وباغى سيان حاكم انطاكيه الذى لم يكد يسمع صوت بوق الصليبيين حتى فر هاربا تاركا اسرته عرضه للسبى، باغى سيان هذا الذى لم يكن فيه ذره من النخوه والحميه تحملانه على ان يستميت دفاعا عن شرف اسرته، بل تركها تسبى بايدى الفرنج، استطاع الدانشمند فى هذا الوقت ان يجعل من شروط اطلاق بيمند من الاسر اطلاق ابنه باغى سيان من السبى.

فى هذا الوقت الذى لم يستقر فيه امر السلاجقه لا فى بغداد ولا ما وراء بغداد وصولا الى ابعد مكان، وظلت البلاد فى تجاذب بينهم تسفك فيها الدماء وتنهب الاموال ويذل الناس. كان امر الصليبيين قد استقر فى القدس ويافا وارسوف وقيساريه وحيفا وطبريه، وفى فلسطين كلها ما عدا عسقلان، وفى اللاذقيه وانطاكيه. ومن الجزيره: استقر امرهم فى الرها وسروج.

وكان صنجيل يحاصر طرابلس، وفيها فخر الملك بن عمار((108)) يقود الدفاع عنها ويرسل اصحابه فى المراكب يغيرون على البلاد التى بيد الفرنج ويقتلون من وجدوا، وقصد بذلك ان يخلو السواد ممن يزرع لنقل المواد من الفرنج فيرحلوا عنه‏109.

ونذكر هنا - للاعتبار - حادثه تدل على حقيقه هولاء السلاجقه، فان احدهم بلك بن بهرام بن ارتق كانت له مدينه سروج فاخذها منه الصليبيون، فبدلا من ان يعمل لاستردادها منهم، توجه الى مدينه عانه الاسلاميه فملكها ونهبها وسبى جميع نسائها!.

ثم كان الصليبيون يمتدون فيحتلون جبيل، ثم عكا.

نقطه بيضاء

نحن لا نبخس الناس اشياءهم فاذا سجلنا تلك الصفحات السود فاننا حين نرى نقطه بيضاء نسرع الى تسجيلها وننصف اصحابها فمن ذلك الهوان الذى ارتمى فيه السلاجقه امام الصليبيين يطل اثنان بنخوه اسلاميه وحميه فائقه، اثنان كان بينهما ثارات وفى قلبيهما احقاد، وكان كل منهما يستعد للقاء صاحبه، هذان الاثنان هما: معين الدوله سقمان، وشمس الدوله جكرمش، وفيما كل منهما يتهيا للانقضاض على صاحبه، تذكرا ما عليه المسلمون من الذل وما احاق بديارهم من الاغتصاب والانتهاب والانتهاك، فنسيا ذحولهما، وارسل كل منهما الى صاحبه عارضا عليه ان يلتقيا، ويعلمه انه قد بذل نفسه للّه تعالى وثوابه، فاستجاب كل منهما لطلب صاحبه، فاجتمعا على (الخابور) وتحالفا وسارا الى لقاء الصليبيين.

وكان مع سقمان سبعه آلاف فارس من التركمان، ومع جكرمش ثلاثه آلاف فارس من الترك والعرب والاكراد، فالتقوا مع الصليبيين على نهر البليخ فكان النصر لسقمان وجكرمش، فقتلوا من الصليبيين، واسروا، وفاضت الغنائم، وكان بين الاسرى القمص بردويل صاحب الرها، وكانت معظم الغنائم فى ايدى جماعه سقمان، وكذلك كانوا هم الذين اسروا القمص، وكادت الفتنه ان تقع لان اصحاب جكرمش اخذوا القمص من خيام سقمان.

وركب اصحاب سقمان للقتال فردهم، وقال لهم: لا يقوم فرح المسلمين فى هذه الغزاه بغمهم باختلافنا، ولا اوثر شفاء غيظ‏ى بشماته الاعداء بالمسلمين((110)).

وفى المقابل فانه حين توفى الملك دقاق بن تتش بن الب ارسلان صاحب دمشق اختلف الورثه بين ولد له صغير، وبين عمه بكتاش بن تتش، وانضم الى تتش الامير ايتكين صاحب بصرى، وخرج هذان الاثنان الى حوران، ولحق بهما كل من يريد الفساد، وراسلا بغدوين ملك الصليبيين يستنجدانه، فاجابهما الى ذلك وسار اليهما فاجتمعا به واتفقا معه.

والسلاجقه الذين تخلوا عن البلاد للصلبيين، لم يتخلوا عن البلاد لاهل البلاد، والسلاجقه الذين عاش الصليبيون فى جوارهم بامان واطمئنان، لم يمنحوا هذا الامان وهذا الاطمئنان لمواطنيهم، ففى عنفوان ذاك المد الصليبى المتدافع دفعه كان الامير (بزغش) قائد عساكر السلطان سنجر، يتقدم لا الى الوقوف فى وجه ذاك المد، ويجمع الجموع لا لقتال الصليبيين، بل كان يتقدم للقضاء على جمهره من ابناء البلاد وسكانها، ويجمع الجموع لتخريب البلاد ونهبها وقتل رجالها وسبى نسائها.

وكما قلنا، ونكرر هذا القول: كان الغرب الاسلامى يعانى المحنه على ايدى الصليبيين، وكان الشرق الاسلامى يعانى المحنه نفسها على ايدى السلاجقه.

وانقل هنا عباره ابن الاثير نفسها، فابن الاثير يقول: (جمع بزغش كثيرا من عساكر خراسان، واتاه كثير من المتطوعه، وسار الى قتال الاسماعيليه، فقصد طبس وهى لهم فخربها وما جاورها من القلاع والقرى، واكثر فيها القتل، والنهب، والسبى، وفعل بهم الافعال العظيمه!)((111)).

لم يكن هولاء السلاجقه ارحم فى الارض الاسلاميه من الصليبيين، وبزغش هذا اين هو عن الصليبيين الطاغين فى ارض الاسلام، وهولاء المتطوعه اين هم عن التطوع لانقاذ القدس من براثن مغتصبها؟! وابن الاثير يقر بان الاسماعيليين كانوا مواطنين مسالمين ككل المواطنين، فهو لم يشر الى هفوه او كلمه او حركه لهم يستحقون معها ذره مما ارتكبه فيهم القائد السلجوقى حليف الصليبيين وان لم يحالفهم، لان من يسالمهم وينكل بمواطنيه هو الحليف الطبيعى لهم...

وابن الاثير: هذا المورخ المندفع بحميته للبكاء على ما آل اليه امر المسلمين، والشاكى الى اللّه تفرق السلاطين، وانشغالهم عن حمايه الاسلام والمسلمين.

ابن الاثير يعلق على ما حدث قائلا((112)):

(ثم ان بزغش، بعد عوده من هذه الغزاه، توفى، وكانت خاتمه امره: الجهاد، رحمه اللّه).

تخريب المدن والقرى فى بلاد الاسلام وقتل رجالها وسبى نسائها ونهب اموالها، يعده ابن الاثير غزاه ويعتبره جهادا، ويدعو اللّه لمرتكب ذلك بالرحمه!.

