وبالرغم من ان اتصال هذا الملثم ببدر
الجمالى كان اتصالا
جهاديا ابلى فيه فى قتال الصليبيين بلاء حسنا، فانه
كان
يخشى العوده الى بلاده، خوفا من ان يقتله قومه
المرابطون،
الذين يرون الاستنجاد بالافرنج حلالا، اما التعامل
مع
المسلمين الذين هم على غير مذهبهم، ولو كان تعاملا
جهاديا
فهو حرام يستحق فاعله القتل. لذلك آثر الذهاب الى
بغداد
لفتره، ثم عاد الى مصر.
وكما راينا فيما قال ابن الاثير: لم يكن للمصريين
حرب مع
الفرنج الا وشهدها، فقتل فى بعضها شهيدا... وهذا
القول يدلنا
فيما يدل على ان الافضل قد ظل مواصلا الحرب على
الصليبيين دون انقطاع.
مع السلاجقه
(كان جاولى قبل هذا قد استولى على البلاد التى بين
خوزستان وفارس واقام بها سنين، وعمر قلاعها
وحصنها، واساء
السيره فى اهلها وقطع ايديهم وجدع انوفهم وسمل
اعينهم..
هذه هى سيره الوالى الذى اختاره السلطان محمد ليحكم
تلك
الارض الواسعه.
والسلطان محمد الذى يعرف ما يجرى فى الغرب
الاسلامى،
ويعرف استيلاء الصليبيين على الديار المقدسه،
ويعرف عيث
الصليبيين بالمسلمين واذلالهم لهم، لم يكن من همه
ان يهب
بنفسه الى انجاد الاسلام ودفع الضيم عنه، بل عهد
بهذه
المهمه الى من يعلم هو قبل غيره انه ليس من رجالها.
عهد بهذه المهمه الى (جاولى سقاوو)!.. الرجل الذى قطع
ايدى المسلمين فى بلادهم وجدع انوفهم وسمل اعينهم..
الرجل الذى استحل فى المسلمين كل ذلك.. يطلب اليه
السلطان محمد ان يسير الى الفرنج لياخذ البلاد
منهم!..
فى موازاه قطع ايدى الرعايا وجدع انوفهم وسمل
عيونهم، عمر
القلاع وحصنها، عمرها وحصنها بما خرب من البيوت
ونقض
من الديار!..
عمرها وحصنها حذرا من ان يثور عليه الذين خرب دورهم
وهدم منازلهم، فيحتمى بها منهم.. هذا هو الرجل الذى
طلب
اليه سلطان السلاجقه قتال الصليبيين واسترجاع ما
اخذوه من
بلاد.
فماذا فعل؟ ماذا فعل جاولى سقاوو المنتدب لانقاد
المسلمين؟..
ذهب من بغداد الى الموصل وجعل طريقه على البوازيج
فملكها، ونهبها اربعه ايام، بعد ان امن اهلها وحلف
لهم انه
يحميهم((131)).
هذا الذى ارسل لانقاذ المسلمين من النهب والذل، حول
مهمته الى نهب المسلمين واذلالهم، هذا الذى ارسل
ليحمى
شرائع الاسلام استباح شرائع الاسلام فنكث بالامان،
وحنث
بالايمان..
ومضى بعد البوازيج الى اربل، وفى الطريق لقيه
(جكرمش)
بجنوده ليحول بينه وبين الوصول الى الموصل لان
حكمها
كان له فاقتتلا وانتصر جاولى سقاوو.
ووصل خبر الهزيمه الى جماعه جكرمش فى الموصل
فتحصنوا
بها لقتال جاولى سقاوو، وبدا الطمع بالموصل
وارادها قلج
ارسلان فصارت له.
واستنجد الملك رضوان بن تتش((132)) بجاولى ليقدم الى
الشام لقتال الصليبيين قائلا له: ان الفرنج قد عجز
من بالشام
عن منعهم، فسار جاولى الى الرحبه وحاصرها، فاشتد
الحصار
على اهلها وضاقت عليهم الامور، واستطاع جاولى
دخولها فاول
شىء فعله هو نهبها.
ثم التقى جيشه بجيش قلج ارسلان فهزم قلج ودخل جاولى
الموصل فى احداث وخطوب جمه.
اما المهمه التى انتدب لها جاولى، وهى الذهاب لقتال
الفرنج
فقد نسيها جاولى فى غمار النهب والسلب، واستعاض عن
استرداد ارض الشام من الفرنج باسترداد الموصل من
المسلمين.
وفى سنه 502 كانت نهايه حكم جاولى للموصل، فالسلطان
محمد كان قد جعل اليه ولايه كل بلد يفتحه فاستولى
على
كثير من البلاد والاموال((133)) وما دام النهب يرافق
استيلاءه
على البلاد، فمن الطبيعى ان تكثر لديه الاموال
لكثره ما
استولى عليه من البلاد.
والسلطان السلجوقى محمد الذى اطلق يده فى الفتح
والنهب
كان ينتظر ان يشركه جاولى بالمنهوبات، ولكن جاولى
استاثر
بها فقرر السلطان استبداله بغيره من الولاه الذين
يتقاسمون
مع سلاطينهم ما ينهبونه من الشعب، فاتفق مع جماعه
من
الامراء والولاه ان يتوجهوا الى الموصل وبقيه
البلاد التى
يحكمها جاولى وياخذوها منه، فتوجهوا الى الموصل.
فقرر جاولى ترك الموصل بعد ان احكم امر الدفاع
عنها، واوكل
الى زوجته اداره الدفاع بعد ان مهد لها الامور بان
حبس اعيان
الموصل، واخرج من احداثها ما يزيد على عشرين الفا،
واعلن انه
متى اجتمع عاميان على الحديث فى هذا الامر قتلا..
اصبحت الموصل فى يد زوجه جاولى فى شر حال من الذل
والرعب وتوقع البلاء.
الاعيان فى السجون، والشبان فى قبضه جاولى، وعامه
الشعب
فى فوضى لا قياده فيها، فاذا خطر لاثنين ان يلتقيا
فيتشاكيا
قتلا فى الحال..
اما هو فقد ترك الموصل، يقول ابن الاثير: خرج عن
البلد، ونهب
السواد..
نهب الشعب... هذا هو شعار العصر السلجوقى ومنهجه
وعمله.
اهل السواد الوادعين الامنين المطمئنين، يفاجوهم
القائد
المنتدب لانقاذ القدس بالنهب والترويع..
اما زوجته القائمه مقامه فى الموصل فقد رات ان
زوجها قد
اكتفى باضطهاد الرجال، فرات هى ان تساوى فى
الاضطهاد
بين الرجال والنساء، وان تبرهن بان المراه ليست اقل
كفاءه من
الرجل... يقول ابن الاثير: (وصادرت زوجته من بقى
بالبلد
وعسفت نساء الخارجين عنه..).
لقد عمدت الى امرين: استولت على اموال من بقى فى
البلد
من الرجال، وعسفت النساء اللواتى لم ينضو رجالهن
تحت امره
جاولى.
