وتتبع اموال اصحاب السلطان فصادرها، ثم امر بقطع خطبه السلطان سنجر، وان يخطب باسمه هو، فلما نفذ ذلك ولم يذكر الخطيب اسم سنجر وذكر بدلا منه اسم خوارزم شاه صاح الناس وثاروا، وكاد الامر ان يودى الى تمرد عام، ولكن تدارك الامر ذوو الراى والعقل خوفا مما يجر ذلك من البلاء على الناس.

ثم سير خوارزم شاه جيشا الى اعمال بيهق، ولكن اهلها صمدوا للجيش يقاتلونه خمسه ايام فعاد عنها. يقول ابن الاثير((144)): (ثم سار عنها ذلك الجيش ينهبون البلاد، وعملوا بخراسان اعمالا عظيمه).

ثم يقول ابن الاثير: (ومنع السلطان سنجر من مقاتله اتسز خوارزم شاه خوفا من قوه الخطا بما وراء النهر، ومجاورتهم خوارزم وغيرها من بلاد خراسان).

هذه الوقائع التى عرضنا احداثها موجزه لا يمكن ان نمر بها مجرد مرور دون التمعن بما فيها من دلالات تستوقف المورخ للنظر فيها طويلا.

لماذا يثور اهل مرو على خوارزم شاه فيمعن فيهم وفى علمائهم قتلا؟! ولماذا يرفض اهل نيسابور قطع الخطبه للسلطان سنجر وابدالها بالخطبه لخوارزم شاه، ويثورون من اجل ذلك؟! لم يكن فى حكم السلاجقه للشعوب التى حكموها ما يجعل تلك الشعوب تاسف على زوال حكمهم وتنقم على من يحل محلهم، فما الذى حدث فجعل اهل مرو واهل نيسابور يقفون هذا الموقف الغاضب لسنجر الناقم على خوارزم شاه؟! ليس فى النصوص التى يقدمها لنا مورخو تلك الاحداث ما يوضح لنا العوامل التى ادت الى هذا التحول من النقمه على حكم السلاجقه الى النقمه على من جاء يحل محلهم فبقى علينا نحن ان نستخلص الاسباب مما لدينا من وقائع.

الذى يخيل الى ان النقمه على خوارزم شاه سببها ما اشتهر عنه من انه هو الذى حث الخطا على غزو البلاد الاسلاميه وما جره هذا الغزو من سفك دماء عشرات الوف المسلمين بما فيهم النساء، وما الحقه بالمسلمين من الذل والفجائع.

فلم يغفر الناس لخوارزم شاه هذه الخيانه، وظلت تملا نفوسهم حقدا عليه، فكان من مظاهر هذا الحقد رفض حكمه لهم والثوره على هذا الحكم..

ثم ان ما احاق بسنجر من الهوان على ايدى الخطا اكسبه عطف المسلمين فرفضوا ان يكونوا عليه مع الخطا فيلغوا اسمه من الخطبه ويحلوا محله اسم الخائن محرض الاعداء على احتلال الوطن..

والذى يثير الاهتمام هو قول ابن الاثير: ومنع السلطان سنجر من مقاتله اتسز خوارزم شاه خوفا من قوه الخطا بما وراء النهر، ومجاورتهم خوارزم وغيرها من بلاد خراسان.

ليس المقصود بهذه الجمله واضحا كل الوضوح، وليس المراد بها صريحا كل الصراحه. ولكن لها عندى تفسيرا واحدا اعتقد انه الصواب:

ان سنجر بعد ان راى القوه العسكريه الكبرى التى يستند اليها الخطا، وانهم بذلك يهددون البلاد الاسلاميه التى امامهم، اغضى عما جناه عليه خوارزم شاه، ولم يعد يهمه الا مصير الوطن الاسلامى، وراى ان فى تقاتل المسلمين زياده فى اضعافهم وتقويه للخطا عليهم، لذلك منع من مقاومه خوارزم شاه فيما يسعى لاحتلاله من بلاد، لان الخطا اذا سالموا خوارزم شاه اليوم فسينقضون عليه فى الغد عندما يصبح فى مواجهتهم. لذلك منع سنجر من مقاتله خوارزم شاه ابقاء على القوى الاسلاميه متماسكه.

وكما ذكر ابن الاثير فان وجود الخطا فيما وراء النهر يجعلهم على حدود خوارزم نفسها وخراسان كلها.

واننى وانا الذى لم ارحم السلاجقه فى تاريخهم حين لا يستحقون الرحمه، واننى وانا الذى ادنت مساوى‏ء السلاجقه فيما دونت من قبل لانها تقتضى الادانه، اننى هنا انحنى اجلالا لهذا السلجوقى الكريم، وابعث اليه من وراء العصور باسنى التحيه، واكبره اسمى الاكبار...

ويبدو ان سنجر ظل يخشى فساد خوارزم شاه، ويخشى معاوده اتصاله بالخطا، وراى ان الافضل القضاء عليه، فجمع قوه مضى بها لقتاله فتحصن خوارزم شاه فى المدينه ولم يخرج للقتال، وبالرغم من فشل الاستيلاء على المدينه، فان خوارزم شاه ارسل رسلا الى سنجر (يبذل المال والطاعه والخدمه ويعود الى ما كان عليه من الانقياد).

فراى سنجر ان من الحكمه ان يقبل منه ذلك، وسار سنجر الى مرو واقام خوارزم شاه بخوارزم. ولا بد لنا من ان نعرف مصير هذا السلطان السلجوقى وان كان ذلك لا يرتبط بما نحن فيه من الحديث عن الخوارزميين:

كان من اجراءات الخطا ان طردوا الاتراك الغز((145)) من منازلهم فيما وراء النهر فقصدوا خراسان وكانوا خلقا كثيرا فاقاموا بنواحى بلخ يرعون فى مراعيها، فاراد اميرها ابعادهم فجمعوا جموعهم وانضم اليهم غيرهم من الاتراك فقاتلوا امير بلخ فهزموه وانتهى فى هزيمته الى مرو حيث السلطان سنجر، فراسلهم سنجر مهددا لهم فلم يستمعوا اليه، فهاجمهم بجيشه فهزموا الجيش ووقع سنجر فى اسرهم، واستولى الغز على البلاد، مكثرين فى قتل الناس مسترقين النساء والاطفال موغلين فى النهب جاعلين من بعض المدن قاعا صفصفا.

