فقال عميد الملك ما موداه ان الامتناع لم يحصل من اول الامر، واذا حصل الان فهو سعى على دمه، ثم ترك بغداد ونصب خيامه فى النهروان.

وهكذا عاد التازم من جديد بين السلطان والخليفه، فتوسط فى الامر قاضى القضاه وغيره وحذروا الخليفه مما يمكن ان يودى اليه رجوع الوزير عميد الملك الى السلطان بهذه النتيجه.

فكتب الخليفه الى عميد الملك: نحن نرد الامر الى رايك ونعول على امانتك ودينك. ويبدو انه فهم من هذا الكلام موافقه الخليفه فجاء يوما الى الخليفه ومعه جماعه من الامراء والحجاب والقضاه والشهود وقال للخليفه: اسال مولانا امير المومنين التطول بذكر ما شرف به العبد المخلص شاهنشاه ركن الدين فيما رغب فيه ليعرفه الجماعه.

ولكن رد الخليفه كان حاسما فقال: قد سطر فى المعنى ما فيه الكفايه. فانصرف عميد الملك مغضبا وترك بغداد. ولما بلغ السلطان ما جرى كتب الى قاضى القضاه والشيخ ابى منصور بن يوسف قائلا: هذا جزائى من الخليفه الذى قتلت اخى فى خدمته وانفقت اموالى فى نصرته واهلكت خواصى فى محبته...

واطال العتاب - على حد تعبير ابن الاثير((56)) - وكمقابله بالمثل فقد طلب السلطان طغرل بك ابنه اخيه زوجه الخليفه ان تعاد اليه.

ولما بلغ الامر الى هذا الحد وخيف حصول مضاعفات تودى الى التقاطع التام، وراى الخليفه شده الامر، اضطر الى الاستلام للواقع واذن فى اجراء عقد الزواج، فجرى العقد فى شعبان سنه 450 بظاهر تبريز.

وقد كان فيما جرى وهن معنوى خطير للخلافه العباسيه، اذ مهما علا شان امثال هولاء فانه لا يمكن ان يكون كفوا للزواج من سليلات البيت العباسى الهاشمى.

ويقول ابن الاثير مشيرا الى ذلك: (وهذا لم يجر للخلفاء مثله فان بنى بويه مع تحكمهم ومخالفتهم لعقائد الخلفاء لم يطمعوا فى مثل هذا ولا ساموهم فعله).

وارسل السلطان اموالا كثيره وجواهر نفيسه للخليفه ولولى العهد ولابنه الخليفه ولامها ولاخرين. وكان لزوجه السلطان المتوفاه اقطاعات كثيره فى العراق منها (يعقوبا) وغيرها، فجعل ذلك كله لزوجته الجديده ابنه الخليفه.

وفى شهر المحرم من سنه 455 جاء السلطان الى بغداد، واتى الوزير عميد الملك يطالب الخليفه بانتقال زوجه السلطان اليه، فقوبل طلبه بالرفض وقيل له: ان المقصود بهذه الوصله الشرف لا الاجتماع!. كما قيل له ان خطك موجود فى الشرط.

وقد كان هذا الزواج من اعجب الزواجات فى الدنيا!.. ويبدو جليا ان ما ذكره الخليفه كان قد سجل فى الورق ووقعه فيمن وقعه شاهدا الوزير عميد الملك نفسه.

ثم قال الخليفه: انه ان كانت مشاهده فتكون فى دار الخلافه.

ومعنى ذلك: ان اقصى ما يوافق عليه الخليفه هو ان يتقابل العروسان مجرد مقابله وان تكون هذه المقابله فى دار الخلافه..

فقال السلطان: نفعل هذا.

ولكن يفهم من النص الذى ذكره ابن الاثير((58)) ان السلطان راى، تكون المقابله فى مكان مخصص لها يليق بها، فاردف كلامه المتقدم بقوله: ولكن نفرد له من الدور والمساكن ما يكفيه، ومعه خواصه وحجابه ومماليكه فانه لا يمكنه مفارقتهم.

وعلى ذلك نقلت العروس الى دار المملكه.

ومضت مشاهد الروايه على هذا الشكل:

جلست العروس على سرير ملبس بالذهب، ودخل السلطان اليها وقبل الارض وخدمها. ولم تكشف الخمار عن وجهها ولا قامت له.

وحمل معه لها شيئا كثيرا من الجواهر وغيرها.

واستمر الحال على هذا المنوال: يحضر كل يوم يخدم وينصرف.

ومع ذلك فقد ظهر عليه سرور عظيم((59)) وخلع على الوزير عميد الملك لان كل الذى جرى انما جرى على يديه وبتوسطه. واقام الموائد عده ايام...

يقول ابن الاثير: ان السلطان ترك بغداد فى شهر ربيع الاول ذاهبا الى الرى. واذا كان قد جرى ما ذكرناه فى المحرم فمعنى ذلك ان الامر استمر على الصوره التى ذكرناها شهرين!..

اذ لم يذكر ابن الاثير ما يدل على ان شيئا قد تبدل خلال الشهرين.

لم يترك السلطان بغداد وحده، بل اصطحب معه ابنه اخيه ارسلان خاتون زوجه الخليفه لانها شكت اطراح الخليفه لها فاخذها معه.

الخليفه الذى رفض الا ان يكون زواج ابنته من السلطان السلجوقى زواجا شكليا، كل ما ينال السلطان منه مقابله زوجته من وراء خمارها المسدول على وجهها. وان فى هذا من الشرف للسلطان ما يغنيه عن كل شى‏ء.

الخليفه الذى رفض الا ان يكون الامر كذلك، راى فى مقابل هذا ان يطرح زوجته ابنه اخى السلطان، فلاذت بعمها فاخذها معه.

وقد كان لنا ان ننتظر اكتمال هذه الروايه العجيبه فصولا، لولا ان الموت انهاها بسرعه اذ مرض السلطان طغرل بك فى سفره هذا ومات فى رمضان من السنه نفسها...

ويذكر ابن الاثير ان عمره كان حين مات سبعين سنه تقريبا، وانه كان عقيما لم يلد ولدا.

اذا فقد خطب ابنه السلطان وعقد عليها وهو فى السبعين من عمره. فلا بدع ان يقنع من عروسه بالنظر اليها من خلف الخمار... وان يكون هدفه من هذا الزواج امتهان شموخ بيت الخلافه، والادلال على منافسيه، بانه وصل الى ما لم يصل اليه احد.

واذا كنا قد حرصنا على ذكر هذا العرس العباسى السلجوقى ببعض تفاصيله، فلان فيه نماذج من علاقات السلاطين السلاجقه بالخلفاء العباسيين.

ونلاحظ هنا ان ما ربط سلطنه طغرل بك بخلافه القائم بامر اللّه كان سبع سنين واحد عشر شهرا واثنى عشر يوما.

