«الوطن الاسلامى‏» «بين السلاجقة والصليبيين‏»

تاليف: حسن الامين

ما سموه (موتمر صلاح الدين الايوبى) الذى جمعه جامعوه فى بيروت فى شهر آذار سنه 1994 لم يكن ما قيل فيه الا اجترارا طالما اجتره امثالهم على مدى العصور، وقد رددنا على ذلك الموتمر بكتابنا الذى اسميناه (صلاح الدين الايوبى بين العباسيين والفاطميين والصليبيين).

ولما كان فى الكثير مما قيل فى ذلك المسمى بالموتمر ما يحتاج الى تبيان الحقيقه والرد عليه ردا تفصيليا لذلك افردنا هذه الفصول فى كتاب يجلو من الحقائق ما حاول الدكتور عمر تدمرى الذى جعلوه وجه الموتمر حاول تزييفه، واغتنم فرصه الموتمر ليعيد فى اواخر القرن العشرين كتابه ما كتبه السفهاء فى القرون المظلمه.

يقول الدكتور عمر تدمرى فى مفتتح حديثه: لقد جاءت الحملات الصليبيه فى وقت كان فيه العالم الاسلامى يعانى - بشكل عام - من الانقسامات السياسيه والخلافات المذهبيه، وكانت بلاد الشام التى استهدفتها تلك الحملات تعيش فى وضع سياسى مفكك حيث توزعت مدنها بين حكام وامراء يحذر كل منهم الاخر. وكان الخلاف المذهبى بين العبيديين (الفاطمين) ((1)) الاسماعيليين الشيعه فى مصر، والسلاجقه الاتراك والعباسيين السنه فى العراق هو اشبه بالخلاف المذهبى بين الكنيستين اليونانيه البيزنطيه (الشرقيه) واللاتينيه الرومانيه (الغربيه)، بل، هو خلاف اشد وادهى لطالما ادى الى القتال، اذ كانت بلاد الشام مسرحا للصراع العسكرى والسياسى والمذهبى بين السلاجقه والفاطميين مما جعلها منهوكه القوى عندما راحت جيوش الصليبيين تجوس خلال ديارهم (انتهى).

الدكتور عمر تدمرى الذى يبرز نفسه، ويبرزه المبرزون مورخا اسلاميا متميزا، يبرز هنا على حقيقته جاهلا كل الجهل لتاريخ تلك الحقبه من حياه العالم الاسلامى. او عارفا بالحقائق مزيفا لها.

وهذا الذى قاله ونقلناه فيما تقدم هو بعيد كل البعد عن الحقيقه، ولا صله له من قريب او بعيد بالصدق والتاريخ الصحيح.

واول ما نقوله: انه لم يكن هناك احتكاك بين الفاطميين الشيعه فى مصر والسلاجقه السنه فى العراق، لسبب واضح: هو انه عندما كان الفاطميون مسيطرين فى مصر، كان البويهيون الشيعه هم المسيطرين فى العراق لا السلاجقه.

كما ان بلاد الشام لم تكن ابدا مسرحا للصراع العسكرى، والسياسى، والمذهبى بين السلاجقه والفاطميين. وعندما تقدم الفاطميون من مصر الى بلاد الشام لم يكن السلاجقه هم الذين يحكمونها.

ان بلاد الشام يومذاك بحكم كونها منطقه نفوذ للاخشيديين آلت نظريا، وعن طريق الارث بعد تصفيه نظامهم فى مصر الى الفاطميين، فى نفس الوقت كانت منطقه هامه فى حرب الثغور واصبحت بعد فتح مصر ملجا لفلول المنهزمين من الكافوريه والاخشيديه الذين ضموا جهودهم الى عناصر السلطه القديمه فى بلاد الشام، واصبح الخطر من جهتهم متوقعا فقد بادر جوهر فاتح مصر الفاطمى بضمها الى مصر، تامينا للحدود وتوسيعا للنفوذ الفاطمى، الذى امتدت خطوط دفاعه (فاصبحت فى بلاد الشام وليست فى مصر).

وكان نائبه فى قياده الحمله الكبرى جعفر بن فلاح هو الرجل الاول الذى عهد اليه بتصفيه بقايا الاخشيديه والكافوريه وضم بلاد الشام فعليا الى نفوذ الخلافه الفاطميه.وكان يشرف على بلاد الشام كبير الاسره الاخشيديه، ابو محمد الحسن بن عبيداللّه بن طغج الذى كان مركزه دمشق، وكان على طبريه وحوران والبثنيه ((2)) ولاه من عرب بنى عقيل، ومنهم شبيب وظالم، وملهم، الذى كان يشرف عن طريق غلامه فاتك على طبريه، وكان على بيت المقدس عامل اخشيدى هو الصباحى، ولما كانت الرمله ودمشق اهم مدن الاقليم التابع للاخشيديين، فقد كان والى بلاد الشام يوصف احيانا بصاحب دمشق، والرمله التى هى مدينه جنوب فلسطين العظمى، وقد ظفرت بمركز ممتاز فاق اهميه بيت المقدس بسبب موقعها الاستراتيجى وقربها من حدود مصر، وقد تعرضت اكثر من مره لغارات قرامطه البحرين، وغدت بعد فتح مصر قاعده حربيه لمواجهه الغزو الفاطمى من جهه مصر، اذا استقر فيها الحسن بن عبيداللّه بن طغج منذ شهر رمضان 358هـ / يوليه 968م.

ليخطط للمعركه القادمه مع جعفر بن فلاح، وترك دمشق فى عهده احد موالى الاخشيديين، وهو شمول، ولان الاخير، كان يحقد على الحسن مكانته السياسيه وسعه سلطانه، وينتظر به فرصه قدوم طلائع الجيش الفاطمى ليخذله، ويظهر ما بيته له، فقد اتصل بجوهر سرا، وكشف له عورات البلاد وابان عن وجهه نظره فى الحسن بن عبيداللّه، ثم تقاعد عنه ورفض مساعدته فى الرمله، رغم الحاحه عليه وعلى الصباحى وفاتك، فى سرعه المجى‏ء، بسبب قرب العسكر الفاطمى، وتركوه مع ثله من مساعديه يواجهون الهزيمه، ومحنه الاسر على يد جعفر بن فلاح، منذ منتصف رجب 359هـ / ماى 970م وقد ارسلوا مقيدين الى مصر، ومنها واصلوا الرحله صحبه الهديه التى انفذها جوهر الى بلاد المغرب.