ويقول ابن الاثير: (ويتعذر وصف ما جرى منهم على تلك البلاد جميعها)((146)) فى تفاصيل لا مجال لذكرها هنا.

ويقول ايضا((147)): (وكان السلطان سنجر له اسم السلطنه، وهو معتقل لا يلتفت اليه، حتى انه اراد كثيرا من الايام ان يركب، فلم يكن له من يحمل سلاحه، فشده على وسطه وركب. وكان اذا قدم اليه طعام يدخر منه ما ياكله وقتا آخر، خوفا من انقطاعه عنه، لتقصيرهم فى واجبه، ولانهم ليس هذا مما يعرفونه).

ثم استطاع ان يهرب من الاسر ويسير الى قلعه ترمذ، وان يصل بعد احداث الى قاعدته (مرو) قويا بعد اسر امتد من سادس جمادى الاولى سنه 548 الى رمضان سنه 551ه وفى شهر ربيع الاول سنه 552 توفى.

وتلخص حياته بما يلى:

هو سنجر بن ملك شاه بن الب ارسلان، ابو الحارث. ولد فى سنجار، من ديار الجزيره سنه 479، وسكن خراسان، واستوطن مدينه مرو، ودخل بغداد مع اخيه السلطان محمد، فعهد الخليفه المستظهر باللّه بالسلطنه الى اخيه وجعل سنجر ولى عهده. فلما مات محمد خوطب سنجر بالسلطان واستقام امره، واطاعه السلاطين، وخطب له على اكثر منابر الاسلام بالسلطنه نحو اربعين سنه، وظل رفيع المكانه حتى اسره الاتراك الغز، وبعد ان تخلص منهم وبدا يستجمع امره حتى ليكاد يعود الى شانه جاءه قضاء اللّه((148)).

العوده الى الخوارزميين

فى سنه 551 توفى خوارزم شاه اتسز بن محمد بن انوشتكين، فتولى بعد ولده ارسلان وافتتح ملكه بقتل اعمامه، وسمل اخيه، فمات اخوه المسمول بعد ثلاثه ايام، وقيل انه قتل نفسه بعد ان اصابه ما اصابه.

وكان ذلك بعد خلاص السلطان سنجر من اسر الغز، فارسل اليه ارسلان يذكر طاعته له، وانقياده لسلطته، فكتب له سنجر منشورا بولايه خوارزم مصحوبا بخلع. فبقى ارسلان ساكنا مطمئنا.

ويرثى ابن الاثير اتسز((149)) قائلا: كان حسن السيره، كافا عن اموال رعيته، منصفا لهم محبوبا اليهم، موثرا للاحسان والخير اليهم، وكان الرعيه معه بين امن غامر وعدل شامل.

ولا ندرى كيف نوفق بين هذه الصفات التى يغدقها ابن الاثير على اتسز وبين ما ذكره هو نفسه عن مجازره فى مرو، وعن فظاعه النهب فى بلاد بيهق وعظم الاهوال فى خراسان؟!..

الخطا والخوارزميون

قلنا فيما تقدم ان سنجر بعد هزيمته امام الخطا، واخذ خوارزم شاه فى الانتشار، منع من قتال خوارزم شاه، وقلنا انه يرى ان الخطا اذا سالموا خوارزم شاه اليوم فسينقضون عليه فى الغد.

وقد جاء الغد الذى ينقضون فيه على خوارزم.

ففى سنه 567ه عبر الخطا نهر جيحون يريدون خوارزم، وكان يحكمها يومذاك ارسلان بن اتسز، فجمع عساكره، وسار لصد هجومهم، فمرض فى الطريق، فتابع الجيش سيره بقياده امير اختاره ارسلان، فلما تقابل الجيشان انهزم الخوارزميون، واسر قائدهم، فاقتاده الخطا معهم الى ما وراء النهر((150)) دون ان يتابع سيره الى خوارزم، وعاد ارسلان الى خوارزم مريضا.

وفى سنه 568 توفى خوارزم شاه ارسلان وملك بعده سلطان شاه محمود، ودبرت والدته امور الملك، وكان ولده الاكبر علاء الدين تكش مقيما فى الجند((151)) قد اقطعه اياها ابوه فلما علم بتولى اخيه الاصغر رفض ذلك وراح يستنجد ملك الخطا على اخيه. ونسى علاء الدين ان الخطا هم الاعداء الذين يستنجد عليهم لا بهم.

وقد لبى ملك الخطا استنجاده فسير معه جيشا كثيفا فساروا حتى قاربوا خوارزم، فسار اليهم سلطان شاه، فلما تراءى الجمعان انتصر علاء الدين بمن معه، وفر سلطان شاه الى دهستان فسار اليه علاء الدين تكش، واقتحم المدينه فهرب سلطان شاه وقبض على امه فقتلها تكش وعاد الى خوارزم يثبت قدمه فيها..

وملك الخطا الذى انجده عاد يطالب بالثمن، فتوالت رسله، فحاول التحكم وتبدى المطالب فنفر من ذلك وانف. وجاءه احد اقارب الملك مع جماعه موفدين من الملك مطالبين بالمال، فثارت به الحميه فقتل هو قريب الملك، وامر اعيان خوارزم ان يقتل كل واحد منهم رجلا من الخطا، فقتلوا جميعا.

فلما بلغ هذا الامر اخاه سلطان شاه هب بدوره يستفز ملك الخطا ويستنجده على اخيه علاء الدين تكش زاعما له ان اهل خوارزم يويدونه.

فاستجاب له ملك الخطا، وبعث معه جيشا كثير العدد، فوصل به الى خوارزم وحاصرها، فاستطاع علاء الدين تكش ان يحول عليهم مياه نهر جيحون حتى كاد يغرقهم، فاضطروا لفك الحصار والرحيل عن خوارزم.