يرثى ابن الاثير السلطان طغرل بك قائلا: كان عاقلا حليما من اشد الناس احتمالا، واكثرهم كتمانا لسره، وكان يحافظ على الصلوات، ويصوم الاثنين والخميس، وكان لباسه الثياب البيض، وكان ظلوما غشوما، قاسيا، وكان عسكره يغصبون الناس اموالهم، وايديهم مطلقه فى ذلك نهارا وليلا. وكان كريما..(انتهى).

وحين نعود الى ما رثى به ابن الاثير الملوك البويهيين - وهو ما مر بعضه - ونقارنه برثائه لهذا الملك السلجوقى ندرك البون الشاسع بين الحكام البويهيين والحكام السلاجقه، فابن الاثير لم يقل عن احد من البويهيين انه كان ظلوما، غشوما، قاسيا، ولا قال: كان عسكره يغصبون الناس اموالهم وايديهم مطلقه نهار وليلا.

بل قال عن معز الدوله مثل هذا القول - وهو يتحدث عن انتصاره -: ونادى فى الناس بالامان وبث العدل واقام لهم شحنه يمنع الظلم.

ويقول عنه: كان حليما، كريما، عاقلا.

ويقول عن ركن الدوله: كان حليما، كريما، واسع الكرم، كثير البذل، حسن السياسه لرعاياه، وجنده، رووفا بهم، عادلا فى الحكم بيتهم، وكان متحرجا من الظلم مانعا لاصحابه منه عفيفا عن الدماء، يتصدق بالاموال الجليله على ذوى الحاجات.

الى غير ذلك من الاقوال التى قالها عن غير هذين الحاكمين والتى مر ذكر بعضها.

بعد طغرل بك

اسرع الوزير عميد الملك الكندرى بعد موت طغرل بك الى اعلان حلول سليمان بن داود جفرى بك، اخى طغرل بك، مكان طغرل بك فى السلطنه، لان طغرل بك، الذى لم يكن له ولد، قد عهد له بالملك بعده.

على ان الامر لم يمض بسلام فان (باغى سيان) و(اردم) لم يقبلا بذلك واسرعا الى قزوين وخطبا فيها لعصر الدوله الب ارسلان محمد بن داود جفرى بك.

وكان هذا يتولى فى عهد طغرل بك خراسان ومعه وزيره نظام الملك، ويبدو ان ميل الناس كان اليه، فاستسلم عميد الملك الكندرى لهذا الواقع فامر بالخطبه فى الرى للسلطان الب ارسلان، وبعده لاخيه سليمان.

على ان ذلك لم ينجه من انتقام الب ارسلان، فان عميد الملك زار نظام الملك وزير الب ارسلان ودفع له مالا، واعتذر وغادر منصرفا، فانصرف بانصرافه اكثر الناس، فراب ذلك الب ارسلان مع ما كان من اعلان عميد الملك تسلطن سليمان فامر بالقبض عليه واعتقله فى مرو الروذ سنه، ثم ارسل اليه من قتله.

ويبدو انه كان يتهم نظام الملك بالسعى به عند الب ارسلان، اذ انه لما قرب للقتل قال للجلاد: قل لنظام الملك: بئس ما عودت الاتراك قتل الوزراء واصحاب الديوان، ومن حفر قليبا (بئرا) وقع فيه.

والوزير عميد الملك هذا كان على طريقه سادته السلاجقه من التعصب المذهبى الذميم.

وهو لم يكتف بالتعصب على الشيعه الذين سماهم الروافض، بان طلب من السلطان ان يلعنوا على منابر خراسان فلبى طلبه، كما كان شديد التعصب على الشافعيه وامامهم الشافعى.

قوبل عهد الب ارسلان بثورات عليه استطاع اخمادها واحده بعد الاخرى، فكان اول الثائرين عليه امير ختلان، ثم امير الصاغانيان.

وكان عمه (بيغو بن ميكائيل) فى هرات فثار طالبا الامر لنفسه.

اما الثائران الاولان فقد قتل الاول منهما فى المعركه، واما الثانى فقد اسر وقتل. واما عمه فقد استسلم بعد الحصار والتضييق فابقى عليه واكرمه واحسن صحبته.

وكان مما فعله ان اعاد ابنه الخليفه التى عقد زواجها طغرل بك - اعادها الى بغداد، وقال انه انما قتل عميد الملك لانه نقلها من بغداد الى الرى بغير رضاء الخليفه.

كما ارسل الى الخليفه طالبا اقامه الخطبه له فى بغداد، فجلس الخليفه جلوسا عاما واعلن امام رسل الب ارسلان تقليد الب ارسلان للسلطنه، وسلمت الخلع بمشهد من الناس. كما ان الخليفه ارسل اليه بطلب البيعه.

وعادت رسل الب ارسلان اليه يصحبها رسول الخليفه، وهو فى نقجوان باذربايجان، فلبس الخلع وبايع للخليفه.

ثم قامت عليه ثوره سلجوقيه اخرى قادها قتلمش((60)) فقد بلغ الب ارسلان خبر الثوره وهو فى نيسابور، وان قتلمش قصد الرى ليستولى عليها، فسار اليه الب ارسلان والتقيا فى معركه هزمت فيها جموع قتلمش، ووجد قتلمش ميتا ملقى على الارض لا يدرى كيف كان موته، قيل انه مات من الخوف!... ونقول هنا ردا على قول الدكتور عمر تدمرى المتقدم: (وكان الخلاف المذهبى بين العبيديين (الفاطميين) الاسماعيليين الشيعه فى مصر، والسلاجقه الاتراك والعباسيين السنه فى العراق هو اشبه بالخلاف المذهبى بين الكنيستين اليونانيه البيزنطيه (الشرقيه)، واللاتينيه الرومانيه (الغربيه)، بل هو خلاف اشد وادهى لطالما ادى الى القتال اذ كانت بلاد الشام مسرحا للصراع العسكرى والسياسى والمذهبى بين السلاجقه والفاطميين، مما جعلها منهوكه القوى عندما راحت جيوش الصليبيين تجوس خلال ديارهم).

نقول ردا على ذلك: ان هذا الكلام هراء فى هراء، فعندما كان الفاطميون الشيعه الاسماعيليون يسيطرون على مصر، كان البويهيون الشيعه يسيطرون على العراق، ولم يكن هناك سلاجقه. وعندما زال حكم البويهيين عن العراق، وسيطر عليه السلاجقه كان حكم الفاطميين قد تضعضع فى مصر، اواخر عهد المستنصر، ثم تلاشى هذا الحكم نهائيا فى حياه المستنصر، باستيلاء الجماليين على الخلافه الفاطميه وانشائهم الدوله الجماليه وحجرهم على الخلفاء الفاطميين، ومنعهم من التصرف فى شوون الحكم، وتحكمهم فى تعيين الخلفاء واولياء عهودهم الذين اصبحوا اسرى فى ايديهم.

وفى هذا الوقت - وقت احتلال السلاجقه للعراق - كان السلاجقه هم الذين اثاروا الخلاف لا بينهم وبين الفاطميين، لانه لم يكن هناك فاطميون، بل بينهم وبين شيعه العراق بان تدخلوا فى شوونهم المذهبيه، ثم احرقوا مكتبتهم الكبرى فى بغداد، وهاجموا بيت عالمهم الكبير ابى جعفر الطوسى، واحرقوا كرسيه الذى كان يجلس عليه للتدريس، مما اضطره للهجره من بغداد واغلاق مدرسته فيها... الى غير ذلك.

