واذا كانت القوى الصليبيه المتدفقه من اوروبا هى اكثف واقوى مما استطاع الافضل حشده، واذا كان لقوى الصليبيين امداد دائم من الخارج، وليس للافضل اى امداد من العالم الاسلامى الواسع، فذلك ليس ذنب الافضل بن بدر الجمالى.

وبالرغم من ان من جاءوا بعد الفاطميين والجماليين طمسوا كل ما يستطيعون طمسه من ماثر تلك العهود، وما قيل فيها من الشعر والنثر فقد امكن ان يصل الينا بعض ما خلده الشعراء من ماثر الافضل بن بدر الجمالى فى جهاده للصليبيين. فمن ذلك قصيده للشاعر اميه بن ابى الصلت، يشير فيها الى انصراف البلاد الاسلاميه الاخرى، عن مواجهه الخطر الصليبى، واقتصار المواجهه على الافضل وجيشه. وفيها يقول مخاطبا الافضل:

جردت للدين والاسياف مغمده سيفا تفل به الاحداث والغير ثم يشير الى فشل حمله استعاده القدس:

وان هم نكصوا يوما فلا عجب قد يكهم السيف وهو الصارم الذكر العود احمد والايام ضامنه عقبى النجاح ووعد اللّه ينتظر ثم يتبنى الدكتور عمر تدمرى اقوال زملائه المتقدمين عليه فى الزمن، والمساوين له فى العصبيه العمياء والتوغل فى الباطل والافتراء على الحقيقه، امثال: محمد كردعلى الذى ينقل قوله غير المستند الى سند الا اتقاد جذوه اللوم فى نفسه حيث يقول:

(ومما يثير الاستغراب والدهشه ان الفاطميين ظلوا مكتوفى الايدى، وهم يرون المدن الاسلاميه تدمر، ويقتل رجالها ونساوها واطفالها، وتهدم مساجدها، وكان الامر لا يعنيهم طالما انهم يعتقدون ان المتضرر الاول هم السلاجقه، وانهم بعدم التصدى للصليبيين، يصرفون نظرهم عن الدخول الى مصر).

ونقول لمحمد كردعلى، ولعمر تدمرى: ان خيانه اسلافكم السلاجقه هى التى فتحت الباب للصليبيين لكى يدمروا المدن الاسلاميه ويقتلوا رجالها ونساءها واطفالها ويهدموا مساجدها.

اما الفاطميون فلم يكن لهم وجود، والجماليون الذين خلفوهم لم يقفوا مكتوفى الايدى، وقد عناهم الامر كل العنايه، وقد راينا فيما تقدم من القول ما فعلوه فى قتال الصليبيين...

وامثال ابن كثير الذى قدم التدمرى لشتائمه بقوله:

ولقد هاجم المورخون الخلفاء الفاطميين، ودولتهم على مواقفهم المتخاذله فكتب ابن كثير كلاما مقذعا قال فيه: ...

وقد كان الفاطميون اغنى الخلفاء، واكثرهم مالا، وكانوا من اغنى الخلفاء، واجبرهم، واظلمهم، وانجس الملوك سيره، واخبثهم سريره، ظهرت فى دولتهم البدع، والمنكرات، وكثر اهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد. وكثر بارض الشام النصرانيه، والدرزيه، والحشيشيه، وتغلب الفرنج على سواحل الشام بكماله حتى اخذوا القدس، ونابلس، وعجلون، والغور، وبلاد غزه، وعسقلان، وكرك، والشوبك، وطبريه، وبانياس، وصور، وعكا، وصيدا، وبيروت، وصفد، وطرابلس، وانطاكيه، وجميع ما والى ذلك الى بلاد اياس وسبس، واستحوذوا على بلاد آمد، والرها، وراس العين، وبلاد شتى غير ذلك. وقتلوا من المسلمين خلقا وامما لا يحصيها الا اللّه، وسبوا ذرارى المسلمين من النساء والولدان مما لا يحد ولا يوصف.

هذا الكلام ينقله، ويتبناه، ويحاضر به على المنابر، رجل يعيش فى العقد الاخير من القرن العشرين، ويحمل شهاده دكتوراه ويدرس فى الجامعه.

لقد كان على عمر تدمرى ان يخجل من مجرد وجود هذا الكلام فى كتاب عربى، لو كان عمر تدمرى فعلا رجل علم وفكر وتحقيق.

لقد استولى الفرنج على ما ذكره ابن كثير من بلاد وفعلوا فيها ما عدده من الافعال، وقد راينا فيما تقدم ان الذين فتحوا للفرنج باب الشام على مصراعيه، هم اسلاف ابن كثير، ومحمد كردعلى، وعمر تدمرى، ومحمد على الجوزو.

فالعار فى ذلك على اسلافكم، ويمتد العار اليكم، لانكم لم تنكروا عليهم خيانتهم، اما الفاطميون فسنظل نكرر ونكرر ونكرر انهم لم يكونوا موجودين، وان الجماليين الذين خلفوهم دافعوا دفاع الابطال لذود الصليبيين لا سيما عن القدس...

وابن كثير هذا الذى يفيض قلمه بتلك البذاءات عن الفاطميين هو نفسه الذى يقول عن واحد من اولئك الفاطميين من الصفحه 284 من المجلد الحادى عشر من كتابه: البدايه والنهايه:

كان المعز قبحه اللّه فيه شهامه، وقوه حزم، وشده عرام، وله سياسه، وكان يظهر انه يعدل، وينصر الحق.

هذه هى الصفات التى كان يتحلى بها الفاطميون والتى انطق اللّه بها ابن كثير رغما عنه: الشهامه، وقوه الحزم، وشده العرام، والسياسه، والعدل، ونصره الحق.

ومع ذلك فابن كثير لا يتورع عن ان يقول عن صاحب هذه الصفات: قبحه اللّه، وان يصف قومه الذين لا يقلون عنه فى التحلى بهذه الصفات بما وصفهم به، وان يشتمهم بما شتمهم.

نحن لا نريد ان نتحدث عن امجاد الفاطميين الا بما ذكره ابن كثير نفسه، وبما ارغمه اللّه على تدوينه فى كتابه نفسه فهو يقول عن احدى وقائعهم وهو يتحدث عن احداث سنه 351:

وفيها فتح المعز الفاطمى حصن طبرمين من بلاد المغرب، فتحه قسرا بعد محاصره سبعه اشهر ونصف. وقصد الفرنج جزيره اقريطش فاستنجد اهلها المعز فارسل اليهم جيشا فانتصروا على الفرنج.