وتروى روايات اخر عن هذه الوقائع، ومهما كان الامر فالذى يهمنا معرفته، هو ان سلطان شاه قد توفى خلال هذا الصراع، وان خوارزم شاه تكش لما بلغه خبر وفاه اخيه عاد الى خوارزم، وكان قد خرج منها لقتاله، ثم قام صراع بينه وبين المويد صاحب نيسابور، لانه حاول التعرض لطوس التى هى للمويد، بعد ان سيطر على مرو، وسرخس، ونساوابيور وغيرها فانتهى الامر، باسر المويد ثم قتله، واستيلاء خوارزم شاه على نيسابور، وكل ما كان للمويد ولولده الذى خلفه ظعان شاه.وبذلك قوى امر خوارزم شاه علاء الدين تكش، وعظم شانه، باستيلائه على مملكه المويد، ومملكه اخيه سلطان شاه وخزائنه.واستدعى ابنه علاء محمد، وكان بخوارزم فولاه نيسابور، وولى ابنه الاكبر ملك شاه (مرو).

الصدام الاول: خوارزميا، سلجوقيا، عباسيا

سنه 588 سار السلطان السلجوقى طغرل بن الب ارسلان بن طغرل بن محمد بن ملك شاه بن الب ارسلان فملك همذان، وغيرها، وانهزم صاحبها قتلغ اينانج بن البهلوان وتحصن بالرى، فارسل قتلغ الى خوارزم شاه علاء الدين تكش يستنجده فانجده، ولكن عاد فندم على هذا الاستنجاد، وخاف على نفسه، فمضى متباعدا عن خوارزم شاه، وتحصن فى قلعه له، ووصل خوارزم شاه الى الرى، وملكها وملك قلعه طبرك.

وفى سنه 590 اغار السلطان طغرل، على من بالرى من اصحاب خوارزم شاه، وفر قتلغ اينانج بن البهلوان، فيمن فر من طغرل، وارسل الى خوارزم شاه، يعتذر، ويسال انجاده مره ثانيه.

وكان الخليفه العباسى الناصر لدين اللّه، قد بدا بالاعداد للتخلص من السلاجقه، وكانت قد سبقت لجنده وقعه مع طغرل سنه 584، حين ارسل الجند بقياده وزيره جلال الدين عبيداللّه بن يونس، لمساعده احد المتمردين على طغرل، فالتقوا بالقرب من همذان، وانهزم عسكر الخليفه.

اما اليوم فقد وصل رسول الخليفه الى خوارزم شاه يشكو من طغرل، ويطلب منه مهاجمه بلاده، ومعه منشور باقطاعه البلاد. فسار خوارزم شاه من نيسابور الى الرى، فتلقاه قتلغ اينانج، وانضم اليه وسارا معا. فالتقوا بطغرل بالقرب من الرى فدارت الدائره على طغرل وقتل فى المعركه، فارسل خوارزم شاه راسه الى بغداد.

وسار خوارزم شاه الى همذان وضم تلك المناطق الى مملكته، وسلمها الى قتلغ اينانج، واقطع كثيرا منها لمماليكه وعاد الى خوارزم.

صدام المتحالفين

واذا كانت قد تمت سيطره الخوارزميين على ما سيطروا عليه وانتهى امر السلاجقه، واستراح الخليفه العباسى الناصر منهم بمعونه الخوارزميين، فلم يكن لتخفى عليه تطلعات هولاء الى الحلول محل السلاجقه فى بغداد، والعوده بالخلافه الى الخضوع للمسيطرين لذلك كان حذرا من الخوارزميين كل الحذر.

فعندما ارسل الى خوارزم شاه يشكو من طغرل ويطلب منه قصد بلاده واقطعه البلاد وانتهى الامر بقتل طغرل بك كما مر كان الناصر قد ارسل نجده لخوارزم شاه تعينه فى مقاتله طغرل، وبعث اليه بالخلع مع وزيره مويد الدين بن القصاب، فنزل الوزير على فرسخ من همذان.

وراى الوزير نفسه ممثل الخليفه وان خوارزم شاه مهما كان شانه يظل تابعا من اتباع الخليفه. لذلك رفض طلب خوارزم شاه بان يحضر اليه، واجابه: ينبغى ان تحضر انت وتلبس الخلعه فى خيمتى.

وترددت الرسل بينهما فى ذلك، واستراب كل واحد منهما بالاخر.

لذلك صمم خوارزم شاه على قصد الوزير مويد الدين ليعتقله وسار اليه، ولكن الوزير اسرع فى الابتعاد عنه واللجوء الى الجبال والاحتماء بها، فرجع خوارزم شاه الى همذان.

وهكذا فان الصدام بين الخوارزميين والناصر قد وقع منذ اليوم الاول الذى انتصرا به معا على السلاجقه. ثم اخذ الناصر سنه 591 يتوسع فى سيطرته فارسل نائب الوزاره مويد الدين محمد بن على المعروف بابن القصاب الى خوزستان فملك مدينه تستر وغيرها من البلاد، وسيطر على القلاع والحصون. ثم اتجه من تستر الى ميسان.

وهنا برز من جديد قتلغ اينانج بن البهلوان هذا الذى كان لا يستقر على ولاء بل يتقلب حسب الاهواء، ومرت بنا احواله من قبل، ونراه هنا مقبلا على الوزير ابن القصاب فاكرمه الوزير، وكان سبب قدومه انه كان قد انقلب على خوارزم شاه وجرت بين جيشيهما معركه عند زنجان انهزم فيها قتلغ اينانج وعسكره، فالتجا هذا الى وزير الخليفه فاعطاه الوزير الخيل والخيام وكل ما يحتاج اليه واتجها الى كرمنشاه.

ثم تركاها الى همذان، وكان فيها اولاد خوارزم شاه مع عساكرهم، فلما دنا عسكر الخليفه منها جلا عنها الخوارزميون وتوجهوا الى الرى.

وبعد استيلاء الوزير على همذان رحل عنها وخلفه فيها قتلغ اينانج، فاستولى الوزير على كل ما مر به من بلاد منها: خرقان ومزدغان وساوه وآوه، ومضى الى الرى، فجلا عنها الخوارزميون الى (خوار الرى) فسير الوزير خلفهم عسكرا يطاردهم، فتركوها الى دامغان وبسطام وجرجان، فعاد عسكر الخليفه الى الرى واقاموا بها.

وعاد قتلغ اينانج الى طبيعته، فلما راى رحيل الخوارزميين طمع بالتغلب على الوزير فدخل الرى محاربا، ولكن الوزير سارع وحصره فيها فاضطر قتلغ ايناج الى مفارقتها فدخلها فكانت عرضه للنهب.