يقول ابن الاثير واصفا حاله الموصل: (فتمادى الحصار
باهلها
من الخارج، والظلم من داخل)، هذه الشده التى كانت
فيها
الموصل ووصفها ابن الاثير بهذا الوصف ادت الى ثوره
داخل
الموصل يمكن ان نسميها ثوره الجصاصين، ولم يكن من
الممكن ان تقوم ثوره اوسع منها، ومع ان الجصاصين
محدودو
العدد فقد استطاعوا احكام امرهم فنجحوا.
لم يكن بالامكان قيام ثوره عامه فقاده الشعب فى
السجون،
واحداثه مصادرون، ونساوه مضطهدون. ولكن نفرا من
الجصاصين يصفهم ابن الاثير بهذا الوصف: فلما طال
الامر على
الناس اتفق نفر من الجصاصين، ومقدمهم جصاص يعرف
بسعدى على تسليم البلد.
والنفر فى اللغه: من هم دون العشره، اى ان الذين
صمموا
ونجحوا كانوا اقل من عشره، وهكذا بتدبير هولاء
النفر دخل
عسكر السلطان البلد.
اما زوجه جاولى فتحصنت بالقلعه، ثم راسلت الامير
مودود
قائد الحمله السلطانيه فى ان يفرج لها عن طريقها.
ويبدو ان الامير مودود انف من ان يتصدى لامراه
ويقاتلها،
فافرج لها وخرجت من الموصل.
ويقول ابن الاثير: انها خرجت باموالها وما استولت
عليه. وبهذا
اصبح مودود حاكما على الموصل وما ينضاف اليها.
اما جاولى الذى ذكرنا انه ترك الموصل ومضى ينهب
السواد،
فقد اخذ معه (القمص بردويل) صاحب الرها وسروج
وغيرها،
وهو الذى كان قد اسره سقمان واخذه منه جكرمش، وبقى
فى
الموصل مسجونا خمس سنين، وبذل الاموال الكثيره فلم
يطلق.
وحاول جاولى ان يتحالف على السلطان مع بعض الامراء
السلاجقه فلم يوفق الى ذلك. وهنا اتجه الى القمص
بردويل
فاطلقه وخلع عليه، وقرر عليه ان يفدى نفسه بمال وان
يطلق
اسرى المسلمين الذين فى سجنه، وان ينصره متى اراد
ذلك
منه بنفسه وعسكره وماله.
ان الشرط الاخير هو الهدف من اطلاق القمص، والشرطان
الاولان شرطان ثانويان. الهدف من اطلاق القمص هو ان
يذهب
الى مملكته ويجمع جيوشها ويجعلها على استعداد
تلبيه لنداء
جاولى حين يناديها لنصرته على قومه، وان يكون القمص
نفسه
على راسها فلا يقودها غيره.
وهكذا فان القائد السلجوقى الذى انتدب لانجاد
المسلمين
على الفرنج، يستنجد بالفرنج على المسلمين!..
وتتشابك الامور بعد ذلك وينتهى الامر الى ان يغرى
الملك
رضوان بن تتش صاحب حلب - يغرى (طنكرى) الصليبى
صاحب انطاكيه بجاولى فيتحالفا عليه، ويتحالف جاولى
مع
القمص وجوسلين وتقع حرب من اعجب الحروب: تحالف
اسلامى صليبى على تحالف اسلامى صليبى، وتنتهى
الحرب
بهزيمه جاولى وحلفائه. ويقول ابن الاثير((134)):
وقتل من
المسلمين خلق كثير ونهب صاحب انطاكيه اموالهم
واثقالهم
وعظم البلاء عليهم من الفرنج، وحدثت فى هذه السنه
معركه
جانبيه بين طغتكين والفرنج ادت الى هزيمه الفرنج
اولا ثم
عقد هدنه بين الفريقين، تخللتها معركه، يقول ابن
الاثير عن
نتيجتها: بان عسكر طغتكين انهزموا وخلوا ثقلهم
ورحالهم
ودوابهم للفرنج ووصل المسلمون على اقبح حال من
التقطع.
الحال فى غرب العالم الاسلامى
لقد ذكرنا من قبل انه بينما كان السلاجقه يتناحرون
فى الشرق
كان الصليبيون يستولون فى الغرب على يافا، وارسوف،
وقيساريه، وحيفا، وطبريه، واللاذقيه، وانطاكيه
بعد ان كانوا
استولوا على القدس والرها، وسروج. وكانوا يحاصرون
طرابلس.
اما الان فى سنه 503 فان الصليبيين كانوا يشددون
الحصار
على طرابلس ويرسلون من اوربا اسطولا كبيرا لاحكام
حصارها، كما وقووا قواهم البريه المحاصره.
وكان فخر الملك ابو على بن عمار لما راى قبل ذلك
اشتداد
الحال على بلده طرابلس وضاقت عليه الاقوات وقلت
واشتد
الامر عليه وعلى اهل البلد، وعلم ان الامور قد
استتبت
للسلطان محمد كما مر فى الابحاث السابقه عزم على
الذهاب
الى بغداد للاستنجاد بالسلطان محمد، بعد ان رتب فى
طرابلس الاجناد برا وبحرا، وجعل كل موضع الى من
يقوم
بحفظه، ودفع للاجناد راتب سته اشهر مقدما.
ثم مضى الى بغداد فاستقبل فيها بحفاوه بالغه سواء
من الخليفه
او من السلطان السلجوقى محمد. ويقول ابن الاثير((135)): ان
السلطان ساله عن حاله وما يعانيه فى مجاهده الكفار
ويقاسيه
من ركوب الخطوب فى قتالهم، فذكر حاله وقوه عدوه
وطول
حصره، وطلب النجده، وضمن انه اذا سيرت العساكر معه
اوصل اليهم جميع ما يلتمسونه. فوعده السلطان بذلك.
وحضر
دار الخلافه، وذكر ايضا نحوا مما ذكره عند السلطان.
فكان من امر السلطان ان طلب من الامير حسين بن اتابك
قتلغ تكين ليسير معه العساكر التى سيرها الى الموصل
مع
الامير مودود لقتال جاولى سقاوو ليمضوا معه. ثم ترك
السلطان بغداد قاصدا اصفهان.
يقول ابن الاثير: فلم يجد ذلك نفعا..
اما العساكر الذى تظاهر السلطان بانه طلب ارسالها
مع ابن
عمار بقياده الامير مودود، فقد كانت لها مهمه اخرى
لاستنقاذ
طرابلس من الصليبيين، بل استنقاذ الموصل من جاولى.
يقول ابن الاثير: فى هذه السنه استولى مودود
والعسكر الذى
ارسله معه السلطان على مدينه الموصل واخذوها من
اصحاب
جاولى سقاوو.
فى الوقت الذى كانت عساكر السلطان السلجوقى تهب
بقياده
الامير مودود لاستنقاذ الموصل من جاولى. وفى الوقت
الذى
كان الامير مودود ينجح فى الاستيلاء على الموصل.
فى هذا الوقت بالذات كان اسطول صليبى كبير مشحون
بالرجال والسلاح والميره يهب من اوروبا بقياده
ريموند بن
صنجيل لاستنقاذ طرابلس من المسلمين.
وفى الوقت الذى كان القائد السلجوقى مودود يستولى
على
الموصل كان الملك الصليبيين بغدوين ملك القدس ومعه
ريموند بن صنجيل وغيره من القاده الصليبى يستولى
على
طرابلس.