وقال فى احداث سنه 353: وكان من عزمهم (الروم) ان يستحوذوا على البلاد الاسلاميه كلها... ثم يقول: وفيها كانت وقعه المجاز ((81))ببلاد صقليه، وذلك انه اقبل من الروم خلق كثير، ومن الفرنج ما يقارب مئه الف، فبعث اهل صقليه الى المعز الفاطمى يستنجدونه، فبعث اليهم جيوشا كثيره فى الاسطول، وكانت بين المسلمين والمشركين وقعه عظيمه، صبر فيها الفريقان من اول النهار الى العصر، ثم قتل امير الروم منويل، وفرت الروم، وانهزموا هزيمه قبيحه، فقتل المسلمون منهم خلقا كثيرا، وسقط الفرنج فى واد من الماء عميق، فغرق اكثرهم، وركب الباقون فى المراكب، فبعث الامير احمد صاحب صقليه فى آثارهم مراكب اخر، فقتلوا اكثرهم فى البحر ايضا، وغنموا فى هذه الغزوه كثيرا من الاموال، والحيوانات، والامتعه، والاسلحه.

هو يعترف انه كان من عزم الروم الاستحواذ على البلاد الاسلاميه، ويعترف ان جيوش الفاطميين هى التى احبطت عزمهم وردتهم عن البلاد الاسلاميه. كما اعترف من قبل ان جيش الفاطميين هو الذى انجد مسلمى جزيره اقريطش من الغزو الفرنجى فانتصر المسلمون على غازيهم من الفرنج.

يعترف بذلك، ثم يصف الفاطميين بما وصفهم به، وياتى اليوم استاذ الجامعه الاكاديمى، استاذ الجامعه حامل الدكتوراه: عمر تدمرى فيستشهد باقواله ويرددها على المنابر.

ولتزداد معرفه بابن كثير ومتبنى اقواله، نقول: انه وهو يذكر احداث سنه 351، يذكر انتصار البيزنطيين على سيف الدوله الحمدانى فى احدى المعارك ودخولهم حلب، فيقول: ان سيف الدوله فيه تشيع، لا جرم ان اللّه لا ينصر امثال هولاء!..

ان ابن كثير الذى يدعى الاسلام، والغيره عليه لا يبالى ان يشمت بانتصار البيزنطيين على الحمدانيين ما دام الحمدانيون شيعه.

ولكن اللّه يخزى ابن كثير بقلم ابن كثير نفسه، اذ تضطره الاحداث لان يتمم كلامه السابق قائلا عن سيف الدوله: بعث مولاه نجا، فدخل بلاد الروم، فقتل منها خلقا كثيرا، وسبى جمعا غفيرا، وبعث صاحبه مع جيش طرطوس فدخلوا بلاد الروم فغنموا وسبوا، ورجعوا سالمين.

ولتعرف من هو ابن كثير، هذا الذى يتبنى الدكتور عمر تدمرى اقواله ويخطب بها على المنابر نذكر لك شيئا مما سجله فى تاريخه: (البدايه والنهايه):

فهو عندما يتحدث عن وفاه الاشرف بن العادل الايوبى يقول عنه فى الصفحه 147 من المجلد الثالث عشر: انه كان يعانى الشراب اى انه كان سكيرا. ثم يقول عنه فى الصفحه التاليه:

ولما توفى رآه بعض الناس وعليه ثياب خضر وهو يطير مع جماعه من الصالحين، فقال: ما هذا وقد كنت تعانى الشراب فى الدنيا؟ فقال: ذاك البدن الذى كنا نفعل به ذاك عندكم، وهذه الروح التى كنا نحب بها هولاء فهى معهم.

ثم يعقب ابن كثير على هذا القول بقوله: ولقد صدق رحمه اللّه، قال رسول اللّه(ص): المرء مع من احب. وهكذا فعلى راى ابن كثير: لا باس بارتكاب المعاصى ومنها شرب الخمر، ما دام مرتكبها يحب بعض الصالحين على ان الطامه الكبرى هى ما ذكره فى الصفحه‏129 من المجلد الثانى عشر عن الاختلاف فى اباحه الولدان فى الجنه، وما قيل فى الاباحه وعدم الاباحه بين ابى على بن الوليد وابى يوسف القزوينى، وانه يباح لاهل الجنه وط‏ء الولدان فى ادبارهم، فمال هذا الى اباحه ذلك، لانه مامون المفسده هناك. وقال ابو يوسف: ان هذا لا يكون، لا فى الدنيا ولا فى الاخره ومن لك ان يكون لهم ادبار، وهذا العضو وهو الدبر انما خلق فى الدنيا لحاجه العباد اليه لانه مخرج الاذى عنهم، وليس فى الجنه شى‏ء من ذلك، وانما فضلات اكلهم عرق يفيض من جلودهم، فاذا هم ضمر فلا يحتاجون الى ان يكون لهم ادبار، ولا يكون لهذه المساله صوره بالكليه!! هذا هو المورخ الذى يستشهد باقواله الدكتور عمر تدمرى ويخطب بها على المنابر!.. وانه ليشرف الفاطميين وغير الفاطميين ان يشتمهم من تشغله فى تاريخه ادبار الولدان!..

ولا يشرف الدكتور عمر تدمرى ان يكون هذا مقتداه ومصدر افكاره..

وابن كثير هذا الذى افترى على الفاطميين ما افترى، عندما يمر بخيانه الايوبيين يمر بها مرا سريعا لا يلفت النظر، فهو مثلا عندما يتحدث عن تنازل العادل عن البلاد للصليبيين يقول:

واطلق لهم شيئا من البلاد((82)) وعندما يذكر تحالف الايوبيين، الصالح اسماعيل صاحب دمشق، والناصر داود صاحب الكرك، والمنصور صاحب حمص - عندما يذكر تحالف هولاء الايوبيين مع الصليبيين على قتال قريبهم الايوبى الاخر الصالح ايوب صاحب مصر، يذكر ذلك بدون اى اهتمام واى انكار((83)). وعندما يذكر انضمام القاضيين صدر الدين بن سنى الدوله ومحيى الدين بن الزكى الى هولاكو، وانضمام الملك السعيد بن العزيز بن العادل الايوبى الى المغول ايضا وقتاله معهم فى معركه عين جالوت((84))، ومكاتبه الملك المغيث عمر بن العادل ابى بكر بن الكامل الايوبى لهولاكو، وحثه على القدوم الى الشام مره اخرى، وجواب المغول له بالثبات، ونيابه البلاد، وانهم قادمون عليه لفتح الديار المصريه((85)) - عندما يذكر ابن كثير ذلك لا يرى فيه شيئا، ولا يرى ان هولاء الخونه يستحقون حتى كلمه تقريع!..

ثم لا يبالى ان يفترى على الابرياء الشرفاء المخلصين! والدكتور عمر تدمرى لم ترعه هذه الخيانات الصريحه المملوء بها وبامثالها كتاب ابن كثير، فلم يشر اليها بشى‏ء فى كل ما كتب ودون، بل تمسك بالافتراءات والاباطيل والبذاءات والشتائم! ولا يكتفى التدمرى بالتمسك باذيال ابن كثير، بل لجا الى نظير لابن كثير، هو ابن الفرات، فنقل عنه ما كان عليه ان يخجل من قراءته، ولكنه - وهو يوافق هواه وعصبيته - انحدر مع ابن الفرات الى دركات الخزى حين نقل عنه هذا القول الذى مهد له بقوله: وها هو ابن الفرات يورد روايه فيها الكثير من السخريه بالخليفه الفاطمى المراهق (الامر باللّه) وهو يتحدث عن سقوط مدينه طرابلس يقول فيها:

... وحكى ان السبب فى اخذ طرابلس انه لما ضايقها الفرنج كتب من فيها الى الديار المصريه يستنجدون خليفتها ويساله الميره، واقاموا ينتظرون ورود الجواب بالمدد والميره، فبينما هم فى ذلك اذا بمركب قد اقبل، فما شكوا ان فيه نجده، فطلع منه رسول وقال: قد بلغ الخليفه ان بطرابلس جاريه حسنه الصوره، وانها تصلح للخدمه، وقد امر بارسالها اليه، وارسلوا اليه من حطب المشمش ما يصنع منه عيدان للملاهى فعند ذلك ايسوا من نصره وضعفت قواهم.

