التفسير الصحيح لذلك - كما اشرنا من قبل -
هو ان الحكم
البويهى كان حكما عادلا غير متحيز لفريق على فريق،
وان
السنيين كانوا راضين كل الرضا عن هذا الحكم الذى لم
يسىء
لا الى حياتهم العامه ولا الى مذهبيتهم، ولم يتدخل
فى
طقوسهم وعقائدهم، بل تركهم احرارا فى كل شىء،
والحريه
هى مطمح الانسان، فاذا حصل عليها فكل شىء بعدها
يهون.
وكل ما فعله الحكم البويهى هو انه كما ترك السنيين
احرارا،
رفع الحيف عن الاخرين واعاد اليهم حريتهم
المغتصبه،
وتركهم يمارسون هذه الحريه فى طقوسهم وعقائدهم..
وبذلك تساوى الجميع، بعد ان كانت الحريه لفريق دون
فريق..
وسمعه الحكم السلجوقى كانت سيئه لدى البغداديين،
واخبار
مظالمه كانت تصل اليهم.
لذلك رايناهم يقفون منه ذاك الموقف الحاد حين راوه
يصل
اليهم. والانسان لا تهمه حريته العقائديه فقط، بل
تهمه حريته
الكامله، فماذا يجديه اذا كانت تترك له حريته
العقائديه فى
حين تسلب منه حريه الحياه فى كرامته وماله وعيشه
واجتنائه
العدل الاجتماعى.
ونحن هنا لا نريد ان نستعرض الحكم البويهى الذى
قابل
البغداديون انتهاءه بالثوره على من انهاه، وحسبنا
فى ان نورد
نماذج مما شهد به المورخون من نصاعه الحكم البويهى،
فابن
الاثير((27))
يقول مثلا وهو يتحدث عن ظفر معز الدوله ابى
الحسين احمد بن بويه بياقوت وملك شيراز بعد معركه
شرسه.
يقول: كان معز الدوله فى ذلك من احسن الناس اثرا، ثم
يقول
ان معز الدوله وجد فيما غنمه بعد النصر: برانس لبود
عليها
اذناب الثعالب ووجد قيودا واغلالا، فسال عنها،
فقال اصحاب
ياقوت: ان هذه اعدت لكم لتجعل عليكم ويطاف بكم فى
البلاد.
فاشار اصحاب معز الدوله ان يفعل بهم مثل ذلك،
فامتنع وقال:
انه بغى ولوم ظفر، وقد لقى ياقوت بغيه.
ثم احسن الى الاسارى، واطلقهم وقال: هذه نعمه
والشكر
عليها واجب يقتضى المزيد، وخير الاسارى بين المقام
عنده
واللحوق بياقوت، فاختاروا المقام عنده، فخلع عليهم
واحسن
اليهم.
وسار من موضع الوقعه حتى نزل بشيراز، ونادى فى
الناس
بالامان وبث العدل، واقام لهم شحنه يمنع من ظلمهم...
ويصفه عند ذكر موته (ص575) بقوله: كان حليما كريما
عاقلا.
وعندما يتحدث ابن الاثير (ص 670) عن ركن الدوله
البويهى
يقول:
كان حليما، كريما، واسع الكرم، كثير البذل، حسن
السياسه
لرعاياه، وجنده رووفا بهم، عادلا فى الحكم بينهم،
وكان بعيد
الهمه، عظيم الجد والسعاده، متحرجا من الظلم،
مانعا
لاصحابه منه، عفيفا عن الدماء، يرى حقنها واجبا الا
فيما لا بد
منه. وكان يحامى على اهل البيوتات وكان يجرى عليهم
الارزاق ويصونهم عن التبذل، وكان يقصد المساجد
الجامعه
فى اشهر الصيام، للصلاه، وينتصب لرد المظالم،
ويتعهد
العلويين بالاموال الكثيره، ويتصدق بالاموال
الجليله على ذوى
الحاجات، ويلين جانبه للخاص والعام.
ثم يختم ابن الاثير الحديث عنه قائلا: رضى اللّه عنه
وارضاه.
ومثل هذا القول لا يقال الا للخلفاء الراشدين.
ويقول ابن الاثير عن عضد الدوله: كان عاقلا فاضلا
حسن
السياسه كثير الاصابه شديد الهيبه بعيد الهمه ثاقب
الراى محبا
للفضائل واهلها باذلا فى مواضع العطاء مانعا فى
اماكن الحزم
ناظرا فى عواقب الامور((28)). وبنى على مدينه النبى(ص)
سورا((29))
وكان لا يعول فى الامور الا على الكفاه، ولا يجعل
للشفاعات طريقا الى معارضه من ليس من جنس الشافع
ولا
فيما يتعلق به.
حكى عنه انه مقدم جيشه اسفار بن كردويه شفع فى بعض
ابناء
العدول ليتقدم الى القاضى ليسمع تزكيته ويعدله،
فقال: ليس
هذا من اشغالك، انما الذى يتعلق بك الخطاب فى زياده
قائد،
ونقل مرتبه جندى وما يتعلق بهم. واما الشهاده
وقبولها، فهو
الى القاضى، وليس لنا، ولا لك الكلام فيه، ومتى عرف
القضاه
من انسان ما يجوز معه قبول شهادته، فعلوا ذلك بغير
شفاعه.
وكان يخرج فى ابتداء كل سنه شيئا كثيرا من الاموال
للصدقه
والبر فى سائر بلاده، ويامر بتسليم ذلك الى القضاه
ووجوه
الناس ليصرفوه الى مستحقيه.
وكان يوصل الى العمال المتعطلين ما يقوم بهم
ويحاسبهم به
اذا عملوا. وكان محبا للعلوم واهلها مقربا لهم
محسنا اليهم،
وكان يجلس معهم يعارضهم فى المسائل، فقصده العلماء
من
كل بلد وصنفوا له الكتب منها: الايضاح فى النحو،
والحجه فى
القراءات، والملكى فى الطب، والتاجى فى التاريخ
الى غير ذلك،
وعمل المصالح فى سائر البلاد كالبيمارستانات
(المستشفيات)
والقناطر (الجسور) وغير ذلك من المصالح العامه.
هذه نماذج مما تحدث به المورخون عن رجال الحكم
البويهى،
لذلك لا نعجب اذا راينا البغداديين الذين لم يكونوا
على
مذهبهم يغضبون لزوال حكمهم ويثورون على من ازال هذا
الحكم.
اما الشيعه فلم يشاءوا ان يورطوا انفسهم فى ثوره
اعتقدوا انها
فاشله، فيجعلوا للحاكم الجديد سبيلا للايغال فى
اضطهادهم،
وراوا ان يكون لهم يد بيضاء عنده فى حمايتهم لجنوده
وعدم
التعرض لهم بالاذى وصون دمائهم. لعل هذه اليد تردعه
عما
يتوقعون من شره!..
وبالفعل فقد بدا ان موقفهم هذا قد اثمر ولكن الموسف
ان هذا
الاثمار كان الى حين.
لقد بلغ طغرل بك ما فعله الشيعه من حمايه جنوده،
فامر
باحسان معاملتهم وارسل وزيره الى نقيب العلويين
عدنان بن
الشريف الرضى الذى كان يتولى نقابه العلويين بعد
وفاه عمه
الشريف المرتضى، وقد كان عدنان هذا ابرز شخصيه
شيعيه فى
بغداد، بل كان راس الشيعه فيها.