على ان طغرل بك بعد ان فعل ما فعل فى العراق، كان هو البادى‏ء بالتحرش بالخليفه الفاطمى المستنصر فى مصر.

فانه وهو فى عنفوان طغيانه فى بغداد، كاتب المستنصر طالبا اليه الدخول فى طاعته((60)).

ان الدكتور عمر تدمرى من اجل ان يسى‏ء الى الفاطميين ظلما وعدوانا حشرهم مع السلاجقه عملا بقول من قال: اقتلونى ومالكا.

وراى انه لا باس بان يذكر السلاجقه بالشر ما دام هذا الذكر يوصل الى ذكر الفاطميين بالشر.

قلنا ان طغرل بك هو الذى بدا بالتحرش بالفاطميين الذين كانوا فى ايامهم الاخيره، بان كاتب المستنصر فى القاهره طالبا اليه الدخول فى طاعته.

ونريد ان نزيد الامر ايضاحا وتفصيلا فنقول:

ان الدور الفاطمى كان قد انتهى قبل الزحف الصليبى بما يقارب ربع القرن، وانه لم تكن هناك خلافه فاطميه حاكمه عند ابتداء الغزو الصليبى، وان سلطنه هذه الخلافه كانت قد انتهت بفعل التسلط الجمالى، وقيام الدوله الجماليه، واصبح الخلفاء سجناء قصورهم، لا يملكون من الامر شيئا، كما سنفصله فى الاتى من القول.

ونحن نريد هنا ان نوضح حقيقه اخرى، وهى انه لم يقم صراع بين الفاطميين والسلاجقه، لسبب واحد، لانه لم يكن هناك حكم فاطمى يصارع السلاجقه ويزاحمهم على امتلاك البلاد، لان الحكم الفاطمى عند بدء الهجمات السلجوقيه على بلاد الشام، كان قد بدا بالانهيار، ثم انهار فعلا بالتسلط الجمالى.

وان الموقف الفاطمى الوحيد فى مواجهه السلاجقه كان فى اواخر عهد المستنصر، عندما بدا تضعضع حكم المستنصر واضحا فى سنه 446ه بسيطره المجاعه على البلاد ومحاوله المستنصر استيراد القمح من بلاد البيزنطيين، واشتراط الامبراطوره البيزنطيه (تيودورا) عليه ان يمدها بالجنود اذا ما اعتدى على بلادها اى معتد، وكان المفهوم ان هذا المعتدى المفترض وجوده هو السلاجقه، فبالرغم من حراجه موقف المستنصر فى بلاده وما تهدده به المجاعه فقد رفض هذا الشرط لانه يابى ان يعين البيزنطيين على المسلمين..

ولما اشتد الامر عليه حاول ان يحقق طلبه القمح بقوه السلاح ففشل.

والسلاجقه الذين رفض الخليفه الفاطمى المستنصر ان يعد الامبراطوره البيزنطيه بمعاونتها عليهم، لم يابوا ان يتحالفوا مع الامبراطوره عليه وان يستغلوا الموقف فيتقربوا منها!..

بعد صراع طويل بين الفاطميين والبيزنطيين عقدت هدنه بين المستنصر والامبراطور ميخائيل الرابع سنه 429ه (1027م) فسمح المستنصر للامبراطور باتمام اصلاح كنيسه القيامه على ان يطلق سراح خمسه آلاف اسير مسلم، فاخلى الامبراطور سبيل الاسرى وارسل المعماريين الى بيت المقدس وانفق كثيرا من الاموال على تجديد الكنيسه.

ولما ولى قسطنطين التاسع الحكم حافظ على استمرار العلاقات الوديه مع المستنصر وبعث اليه سنه 437هـ هديه عظيمه (اشتملت على ثلاثين قنطارا من الذهب الاحمر، قيمه كل قنطار منها عشره آلاف دينار عربيه).

استغل المستنصر فرصه صفاء العلاقات بينه وبين الدوله البيزنطيه للعمل على انعاش الحاله الاقتصاديه فى دولته، فارسل الى الامبراطور قسطنطين التاسع على اثر المجاعه التى حلت بمصر سنه 446هـ يطلب منه ان يمده باربع مئه الف اردب من القمح فابدى الامبراطور استعداده لمعونه مصر.

ولكنه لم يلبث ان توفى وخلفته الامبراطوره (تيودورا) فاشترطت لتقديم هذه المساعده ان يمدها المستنصر بالجنود اذا ما اعتدى على بلادها معتد. وكان المقصود بهذا المعتدى (السلاجقه). فرفض المستنصر الموافقه على هذا الشرط.

فاجابت تيودورا على ذلك بان حالت دون ارسال الغلال الى مصر.

اثارت سياسه هذه الامبراطوره، غضب الخليفه المستنصر وعول على محاربتها، فجهز جيشا بقياده مكين الدوله الحسن بن ملهم، وما لبث هذا القائد، ان نزل بالقرب من افاميه، ثم تجول فى اعمال انطاكيه. فارسلت الامبراطوره حمله بحريه اوقعت به الهزيمه، واسر هو وكثير من جنده سنه 447هـ، وكان ذلك مما حمل المستنصر على ان يعهد للقاضى عبداللّه القضاعى بالذهاب الى القسطنطينيه لتسويه الخلاف بين الدولتين، فلم تحفل الامبراطوره بوجوده.

فاستغل طغرل بك ذلك وعمل على التقرب من البيزنطيين والتحالف معهم، فارسل من العراق رسولا الى القسطنطينيه حاملا رساله وديه منه الى الامبراطوره تيودورا، ملتمسا فيها ان يصلى رسوله فى جامع القسطنطينيه، فاذنت له بذلك، فدخله وصلى فيه صلاه الجمعه واقام الخطبه للخليفه القائم بامر اللّه العباسى((62)).

ولما وقف المستنصر على سياسه الامبراطوره تيودورا العدائيه ازاءه والاساءه التى لحقت بسفيره بعث بطلب كنوز كنيسه القيامه ونفائسها فارسلت اليه.

وازداد بذلك التوتر فى العلاقات بين الفاطميين والبيزنطيين.

واستمر العداء مستمرا بين الدولتين حتى حل الجماليون محل الفاطميين فى حكم مصر فظل على استمراره الى ان وجه الصليبيون حملاتهم الى بلاد الشام.

هنا يكمن الفارق بين الفاطميين والسلاجقه: يرفض الخليفه الفاطمى الوعد - مجرد الوعد - بانجاد البيزنطيين على السلاجقه الذين جاهره ملكهم طغرل بك بالعداء، بارساله اليه رسالته من بغداد طالبا اليه الدخول فى طاعته - كما تقدم ذكره - يرفض المستنصر ذلك مع ما فيه بلاده من خطر المجاعه ويضطر للدخول فى حرب مع البيزنطيين، فيسارع ملك السلاجقه طغرل بك عارضا خدماته على البيزنطيين، فيتناصر السلاجقه والبيزنطيون على الفاطميين...