الى هذا المستوى انحط عمر تدمرى، الى هذا المستوى انحط من يعتبر نفسه مورخ الاسلام فى بلاد الشام فى هذا العصر!.

لقد انحط الى حد تبنى السفاهات، والمناداه بها شعارا يواجه به جماهير الناس!..

يا عمر تدمرى، ان طرابلس بلدك، وانت تعرف انها صمدت بابطالها الشيعه بنى عمار عشر سنين فى وجه الصليبيين تقاتلهم، وتذودهم، وتتحمل مراره حصارهم لها((86)).

وانها لم تستنجد بمصر، لان مصر كانت هى الاخرى تقاتل الصليبيين، وتدفعهم عن حمى الاسلام بقواها المحدوده التى لا تستطيع ان تستغنى عن جندى واحد منهم..

لقد استنجدت باسلافك فى بغداد الراتعين فى دعه العيش المتنعمين بغضاره الحياه!..

لقد استنجد وفدها بهم فردوه خائبا! وتركوها تلاقى مصيرها وحيده!..

لقد كنت انتظر منك كل شى‏ء.. ولكن لم يدر بخلدى ابدا انك ستتبنى الاكاذيب المصوغه بالبذاءه وانعدام الحياء!..

بين السلاجقه والصليبيين

سنه 491هـ كان الصليبيون يحتلون انطاكيه ويتوغلون منها فى بلاد الشام قاصدين القدس.

ويقول ابن الاثير عن حاكم انطاكيه السلجوقى (باغى سيان) انه بمجرد ان سمع صوت بوق الفرنج يضرب عند السحر، وكان مع البوق عدد من الصليبيين لا يزيد على الخمسمائه لما سمع (باغى سيان) صوت البوق دخله الرعب، ففتح باب البلد وخرج هاربا على وجهه، فجاء نائبه فى حفظ البلد فسال عنه، فقيل انه هرب، فخرج من باب آخر هاربا، وكان ذلك معونه للفرنج، ولو ثبت ساعه لهلكوا((87)).

ويقول ابن الاثير بعد ذلك بسطور: وكان الفرنج قد كاتبوا صاحبى حلب ودمشق (السلجوقيين) باننا لا نقصد غير البلاد التى كانت بيد الروم، لا نطلب سواها، مكرا منهم وخديعه، حتى لا يساعدا صاحب انطاكيه.

هكذا سلم السلاجقه باب العالم الاسلامى مفتوحا للصليبيين، فدخلوا منه حتى وصلوا الى القدس! هرب حامى الباب بسماعه صوت البوق فلم يرم بسهم، ولم يجرد سيفا، ولم يشرع رمحا دفاعا عن البلد الذى انفذ فيه سلطانه، واستصفى امواله، وعاش فيه آمرا ناهيا مترفا، فلما جد الجد لم يكن له هم الا نفسه ففر هاربا لا يلوى على شى‏ء، ولم يترك البلد واهله وحدهم عرضه لمذابح الصليبيين، بل ترك حتى اسرته للقتل والسبى والاسر.

وصاحبا حلب ودمشق (السلجوقيان) لم يعنهما ان يحتل الصليبيون انطاكيه ثم ينطلقوا منها الى اولى القبلتين وثالث الحرمين، لم يعنهما ذلك ما دام الصليبيون قد طمانوهما بانهم لن يتعرضوا لهما.

وفى السنه التى كان الصليبيون يزحفون فيها على العالم الاسلامى فيحتلون انطاكيه ويتقدمون الى بيت المقدس، كان السلجوقيون فى مكان آخر لا يكترثون بهذا، وانما يتقاتلون فيما بينهم فيقود دولتشاه مع بيغو اخى طغرل بك فريقا، ويقود السلطان سنجر فريقا ويدخلون فيما بينهم بمعارك داميه((88)). وفى السنه الثانيه من احتلال القدس (سنه 492) كان السلاجقه فى شاغل عن هذا الاحتلال، وعن مذابح المسلمين فى القدس، وعن الذل الذى غرق فيه المسلمون كانوا فى شاغل عن ذلك، وكانوا يتحاربون فى مكان آخر، كان القتال دائرا بين السلطان (بركيارق)((89)) . . . . . . . . . . . . . . . .وواليه (انر)، وبين (ايران شاه) وحلفائه (الشوانكاره).

ومويد الملك عبيداللّه بن نظام الملك (الوزير السلجوقى) لم يعنه وهو فى بغداد ما يجرى فى القدس بل عناه الخلاف السلجوقى، فسار من بغداد لا الى القدس لانجادها واستنقاذها، بل الى حيث يقيم (انر) لانجاده واستنقاذه.

وانر هذا لم يعنه هو الاخر ما يجرى فى القدس على المسلمين، بل عناه ان الاسماعيليين قد انتشر امرهم فى اصفهان فندب نفسه لقتالهم، وحصر قلعه على جبل اصفهان!((90)).

انر السلجوقى لم ير فى انتشار امر الصليبيين فى بلاد الشام ما يحفزه على ان يندب نفسه لقتالهم، وان يسرع لحصار قلعه من قلاعهم. بل راى فى انتشار امر مواطنيه الاسماعيليين ما يحفزه على ذلك!.

وتسقط القدس ويجرى ما يجرى فيها على المسلمين، وياتى المستنجدون من الشام الى بغداد، بغداد السلجوقيه فى ذلك الوقت.

ويروى قصتهم ابن الاثير على هذا الشكل((91)):

(وورد المستنفرون من الشام فى رمضان الى بغداد صحبه القاضى (قاضى دمشق) ابى سعد الهروى، فاوردوا فى الديوان كلاما ابكى العيون واوجع القلوب وقاموا بالجامع يوم الجمعه فاستغاثوا وبكوا وابكوا، وذكر ما دهم المسلمين بذلك البلد الشريف المعظم من قتل الرجال وسبى الحريم والاولاد ونهب الاموال). (انتهى).

كان يومذاك فى بغداد سلطتان: سلطه روحيه بحته هى سلطه الخلافه، وسلطه فعليه حاكمه هى سلطه السلاجقه.

وكل ما استطاع الخليفه ان يفعله هو ان يقنع سته من الفقهاء ان يسيروا نجده لاخوانهم فى الشام، ومع ان هذه النجده لا طائل وراءها، فان هولاء لم يلبثوا ان رجعوا من اول الطريق..