ارسل الوزير الى النقيب يطلب اليه الحضور
لمقابلته، فجاء اليه
فشكره باسم طغرل بك، وترك عنده خيلا بامر طغرل بك
تحرسه وتحرس المحله كلها.
ومعنى ذلك انهم كانوا يتوجسون من اعتداءات ربما تقع
على
النقيب وعلى المحله بسبب الموقف الحيادى الذى
وقفته.
لقد كانت الثوره على الحكم الجديد ثوره هوجاء بدون
قياده
وبدون تخطيط، فالعامه حين راوا انهم نجحوا فى قتل
من
قتلوا من الجنود، خرجوا الى ظاهر بغداد حيث يعسكر
الجيش
السلجوقى، وخرج معهم جماعه من العسكر، بقصد
الاشتباك
بالجيش.
وفى تقديرات ابن الاثير ((30)) انه لو خرج معهم الملك
الرحيم
ومن لديه من جنود لانتصرت الثوره.
وهذا غير بعيد، لان فى ذلك على الاقل وجود قياده،
ووجود
جنود محترفين.
ولكن يبدو ان (الرحيم) لم يكن من رجال مثل هذا الموقف
الذى يقتضى شجاعه وحزما وحسن تدبير، لذلك تخلف عن
الالتحاق بالثائرين وتخلف معه جنوده.
اما اعيان اصحابه فقد اسرعوا دفعا للتهمه عنهم الى
دار
الخلافه واقاموا فيها.
ووقع الصدام خارج بغداد بين الجماعات الثائره وبين
الجيش
السلجوقى وكثرت القتلى من الفريقين.
وكان من الطبيعى ان تكون نهايه تلك الجماعات:
الهزيمه، لانه
كان يعوز ثورتها شيئان: التخطيط، والقياده.
وكان هذان الشيئان الاساسيان مفقودين لدى الثوار
المقاتلين،
اذ ان ثورتهم انبعثت من انفعال جماهيرى طارىء
فانتهت الى
الهزيمه، واحكام سيطره طغرل بك على بغداد.
تحققت هواجس البغداديين فافتتح الحكم السلجوقى
امره
بالنهب، ويصف ابن الاثير ما كان يجرى قائلا: ونهب
الغز درب
يحيى ودرب سليم، وبه دور رئيس الروساء ودور اهله
فنهب
الجميع. اه ورئيس الروساء هذا هو وزير الخليفه وهو
الذى
ذكرنا من قبل انه خرج على راس موكب حافل لاستقبال
طغرل بك.
فلم يشفع له منصبه واستقباله وحفاوته، بل نهبت دوره
ودور
اهله.
ويسترسل ابن الاثير فى وصف ما افتتح به السلاجقه
حكمهم
فى العراق قائلا: ونهبت الرصافه وترب الخلفاء واخذ
منها من
الاموال ما لا يحصى، لان اهل تلك الاصقاع نقلوا
اليها اموالهم
اعتقادا منهم انها محترمه.
ووصل النهب الى اطراف نهر المعلى، واشتد البلاء على
الناس
وعظم الخوف اه.
وتجاهل طغرل بك ذلك كله، وكل ما فعله انه اراد
التخلص من
ارتباطات وعوده للملك الرحيم التى كانت بتوسط
الخليفه،
فارسل الى الخليفه يعتب، وينسب ما جرى الى الملك
الرحيم
واجناده، ويقول اذا حضروا برئت ساحتهم، وان تاخروا
عن
الحضور ايقنت ان ما جرى انما كان بوضع منهم. وارسل
للملك
الرحيم واعيان اصحابه امانا لهم، فطلب اليهم
الخليفه ان
يذهبوا الى طغرل بك وارسل معهم رسولا من قبله
يبرئهم مما
يتهمهم به طغرل بك.
فلما وصلوا الى خيامه نهبهم الجنود ونهبوا رسل
الخليفه
واخذوا دوابهم وثيابهم((31)).
ومع ان احتلال السلاجقه للعراق ودخول طغرل بك بغداد
كان
فى حقيقه الامر نتيجه تواطو بين السلاجقه والخليفه
تخلصا
من سيطره البويهيين على الخلافه، فان هيبه الخلافه
انتهكت
من السلاجقه فى اول يوم وصلوا فيه الى بغداد، وذلك
باهانه
رسل الخليفه ونهبهم وتجريدهم حتى من ثيابهم.
وزيد فى الامر ان الملك الرحيم ومن معه انما ذهبوا
الى طغرل
بك بضمان الخليفه ورساله بتبرئتهم، ولكن طغرل بك لم
يبال
بذلك، فبمجرد دخولهم عليه، امر بالقبض عليهم
وسجنهم، ثم
ارسل الملك الرحيم معتقلا الى قلعه السيروان.
وهال الخليفه ما لحقه من الاهانه بالقبض على الرحيم
واصحابه، وما كان قد جرى على رسله، ونهب بغداد على
مراى
ومسمع منه، فارسل الى طغرل بك ينكر ما جرى من القبض
على الرحيم وجماعته، والاعتداء على قصر الخلافه
بغداد
ونهبها وترويع اهلها. ويقول فى رسالته:
(انهم (الرحيم وصحبه) انما خرجوا اليك بامرى وامانى،
فان
اطلقتهم، والا فانا افارق بغداد، فانى انما اخترتك
واستدعيتك
اعتقادا منى ان تعظيم الاوامر الشريفه يزداد،
وحرمه الحريم
تعظم، وارى الامر بالضد).
وازاء هذه الغضبه الخليفيه اطلق طغرل بك بعض
المقبوض
عليهم، اما الرحيم وهو المقصود الاول بكلام
الخليفه فقد
احتفظ به مقبوضا عليه وارسله معتقلا سجينا الى قلعه
السيروان، كما مر.
وهكذا ظلت غضبه الخليفه بلا نتيجه عمليه، فكان هذا
بدايه
الاستهتار بمقام الخلافه، وبدايه اذلالها واحكام
السيطره عليها.
واما ما يتعلق باحتجاج الخليفه على ما جرى على اهل
بغداد،
فقد قوبل بمد النهب والترويع الى ما يتجاوز بغداد
ويصل الى
سوادها واريافها، وظل المد يتعاظم حتى صار مداه من
الجانب
الغربى من تكريت الى النيل((32)) ومن الشرقى الى
النهروان((33))
واسافل الاعمال، كما ذكر ابن الاثير((34)).
اى ان النهب شمل معظم العراق.
ويضيف ابن الاثير الى ذلك قائلا: وخرب السواد واجلى
اهله
عنه((35)).
هذه هى فاتحه اعمال السلاجقه فى العراق التى عموا
بها
العراقيين جميعا السنيين منهم والشيعه.
على انهم لم ينسوا ان يخصوا الشيعه الذين لم
يشاركوا فى
الثوره عليهم، وحموا جنودهم من القتل وآووهم فى
دورهم لم
ينسوا ان يخصوهم بنوع من الجور لا يطال غيرهم.
فالشيعه لا
يقولون فى اذان السحر: (الصلاه خير من النوم)، بل
يقولون
بدلا عن ذلك (حى على خير العمل).