يقول ابن الاثير واصفا الحال:
(ومد الفرنج القتال عليها (طرابلس) من الابراج
والزحف،
فهجموا على البلد وملكوه عنوه وقهرا ونهبوا ما فيه
واسروا
الرجال وسبوا النساء والاطفال ونهبوا الاموال.
وغنموا من اهلها
من الاموال والامتعه وكتب دور العلم الموقوفه ما لا
يعد ولا
يحصى، فان اهلها كانوا من اكثر اهل البلاد اموالا
وتجاره.
وعاقب الفرنج اهلها بانواع العقوبات، واخذت
دفائنهم
وذخائرهم من مكامنهم).
واغرى سقوط طرابلس الفرنج فساروا الى بانياس
ففتحوها،
والى جبيل ففتحوها ايضا. ثم واصلوا زحوفهم فامتدوا
الى صيدا
فضايقوها برا وبحرا فاضطرت لطلب الامان فدخلوها
وهجرها
قسم من اهلها وبقى آخرون ففرضوا عليهم الاموال حتى
افقروهم واستغرقوا اموالهم فاخذوا يهاجرون من
مدينتهم.
وامتد الصليبيون من الجانب الاخر فملكوا حصن
(الاثارب)
بالقرب من مدينه حلب وقتلوا من اهله الفى رجل وسبوا
واسروا
الباقين. ومنه مضوا الى حصن (زردنا) ففتحوه وفعلوا
باهله
مثل الاثارب.
فلما سمع اهل منبج بذلك فارقوها خوفا منهم وكذلك
اهل
بالس. وقصد الفرنج البلدين فراوهما وليس بهما انيس
فعادوا
عنهما. ودب الذعر فى بلاد الشام كلها.
يقول ابن الاثير:
(فعظم خوف المسلمين منهم وبلغت القلوب الحناجر،
وايقنوا
باستيلاء الفرنج على سائر الشام لعدم الحامى له
والمانع عنه،
فشرع اصحاب البلاد الاسلاميه بالشام فى الهدنه
معهم فامتنع
الفرنج من الاجابه الا على قطيعه ياخذونها الى مده
يسيره.
فصالحهم الملك رضوان صاحب حلب على اثنين وثلاثين
الف
دينار وغيرها من الخيول والثياب، وصالحهم صاحب صور
على
سبعه آلاف دينار، وصالحهم على الكردى صاحب حماه على
الفى دينار).
فلما بلغ الامر الى هذا الحد لم يعد الشعب يحتمل ما
صار اليه
من الهوان ومن توقع الشر الاكبر. فقرر جماعه من اهل
حلب
وهى المدينه التى وصل الفرنج الى حصن الاثارب الذى
لا يبعد
عنها الا ثلاثه فراسخ قرر جماعه من اهل حلب الذهاب
الى
بغداد حيث السلطان السلجوقى والخليفه لاثاره
القضيه
والاستنجاد بالمصدر الاساسى للقوه، فلما وصلوا كان
اول من
تعاطف معهم خلق كثير من الفقهاء، وغيرهم من طبقات
الشعب، فكان ان سارت يوم الجمعه مظاهره كبرى الى
جامع
السلطان واستغاثوا ومنعوا من الصلاه وكسروا
المنبر.
لقد كانوا فى تصرفهم هذا يقصدون الى ان الدين ليس
صلاه
فقط ولا خطبه الجمعه وحدها، وماذا تفيد صلواتكم
وخطبكم
اذا كان الاسلام يباد ويهان فى الجانب الاخر واذا
كنتم لا
تنفرون لانفاذ الركن الاهم من الاسلام وهو الجهاد..
وامام هذه المظاهره الصاخبه اضطر السلطان السلجوقى
لان
يعدهم بانفاذ العساكر للجهاد.
وفى يوم الجمعه الثانى جدد الحلبيون مظاهرتهم
فمشوا
ومشى معهم اهل بغداد الى جامع القصر بدار الخلافه،
فلما
وصلوه منعهم حاجب الباب من الدخول فازاحوه من
طريقهم
ودخلوا الجامع وكسروا شباك المقصوره وهجموا الى
المنبر
فكسروه، وبطلت الجمعه ايضا.
فلما راى الخليفه تفاقم الامور وليس فى يده شىء
يستطيعه
ارسل الى السلطان السلجوقى وهو صاحب الحل والعقد
يطلب
اليه الاهتمام بالموضوع وتصريف امر هذا الفتق
ورتقه، على حد
تعبير ابن الاثير.
فالخليفه هنا يرى ان الامر عاد نقمه شعبيه عارمه
على الدوله
كلها، وهو فتق انفتق عليها لا بد من رتقه خوف تماديه
واتساعه، فهو بذلك ينصح السلطان بالتلافى قبل
اتساع الخطر.
وهنا قرر السلطان ان يفعل شيئا، فجمع من فى بغداد من
الامراء وطلب اليهم العوده الى بلادهم والتجهز
للجهاد. وزاد
على ذلك فضم ولده مسعود اليهم وارسله مع الامير
مودود
صاحب الموصل ليلتحق بهما الامراء ويسيروا مجتمعين
لقتال
الفرنج.
وهنا حدث حادث فريد نجهل الان تفاصيله، فيبدو جليا
ان
الصراع بين البيزنطيين والصليبيين قد بلغ اقصى
مداه بحيث
ادى ذلك الى ان يرسل امبراطور القسطنطينيه رسولا
الى
السلطان السلجوقى فى بغداد يستنفره على الصليبيين
ويحثه
على قتالهم ودفعهم عن البلاد((136)). وكان وصول هذا
الرسول الى بغداد قبل وصول الحلبيين اليها، فعلموا
وهم فى
بغداد بمهمه الرسول البيزنطى، فكانوا يقولون
للسلطان: اما
تتقى اللّه تعالى ان يكون ملك الروم اكثر حميه منك
للاسلام،
حتى قد ارسل اليك فى جهادهم!.
واذا كان الامر على غير ما تصور الحلبيون من ان
استنفار
الملك البيزنطى للسلطان السلجوقى هو حميه منه
للاسلام،
وانما هو مصلحه مشتركه بين الاثنين تقضى بالقضاء
على
الصليبيين الذين باتوا ينازعون ملك القسطنطينيه
ملكه،
ويهددونه فى بلاده.
فانه كان يمكن للسلاجقه ان يغتنموا هذا الغضب
البيزنطى
فيتحالفوا مع صاحبه للتخلص من الصليبيين. ولكن
السلاجقه
كانوا فى هم آخر غير هم تخلص الارض الاسلاميه من
الصليبين، هو تخلص بعضهم من بعض.
وفى خلال هذا التجهم الاسلامى الذى اصبح يعم العالم
الاسلامى تزف ابنه السلطان ملكشاه الى الخليفه،
فلا يكتفى
بادنى حد من الابتهاج احتراما لاحزان المسلمين
العالميه، بل
زينت بغداد وغلقت، وكان بها فرحه عظيمه لم يشاهد
الناس
مثلها كما يقول عنها ابن الاثير.