اما السلطه الفعليه سلطه السلاجقه فقد اصمت اذنيها عن سماع الاستغاثه، وتجاهلت وصول المستغيثين منصرفه الى شوونها الخاصه.

هذه السلطه التى لم تتوان عن ان يسير بها راس من رووسها الكبيره، مويد الملك بن نظام الملك لانجاد سلجوقى متنازع مع سلجوقى آخر.

ويعبر ابن الاثير عن الموقف احسن تعبير حين يقول: (واختلف السلاطين فتمكن الفرنج من البلاد)((92)). والمقصود بالسلاطين: سلاطين السلاجقه اذ لم يكن يومذاك من يدعى بالسلاطين غيرهم.

ويبدو ان الخليفه المستظهر قد احرج السلطان السلجوقى (بركيارق)((93)) فارسل بركيارق الى كربوقا اتابك الموصل فذهب لانقاذ انطاكيه. فكان من كربوقا ومن معه من القواد ان تحكمت بكربوقا انانيته، وتغلبت على القواد وجنودهم الخيانه فاضاعوا انطاكيه، وفتحوا البلاد للصليبيين... - كما سياتى بيانه -.

اما بركيارق فقد كان مشغولا عن الصليبيين بالاقتتال مع السلاجقه الاخرين!.

ففى سنه الزحف الصليبى واحتلال القدس، ومجى‏ء الوفد الشامى للاستنجاد بالسلطه السلجوقيه سنه 491 وعودته خائبا، فى هذه السنه نفسها كان السلاجقه مشغولين بالتزاحم على التسلط على بغداد، فالسلطان محمد بن ملكشاه((94)) ينازل اخاه بركيارق على السلطنه ويعلن نفسه سلطانا ويقطع خطبه اخيه من بلاده ويقبض على زبيده خاتون والده اخيه السلطان بركيارق ويسجنها ثم تقتل خنقا((95)).

وكان زعماء السلاجقه يتعاضدون، لا على التوجه الى فلسطين لقتال الصليبيين، بل على التوجه لتوطيد امر السلطان محمد، فياتى سعد الدوله كوهرائين من بغداد، وكربوقا من الموصل، وجكرمش من الجزيره، وسرخاب بن بدر من كنكور، وغيرهم من غيرها ويتوجهون الى السلطان محمد فى مدينه (قم)، فيوفد كوهرائين الى بغداد ليحمل الخليفه على ان يخطب فيها للسلطان محمد، فيستجيب الخليفه لذلك، ويلقب السلطان محمد بلقب: غياث الدنيا والدين((95))!.

اى دين واى دينا كان هذا السلطان السلجوقى غياثهما؟ اما دنيا الاسلام فى الارض المقدسه فكانت موزعه فى ايدى الصليبيين، واما الدين فقد كان مووودا بسيوفهم!.

والسلاجقه مع ذلك يسمون سلطانهم الجديد اللاهى عن ذلك، العاكف على استغلال سلطته فى المسلمين يسمونه: غياث الدنيا والدين!..

لقد كان غياث دنياهم فعلا، اما الدين فلم يكن له فيهم من غياث، واما دنيا القدس فقد كانت فى مضيعه اى مضيعه.

ولم يسكت بركيارق فجمع جموعه وامير عسكره ينال بن انوشتكين الحسامى وسار ومعه غيره من الامراء الى واسط، يظلم جنوده الناس وينهبون البلاد، حتى بلغ بغداد، فلما بلغها كان قد خطب له فيها قبل وصوله اليها بيومين!..

وهنا ضعفت عزائم الحلفاء الذين كانوا اجمعوا على تعضيد مزاحمه السلطان محمد، فاما جكرمش فاستاذن كوهرائين فى العود الى بلده بدعوى ان الاحوال قد اختلت، فاذن له!..

واتفق الاخرون على ان يصدروا عن راى واحد لا يختلفون...

ولما كانت الدنيا قد اخذت تقبل على السلطان بركيارق، فقد كان رايهم الواحد الذى لم يختلفوا فيه: ان كتبوا الى بركيارق يقولون له: اخرج الينا، فما فينا من يقاتلك!.

فسار بركيارق اليهم، فترجلوا وقبلوا الارض وعادوا معه الى بغداد!.

هذا السلطان وهولاء الامراء، لم يذكر منهم ذاكر القدس وافاعيل الصليبيين فيها، ولم يكن فى خواطرهم التفكير فى انقاذها!.

لقد اجتمعوا من كل مكان، وما من مكان جاءوا منه الا وفيه المقاتله الاشداء، لقد استغلوا هولاء المقاتله لتوطيد سلطانهم واحكام امرهم، وجردوا السيوف بعضهم على بعض، لا على اعداء الاسلام: فاتحى القدس، وذابحى المسلمين فيه.

وبغداد هذه التى عادوا اليها مجتمعين، ليوطدوا فيها سلطان بركيارق بعد ان كانوا قد وطدوا فيها من قبل سلطان عدوه محمد بن ملكشاه.. بغداد التى لم تثرهم فيها استغاثه المستغيثين بهم لانقاذ القدس، بغداد التى شهدت القادمين من الشام يبكون العيون ويوجعون القلوب بذكر ما دهم المسلمين بذلك البلد الشريف المعظم من قتل الرجال، وسبى الحريم والاولاد، ونهب الاموال.

بغداد التى شهدت كل ذلك، وشهدتهم معرضين عن الاغاثه، متجافين عن المعونه فلم تبك عيونهم، ولم تتوجع قلوبهم، ولم تتحرك سيوفهم، بل اعرضوا عن الصوت المستغيث!..

بغداد تشهدهم اليوم متجمهرين فيها حول سلطانهم القديم الجديد بسيوف مشهوره، والويه منشوره، ونفوس مسروره!.

اما بركيارق هذا، الذى اكتفى عند الاستنجاد به لانقاذ مسلمى بلاد الشام من مذابح الصليبيين، وتخليص القدس من براثنهم، اكتفى بانتداب من خانوا الامانه وعلى راسهم كربوقا، ولم تحفزه النخوه على ان يسير على راس جموعه الغفيره لجهاد الصليبيين.

اما بركيارق هذا فهو يدخل بغداد اليوم ظافرا، مزهوا بترديد اسمه فى الخطب على منابرها، غير متذكر ان الصليبيين دخلوا القدس ظافرين، مزهوين بترديد شعاراتهم على منبر المسجد الاقصى ومحاريب بيت المقدس..

وعوضا عن ان يتوجه بجموعه اليهم، قاد تلك الجموع لقتال اخيه محمد، وكان اخوه مستعدا هو الاخر للقتال، وبدلا من ان يمحوا كل من الاخوين ما فى قلبه من ضغائن على الاخر، ويملئا قلبيهما بالضغائن على الصليبيين الذين اجروا سيول الدماء فى رحاب اولى القبلتين عوضا عن ذلك صمما ان يتقاتلا ويتركا الصليبيين فى القدس آمنين مطمئنين، متحفزين للانطلاق الى كل مكان اسلامى.