فاذا باوامر طغرل بك من اول يوم تتدخل فى شوونهم
المذهبيه وتفرض عليهم ان يتركوا حى على خير العمل،
ويبدلوها بالصلاه خير من النوم.
فى حين ان البويهيين الذين طال حكمهم فى بغداد
والعراق
لم يتدخلوا فى مثل هذه الشوون، وتركوا الناس احرارا
فى
طقوسهم المذهبيه.
وسينال الشيعه ما هو اشد من هذا وافظع.
طغرل بك فى العراق
وهذا الخليفه الذى تامر مع السلاجقه على
البويهيين، عامله
السلاجقه بالمهانه منذ اليوم الذى دخلوا فيه
بغداد، كما راينا
فيما تقدم من الاحداث. وتوالت هذه المهانه الى الحد
الذى لم
ير فيه الملك السلجوقى ان عليه ان يزور الخليفه!..
واذا كان ما لقيه الخليفه هو المهانه، فان ما لقيه
الشعب هو
الاذلال والافقار. يقول ابن الاثير((37)) (طال مقام السلطان
طغرل بك ببغداد وعم الخلق ضرر عسكره، وضاقت عليهم
مساكنهم فان العسكر نزلوا فيها وغلبوهم على
اقواتهم وارتكبوا
منهم كل محظور).
هذه الصوره الموجزه فى كلامها ترينا واقع الحال
التى كان
عليها اهالى بغداد فى حكم السلاجقه: الجنود
يشاطرونهم
السكنى فى دورهم.
ونستطيع ان نتصور بضعه جنود يساكنون اسره فى
منزلها،
الاسره المكونه من رجال ونساء واطفال. وعلى هذه
الاسره ان
تتكفل باطعام هولاء الجنود، وفوق ذلك يرتكب هولاء
الجنود
فى الاسره كل محظور!! والمحظورات التى لم يشا ابن
الاثير
ان يعددها نستطيع ان نتخيلها ونحسها!.
هال الخليفه القائم بامر اللّه ما يلقاه الشعب
البغدادى- لا سيما
وانه المسوول الاول عن احتلال السلاجقه لبغداد -
وما دام
السلطان السلجوقى يتجاهله، فقد راى ان لا يخاطبه،
ولا
يتصل به مباشره، فكلف وزيره الملقب رئيس الروساء:
ان يكتب
الى عميد الملك الكندرى وزير السلطان ان يحضر
لمقابله
الوزير فاذا حضر بين له عن الخليفه ما الناس فيه من
البلاء، فان
ازال ذلك، والا يساعد الخليفه على الانتزاح عن
بغداد ليبعد
عن المنكرات((38)).
ولا شك ان الخليفه قد تصرف تصرفا فيه كل الدقه
(الدبلوماسيه)، فهو لم يخاطب السلطان بنفسه، فدلل
بذلك
على انه لا يعترف به. ثم هو لم يطلب من وزيره ان يذهب
لمخاطبه وزير السلطان، بل طلب اليه استدعاءه اليه،
فدلل
بذلك على انه هو ووزيره اصحاب السلطه الشرعيه...
وجاء الكندرى وتبلغ امر الخليفه، ومضى الى السلطان
يبلغه
ذلك. فاعتذر السلطان بكثره العساكر وعجزه عن
تهذيبهم
وضبطهم، وامر الكندرى ان يبلغ عذره هذا الى وزير
الخليفه..
وبذلك ابدى اصراره على استدامه الحال على ما كانت
عليه،
ورفض تعليمات الخليفه برفع البلاء، وعدم اكتراثه
بتهديد
الخليفه بالرحيل عن بغداد...
وهنا حدث ما لم يكن بالحسبان: فقد حصلت عند سنجار
معركه حربيه بين (البساسيرى) سياتى الحديث عنه ومعه
نور
الدوله بن دبيس بن مزيد((39)) وبين قريش بن بدران صاحب
الموصل ومعه (قتلمش)((40)) فاقتتلوا قتالا شديدا
فانهزم
قريش وقتلمش وقتل العدد الكثير من اصحابهما.
اما قتلمش المنهزم باصحابه فقد لقى هو واصحابه من
اهل
سنجار الاذى البالغ.
واما قريش بن بدرن فقد جرح فى المعركه، فجاء الى نور
الدوله
دبيس بن مزيد، فرحب به دبيس واعطاه خلعه كانت قد
وصلت
من مصر فلبسها.
وانضم اليهم. وساروا جميعا الى الموصل واعلنوا
انضمامها الى
الخلافه الفاطميه وخطبوا للخليفه الفاطمى
المستنصر باللّه.
وصلت انباء ما جرى الى طغرل بك فى بغداد وهو فى
عنفوان
تجبره واستعلائه على الخليفه واصراره على اضطهاد
الشعب
العراقى.
ويبدو جليا انها وصلته فى نفس اليوم الذى رد فيه على
رساله
وزير الخليفه بما رد، وبعد ان حمل وزيره الكندرى
رده الى
وزير الخليفه.
فامام الخطر الداهم الذى فاجاته اخباره عما جرى فى
الموصل،
والخشيه من تفاقم الامور وامتداد العصيان باتجاه
بغداد، وقد
بدت طلائعه بما جرى على ابن عمه وممثله (قتلمش) فى
سنجار امام ذلك، لم يجد يدا من التراجع عن طغيانه،
واسترضاء الخليفه والبغداديين، وايجاد مخرج لذلك،
لا يبدو
فيه ضعيفا متخاذلا، متراجعا عما عزم عليه، خائفا من
الاتى.
كان المخرج هو ادعاوه انه راى فى تلك الليله فى
منامه
النبى(ص) عند الكعبه وكانه يسلم على النبى وهو معرض
عنه
لم يلتفت اليه، وقال له: يحكمك اللّه فى بلاده
وعباده فلا
تراقبه فيهم ولا تستحى من جلاله عز وجل فى سوء
معاملتهم
وتفتر باهماله عند الجور عليهم.
وتظاهر بانه استيقظ فزعا، واحضر وزيره الكندرى
وحدثه بما
ادعى انه رآه وارسله الى الخليفه يعرفه انه يقابل
ما رسم به
بالسمع والطاعه.
واخرج الجند من دور العامه، وامر ان يظهر من كان
مخفيا الى
غير ذلك...
ثم تجهز طغرل بك وترك بغداد لاخماد تمرد الموصل،
فلما
بلغ بجيشه (اوانا)((41)) نسى النبى(ص) ونسى المنام
فاعمل
جيشه النهب فيها وفى عكبرا((42)) وفى كل ما كان يمر به فى
طريقه. ووصل تكريت فسلمت البلده بمال قدمه صاحبها
لطغرل بك.
ولما وصل (البوازيج)((43)) اقام فيها حتى دخلت سنه 449هـ
فاتاه اخوه (ياقوتى) بالعساكر فسار بهم الى الموصل
واستخلصها.
ولما بدت لدبيس بن مزيد وقريش بن بدران مظاهر قوه
طغرل
بك اسرعا يوسطان من يشفع لهما عنده ويعفو عنهما
ففعل.
ولكن ابراهيم ينال اخوه قال للوزير الكندرى: من
هولاء العرب
حتى تجعلهم نظراء السلطان وتصلح بينهم؟((44)). هذا
هو
احترام السلاجقه للعرب!..((45)).