ومضى قتلغ اينانج ومن معه من الامراء الى مدينه آوه فحال بينهم وبينها عامل الوزير فتركوها والوزير يطاردهم نحو همذان، ثم التقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم قتلغ اينانج ونجا بنفسه، وتقدم الوزير الى همذان ونزل بظاهرها فاقام نحو ثلاثه اشهر. فوصله رسول خوارزم شاه منكرا اخذه البلاد ويطلب اعادتها، فاعرض الوزير عن ذلك، فسار خوارزم شاه مجدا الى همذان.

وكان الوزير قد توفى، فالتقى خوارزم شاه بعسكر الخليفه فانهزم عسكر الخليفه وملك خوارزم شاه همذان، فكان اول ما فعله ان نبش قبر الوزير وقطع راسه وارسله الى خوارزم واظهر انه قتله فى المعركه. ثم عاد الى خراسان.

وارسل الخليفه الناصر جيشا الى اصفهان، وكان فيها عسكر لخوارزم شاه مع ولده، وكان اهل اصفهان يكرهونهم، فنزل عسكر الخليفه بظاهر البلد، فترك الخوارزميون البلد عائدين الى خراسان، فدخله عسكر الخليفه.

عود الى الخطا

سنه 594هـ جاهر خوارزم شاه تكش بالحلول محل السلاجقه فى بغداد بان يكون سلطانا يخطب باسمه على منابرها، وذلك بعد ان سيطر على الرى وهمذان واصفهان وما بينها من بلاد ثم عاد الى خوارزم، فطلب الخليفه الناصر الى غياث الدين ملك الغور وغزنه (افغانستان اليوم) ان يهاجم خوارزم شاه فى بلاده لاشغاله عن التوجه الى بغداد، فبادر غياث الدين الى مراسله خوارزم شاه مونبا متوعدا مهددا بغزوه فى عقر داره والاستيلاء على بلاده.

فالتجا خوارزم شاه الى الخطا منذرا لهم بان غياث الدين اذا انتصر عليه فسيستولى بعد ذلك على بلخ ويتجه اليهم فى بلادهم فلا يستطيعون مدافعته ورده عن بلاد ما وراء النهر.

فاقتنع ملك الخطا بهذا القول وارسل جيشا كثيفا عبر نهر جيحون مفاجئا غياث الدين الذى كان مريضا بالنقرس، وكان اخوه شهاب الدين قد سار بالعساكر الغوريه الى الهند فلم يكن لغياث الدين المريض من القوه العسكريه ما يعتد به، وواصل الخطا زحفهم فى بلاد الغور فاستولوا على مناطق فيها وقتلوا واسروا ونهبوا وسبوا كثيرا لا يحصى.

فالتجا الناس الى غياث الدين مستنجدين فلم يكن لديه من الجند ما يمكن ان يقاتل به، واشتد الحال على المسلمين، فتحرك احد الامراء الغوريين الامير حروش وكاتب غيره من الامراء فاجتمعوا جميعا واتجهوا الى الخطا فبيتوهم ليلا مفاجئين لهم واكثروا القتل فيهم ولم يكن لهم سبيل الى الفرار، فالغوريون وراءهم ونهر جيحون امامهم فعظم القتل فيهم.

ولكنهم عادوا فى الصباح فتجمعوا او ثبتوا وثبت المسلمون فدارت الدائره على الخطا فمن ثبت منهم قتل ومن القى نفسه فى الماء غرق.

كانت الصدمه مروعه لملك الخطا واعتبر خوارزم شاه مسوولا عما جرى لجنده فارسل اليه يطالبه عن كل قتيل بعشره آلاف دينار، وكان عدد القتلى اثنى عشر الف قتيل.

فعاد خوارزم شاه الى غياث الدين يستعطفه، فرد عليه غياث الدين بلزوم طاعه الخليفه. ومن جهه ثانيه فقد رد على ملك الخطا بانك فى الحقيقه لم ترسل جيشك مناصره لى وانما ارسلته للفتح ودخول بلخ، ولست انا الذى امرت الجيش بعبور النهر لاكون مسوولا عن هزيمته. وانا الان فى صلح وحسن حال مع الغوريين وطاعه لهم.

فاغضب هذا الجواب ملك الخطا وصمم على قتال خوارزم شاه وارسل جيشا للاستيلاء على خوارزم فحصرها الجيش فكانت تدور مناوشات بينه وبين من يخرجهم خوارزم شاه لقتاله، وتطوع كثير من المسلمين لنصره خوارزم شاه فاستطاع رد جيش الخطا عن خوارزم، ولم يكتف بذلك بل سار وراءهم الى بخارى فحصرها فقاتله اهلها المسلمون مع الخطا وامتنعوا عليه، ولكنه تغلب على بخارى فلم يسى‏ء معامله اهلها وتجاوز عما فعلوه فى قتاله.

وفى سنه 596 توفى خوارزم شاه تكش بن الب ارسلان فى بلده (شهرستانه) بين نيسابور وخوارزم وكان فى طريقه من خوارزم الى خراسان، فتولى بعده ابنه قطب الدين محمد الذى لم يلبث ان ترك لقبه (قطب الدين) واتخذ لقب ابيه (علاء الدين).

وبعد صراعات طويله مع الغوريين والخطا وغيرهم استقر ملكه واتسع. وكان الخطا قد تمكنوا من تركستان وما وراء النهر وطالت ايامهم بها وثقلت وطاتهم على اهلها ما حمل سلطان بخارى وسمرقند سنه 604 على مراسله خوارزم شاه فى وجوب التحالف للتخلص من الخطا وشدتهم على المسلمين، ووعده بان يذكر اسمه فى الخطبه وعلى النقود، وان يحمل اليه ما يحمل اليهم.

فلم يطمئن خوارزم شاه الى الوفاء بوعود السلطان، فسير اليه السلطان وفدا من البخاريين والسمرقنديين يطمئنه، فعزم على المسير الى الخطا بعد ان دبر امور بلاده واوكلها الى من يحفظها. ومضى بجيشه عابرا نهر جيحون والتقى بسلطان سمرقند فثبتا حلفهما.