ويصف ابن الاثير القتال بين الاخوين بهذا الوصف((97)):

(كان مع محمد نحو عشرين الف مقاتل، وكان محمد فى القلب ومعه الامير سرمز، وعلى ميمنته امير آخر، وابنه اياز، وعلى ميسرته مويد الملك والنظاميه.

وكان السلطان بركيارق فى القلب، ووزيره الاعز ابو المحاسن، وعلى ميمنته كوهرائين، وعز الدوله بن صدقه بن مزيد، وسرخاب بن بدر، وعلى ميسرته كربوقا وغيره. فحمل كوهرائين من ميمنه بركيارق على ميسره محمد، وبها مويد الملك والنظاميه، فانهزموا ودخل عسكر بركيارق، فى خيامهم فنهبوهم. وحملت ميمنه محمد على ميسره بركيارق فانهزمت الميسره، وانضافت ميمنه محمد اليه فى القلب على بركيارق ومن معه، فانهزم بركيارق، ووقف محمد مكانه، وعاد كوهرائين من طلب المنهزمين الذين انهزموا بين يديه، وكبا به فرسه فاتاه خراسانى فقتله، واخذ راسه، وتفرقت عساكر بركيارق، وبقى فى خمسين فارسا).

وعادت الخطبه للسلطان محمد ببغداد

اذا كان بقياده محمد بن ملكشاه عشرون الف مقاتل، فلا شك ان بقياده اخيه بركيارق ما لا يقل عن هذا العدد ان لم يزد عليه، فهذه اربعون الف مقاتل كان على السلاجقه ان يسيروا بها لقتال الصليبيين، وصدهم عن التمدد فى البلاد الاسلاميه، وكانوا مستطيعين ان يضيفوا اليها امثالها، لو استجاشوا الناس واستنفروا الرجال من اقصى خراسان الى اقصى الشام، لقتال الصليبيين. ولكن قتال الصليبيين لم يكن يعنيهم، وانما كان الذى يعنيهم هو الاقتتال فيما بينهم، وسفك دماء المسلمين فى سبيل مطامعهم الشخصيه.

على ان بركيارق لم يياس فاتجه الى (الرى) ثم الى نيسابور، ووجد من يحالفه على قتال اخيه الاخر (سنجر) فى معركه طاحنه انهزم فيها بركيارق.

وعاد فاستطاع جمع جيش مكون من خمسين الف مقاتل، تقابل به مع جيش اخيه السلطان محمد المكون من خمسه عشر الفا، فانتصر هذه المره بركيارق بجيشه الاكثر عددا على جيش اخيه الاقل عددا ((98)).

ولا بد من ان نشير هنا الى ان عبيداللّه مويد الملك بن نظام الملك كان فى صف السلطان محمد، فاسر فى هذه المعركه، فقتله بركيارق بيده بعد ان سبه واهانه، وبقى ملقى على الارض عده ايام الى ان اذن بركيارق بدفنه، فحمل الى تربه ابيه باصبهان فدفن فيها.

هكذا كان يموت هولاء الناس هذه الميتات الذليله، بدل ان يموتوا فى ساحات الشرف اعزاء فى قتال اعداء البلاد.

وهكذا يتبين ان بركيارق الذى استطاع بعد هزائمه المتتابعه ان يجمع جيشا مولفا من خمسين الف مقاتل، فيقاتل به اخاه فى سبيل الملك، كان يستطيع جمع اضعاف هذا الجيش ليقاتل به الصليبيين. ومضى بركيارق بعد هذا النصر الى (الرى) فوافاه اليها فيمن وافاه (كربوقا) صاحب الموصل.

ان كربوقا هذا المسوول الاول عن هزيمه المسلمين فى انطاكيه، والذى كانت الحروب الصليبيه ستنتهى عند انطاكيه لولا ما جناه هو ومن معه من القواد، والامراء، والجمهور، من جنايات الانانيه، والخيانه. ان كربوقا هذا قد عاد، بعد ان جنى ما جنى الى امارته فى الموصل، وكان شيئا لم يحدث، وكانه لم يكن هو ومن معه السبب، فيما جرته الحروب الصليبيه على المسلمين.

وها هو يظهر دائما فى الاحداث، مشاركا فيها مع هذا الجانب، او ذاك الجانب، وقد رايناه من قبل ينضم الى جانب السلطان محمد على اخيه بركيارق، وها هو الان ينضم الى بركيارق.

ان الذى لم يبال ان يكون هو واعوانه السبب فى نكبه العالم الاسلامى، ويعود بعد ان فعل ما فعل عند انطاكيه، يعود اميرا مزهوا، هل يبالى بان يتلون كل يوم بلون، وان ينصر هذا السلطان اليوم، ثم يعود فيخذله منضما الى عدوه؟!.

انه على خط‏ى بركيارق، وغير بركيارق من اولئك السلاجقه الذين يرون تهدم العالم الاسلامى بالايدى الصليبيه، فيشاركون فى التهديم بخياناتهم، وانانياتهم، وسفك دماء المسلمين فيما بينهم، بدل ان تسفك فى جهاد الصليبيين.

على انهم بلغوا احط دركات النذاله فى اخلاقهم الشخصيه، فمحمد بن ملكشاه يقبض على زوجه ابيه وام اخيه زبيده خاتون فيهينها ويسجنها ثم يقتلها خنقا. وبركيارق يقبض على زوجه ابيه ووالده اخويه محمد وسنجر ويبادل بها الاسرى مع اخيه سنجر.

ومن هذه صفاتهم الشخصيه التى لا يبالون معها ان يهتكوا نساء آبائهم واخوتهم، ايطلب منهم ان يحافظوا على شرف الاسلام وعزه المسلمين؟!.

مضى محمد بعد هزيمته الى جرجان مستنجدا باخيه سنجر- وهما لام واحده - وكان لم يبق مع محمد سوى 300 فارسا فوافاه اخوه سنجر من خراسان فى عساكره.

يقول ابن الاثير((99)).

سارا من جرجان الى دامغان فخربها العسكر الخراسانى (عسكر سنجر) ومضى اهلها هاربين الى قلعه كردكوه، وخرب العسكر ما قدروا عليه من البلاد، وعم الغلاء بتلك الاصقاع حتى اكل الناس الميته والكلاب، واكل الناس بعضهم بعضا. وسارا الى الرى، فلما وصلا اليها انضم اليهما النظاميه وغيرهم فكثر جمعهما وعظمت شوكتهما وتمكنت من القلوب هيبتهما (انتهى).

كان الصليبيون يفتكون بغرب العالم الاسلامى، وفى الوقت نفسه كان السلاجقه يفتكون بشرق هذا العالم. وليتهم حين لم يهبوا لانقاذ ذلك الغرب كفوا شرورهم عن ذاك الشرق.

فى الايام التى كان فيها الصليبيون يخربون طرابلس وصيدا وصور ويشردون اهلها واهل غيرها من مدن وقرى بلاد الشام، كان السلاجقه يخربون (دامغان)، ويخربون ما قدروا عليه من البلاد، واذا كان ابن الاثير قد اكتفى بذكر مدينه دامغان فان قوله: خربوا ما قدروا عليه من البلاد كاف للدلاله على عظم التخريب، لان ما قدروا عليه كان كبيرا.