ثم سار طغرل بك الى ديار بكر وجزيره ابن عمر، ولما
كان
يحاصرها سار جماعه من الجيش الى (عمر اكمن)((46))
وفيه
اربع مئه راهب فذبحوا منهم مئه وعشرين راهبا،
وافتدى
الباقون انفسهم بسته مكايك ذهبا...
ارسلان البساسيرى
البساسيرى هو فى الاصل مملوك تركى من مماليك بهاء
الدوله بن عضد الدوله البويهى ثم صار من جمله
الامراء عند
البويهيين يرسلونه فى مهماتهم، ثم ترقت به الحال
وتقدم عند
الخليفه القائم وقلده الامور باسرها وخطب له على
المنابر
وهابته الملوك ثم جرت بينه وبين وزير الخليفه
الملقب رئيس
الروساء منافرات فخرج البساسيرى من بغداد وجمع
واستولى
على بغداد، واخرج الخليفه منها، وخطب للمستنصر
الفاطمى
وقتل رئيس الروساء شرقتله، واستولى على بغداد سنه
كامله. -
فى تفاصيل سنعرض لبعضها بقدر ما له ارتباط
بموضوعنا- .
ومما يدل على كفاءه البساسيرى، ما يذكره ابن الاثير
فى
احداث سنه 425((47)) من انه فيها استخلف
البساسيرى فى
حمايه الجانب الغربى ببغداد لان العيارين اشتد
امرهم وعظم
فسادهم وعجز عنهم نواب السلطان فاستعملوا
البساسيرى
لكفايته ونهضته.
فهو يبدو هنا اداريا حازما معدا لمواجهه صعاب
الامور.
وفى اخبار سنه 432 نقرا ان خلافا قام بين جلال الدوله
البويهى وبين قرواش بن المقلد العقيلى صاحب الموصل
وان
جلال الدوله ارسل ابا الحارث البساسيرى فى مهمه
عسكريه
ناتجه من هذا الخلاف. وفى احداث سنه 441 نقرا ان جمعا
من
بنى عقيل ساروا الى بلاد العجم من اعمال العراق
وبادوريا
فنهبوهما واخذوا من الاموال الكثير، وكانا فى
اقطاع
البساسيرى فسار من بغداد بعد عوده من فارس اليهم،
فالتقوا
هم وزعيم الدوله ابو كامل بن المقلد، واقتتلوا
قتالا شديدا ابلى
الفريقان فيه بلاء حسنا، وصبرا جميلا وقتل جماعه من
الفريقين.
وابن الاثير راوى هذا الخبر لم يحدثنا من قبل عن سفر
البساسيرى الى فارس، ولا هو حدثنا هنا عما آلت اليه
تلك
الحرب!.
وان نكن عرفنا انه قد اصبح للبساسيرى اقطاعات عديده
واسعه وان له مقاتلين ينفرون معه لقتال اعدائه
قتالا شديدا.
ثم لا نلبث ان نقرا ان حربا شديده قامت بين نور
الدوله دبيس
بن مزيد وبين الاتراك الواسطيين، وانه بعد وقوع
الهزيمه على
الواسطيين ارسلوا الى بغداد يستنجدون جندها، وانهم
بذلوا
للبساسيرى ان يدفع عنهم نور الدوله، وياخذ نهر
الصله ونهر
الفصل لنفسه.
ثم نقرا ان قرواشا اساء السيره فى اهل الانبار ومد
يده الى
اموالهم، فسار جماعه من اهلها الى البساسيرى فى
بغداد
وسالوه ان ينفذ معهم عسكرا يسلمون اليه الانبار
فاجابهم الى
ذلك، وسير معهم جيشا، فتسلموا الانبار، ولحقهم
البساسيرى
واحسن الى اهلها، وعدل فيهم، ولم يمكن احدا من
اصحابه ان
ياخذ رطل خبز بدون ثمنه، واقام فيها الى ان اصلح
حالها وقرر
قواعدها وعاد الى بغداد.
فها هنا يبدو البساسيرى صاحب عسكر مستقل بامره
يستنجد
به فينجد...
ثم نراه بعد ذلك يسير من بغداد الى طريق خراسان
ويقصد
ناحيه الدزدار ويملكها ويغنم ما فيها، وكان سعدى بن
ابى
الشوك قد ملكها وقد عمل لها سورا وحصنها وجعلها
معقلا
يتحصن به ويدخر بها كل ما يغنمه فاخذه البساسيرى
جميعه.
وفى سنه 443 نرى البساسيرى الى جانب الملك البويهى
الرحيم مع دبيس بن مزيد وغيره يشرفون على ما تحقق من
نصر للملك الرحيم فى التمرد الذى قام به جمع كثير من
العرب والاكراد فى خوزستان.
وفى احداث سنه 444 نرى ان الملك الرحيم يسلم البصره
الى
البساسيرى، وفى السنه نفسها يزوج نور الدوله دبيس
بن مزيد
ابنه بهاء الدوله منصورا بابنه ابى البركات بن
البساسيرى.
وفى سنه 445 يصل الخبر الى بغداد بان جمعا من الاكراد
وجمعا من الاعراب قد افسدوا فى البلاد وقطعوا
الطريق ونهبوا
القرى، فيسير اليهم البساسيرى ويتبعهم الى
البوازيج فيوقع
بطوائف كثيره منهم ويقتل فيهم ويغنم اموالهم
وينهزم
بعضهم فيعبرون الزاب عند البوازيج فلا يدركهم ولا
يتمكن
من العبور اليهم لزياده الماء وبذلك نجوا وفى سنه 446
يرد
اسم البساسيرى خلال ذكر فتنه فى بغداد هكذا: (وركب
جماعه من الاتراك الى دار الروم فنهبوها واحرقوا
البيع
والقلايات ونهبوا دار ابى الحسن بن عبيد وزير
البساسيرى.
اذن فقد صار للبساسيرى وزير، ولكن ما هو المنصب
الذى
يشغله ليكون له وزير؟ اننا حتى الان وفى جميع
الاحداث التى
تقدم ذكرها، لم نعثر فيما كتب عنه على اسم المنصب
الذى
يشغله او المناصب التى تدرج فيها الى ان بلغ المنصب
الذى
يصح ان يكون له فيه وزير.
على انه فى كل ما مر ذكره من تصرفاته يبدو مستقلا فى
هذه
التصرفات لا يتلقى اوامره من احد، مع انه مقيم فى
عاصمه
الحكم بغداد، وفيها الخليفه العباسى والملك
البويهى!.
ويبدو استقلاله الطاغى فيما حدث هذه السنه نفسها من
هجوم
بنى خفاجه على الجامعين((48)) واعمال نور الدوله دبيس
ونهبهم وفتكهم فى تلك النواحى، فارسل نور الدوله
الى
البساسيرى يستنجده فسار اليه منجدا وعبر الفرات
فانهزم
الخفاجيون واوقع البساسيرى بهم ونهب اموالهم
وشردهم كل
مشرد، وعاد الى بغداد ومعه منهم خمسه وعشرون رجلا
فقتل
جماعه وصلب جماعه.
وهذا كله يدل على تفرد فى السلطه لا يرجع فيه لا الى
الخليفه ولا الى الملك ولا الى الوزير. ولما حصر
قريش بن
بدران صاحب الموصل مدينه الانبار وفتحها وخطب
لطغرل
بك فيها وفى سائر اعماله ونهب ما كان فيها
للبساسيرى
وغيره، جمع البساسيرى جموعا كثيره وقصد الانبار
وحربى
فاستعادهما.