ويبدو ان حزم جعفر بن فلاح وسياسته ودعوته لولاه الاخشيديين لاعلان الولاء والطاعه للمعز لدين اللّه، هى التى صرفت كثيرا منهم عن مساعده ابن طغج وادته الى الاستسلام لقوات جعفر دون مقاومه تذكر، الا فى مدينه طبريه، التى يبدو ان واليها فاتكا غلام ملهم العقيلى، بيت على مقاومه قوات الفاطميين، ولذلك تحصن جعفر فى نقطه استراتيجيه تسيطر على الجسر وبنى معسكرا اتخذه منطلقا لحرب فاتك، رغم ان ملهما مال الى الموادعه وتظاهر بالولاء والطاعه للفاطميين((3)). وعندما تم قتل فاتك غدرا، تظاهر جعفر بانه فوجى‏ء بالحدث الذى لم يكن له به علم، وتحفظ على عناصر الت‏آمر من الاعراب، وقدمهم الى ملهم، ليقتص منهم، فتحاشى الاخير قتلهم، وعفا عنهم، خوفا من الايقاع به اما سكان المدينه فقد استاءوا للحادث، والتحموا مع قوات جعفر، وشهدت طبريه فتنه كبرى، لم تقتصر آثارها على عناصر الخلاف، وانما شملت من جاء الى المدينه فى هذا الظرف الدقيق، وهم ممثلو سكان مدينه دمشق، الذين غادرهم شمول الاخشيدى، وانضم الى قوات جعفر بن فلاح فى طبريه، فارتاع السكان وارسلوا الى جعفر، وفدا من شيوخهم لاعلان الولاء، ورغم ان القائد الكتامى استقبلهم بحفاوه وتبسط معهم فى الحديث فانهم تالموا من سوء المعامله، وعندما رجعوا الى دمشق (غير شاكرين، ولا راضين) عن قوم جفاه قباح المناظر والزى والكلام، ليس لهم عقول يرجعون اليها، (نقلوا الى سكان المدينه صوره قاتمه وانطباعا سيئا اذى مشاعرهم، وادخل الرعب فى نفوسهم، وجعلهم يستعدون للمقاومه الجديه بتوجيه اشراف دمشق وبمساعده بقايا الاخشيديه والكافوريه الذين لم يرافقوا شمولا، ثم عنصر الاحداث والشطار) الذين كانوا بمثابه قوه دفاعيه مدنيه من بين عامه السكان، وقد استغلوا حاله القلق فى المدينه والفراغ السياسى بعد انسحاب شمول، وتفرق جنده، لكى يظهروا عنصرا فعالا فى حمايه المدينه من الغزو الخارجى ويبرزوا الى الحياه السياسيه ويمثلوا دورا هاما فى مدن الشام الاخرى قبل وبعد الفتح الفاطمى.

ويبدو ان اوضاع دمشق، وحاله الاستعداد للمقاومه، هى التى املت على ابن فلاح، خطه اساسها الانتقاص من اطراف دمشق، وكسر مقاومه بنى عقيل فى حوران، والبثنيه، وسكان الغوطه، بجهد مشترك بين جزء من قواته، واعراب مره، وفزاره، وذلك قبل اقتحام المدينه بقوات الحمله الرئيسيه.

وعندما شعر بانه ابعد بنى عقيل عن الميدان الى حمص، ونال رجاله من ضواحى دمشق، بعد خسائر تكبدها، خف بكامل قواته، منذ يوم الخميس لثمان خلون من ذى الحجه 359هـ، وفرض حصارا على المدينه، واتخذ من يوم السبت 10 ذى الحجه معسكره، ومقر قيادته بحى الشماسيه، ومن هناك اشرف على المعركه ضد احداث دمشق واشرافها وجندها الذين قاوموا ضغط جند كتامه فتره ثم بدووا يميلون لانهاء حاله الحرب والحصار فى اطار الاعتراف بالسياده الفاطميه، غير ان جعفرا بن فلاح، لم يستجب لهم بسهوله، قصدا لما عرفه من تقلب اهوائهم وسيطره الشطار والاحداث، والاشراف، وسائر عملاء العباسيين على الوضع الداخلى، ولذلك لقى وفد سكان المدينه معامله سيئه اثناء محاولتهم الاتصال به فى حى الشماسيه للحصول على الامان، كما قوبلوا بالتهديد والوعيد من جانبه عندما قابلهم بنفسه وكان هدفه فيما يبدو ان يكون هولاء اداه تبليغ لسكان المدينه ولعناصر الشغب المتطرفين، ليشتد خوفهم وتزداد حيرتهم، عندما يعرفون مدى تصميم القائد على اخضاعهم بالقوه القاهره، وربما كان يريد بهذا التشدد ان ينصرف السكان عن المشاغبين، ويتخلصوا منهم، وبذلك تتبلور اتجاهات السلام والصلح على اساس متين ويبدو انه نجح فى خطته الى حد بعيد، لان السكان وقد هالهم هذا التشدد واحتاروا فى معالجه الوضع، لم يجدوا غير مشائخ البلد واشرافها، وكان جعفر بن فلاح يميل اليهم ويقدرهم لانهم من آل البيت، وقد نجحت وساطتهم لانهاء حاله الحرب انما بعد تشدد، وعندما عرف استعدادهم لتنفيذ كل ما يطلبه، بدا يتراجع عن موقف الشده الذى اصطنعه حتى هذا الوقت، وتبسط فى الحديث مع الوفد، وقرر ان يشرف بنفسه على اقامه الدعوه للمعز لدين اللّه فى الجامع الاموى فى يوم الجمعه ويتفقد شوون المدينه تطييبا لخاطر السكان، ثم يرجع الى معسكره بالشماسيه.

وكان اعضاء الوفد قد بلغوا ذلك، ورغبوا من عنصر الشطار ان يلازموا بيوتهم، غير ان هولاء لم يستجيبوا لهذه الرغبه، واستغلوا فرصه انتشار عسكر كتامه فى احياء المدينه واسواقها اثر الصلاه، وقتلوا منهم كثيرين بحجه الدفاع عن النفس وعن الاموال، فتاثر جعفر للحادث، واعتبر ما حصل حركه عدائيه مقصوده لنقض عهد الامان الذى تقرر مع وفد المدينه، وانكر على المشائخ والاشراف ما حصل من الغدر برجال امير المومنين وتهددهم، ولم تهدا ثورته الا عندما اعتذروا عن الحادث، ووافقوا على ما اقترحه من دفع ديات ضخمه، فديه (لمن قتل من عسكره) وتكلفوا بجمع المال من السكان.