وتدخل سنه 498هـ وفيها يموت السلطان بركيارق بعد ان اوصى بولايه العهد لولده ملكشاه ذى الاربع سنين وثمانيه اشهر من عمره. وكانت بوفاته فى بروجرد وهو فى طريقه من اصفهان الى بغداد، فلما ايقن بالموت احضر جماعه الامراء واوصاهم بولده وامرهم بمتابعه السير الى بغداد، وبقى هو فى بروجرد على امل العوده الى اصفهان فمات دون تحقيق ذلك، ولكن جثته حملت الى اصفهان فدفنت فيها.

مات بركيارق وهو فى الخامسه والعشرين من عمره بعد ان ملك اثنتى عشره سنه كانت حافله بالاحداث التى شهدنا بعضها فيما مر من القول.

وخطب لملكشاه الثانى الطفل على منابر بغداد، ولكن الشقاق لم يكن قد انتهى فهذا محمد بن ملكشاه اخو بركيارق الذى مر اسمه معنا كثيرا يهاجم الموصل ليقضى فيها على (جكرمش) فيكثر القتل فى عسكرها، ولما وصل خبر موت بركيارق الى جكرمش سلم الامر الى محمد.

ثم سار محمد الى بغداد ومعه جكرمش وغيره من الامراء يحاول انتزاع ملكها من ابن اخيه، وكان المباشر لامور السلطان الطفل: الامير (اياز).

ووصل السلطان محمد الى بغداد ونزل فى الجانب الغربى منها باعلاها، فخطب له فى هذا الجانب من بغداد، ولملكشاه بن بركيارق فى الجانب الشرقى!.

خطبتان تمثلان سلطتين فى مدينه واحده هى عاصمه الخلافه!.

وكان قسم من بغداد لم يدخل فى نفوذ احدى السلطتين وفيه جامع المنصور، فلم يخطب لاحد من السلطانين، بل قال الخطيب عوضا عن الخطبه لاحدهما: اللهم اصلح سلطان العالم، وسكت.

لنا ان نفسر موقف هذا الخطيب باحد تفسيرين: اما ان يكون الخطيب مذبذبا انتهازيا لا يدرى لمن تكون الغلبه فى الغد، فهو لا يريد ان يتورط باعلان الولاء لاحد المتنازعين. واما ان يكون مخلصا ساءه هذا الخلاف، لا سيما فى هذه الظروف التى يعانى فيها المسلمون ما يعانون من اذلال الصليبيين لهم، بينما ينشغل حكامهم بانفسهم وشقاقهم وتقاتلهم فيما بينهم، فارسلها دعوه صالحه موجزه...

نحن نريد ان نميل الى الراى الثانى لاننا نحسن الظن بالامه، ونوقن ان فيها من كوامن الخير والحميه والنجده والشهامه ما لو اهيب بها لدفعت شر الصليبيين وعدوانهم.

وخير ما يمثل الامه، وصفتها الحقيقيه، هو هذا الخطيب المجهول...

وبعد ان كاد القتال ان ينشب بين الفريقين المتنازعين سلم (اياز) بالامر الواقع ومشى للسلطان محمد. وتوالت الاحداث حدثا بعد حدث، وفيها من التنازع والتقاتل والقتل ما فيها.

ومن اهم ما كان فيها ان الاسماعيليين الذين اصيبوا بما اصيبوا به من التخريب والقتل والسبى والنهب، ما مر ذكره، وجدوا فرصه للانتقام فكانوا فى انتقامهم شرا ممن انتقموا منهم، اذ نالوا فى انتقامهم من الابرياء والضعفاء والقريبين والبعيدين، لا سيما قاصدى بيت اللّه للحج.

وكما نقلنا هناك عباره ابن الاثير فى وصف ما جرى على الاسماعيليين لننقل هنا ايضا انصافا للحقيقه عباره ابن الاثير فيما اجراه الاسماعيليون. قال ابن الاثير:

(فى هذه السنه (498) سار جمع كثير من الاسماعيليه من (طريثيت) عن بعض اعمال بيهق، وشاعت الغاره فى تلك النواحى واكثروا القتل فى اهلها والنهب لاموالهم والسبى لنسائهم...

وفى هذه السنه اشتد امرهم، وقويت شوكتهم، ولم يكفوا ايديهم عمن يريدون قتله، لاشتغال السلاطين عنهم. فمن جمله فعلهم: ان قفل الحاج تجمع، هذه السنه، مما وراء النهر، وخراسان، والهند، وغيرها من البلاد، فوصلوا الى خوار الرى، فاتاهم الباطنيه وقت السحر، فوضعوا فيهم السيف، وقتلوهم كيف شاووا وغنموا اموالهم ودوابهم، ولم يتركوا شيئا)((113)).

ونحن هنا لا نستطيع ان نتهم ابن الاثير بالمبالغه، لانه حين تحدث عما جرى على الاسماعيليين وصف الشده التى نزلت بهم بمثل ما وصف ما انزلوه هم من الشده فى الحجاج وغيرهم.

ولا يشفع للاسماعيليين انهم كانوا يثارون لما نزل بهم ظلما، وان قلوبهم كانت تغلى بالحقد على من فعلوا بهم ما فعلوا، فالثار لا يكون من الحجاج البريئين القادمين من كل مكان، والحقد على الحكام لا يجوز ان يبعث على الانتقام من الشعب.على اننا ونحن نقول ذلك لا ننسى مسووليه الحكام عما جرى، هذه المسووليه التى اوضحها ابن الاثير بقوله:

(لاشتغال السلاطين عنهم).

لقد كان اول واجبات السلاطين حفظ الامن، ورعايه امور الشعب، وحمايته من عبث فريق منه بفريق آخر، ولكن سلاطين السلاجقه كانوا فى شاغل عن ذلك بالاقتتال فيما بينهم، والتنازع على الاستئثار بظلم الناس. واذا كانوا هم وجنودهم لا يتورعون عن السلب والتخريب والقتل والنهب فكيف يطلب من الناس ان يتورعوا عن ذلك؟! انهم وهم الذين اعتدوا على الاسماعيليين الذين لا ذنب لهم، جروا الاسماعيليين على ان يعتدوا على من لا ذنب لهم..

فى غرب العالم الاسلامى

اذا كان الجانب الشرقى من العالم الاسلامى ظل يموج ويمور بمحن السلاجقه فيه، فكذلك كان الجانب الغربى يموج ويمور بمحن الصليبيين فيه، غير ان السلاجقه الذين اعتبروا انفسهم غير ملزمين بشى‏ء تجاه العالم الاسلامى، وان استباحه الصليبيين له لا تعنيهم، فانفردوا بالجانب الشرقى من هذا العالم مشغولين بانفسهم، غير مبالين بما يجرى فى الجانب الاخر من ذبح للمسلمين وانتهاك لحرماتهم، اذا كان الامر كذلك حتى الان، فاننا سنرى ان فيهم من تعاون مع الصليبيين، وقد مر معنا شى‏ء من هذا من قبل، وسنرى هنا لا تعاونا منهم مع الصليبيين مجرد تعاون، بل انضماما كاملا الى صفوفهم.