ليس فى النصوص التى هى فى ايدينا ما يدل على ان
البساسيرى كان يرجع الى احد فى تنفيذ ما يريد
تنفيذه، ولا ان
احدا ممن انجدهم كان يطلب الاستنجاد من سلطه اعلى
من
البساسيرى فتنتدب هى البساسيرى لانفاذ النجده،
فيما عدا ما
رايناه فى اول عهده بالبروز من انتدابه لحمايه
الجانب الغربى
ببغداد من تسلط العيارين عليه.
ولا انه كان يستاذن احدا فى استعمال القوه فى حمايه
ما يعتقد
انه من حقه. ثم راينا انه كان له وزير.
هذا يدل على انحلال سلطه الملك الرحيم المفروض فيه
انه
هو صاحب السلطه الفعليه فى الدوله، ويدل على عدم
جدارته
لتولى المنصب الذى وصل اليه، مما كان له الاثر
الاكبر فى
تسهيل سيطره السلاجقه على الخلافه، ودخول طغرل
بغداد
دون ان يلقى مقاومه بويهيه كان سبب فقدانها، فقدان
الكفاءه
القياديه عند الملك الرحيم ((49)).
السلطه المطلقه التى صارت للبساسيرى كان من
الطبيعى ان
لا تكون موضع رضا لا من الخليفه ولا من وزيره الملقب
(رئيس الروساء) لا سيما من الاخير، فكانا يكبتان
غضبهما
لعجزهما عن الوقوف فى وجه تنامى نفوذ البساسيرى.
وجد ان اثنين مخاصمين للبساسيرى يسميهما ابن
الاثير: ابا
الغنائم، وابا سعيد ابنى المحلبان صاحبى قريش بن
بدران
وصلا سرا الى بغداد، ما ساء البساسيرى وقال: هولاء
وصاحبهم
كبسوا حلل اصحابى ونهبوا وفتحوا البثوق واسرفوا فى
اهلاك
الناس، واراد القبض عليهم فحيل بينه وبين ذلك.
ونسب ذلك الى رئيس الروساء. واجتازت به سفينه لبعض
اقارب رئيس الروساء فمنعها، وطالب بالضريبه التى
عليها،
واسقط ما كان يدفع للخليفه شهريا من دار الضرب،
وكذلك ما
كان يدفع لرئيس الروساء وبعض الحواشى، واراد هدم
دور بنى
المحلبان فمنع من ذلك. وقال: ما اشكو الا من رئيس
الروساء
الذى خرب البلاد واطمع السلاجقه وكاتبهم.
ثم مضى الى الانبار، واحرق ناحيتى (دما) و(الفلوجه)،
وكان ابو
الغنائم بن المحلبان بالانبار قد اتاها من بغداد.
وجاء نور الدوله
دبيس الى البساسيرى معاونا له على حصر الانبار.
ونصب البساسيرى عليها المجانيق، ورماهم بالنفط،
ودخلها
قهرا، فاسر مئه نفس من بنى خفاجه واسر ابا الغنائم
بن
المحلبان بعد ان كان قد القى نفسه فى الفرات فاخذ،
ونهب
الانبار واسر من اهلها خمس مئه رجل.
وعاد الى بغداد، وامامه ابو الغنائم على جمل، وعليه
قميص
احمر، وعلى راسه برنس، وفى رجليه قيد، وصلب جماعه
من
الاسرى.
وبالرغم من شده هذا التحدى لرئيس الروساء وللخليفه
نفسه،
فقد قوبل بالصمت والهدوء، ما دل على عجزهما عن كبح
البساسيرى.
ولكن صدف بعد حين ان صديقا نصرانيا للبساسيرى كان
ينقل
فى سفينه جرار خمر فاستغل هذا الامر وحرضت العامه
بزعم
ان هذا الخمر مرسل الى البساسيرى فتجمهر خلق كثير.
ومما يدل على ان هناك تحريضا من رئيس الروساء انه
كان بين
المتجمهرين موظف كبير من موظفى الدوله يصفه ابن
الاثير
بانه (حاجب باب المراتب)، وهجم الجميع على السفينه
وكسروا جرار الخمر واراقوها.
وبلغ ذلك البساسيرى، وبلغه ما اشيع باطلا بان جرار
الخمر
مرسله اليه فعظم الامر عليه، ونسب ما جرى الى رئيس
الروساء.
فكان ان استصدر فتاوى من فقهاء الحنفيه بان الذى
فعل، من
كسر الجرار، واراقه الخمر تعد غير واجب، وهى ملك
رجل
نصرانى لا يجوز.
وحرض رئيس الروساء الاتراك البغداديين على الطعن
فى
البساسيرى وذمه والتشنيع عليه، ونسب اليه كل ما
ينالهم من
اذى.
فلم يلبثوا ان جاءوا الى الخليفه، يستاذنونه فى
التعدى على
دور البساسيرى، ونهبها فاذن لهم فساروا اليها
ونهبوها
واحرقوها ونكلوا بنسائه واهله ونوابه، ونهبوا
دوابه وجميع ما
يملكه فى بغداد.
وراح رئيس الروساء يتناول فى مجالسه البساسيرى
ذاما له،
ناسبا اليه التامر مع الخلافه الفاطميه فى مصر
ومراسله
الخليفه المستنصر.
وفسدت الامور بين الخليفه، والبساسيرى الى الحد
الذى لا
يمكن معه اصلاحها. وارسل الى الملك الرحيم يامره
بابعاد
البساسيرى فابعده.
ويقرر ابن الاثير: ان هذه الحاله كانت من اعظم
الاسباب فى
ملك السلطان طغرل بك العراق والقبض على الملك
الرحيم.
ثم حدثت معركه سنجار، والاستيلاء على الموصل التى
اشرنا
اليها فيما تقدم، وبذلك جاهر البساسيرى بالثوره
ومارسها
عمليا واعلن الانتماء الى الخلافه الفاطميه.
وفى سنه 450 قام البساسيرى بمحاوله ثانيه للاستيلاء
على
الموصل، بالتعاون مع قريش بن بدران، فاستوليا على
المدينه،
ولم يستوليا على القلعه الا بعد حصار اربعه اشهر.
وهنا كانت ثوره البساسيرى قد اصبحت ثوره على الحكم
السلجوقى الذى صار هو المسيطر على العراق، فلما بلغ
طغرل
بك ما جرى فى الموصل سارع اليها فلم يجد احدا لان
البساسيرى وقريش كانا قد غادراها، فمضى وراءهما
الى
نصيبين.
على ان طغرل بك واجه هنا انشقاقا عائليا هو انفصال
اخيه
ابراهيم ينال عنه وتوجهه الى همذان.
وكان ابراهيم هذا قد انشق عن اخيه قبل اليوم، وكان
اخوه
طغرل يصفح عنه عندما يظفر به، ولكن بدا ان الانشقاق
هذه
المره كان ابعد اتجاها، واكثر خطرا من كل انشقاق
سابق اذ قيل
انه كان نتيجه اتصال الفاطميين به، وتحالف بينه
وبين
البساسيرى.
وسنعرض فى مكان آخر لهذا الانشقاق فى تفاصيل اوسع.