واذا كان الصليبيون قد بلغوا بالمذابح اقصى مداها فى القدس، فلا شك ان المذابح قد بلغت حدا بعيدا فى دامغان وغير دامغان مما سيطر عليه السلاجقه. والدليل على ذلك ما ذكره ابن الاثير من فرار من سلم الى القلاع المنيعه.

ومهما يكن من امر فلم يبلغنا ان المسلمين فى السيطره الصليبيه قد اكلوا الميته والكلاب، واكلوا بعضهم بعضا. ولكن ذلك جرى على المسلمين فى السيطره السلجوقيه المزامنه للسيطره الصليبيه.

الاحداث التى تحدثنا عنها فيما تقدم من القول والتى جرت فى السيطره السلجوقيه على شرق العالم الاسلامى جرت سنه 494 هجريه.

فلنر ماذا كان يجرى فى السنه نفسها على غرب العالم الاسلامى: فى سنه 494 التى كان الملكان السلجوقيان الاخوان المسلمان يدخلان بعسكرهما مدينه دامغان فيخربانها ويشردان اهلها فيهيمون على وجوههم، ثم يخربون كل ما قدروا على تخريبه من البلاد، ثم يضطر المسلمون الى اكل الميته والكلاب واكل بعضهم بعضا.

فى تلك السنه (494) كان الصليبيون يتقدمون فيحتلون مدينه سروج من بلاد الجزيره ويقتلون كثيرا من اهلها ويسبون حريمهم وينهبون اموالهم، ولم يسلم الا من مضى منهزما((100)). دامغان فى شرق العالم الاسلامى، وسروج فى غرب هذا العالم:

مصير واحد لقياه فى زمن واحد.. مصير ماساوى فاجع..

القوى التى دخلت دامغان وامتدت منها الى ما استطاعت الامتداد اليه من بلاد.. هذه القوى لم تكن وظيفتها احتلال دامغان وتخريبها وتشريد اهلها، كانت وظيفتها الدفاع عن سروج وحمايتها من التخريب وحمايه اهلها من القتل والسبى والنهب.

لم يكن مكان محمد بن ملكشاه ومكان اخيه سنجر فى دامغان، بل كان مكانهما فى سروج.

فى السنه نفسها التى كان ينطلق فيها ابنا ملكشاه السلجوقى سنه 494 - ينطلقان من دامغان حتى يبلغا (الرى) كان الصليبيون ينطلقون فيبلغون مدينه حيفا فيملكونها عنوه...

ويظلون فى انطلاقهم فيملكون مدينه (ارسوف) بالامان ويخرجون اهلها منها... وينطلقون فيملكون مدينه (قيساريه) بالسيف ويقتلون اهلها وينهبون ما فيها...

حملتان على العالم الاسلامى فى سنه واحده، حمله شرقيه وحمله غربيه، حملتان توحدتا فى الهدف: تخريب المدن وذبح اهلها وسبيهم ونهبهم!.

حملتان توحدتا فى الهدف، وكان من حق الاسلام ان تتناقضا، كان من حق الاسلام ان لا يكون ميدان احداهما فى الشرق وميدان الاخرى فى الغرب، بل ان تلتقيا معا فى الغرب، ان تلتقيا متصادمتين تصادما دمويا يرد الغربيه الى غربها البعيد الذى قدمت منه!..

لم تنته الحرب بين السلاجقه فالنصر الذى احرزه بركيارق لم تدم نتائجه طويلا. لقد كان من نتائج هذا النصر ان اقبل الناس على بركيارق فاستطاع ان يجمع جيشا مكونا من مئه الف مقاتل!.

وهنا نعود الى ما قلناه من قبل من ان استصراخ العالم الاسلامى كان ممكنا، وان تاليف جيش قوى كبير يضم مئات الالوف يزحف للقضاء على الصليبيين كان مستطاعا لو كان هولاء القاده مخلصين للاسلام مهتمين بحاضر المسلمين ومستقبلهم.

فاذا كان بركيارق قد جمع حوله مئه الف مقاتل، من اجل هدف تافه لايعدو اطماع الدنيا، فانه مستطيع ان يجمع اضعاف هذا العدد من اجل هدف سام، لو كانت له اهداف ساميه!. وما ابعد هولاء السلاجقه عن الاهداف الساميه!.

على ان بركيارق بعد ان تحقق له النصر لم يفكر بعيدا، ولم يعد لهذا الجيش ما يكفل له دوام التجمع، والواقع هو ان مثل هذا الجيش كان يجب ان يكون له هدف واضح كبير يكفل استمرار بقائه، ولكن لا السلطان كان يملك هذا الهدف، ولا من هم حول السلطان كانوا يملكونه.

ففوجئوا اول ما فوجئوا بفقدان الحيره، فلم يحاولوا تلافى امر فقدانها، لفقدان الهدف، لذلك اخذوا يتفرقون فعاد دبيس بن صدقه الى ابيه فى الحله.

وقامت ثوره على السلطان بركيارق بقياده الملك مودود بن اسماعيل بن ياقوتى باذربيجان، فسير اليه كربوقا فى عشره آلاف فارس.

دائما هذا الاسم الكريه كربوقا امامنا، ودائما هو فى صميم الاحداث، لا يلويه عنها الخزى الذى لحق به فى انطاكيه، ولا العار الذى جلله بفتحه باب بلاد الشام امام الصليبيين ليلجوا منه الى فتح القدس.

واستاذن الامير (اياز) فى ان يقصد داره بهمذان يصوم بها شهر رمضان ويعود بعد الفطر فاذن له، وتفرقت العساكر لمثل ذلك، وبقى بركيارق فى العدد القليل((101)).

على ان بركيارق فوجى‏ء بان اخويه محمد وسنجر قد جمعا الجموع، وحشدا الجنود، وانهما لما بلغهما تفرق ما كان لديه من جيوش جدا فى السير اليه، مسرعين فى ط‏ى المراحل مرحله بعد مرحله، عازمين على مباغتته قبل ان يستطيع تجميع من كانوا مجتمعين حوله. ولما اصبحا غير بعيدين عنه صمم على اللحاق باياز فى همذان.

ولكن الناس هم الناس فلما لاح لهم ان الدنيا قد بدات تدبر عنه، طمع فيه من كان يهابه وايس منه من كان يرجوه، كما قال ابن الاثير.

وكان فى اول المنقلبين عليه اياز نفسه، فقد بلغه وهو فى الطريق اليه ان ايازا قد بعث الى السلطان محمد لينضم اليه.

لذلك حول بركيارق وجهه سيره عن همذان الى خوزستان فكتب وهو فى الطريق الى بنى برسق يطلب اليهم الوصول اليه. وكان هولاء قد بلغهم امتناع اياز عليه، كما بلغهم تعاظم قوه محمد فرفضوا الاستجابه.. لذلك اضطر للتوجه الى العراق، وفى طريقه الى العراق وعند وصوله الى حلوان فوجى‏ء بتطور لم يكن ينتظره، ذلك ان اياز قد بعث اليه ان يتوقف عن السير الى العراق لانه سائر اليه.