فحشد له الخطا جيشا كبيرا سنه 606 فالتقى الجيشان فى حروب طاحنه انتهت بهزيمه الخطا هزيمه منكره قتل فيها منهم واسر العدد الكثير. ومضى خوارزم شاه متوغلا فى بلاد ما وراء النهر يفتحها مدينه مدينه ومنطقه منطقه، وعين فيها نوابا له وعاد الى خوارزم ومعه سلطان سمرقند، فزوجه خوارزم شاه ابنته ورده الى سمرقند، ومعه ممثل له وهو ما اصطلح على تسميته (شحنه) ((152)).

وظل الامر هادئا قارا حوالى سنه، ويبدو جليا ان الخوارزميين خلال هذه السنه قد اساءوا السيره فى سمرقند وتصرفوا تصرف الساده الحاكمين، وعاملوا السمرقنديين معامله اغضبت صاحب سمرقند، ما عبر عنه ابن الاثير بقوله((153)): (راى من سوء سيره الخوارزميين وقبح معاملتهم ما ندم معه على مفارقه الخطا) اه ولا شك انه قد ناله هو نفسه الشى‏ء الكثير من سوء السيره وقبح المعامله، ويتراءى لنا ان (الشحنه) الذى ارسله خوارزم شاه الى سمرقند ممثلا سلطته فيها قد تصرف تصرف السيد المطلق متجاوزا صاحب سمرقند الذى يعتبر نفسه صاحب الكلمه العليا فيها مما احنق السيد السمرقندى رب السلطه الشرعيه الحاكمه.

لذلك راينا ابن الاثير يقول (انه على مفارقه الخطا...).

وندمه هذا لم يبق مجرد ندم نفسى مكتوم، بل تحول الى فعل عنيف بلغ الغايه فى نقمته وشراسته وفظاعته! فاول ما فعله انه ارسل الى ملك الخطا يدعوه الى سمرقند ليسلمها اليه ويعود الى طاعته((154)) فهو بهذا يتنازل عن استقلال بلاده ويسلمها الى الاجنبى!..

ونحن ندرك انه من اجل ان يصل الامر بصاحب سمرقند الى هذا الحد، يجب ان تكون افعال الخوارزميين فى سمرقند قد وصلت الى شرحد!.

ومع ذلك فاننا لا نستطيع ان نستسيغ تسليم سمرقند الى الخطا.

لقد كان الداعى لصاحب سمرقند الى طلب تدخل خوارزم شاه هو النقمه على ما اصاب المسلمين فيما وراء النهر وغيره من طغيان الخطا، والغيره على المسلمين هى التى دفعت صاحب سمرقند الى الاستنجاد بخوارزم شاه على الخطا.

وابن الاثير((155)) يصف الوضع بهذه الجمل: (... فاتفق ان سلطان سمرقند وبخارى، ويلقب بخان خانان، يعنى سلطان السلاطين، وهو من اولاد الخانيه، عريق النسب فى الاسلام والملك، انف وضجر من تحكم الكفار على المسلمين، فارسل الى خوارزم شاه يقول له: ان اللّه عز وجل قد اوجب عليك بما اعطاك من سعه الملك، وكثره الجنود ان تستنقذ المسلمين وبلادهم من ايدى الكفار، وتخلصهم مما يجرى عليهم من التحكم فى الاموال والابشار، ونحن نتفق معك على محاربه الخطا ونحمل اليك ما نحمله اليهم. ونذكر اسمك فى الخطبه وعلى السكه).

ونحن لنا ان نستنتج من هذا القول:

1- ان صاحب سمرقند مسلم عريق فى الاسلام، سليل مسلمين عريقين كذلك فى الاسلام.

2- بالرغم من قول ابن الاثير من انه انف وضجر من تحكم الكفار على المسلمين، فاننا نستنتج مما جاء فى آخر كلام ابن الاثير ان هذا الضجر كان من تحكم هولاء به هو نفسه اذ كان خاضعا لسيطرتهم.

وهذا لا يمنع من انفه وضجره من تحكم الخطا بعموم المسلمين.

3- كان يحسب ان ارضاء خوارزم يكفى فيه ان يحمل اليه المال وان يخطب باسمه فى بلاده ويذكره على السكه، وبذلك يتخلص من نفوذ الخطا المتحكم به وبامواله ويعود مستقلا كامل الاستقلال. ولكن آماله خابت فبعد ان كانت سيطره الخطا على بلاده سيطره غير مباشره عادت سيطره الخوارزميين سيطره مباشره. ولكى يستدعى هذا (الخان خانان) المسلم العريق فى الاسلام سليل المسلمين العريقين فى الاسلام من اجل ان يستدعى الخطا الكفار لتسلم بلاده الاسلاميه، يجب ان تكون سيره الخوارزميين فى بلاده قد بلغت الغايه فى الظلم والتعسف والقهر والاذلال.

ولم يكتف صاحب سمرقند باستدعاء الخطا لتسليمهم البلاد، بل عمد الى الانتقام من الخوارزميين الموجودين فى سمرقند انتقاما بلغ اقصى الوحشيه.

وكان قد سكن سمرقند الكثيرون بعد التحالف الخوارزمى السمرقندى، كما كان يسكنها غيرهم من قبل، فامر صاحب سمرقند بقتل الجميع قتلا عاما، اما من كانوا منهم منتسبين شخصيا الى خوارزم شاه فكان يقطع الواحد منهم قطعتين ويعلقهم فى الاسواق (كما يعلق القصاب اللحم).

وبلغ حقده حتى الى زوجته الخوارزميه ابنه خوارزم شاه، فمضى اليها ليقتلها، فاغلقت الابواب، ووقفت بجواريها تمنعه، وارسلت اليه تقول له: انا امراه وقتل مثلى قبيح، ولم يكن منى اليك ما استوجب به هذا منك، ولعل تركى احمد عاقبه، فاتق اللّه فى..

فتركها ووكل بها من يمنعها من التحرك بحريه.

ووصلت اخبار ما جرى الى خوارزم شاه فاقامته ولم تقعده وكان رد فعله يكاد يكون افظع من فعل صاحب سمرقند، فاذا كان هذا قد قتل الخوارزميين وحدهم، فان خوارزم شاه صمم على قتل كل من فى خوارزم من الغرباء!.. ولكن امه حالت بينه وبين ذلك، وقالت له: ان هذا البلد قد اتاه الناس من اقطار الارض، ولم يرض كلهم بما كان من هذا الرجل. فامر بقتل اهل سمرقند فنهته امه فانتهى.