وكان البساسيرى يواصل ثورته وتقدم فاحتل بغداد
ومعه قريش
بن بدران، ويفهم من نص ابن الاثير: ان قوته لم تكن
تتجاوز
اربع مئه غلام على غايه الضر والفقر، وقوه قريش بن
بدران
تبلغ مئتى فارس. كذلك يفهم منه انه كان يقابله
العسكر
والعوام، ومع ذلك فانه بهذه القوه القليله واجه
العسكر والعوام.
والعوام الذين يذكرهم ابن الاثير هنا ربما كانوا
بعض المرتزقه،
او بعض من ينعقون مع كل ناعق. والدليل على ذلك ان ابن
الاثير نفسه يقول بعد بضعه سطور من قوله هذا، وهو
يذكر ان
هناك من كان لا يرى الاصطدام عسكريا بالبساسيرى
بسبب
ميل العامه الى البساسيرى يقول: اما الشيعه
فللمذهب، واما
السنه فلما فعل بهم الاتراك (السلاجقه)((50)).
هذا القول الذى سجله ابن الاثير فى تاريخه يرينا
حقيقه النقمه
الشعبيه على السلاجقه، فهو قبل ان يقول هذا القول،
يذكر ان
البساسيرى اعلن الانضمام الى الخلافه الفاطميه،
وخطب فى
جامع المنصور للخليفه الفاطمى المستنصر، وامر
بالاذان بحى
على خير العمل.
والخلافه الفاطميه خلافه شيعيه، تعتمد احد المذاهب
الشيعيه، والمستنصر خليفه شيعى يمثل ذاك المذهب.
والاذان بحى على خير العمل كان يعتبر تحديا للسنيين
الذين
لا ياخذون به، كما كان استبداله فى اذان الصبح
بالصلاه خير
من النوم يعتبر تحديا للشيعه.
وفى تلك العصور كانت اذا نشبت الحرب بين حكم شيعى
وحكم سنى، فان انتصر الاول كان اول ما يفعله هو
الاذان بحى
على خير العمل والغاء: الصلاه خير من النوم فى اذان
الصبح،
واذا انتصر الثانى كان يفعل العكس.
فنور الدين محمود، مثلا، عندما افتتح مدينه حلب -
وكانت
شيعيه - كان اول امر يصدره هو ابطال حى على خير العمل
من
الاذان، والاعلان بالصلاه خير من النوم فى اذان
الصبح، وهدد
كل من لا ينفذ هذا الامر بالعقوبه الشديده.
وارسل مراقبين الى ماذن المدينه كلها يرصدون له
ما يجرى،
فجاء الجواب بان اوامره نفذت فى جميع الماذن ما
عدا واحده
منها، رفض موذنها فى اذان الصبح ان يوذن بالصلاه
خير من
النوم. فامر بان يرمى من اعلى الماذنه الى الارض،
ففعل به
ذلك ومات تلك الميتته المروعه!..
وفى المقابل: عندما نجح اسماعيل الصفوى فى اقامه
الدوله
الشيعيه فى ايران، كان اذا فتح مدينه، فاول شىء
فعله: الامر
بالاذان: حى على خير العمل، والغاء: الصلاه خير من
النوم من
اذان الصبح.
وكان فى ذهنه ما فعله نور الدين محمود فى حلب، فارسل
مراقبين الى جميع الماذن، فجاءه الخبر بان موذنا
واحدا اذن
صباحا بالصلاه خير من النوم، فامر بالقائه من اعلى
المئذنه الى
الارض!..
بهذه الفظائع الوحشيه كان التعامل نصره للمذاهب،
وتاييدا فى
زعمهم للدين!!
اما السنيون فى بغداد فلم يبالوا ان يوذن فى جامع
المنصور
بحى على خير العمل، وان يعلن انضمامهم الى خلافه
شيعيه ما
دام فى ذلك تخلصهم من حكم السلاجقه. ان فى هذه الاحداث البغداديه من العبر ما علينا ان ننظر اليه بعمق وتفكر، وما يدل على ان العصبيات المذهبيه التى طالما ادت الى الفتن والتقاتل والتذابح ليست من اصاله الشعوب، بل ان الذين يحركونها اما ان يكونوا عمى البصيره او من المستغلين المستفيدين.
فهذا الشعب البغدادى الذى طالما قرانا فى كتاب
(الكامل)
لابن الاثير نفسه ما كان يثور فيه من الفتن
المذهبيه، نراه هنا
صفا واحدا فى مقاومه الظلم.
هذا الشعب وغيره من الشعوب ممن كانوا يهيجونه لمجرد
كلمه تزاد فى الاذان، او تبدل بكلمه اخرى، او ليغير
ذلك من
الاسباب، ها هو عندما يواجه الحقائق، يرى ان لا ضير
على هذا
الفريق ان لا يرى الفريق الاخر عين ما يراه هو فى
الشوون
المذهبيه.
ولكن فقهاء السوء وحكام الجور هم الذين يوججون
العصبيات
المذهبيه والنعرات الدينيه.
الاولون ليستغلوا براءه الشعب لمنافعهم، والاخرون
ليشغلوه
عن التصدى لجورهم والتمرد على ظلمهم.
فهذا البساسيرى لما عدل بين الناس، ولم يتعصب
لمذهب،
كان السنيون والشيعه فى مناصرته على السواء، ومضى
السنيون على اصالتهم الفطريه يويدونه على الظالمين
وان
كانوا من اتباع مذاهبهم، ولم ينظروا اليه على انه
على غير
مذهبهم.
وبالرغم من الراى القائل بتفادى الصدام العسكرى
بالبساسيرى
لان جماهير الشعب سنيه وشيعيه تويده، وان لا قوى
سلجوقيه
فى بغداد تقاتله لان طغرل بك كان بجنوده فى الرى
منشغلا
بتمرد اخيه ابراهيم ينال عليه.
بالرغم من ذلك فان رئيس الروساء استجاب للقائلين
بالحرب،
وكان بذلك يستجيب لاحقاده على البساسيرى. فعندما
جاءه
القاضى الهمذانى واستاذنه فى الحرب، وضمن له قتل
البساسيرى اذن له، فخرج ومعه الخدم وجماعات
مختلفه،
وابعدوا والبساسيرى يستجرهم، فلما ابعدوا حمل
عليهم
فانهزموا، وقتل منهم جماعه، ومات فى الزحمه جماعه
من
الاعيان، ونهب باب الازج، وكان رئيس الروساء واقفا
دون الباب
فدخل الدار، وهرب كل من فى الحريم((51)).
وبعد هذا النصر رجع البساسيرى الى معسكره مترقبا ما
يحدث،
واذا بالخليفه يامر بدوام القتال على سور الحريم،
ولكنهم
فوجئوا بالزعيق ونهب الحريم، وهنا راى الخليفه ان
يلجا الى
هيبه الخلافه ومظاهر قوتها، فركب جواده لابسا
السواد شعار
الخلافه، وعلى كتفه البرده شاهرا سيفه، وعلى راسه
اللواء،
وحوله زمره من العباسيين، والخدم بالسيوف
المسلوله، فاذا به
يعلم ان النهب قد وصل الى ابواب داره، وان كل هذه
التهويلات
لم تجد شيئا، فتراجع الى الوراء، ومضى نحو احد كبار
رجاله
صاحب لقب (عميد العراق) فوجده قد استامن الى قريش،
فعاد
وصعد المنظره يائسا.