ومن هذه الحقائق يتبين ان كل ما ذكره التدمرى عن الخلاف المذهبى بين الفاطميين الاسماعيليين الشيعه فى مصر، والسلاجقه الاتراك والعباسيين السنه فى العراق، وتشبيهه له بالخلاف بين الكنائس، وقوله انه ادى الى القتال وان بلاد الشام كانت بذلك مسرحا للصراع العسكرى والسياسى والمذهبى بين السلاجقه والفاطميين، مما جعلها منهوكه القوى عندما راحت جيوش الصليبيين تجوس خلال ديارهم.. الى غير ذلك من امثال هذه الاقوال - يتبين من الحقائق التى ذكرناها ان كل ما ذكره التدمرى انما هو تهويش فى تهويش واباطيل فى اباطيل!.

فالصراع كان قائما بين الفاطميين والبيزنطيين، تعاون فيه السلاجقه مع البيزنطيين.

وفى خلال ذلك انتهى امر المستنصر، وسيطر بدر الجمالى على مصر، وانهى الحكم الفاطمى، وحل محله الحكم الجمالى، واصبح الصراع سلجوقيا جماليا.

وكان البادئون بالصراع هم السلاجقه، مستغلين تعاطف البيزنطيين معهم، وتاييدهم لهم، ففى سنه 463 قصد (اتسز بن اوق) الخوارزمى وهو من امراء ملك شاه السلجوقى - قصد الشام فجمع الاتراك وسار الى فلسطين ففتح الرمله، وسار منها الى القدس، وحاصرها، وكان ذلك فى اواخر عهد المستنصر، وبدء انهيار الدوله الفاطميه فاستطاع الاستيلاء على القدس وما جاورها عدا عسقلان((63)).

كان هذا فاتحه الصدام الذى بداه السلاجقه منصرفين عن قتال البيزنطيين الى قتال المسلمين، ومن التزاحم مع الروم على امتلاك البلاد، الى التزاحم مع العرب شاهرين السيوف عليهم مقتحمين ديارهم، مقاتلين جنودهم!..

وبعد ثلاث سنوات من هذه الوقائع، اى فى سنه 466 كانت السيطره الجماليه قد تمت على الخلافه الفاطميه، وكان بدر الجمالى قد احكم قبضته على مصر، واقصى المستنصر محجورا عليه. وهنا اصبحت المواجهه سلجوقيه جماليه بحته بعد ان كانت فى بدئها مواجهه سلجوقيه بداها السلاجقه مع بقايا فاطميه ماشيه الى التلاشى، ولذلك رايناها لا تلبث ان تنحطم امام اول هجمه سلجوقيه فتفقد القدس وجل فلسطين.

وهنا لم يكن للصليبيين وجود، ليقال ان الفاطميين استغلوا وجودهم للاستعانه بهم على السلاجقه، بل كان الوجود للبيزنطيين الذين استعان السلاجقه بهم على الفاطميين.

وظل جهد السلاجقه متجها لقتال المسلمين والعرب، منصرفين عن البيزنطيين، حتى كانت السنه 469، اى بعد ثلاث سنوات من سيطره بدر الجمالى على مصر.

ففى هذه السنه صمم السلاجقه على غزو مصر نفسها فاتجه اليها قائدهم (اتسز) فتصدى له صاحب امر مصر بدر الجمالى فهزمه ورده عن مصر((64)).

فما دخل الفاطميين هنا وبعد هنا.. الى وصول الصليبيين ليحشر اسمهم فى الصراع السلجوقى الجمالى، ثم ليفترى عليهم عند وصول الصليبيين الى حدود بلاد الشام؟! اذا كان من ماخذ، واذا كان من تهم، فيجب ان يوجه ذلك الى المتصارعين، لا الى المقصيين، المحجور، عليهم المغلوله ايديهم عن كل تصرف...

ويمضى الصراع السلجوقى الجمالى فى حدته ففى سنه 470 كان قائد جيش بدر الجمالى يحاصر دمشق فاستنجد (اتسز) ممثل الحكم السلجوقى فيها بالملك السلجوقى تتش بن الب ارسلان، فاقبل تتش لنجدته فى جمع كثير من التركمان، ولم يلبث عند وصوله الى اسوار دمشق ان قتل اتسز ودخل دمشق ورد جيش بدر الجمالى عنها((65)).

وابن الاثير يسمى فى كل هذه الوقائع الجيش المصرى بجيش بدر الجمالى كما هو واقع الحال.

وفى سنه 478 وصل بدر الجمالى فى عساكر مصر الى الشام، فحصر دمشق وفيها صاحبها السلجوقى (تتش) فضيق عليه وقاتله فلم يظفر منها بشى‏ء فرحل عنها عائدا الى مصر((66)) وفى سنه 485 هاجم تتش حمص وعرقه وافاميه فملكها، وهاجم طرابلس وفيها جلال الملك بن عمار فلم يظفر بها.

وهكذا يستمر الجهد السلجوقى متجها الى قتال المسلمين والعرب، ويظل الصراع سلجوقيا - جماليا، فيما عدا فجوه صغيره فيه - لم يطل امدها - انحرف فيها فكان سلجوقيا - عماريا فى طرابلس.

كل ذلك يجرى والفاطميون غائبون او مغيبون مضيق عليهم، لا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا، ومع ذلك فان مزيفى التاريخ يجعلون الصراع سلجوقيا - فاطميا ليجدوا منفذا يلجونه للافتراء على الفاطميين..

وفى سنه 489 كان بدر الجمالى يسير الى القدس فيستخلصها من ايدى السلاجقه.. والفاطميون فى معتقلاتهم يكابدون فقدان حريتهم، وكف ايديهم، وزوال سلطانهم..

كيف سيطر الجماليون؟

نريد هنا ان نزيد الامر ايضاحا، لنرى القارى‏ء ان الشام لم تكن ابدا مسرحا للصراع العسكرى والسياسى والمذهبى بين السلاجقه والفاطميين مما جعلها - على زعم التدمرى- منهوكه القوى عندما راحت جيوش الصليبيين تجوس خلال ديارهم، وان كل ما ذكره التدمرى فى هذا الموضوع هو تزييف للتاريخ، وتحريف للحقائق.

طالت خلافه المستنصر الفاطمى ستين سنه واربعه اشهر، تحقق له فى القسم الاول منها ما لم يتحقق لاحد من اسلافه، اذ خطب باسمه فى بغداد بعد ان طرد منها الخليفه العباسى - القائم بامر اللّه - واستمر ذلك سنه فى تفاصيل مر ذكرها..

كما انه فى اواخر عهده عند استبداد الناصر الحمدانى به اقيمت الخطبه باسم القائم العباسى فى القاهره، وفى القسم الثانى من عهده بدا التضعضع بسيطره بدر الجمالى، او بما يمكن ان تسميه انتهاء العهد الفاطمى وحلول العهد الجمالى محله حكما وسيطره.