وتشير النصوص الى ثوره عامه شهدتها مدينه دمشق فى الجمعه الثانيه، اى بعد الاتفاق على مبدا الصلح، وقد تزعمها عنصر الاشراف بقياده ابى القاسم بن ابى يعلى، الذى كان بمثابه رئيس المدينه ينتهى السكان عند رايه، ويطيعه الشطار، وقد انضم اليه عرب بنى عقيل، ومنهم ظالم بن موهوب وابناء عصودا، محمد، واسحاق، وكان مظهر الثوره قطع الدعوه للمعز لدين اللّه وازاله شعار الفاطميين، وارجاع الدعوه للمطيع العباسى ولبس شعار السواد، وكانت الثوره من الخطوره بحيث ان جعفرا واجهها بقوه، واجتهد فى اخمادها وفى القبض على رووس الفتنه ومثيرى الشغب، ويبدو ان جهوده اثمرت فى النهايه، وفشلت الثوره وفر زعماوها خارج دمشق، وبينما نجا محمد بن عصودا، وظالم بن موهوب العقيلى بالفرار الى الاحساء حيث نجحا فى الكيد للنفوذ الفاطمى بتاليب القرامطه وتشجيعهم على العوده الى بلاد الشام وفشل الشريف ابو القاسم بن ابى يعلى، فى النجاه بنفسه الى بغداد، فادركه ابن عليان العدوى، فى صحراء تدمر، وارجعه الى دمشق لكى ينال الجزاء من قائد الفاطميين، وقد قام جعفر بن فلاح بتشهيره فى المدينه على جمل، ثم اودعه السجن واخضعه لامتحان عسير حتى رق لحاله وتاثر من مصيره ووعده التوسط عند جوهر لتخفيف العقوبه عنه وحرم ابن عليان من المكافاه وخاطب رجاله مستنكرا عليهم بقوله: (غدرتم بالرجل) ثم صرفهم عنه بدون مال، وارسل الشريف وبعض (الاحداث) الى مصر، اما الباقون ومعهم اسحاق بن عصودا، فقد قتلوا وصلبوا واحتزت رووسهم وعلقت على ابواب المدينه، وفى الميادين الكبرى، وكان فشل هذه الثوره عاملا هاما فى تشريد عنصر الاشراف والحد من تطرف الاحداث، وشغب السكان فى دمشق التى استقرت اوضاعها موقتا، وعادت الدعوه الفاطميه اليها، كما كانت من قبل.

وعندما بدا لجعفر بن فلاح انه سيطر على الوضع الداخلى بتحطيم عناصر المقاومه، بدا يرسى قواعد السيطره الفاطميه ويطبق مظاهر التحول الجديد، فى الدعوه، وفى الاذان، والاقامه. وتصرف على نحو يشعر بانه اطمان على الوضع فانتقل من معسكره بحى الشماسيه الى الدكه فوق نهر يزيد، بظهر سور دمشق، واشرف على حركه التعمير والبناء، فاتخذ لنفسه قصرا عجيبا بناه بالحجاره وتفنن فى بنائه حتى جعله (شاهقا فى الهواء غريب البناء) وحوله بنى الجند مساكنهم ومعسكراتهم ونشطت حركه البيع والشراء فى اسواقهم واتسعت خطتهم وانبثت الحياه بين اظهرهم حتى صارت خططهم (شبه المدينه)، وعنى بالجبهه الشماليه، وبمنطقه الثغور، فارسل بعوثا عسكريه بقياده بعض مساعديه ضد الروم البيزنطيين فى الاسكندرونه وانطاكيه التى احتلوها منذ فتره سابقه (محرم 359هـ / نوفمبر 969م). وبدءوا يضغطون بشده على مدن شمال الشام وحلب خاصه، استضعافا للحمدانيين، بعد وفاه سيف الدوله (322) سنه 356هـ - 967م، وكان قد ارسل من قبل داعيا هو ابو طالب التنوخى الى ابى تغلب ناصر الدوله بن حمدان فى الموصل يعرفه بانه فى طريقه لاعلان الدعوه الفاطميه فى بلاده، فرفض بشده على اساس قرب المنطقه من بغداد، ومن ضغط القوات العباسيه، ولخص رايه فى قوله:

(هذا ما لا يتم، لاننا فى دهليز بغداد والعساكر قريبه منا ولكن اذا قربت عساكركم من هذه الديار امكن ما ذكرتم)((4)).

هكذا وصل الفاطميون الى بلاد الشام. وصلوا اليها فى اواسط القرن الرابع الهجرى فى حين ان اول ظهور للسلاجقه فى العراق، كان فى اواسط القرن الخامس، فكيف تكون الشام مسرحا للصراع العسكرى والسياسى والمذهبى بين السلاجقه والفاطميين، فى حين ان السلاجقه لم يكونوا وجدوا بعد؟!! وبعد ذلك عندما سيطر السلاجقه على العراق، كان حكم الفاطميين، قد تضعضع فى مصر فى اواخر عهد المستنصر، ثم تلاشى هذا الحكم نهائيا فى حياه المستنصر باستيلاء الجماليين على الخلافه الفاطميه. فمتى كان هذا الصراع الذى يزعم عمر تدمرى وجوده بين السلاجقه والفاطميين فى بلاد الشام؟!.

السلاجقه
اصل السلاجقه

اصولهم تعود الى القبائل التركيه التى عرفها العرب باسم (الغز) والتى استطاعت فى القرن السادس الميلادى ان تقيم امبراطوريه ذات طابع بدوى امتدت من الصين الى البحر الاسود. وحين اصطدمت بالصينيين فضعضعوها.

هاجر (الغز) فى القرن الثامن الميلادى (الثانى الهجرى) متجهين الى الغرب فى الصحارى الواقعه شرق بحر قزوين دون ان يستطيعوا تحقيق وحدتهم، بل عادوا متقاتلين، وانتشرت فروعهم متمدده الى البعيد حيث وصلت الى فارياب على نهر سرداريا (سيحون). ومن هولاء تحدر السلاجقه((5)).

وسبب تسميتهم بهذا الاسم هو انتسابهم الى احد اجدادهم سلجوق بن دقاق، ودقاق هذا او تقاق كما يلقبه ابن الاثير كان وجه الاتراك الغز، على جانب من الراى والتدبير فاطاعه قومه واتبعوه، وولد له سلجوق الذى تقدم عند ملوك الترك كابيه، وشعر يوما ان ملك الترك يت‏آمر عليه فاستنفر جماعته ومضى بهم الى دار الاسلام فصار مسلما بين المسلمين، واستقر فى نواحى جند((6)) وراح يولب المسلمين على الترك ويغزوهم بهم. وبعد ان كان هولاء ياخذون الخراج من المسلمين، طردهم سلجوق وساد المسلمون فى تلك الارض((7)) ومات سلجوق بجند بعد ان عمر مئه سنه وسبع سنين وترك من الاولاد: ارسلان وميكائيل وموسى.

وقتل ميكائيل فى غزواته لبلاد الاتراك، وترك من الاولاد: بيغو وطغرل بك محمد وجفرى بك داود، فسار الثلاثه فى عشائرهم وتقدموا فنزلوا على بعد عشرين فرسخا من بخارى، فتوجس الشر منهم امير بخارى فلم يسالمهم فتركوه الى بغراخان ملك تركستان واقاموا فى بلاده ولكنهم ظلوا فى ريبه من امره فتقرر بين طغرل بك واخيه داود ان لا يلتقيا معا فى مجلس بغراخان، بل ينفرد كل واحد منهما بالمجى‏ء اليه ويبقى الثانى بين قومه خوفا من ان يغدر بهما مجتمعين.

ولما فشل بفراخان فى الجمع بينهما فى مجلس واحد قبض على طغرل بك، فاستنفر داود قومه ومشى الى مقاتله بغراخان لاستنقاذ اخيه، فاصطدم بقوى بغراخان الزاحفه اليه فهزمها واستطاع تخليص اخيه. فرايا ان يعودا بقومهما الى قاعدتهما الاولى جند غير البعيده عن بخارى فيقيما فيها.