وبرز هنا وزير الخليفه رئيس الروساء الذى كان بحقده
وقصر
نظره سبب هذه المحنه برز محاولا حمايه الخليفه الذى
ورطه
بهذا كله باستنهاض مروءه قريش، فصاح: يا علم الدين،
يعنى
قريشا: امير المومنين يستدنيك. فدنا منه قريش، فقال
رئيس
الروساء: قد انالك اللّه منزله لم ينلها امثالك.
وامير المومنين
يستذم منك على نفسه واهله واصحابه بذمام اللّه
تعالى وذمام
رسوله(ص) وذمام العربيه.
ومعنى هذا: ان الخليفه يضع نفسه واهله واصحابه فى
حمايه
قريش، مستسلما لقضاء اللّه!..
وكان قريش عند امل الخليفه، فاجاب: قد اذم اللّه
تعالى له،
قال: ولى؟ ولمن معه؟ قال: نعم. وتوكيدا لذلك خلع قريش
قلنسوته واعطاها الخليفه، واعطى مخصرته رئيس
الروساء
ذماما.
فنزل اليه الخليفه ورئيس الروساء وصارا معه.
وبلغ خبر ما جرى البساسيرى، فارسل الى قريش: اتخالف
ما
استقر بيننا، وتنقض ما تعاهدنا عليه؟!.
وكانا قد تعاهدا على المشاركه فى الذى يحصل لهما
وان لا
يستبد احدهما دون الاخر بشىء
.وحلا للاشكال، وحذرا من وقوع الخلاف بينهما: اتفقا
على ان
يسلم قريش رئيس الروساء الى البساسيرى لانه عدوه
وان
يحتفظ بالخليفه.
وهكذا انتهى الامر به الى ان يحفظ الذمام نصف حفظ
فوفى
للخليفه ولم يف لرئيس الروساء...
ومضى برئيس الروساء يا لضخامه اللقب!! مضى به الى
البساسيرى، فلما وقعت عينه عليه قال له: مرحبا
بمهلك
الدول ومخرب البلاد..
فتذلل رئيس الروساء قائلا: العفو عند المقدره.
فقال البساسيرى: لقد قدرت فما عفوت وانت صاحب
طيلسان،
وركبت الافعال الشنيعه مع حرمى واطفالى، فكيف اعفو
انا، وانا
صاحب سيف.
يشير بذلك الى ان رئيس الروساء لم يكن صاحب سلطه
فعليه
فى ظل اصحاب السلطه الحقيقيين، ومع ذلك فقد فعل ما
فعل.
واما الخليفه، فان قريشا نقله راكبا الى معسكره،
محتفظا له
بكل مظاهر الكرامه: عليه السواد والبرده وبيده
السيف وعلى
راسه اللواء. وانزله فى خيمه بالمعسكر، واخذ زوجته،
ارسلان
خاتون، وهى ابنه اخى السلطان طغرل بك، فسلمها الى
احد
اخصائه ليقوم بخدمتها.
اما دار الخلافه فقد ظل النهب فيها اياما.
وقد اختار قريش احد بنى عمه ممن فيهم مروءه ودين،
فسلمه
الخليفه ليوصله الى مامن خارج بغداد، فحمله فى هودج
وسار
به الى بلده (حديثه عانه) وتركه بها.
جرى هذا كله والسلطان طغرل بك غائب بجنوده عن
بغداد،
فاسرع اصحاب الخليفه وخدمه اليه مستنفرين((52)).
سيطر البساسيرى على بغداد، وجاء عيد الاضحى، فسار
الى
المصلى تخفق عليه الالويه الفاطميه، معلنا بذلك
التحاق
بغداد بخلافه الفاطميين.
واحسن السيره فى الناس، وبشهاده ابن الاثير: لم
يتعصب
لمذهب، واجرى الجرايات على المتفقهه.
وكانت والده الخليفه وقد بلغت التسعين لا تزال فى
بغداد،
فافرد لها دارا واعطاها جاريتين من جواريها
لخدمتها، وعين
راتبا تعطاه لنفقاتها.
اما العدو اللدود رئيس الروساء، فقد كان رهين السجن
فلما
تفرغ له اخرجه من السجن مقيدا وعليه جبه صوف وطرطور
من لبد احمر، وفى رقبته مخنقه جلود بعير، وهو
يقرا:
×(قل
اللهم مالك الملك توتى الملك من تشاء وتنزع الملك
ممن
تشاء)
× الايه.
ولما مروا به فى الكرخ - وهو حى الشيعه - وكان شديد
العصبيه
عليهم موذيا لهم، بصقوا فى وجهه.
وبعد هذا التشهير به على ظهر جمل فى شوارع بغداد،
اعيد الى
معسكر البساسيرى، وقد نصبت له خشبه وانزل عن الجمل
والبس جلد ثور، وجعلت قرونه على راسه، وجعل فى فكيه
كلابان من حديد، وصلب..((53)) .
ومد البساسيرى سلطته الى واسط والبصره. وارسل الى
المستنصر الفاطمى فى القاهره يعرفه ما فعل، على امل
ان
يمده المستنصر بما يقوى به للسيطره على العراق كله،
والحوول دون سيطره السلاجقه.
وقد كان يمكن ان يتم ذلك فتسود الخلافه الفاطميه
العراق
ويتغير مجرى التاريخ.. ولكن الاقدار كانت بالمرصاد،
فقد كان
وزير المستنصر ابا الفرج ابن اخى ابى القاسم
المغربى، وهو
ممن هرب من البساسيرى، وفى نفسه عليه ما فيها، فلم
يشا له
ان يفوز بهذه الامجاد، وفضل اهدافه الشخصيه على
اهداف
الدوله التى جعلته وزيرها، فوقع فى البساسيرى وخفف
من
شانه وهون فعله وحذر من عاقبته.
فاهمل الجواب على رسائله مده، ولما اجيب كانت
الاجوبه بغير
ما امل ورجا، وهكذا ترك يواجه مصيره بنفسه.
كان طغرل بك خلال هذه الاحداث يعالج تمرد اخيه
ابراهيم
ينال، واخيرا وقع الصدام بينهما بالقرب من الرى،
فانتهت
المعركه بانهزام ابراهيم واسره، وكان من قبل قد ثار
على
طغرل بك اكثر من مره وظفر به وعفا عنه. اما هذه المره
فقد
امر بخنقه بوتر قوس. وكان ذلك فى تاسع جمادى الاخره
سنه
451، وقال: ان من عوامل قتله ان تمرده كان السبب فى
عدم
استطاعته حمايه الخليفه.
وبانتهاء طغرل بك من امر ابراهيم تفرغ لامر
البساسيرى،
ويبدو انه وازن بين قواه وقوى البساسيرى فراى ان
يحل الامر
سلما مع البساسيرى، فارسل اليه والى قريش انه يكتفى
بان
تكون الخطبه له فى بغداد وان تكون السكه باسمه وان
يعاد
الخليفه الى بغداد على ان لا يعود هو الى العراق.
فرفض البساسيرى هذه المقترحات، فعند ذلك تقدم طغرل
بك بقواته الى العراق، وبوصول طلائعه الى قصر شيرين
غير
البعيده عن حدود العراق، كان البساسيرى يبعد حرمه
واولاده
عن الخطر، ثم يتبعهم خارجا من بغداد، بعد سيطرته
عليها
سنه، اذ كان دخوله بغداد فى شهر ذى القعده سنه 450
وخروجه منها فى ذى القعده سنه 451.
