرباء، ومن عصر الذره
الى عصر الالكترونيات، الى عصر الكمبيوتر، الى عصر الفضاء،
الى عصر الهندسه الوراثيه، فيجب ان نعترف ان الاعظم من
هذا المجهود الضخم استعمل فى كل عصر من اجل خدمه
مخططات الاهواء واهدافها الماديه، وعن طريقه استطاع
اصحابه ان يتغلغلوا داخل النفس لاغوائها لتكون عضوا على
طريق اهدافهم.
ان العلوم المفيده تكون فى متناول الانسان عندما تصلح
اخلاقه، اما اذا وقف الجبان على ابواب المجهودات العلميه،
فسيكون للظلم والجور وللفساد اعلام متعدده الالوان
والاشكال، وفى عصرنا نرى المخطط اليهودى والوثنى تحميه
الترسنات النوويه والكيميائيه والمكروبيه، والترسانه التقليديه،
واساطيل الطائرات والغواصات والدبابات وقاذفات الصواريخ
والباتريوت، ونجد الفطره فى اماكن كثيره مقيده بالديون،
وفوائد القروض، ومحاذير السلاح، وضغوط صندوق النقد
الدولى، وقرارات الامم المتحده، ونجدها مهدده من كل مكان
بعد ان فسد كل شىء، ولوثت البحار والانهار بالنفط،
والمبيدات، ومخلفات المصانع وسموم المعادن الثقيله، ولوث
الجو بغازات الكبريت والازون والكربون والرصاص، واتخذ
الجبان من قلب الارض والبحر مخازن للموت النووى والرعب
الذرى يدفن فيه النفايات القاتله لصناعاته المهلكه، ونجد
الفطره محاصره بقوافل خرقت الشرائع وطلبت اللذه من
وجوهها الشاذه باللواط والسحاق، ولقد راينا كيف خرجت قوافل
الشواذ تطالب بشرعيه الفسق، وتقنين زواج الرجال بالرجال،
وزواج النساء بالنساء، وتسير فى مظاهرات علنيه تطالب
بحقوقها الشاذه، ولم يقتصر الامر على خروج قبائل العهر
والفسق فى مظاهرات، وانما تفننت قبائل اخرى فى جعل
الحريه الجنسيه شريعه لمملكتها، واقامت للزنا نوادى
وموسسات واقمارا فضائيه تنشره، وابدعت هذه القبائل فى
اخراج العهر والفجور والفسق والشذوذ، بجميع اوضاعه، فى
ابهه من الالوان ومواكب من الزينه والزخرف، واستاجرت لهذا
الفتيات الساقطات من كل جنس لعرضهن عرايا، ثم ثبت هذا
العهر ليستقبله كل من وجه هوائى استقبال الى الفضاء.
لقد ملئت الارض ظلما، والتطور ينطلق كل دقيقه، بل كل
ثانيه، وما كان يحدث من انجاز علمى فى آلاف السنين، اصبح
يحدث الان فى سنوات قليله، ومعنى هذا ان المستقبل
سيشهد تطورا مضغوطا فى حيز تاريخى قصير، فاذا كان
الجبان ساهرا ومشرفا على هذا التطور، فان معنى هذا اننا
نهرول بالفعل الى النهايه. وقبل ان ياتى هذا اليوم يجب ان
نعرف من نحن؟ ومن هو عدونا؟ وما هى اهدافنا؟ وما هى
اهداف عدونا؟ ومن اين نبدا وكيف نخرج من الدائره المغلقه؟
اننا اذا لم نعرف كل هذا وغيره، فستدفع اجيالنا فى المستقبل
ثمنا باهظا، وسيشهدون جنازتهم على اقل تقدير وهم وراء امير
السلام، وسنعتمد -نحن- هذه الجنازه لان المستقبل ابن
للماضى ولا ينفصل عنه. اجيبوا، اجيبوا -يرحمكم اللّه- قبل ان
ياتى يوم لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل.
3- مستقر المسيرات الانحرافيه
وعذاب الاستدراج فى الحياه الدنيا ابوابه مفتوحه، يدخل فيها
الحاضر اذا اخذ باسباب الانحراف من الماضى، واذا انطلق
الحاضر الى المستقبل ولم تحدثه نفسه بتوبه، انتهت به خطاه
الى المسيح الدجال، وفى دائره الدجال تنال جميع رايات
الانحراف والشذوذ عذاب الخزى، ويقطع اللّه دابرهم بعذاب
الاستئصال. والنبى الخاتم(ص) اخبر بان جميع الانبياء حذروا
اممهم من الدجال، وقال: (ان اللّه لم يبعث نبيا الا حذر امته
الدجال)((242))، وحذر النبى(ص) من الدجال ومن كل عمل
ينتهى اليه، ومن ذلك قوله: (وما صنعت فتنه منذ كانت الدنيا
صغيره ولا كبيره الا لفتنه الدجال)((243)).
وطريق الدجال يبدا بانحراف دقيق عند البدايه، ثم يتسع شيئا
فشيئا على امتداد المسيره، وفى مناطق الاتساع ترفع للشذوذ
رايات بعد ان الفه الناس، وهذه الرايات بينها النبى الخاتم(ص)
وهو يخبر باشراط الساعه، ومن ذلك قوله: (من اشراط الساعه
ان يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر
الزنا)((244))، وقال: (ان بين يدى الساعه اياما يرفع فيها العلم،
وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل)((245))،
فهذه العلامات تظهر على طريق الفتن والانحراف، وبينها
النبى الخاتم ليراجع الناس انفسهم على امتداد المسيره،
ويشهدوا له بالنبوه بعد ان راوا احداثا اخبر بها يوم ان كانت
غيبا، فالاحداث فى عالم المشاهده المنظور دعوه للتوبه،
وتحذير من العقاب الذى يودى اليه الاستدراج.
|