وبانقراض الدوله السامانيه وتملك ايلك الخان بخارى استفحل امر ارسلان بن سلجوق عم داود وطغرل بك فيما وراء النهر ((8)) وكان على تكين اخو ايلك الخان، فى سجن ارسلان خان فهرب واستطاع الاستيلاء على بخارى وتحالف من ارسلان بن سلجوق حيث سادا قويين، فمشى اليهما ايلك خان اخو ارسلان خان فهزماه وظلا فى بخارى.

وكان على تكين يقلق محمود بن سبكتكين فيما تجاورا به من بلاد، ولا يبالى ان يقطع الطريق على رسله المترددين الى ملوك الترك((9)).

وكان محمود بن سبكتكين قد اوقع بجماعه ارسلان بن سلجوق فى مغازه بخارى، فلما عبر محمود النهر الى بخارى، هرب على تكين صاحبها منها، وحضر ارسلان بن سلجوق عند محمود فقبض عليه وارسله سجينا الى الهند. وهاجم جماعته فاكثر القتل فيهم، ومن سلم منهم فر الى خراسان فعاثوا فيها فسادا، فطاردهم فيها واجلاهم عنها، فلح قسم باصبهان فامر محمود نائبه فيها ان يحتال فى قتلهم او ارسالهم اليه، فاصطدم بهم يعاونه اهل اصبهان فهزمهم فانطلقوا ينهبون القرى فى طريقهم حتى بلغوا اذربيجان.

على انه كان بقى اكثرهم فى خراسان فراحوا ينهبون ويخربون ويقتلون، فارسل محمود من يطاردهم، فلبثوا فى ذلك نحو سنتين الى ان اضطر محمود الى ان يقصد خراسان بنفسه وراح يطلبهم من نيسابور الى دهستان فساروا الى جرجان، ثم عاد عنهم مستخلفا ابنه مسعود بالرى فاستخدم بعضهم. فلما مات محمود سار ابنه مسعود وهم معه الى خراسان.

ثم ان مسعودا مضى الى الهند لاخماد عصيان فيها، فعاودوا العيث فى البلاد، وكان قد ارسل احد قواده الى الرى فلما بلغ نيسابور وراى ما هم عليه من العبث، قتل منهم من قتل، ولما بلغت اخبارهم مسعودا عاقتهم اسوا عقاب من قطع الايدى والارجل والقتل واستصفاء الاموال((10)).

هذا ما يتعلق بارسلان بن سلجوق وعشيرته، واما اولاد اخوته فان على تكين صاحب بخارى راح يحاول الظفر بهم فقرب اليه يوسف بن موسى بن سلجوق، وهو ابن عم طغرل بك محمد، وجفرى بك داود وقدمه على جميع الاتراك الذين فى ولايتها واقطعه اقطاعا كثيره، ولقبه بلقب الامير.

وكان يهدف من وراء ذلك الى ان يضرب به ابنى عمه طغرل بك وداود، ولكن يوسف تابى عليه ولم يماشه فى هذا فامر بقتله.

فعظم قتله على طغرل بك واخيه داود وعلى عشائرهما، فلبسوا عليه الحداد وجمعوا من استطاعوا جمعه من الاتراك للثار له. وجمع على تكين جيوشه وبعث بها لقتالهم فهزموها.

وفى سنه 421هـ سار طغرل بك وداود الى (الب قدا) الذى تولى قتل ابن عمهما يوسف فقتلاه.

فاثار ذلك على تكين فقصدهم على من تبعه من جموع اهل البلاد وناوشوهم من كل جانب، فاوقعوا بهم موقعه عظيمه قتل فيها منهم العدد الكثير وسبوا نساءهم وذراريهم، فاضطروا الى العبور الى خراسان. فلما عبروا جيحون كتب اليهم خوارزم شاه هارون بن التونتاش يدعوهم اليه ليتحالفوا معا.

فلبى طغرل بك واخواه داود وبيغود عونه، وخيموا بظاهر خوارزم سنه 426 فغدر بهم ووجه اليهم احد امرائه ففاجاهم واكثر فيهم القتل والنهب والسبى، فتركوا خوارزم بجموعهم الى مغازه(نسا)، وقصدوا مروا دون ان يتعرضوا لاحد بشر، مخلفين اولادهم وذراريهم فى الاسر.

وكان مسعود به محمود بن سبكتكين قد سيطر على طبرستان واقام فيها، فكاتبوه مستامنين، واعدين اياه بان يكونوا اعوانا له يتوجهون لقتال من يفسد فى بلاده.

ولكن مسعودا قبض على رسلهم وبعث عليهم جيشا جرارا التقى بهم عند (نسا) فانهزموا بعد قتال عنيف وغنمت اموالهم، فاختلف المنتصرون على اقتسام الغنائم اختلافا ادى الى التقاتل بينهم.

وكان داود قد قال لقومه: ان القوم قد اطمانوا لهزيمتنا وليس فى ذهنهم اننا نعود اليهم، فارى ان نباغتهم وهم قارون مطمئون. فعادوا اليهم وهم يتقاتلون فاوقعوا بهم وقتلوا منهم واسروا واستردوا اموالهم ورجالهم.

وعاد المنهزمون الى الملك مسعود فى نيسابور يقصون عليه ما جرى، فندم على ما كان منه من رفض استئمانهم وصداقتهم، وراى ان هيبتهم قد ملات قلوب رجاله، وانهم بعد هزيمتهم لجيشه قد طمعوا به بعد خوفهم منه، وخشى من معاودتهم قتاله، فارسل اليهم يتهددهم ويتوعدهم.

فطلب طغرل بك من امام صلاته ان يكتب الى مسعود هذه الايه ولا يزيد عليها شيئا: (قل اللهم مالك الملك توتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء بيدك الخير انك على كل شى‏ء قدير).

فكتب ما امره به، وتلقى مسعود الرساله فكان صداها فى نفسه ان كتب اليهم كتابا يمنيهم فيه الامانى الطيبه، وارسل لهم مع الكتاب خلعا نفيسه، وطلب اليهم الرحيل الى آمل الشط، - وهى مدينه على نهر جيحون- ، كما نصحهم بترك الشرك والفساد، واقطع (دهستان) لداود، و(نسا) لطغرل بك، و(فراوه) لبيغو، ومنح كل واحد منهم لقب (الدهقان).

ولكنهم استخفوا بالرسول وبالخلع، واظهروا عدم ثقتهم بالسلطان، وقالوا للرسول: لو علمنا ان السلطان يبقى علينا اذا قدر لاطعناه، ولكنا نعلم انه متى ظفر بنا اهلكنا لما عملناه واسلفناه، فنحن لا نطيعه ولا نثق به.

ثم راحوا يفسدون فى الارض، وبعد فتره تركوا ذلك وقالوا: اذا لم نستطع الانتصاف من مسعود فلا داعى للاساءه الى الناس ونهب اموالهم.

ثم فكروا بمخادعه مسعود والتظاهر بالخضوع له، ويطلبون منه ان يطلق عمهم ارسلان بن سلجوق من الحبس.

فاستجاب لطلبهم هذا، واطلق ارسلان، واحضره اليه فى بلخ، وامره ان يكتب الى بنى اخيه طغرل بك وبيغو وداود بان يكفوا عن الشر ويستقيموا فى حياتهم.