وبرحيل البساسيرى دبت الفوضى فى بغداد، وحرك
المحركون
النعرات المذهبيه فثار اهل باب البصره الى الكرخ
فنهبوه
واحرقوا درب الزعفران، وهو على ما يقول ابن الاثير
من احسن
الدروب واعمرها.
ووصل طغرل بك الى بغداد، وكان قبل وصوله قد ارسل من
الطريق الى قريش بن بدر ان يشكره على ما فعله
للخليفه
ولابنه اخيه زوجه الخليفه.
وكان الخليفه قد اتجه هو الاخر الى بغداد فارسل
طغرل بك
وزيره الكندرى، وبعض الامراء، والحجاب ومعهم
الخيام
العظيمه والسرادقات والخيل فلاقوا الخليفه وخدموه.
وبوصول الخليفه الى النهروان خرج طغرل بك
لاستقباله،
فقبل الارض بين يديه وهناه بالسلامه واعتذر عن
تاخره
بانشغاله باخماد تمرد ابراهيم.
وسبق طغرل بك الخليفه فى الوصول الى بغداد، ثم وصل
الخليفه بعده.
والذى يثير العجب هذا الانهيار السريع لموقف
البساسيرى، لا
سيما وانه قد رفض مقترحات طغرل بك وكلها فى مصلحته
وتامين سلطته، فعلى اى شىء كان يستند فى هذا
الرفض؟
هل كان لا يزال يامل بتاييد القاهره؟
الذى يلوح انه كان فى انسحابه من بغداد يريد التوجه
الى
الشام، فطغرل بك يقول للخليفه فى اول لقاء له معه فى
النهروان: انا امضى خلف هذا الكلب (يعنى البساسيرى)
واقصد
الى الشام، وافعل فى حق صاحب مصر ما اجازى به فعله.
وبعد استقرار طغرل بك فى بغداد ارسل احد قواده فى
الفى
فارس نحو الكوفه لمطارده البساسيرى، وكان قد قال
لطغرل
بك: ارسل معى هذه العده حتى امضى الى الكوفه وامنع
البساسيرى من الاصعاد الى الشام.
وهذا كله يدل ان كان فى نيه البساسيرى التوجه نحو
الشام،
وان هذه النيه كانت معروفه عند طغرل بك ورجاله.
وربما كان
قصده من الوصول الى الشام ان يكون اقرب الى مصر حيث
يسهل عليه الاتصال بمن فيها، واقناعهم بتجهير حمله
يستطيع بها السيطره على العراق.
ومهما يكن من امر، فقد تقدم من ارسلهم طغرل بك
لمطارده
البساسيرى، وسار هو فى اثرهم، ووقع الصدام فسقط
البساسيرى جريحا، فاخذه عميد الملك الكندرى وقتله،
وحمل
راسه الى طغرل بك، فامر بنقله الى دار الخلافه وطيف
به
وصلب.
ويقول ابن الاثير: واخذت اموال اهل بغداد واموال
البساسيرى
مع نسائه واولاده، وهلك من الناس الخلق العظيم((54)).
اوجز ابن الاثير الحال فى بغداد اثر سيطره طغرل بك
عليها
من جديد: اخذت اموال اهل بغداد، وهلك من الناس الخلق
العظيم.
وكان قد قال قبل ذلك: ثار اهل باب البصره الى الكرخ
فنهبوه
واحرقوا درب الزعفران.
كانت الخطه المرسومه هكذا: ان التالف الذى بدا بين
السنيين والشيعه يجب ابطاله، ويجب اعاده الفتن
المذهبيه
من جديد، وتاريث الاحقاد بينهما، لذلك جرى تحريض
اهل
باب البصره السنيين على نهب الكرخ الشيعى، وجرى
احراق
درب الزعفران الذى كان من احسن الدروب واعمرها.
ونحن اذا كنا نعرف من مطالعاتنا لابن الاثير ان باب
البصره
شيعى والكرخ سنى، فاننا لا نعرف مذهب دب الزعفران.
اننا
نرجح انه سنى، وذلك استنتاجا منا ان الذين اغروا
السنيين
بنهب الكرخ اغروا الشيعه باحراق درب الزعفران. وبعد
ان تم
لهم تاجيج النفوس بالاحقاد المذهبيه عطفوا على
الفريقين
معا فاعملوا فيهما النهب والقتل: (اخذت اموال اهل
بغداد
وهلك من الناس الخلق العظيم) هكذا قال ابن الاثير،
وحسبه
هذا القول لنرى الصوره الرهيبه لبغداد يومذاك.
وبعد فراغ طغرل بك من امر بغداد انحدر الى واسط،
وعبر الى
الجانب الشرقى من دجله. يقول ابن الاثير: وسار الى
قرب
البطائح فنهب العسكر ما بين واسط والبصره والاهواز((55))..
طغرل بك يريد مصاهره الخليفه
طمع السلطان طغرل بك بمصاهره الخليفه القائم بامر
اللّه
على ابنته، ففى سنه 453 ارسل ابا سعيد قاضى الرى
خاطبا
ابنه الخليفه فانزعج الخليفه من ذلك، وارسل فى
الجواب ابا
محمد التميمى وامره ان يبلغ طغرل بك رفض طلبه، فان
اصر
طغرل بك على الطلب فان عليه ان يبعث ثلاث مئه الف
دينار
ويسلم واسطا واعمالها.
فاتصل التميمى اول ما اتصل بالوزير عميد الملك
وابلغه رساله
الخليفه، فرد الوزير: بانه لا يصح ان يرد السلطان
ولا يستجاب
طلبه بعد ان سال وتضرع، ولا يجوز مقابلته بطلب
الاموال
والبلاد، فهو بفعل اضعاف ما طلب منه.
فقال التميمى: كما ترى، وما تقره يكون فيه الصواب،
فاعتقد
الوزير ان الموافقه قد حصلت. فاسرع واخبر السلطان
بذلك
فسر كل السرور.
وقد كان مثل هذه الموافقه وقبول مصاهره الخليفه
لسلجوقى
امرا مستهجنا فمهما سما هولاء وامثالهم فانهم لا
يعتبرون اكفاء
لمصاهره الاسره العباسيه لا سيما الخليفه، ويعتبر
طلبهم
اهانه...
لذلك اسرع السلطان وجمع الناس وعرفهم انه قد حصل
على
ما لم يسبق ان حصل عليه غيره من الملوك من مصاهره
الجهه
النبويه. وطلب الى الوزير عميد الملك ان يذهب ومعه
ارسلان
خاتون زوجه الخليفه وان يصحبها مئه الف دينار وما
شاكلها
من الجواهر وغيرها، وارفقه بعدد من وجوه الامراء
واعيان الرى.
ووصل الوزير الى القائم بامر اللّه واوصل زوجه
الخليفه الى
دارها، ثم ذكر للخليفه المهمه القادم بها وهى اتمام
عقد
الزواج. فاستنكر الخليفه ذلك وامتنع عن الاجابه
اليها، وقال ما
معناه: انه يصر على الرفض فان روعى رفضه والا فانه
يترك
بغداد ويرحل الى مكان آخر.
|