فقد قامت فعلا الدوله الجماليه، بكل ما للدول فى تلك العصور من واقعيه الحكم ومظاهره، وصار سجين قصره محجورا عليه بما نستطيع ان نطلق عليه بلغه العصر الحاضر اسم: الاقامه ((67))ولم يكن فى مصلحه الدوله الجديده قتله او الجبريه طرده، بل كان من مصلحتها الاحتفاظ به اسيرا فى يديها لاستغلال اسمه بما يمكن ان يستغل به.

يقول المقريزى عن بدر الجمالى: (تحكم فى مصر تحكم الملوك، ولم يبق للمستنصر معه امر، واستبد بالامور وكانت مده ايامه بمصر احدى وعشرين سنه، وهو اول وزراء السيوف الذين حجروا على الخلفاء بمصر).

ويقول المقريزى: (واستناب ولده (الافضل) وجعله ولى عهده).

وبتسميته ابنه (وليا للعهد) يكون قد اكمل اعلان قيام الحكم الملكى الجديد على انقاض الحكم الفاطمى المنهار. وتكون دوله جديده قامت فى مصر هى (الدوله الجماليه)، وهى وحدها المسووله عما جرى فى عهدها من احداث ومنها الصدام مع السلاجقه، ثم مع الصليبيين.

واذا كان بدر وابنه لم يعلنا الغاء الخلافه نظريا فى حين انهما الغياها عمليا، فلانهما لا يستطيعان ادعاء الخلافه لنفسيهما، فكانا يريدان غطاء شرعيا لحكمهما يبرران به تسلطهما، وكان وجود الخليفه الشكلى هو الغطاء المطلوب.

ولما مات المستنصر كان الافضل بن بدر الجمالى هو الذى اختار خليفته. يقول المقريزى((68)):

(لما مات المستنصر بادر الافضل بن بدر الجمالى الى القصر واجلس ابا القاسم احمد بن المستنصر فى منصب الخلافه ولقبه بالمستعلى باللّه).

وهو اصغر اخوته: نزار، وعبداللّه، واسماعيل.

ثم يقول المقريزى((69)): (ولم يكن للمستعلى مع الافضل امر ولا نهى ولا نفوذ كلمه).

وكما قلت من قبل، فان الدكتور تدمرى يتبع مبدا: اقتلونى ومالكا، فهو من اجل ان يفترى على التاريخ الفاطمى لا يبالى ان يقرنه بالتاريخ السلجوقى فيقول:

(ان السلاجقه والفاطميين على حد سواء قد راوا فى مجى‏ء الصليبيين الى الشام ما يحقق اهداف كل منهم فى القضاء على خصمه، او الحد من خطره ونفوذه، وهكذا تيسر للصليبيين دخول الديار الشاميه، واحتلال القسم الساحلى بكامله، والاستيلاء على بيت المقدس).

ونقول: لقد انتهت سلطه الفاطميين قبل وصول الصليبيين الى اطراف العالم الاسلامى - لا سيما بلاد الشام - بربع قرن.

فان بدرا الجمالى انهى سلطه الخليفه الفاطمى المستنصر وسيطر على الدوله سنه 466ه، وكان ابتداء وصول الصليبيين سنه 490ه وسقطت انطاكيه فى ايديهم سنه 491ه.

اذن فلم يكن هناك فاطميون يرون فى مجى‏ء الصليبيين الى الشام ما يحقق اهدافهم فى القضاء على خصمهم او الحد من خطره ونفوذه. بل كان هناك جماليون انهوا حكم الفاطميين وحلوا محلهم، فان كان من مسووليه فهى تقع على هوء الجماليين..

ولكن هل صحيح ان الجماليين مسوولون عن تيسير دخول الصليبيين الديار الشاميه واحتلال القسم الساحلى بكامله والاستيلاء على بيت المقدس؟!.

ذلك ما سنتحدث عنه فى الاتى من القول.

ويوغل الدكتور عمر تدمرى فى الهوس فيقول: انساحت الجيوش الصليبيه ووطئت ارض الشام، وكونت بحيرات صليبيه لاتينيه فى انحائها على مسمع ومراى من السلاجقه والفاطميين، وكان على الامارات العربيه المحايده بين السلاجقه والفاطميين ان تنتظر المساعده او النجده منهم، اذ كان النزاع مستمرا بين الدولتين سياسيا ومذهبيا، وكان الوقت ذهبيا بالنسبه للصليبيين، وهم يشهدون الحاله التى عليها المسلمون من التفكك والتنازع والضعف، فاستطاعوا فى حمله واحده ان يستولوا على القدس، ولو ان القوى الاسلاميه فى المنطقه طرحت خلافاتها جانبا، ووحدت صفوفها امام العدوان الصليبى لما تعرض الساحل الشامى للذى لحقه، او على الاقل لما لبث الصليبيون فى المشرق العربى الاسلامى نحو القرنين من الزمان، وبقدر ما يتحمل الفاطميون من تبعه لموقفهم المتخاذل، فان السلاجقه يتحملون ايضا مثل ذلك.(انتهى).

ليختر الدكتور عمر تدمرى احدى الصفتين: اما انه جاهل بوقائع تاريخ تلك الحقبه جهلا يضعه مع اشباه الاميين فى التاريخ، واما انه متعصب اعمى التعصب بصيرته فجعله ينطق بهذا القول، ما هى الحقيقه فى ذلك؟..

اولا: كان الحكم الفاطمى قد انتهى قبل ربع قرن من وصول الصليبيين الى اطراف العالم الاسلامى، ثم الى بلاد الشام كما بينا من قبل .

يقول المقريزى فى خططه((70)): (لم يكن للمستعلى مع الافضل امر ولا نهى ولا نفوذ كلمه).

فى عهد المستعلى الفاطمى هذا الذى لم يكن له مع الافضل امر ولا نهى ولا نفوذ كلمه تقدم الصليبيون الى بلاد الشام واحتلوا القدس.

وكان صاحب الامر والنهى ونفوذ الكلمه هو الافضل بن بدر الجمالى، فلماذا تنسب احداث تلك الفتره الى الفاطميين وخلافتهم؟.

انها يجب ان تنسب الى اصحاب الامر والنهى ونفوذ الكلمه، وهم غير الفاطميين.

اما قول التدمرى: (انساحت الجيوش الصليبيه ووطئت ارض الشام... الى آخر كلامه.. فاننا نقول له: ان الجيوش الصليبيه انساحت ووطئت ارض الشام واحتلت القدس على مراى ومسمع وخيانه من السلاجقه وامثالهم من غير الفاطميين.