فارسل اليهم رسولا يامرهم بذلك.

يقول ابن الاثير((11)) وارسل معه (اشفى) وامره بتسليمه اليهم. فلما وصل الرسول وادى الرساله وسلم اليهم (الاشفى) نفروا واستوحشوا وعادوا الى امرهم الاول فى الغاره والشر، فاعاده مسعود الى محبسه وسار الى غزنه.

وبرجوعى الى معجم لسان العرب رايته يفسر (الاشفى) بهذه التفاسير:

الاشفى: المثقب.

الاشفى: ما كان للاساقى والمزاود والقرب واشباهها.

الاشفى: المخصف للنعال.

الاشفى: السراد الذى يخرز به.

اما السلاجقه فصدوا بلخ ونيسابور وطوس والجوزجان، فافسدوا ونهبوا وخربوا البلاد وسبوا((12)) فتصدى لهم الملك مسعود بن محمود، وارسل جيشا فى ثلاثين الفا بقياده حاجبه (سباشى) من غزنه. فلما وصل خراسان خرب ما سلم من تخريب السلاجقه، وظل طيله سنه يدافع ويطاول حذرا من الاصطدام بهم، فاذا ابتعدوا تتبعهم، واذا اقبلوا رجع عنهم.

وفى سنه 429ه كان هو فى قريه بظاهر سرخس، والسلاجقه بظاهر مرو مع طغرل بك - وقد بلغهم خبره - فساروا اليه وباشراوا قتاله، فلما جاء الليل اخذ سباشى ما خف من مال وهرب فى خواصه وترك خيامه ونيرانه على حالها، وقيل انه فعل ذلك بالاتفاق معهم وفى الصباح عرف من بقى من عسكره خبره فانهزموا((13)).

وتقدم داود اخو طغرل بك وهو والد السلطان الب ارسلان الى نيسابور فدخلها بغير قتال، ووصل بعدهم طغرل بك. ثم وصلت رسل الخليفه حامله رسالته فى وعظهم ونهيهم عن النهب والقتل والتخريب، فاكرموا رسل الخليفه وعظموهم وخدموهم.

ومال داود الى نهب المدينه فنهاه طغرل بك فتجاهله داود وبعد جدال طويل تحول عن النهب الصريح الى النهب المغلف ففرض على اهل نيسابور ثلاثين الف دينار.

ومضى طغرل بك الى دار الاماره وجلس على سرير الملك مسعود وسير اخاه داود الى سرخس فملكها، ثم استولوا على خراسان كلها عدا بلخ.

وكانوا ثلاثه اخوه: طغرل بك، وداود، وبيغو. اما ينال واسمه ابراهيم فهو اخو طغرل بك وداود لامهما.

اما الملك مسعود فقد خرج من غزنه الى بلخ اول سنه 428ه وسبب خروجه منها ما كان يبلغه من اخبار السلاجقه وما ارتكبوه من الاستيلاء على البلاد والقتل والسبى والتخريب.

واقام فتره فى بلخ يتهيا لمطارده السلاجقه ثم قصد سرخس فتجنب السلاجقه الاصطدام به وتظاهروا بانهم سيدخلون المغازه التى بين مرو وخوارزم، وكان جيش مسعود يتعقبهم، فما لبثوا ان اصطدموا باحدى قطعه العسكريه فظفرت بهم. ثم واجههم بنفسه فانتصر عليهم مما ادى الى ابتعادهم عنه، ثم رجعوا الى نواحى مرو، قريبا منه، فقابلهم وقتل منهم عددا كبيرا وهرب الاخرون لاجئين الى البريه التى اعتادوا الاحتماء بها.

اما فى نيسابور فقد ثار الناس بهم فقتلوا من قتلوا منهم وانهزم من بقى الى البريه ملتحقين بجماعتهم. ومضى مسعود الى هرات ليعد عدته مطاردا لهم. فابتعد طغرل بك ما قدر على الابتعاد عن طريق مسعود، ناهبا كل ما يمر به من بلاد مثخنا فيها.

وراح مسعود يطارده فلما صار قريبا منه مضى طغرل بك ممعنا فى السير الى (استوا) ((14)) واستقر بها، فمضى اليه مسعود، فرحل الى طوس محتميا بجبالها المنيعه ومضايقها العسيره العبور، فسير اليه مسعود احد قواده فى عساكر كثيره، فلما قرب منه ارتحل طغرل بك نواحى ابيورد. وكان مسعود قد سار بنفسه اليه فاصطدم طغرل بك بمقدمه جيشه فهزمته واستسلم عدد كبير من جنوده، فلما راى ذلك وعلم انه مطارد من كل جانب دخل المفازه الى خوارزم واوغل فيها. ومضى مسعود الى نيسابور منتظرا حلول الربيع ليعاود مطارده السلاجقه.

واقام داود فى مدينه مرو، وتعددت انهزامات عساكر السلطان مسعود فى لقاء اتهما مع السلاجقه وتضعضعت معنويات جنوده رهبه منهم، لا سيما بعد ابتعاده هو الى (غزنه)، فراح نوابه وولاته يستغيثون به ويذكرون له عيث السلاجقه فى البلاد.

ولكنه كان لا يجيب، ولا يبالى مشغولا بقضايا الهند ومشاكلها، صارفا النظر عن السلاجقه وعن خراسان.

وباشتداد امر السلاجقه فى خراسان، صمم وزراء مسعود واصحاب الراى فى دولته، على استنهاضه لملافاه خطر السلاجقه وبينوا له ان السلاجقه اذا تمت لهم السيطره على خراسان فهم سائرون الى غزنه حتما.

فتنبه للخطر واعد جيشا كثير العدد بقياده حاجبه (سباشى) وارفقه باحد كبراء امرائه (مرداويج بن بشو). ولم يكن فى سباشى من الشجاعه ما تقتضيه هذه القياده، بل كان جبانا، فاقام بهرات ونيسابور، ثم باغت (مرو) وبها داود، فانهزم داود ولحقته العساكر، فادركه احد الامراء فقاتله داود فقتل الامير وانهزم جنوده وتضعضعوا وارتفعت معنويات السلاجقه.

وعاد داود الى مرو واحسن السيره فى اهلها، وفى اول جمعه من شهر رجب سنه 428هـ خطب باسمه ولقب بملك الملوك.

ثم التقى داود وسباشى فى شعبان سنه 428 هـ على باب سرخس، فانهزم سباشى وسار ومن معه الى هرات، فتبعهم داود الى طوس وغنم اموالهم، فكانت نتيجه هذه المعركه ان ملك السلاجقه خراسان ودخل طغرل بك نيسابور وخطب له فيها فى شعبان باسم السلطان الاعظم، وارسل الحكام الى النواحى.

وسار داود الى هرات، واضطر مسعود الى الذهاب بنفسه الى خراسان بجيش كبير فيه عدد كثير من الفيله ووصل الى بلخ فزحف اليه داود ونزل قريبا منها.