لم تهدا المعارك مع الصليبيين، فهذا (طنكرى) الصليبى صاحب انطاكيه يحاصر حصن ارتاح، وفيه نائب الملك رضوان، وضاق الامر على المسلمين، فارسل النائب الى رضوان يستنجد به، فسار رضوان فى نجده قويه من الخياله وسبعه آلاف من الرجاله بينهم ثلاثه آلاف متطوع.

وبعد ان بدات المعركه بنصر المسلمين عادت الهزيمه فحاقت بهم وقتل واسر الكثير منهم، ولم ينج الا الشريد، وسقط ارتاح بايدى الصليبيين.

واخرج الافضل بن بدر الجمالى حمله من القاهره، فتصدى لها بغدوين الصليبى صاحب القدس، فوقعت المعركه فى مكان بين عسقلان ويافا فلم ينتصر احد الفريقين على الاخر، بل ثبتا كلاهما.

يقول ابن الاثير عن هذه المعركه((114)): وكان مع الفرنج جماعه من المسلمين منهم بكتاش بن تتش (السلجوقى).

هذى هى الامجاد السلجوقيه، لا يكتفون بان يتخلوا عن العالم الاسلامى، بل ينضموا الى الصليبيين لقتال جيوشه..

وهنا نعود الى الدكتور عمر التدمرى لنقول له: لم يكن الامر كما زعمت من ان الصراع فى بلاد الشام كان بين السلاجقه والفاطميين، بل كان بين الجماليين، وبين الصليبيين متحالفين مع السلاجقه.

وبينما الفتن مستمره بين السلاجقه فى الشرق يستمر الصراع بين المسلمين والصليبيين فى الغرب. وقد يعن لاحد من السلاجقه ان يواثب الصليبيين، ثم لا يلبث ان يعود الى حقيقته كهذا الذى حدث للملك رضوان بن تتش حين عزم على حرب الصليبيين فاجتمع اليه بعض الامراء السلاجقه لهذه الغايه، ولكنهم ارتاوا ان يهاجموا اولا (جكرمش) صاحب الموصل وما والاها، فساروا اليه، فلم يلبث الامر ان انقلب الى فتنه بينهم، وت‏امر بعضهم على بعض واقتتلوا، ونسوا الصليبيين وقتالهم، وانصرف اتباعهم من التركمان الى نهب مواشى المسلمين.

وتملك الصليبيون حصن (افاميه)، ومدينه سرمين من اعمال حلب، كما كانوا قد ملكوا مدينه جبيل، وتقدم (صنجيل) الصليبى منها الى حصار طرابلس التى كان يحكمها بنو عمار، وثبت له بنو عمار فلم يقدر عليها، ولما راى ان الحصار سيطول، بنى بالقرب منها حصنا واقام تحته ربضا، ولبث محاصرا لطرابلس يلتمس منها غره تمكنه من التغلب عليها.

ولكن فخر الملك ابا على بن عمار كان له بالمرصاد، فهاجمه واحرق ربضه، وشاء قدر صنجيل ان يقف هو وبعض قادته وفرسانه على احد سقوف الربض المحترقه، فانخسف بهم السقف، فاصيب صنجيل اصابه بالغه، لم يلبث بعدها اكثر من عشره ايام مات بعدها متاثرا من اصابته بانخساف السقف.

وعز على الصليبيين ما جرى عليهم فى حصار طرابلس، فارسلوا اليهم من اللاذقيه التى كانوا يحتلونها ميره فى البحر، فلم يكن ابن عمار غافلا عنهم، فارسل فى البحر قطعا من اسطوله اعترضت قطع الصليبيين فقامت معركه بحريه بين الفريقين ظفر فيها اسطول ابن عمار، واسر قطعه بحريه للصليبيين عاد بها وبمن فيها من اسرى ومون الى طرابلس.

ودام القتال بين بنى عمار وبين الصليبيين على طرابلس عشر سنين.

ويقول ابن الاثير((115)): وظهر من ابن عمار صبر عظيم وشجاعه وراى سديد، ثم يقول ابن الاثير: واجرى ابن عمار الجرايات على الجند والضعفى، فلما قلت الاموال عنده شرع يقسط على الناس ما يخرجه فى باب الجهاد، فاخذ من رجلين من الاغنياء مالا مع غيرهما، فخرج الرجلان الى الفرنج وقالا: ان صاحبنا صادرنا فخرجنا اليكم لنكون معكم، وذكرا لهم انه تاتيه الميره من عرقه والجبل، فجعل الفرنج جمعا على ذلك الجانب يحفظه من دخول شى‏ء الى البلد..

فارسل ابن عمار وبذل للفرنج مالا كثيرا ليسلموا الرجلين اليه، فلم يفعلوا. فوضع عليهما من قتلهما غيله.

هكذا كان فخر الملك ابو على بن عمار بطل الموقف بكل ما فى البطوله من شجاعه وحزم وتضحيه وحسن تدبير.

ولو كان الامريكيون واليهود سائدين يومذاك بوسائلهم الاعلاميه، لنبزوه بلقب الارهابى.فحيا اللّه ابن عمار: الارهابى الاول فى التاريخ الاسلامى((116)).

ويصف ابن الاثير حال الناس فى طرابلس قائلا: فعدمت الاقوات وخاف الناس على نفوسهم واولادهم وحرمهم...

هكذا كانت الحال فى الغرب الاسلامى جهادا ونضالا للصليبيين، وكذلك كانت فى الشرق على ايدى السلاجقه:

جهادا ونضالا للمسلمين!.

يذكر ابن الاثير- خلال سرده للاحداث المتقدمه - خبرا موجزا لا بد من الوقوف عنده بعض الوقت: فى هذه السنه ورد الى بغداد انسان من الملثمين ملوك المغرب، قاصدا دار الخلافه، فاكرم، وكان معه انسان يقال له: الفقيه، من الملثمين ايضا، فوعظ الفقيه فى جامع القصر، واجتمع له العالم العظيم، وكان يعظ وهو متلثم لا يظهر منه غير عينيه. وكان هذا الملثم قد حضر مع الافضل (بن بدر الجمالى) امير الجيوش بمصر وقعته مع الفرنج، وابلى بلاء حسنا.

وكان سبب مجيئه الى بغداد: ان المغاربه كانوا يعتقدون فى العلويين، اصحاب مصر، الاعتقاد القبيح، فكانوا، اذا ارادوا الحج، يعدلون عن مصر، وكان امير الجيوش بدر والد الافضل اراد اصلاحهم، فلم يميلوا اليه، ولا قاربوه، فامر بقتل من ظفر به منهم، فلما ولى ابنه الافضل احسن اليهم واستعان بمن قاربه منهم على حرب الفرنج، وكان هذا من جمله من قاتل معه، فلما خالط المصريين خاف العوده الى بلاده، فقدم بغداد، ثم عاد الى دمشق، ولم يكن للمصريين حرب مع الفرنج الا وشهدها، فقتل فى بعضها شهيدا، وكان شجاعا فتاكا مقداما((117)).

من هم الملثمون؟..