وانصرف الى اعداد جيش لارساله الى ما وراء النهر، فكلما اعد جماعه سيرها فعبرت جيحون، وتتابع التسيير حتى عبرت جموع غفيره، ثم عبر هو وراءهم زاحفا بهم الى سمرقند، فلما وصلها بعث الى صاحبها قائلا: قد فعلت ما لم يفعله مسلم، واستحللت من دماء المسلمين ما لا يفعله عاقل لا مسلم ولا كافر. وقد عفا اللّه عما سلف فاخرج من البلاد وامض حيث شئت..ولكن صاحب سمرقند رفض ذلك وبعث اليه: لا اخرج وافعل ما بدا لك.

ويبدو لى ان رفضه هذا مع علمه بكثافه القوى التى يقودها خوارزم شاه كان اعتمادا على قوى الخطا التى كان يامل ان تاتى لانجاده بعد ان استنهض ملكها لهذه المهمه، وانه كان يحسب انه يستطيع بقواه الذاتيه مصاوله خوارزم شاه الى ان تصل قوى الخطا.

ولكن خوارزم شاه عاجل سمرقند وامر بالزحف اليها. وهنا بدرت من بعض اصحابه بادره انسانيه كريمه استجاب لها خوارزم شاه. فقد كان التجار الغرباء يسكنون دربا خاصا بهم، فطلب اليه صاحبه ان يامر بعض الامراء اذا فتحوا البلد ان يقصدوا الدرب الذى يقيم فيه هولاء التجار فيمنع من نهبه والاساءه اليهم، فانهم غرباء وكلهم كارهون لهذا الفعل، فامر بعض الامراء بذلك.

ونادى بالهجوم العام فكان ان نصبت السلالم على السور وصعد عليها المقاتلون وبادروا سمرقند من كل ناحيه، فلم يكن اسرع من ان اقتحموها، فابيحت ثلاثه ايام نهبا وقتلا، ويقول ابن الاثير((156)) انه يقال انهم قتلوا مئتى الف انسان.وسلم ذلك الدرب باهله واموالهم.

وهنا نتساءل عن شيئين اثنين: عن صاحب سمرقند اين هو فى هذا المعمعان الدموى، ثم عن الخطا الذين كان اعتماد صاحب سمرقند عليهم؟.. اما صاحب سمرقند الذى هو وحده المسوول عن كل ما جرى، منذ استدعائه خوارزم شاه، الى رفضه طلب خوارزم شاه الرحيل عن البلاد.

اما صاحب سمرقند وصاحب هذه المسووليه الكبرى فاننا نفتش عليه فى قياده معركه الدفاع عن عاصمته سمرقند فلا نجده، ونفتش عليه فى كل ما جرى بعد رفضه الرحيل، ورفضه ان يكون ثمن رحيله سلامه الناس والبلاد، ورده على خوارزم شاه: لا اخرج وافعل ما بدا لك!..

ومن يرد هذا الرد ويقول هذا القول كنا سنجده حيث نفتش عليه على راس قياده الجموع المدافعه عن سمرقند، لان خوارزم شاه قد فعل ما بدا له وهو الهجوم على سمرقند، فى مقابل رفضه هو الخروج وترك البلاد!.

لم يكن صاحب هذا الرد الاستفزازى العنيف لا على راس القياده، ولا حتى على ذيلها!..

ان اسمه يختفى نهائيا... لم يكن فى القياده، ولم يكن فى القتلى ولا الجرحى ولا الاسرى!..

يروى ابن الاثير قائلا فى متابعه الاحداث: ثم امر (خوارزم شاه) بالكف عن النهب والقتل، ثم زحف الى القلعه فراى صاحبها ما ملا قلبه هيبه وخوفا فارسل بطلب الامان، فقال: لا امان لك عندى، فزحفوا عليها فملكوها واسروا صاحبها واحضروه عند خوارزم شاه، فقبل الارض وطلب العفو، فلم يعف عنه وامر بقتله، فقتل صبرا، وقتل معه جماعه من اقاربه، ولم يترك احدا ممن ينسب الى الخانيه.

ورتب فيها وفى سائر البلاد نوابه، ولم يبق لاحد معه فى البلاد حكم.

من يقصد ابن الاثير بصاحب القلعه؟ انه لم يشر اليه من قبل ابدا، مع ان ذكره هنا بالشكل الذى ذكره يوهم بانه معروف من القارى‏ء، وما من احد معروف من القارى‏ء فى هذه الاحداث الا صاحب سمرقند، فهل يقصد ابن الاثير بصاحب القلعه صاحب سمرقند، وسماه هنا صاحب القلعه لالتجائه الى القلعه بعد سقوط المدينه؟.

قد يكون هذا مستبعدا... على انه قد يقربه قول ابن الاثير فى آخر الكلام: وقتل معه جماعه من اقاربه، ولم يترك احدا ينسب الى الخانيه.

فالمفروض ان من ينسبون الى الخانيه هم اقرباء (خان خانان) صاحب سمرقند..

ان كلام ابن الاثير المتشابك الموجز تركنا نجهل حقيقه مصير مثير هذه الحرب الفظيعه بما جرى فيها. هذا عن صاحب سمرقند فماذا عن الخطا الذين استنجد بهم صاحب سمرقند وكان اعتماده عليهم فى رده الحاسم على عرض خوارزم شاه؟ لا يذكر عنهم ابن الاثير خلال حديثه عن المعركه شيئا، ولكنه يعود فيقول وهو يتحدث عما بعد المعركه (لما فعل خوارزم شاه بالخطا ما ذكرناه مضى من سلم منهم الى ملكهم فانه لم يحضر الحرب فاجتمعوا عنده).

فى حين انه لم يذكر شيئا عما فعله خوارزم شاه بالخطا، ولم يشر ادنى اشاره الى جماعه الخطا فى الدفاع عن سمرقند، وما ذكره عن المذابح فيها، كانت عبارته صريحه، بان هذه المذابح نالت السمرقنديين وحدهم، فهو يقول عن خوارزم شاه: (واذن لعسكره بالنهب وقتل من يجدونه من اهل سمرقند، فنهب البلد وقتل اهله ثلاثه ايام فيقال انهم قتلوا منهم مئتى الف انسان).