ثم سار مسعود من بلخ يقود مئه الف فارس فوصل الجوزجان وقبض على واليها السلجوقى فصلبه، ثم واصل سيره الى مرو الشاهجان. ومشى داود الى سرخس والتقى باخويه طغرل بك وبيغو، فارسل اليهم مسعود عارضا الصلح، فذهب اليه بيغو بالجواب فتلقاه مسعود بحفاوه بالغه، ولكن الجواب كان باننا لا نثق بمصالحتك بعد الذى كان بيننا.

وبهذا الجواب انقطع امل مسعود بالصلح فسار من مرو الى هرات، فقصد داود مرو فقاومته وحاصرها سبعه اشهر مواصلا قتالها حتى سلمت.

وكان لتسليم مرو وقع الصاعقه على مسعود، فترك هرات الى نيسابور ثم الى سرخس، وكلما تبع السلاجقه الى مكان تركوه الى غيره، حتى كان الشتاء فاقاموا بنيسابور ينتظرون الربيع.

فلما جاء الربيع كان مسعود مشغولا بلهوه وشربه، وانقضى الربيع والامر كذلك، فلما جاء الصيف نبهه خواصه الى ما هو مستفزين له على التصدى لاعدائه السلاجقه، فاستجاب لهم وسار من نيسابور الى مرو لمطارده السلاجقه، فدخلوا البريه فدخلها وراءهم فى مرحلتين، وكان جنوده قد ضجروا من طول السفر وسئموا الترحل طيله ثلاث سنين، بعضها مع سباشى وبعضها معه.

فلما دخل البريه اضطر لنزول منزل قليل الماء فى حر شديد..

وكان داود ومعه جل السلاجقه بازائه، والاخرون مقابل ساقه عساكره يتخطفون من تخلف منهم.

وزاد امر مسعود بلاء ان حواشيه اختصموا وجمع من عسكره على الماء وازدحموا وقامت الفتنه بينهم وادى الحال الى الاقتتال والتناهب، مما ادى الى تخلخل معنويات الجند وراحوا يتذاكرون فى التخلى عن مسعود.

ووصلت اخبار ما هم فيه الى داود فباغتهم وهم فى هذه الحال فولوا منهزمين وكثر القتل فيهم وتمت الهزيمه...

ومضى مسعود فى نحو مئه فارس حتى اتى غرشستان((15)).

وكانت غنائم السلاجقه لا حصر لها، ونزل داود فى سرادق مسعود وقعد على كرسيه. وسار طغرل بك الى نيسابور فدخلها آخر سنه 431 ونهب اصحابه الناس.

وانتهى الامر باستيلاء السلاجقه على جميع البلاد، فسار بيغو الى هرات فدخلها، وسار داود الى بلخ فثبت فيها والى مسعود وقاوم وارسل الى مسعود فى غزنه يستمده، فارسل اليه مسعود مددا قويا، فقصد قسم منهم الرخج((16)) وفيها جمع من السلاجقه فقاتلوهم فانهزم السلاحقه وخلت تلك الاماكن منهم.

ومضى الاخرون الى هرات، وفيها بيغو فقاتلوه ودفعوه عنها. ثم ارسل مسعود ولده مودودا فى جيش كبير مددا لمقاتليه هناك. ولكن الاقدار كانت لمسعود بالمرصاد.

الانقلاب على مسعود وقتله

سار مودود الى بلخ مددا لواليها لرد داود السلجوقى عنها، وكان مع مودود وزير ابيه ابو نصر احمد بن محمد بن عبد الصمد يدبر له الامور ويساعده فى مهمته.

اما مسعود فبعد اطمئنانه الى مسير الجيش السائر لانقاذ بلخ، توجه بعد سبعه ايام من مسير الجيش، قاصدا الهند ومعه اخوه محمد.

وكان سفره الى الهند بقصد اعداد حمله يستعين بها على حرب السلاجقه الذين كان قد ايقن باستفحال امرهم وعجزه، بما لديه من قوى عن قمعهم، فلما عبر نهر سيحون معبرا معه بعض الخزائن، استغل انوشتكين البلخى فرصه انفراده فضم اليه جماعه من الغلمان الداريه، ونهبوا ما كان قد تخلف من الخزائن، واعلنوا اقامه محمد فى الاماره بدل اخيه مسعود، وجاءوا محمدا فسلموا عليه بالاماره، فرفض ذلك واباه عليهم، فهددوه، وارغموه، فاجاب، ومضوا لحرب مسعود، والتقى الفريقان فى حرب ضاريه، ادت الى انهزام مسعود، وتحصنه فيما يسميه ابن الاثير((17)) رباط ماريكله فحصروه فيه، ثم خرج اليهم مستسلما فقال له اخوه محمد: انظر اين تريد ان تقيم، حتى ابعثك اليه، ومعك اولادك وحرمك، فاختار قلعه كيكى فانفذه اليها محفوظا وامر باكرامه وصيانته.

وفوض محمد امر الدوله الى ولده احمد، وكان اهوج متخبطا فاتقن مع ابن عمه يوسف بن سبكتكين على قتل مسعود ليصفوا الملك له ولوالده فقتلاه.

ووصل خبر قتل مسعود الى ولده مودود وهو بخراسان فعاد بعساكره الى غزنه فالتقى بجيشه جيش عمه محمد فانهزم محمد وجيشه، وقبض مودود على محمد وولده احمد وانوشتكين البلخى وغيرهم فقتلهم، وعاد الى غزنه.

فلما بلغ اهل هرات انتصار مودود ثاروا على من عندهم من السلاجقه واخرجوهم منها بانتظار حاكم مودود. وكان مودود قد استقر امره فى غزنه، كما استقر فى الهند. وفى سنه 433 هـ وكان طغرل بك يملك جرجان وطبرستان ويولى عليها ويعود الى نيسابور. وفى سنه 434 سار الى خوارزم واستولى عليها.

وفى السنه نفسها خرج من خراسان الى الرى فتسلمها وتسلم غيرها من بلد الجبال.

وارسل الى ملك الديلم يدعوه الى الطاعه ويطلب منه مالا فاستجاب له وحمل اليه مالا وعروضا. وسار الى همذان فملكها.

وفى سنه 435هـ سير مودود بن مسعود جيشا الى نواحى خراسان فارسل داود اخو طغرل بك - وهو صاحب خراسان - ولده الب ارسلان فى جيش فاقتتلوا فكان النصر لالب ارسلان.

وفى سنه 436هـ كان (السلطان) طغرل بك يستكمل ادوات (السلطنه) فيتخذ له وزيرا هو ابو القاسم على بن عبداللّه الجوينى، ثم وزر له بعده رئيس الروساء ابو عبداللّه الحسين بن على بن ميكائيل، ثم وزر له بعده نظام الملك ابو محمد الحسن بن محمد الدهستانى، وهو اول من لقب نظام الملك، ثم وزر له بعده عميد الملك الكندرى، وهو اشهر وزرائه، وسبب شهرته ان طغرل بك فى ايامه عظمت دولته ووصل الى العراق وخطب له بالسلطنه.