لا بد لنا اولا من التعريف بالملثمين الذى ينتمى اليهم هذا الرجل الذى تحدث عنه ابن الاثير هذا الحديث الموجز:

الملثمون هم الذين عرفوا فى التاريخ باسمهم الاخر الاشهر:

(المرابطون).

وهناك اختلاف فى سبب تسميتهم بالملثمين واقربها الى المنطق: انهم كانوا يتلثمون دفعا لهجير الصحراء صيفا، وزمهريرها شتاء، وقيل ان سبب اللثام لهم، ان طائفه من لمتونه خرجوا مغيرين على عدوهم، فخالفهم العدو الى بيوتهم، ولم يكن فيها الا المشايخ، والصبيان، والنساء، فلما تحقق المشايخ انه العدو امروا النساء ان يلبسن ثياب الرجال، ويتلثمن، ويضيقنه، حتى لا يعرفن، ويلبسن السلاح، ففعلن ذلك. وتقدم المشايخ والصبيان امامهن، واستدار النساء بالبيوت، فلما اشرف العدو راى جمعا عظيما، فظنه رجالا، فقال: هولاء عند حرمهم يقاتلون عنهن قتال الموت، والراى ان نسوق الغنم ونمضى، فان اتبعونا قاتلناهم خارجا عن حريمهم.

فبينما هم فى جمع الغنم من المراعى اذ اقبل رجال الحى، فبقى العدو بينهم وبين النساء، فقتلوا من العدو فاكثروا، وكان من قتل النساء اكثر، فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنه يلازمونه، فلا يعرف الشيخ من الشاب، فلا يزيلونه ليلا ولا نهارا((181)).

ابتداء الحركه وتطورها

كان ابتداء حركه المرابطين (الملثمين) سنه 448هـ، ويرد ابن الاثير نسبهم الى (حمير) فيقول: هم عده قبائل ينسبون الى حمير، اشهرها: لمتونه، وجداله، ولمطه. وكان اول مسيرهم من اليمن، ايام ابى بكر الصديق(رض) فسيرهم الى الشام، وانتقلوا الى مصر، ودخلوا المغرب مع موسى بن نصير، وتوجهوا مع طارق الى طبخه، فاحبوا الانفراد، فدخلوا الصحراء واستوطنوها((119)). واللّه اعلم بحقيقه هذا النسب..

الرجل المحب للدين واهله - كما يصفه ابن الاثير- المسمى:

(الجوهر) من قبيله جداله، ساقه حبه للدين الى الذهاب للحج، فمر بفقيه فى مدينه (القيروان) يعظ جماعه ويفقههم فى الدين.

والجوهر القادم من الصحراء، حيث البداه هناك كالبداه فى كل صحراء لا يعرفون من الدين الا الفاظا يرددونها، اصغى الى هذا الفقيه وكلما طال اصغاوه كثر تعجبه مما يسمع، فالدين اذن ليس الشهادتين فقط، ان له احكاما لا يدرون فى الصحراء منها شيئا.

ومضى الجوهر الى الحج ثم عاد مارا بالفقيه المفقه واطلعه على ما فى نفسه قائلا: ما عندنا من هذا فى الصحراء من شى‏ء غير الشهادتين والصلاه فى بعض الخاصه، فابعث معى من يعلمهم شرائع الاسلام..

وقفه (الجوهر) على الفقيه فى طريق مسيره الى الحج، ثم وقفته عليه حين عودته من الحج وحديثه معه كانتا السبب فى نشوء حركه دينيه واسعه، ثم فى نشوء دوله متراميه الاطراف امتدت من شمال افريقيا حتى اقاصى الاندلس، نشبت فيها المعارك وسفكت الدماء وكثر القتلى، وكان بينهم (الجوهر) نفسه...

لقد لبى الفقيه طلب (الجوهر) فبعث معه رجلا اسمه عبداللّه بن ياسين الجزولى، وكان فى نظره فقيها صالحا، فسارا حتى بلغا قبيله لمتونه، فاول ما فعله الجوهر ليرفع منزله الفقيه بين القبيله ان نزل عن جمله واخذ بزمام جمل الجزولى يقوده، فاقبل الناس يهنونه بالاياب ويسالونه عن رفيقه، فاخبرهم انه قادم ليشرح لهم العقائد الاسلاميه ويدعوهم الى تطبيقها، فلما افاض الجزولى فى الحديث، قالوا له:

اما ما ذكرت من الصلاه والزكاه فقريب، واما قولك من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنى يجلد او يرجم فامر لا نلتزمه.

اذهب الى غيرنا.

ان هذه الصوره من الحوار هى قبل كل شى‏ء طريفه كل الطرافه، ثم هى تدلنا على حقيقه تطبيق الاسلام لا فى هذه الصحراء وحدها، بل فى الصحراوات كلها: فلا صلاه ولا زكاه ولا حدود، انهم لم يذكروا الصيام، فهل كانوا يصومون؟.

انهم لم يعدوا باقامه الصلاه وايتاء الزكاه، ولكن قالوا: ان امرها قريب، واما غير القريب، والبعيد كل البعد فهو ان تطبق عليهم الحدود!.

فاذا كان كل قاتل يقتل، وكل سارق يقطع، وكل زان يجلد او يرجم، فيا لكثره من سيقتل منهم وسيقطع وسيجلد او يرجم!.

لذلك رفضوا قبول الفقيه الجزولى بينهم.. واذا كان لنا ان نستنتج تفشى تلك الاثام بينهم، فاننا نستنتج كذلك ان اثما كبيرا لا اثر له بينهم، هو: شرب الخمر.

عمل الجوهر والفقيه بالنصيحه فقرر الرحيل الى مكان آخر.

وكان بين المستمعين لكلام الفقيه شيخ اثقلته السنون وحنكته التجارب، فاستشف من بيان الفقيه وعزمه واستفاضته فى الحديث، قدره على الاقناع وما بعد الاقناع من نجاح.

فعندما راى الفقيه على جمله راحلا فى الصحراء قال:

لا بد ان يكون لهذا الجمل فى هذه الصحراء شان يذكر فى العالم!.

وصحت نبوءه هذا الشيخ الصحراوى وصدقت فراسته، فكان للجمل وصاحبه فى تلك الصحراء وما وراء الصحراء شان اى شان!.

ترك الرجلان قبيله لمتونه ومضيا الى قبيله (جداله)، وهى قبيله الجوهر، فدعا عبداللّه بن ياسين هذه القبيله والقبائل المجاوره لها الى مثل ما دعا اليه قبيله لمتونه.

وهنا اختلف الامر عما كان عليه فى لمتونه، ففى لمتونه كان اجماع على رفض عبداللّه بن ياسين ودعوته، وفى جداله وما جاورها وجد من يستجيب ووجد من يرفض.

عند هذا المفترق انقلب ذاك الشيخ الزاهد العابد المتقشف العازف عن الدنيا انقلب الى متنمر مقاتل مخطط عازم على سفك الدماء فى سبيل انجاح امره!.

فصارح المستجيبين اليه بوجوب اعلان الحرب على الرافضين، مخاطبا اياهم بهذا القول: قد وجب عليكم ان تقاتلوا هولاء الذين خالفوا الحق وانكروا شرائع الاسلام واستعدوا لقتالكم، فاقيموا لكم رايه وقدموا عليكم اميرا.