واليك التفاصيل:

يحدثنا ابن الاثير فى تاريخه((71)) عن زحف كربوقا السلجوقى امير الموصل لانقاد انطاكيه كما يلى:

(جمع العساكر وسار الى الشام واقام بمرج دابق واجتمعت معه عساكر الشام، تركها وعربها سوى من كان بحلب. فاجتمع معه دقاق بن تتش، وطغتكين اتابك، وجناح الدوله صاحب حمص، وارسلان تاش صاحب سنجار، وسليمان بن ارتق وغيرهم من الامراء ممن ليس مثلهم. فلما سمعت الفرنج عظمت المصيبه عليهم وخافوا لما هم فيه من الوهن وقله الاقوات عندهم. وسار المسلمون فنازلوا انطاكيه، واساء كربوقا السيره فيمن معه من المسلمين واغضب الامراء وتكبر عليهم ظنا منه انهم يقيمون معه على هذه الحال، فاغضبهم ذلك واضمروا له فى انفسهم الغدر اذا كان قتال، وعزموا على اسلامه عند المصدوقه.

واقام الفرنج بانطاكيه بعد ان ملكوها اثنى عشر يوما ليس ما ياكلونه. وتقوت الاقوياء بدوابهم، والضعفاء بالميته وورق الشجر.

فلما راوا ذلك ارسلوا الى كربوقا يطلبون منه الامان ليخرجوا من البلد((72)) فلم يعطهم ما طلبوا، وقال: لا تخرجون الا بالسيف. وكان معهم من الملوك: بردويل، وصنجيل، وكندفرى والقمص صاحب الرها وبيمنت صاحب انطاكيه، وهو المقدم عليهم...) الى ان يقول ابن الاثير: (فخرجوا (الافرنج) متفرقين من خمسه وسته، ونحو ذلك. فقال المسلمون لكربوقا: ينبغى ان نقف على الباب فنقتل كل من يخرج، فان امرهم الان وهم متفرقون سهل، فقال: لا تفعلوا! امهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم، ولم يمكن من معاجلتهم، فقتل قوم من المسلمين جماعه من الخارجين، فجاء اليهم هو بنفسه، منعهم ونهاهم.

فلما تكامل خروج الفرنج، ولم يبق بانطاكيه احد منهم، ضربوا مصافا عظيما، فولى المسلمون منهزمين، لما عاملهم به كربوقا اولا من الاستهانه بهم والاعراض عنهم، وثانيا من منعهم من قتل الفرنج، وتمت الهزيمه عليهم، ولم يضرب احد منهم بسيف ولا طعن برمح ولا رمى بسهم، وآخر من انهزم سقمان بن ارتق، وجناح الدوله، لانهما كانا فى الكمين، وانهزم كربوقا معهم. فلما راى الفرنج ذلك ظنوه مكيده، اذ لم يجر قتال ينهزم من مثله، وخافوا ان يتبعوهم. وثبت جماعه من المجاهدين وقاتلوا حسبه وطلبا للشهاده، فقتل الفرنج منهم الوفا وغنموا ما فى المعسكر من الاقوات والاموال والاثاث والدواب والاسلحه، فصلحت حالهم وعادت اليهم قوتهم)(انتهى).

وعندما ينهى ابن الاثير كلامه هذا، يشير الى ان ما اتاحه تصرف كربوقا وخيانه القاده الاخرين، هى التى رسخت عزم الصليبيين على الزحف الى القدس بعدما كان قد عراهم من الياس والانخدال، حتى طلبوا الامان والاستسلام، فيقول: لما فعل الفرنج بالمسلمين ما فعلوا ساروا الى معره النعمان... ثم تابعوا السير بعد ذلك الى القدس.

كان ابن الاثير واضحا فى تحميل كربوقا والقواد الاخرين مسووليه نجاح الصليبيين فى اختراق بلاد الشام والوصول الى القدس، مع اختلاف نوع المسووليه بين كربوقا وبين بقيه الامراء والقواد.

لقد استطاع كربوقا ان يجيش الجيوش الاسلاميه من الموصل حتى بلاد الشام وكل من فى طريقه من شمال العراق حتى شمال الشام. وهذا ما ادركه الصليبيون الذين كانوا يعانون الوهن وقله الاقوات - كما يقول ابن الاثير- بعد تلك الرحله الطويله التى بدووها من قلب اوروبا وصولا الى انطاكيه.

ومما زاد فى وهنهم وانخذالهم ما عانوه فى حصارهم لانطاكيه حتى عادوا وكانهم هم المحاصرون. لا المحاصرون وكانت المجاعه قد حلت بهم لانعدام موارد القوات فيهم. فدب الياس فيهم، وبداوا يتسللون من جيشهم هاربين. وحين نعلم انه كان فى طليعه الهاربين، الرجل الاول فى الدعوه الى اشعال الحرب الصليبيه، وبطل جمع جموعها، وتحريض الجماهير على الانضمام الى جيوشها، اعنى - بطرس الناسك - وحين نعلم ان الفرار من الجيش الصليبى الجائع الواهن قد تعدى العامه الى القاده، ففر امثال (ستيفن كونت بلوا)..

حين نعلم ذلك ندرك الى اى مدى كان الصليبيون يائسين منخذلين واهنين جائعين وهم يحاصرون انطاكيه.

ولولا خيانه خائن كان داخل انطاكيه لعجز الصليبيون عن دخول انطاكيه.

لقد دخلوها على وهنهم وجوعهم، وظلوا على هذا الوهن والجوع، وهم داخلها لان اسباب الوهن والجوع كانت لا تزال قائمه، فلا مصادر للقوت تقيهم الجوع وتدفع عنهم الوهن.

وصلت حمله كربوقا الى انطاكيه والصليبيون على تلك الحال، ووصلتهم اخبار عن ضخامه الجيوش التى اخذت تحاصرهم، لذلك قرروا الاستسلام وطلب الامان كما ينص على ذلك ابن الاثير...

وهذا يعنى ان الحمله الصليبيه قد فشلت وان جيوشها وقوادها قد قرروا الاستسلام، وان القدس التى كانت هدفهم قد نجت، وانتهى امرهم ولم تعد تقوم لهم قائمه...

فماذا غير ذلك كله، وماذا احال وهنهم الى قوه، وجوعهم الى شبع، وماذا بدلهم من موقف طالب استسلام الى مهاجم منتصر؟!.

ان ابن الاثير يفصل لنا ذلك بعبارات مقتضبه فهو يقول:

(.. ولما سمعت الفرنج (بقدوم الجيوش الاسلاميه الكثيفه) عظمت عليهم المصيبه وخافوا لما هم فيه من الوهن وقله الاقوات عندهم).

ثم يسترسل ابن الاثير قائلا:

(واساء كربوقا السيره فيمن معه من المسلمين واغضب الامراء وتكبر عليهم ظنا منه انهم يقيمون معه على هذه الحال، فاغضبهم ذلك واضمروا له فى انفسهم الغدر اذا كان قتال، وعزموا على اسلامه عند المصدوقه).

عوضا عن ان تبعث كثره الجند وضخامه الجيش فى نفس كربوقا التواضع للّه على ان وفقه لقياده هذه القوه الكبرى، وعوضا عن ان يحمد الامراء على استجابتهم لدعوته ويتالفهم ويلين لهم، عوضا عن ذلك، عاد الى طبيعته فراى فى تلك الحشود الاسلاميه مجرد اتباع له، وفى اولئك الامراء مجرد مامورين له، فازدهاه ذلك فتكبر وتجبر، وعامل الامراء بمهانه احفظتهم وغيرت نواياهم لا عليه وحده، بل على الموقف كله، فانقلبوا من متخفزين لنصره الاسلام الى ناوين خيانه الاسلام.