وفى سنه 437هـ ارسل طغرل بك اخاه ابراهيم ينال الى بلد الجبل فملكها، ثم سار الى همذان والدينور وقرميسين فملكها بعد ان اسرفه فى القتل والسبى والنهب فى الثالثه لانه لقى فيها مقاومه. ثم سار الى الصيمره وحلوان فاحرق هذه ونهبها.

واتجهت جماعه من السلاجقه الى خانقين مطاردين اهل حلوان وانتشروا فى تلك النواحى وبلغوا (مايدشت) وما يليها فنهبوها واغاروا عليها.

وفى سنه 438هـ كان طغرل بك يحاصر اصفهان فلا يظفر بها، وانتهى الامر بحمل مال اليه، وان يخطب له فيها وفى اعمالها.

وفى سنه 439 كان السلاجقه يمتدون الى البندينجين فينهبونها ويفعلون الافاعيل القبيحه، من القتل، والنهب، وافتراش النساء، والعقوبه على تخليص الاموال، فمات منهم جماعه لشده الضرب كما نص ابن الاثير فى الكامل((18)).

ووصلوا الى ضواحى (باجسرى) فقتلوا الرجال، وغنموا الاموال، ونهبوا الاعمال، وعم ذلك باجسرى والهارونيه وقصر سابور، وجميع تلك الاعمال، وهلك من اهل تلك النواحى المنهوبه خلق كثير، فمنهم من قتل ومنهم من غرق، ومنهم من قتله البرد((19)). ووصل الخبر الى بغداد بانهم عازمون على قصد بغداد فدب الذعر فى الناس.

ثم اتجهوا الى السيروان فحصروا القلعه وارسلوا سريه نهبت البلاد وانتهت الى مكان بينه وبين تكريت عشره فراسخ. والتجا الى بغداد من اهل طريق خراسان خلق كثير، وذكروا من حالهم ما ابكى العيون((20)).

وفى سنه 440هـ استولوا على شهرزور وحاصروا تيرانشاه ولكن وقوع الوباء دفعهم عنها واستردت منهم شهرزور.

ولما وصلت اخبار تنامى قوه السلاجقه وبسط سلطتهم لما وصلت الى جماعاتهم فيما وراء النهر اقبل منهم خلق كثير الى حيث يقيم ابراهيم ينال، فقال ابراهيم: بلادى تضيق عن مقامكم والقيام بما تحتاجون اليه، والراى ان تمضوا الى غزو الروم، وانا سائر على اثركم.

فسبقوه وتبعهم، فوصلوا الى (ملازكرد)، و(ارزن الروم) و(قاليقلا) وبلغوا طرابزون وكل تلك النواحى. فزحف اليهم الروم والانجاز بما يبلغ خمسين الف مقاتل، فدارت الحرب سجالا، ثم انتصر السلاجقه فكانت غنائمهم كثيره. وراحوا ينهبون ويتقدمون حتى لم يبق بينهم وبين القسطنطينيه الا خمسه عشر يوما.

يقول ابن الاثير((21)): واستولوا على تلك النواحى فنهبوها وغنموا ما فيها، وسبوا اكثر من مئه الف راس، واخذوا من الدواب والبغال والغنائم والاموال ما لا يقع عليه الاحصاء.

وفى سنه 441 وقع الخلاف بين طغرل بك واخيه ابراهيم ينال حتى وصل الامر الى اقتتال جيشيهما وانهزام ينال والقبض عليه ثم احسان اخيه اليه.

وتوطد امر طغرل بك وعلت سلطته فارسل الى حاكم مقاطعه دياربكر ان يقيم له الخطبه فى بلاده ففعل، واحس البزنطيون انه اصبح فى جوارهم حكم قوى فراسل ملكهم طغرل بك وهاداه وطلب اليه ان يتعاهدا فاستجاب له، واعيد تعمير مسجد القسطنطينيه وخطب فيه لطغرل بك.

يقول ابن الاثير((22)): ودان حينئذ الناس كلهم له، وعظم شانه وتمكن ملكه وثبت.

ونستطيع القول: ان هذه المرحله هى مرحله قيام الدوله السلجوقيه وابتداء امرها ابتداء لا ينقصه شى‏ء من حقائق الدول ومظاهرها.

كان ابو منصور بن علاء الدوله صاحب اصفهان على تجاذب مع طغرل بك تاره يطيعه، وتاره يتمرد عليه، فلما انتهى طغرل بك من عصيان اخيه ابراهيم ينال، مضى الى اصفهان عازما على احتلالها فاستعصت عليه، وظل على حصارها نحو سنه، واخيرا استسلمت ودخلها فى المحرم من سنه 443 فاحسن فيها السيره، واستطابها فنقل ما كان له فى الرى من مال وذخائر وسلاح اليها وجعلها عاصمته.

على ان بعض الشرائح السلجوقيه لم تفهم حقيقه قيام الدوله بسلطتها المركزيه، فظلت تتصرف تصرفا قبائليا، فالب ارسلان بن داود اخى طغرل بك سار من مدينه مرو بخراسان الى بلاد فارس دون ان يعلم عمه طغرل بك، فوصل الى مدينه (فسا) واحتلها واحدث فيها مذبحه ونهبها واسر الالاف من رجالها.

يقول ابن الاثير((23)): وكان الامر عظيما. ثم عادوا الى خراسان.

وراح طغرل بك يمد فى ملكه فاستولى على آذربيجان وسار الى ارمينيه وقصد الى ملا زكرد وكانت للبيزنطيين فحصرها وضيق على اهلها ونهب ما جاورها من البلاد واخربها واسر من رجالها، وبلغ حتى ارزن الروم، وعند حلول الشتاء عاد الى آذربيجان دون ان يملك ملازكرد. ثم توجه الى الرى فاقام بها حتى دخلت سنه‏447هـ.

السلاجقه فى العراق

سنه 447 بدت نيه الملك السلجوقى طغرل بك فى الاستيلاء على العراق، فاعلن اول ما اعلن انه، يريد الحج واصلاح طريق مكه((24))، وقد مهد بهذا الشعار ليبرر زحفه الى العراق. ولم يكتف بهذا الاعلان، بل اضاف اليه انه يزيد المسير الى الشام ومصر وازاله المستنصر الفاطمى صاحبها.

وراح يعد لامر الفتح عدته فاتصل بانصاره بالدينور وقرميسين وحلوان خاصه لقرب هذه المناطق من العراق، كما اتصل بغيرها مما هو ابعد منها، واوصاهم باعداد الميره وجمع الاقوات والعلوفات والتهيو للتقدم عندما يطلب اليهم ذلك.

ثم لم يلبث ان مشى الى حلوان وانتشرت جماعته فى طريق خراسان، وارسل الى خليفه بغداد يعلن فيه تابعيته له وطاعته لاوامره، بل وعبوديته.

وكان فى بغداد جماعات كثيره من الاتراك فكتب اليهم يمنيهم ويعدهم بالخير العميم.

اما الخليفه فقد كان هواه مع طغرل بك فامر الخطباء فى جوامع بغداد بان يخطبوا لطغرل بك، واما الاتراك فقد انكروا امر طغرل بك وبعثوا الى الخليفه برايهم.