فقال الجوهر: انت الامير.

وهنا تبدا دهاء الفقيه وحنكته السياسيه وتخطيطه المحكم، فقال: لا، انما انا حامل امانه الشريعه. ثم التفت الى الجوهر قائلا:

ولكن انت الامير وكان الجوهر حكيما مخلصا حين رفض الاماره قائلا:

لو فعلت هذا تسلط قبيلى على الناس، وكان وزر ذلك على.

فقال ابن ياسين: الراى ان نولى ذلك ابا بكر بن عمر، راس لمتونه وكبيرها، وهو رجل سيد مشكور الطريقه مطاع فى قومه فهو يستجيب لنا لحب الرئاسه وتتبعه قبيلته فنتقوى بهم.

فعادا الى لمتونه التى خرجا منها وعرضا الامر على ابى بكر بن عمر.

عندما جاءا اول الامر الى لمتونه ودعيا بدعوتهما، لم يذكرا امره ورئاسه، لذلك لقيا اعراضا وتجهما، اما اليوم، وقد جاءا يقدمان مع الدعوه ما يقدمان من الامره والرئاسه فقد اسرع ابو بكر بن عمر الى تلبيتهما، فعقدا له البيعه.

ولكن المشكل كان فى اللقب الذى يضفى على الامير الجديد، فالدعوه دينيه وليست سياسيه. وبالرغم من انها اعتمدت السيف فى طلب انتشارها، وبالرغم من انها عازمه على التسلط على الناس، فلا بد لاميرها من لقب يميزها عن غيره من المعتمدين على السيف العازمين على التسلط.

ولم يكن ذلك ليعجز الفقيه الداهيه البارع فى التخطيط، فكما كان حكيما فى اختيار رئيس لمتونه للاماره، كان حكيما فى اختبار لقبه، اذ لقبه بامير المسلمين. فاذا كان هناك من يلقب (امير المومنين)، فهنا من يلقب: (امير المسلمين).

ولما كانوا قد ضمنوا ولاء لمتونه باختيار رئيسها للقياده، فقد ذهبوا جميعا الى جداله التى فيها انصار لهم، فضموا اولئك الانصار الى رجال لمتونه، فتالف لهم من ذلك نواه جيش يمكن الاعتماد عليها فى القتال. فقام ابن ياسين يحرض على الجهاد، واطلق على الجماعه اسم (المرابطون).

اما مخالفوهم فقد اقلقهم هذا التجمع، فتكتلوا لمقاومته، ولكن ابن ياسين منع المرابطين من الاصطدام بهم املا باصلاح من يمكن اصلاحه منهم واضعافهم. فوفق فى ذلك ولم يبق على عداء المرابطين سوى الفى رجل، فعمل ابن ياسين على حصارهم فخندق عليهم، ثم صار المرابطون يخرجونهم جماعه بعد جماعه فيقتلونهم.

هكذا بدا ابن ياسين يعاونه ابو بكر بن عمر دعوته الدينيه بمذبحه رائعه لا شفقه فيها ولا رحمه، وهكذا مشى الى هدفه الدينى دائسا على الجثث خائضا فى الدماء!..

وان دعوه - مهما سمت اهدافها - تفتتح بذبح الفى رجل لهى دعوه جباره تاباها الانسانيه، وياباها الدين!.

واى ضلال يكون فيه الناس، لهو اهون من هدى يقود الى ذبح الاسارى وتضريج الارض بدم الفى رجل فى غير قتال..

ونحن لا ندرى اذا كان (الجوهر الجدالى) - وهو الثالث فى القياده المرابطيه - قد كان من الامرين بهذه المذبحه ام كان من الناهين عنها او من المحايدين فيها، ولا نعلم مقدار ما يتحمل من المسووليه فى تنفيذها، ولكن الذى نعلمه ان الذبح قد وصل اليه.

لقد كان هو الاصل فى قيام هذا الكيان (المرابط‏ى)، وكان هو الذى حمل الفقيه القيروانى على ارسال عبداللّه بن ياسين، وكان هو الذى اخذ بزمام جمل ابن ياسين وقاده بنفسه تواضعا للدين وتعظيما للداعى اليه.

ويبدو ان (الجوهر) لم يكن يحسب ان الامر سيصل الى قيام مذبحه، بل كان فى حسبانه ان ابن ياسين سيعمل بمنطوق الايه القرآنيه الكريمه: ادع الى سبيل ربك بالحكمه والموعظه الحسنه.

وقد رايناه يرفض القياده حين عرضها عليه ابن ياسين خوفا من تسلط قومه على الناس. لذلك فانه يخيل الى انه عارض المذبحه واستنكرها فاستحق العقاب.

يقول ابن الاثير((120)): (ولما استبد ابن ياسين بالامر هو وابو بكر بن عمر عن الجوهر الجدالى وبقى لا حكم له تداخله الحسد، وشرع سرا فى فساد الامر، فعلم بذلك منه وعقد له مجلس وثبت عليه ما نقل عنه، فحكم عليه بالقتل لانه نكث البيعه وشق العصا واراد محاربه اهل الحق، فقتل بعد ان صلى ركعتين، واظهر السرور بالقتل طلبا للقاء اللّه تعالى!.).

وفى هذا الكلام ما يغنى عن اى تعليق، سوى القول بان اظهاره السرور بالقتل كان حقيقيا لانه راى فى هذا القتل تكفيرا عن تسبيبه ما سبب...

جرى كل ذلك، وابن ياسين مشتغل بالعلم، وقد صار عنده جماعه يتفقهون! - كما يقول ابن الاثير- .

اشتغل بالعلم وترك الذبح لابى بكر بن عمر، وتفقه عليه جماعه، وذبح على يدى ابن عمر جماعات. وبالعلم الذى اشتغل به صدرت فتاواه بالقتل الجماعى.

هكذا تقاسما الادوار، ولما لم يبق للجوهر الجدالى دور سوى الاعتراض كان يجب ان يذبح، فذبح بفقه ابن ياسين وسيف ابن عمر..

يعلق ابن الاثير على نتائج المذبحه قائلا: (فحينئذ دانت لهم قبائل الصحراء وهابوهم فقويت شوكه المرابطين)، ثم يقول معقبا على قتل الجوهر: (فاجتمعت القبائل على طاعتهم، ومن خالفهم قتلوه).

وهكذا ظلت المذبحه مستمره: ابن ياسين يشتغل بالعلم ليستنبط الفتاوى بالذبح، وابن عمر ينفذ الفتاوى! ولم يكن استنباط الفتاوى يحتاج الى كثير من العلم فابن الاثير يحدد الجريمه بقوله (فمن خالفهم قتلوه).

واذا كان الحكم بقتل الجوهر قد احتاج الى (حيثيات) وتعليلات، لمكانه الجوهر، فالحكم على غيره بالقتل لا يحتاج الى (حيثيات) بل الى تطبيق ماده وحيده ذكرها ابن الاثير: من خالف اقتلوه..