التقى امراء السلاجقه فى الموصل انفاذا لما تقرر فى
بغداد
نتيجه للمظاهرات الحلبيه التى استجاب لها
البغداديون
فضغطوا على الخليفه والسلطان، فدعا السلطان الى
الجهاد.
والامراء الذين التقوا هم: الامير مودود صاحب
الموصل، الامير
سكمان القطبى صاحب تبريز وبعض ديار بكر، والاميران
الاخوان ايلبكى وزنكى ابنا برسق، ولهما همذان وما
جاورها،
والامير احمديل صاحب مراغه.
وكوتب الامير ابو الهيجاء صاحب اربل، والامير
ايلغازى صاحب
ماردين، والامراء البكجيه باللحاق بالامير مودود.
لقد كان ملتقى عسكريا ضخما يمكن ربط الامل الكبير
به. ولا
اخال الا ان الناس كانوا وهم يتسامعون بهذا الحشد
الكبير من
الامراء والمقاتلين ايقنوا بالخلاص.. ونحن لا ندرى
اين كان
الوفد الحلبى فى هذه الاثناء، هل كان قد عاد الى حلب
حاملا
البشرى لا الى حلب وحدها، بل الى بلاد الشام كلها
بنجاح
مساعيه، واستجابه اولى الامر الى صوت الاستغاثه
المنبعث من
اعماق القلوب.. ام ان الوفد قد ظل فى بغداد يراقب
وينتظر؟
اغلب الظن انه كان قد عاد الى حلب بعد ان لمس لمس
اليد ان
ما يشبه النفير العام قد اعلن بين الامراء.
والذى يلفت النظر هو اتساع الرقعه التى يسيطر عليها
هولاء
الامراء وما يمكن ان يتحشد منها من مقاتيلين فمن
تبريز الى
ديار بكر من جانب، ومن مراغه الى همذان وما جاورها
من
جانب آخر، ومن اربل الى الموصل الى ماردين...
هذه الارض الواسعه اذا اهيب بها بنداء: اللّه اكبر،
نداء منبعث من
قلوب مخلصه، وضمائر حيه، وحناجر متحمسه اذا اهيب
بها
ستتدفق منها الجماهير تدفق امواج البحر الهائج
صارخه: اللّه
اكبر، فتكتسح كل شىء..
ولكن لا القلوب كانت مخلصه، ولا الضمائر كانت حيه،
ولا
الحناجر كانت متحمسه!..
مشت جموع الامراء الى سنجار، ففتحت عده حصون
للفرنج،
حتى انتهت الى حصار مدينه (الرها)، ولكن الحصار لم
يلبث ان
فك عن الرها، وعاد عنها الامراء دون ان يفتحوها.
فقد قابل هذا التجمع الاسلامى تجمع صليبى استعد
لمقابلته،
على ان لم يتعد مناوشات و(مناورات) وتبادل امكنه
استطاع
معها الفرنج احكام امر الرها، فاستعاض الامراء عن
حصارها
بحصار قلعه تل باشر فلم ينجحوا فى فتحها فرحلوا
عنها.
وتخلوا نهائيا عن قضيه الجهاد، وعادوا الى التامر
بعضهم على
بعض، وعوضا عن ان يتوجهوا الى الارض المحتله،
توجهوا الى
حلب فاستراب بهم صاحبها الملك رضوان فحال بينهم
وبين
دخولها ولم يجتمع بهم.
ومرض احدهم الامير سكمان القطبى، ومات فى بالس،
فجعله
اصحابه فى تابوت، وحملوه عائدين الى بلاده. فاغتنم
هذه
الفرصه رفيق سكمان فى الجهاد!! ايلغازى، واستضعف
جماعته
بعد موته، فقصدهم لياخذهم ويغنم ما معهم، فحزموا
امرهم
وجعلوا تابوت اميرهم فى القلب وقاتلوا بين يديه،
فانهزم
ايلغازى وغنموا ما معه، ومضوا الى بلادهم!..
هكذا عاد مصير حمله الجهاد، وانقاذ المسلمين فى
بلاد الشام!
ولم ينته الامر، فان الجيش السلطانى كما يسميه ابن
الاثير بعد
ان حيل بينه وبين دخول حلب، ورفض صاحبها رضوان
لقاءهم
تركوا حلب ومضوا الى معره النعمان، واجتمع بهم
طغتكين
صاحب دمشق فاطلع منهم على نيات فاسده فى حق رفيقهم
الامير مودود، فنزل عليه واطلعه على امرهم.
ولما راى طغتيكن ما راى وعلم من نياتهم الفاسده ما
علم
خاف ان يقصدوه الى دمشق فياخذونها منه فاتصل سرا
بالفرنج
واحكم امره معهم وهادنهم.
ثم تفرقت العساكر وعاد كل امير الى حيث جاء!!.
النهايه التى صارت اليها حمله الجهاد السلطانى
جرات الفرنج
على الانتشار فى بلاد المسلمين واستصفائها بلدا
بعد بلد،
فكان ان بداوا بمدينه صور، وسار اليها بغدوين صاحب
القدس
يقود حشودا صليبيه لحصارها، فلما وصلها تفنن فى
الحصار
فاعد ثلاثه ابراج خشب علو البرج سبعون ذراعا وفى كل
برج
الف رجل، ونصبوا عليها المجانيق، والصقوا احدها
الى سور
البلد واخلوه من الرجال.
فاحضر الوالى اهل البلد واستشارهم فى حيله يدفعون
بها شر
الابراج عنهم، فقام شيخ من اهل طرابلس، يبدو انه
ممن كان
لجا الى صور بعد احتلال طرابلس، وضمن على نفسه
احراقها،
واخذ معه الف رجل بالسلاح التام، ومع كل رجل منهم
حزمه
حطب، فقاتلوا الفرنج الى ان وصلوا الى البرج
الملتصق
بالمدينه، فالقى الحطب من جهاته، والقى فيه النار،
ثم خاف ان
يشتغل الفرنج الذين فى البرج باطفاء النار
ويتخلصوا، فرماهم
بجرب كان قد اعدها مملوه من العذره، فلما سقطت
عليهم
اشتغلوا بها وبما نالهم من سوء الرائحه والتلويث
فتمكنت النار
من البرج، فهلك كل من فيه الا القليل. واخذ منه
المسلمون ما
قدروا عليه بالكلاليب، ثم اخذ سلال العنب الكبار،
وترك فيها
الحطب بعد ان سقاه بالنفط والزفت والكتان
والكبريت، ورماهم
بسبعين سله، واحرق البرجين الاخرين.
وعلم الصوريون انهم وحدهم غير مستطيعين الصمود
امام
الحمله الصليبيه الكبيره فاستنجدوا بطغتكين صاحب
دمشق،
ووعدوه بان يسلموا البلد اليه.
واذا كان طغتكين هذا قد اقام علاقات مع الفرنج
وسالمهم
وهادنهم كما ذكرنا فيما تقدم من القول فانه اليوم
قد نقض
هدنتهم وقرر انجاد الصوريين. ونريد ان نحسن الظن
به، فلا
نقول ان الطمع بتملك صور وامتداد سلطته اليها هو
الذى
حمله على ذلك، بل ان النخوه الاسلاميه هى التى
دفعته،
وربما السببان معا...