الذى يلوح لنا ان ملك الخطا اكتفى بان ارسل الى سمرقند نجده ساهمت بالدفاع القصير الامد عن سمرقند فاصيبت بما اصيب به اهل سمرقند.

التتر والمغول

مورخو العرب القدامى يعتبرون التتر والمغول اسمين لمسمى واحد، فهم يعبرون مثلا عن جنكيز خان وقومه بالمغول تاره وبالتتر تاره اخرى.

وابن الاثير يقول عن احداث خوارزم شاه والخطا والتتر والمغول: ان التتر بقياده ملكهم كشلى كانوا اعداء الخطا. ثم لا يلبث ان يقول ما نصه: (ثم اتفق خروج التتر الاخر الذين خربوا الدنيا وملكهم جنكيز خان النهرجى على كشلى خان التترى الاول).

فهم كلهم عنده تتر، وللتمييز بينهم يصنفهم: بالاول والاخر.

وفيما نرى: ان التتر فى الاصل فرع من المغول خرجوا منهم، ثم انفصلوا عنهم مع الزمن انفصالا تاما جعلهم شعبا مستقلا لا تربطه بالمغول الا رابطه الاصل الواحد البعيد، وان ظل يجمعه به تشابه الملامح وتقارب بعض الخصائص. وبذلك يكون كشلى ملك التتر. ولا حاجه لابن الاثير لان يعبر عنه بقوله: (التتر الاول)، ويعبر عن قوم جنكيز خان: (بالتتر الاخر). فكما ان كشلى ملك التتر، فان جنكيز خان ملك المغول.

التتر يتحركون

التتر الذين كان قد نزح فريق كبير منهم الى تركستان واستقروا فيها كان بينهم وبين الخطا عداء متاصل وحروب متتابعه، فانتهزوا فرصه التقاتل بين خوارزم شاه والخطا، والهزيمه التى منى بها الخطا فى سمرقند، فمشى ملكهم كشلى للانقضاض على الخطا فى حاله ضعف.

وعرف ملك الخطا عجزه عن صد التتر المتدفقين عليه كالسيول، فاغض عما بينه وبين خوارزم شاه من الشحناء، وعما انزله خوارزم شاه بجيشه، فارسل اليه يعرض التحالف معه على التتر الذين يشكلون خطرا عليهما معا، قائلا: (اما ما كان منك من اخذ بلادنا وقتل رجالنا فعفونا عنه. وقد اتى من هذا العدو من لا قبل لنا به، وانهم ان انتصروا علينا وملكونا، فلا دافع لهم عنك. والمصلحه ان تسير الينا بعساكرك وتنصرنا على قتالهم، ونحن نحلف لك اذا ظفرنا بهم لا نتعرض الى ما اخذت من بلاد ونقنع بما فى ايدينا)((157)).

واذا كان ملك الخطا قد راى نفسه بحاجه الى خوارزم شاه فى الخطر المحدق به مما ادى به الى ان يطلب نصرته فى حال هى فى حقيقتها توسل، فان كشلى ملك التتر لم يكن بغافل عما يمكن ان يتاثر به موقف احد الفريقين فى حاله انضمام خوارزم شاه الى الفريق الاخر، لذلك سارع هو الاخر الى خطب ود خوارزم شاه طالبا اليه التحالف معه على الخطا قائلا: (ان هولاء الخطا اعداوك واعداء آبائك واعداونا، فساعدنا عليهم، ونحلف لك اذا انتصرنا عليهم لا نقرب بلادك، ونقنع بالمواضع التى ينزلونها)((158)).

هكذا وجد خوارزم شاه نفسه موضع تجاذب عدوين شرسين، يسعى كل منهما الى كسب رضاه واستعطافه، فراى ان يرضيهما ويمنيهما معا، فاجاب كلا منهما: اننى معك ومعاضدك على خصمك!..

ومضى بجيشه فنزل قريبا من مكان تواجههما، بحيث يظن كل فريق انه جاء لمناصرته، ووقعت المعركه فكانت هزيمه الخطا هزيمه كاسحه، فاسرع خوارزم شاه عند ذلك اليهم وجعل يقتل فيهم وياسر وينهب، قاطعا عليهم بجيشه الكبير طريق الهروب فاوقع فيهم مذبحه مروعه بحيث لم يكد ينجو منهم احد الا عدد قليل مضوا مع ملكهم الى بعض الجبال المنيعه، كما انضم الى جيش خوارزم شاه منهم جماعه...

وراح خوارزم شاه يمنن على كشلى بما فعل، قائلا انه قدم لمساعدته ولولاه لما انتصر على الخطا، فلم ينكر كشلى عليه ذلك واعترف به. ولكن خوارزم شاه عاد بعد حين يطلب ثمن ما فعل، وكان ثمنا باهظا، اذ طلب من كشلى ان يتقاسما بلاد الخطا.

فرد كشلى عليه رد عنيفا قائلا: ليس لك عندى الا السيف، وانت وقومك لستم امنع من الخطا، فان سكت، والا كان مصيركم مصيرهم.

واتبع قوله بالعمل وتقدم بجيشه حتى كان قريبا منهم، فراغ منه خوارزم شاه لانه كان يعلم انه لا يستطيع لقاءه بجيشه وجها لوجه، فراح يحاربه حرب العصابات، وكذلك ارغم اهل الشاش وفرغانه وغيرها من مثيلاتها وما جاورها ان ينزحوا عنها ويلتحقوا بالبلاد الاسلاميه الاخرى، وكانت بلادا زاهره زاهيه فراح يخربها لئلا يستولى عليها التتر، حتى عمها الخراب.

وشاءت الاقدار ان تكون فى صف خوارزم شاه، فاذا بالمغول يتجهون الى غزو بلاد التتر، فاصبح النصر على الخوارزميين لا يعنى لكشلى شيئا، فاتجه بقوته لمجابهه المغول، وعاد خوارزم شاه الى الاستقرار.