ظل المرابطون فى نطاق صحراوى بحت فلم يتمددوا فى مناطق اخرى، وفى سنه 450هـ اى بعد سنتين من بدء دعوتهم قحطت بلادهم، فقرر ابن ياسين ان يطلق المحتاجين الى مناطق اخرى، فامر تسعمائه شخص بالذهاب الى (السوس) والتسلط على الناس هناك بطلب الزكاه، فجاءوا الى (سجلماسه) وطالبوا بالزكاه. ويبدو ان انباء المذابح كانت وصلت فى حينها الى السجلماسيين فاسرعوا بجمع مقدار كان من المال عاد به المرابطون الى مقرهم...

ونجاحهم فى جمع المال من سلجماسه فتح عيونهم على ما وراء الصحراء، فصمموا على الوصول الى الاندلس.

يقول ابن الاثير: (ان الصحراء ضاقت عليهم، وارادوا اظهار كلمه الحق والعبور الى الاندلس ليجاهدوا الكفار..).

وابن الاثير هنا يقع فى التناقض: انه يجعل فى اول القول سبب تطلعهم الى ما وراء الصحراء هو ان الصحراء ضاقت بهم.. ثم يعود فيجعل سبب ذلك ارادتهم اظهار كلمه الحق ومجاهده الكفار...

اما ان الصحراء ضاقت بهم فصحيح، فابن ياسين وابن عمر اللذان استطابا السلطه، وجدا ان السلطه حين لا تتجاوز الصحراء، هى سلطه محدوده المكان، محدوده السكان، والمهم جدا انها محدوده المال، وقد رايا انها قابله للقحط فى كل وقت، وحين تقحط يعوزهما حتى ضمان العيش للمحتاجين، وقد كانت تجربه ارسال التسعمائه الرجل الى سلجماسه كافيه لان تجعلهما يصممان على الخروج من نطاق الصحراء، الى حيث الرى والخصب والمال الوفير.

واما جهاد الكفار فمساله فيها نظر كما يقولون اذ كان لا بد من مبرر للانطلاق من الصحراء! لقد جاهدا بما فيه الكفايه، جاهدا فيمن خالفهم من المسلمين فاكثرا فيهم الذبح!..

جاهدا حتى فى ذبح المومن المخلص الذى ساق اليهما ما هما فيه من سلطان وعنفوان، جاهدا فى ذبح الجوهر!..

قاد ابو بكر بن عمر وعبداللّه بن ياسين جماعه المرابطين فى الخروج من الصحراء والنيه فى الوصول الى الاندلس، ومشوا الى السوس الاقصى، فرفضهم اهله وتصدوا لهم وقاتلوهم، فانهزم المرابطون وقتل عبداللّه بن ياسين فى المعركه.

على ان ابن عمر لم يياس فعاد وجمع جيشا سار به الى السوس، واصطدم بالسوسيين وزلاقه فتغلب عليهم وهزمهم، ثم تقدم الى سجلماسه فسار اليه صاحبها فهزمه ابن عمر واستولى على سجلماسه (سنه 453هـ).

وهكذا صار فى يد ابن عمر ملك فيه مدينه مثل سجلماسه، فبادر الى تعيين احد بنى عمه الاقربين يوسف بن تاشفين واليا عليها.

وبعد ان بدرت بوادر الملك، وبدا ان هذا الملك قابل للاتساع هنا فى شمال افريقيا، نسى ابن عمر الهدف الذى اعلن انه يبغى فى تحركه تحقيقه، وهو الوصول الى الاندلس ومجاهده الكفار!.. وانصرف همه الى التخطيط لبلوغ الهدف البديل وهو الوصول الى ما يمكن الوصول اليه مما حوله من بلاد ومجاهده المسلمين فيها((121))..! فعهد بولايه سجلماسه الى ابن اخيه ابى بكر بن ابراهيم بن عمر وجهز جيشا الى السوس مع يوسف بن تاشفين فاستولى عليه.

وفى سنه 462ه توفى ابو بكر بن عمر، فاجتمعت طوائف المرابطين على يوسف بن تاشفين وملكوه عليهم وتلقب بلقب امير المسلمين، وتوسع فى ملكه حتى استولى على المغرب حصنا حصنا، وبلدا بلدا. ثم اختط مدينه مراكش واتخذها عاصمه لملكه. واستولى على سبته وطبخه وسلا وغيرها، وصار له جيش كبير.

تساقط بلاد الاندلس

فى سنه 478هـ، كانت مدينه طليطله تسقط بيد الاسبان، وكان المعتمد بن عباد صاحب قرطبه واشبيليه وغيرها يودى لهم الجزيه، وقد نبه سقوط طليطله عقلاء المسلمين الى الخطر الذى ينتظر الحواضر الاسلاميه الاخرى فى الاندلس.

ويصف ابن الاثير((122)) الموقف بهذه الكلمات:

(وسمع مشايخ قرطبه بما جرى وراوا قوه الفرنج وضعف المسلمين واستعانه بعض ملوكهم بالفرنج على بعض) الى ان يصل ابن الاثير الى القول بان المعتمد التقى المجتمعين، فتقرر ارسال رسول استنجاد بزعيم المرابطين يوسف بن تاشفين. ولبى ابن تاشفين الاستنجاد وعبر البحر بعسكره الى الاندلس، ووافى المعتمد وعسكره وعسكر قرطبه والمتطوعه الاندلسيين، والتقوا بالاذفونش وجيشه فى (الزلاقه) فكان النصر الكبير للمسلمين، وذلك فى العشر الاول من شهر رمضان سنه 479ه.

وعاد يوسف بن تاشفين بمرابطيه الى مراكش. وفى العام الثانى عاد الى الاندلس والتقى المعتمد بن عباد وعبداللّه بن بلكين الصنهاجى صاحب غرناطه، وساروا جميعا الى حصار (ليط) وهو حصن منيع للاسبان، فعجزوا عن فتحه ورحلوا عنه.

وعاد ابن عباد الى اشبيليه، واجتاز ابن تاشفين فى طريق عودته بغرناطه ومعه ابن بلكين. فاعلن ابن تاشفين استيلاءه على غرناطه غادرا بابن بلكين الذى اضطر لعبور البحر الى افريقيا، وعاد يوسف بن تاشفين الى مراكش تاركا فى غرناطه من يحكمها نيابه عنه.

وامتد حكمه فى افريقيا الى ما لم يكن قد امتد اليه حتى الان مثل: بلاد السوس، وورغه، وقلعه مهدى.

وفى سنه 484ه كان يوسف بن تاشفين يرسل حمله عسكريه الى القسم الاسلامى من الاندلس فتستولى على مرسيه، وشاطبه، ودانيه، وبلنسيه. ثم تتجه الى اشبيليه عاصمه المعتمد بن عباد فتحتلها بعد معارك عنيفه.

ويصف ابن الاثير((123)) ما فعلته حمله المرابطين فى اشبيليه قائلا: (واشتد الامر على اهل البلد ودخله المرابطون من واديه، ونهب جميع ما فيه، ولم يبقوا على سبد ولا لبد، وسلبوا الناس ثيابهم، فخرجوا من مساكنهم يسترون عوراتهم بايديهم وسبيت المخدرات وانتهكت الحرمات، فاخذ المعتمد اسيرا ومعه اولاده الذكور والاناث، بعد ان استاصلوا جميع ما لهم، فلم يصحبهم من ملكهم بلغه زاد.