واما الملك البويهى (الرحيم)((25)) فقد سلم امره الى الخليفه ليقرر ما يشاء، وكذلك فعل من كان مع الرحيم من الامراء، فكان راى الخليفه ان يرسلوا رسولا الى طغرل بك باعلان الطاعه، ففعلوا.

ثم ارسل الى الخليفه يستاذنه فى دخول بغداد فاذن له، وخرج لاستقباله موكب حاشد فيه الوزير رئيس الروساء والقضاه والنقباء والاشراف واعيان الدوله مع وجوه الامراء من عسكر الرحيم. فلما علم طغرل بك بتوجه المستقبلين اليه ارسل وفدا من قبله لملاقاتهم وزيره ابا نصر الكندرى مع بعض الامراء ودخل بغداد.

اذا كان طغرل بك قد استقبل - حكوميا - بهذا الاستقبال الحافل، فان عواطف الشعب لم تكن متوافقه مع هذا الاستقبال الحكومى.

ومن الغريب - كما سنرى - ان دخول طغرل بك الى بغداد واعلان اسمه فى الخطبه، كان يعنى نهايه الحكم البويهى الشيعى وحلول الحكم السلجوقى السنى مكانه، ومع ذلك فان البغداديين السنيين هم الذين بادروه بالمقاومه والثوره، فى حين قابله الشيعه بالهدوء والسكينه وحمايه جنوده من الاعتداءات السنيه عليهم!! ان المورخ لا يستطيع ان يمر بهذا الامر دون ان يقف عليه وقوفا طويلا، ودون ان يتساءل لماذا قابل سنيو بغداد طغرل بك وحكمه السلجوقى، بهذه الغضبه الدمويه، ولماذا كان هدوء الشيعه وسكينتهم؟!..

الحقيقه فى ذلك تشرف البويهيين وحكمهم، وتدل على ان البويهيين لم يكونوا يوثرون فريقا على فريق، فالسنيون لم يروا فى زوال حكمهم زوال عهد كان لا ينصفهم ويتعصب عليهم، والشيعه لم يروا فى ذلك خسرانا، لان الحكم الزائل لم يكن يميزهم بشى‏ء، فهم لا يخسرون شيئا بزواله وحلول حكم آخر محله، وقد فضلوا ان يبادروه بالاحسان اليه كما سنرى والسكوت عنه اتقاء لشر يمكن ان يحل بهم منه.

وثوره السنيين انما جاءت لما كان يتسرب اليهم من اخبار مظالم السلاجقه فيما كان بايديهم من بلاد.

بدات الاضطرابات ابتداء غريبا، فابن الاثير يقول((26)): لما وصل السلطان طغرل بك بغداد دخل عسكره البلد للامتيار وشراء ما يريدونه من اهلها، واحسنوا معاملتهم. ثم يقول: فلما كان الغد جاء بعض العسكر الى باب الازج واخذ واحدا من اهله ليطلب منه تبنا، وهو لا يفهم ما يريدون، فاستغاث عليهم وصاح العامه بهم ورجموهم وهاجوا عليهم.

وسمع الناس الصياح فظنوا ان الملك الرحيم وعسكره قد عزموا على قتال طغرل بك، فارتج البلد من اقطاره، واقبلوا من كل حدب ينسلون، يقتلون من الغز من وجد فى محال بغداد الا اهل الكرخ (الشيعه) فانهم لم يتعرضوا الى الغز، بل جمعوهم وحفظوهم (انتهى).

فى اليوم الاول كان التعامل حسنا بين الجنود (الغز) جنود طغرل بك وبين البغداديين، فالجنود امتاروا من تجار بغداد واحسنوا التعامل معهم، وفى اليوم الثانى جاء جماعه منهم يريدون شراء التبن لدوابهم، ويبدو جليا انهم لم يكونوا يعرفون كلمه (التبن) العربيه، فحاولوا افهام احد الماره ما يريدون فاخذوه جانبا ليتفاهموا معه، فظن انهم يريدون به شرا، فاستنصر بالناس فنصروه وتالب عليهم الجمهور وصاحوا بهم ورجموهم وتكاثروا عليهم!.

لو كان البغداديون مبتهجين بزوال الحكم البويهى الشيعى لاغضوا عن استنجاد ذاك الفرد المستنجد ولاقبلوا اليه والى من استنجد عليهم محاولين الاستفهام عما يجرى ولغضوا المشكل بين الفريقين باهون سبيل..

ولو كانوا مستبشرين بقدوم من اراحهم من حكم البويهيين لطيبوا خاطر الجنود الغز وتعرفوا الى حاجتهم وبادروا بارشادهم الى باعه التبن واعتذروا اليهم عن سوء ظن ذاك الفرد بهم، ولتصافوا جميعا وانتهى الامر بالتوادد والتحابب.

ولكن البغداديين كانوا آسفين لانقضاء العهد البويهى غاضبين على من انهاه، فلم يكادوا يسمعون صرخه الاستنجاد حتى هاجموا جنود طغرل بك ورجموهم دون ان يحاولوا الاستفسار عن سبب الخلاف، والاستعلام من الجنود عما يريدون.

على ان الاخطر من ذلك هو ان الامر لم يقتصر على من شهدوا التجاذب بين البغدادى وجنود طغرل بك فهاجوا على الجنود ورجموهم، بل تعدى الى الجمهور البغدادى السنى كله، هذا الجمهور الذى وصفه ابن الاثر بقوله:

(وسمع الناس الصياح، فظنوا ان الملك الرحيم وعسكره قد عزموا على قتال طغرل بك فارتج البلد من اقطاره، واقبلوا من كل حدب ينسلون، يقتلون من الغز من وجد فى محال بغداد، الا اهل الكرخ (الشيعه) فانهم لم يتعرضوا الى الغز وحفظوهم) ومعنى ذلك ان البغداديين حين علموا بتسليم الملك البويهى بالامر الواقع وعدم مقاومته للاحتلال السلجوقى سكتوا وسلموا مثله بالامر الواقع. ولكنهم حينما سمعوا الصياح وراوا اشتباك مواطنيهم مع الغز جنود طغرل بك، ظنوا بان الملك البويهى (الرحيم) غير رايه وعزم على المقاومه، لذلك ارتج البلد بهم واقبلوا من كل حدب ينسلون، وراحوا يقتلون كل من يصادفونه من الجنود، واعلنوها ثوره عامه على طغرل بك واحتلاله.

اما اهل الكرخ (الشيعه) فقد كان موقفهم مغايرا، ويبدو واضحا انهم لم يشاركوا فى هذه الثوره، بل راحوا يجمعون الجنود الغز ويحفظونهم.

وهذا ما يدعو الى التفكير الطويل: السنيون يثورون على المحتل السنى القادم اليهم، وينتصرون للحاكم الشيعى ويثورون معه حين توهموا انه ثائر على المحتلين، ولا يبالون ان يقتلوا الجنود السنيين حيث وجدوهم.

والشيعه يقفون على الحياد فلا ينتصرون للحاكم الشيعى، ولا يثورون على الحاكم السنى، ويزيدون على ذلك بان يجمعوا الجنود السنيين ويحموهم ويصونوا دماءهم!!