وسار حتى بلغ بانياس، وسير الى صور نجده مئتى فارس،
فدخلوا البلد، فاشتدت عزائم من فيه، واستبسلوا فى
قتال
الفرنج. وقابل الفرنج استبسالهم بمثله، خوفا من
تتابع
النجدات.
وراح طغتكين يغير على اعمال الفرنج حول دمشق، ثم
واصل
السير باتجاه صور، فقطع الميره عن الفرنج،
فاستقدموها بحرا.
وهو مع ذلك يواصل اهل صور بالكتب يامرهم بالصبر.
على ان موضع التساول هنا: لماذا لم يقدم هو نفسه
بعسكره
على انجادهم وقد راينا ما فعل وصول الماتى فارس
اليهم؟!.
كان اهل صور يقاتلون قتال من ايس من الحياه، كما
يصفهم
ابن الاثير، ولذلك لانهم يعلمون المصير الفظيع
الذى
سيصيرون اليه اذا انتصر الفرنج ودخلوا عليهم البلد.
واخيرا يئس الفرنج من النصر فانسحبوا من صور الى
عكا.
هذا الذى مر ذكره كان من احداث سنه 506ه، وفى مطلع
السنه 507ه، فى شهر المحرم منها كان بغدوين ملك القدس
يواصل غاراته على دمشق نفسها وينهب ويخرب، حتى ان
دمشق اصبحت فى شبه حصار اقتصادى انقطعت فيه المواد
عنها فعم الغلاء وقلت الاقوات، فراى حاكمها طغتكين
ان
يستعين بصديقه الامير مودود صاحب الموصل، فارسل
اليه
يصف له ما هو فيه من الضيق، والعجز عن دفع شر
الفرنج،
ويطلب اليه انجاده بقوات باسرع ما يستطيع من الوقت.
فاستجاب الامير مودود للاستنجاد وسار بعساكره من
الموصل
عابرا بهم الفرات، فمضى طغتكين لملاقاته فالتقيا
فى مدينه
سلميه وقررا مهاجمه طغتكين، فاصطدما به عند مدينه
طبريا
فى معركه انهزم فيها بغدوين ووقع اسيرا، ولكن آسريه
لم
يعرفوه، وكل ما فعلوه ان اخذوا سلاحه وتركوه.
وكان لهذه المعركه ذيول كانت كلها فى صالح المسلمين
فساروا الى بيسان ونهبوا البلاد المحتله بين عكا
الى القدس
وخربوها.
وبعد هذا النصر صرف الامير مودود عساكره فعادوا الى
بلادهم
على امل العوده فى الربيع لمعاوده الغزو، وبقى هو
فى خواصه
بضيافه طغتكين فى دمشق منتظرين الربيع. على ان
الاقدار
لم تمهله الى الربيع فقد اغتيل فى يوم جمعه فى
المسجد بعد
اداء الصلاه برفقه طغتكين..
وهنا تتشعب الاراء فى تحديد القاتل، فالذين يعرفون
دخائل
هولاء الامراء وما تنطوى عليه نفوسهم من الغدر
بعضهم ببعض
طمعا من كل واحد منهم بما فى يد الاخر، يوجهون
التهمه الى
طغتكين، ويقولون: انه دبر له من اغتاله بعد ان رابه
منه بقاوه
فى دمشق. ويوكدون اتهامهم بان القاتل قتل فى الحال،
واحتز
راسه، واخفى ثم احرق لئلا تكشف حقيقته.وطغتكين
وجماعته
يوجهون التهمه الى من سموهم الباطنيه، ويبدو ان
اتهام
طغتكين كان هو السائد بين الناس على اختلاف
مواقعهم،
حتى ان السلطان كان يوجه اليه التهمه علانيه، كما
سنرى.
وهكذا فان ذاك الاستنفار انتهى الى لا شىء سوى
النهب
والتخريب واغتيال من لبى الاستنفار!.
وطغتكين، هذا الذى يضج اليوم من الفرنج ويستنصر
المسلمين عليهم، الم يسبق له بالامس ان استنصر بهم
على
المسلمين؟!
وهل ترجو ممن لا يرى بالاستنصار على المسلمين
بالفرنج اثما
ان يخلص فى قتال الفرنج؟! وان يتورع عن اغتيال ضيفه
ومنجده اذا رابه امره ولو فى الخيال؟!
وتوالت الايام حتى سنه 508ه فعاد السلطان محمد يتذكر
الفرنج، وكان حين علم بمقتل مودود ارسل واليا على
الموصل
واعمالها: الامير آقسنقر البرسقى، وسير معه ولده
الملك
مسعود فى جيش ليذهب بهذا الجيش لقتال الصليبيين،
وكذلك ارسل الى جميع الامراء فى تلك المناطق
لينضموا الى
آقسنقر ويسيروا جميعا للجهاد.
وسنرى ان ذلك كله كان عملا استعراضيا بحتا لم يحقق
ايه
نتيجه!.
فان البرسقى سار الى جزيره ابن عمر فسلمها اليه
نائب مودود
بها، ومنها سار الى ماردين، فلما تمرد عليه صاحبها
ايلغازى
نازله فاذعن له وسير معه عسكرا مع ولده اياز، فاتجه
الى الرها
على راس خمسه عشر الف فارس فنازلها على غير جدوى،
فاتجه منها الى سميساط وسروج، فلم يكن منه سوى
التخريب
فيها، ثم نهب سواد ماردين.
ونسى الجهاد فقبض على رفيقه اياز بن ايلغازى، لان
اباه لم
يحضر بنفسه، بل ارسل ولده اياز مكانه. وبلغ ايلغازى
خبر
القبض على ولده، فسار الى حصن كيفا، وصاحبها الامير
ركن
الدوله ابن اخيه سقمان فاستنجده، فسار معه فى عسكره
وجمع جمعا من التركمان، ومضيا لاستنقاذ اياز من
البرسقى.
والتقى الجمعان فى معركه ضاريه، انتهت بانهزام
البرسقى،
وتخليص اياز بن ايلغازى.
هذا هو الجهاد الذى نادى به السلطان السلجوقى محمد..
وهذه
معارك قائده ومبعوثه لقتال الصليبيين: آقسنقر
البرسقى! على
ان الامر لم يتم فصولا بعد، فسنرى ما هو ادهى وامر...
السلطان محمد هذا لم يغضبه على قائده ان حول جهاده
للتخريب والنهب ثم لقتال المسلمين، بل اغضبه ان
ايلغازى
هزم آقسنقر، فارسل اليه يتهدده، فراى ايلغازى ان
يلجا الى
حميه طغتكين صاحب دمشق.
وكان طغتكين هذا متهما عند السلطان بانه غدر
بالامير مودود
وقتله، فاتفق راى الاثنين: ايلغازى وطغتكين على
الاستنصار
بالصليبيين، فراسلا صاحب انطاكيه وحالفاه، ثم راوا
جميعا ان
يمتنوا الحلف بينهم، فالتقى الثلاثه على بحيره قدس
عند
حمص، فاحكموا امر التحالف، ووضعوا خطط تنفيذه.