ولم يكن ذلك كرم اخلاق من اياز، بل كان حلقه من سلسله الانتهازيه والتذبذب والوصوليه، فان محمد بن ملكشاه قد رفض قبول اياز بعد ان صار مستغنيا عنه بما اصبح يملك من قوه واقتدار، واكثر من ذلك فقد وجه حمله الى همذان مما اضطر محمدا الى الفرار عنها متخليا عن ذخائره فيها من مال وكراع ودواب، ما كان شيئا كثيرا وقع كله غنيمه فى يدى محمد.

والتقى بركيارق باياز فكان كل ما بقى لهما من الجند معا خمسه آلاف فارس.

وقد كان جديرا ببركيارق ان لا يقبل ايازا بعد ما بدا له من خيانته، ولكنه كان بحاجه لاى رجل ولان المحنه وحدت بينهما.

ولم يكن امام الرجلين سوى مواصله السير الى العراق حيث وصلا بغداد، بعد ان كان الخليفه قد ارسل موكبا لاستقبال بركيارق، على ان بركيارق باعتباره السلطان الشرعى كان يعوزه المال للانفاق على نفسه وعلى عساكره فارسل الى الخليفه طالبا انجاده بالمال، وبعد المداولات والمراجعات تقرر ان يصرف له خمسين الف دينار.

ولم يكن ذلك كافيا فامتدت ايدى بركيارق واصحابه الى اموال الناس، ولم يتورعوا فى ذلك عن اى شى‏ء حتى ضج الناس وتمنوا زوالهم.

على ان من افظع ما فعلوه هو استصفاوهم اموال قاضى جبله ابى محمد عبداللّه بن منصور المعروف بابن صلحيه، فقد كان لهذا الرجل نكايات فى الصليبيين اقضت مضاجعهم، ثم ادرك انهم لن يتركوه بعد ان فعل بهم ما فعل فرحل باهله وماله الى العراق لائذا به وترك امواله فى مدينه الانبار وجاء بغداد ليقرر كيف يستقر.

ولما عرف بركيارق بوصوله ارسل اليه انه بحاجه الى ثلاثين الف دينار فاستجاب الرجل لذلك وقال ان امواله فى الانبار بالدار الذى نزلها، فلما عرفوا ذلك ارسلوا الى الانبار من استولى على كل ما يملك الرجل من مال.

االتلاقى فى بغداد

واصل السلطان محمد واخوه سنجر سيرهما الى بغداد بعد ان استولى محمد على همذان وغير همذان، وكان قد استطاع ان يجمع جيشا يزيد على عشره آلاف فارس، كان عدته فى الزحف الى بغداد. وكان بركيارق فى بغداد مريضا يتوقع اصحابه موته فى كل ساعه.

وكانت اخبار تقدم محمد الى بغداد تصلهم. يقول ابن الاثير:

(فماج اصحابه وخافوا واضطربوا وحاروا، وعبروا به فى محفه الى الجانب الغربى فنزلوا بالرمله((102)) ولم يبق فى بركيارق غير روح يتردد ويتقن اصحابه موته وتشاوروا فى كفنه وموضع دفنه).

ويتابع ابن الاثير كلامه قائلا: (فبينما هم كذلك اذ قال لهم:

انى اجد نفسى قد قويت وحركتى قد تزايدت، فطابت نفوسهم وساروا، وقد وصل العسكر الاخر، فتراءى الجمعان بينهما دجله وجرى بينهما مراماه وسباب، ونهبوا البلاد فى طريقهم الى ان وصلوا الى واسط)((103)).

اذن فان محمدا قد دخل بغداد دون ان يلقى مقاومه، فمرض بركيارق، وقد شغله وشغل اصحابه عن التفكير فى الدفاع، وكان همهم النجاه بانفسهم.

وكان من الطبيعى ان يضطربوا ويخافوا ويحاروا، فموت بركيارق سيجعلهم وجها لوجه امام انتقام محمد، ومع ذلك فقد تماسكوا وحملوا سلطانهم فى محفه عابرين به دجله من جانب بغداد الشرقى الى جانبها الغربى، لان وصول محمد الى بغداد سيكون فى الجانب الشرقى وبذلك يكون دجله حاجزا بينهم وبين جيوش محمد.

على اننا لا بد لنا من ان نتساءل عن حقيقه هولاء الاصحاب، حقيقتهم العدديه، وحقيقتهم العسكريه، وحقيقتهم الخلقيه.

ونعنى بالحقيقه الخلقيه هنا: ما اذا كان ثباتهم مع بركيارق بعد ان صار الى ما صار اليه من الوهن: الوهن الجسدى والوهن العسكرى، هو وفاء منهم للرجل الذى كان بالامس سلطانهم القوى الراتعين فى ظله فى خفض من العيش ودعه ونفوذ سلطان، ام ان ذلك خوف من المصير المجهول الذى ينتظرهم من العدو المنتصر، خوف يدعوهم الى التماسك لمواجهه الخطر الداهم؟!.

ثم ما هى حقيقتهم العدديه الموصله الى حقيقتهم العسكريه؟ ان ابن الاثير يقول: (وساروا وقد وصل العسكر الاخر، فتراءى الجمعان بينهما دجله، وجرى بينهما مراماه وسباب، ونهبوا البلاد فى طريقهم الى ان وصلوا الى واسط.

وهذا يدل على ان بقايا جيش كان لا يزال يحيط ببركيارق، بقايا جيش ليس موهلا للصدام بجيش محمد، وكل ما استطاعته هذه البقايا هو ان ترامى اعداءها بالنبل من وراء نهر دجله وان تتبادل واياها السباب.

ومن فجائع هولاء الحكام المتنازعين على التحكم بالشعوب انهم يستحلون نهب تلك الشعوب، فهولاء جماعه بركيارق نهبوا البلاد التى مروا فيها، من بغداد الى واسط.

والخليفه المستظهر باللّه وقد ايقن برحيل بركيارق، بل ربما كان متوقعا موته - اسرع فارسل الى محمد توقيعا يتضمن الامتعاض من سوء سيره بركيارق ومن معه والاستبشار بقدومه!..

ويقول ابن الاثير: وخرج الخلق كلهم الى لقائه!.

على ان اقامه محمد واخيه سنجر لم تمتد فى بغداد اكثر من حوالى شهرين قصدا بعدهما العوده الى موقعيهما: محمد الى همذان، وسنجر الى خراسان.

واذا كان جماعه بركيارق قد نهبوا البلاد من بغداد الى واسط، ثم نهبوا واسط نفسها كما سياتى، فان جيش محمد الذاهب الى همذان لم يقصر هو الاخر فى النهب، فيقول ابن الاثير عنهم:

فنهبوا البلاد وخربوها!..