فالامر يلخص، كما ذكر ابن الاثير، كما يلى:

1 - كان الصليبيون داخل انطاكيه فى منتهى الوهن وانعدام الاقوات.

2 - قرروا الاستلام بلسان قيادتهم الموجوده كلها داخل انطاكيه.

3 - رفض كربوقا استسلامهم وقرر دخول انطاكيه بالسيف.

4 - بداوا بالتسلل من انطاكيه فراى المسلمون مقابلتهم، وهم شراذم تسهل ابادتهم تدريجيا، وبالفعل بدا ذلك المسلمون فقتلوا كل من خرج، فرفض كربوقا ذلك وجاء بنفسه يمنع المسلمين من هذا.

5 - كان كربوقا قد اساء معامله الامراء المنضمين اليه وعاملهم بمهانه.

6 - حقد هولاء الامراء عليه وقرروا عدم القتال والانهزام من المعركه عند اول مواجهه مع العدو.

7 - اصر كربوقا على منع جمهور المقاتلين معه من تصيد الاعداء وهم شراذم مما اغضب هذا الجمهور فقرروا ما قرره الامراء من الانهزام دون قتال.

8 - وجدت جماعه فى الجيش الاسلامى رفضت ذلك فقررت الاستشسهاد تقربا الى اللّه.

فاول ما يطال كربوقا من المسووليه فى ذلك هو: تنفيره قلوب الامراء منه، والاستعلاء عليهم. وثانى ما يطاله - وهو الاخطر فى الامر- هو رفضه استسلام الصليبيين بلا قتال.

وثالث ما يطاله - وهو ما لا يقل خطوره عن الثانى - هو رفضه طلب جمهور المقاتلين عدم السماح للصليبيين بالتجمع كتله واحده ومقابلتهم وهم شراذم تسهل ابادتها.

فلماذا فعل كربوقا ذلك؟..

يصعب علينا اتهام كربوقا بالخيانه فنحن لا ننسبها اليه. ولكننا لا نتردد ابدا باتهامه بالانانيه وحب الذات وتغليبهما على كل شى‏ء مهما تعارض هذا الشى‏ء مع المصلحه العامه.

ان انانيته، وحبه لذاته، وحرصه على مجده الشخصى، جعلته يرفض استسلام الصليبيين بامان بلا قتال وخروجهم من انطاكيه ورجوعهم الى بلادهم.

لانه - وقد ايقن بوهنهم وحلول المجاعه فيهم - اعتقد انه سيخوض معهم معركه سهله يكون هو بطلها المنتصر.

واستسلامهم بلا قتال سيرحمه من التباهى بالانتصار عليهم فى معركه حاسمه.

وكذلك القول فى منعه جمهور المسلمين المقاتلين من تصيد الصليبيين افرادا وشراذم، وهزيمتهم بهذه الطريقه، فان ذلك سيحرمه من المجد الشخصى والتفاخر بالانتصار.

وهكذا فان الانانيه، وحب الذات، وطلب المجد الشخصى، عند كربوقا وخيانه الامراء وجمهور المقاتلين قد حالت بين المسلمين وبين انهاء الحروب الصليبيه عند انطاكيه، وعرضتهم لما عرضتهم من فجائع دخول الصليبيين للقدس فاتحين واستمرار الاحتلال الصليبى لبلاد الشام مئتى سنه، وما اقتضى ذلك من اذلال وسفك دماء.

هكذا كله يتناساه مزيفو التاريخ ويتجاهلونه!! ويفتشون عن برى‏ء يتهمونه وبطل يخونونه!.

وهذا ما ناسف ان يتمسك به فى هذا العصر من يقولون انهم اكاديميون وحمله دكتوراه واساتذه جامعيون!.

الاسترسال فى التزييف

ويستطيب الدكتور عمر تدمرى تزييف التاريخ فيقول:

ان اول ما يوخذ على الفاطميين هو عدم اكتراثهم بالهجمه الصليبيه على الشام، بل انهم رحبوا بها لانهم وجدوا فيها عونا على خصومهم السلاجقه، وقد بعثوا رسلهم الى زعماء الصليبيين وقادتهم فى انطاكيه للتعبير عن فرحتهم بسقوطها بين ايديهم شماته بالسلاجقه.

اولا: لقد قلنا ونقول: انه لم يكن هناك فاطميون عند الهجمه الصليبيه على بلاد الشام، بل كان هناك: جماليون، وقد فصلنا ذلك فيما تقدم من الكلام.

اما جراته على الحق والصدق فى قوله عن الفاطميين (الذين لم يكن لهم يومذاك وجود) بانهم رحبوا بالهجمه الصليبيه على الشام، لانهم وجدوا فيها عونا على خصومهم السلاجقه، وقد بعثوا رسلهم الى زعماء الصليبيين وقادتهم فى انطاكيه للتعبير عن فرحتهم بسقوطها شماته بالسلاجقه - اما هذه الجراه على الحق والصدق، فاننا لا نعرف فى تاريخ التعصب الاعمى لها مثيلا.

فى اى كتاب وجدت ان الفاطميين لم يكترثوا بالهجمه الصليبيه؟ وفى اى كتاب قرات انهم رحبوا بها؟ فى اى كتاب طالعت ان رسلهم الى زعماء الصليبيين فى انطاكيه عبروا عن فرحتهم بسقوطها شماته بالسلاجقه؟!.

نعيد ونكرر وسنظل نعيد ونكرر ان الفاطميين لم يكن لهم وجود عند الهجمه الصليبيه، بل كانوا محجورا عليهم، وكانوا سجناء دورهم، وان الذين حلوا محلهم هم: الجماليون..

ولكن هل فعل الجماليون هذا الذى يفتريه عمر تدمرى؟.. لن نجيب نحن على هذا السوال، بل نترك للدكتور محمد جمال الدين سرور فى كتابه: (النفوذ الفاطمى فى بلاد الشام والعراق) ليجيب عليه، وليبين حقيقه مهمه الرسل الذين ارسلهم الافضل الجمالى الى انطاكيه:

يقول الدكتور سرور فى الصفحه 67 من كتابه:

(لما وصل الى الحكومه الفاطميه((73)) فى مصر نبا هجوم الصليبيين على انطاكيه رات ان تبذل جهدها لمنع زحفهم على بيت المقدس، فانفذ الوزير الافضل بن بدر الجمالى سنه 492ه (1098م) سفاره الى الصليبيين للتفاوض فى عقد اتفاق معهم يتضمن ان يتفردوا بانطاكيه وان تستقل مصر ببيت المقدس على ان يسمح للصليبيين بزياره الاماكن المقدسه بفلسطين وتكون لهم الحريه فى اداء شعائرهم الدينيه على ان لا تزيد مده اقامتهم بها عن شهر واحد وان لا يدخلوها بسيوفهم)((74)). ومن هذا يتبين ان الافضل بن بدر الجمالى لما راى سقوط انطاكيه وانهزام قوى كربوقا بخيانه اسلاف الدكتور عمر تدمرى ايقن انه لم يبق فى طريق الصليبيين قوى اسلاميه تستطيع التغلب عليهم والحوول بينهم وبين الوصول الى القدس، فحاول ان يقنعهم بالوقوف عند انطاكيه على ان تكون لهم حريه زياره القدس افرادا غير مسلحين وان يغادرها من يزورها منهم فى مده اقصاها شهر.