وعاد صاحب انطاكيه الى بلده، وعاد طغتكين الى دمشق.
اما
ايلغازى فاتجه الى ديار بكر مارا بالرستن فنزل بها
ليستريح،
فعلم به قرجان بن قراجه صاحب حمص، وقد تفرق عن
ايلغازى
اصحابه، فقبض عليه قرجان ومعه جماعه من خواصه،
وارسل
الى السلطان محمد يعرفه ذلك ويطلب اليه الاسراع
بارسال
نجده يقاوم بها طغتكين اذا حاول انقاذ ايلغازى.
ولما عرف طغتكين بما جرى على ايلغازى عاد الى حمص
وارسل يطلب من قرجان اطلاق ايلغازى، فرفض قرجان ذلك
وهدد بقتل ايلغازى ان لم يرجع طغتكين الى دمشق. وعلم
ايلغازى بذلك فارسل يلح على طغتكين بالعوده الى
دمشق.
وهنا تشابكت المصالح، فلم تصل لقرجان نجده من
السلطان،
فخاف ان يستضعفه اصحابه فيسلموا حمص لطغتكين، فقرر
مصالحه ايلغازى فيطلقه وياخذ ابنه اياز رهينه
ويصاهره،
ويحول بينه وبين طغتكين وغير طغتكين، فوافق
ايلغازى على
ذلك فاطلقه قرجان وترك عن ابنه اياز، ثم عقدا حلفا
بينهما.
وسار ايلغازى عند حمص الى حلب، وجمع التركمان، وعاد
الى
حمص مطالبا بولده آياز، وضايق قرجان وحصره.
واتصل الخبر بالسلطان فارسل عسكرا كثيرا وامرهم ان
يقاتلوا
ايلغازى وطغتكين اولا فاذا فرغوا منهما مضوا الى
قتال الفرنج،
فكانت نتيجه ذلك ان ايلغازى وطغتكين ذهبا الى
انطاكيه
واستنجدا بصاحبها الصليبى (روجيل).
وبعد احداث تفرقت عساكر السلطان، وعادت الى بلادها
الحمله الجهاديه السلجوقيه التى ارسلها السلطان
محمد
لمكافحه الصليبيين انتهى امرها الى تقاتل
المسلمين،
والتحالف مع الصليبيين.
والجيوش التى قال السلطان انها موجهه الى حرب
الفرنج راينا
الى من عادت توجه فى حين كان الصليبيون يتمددون فى
البلاد ويتحكمون بالعباد..
وفى سنه 511 توفى السلطان محمد بن ملكشاه بن الب
ارسلان، هذا الذى راينا من جهاده ما راينا!.. وتولى
بعده ابنه
محمود.
وظل السلاجقه على تشاحنهم، فان مسعود بن السلطان،
اراد
الاستيلاء على بغداد والعراق وحقق ذلك، فمشى عماد
الدين
منكبرس ليخرجه منها، فمشى مسعود للقائه، فكان من
نتيجه
ذلك ان الفريقين نهبا السواد نهبا فاحشا، على حد
تعبير ابن
الاثير.
وانتهت المفاوضات بين الفريقين الى ان صار منكبرس
صاحب
(شحنكيه) بغداد، وهى مديريه الشرطه العامه.
ويقول ابن الاثير عن عهد منكبرس فى بغداد: واقام
منكبرس
ببغداد يظلم ويعسف الرعيه ويصادرهم، فاختفى ارباب
الاموال، وبطلت معايش الناس، واكثر اصحابه الفساد،
حتى ان
بعض اهل بغداد زفت اليه امراه تزوجها، فعلم بعض
اصحاب
منكبرس، فاتاه وكسر الباب، وجرح الزوج عده جراحات،
وابتنى
بزوجته، واستغاث الناس لهذه الحال، واغلقوا
الاسواق، فاخذ
الجندى الى دار الخلافه فاعتقل اياما ثم اطلق.
وقد ظل الصليبيون فى تماديهم وامتدادهم، فاذا
بايلغازى
صاحب حلب وماردين، الذى ذكرنا من قبل استنجاده هو
وصاحبه طغتكين بالصليبيين، اذا بايلغازى هذا يعود
فيرسل
رسولا الى بغداد يستنفر على الصليبيين، ويذكر ما
فعلوا
بالمسلمين بالديار الجزريه، وانهم ملكوا قلعه
الرها، وقتلوا
اميرها.
ومن يامن لمن استنجد بالصليبيين ان لا يعود فيغدر
بالمسلمين وينضم الى الصليبيين، وهل يمكن ان يوتمن
من
خان المسلمين، وهل يمكن ان يخلص فى الجهاد من نكث
بالمجاهدين؟!
وكل ما كان من الاثر لاستنجاد ايلغازى ان ارسلت
الكتب بذلك
الى السلطان محمود!..
اما السلطان محمود فقد كان مشغولا عن ذلك بالشقاق
بينه
وبين اخيه طغرل، وبالحرب بينه وبين عمه سنجر، عمه
اخى
ابيه وهو فى الوقت نفسه ابو زوجته، فقد التقى
الاثنان فى
معركه كان فيها مع سنجر عشرون الف مقاتل ومع محمود
ثلاثون الفا.
خمسون الف مقاتل كان يمكن ان يسير بهم محمود وعمه
سنجر السلجوقيان لانقاذ الديار الجزريه من
الصليبيين،
ولكنهما بدلا من ذلك تقاتلا بها وسفكا دماءها
بايديها!..
لقد انتصر سنجر.. ولكن على ابن اخيه لا على
الصليبيين!.
وظل الفرنج يستضعفون المسلمين فامتدوا حتى بلغوا
نواحى
حلب فملكوا بزاعه وغيرها، وخربوا ما قدروا على
تخريبه من
حلب ونازلوها، وقاسموا اهلها على املاكهم التى
بباب حلب.
فارسل اهل حلب الى بغداد يستغيثون، ويطلبون
النجده، فلم
يغاثوا((137)).
وايلغازى الذى حالف الصليبيين فى وقت من الاوقات هو
اليوم
صاحب حلب، يتلقى بلده الضربات من حلفائه السابقين،
فمضى الى ماردين يجمع العساكر والمتطوعه، فاجتمع
له نحو
عشرين الف مقاتل قاتل بهم هذه المره الفرنج وانتصر
عليهم.
وفى سنه 514 قام الصراع بين السلطان محمود واخيه
مسعود،
وقامت المعارك الداميه بينهما، ثم انتهت بهزيمه
مسعود.
ولكى نعرف راى الشعب بحكامه، نشير الى انه فى هذه
السنه
نزل فى العراق جميعه من البصره الى تكريت ثلج كثير
وبقى
مغطيا الارض خمسه عشر يوما فقال بعض الشعراء:
يا صدور الزمان ليس بوفر
ما رايناه فى نواحى العراق((138))
انما عم ظلمكم سائر الخل
-ق فشابت ذوائب الافاق
وكان من تقدم الصليبيين هذه السنه ان اكثروا من
الاغاره على
حلب واعمالها، واعملوا هناك التخريب والتحريق حتى
ادى
الامر الى ان سلمهم صاحب حلب حصن الاثارب القريب من
حلب.