بركيارق من جديد

يبدو ان مماشاه الخليفه لمحمد وطعنه ببركيارق قد بلغت بركيارق فاعترض المنتمين الى الخليفه فى واسط واسمعهم من القول فى الخليفه ما قال ابن الاثير: انه يقبح نقله، وبلغ ذلك الخليفه فارسل يطلب الى محمد العوده الى بغداد فعاد، واذا كان ابن الاثير يقول ان الخليفه عزم على الحركه مع محمد لقتال بركيارق، فلنا ان نقول: ان استدعاء الخليفه لمحمد لم يكن فى الاصل للانضمام اليه فى مهاجمه محمد، بل خوفا من ان يستفرد بركيارق الخليفه فينقض عليه فى بغداد.

على ان محمدا طمان الخليفه بانه يستطيع وحده تاديب بركيارق ولا حاجه لمسير الخليفه معه، وبالفعل ترك محمد بغداد معاودا السير الى مقصده.

اما بركيارق الذى وصل الى واسط مريضا، فان وصوله اليها ارعب عسكر واسط، كما ارعب اهلها، لان الجميع لا يدرون اى موقف يتخذونه منه، فاذا والوه فربما غلب محمد على الامر فانتقم منهم، واذا قاوموه، فهو مقيم فيهم يستطيع اذيتهم، لذلك ارتاوا حلا وسطا، لا هو موالاه، ولا هو معاداه. بل هو موقف سلبى اذا كان اقرب الى عدم الموالاه فهو ليس صريح المعاداه.

اما العسكر فقد اخذوا نساءهم واولادهم واموالهم وانحدروا الى الزبيديه((104)) واقاموا هناك.

واما الاهلون فقد لزموا اول الامر بيوتهم، فلم يكن يرى فى الطرق والاسواق احد منهم، ولكنهم لم يسلموا، فان عسكر بركيارق نهب البلد.

وهكذا نرى ان لا صله تربط بين هولاء الحكام وبين الشعب، وان لا ولاء لهم فى قلوب ابنائه، ولا محبه تربطهم به، فاذا قوى امر احدهم انصاع الناس له مداحين، واذا ضعف انقلبوا عليه ناكثين.

وهكذا فبعد ان شفى بركيارق من مرضه وبدا انه قد استقر فى واسط، بعث اليه العسكر من الزبيديه يطلبون الامان ليحضروا اليه، فامنهم وجاءوا فاستقوى بهم، ثم عضدوه فى السير معه الى بنى برسق الذين لم يلبثوا ان قدموا اليه، وهكذا اخذ يتقوى شيئا فشيئا حتى صارت له قوه عسكريه مرموقه، فراى عند ذلك ان يهب لمطارده اخيه محمد، فالتقيا ومحمد فى طريقه الى نهاوند، وكانا فى قوتين متساويتين، هى اربعه آلاف فارس لدى كل واحد منهما.

ولما كادت القوتان تتصادمان، التقى بعض مقدمى القوتين وتذاكروا فى امر الصلح بين الاخوين بعد ان راوا ما آل اليه امر الناس من البلاء للنزاع بينهما.

ولم يكن ابلغ فى التعبير عن نفور الشعب مما يجرى واعتقاد الناس انهم اخوان يحملهم حكامهم على التذابح، من انه حين التصاف بين الفريقين وخروج مبارز من احد الصفين، وخروج مبارز له من الصف الاخر، كانا بمجرد ان تقع عين احدهما على الاخر يعتنق كل واحد منهما مبارزه ويسلم عليه، ثم يعود عنه.

وانتهى امر مفاوضات الصلح الى ان يتقاسم الاخوان البلاد، ويتقاسما اللقب، فيكون لقب بركيارق: (السلطان) ولقب محمد: (الملك)، على ان يكون له جنزه ((105))واعمالها، واذربيجان، وديار بكر، والجزيره، والموصل ومضى كل منهما الى مقره.

ثم عاد محمد فاقتنع انه مغبون فى هذه المصالحه، وان الامراء خامروا عليه فعاد الامر الى ما كان عليه من التنازع فى تفاصيل مهلكه داميه نتجاوز ذكرها.

فى الجانب الاخر من الوطن الاسلامى

فى الوقت الذى كان فيه هولاء السلاجقه يتناحرون فى المشرق الاسلامى وينحرون الشعب معهم ويبهضونه بما لا يطيق حمله، فى الوقت الذى كان فيه بركيارق مثلا يحاصر اخاه محمدا فى اصفهان ويضيق عليها، فتعدم فيها الاقوات، ويرغم محمد اعيان البلد على ان يقرضوه، فياخذ منهم مالا عظيما، ثم يعود فيقسط على البلد شيئا آخر فياخذه بالشده والعنف، ثم يضطر للفرار من البلد، فيصبح امر اصفهان كما وصفه ابن الاثير: (فلما فارق محمد اصبهان اجتمع من المفسدين والسواديه ومن يريد النهب ما يزيد على مئه الف نفس وزحفوا الى البلد بالسلالم والدبابات وطموا الخندق بالتبن والتصقوا بالسور، وصعد الناس فى السلالم فقاتلهم اهل البلد قتال من يريد ان يحمى حريمه وماله فعادوا خائبين).

وفى الوقت الذى كان الوالى السلجوقى اسماعيل بن سلانجق يقتل من اهل مدينه (الرى) مقتله عظيمه، ويرسل من شعورهم الى سلطانه بركيارق ما عمل منه مقاود وشكلات للدواب ((106)). فى هذا الوقت بالذات وفى السنه نفسها كان صنجيل الصليبى يحاصر طرابلس ويرغم اهلها على ان يدفعوا اليه مالا وخيلا ويتقدم منها الى مدينه (انطرسوس) فيحصرها ويفتحها ويقتل من بها من المسلمين، ثم يسير الى حمص فينازلها ويحصر اهلها ويملك اعمالها. وكان القمص ينازل عكا ويضيق عليها، وكان الصليبى صاحب الرها يسير الى بيروت ويحصرها ويضايقها.

ومن بين هذه الظلمات تتوقد شعله فى القاهره فتخرج عساكرها الى عسقلان ليمنعوا الفرنج عما بقى فى ايديهم من البلاد الشاميه على حد تعبير ابن الاثير، فيسمع بهم بردويل صاحب القدس فيسير اليهم فيقاتلهم فينصر اللّه المسلمين وينهزم الفرنج ويكثر القتل فيهم، وينهزم بردويل ويختفى فى اجمه قصب، فيحرق القاهريون تلك الاجمه وتلحق النار بعض جسد بردويل، وينجو منها الى الرمله فيتبعه القاهريون ويحيطون به فيتنكر ويخرج منها الى يافا، ويكثر القتل والاسر فى اصحابه((107)).

وبركيارق الذى اوفد كربوقا الى انطاكيه فكان من انانيته وحبه لذاته وخيانه جيشه ان فر منهزما تاركا باب العالم الاسلامى مفتوحا بلا حارس امام الصليبيين، كربوقا هذا كان بركيارق نفسه يرسله هذه المره الى آذربايجان فيستولى على اكثرها، ثم يمرض بها ويموت...