وسير ابن عباد واهله الى مدينه اغمات((124))، فحبسوا فيها، وفعل امير المسلمين (يوسف بن تاشفين) بهم افعالا لم يسلكها احد ممن قبله ولا يفعلها احد ممن ياتى بعده الا من رضى لنفسه هذه الرذيله، وذلك انه سجنهم فلم يجر عليهم ما يقوم بهم حتى كانت بنات المعتمد يغزلن للناس باجره ينفقونها على انفسهم، فابان امير المسلمين (يوسف بن تاشفين) بهذا الفعل عن صغر نفس ولوم قدره) (انتهى)((125)).

وقد ظل المعتمد بن عباد مسجونا حتى توفى فى السجن، وكان وهو فى السجن مقيد الرجلين وفى ذلك يقول من ابيات:

تعطف فى ساقى تعطف ارقم يساورها عضا بانياب ضيغم ويقول ابن الاثير ايضا: (ولما اخذ المعتمد واهله قتل ولداه بين يديه صبرا)((126)).

ثم سار المرابطون من اشبيليه الى المريه وبطليوس، وكان عمر بن الافطس صاحب بطليوس ممن اعان المرابطين على المعتمد، فساروا اليه واستولوا على بلده واخذوه اسيرا هو وولده الفضل فقتلوهما، فقال عمر حين ارادوا قتله: قدموا ولدى قبلى للقتل ليكون فى صحيفتى، فقتل ولده قبله. ولم يتركوا من ملوك الاندلس سوى بنى هود لانهم كانوا اقوياء ولاعتبارات اخرى.

ويقول ابن الاثير: (ولما استقصى عسكر امير المسلمين (يوسف بن تاشفين) ملوك الاندلس، واخذ بلادهم جمع ملوكهم وسيرهم الى بلاد المغرب وفرقهم فيها).

ومما يلفت النظر هنا ان ابن الاثير الذى بدا فى كل ما كتبه عن المرابطين متعاطفا معهم، بدا هنا منكرا لفعله يوسف بن تاشفين ، حاملا عليه.

وربما كان لصفه الغدر التى يمكن ان يوصف بها ما ارتكبه ابن تاشفين فى الاندلس، اثر فى غضب ابن الاثير وهجومه على ابن تاشفين ونعته بما نعته به من (صغر نفس ولوم قدره).

وفى سنه 500 توفى يوسف تاشفين. وهنا تعود الى ابن الاثير رقته فيتناسى ما وصف به ابن تاشفين من صغر نفس ولوم قدره، ويقول فى رثائه: (توفى امير المسلمين يوسف بن تاشفين ملك الغرب والاندلس وكان حسن السيره خيرا عادلا، يميل الى اهل الدين والعلم ويكرمهم ويصدر عن رايهم!).

ثم يقول: (كان حليما كريما، وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام!).

ونحن نسال ابن الاثير من وراء قبره: هل من حسن السيره ان يفعل ما فعل بالمعتمد بن عباد؟! وهل من العدل ان يقتل ولديه صبرا امام عينيه؟ وهل من الميل الى العلم والدين ان ينتهى امر بنات المعتمد الى ما انتهى اليه؟.

وهل ادامه سجن المعتمد حتى الموت ووضع القيد فى رجليه وقتل ولديه بلا ذنب، هل كل ذلك صادر عن راى اهل العلم والدين؟!.

وهل ما جرى - مما ذكره ابن الاثير نفسه - يدل على ان ابن تاشفين كان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام؟ وتولى بعد يوسف ابنه على بن يوسف، ويقول المراكشى (المعجب 241) عن عهده: (واستولى النساء على الاحوال واسندت اليهن الامور وصارت كل امراه من اكابر لمتونه ومسوفه مشتمله على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل وصاحب خمر وماخور، وامير المسلمين فى ذلك كله يتزيد تغافله ويقوى ضعفه، وقنع باسم امره المسلمين وبما يدفع اليه من الخراج وعكف على العباده والتبتل واهمل امور الرعيه غايه الاهمال).

على ان ابن الخطيب (تاريخ المغرب العربى 253) يقول عن عهده: (كان ملكا كبيرا فاضلا معتدلا عظم فى ايامه الملك واتسق العز وملك جميع بلاد المغرب الى بجايه، الى الارض الاندلسيه والجزر الجوفيه وبلاد القبله باسرها).

واننا نقول: ان اتساع الرقعه التى يحكمها، والصفات التى ذكرها له لا تتنافى مع ما ذكره عنه المراكشى فى المعجب، ولا ندرى اى كبر وفضل واعتدال يقصد ابن الخطيب؟..

وفى زمن على بن يوسف هذا سنه 505ه اى بعد توليه الملك بخمس سنين زحف الاذفونش صاحب طليطله لمهاجمه المناطق الاسلاميه، فزحف على لمقابلته والتقى الفريقان فى معركه شديده هزم فيها الاذفونش وعاد خائبا.

ويعزو ابن الاثير هجوم الاذفونش الى تصوره ضعف البلاد بعد وفاه ابن تاشفين، ويعلق على نتيجه المعركه قائلا: (وذل اذفونش حينئذ وعلم ان للبلاد حاميا لها وذابا عنها).

ثوره قرطبه

وفى سنه 514ه فى عهد على بن يوسف ثارت مدينه قرطبه على المرابطين. ويعزو ابن الاثير سبب الثوره الى ان عبدا من عبيد الوالى مد يده خلال الاحتفالات بعيد الاضحى الى امراه فامسكها فاستغاثت فوقعت الفتنه (العظيمه) - كما يصفها ابن الاثير- بين العبيد واهل البلد ودامت جميع النهار، والحرب قائمه على ساق وادركهم الليل فتفرقوا.

فوصل الخبر الى الوالى ابى بكر يحيى بن رواد، فاجتمع اليه الفقهاء والاعيان، فقالوا: المصلحه ان تقتل واحدا من العبيد الذين اثاروا الفتنه فانكر ذلك وغضب منه، واصبح من الغد وقد حشد مسلحيه لقتال اهل البلد، فقاتلوه فهزموه، وتحصن بالقصر فحصروه وتسلقوا اليه فهرب منهم بعد مشقه وتعب فنهبوا القصر، واحرقوا جميع دور المرابطين ونهبوا اموالهم واخرجوهم من البلد على اقبح صوره.

واتصل الخبر بامير المسلمين (على بن يوسف) فاستعظم الامر، وجمع العساكر من صنهاجه وزناته والبربر وغيرهم فاجتمع له منهم جمع عظيم، فزحف بهم واجتاز البحر الى الاندلس وحصر مدينه قرطبه فقاتله اهلها قتال من يريد ان يحمى دمه وحريمه وماله.

فلما راى امير المسلمين شده قتالهم دخل السفراء بينهم وسعوا فى الصلح، فاجابهم الى ذلك.