وعوضا عن ان يثير هذا التسليم الحميه فى نفوس
المتسلطين،
اثار اطماعهم فى صاحب حلب، فان بلك بن بهرام بن ارتق
صاحب حران اعتقد ضعف صاحب حلب فلم يندب نفسه
لتقويته والتقدم معه لاسترجاع حصن الاثارب، بل
تقدم لاخذ
حلب منه، فنازلها وضايقها ومنع الميره عنها واحرق
زروعها،
فاستسلمت حلب له.
وطغتكين صاحب دمشق الذى رايناه فيما مضى يستنجد
بالصليبيين نراه اليوم يهاجم مدينه حمص وينهبها
ويحرق
كثيرا منها، ثم يهاجم مدينه حماه ويستولى عليها.
كان كل ذلك يجرى بين حكام السلاجقه غير معنيين بامر
الصليبيين وتمددهم فى البلاد. وكان الصليبيون
يعدون العده
لاستصفاء بلاد الشام وكبريات مدنها، فقرروا
الاستيلاء على
مدينه صور.
فاستنجدت بطغتكين بعد ان اشرف اهلها على الهلاك،
فسار
طغتكين حتى نزل بانياس ليقرب من صور لعل الصليبيين
اذا
راوا ذلك يرحلون عن صور، ولكنهم لم يفعلوا، وانتهى
الامر
باستيلاء الصليبيين على صور وخروج اهلها منها
وتفرقوا فى
البلاد.
يقول ابن الاثير: (كان فتح صور وهنا عظيما على
المسلمين
فانها من احصن البلاد وامنعها..) ونقول: ان سقوط صور
بقدر ما
اوهن المسلمين قوى الصليبيين وشدد عزمهم فى
الاستيلاء
على بلاد الشام، فكان ان قرروا التقدم الى حلب،
وكانت حلب
فى ذلك الوقت شيعيه، وهنا تبرز خيانه من نوع آخر،
فان
دبيس بن صدقه كان عربيا شيعيا يحكم منطقه الحله فى
العراق، فاغرته المطامع فاتصل بالصليبيين واطمعهم
بحلب،
وقال لهم: ان اهلها شيعه، وهم يميلون الى من اجل
المذهب،
فمتى راونى سلموا البلد الى، واننى اكون هنا نائبا
عنكم
ومطيعا لكم..
لقد طمع هذا النذل بتوسيع حكمه بخيانه امته،
والتعاون مع
اعدائها، فسار مع الصليبيين لفتح حلب، ولكن شيعه
حلب
نبذوه واحتقروه، وقرروا الاستماته فى الدفاع عن
مدينتهم،
وطال القتال، واشتد الحصار، وقلت الاقوات، فقرر
الحلبيون
الاستنجاد باقسنقر البرسقى صاحب الموصل، فارسلوا
اليه
يسالونه المجىء اليهم ليسلموا اليه البلد،
فاستجاب لذلك
وقدم بقواته، فراى الفرنج انهم سيقعون بين القوات
الحلبيه
والقوات الموصليه فرحلوا عن حلب.
بين السلاجقه والخوارزميين
وكامثاله من المماليك فى كل مكان وزمان لا تحول
صفته
المملوكيه دون بروز مواهبه ان كانت له مواهب برزت
مواهبه
وكان لها من التقدير ما تستحقه، حتى لقد وصفه ابن
الاثير:
بقوله: فكبر وعلا امره، وكان حسن الطريقه، كامل
الاوصاف،
وكان مقدما مرجوعا اليه((140)).
لانوشتكين هذا الموصوف بهذه الصفات ولد ولد سماه
محمدا،
ومحمد هذا هو الذى قلنا انه يعتبر موسس الدوله
الخوارزميه،
وقد عنى انوشتكين بابنه هذا، فعلمه وخرجه واحسن
تاديبه((141)).
ويضيف ابن الاثير على ذلك فى حديثه عن محمد بن
انوشتكين: وتقدم بنفسه وبالعنايه الازليه. وقد صدق
ابن الاثير
بهذا القول، فالصفات الشخصيه وحدها لا تكفى للنجاح
والتقدم
اذا لم ترافقها العنايه الازليه. والامر كما قال
الوزير
المغربى:والفضل ليس بنافع اربابه
الا بمسعفه من الاقدار
كان السلطان السلجوقى بركيارق قد ولى سنه 490ه على
خوارزم من اسمه (اكنجى) ولقبه خوارزم شاه فجمع
عساكره
ليلحق السلطان الى مرو، ولكن اميرين آخرين تامرا
عليه
وقتلاه، وسارا الى خوارزم، واظهرا ان السلطان قد
ولاهما
فسيطرا عليها.
وبلغ ذلك الى السلطان وكان فى طريقه الى العراق
لاخماد
تمرد عليه، فارسل امير داذ حبشى فى جيش للقضاء
عليهما،
فانتهى امرهما فى تفاصيل لا شان لنا بها فى موضوعنا
هذا، ثم
ولى السلطان على خراسان (امير ذاد حبشى)، فكان ان
ولى
على خوارزم محمد بن انوشتكين ولقبه خوارزم شاه.
وسار محمد هذا فى ولايته سيره حسنه فساد فيها
العدل،
وقرب اهل العلم والدين، واشتهر امره بكل خير. وظل
محمد
فى منصبه بتولى السلطان سنجر خراسان، وبرزت
كفايته،
فقدره سنجر احسن تقدير، وحاول بعض ملوك الاتراك
مهاجمه خوارزم ومحمد غائب عنها عند السلطان سنجر،
فاسرع محمد الى خوارزم، وارسل الى سنجر يستمده وكان
بنيسابور فسار لانجاده بجيشه، ولكن محمدا كان قد
استطاع
اخماد الفتنه قبل وصول سنجر.
ولما توفى محمد خوارزم شاه، تولى بعده ابنه اتسز
الذى كان
قد تدرب على يدى ابيه فقاد الجيوش وباشر الحروب،
فسار
سيره ابيه.
فقربه السلطان سنجر، ورفع من شان، وجعله من اركان
حكمه
معتمدا عليه واستصحبه معه سلما وحربا، فبرزت
كفاءته وازداد
عند سنجر تقدما ومنزله.
واذا كنا قد قلنا من قبل باننا نعتبر محمد بن
انوشتكين موسس
الدوله الخوارزميه، فلانه هو اول من حمل لقب
(خوارزم شاه)
واول من تولى سلطه فعليه، وان كان توليه هذا لم يعد
كونه
واليا تابعا لغيره.
ونقول هنا ان اتسز فى الحقيقه هو الذى ابتدىء به
قيام ملك
بيته الخوارزمشاهى مستقلا مقاتلا عن هذا
الاستقلال، مناهضا
للسلطان سنجر نفسه.
فساد ما بين سنجر واتسز
واذا كان اتسز لم يفصح عما فى نفسه من الطموح، ولم
يتصرف
تصرفا انفصاليا عمليا، فان كوامن نفسه لم تكن لتخفى
على
سنجر، وربما تسرب اليه شىء من هذه الكوامن، مما
يفيض به
فى خلواته لخاصته من اشارات وتعابير، تنم عما فى
نفسه،
فابلغها بعض المخلصين لسنجر محذرين له عما قد
يفاجوه به
اتسز من وثوب متوقع.