واحسب ان هذا اقصى ما كان يستطيع ان يفعله الافضل من اجل القدس يومذاك، فاين هو موضع التجريح بهذا الرجل؟!.

هذا اذا صح ان الافضل ارسل سفاره، فنحن لم نجد ذكرا لهذه السفاره المزعومه فى اى مصدر عربى!..

ومع افتراض وجود السفاره نقول: انه لما فشلت محاوله الافضل السلميه لايقاف الصليبيين عند انطاكيه استعد لحربهم.

فالاستعداد لحربهم كان واقعا سواء سلمنا بوجود السفاره ام لم نسلم. استعد الافضل لحرب الصليبيين مع علمه بقوتهم وضعف قوته امام حشودهم، فقام واليه على القدس بتسميم الابار التى فى طريقهم وطم القنوات لئلا يستفيدوا من مائها، وعهد بحراسه اسواق القدس الى جماعه من العرب والسودان.

ويقول الدكتور حسن حبشى فى كتابه (الحروب الصليبيه) فيما يقول عن جيش الافضل بن بدر الجمالى المدافع عن القدس: (وادرك الصليبيون انهم واجهوا هذه المره خصما يرى ان فى ضياع بيت المقدس ضياعا لهيبته السياسيه وانتهاكا لحرماته الدينيه).

ونقول: كان ذلك على عكس اسلاف الدكتور عمر التدمرى الذين لم يروا حرجا فى ان يخونوا الاسلام والمسلمين حين انحازوا عن طريق الصليبيين عند انطاكيه، ففتحوا لهم باب الوصول الى القدس!.

ثم يصف الدكتور حسن حبشى الدفاع البطولى عن القدس قائلا: (شرع الصليبيون فى الهجوم مساء الاربعاء 13 يوليو 1099 (492ه) ووجدوا من الحاميات الاسلاميه دفاعا قويا رغم ما استعدوا به من آلات الحصار والابراج المتحركه، واخذت حاميه المدينه ترميهم بالنار الاغريقيه).

واستمرت المعارك على هذا المنوال العنيف سبعه اسابيع من 7 يوليو الى 15 يوليو 1099م فاين هذا الدفاع: دفاع جيش الافضل بن بدر الجمالى عن القدس، من خيانه اسلاف عمر تدمرى واسلاف محمد على الجوزو عند انطاكيه((75)).

وبعد سقوط القدس واصل الافضل قتال الصليبيين، وقاد حمله لاسترداد القدس فى رمضان سنه 492هـ (آب 1099م) وصل بها الى عسقلان، فلما بلغت اخبارها الى جودفرى فى القدس ارسل على عجل رسولا الى تنكريد الذى كان فى نابلس يستدعيه هو والقوات التى معه للمشاركه فى دفع الخطر الداهم، كما استدعى بقيه الامراء الذين ساهموا فى بيت المقدس يطلب اليهم الانضمام اليه للدفاع عن القبر المقدس هذه المره، ولم يتخلف منهم احد على الرغم مما كان قائما بينهم من خلاف يومذاك. وهكذا وحد الخطر بين جميع القوى الصليبيه فتحشدت باقصى ما تستطيع من تحشد، ففشلت معركه استرداد القدس فى تفاصيل ليس هنا مكان الخوض فيها.

يقول المقريزى فى خططه: (وفى سنه اربع وتسعين خرج عسكر مصر لقتال الفرنج وكانت بينهما حروب كثيره). ويقول ابن الاثير((76)): سير الافضل ولده شرف المعالى فى السنه الحاليه الى الفرنج فقهرهم واخذ الرمله منهم.

ويقول المقريزى فى خططه((77)): (وكوتب الافضل بن امير الجيوش من عسقلان، باجتماع الفرنج فاهتم للتوجه اليهم، فلم يبق ممكنا من مال، وسلاح، وخيل، ورجال، واستناب اخاه المظفر ابا محمد جعفر بن امير الجيوش بين يدى الخليفه مكانه، وقصد استنقاذ الساحل من يد الفرنج، فوصل الى عسقلان، وزحف عليها بذلك العسكر).

ولكن الحمله لم تنجح.

وقال المقريزى ايضا((78)): وذكر تجهيز العساكر فى البر عند ورود كتب صاحبى دمشق وحلب فى سنه سبع عشره وخمس مئه ما يحث على غزو الفرنج ومسيرها مع حسام الملك، وركب الخليفه الامر باحكام اللّه، وتوجه الى الجامع بالمقس، وجلس بالمنظره فى اعلاه، واستدعى مقدم الاسطول الثانى، وخلع عليه، وانحدرت الاساطيل مشحونه بالرجال والعدد والالات والاسلحه.

وقال المقريزى((79)): قال ابن المامون البطائحى فى حوادث سنه تسع وخمس مئه: ووصلت النجابون من والى الشرقيه تخبر بان بغدوين ملك الفرنج وصل الى اعمال الغرما، فسير الافضل بن امير الجيوش للوقت الى والى الشرقيه بان يسير المركزيه والمقطعين بها، ويسير الراجل من المعطوفيه، وان يسير الوالى بنفسه بعد ان يتقدم الى العربان باسرهم بان يكونوا فى الطوالع، ويطاردوا الفرنج، ويشارفوهم فى الليل قبل وصول العساكر اليهم، فاعتمد ذلك، ثم امر باخراج الخيام، وتجهيز الاصحاب والحواشى. فلما تواصلت العساكر وتقدمها العربان، وطاردوا الفرنج، وعلم بغدوين ملك الفرنج ان العساكر متواصله اليه، وتحقق ان الاقامه لا تمكنه، امر اصحابه بالنهب والتخريب والاحراق وهدم المساجد، فاحرق جامعها ومساجدها وجميع البلد، وعزم على الرحيل... الى ان يقول: واما العساكر الاسلاميه فانهم شنوا الغارات على بلاد العدو وعادوا بعد ان خيموا على ظاهر عسقلان... ثم يقول: وتواصلت الغارات على بلاد العدو واسروا وقتلوا...

وظلت غارات الافضل على شكل عصابات تغير على الصليبيين، ووصل بعضها الى اسوار بيت المقدس سنه 504(1110م) وسنه 507هـ(1113م)، والى يافا سنه 509هـ(1115م)((80)).

وهذا يدل على ان الافضل لم يهدا، او لم يترك الصليبيين يهدوون، بل ظل يغير عليهم ويقاتلهم، فكانت بينه وبينهم حروب كثيره، على حد تعبير المقريزى.