هذه النصوص التى اوردها ابن الاثير((127)) عن ثوره قرطبه على المرابطين ذات دلالات كبيره عن هولاء المرابطين الذى قامت دعوتهم فى الاساس على وعظ الناس ودعوتهم الى التمسك بالدين، فاذا بهم يفتتحون الدعوه بذبح الفى رجل، وصار الشعار من يخالف يقتل.

ثم جرى ما جرى على المعتمد بن عباد، على يدى يوسف بن تاشفين((128))، ثم كان الامر فى عهد ولده على: ان استولى النساء على الاحوال، وصارت كل امراه مشتمله على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل وصاحب خمر وماخور...

ثم هذه هى الثوره عليهم فى قرطبه من اجل محاوله اعتداء عبد من عبيدهم على امراه...

ونستنتج من ثوره قرطبه ما يلى:

1 - لم يستطع المرابطون الاندماج فى الشعب ولم تتغلغل دعوتهم فى الجماهير، بل ظلوا عضوا منفرزا عن الشعب، ينظر اليهم الناس على انهم غرباء عنه.

2 - من اجل ان يستمر القتال طول النهار بين اهل قرطبه وبين العبيد، يجب ان يكون عدد هولاء العبيد كبيرا جدا. وهذا يتنافى مع ابسط قواعد الاسلام الذى حض على تحرير العبيد لا على الاكثار منهم، وهذا يدل - كما تدل احداث يوسف بن تاشفين من قبل - على ان الحركه المرابطيه كانت منذ تاسيسها على يد موسسها (التنفيذى) ابى بكر بن عمر، بعيده عما تظاهرت بانها تدعو اليه من التمسك باهداب الدين.

ولا نشك ابدا باخلاص عبداللّه بن ياسين الموسس (النظرى) للحركه، ولكن الذى نشك به هو مقدار تفهمه لجوهر الاسلام والدعوه الاسلاميه، فالذى يامر - او على الاقل يرضى - بذبح الفى مسلم صبرا من اجل انهم لم يستجيبوا لتعاليمه، ويكون شعار دعوته: من لم يكن معنا قتلناه، هو اما مغفل استغله ابو بكر بن عمر، او انسان لا صله له بروح الاسلام وجوهره واسلوبه فى الدعوه الى الحق.

3 - اذا كان ما اجمع عليه الفقهاء والاعيان من اخذ احد العبيد وقتله، يرضى اهل قرطبه، فهو لا يرضى لا الاسلام ولا العداله ولا الحق، فكيف يصح فى الشريعه ان تاخذ رجلا لم يثبت عليه انه ارتكب ما يوجب قتله فتقتله؟! واذا كان الاعيان قد اجمعوا على ذلك، فكيف يصح ذلك للفقهاء؟!.

4 - هذه الجموع التى جمعها (امير المسلمين) على بن يوسف ليته كان جمعها لهدف اسمى من تاديب اهل قرطبه.

5 - وصف ابن الاثير لثبات اهل قرطبه وقتالهم بانه: قتال من يريد ان يحمى دمه وحريمه وماله. هذا الوصف يدلنا على ما كان يتوقعه اهل قرطبه من (المرابطين) اصحاب الدعوه الاسلاميه!! ان يرتكبوه بنسائهم ودمائهم واموالهم.

مات على بن يوسف((129)) بعد ان قامت حركه اسلاميه اخرى فى المغرب الافريقى عرفت باسم (الموحدون) بقياده ابن تومرت وقاتلت جيوش المرابطين، ودام القتال فى عهد خليفه على حتى انتصر الموحدون وانتهى امر المرابطين سنه 542 بعد ان ختموا عهدهم اسوا خاتمه اذ استنجدوا بالفرنج على قتال الموحدين.

يقول ابن الاثير:((130)) عن فتح الموحدين لمراكش عاصمه المرابطين: (وكان بمراكش جيش من الفرنج كان المرابطون قد استنجدوا بهم فجاءوا اليهم نجده).

وكان قتل آخر ملوكهم اسحاق بن على بن يوسف بن تاشفين - وهو صبى - سنه 542ه، وبه انقرضت دولتهم بعد ان دامت سبعين سنه، وولى منهم اربعه: يوسف وعلى وتاشفين واسحاق.

وابن الاثير الذى رايناه اول الامر يهاجم يوسف بن تاشفين ويحمل عليه، ثم يثنى عليه عند موته، يعود هنا بعد ان اصاب المرابطين ما اصابهم فيقول عن يوسف بن تاشفين: (ولقد اساء يوسف بن تاشفين فى فعله بالمعتمد بن عباد، وارتكب بسجنه على الحاله المذكوره اقبح مركب، فلا جرم سلط اللّه عليه فى عقابه من اربى فى الاخذ عليه وزاد).

ونقول: ابتداوا امرهم بذبح الفى مسلم صبرا، وانتهوا بالاستنجاد بالافرنج!. ومع ذلك فهم اصحاب دعوه اسلاميه!!...

كان لا بد من هذا الحديث غير القصير عن المرابطين (الملثمين) لايضاح ما ذكره ابن الاثير عن (الملثم) الذى جاء الى بغداد خلال الحروب الصليبيه، واشار ابن الاثير الى سبب قدومه الى بغداد.

يقول ابن الاثير عن سبب قدومه - كما تقدم - انه ممن قاتلوا الصليبيين مع الافضل بن بدر الجمالى وابلى بلاء حسنا.

اما لماذا جاء الى بغداد ولم يعد الى بلاده المحكومه من جماعته (المرابطين)، فلان هولاء المرابطين الذين افتتحوا دعوتهم بذبح الفى مسلم صبرا، وختموها بالاستنجاد بالافرنج واستقدموا جيشا منهم الى عاصمتهم مراكش - ان هولاء المرابطين يعتقدون بالعلويين اصحاب مصر الاعتقاد القبيح - كما يقول الاثير- ، والمقصود بالعلويين هنا: الفاطميون، الذين اصطلح ابن الاثير فى كل ما كتبه عنهم فى كتابه (الكامل) على تسميتهم بالعلويين لا بالفاطميين، فهو ينسبهم الى على(ع) لا الى فاطمه(ع).

اما لماذا يعتقدون فيه الاعتقاد القبيح فلانهم على غير مذهبهم!.. وقد قاطعوهم بحيث انهم اذا ارادوا الحج لا يمرون فى مصر.

ويوكد ابن الاثير ان بدرا الجمالى الذى كان قد سيطر على الخلافه الفاطميه واصبح هو الحاكم الفعلى لمصر- ان بدرا هذا حاول اصلاحهم، بمعنى التقرب اليهم وازاله ما فى نفوسهم، فلم يميلوا اليه ولا قاربوه.

ولما اعياه امرهم قرر معاملتهم بالشده، فكان يقتل من ظفر به منهم، ومن اجل ان يفعل بدر ذلك فلا ريب انه كان يخشى افسادهم الناس عليه.

وعندما خلف الافضل والده بدرا عاد يستصلحهم ويحسن اليهم، ولقد كان فى حرب متصله مع الصليبيين، ويريد الاستعانه بكل من يمكنه الاستعانه به فى هذه الحرب، فاستطاع استماله فريق منهم فانضموا اليه فى جهاد الصليبيين، وكان ممن انضم اليه: الملثم الذى تحدث عنه ابن الاثير.