لذلك راينا سنجر لا يترك للايام ان تفعل فعلها، بل
راى ان
يستبق هو الايام فيفعل فعله قبلها، ففى سنه 533ه سار
السلطان سنجر بحمله عسكريه قاصدا خوارزم لانتزاعها
من
اتسز والقضاء عليه..
فلما قرب من خوارزم وعلم به اتسز خرج بما لديه من
قوات
لقتاله، وصده عن خوارزم، ولم تكن القوتان
متكافئتين، ولم
يكن اتسز قد اعد للثوره، بل فوجىء بزحف سنجر
بجيوشه
عليه، لذلك لم يلبث اتسز ان انهزم وقتل العدد
الكثير من
رجاله وبينهم ابنه الذى حزن عليه حزنا عظيما.
واستولى سنجر على خوارزم، وملكها لابن اخيه غياث
الدين
سليمان شاه بن محمد، ونظم له حكومته من تعيين
اتابك،
ووزير وحاجب وما الى ذلك من مقومات السلطه، وعاد
الى
مرو.
والكراهيه المتاصله فى نفوس الشعوب المحكومه من
السلاجقه، كانت متاصله فى الشعب الخوارزمى، وكان
اتسز
يعرف ذلك، فلهذا لم يكد سنجر يغادر خوارزم حتى اسرع
اتسز
الى العوده الى خوارزم، فاعانه شعبها على التخلص من
سليمان
شاه الذى ترك خوارزم عائدا الى عمه السلطان سنجر.
وهكذا حل العداء بين الاثنين بعد ذاك الولاء، وكانت
فجيعه
اتسز بابنه فجيعه ملات قلبه حقدا على السلطان سنجر.
بين الخطا وسنجر
يقول ابن خلدون عن الخطا: (هم اعظم الترك فيما وراء
النهر)
وانهم: (امه باديه يسكنون الخيام وهم على دين
المجوسيه)
وانهم: (كانوا موطنين بناحى اوزكنده وبلاد ساغون
وكاشفر).
وهم كذلك اتراك فى راى ابن الاثير اذ يعبر عنهم:
(بالاتراك
الخطا) ولكنه وهو يصف وقعه لهم يقول: (وكانوا قد
خرجوا
قبله من الصين وهم فى خدمه الخانيه اصحاب تركستان).
وعندما يسترسل فى الحديث يقول: (وعنده جنود الترك
والصين، والخطا). ويقول ايضا: (واستقرت دوله الخطا
والترك
الكفار بما وراء النهر).
والخطا فيما يقول الدكتور حسين مونس: (ان العرب سموا
التتار: الخطا، وهى تسميه خاطئه لان الخطا او
الخطاى فى
الحق هم اهل الصين).
يتهم خوارزم شاه اتسز بانه بعد ان ناله ما ناله من
هزيمته امام
السلطان سنجر وقتل ابنه، حرض الخطا على غزو سنجر،
وارسل اليهم يطعمهم فى بلاده، ويحثهم على قصده فى
عقر
داره.
هذه روايه، وفى روايه اخرى اسباب غير هذا السبب هى
التى
دفعت الخطا على غزو مملكه السلطان سنجر. ومهما يكن
من
امر، فان الذى وقع هو ان الخطا تقدموا مهاجمين بلاد
سنجر
بجيش يقدر ابن الاثير((142)) عدده بثلاث مئه الف فارس،
فالتقوا بجيش سنجر فيما وراء النهر، واقتتلوا اشد
قتال، فحاقت
الهزيمه بجيش سنجر وقتل منه على تقدير ابن الاثير
مئه الف
قتيل. ويقول ابن الاثير: ان بين القتلى احد عشر الفا
كلهم
صاحب عمامه ولم اهتد لما يقصده ابن الاثير بقوله
صاحب
عمامه. ومن هم الذين كانوا يتميزون يومذاك بانهم
اصحاب
عمائم؟..
اذا اردنا ان نطبق الوصف على ما هو متعارف عليه فى
هذا
العصر، فان اصحاب العمائم تعنى الفقهاء، فهل كان
الفقهاء فى
ذلك العصر يتميزون باعتمار العمائم؟
الذى نعرفه ان العمائم لم تكن ميزه الفقهاء، بل
كانت لباس
الراس للناس كلهم ابتداء من افقر فقير حتى راس
الدوله:
السلطان.
وان التخلى عن العمائم لباسا للراس ابتدا فى عصر
السلطان
محمود الثانى العثمانى فى اواسط القرن التاسع عشر،
فقد
خلعها السلطان فمن دونه الى ان غدت عمره للراس
للفقهاء
بشكل غير شكلها الاول.
فهل كانت العمامه ميزه الفقهاء وحدهم فى عهد
السلاجقه،
قبل ان تكون كذلك فى البلاد العثمانيه ومنها الوطن
العربى؟..
ثم هل كان الجيش السلجوقى يضم هذا العدد الكبير من
الفقهاء ليكون من قتل منهم فقط احد عشر الفا؟ واذا
كان هذا
عدد القتلى فكم كان عدد مجموعهم فى الجيش؟
الواقع ان هذا الذى ذكره ابن الاثير عن اصحاب
العمائم القتلى
يثير الكثير من التساولات التى اعترف بانى لا اجد
جوابا لها..
ثم يقول ابن الاثير ان بين القتلى اربعه آلاف امراه.
وهذا ايضا
موضع الغرابه والتساول، فهل كانت نساء السلاجقه
تقاتل ليكون
بين القتلى هذا العدد منهن؟! واذا لم يكن يقاتلن
فلماذا هذا
القتل فيهن، فى حين انهن اذا لم يقتلن يسبين، وفى
هذا كل
المصلحه للمنتصرين؟! ثم لماذا هذا العدد الكبير
منهن مع
الجيش بحيث يبلغ عدد قتلاهن اربعه آلاف امراه!!
وقد كانت زوجه السلطان سنجر نفسه مع الجيش، فلما
انهزم
الجيش اسرت... على ان الخطا اطلقوها. ويقول ابن
الاثير((431)):
ولم يكن فى الاسلام وقعه اعظم من هذه، ولا
اكثر ممن قتل فيها. ثم يقول: واستقرت دوله الخطا
والترك
الكفار بما وراء النهر.
توسع ملك خوارزم شاه
ولكن اهل مرو ثاروا وقتلوا بعض اهل خوارزم شاه،
واخرجوا
اصحابه من مرو، واغلقوا ابوابها، واستعدوا لمواجهه
خوارزم
شاه، فعند ذلك هاجمهم، ودخل مرو فاتحا، وقتل كثيرا
من
اهلها وفيهم فقهاء وعلماء، وقتل من الاعيان كثيرون.
ثم غادرها
مستصحبا معه عددا من علمائها.
وبعد مرو اتجه الى نيسابور، وخشى من فى نيسابور ان
يجرى
عليها ما جرى على مرو، فتوجه الى خوارزم شاه جماعه
من
فقهائها وعلمائها وزهادها طالبين اليه ان لا ينفذ
فى نيسابور ما
نفذه فى مرو من الاباحه للدماء، فوعدهم خيرا.
|