ثم يمضى حوالى سبع سنوات لا يبرز لنا فيها شى‏ء من اخبار خوارزم شاه حتى تكون سنه 611هـ فاذا باخباره تتابع ممتدا سلطانه امتدادا واسعا، مسيرا جيشه لفتح كرمان((159)) ثم مكران ((160)) واصلا سلطانه الى السند من حدود كابل.

وخطب له فى هرمز وقلهات((161)) وبعض عمان.

وفى سنه 612 يكون قد استولى على خراسان كلها وملك باميان. وفى سنه 614 ملك بلاد الجبل((162))، ويصف ابن الاثير جيشه فى تلك الفتره قائلا: (فسار مجدا فى عساكر تطبق الارض)، وبعد ما ملكه: ساوه، وقزوين، وزنجان، وابهر، وهمذان، واصفهان، وقم، وقاشان. ويقول: واستوعب ملك جميع البلاد، واستقرت القاعده بينه وبين اوزبك بن البهلوان صاحب آذربيجان واران بان يخطب له اوزبك فى بلاده ويدخل فى طاعته.

هذه السطوه التى بلغها خوارزم شاه، وهذا الملك العريض الذى صار اليه، اطمعه بان يسيطر على الخلافه فى بغداد وان يحل فيها محل السلاجقه ومن قبلهم البويهيين، وان يخطب له فيها ويلقب بالسلطان. ولكن خلافه بغداد كانت معرضه عنه محاذره منه لا تريد لاحد ان يعود فيحد من سلطتها ويجعلها رهينه قصرها. وكما يقول ابن الاثير: (كان لا يجد من ديوان الخلافه قبولا، وكان سبيله اذا ورد الى بغداد ان يقدم غيره عليه، ولعل فى عسكره مئه مثل الذى يقدم سبيله عليه، فكان اذا سمع ذلك يغضبه).

واذا كان قد استطاع حتى الان ان يكبت غضبه فى نفسه وان لا يجاهد الخلافه بالعداء، فقد راى الان ان يضع لصبره حدا وان يفرض نفسه على الخليفه الناصر بحد السيف.

فاعد جيشا ليسير به الى بغداد فاتحا، وقدم طليعه لهذا الجيش مولفه من خمسه عشر الف فارس يقودها احد كبار امرائه فمضى بها الامير متجها صوب العراق حتى بلغ حلوان على حدود العراق، ثم اتبعها بقطعه اخرى من الجيش واصله سيرها حتى همذان، فلما تجاوزتها فاجاتها العواصف الثلجيه التى يقل مثيلها، فهلك الكثير من الجنود والكثير من الدواب، وقضى على من سلم بنو برجم الاتراك وبنو هكار الاكراد ولم يصل الى خوارزم منهم الا اقل من القليل.

كانت الصدمه شديده على خوارزم شاه فهدت عزيمته، وصمم على الرجوع الى خراسان خوفا من التتر، فقد كان يحسب انه يستطيع انهاء امر السيطره على بغداد بسرعه، ثم يتفرغ للتتر فلما حل بجيشه ما حل يئس وقرر الغاء مشروع احتلال بغداد، وعاد الى خراسان، ومن مرو توجه الى ما وراء النهر، فلما وصل الى نيسابور فى يوم جمعه جلس عند المنبر وامر الخطيب بان لا يخطب للخليفه الناصر. وكذلك فعل ببلخ وبخارى وسرخس.

ومن سنه 614 حتى سنه 616 تختفى اخبار خوارزم شاه حتى كانت هذه السنه، وهى السنه التى زحف بها المغول بقياده جنكيزخان على العالم الاسلامى قاصدين اول ما قصدوا خوارزم شاه الذى كان من امره معهم ما ليس هنا مكان تفصيله، وقد كنا فصلناه فى كتابنا: (المغول بين الوثنيه والنصرانيه والاسلام) وطوى امر خوارزم شاه..

دوله بنى عمار فى طرابلس

بنو عمار اسره تعود اصولها الى قبيله كتامه المغربيه الافريقيه((163)). وعند قيام الدوله الفاطميه كان شيوخ هذه القبيله ممن لهم الصداره فى موسساتها الاداريه والعسكريه، نذكر منهم الحسن بن عمار الذى كان من ابرز رجال الخليفه الفاطمى العزيز باللّه.

ثم كان بنو عمار قضاه طرابلس، ثم اصبحوا امراءها فمنهم امين الدوله ابو طالب الحسن بن عمار، المتوفى سنه 464هـ.، ثم جلال الملك ابو الحسن على بن عمار المتوفى سنه 492 هـ.، ثم فخر الملك عمار بن محمد بن عمار المتوفى حوالى سنه 514 هـ.، وابو المناقب شمس الملوك ابو الفرج محمد بن عمار المتوفى سنه 501 هـ..

كان استقلال بنى عمار بطرابلس سنه 462هـ. (1070م). وكانت امارتهم تمتد حتى تخوم بيروت من جهه وحتى ارباض انطاكيه من جهه ثانيه. وتمتد من نواحى جبله فى سوريا الى قلعه صافيتا وحصن الاكراد والبقيعه. وفى لبنان حتى الهرمل والضنيه وجبه بشرى وبلاد العاقوره شرقى بلاد جبيل.

وكانت جونيه من اعمال طرابلس فى عصر الخطيب البغدادى، المتوفى سنه 463 هـ. والذى زار طرابلس سنه 362هـ.

تاسيس الدوله وازدهارها

وقد نمت امارتهم نموا عظيما حتى اصبحت طرابلس، فى القرن الحادى عشر، اعظم مدينه على طول الساحل الشرقى للبحر المتوسط، وكانت اساطيلها تنتقل فى انحاء هذا البحر، فهى المنفذ البحرى الرئيسى لبلاد الشام، عن طريقه يتم التصدير والاستيراد، وتنقل منتجات الشام والمشرق الى اوروبا، واليه تفد من الخارج لتحمل منه الى سائر بلاد الشام. وكان بنو عمار، وهم مثقلون برد الهجمات الصليبيه عليهم من البر والبحر يسيرون اسطولهم التجارى الى ثغور البحر المتوسط((164)). وظلت طرابلس، ومعها دمشق، تمونان اوروبا حتى اواخر العصور الوسط‏ى بالسكر بجميع اشكاله المعروفه آنذاك((165)) وكان التاجر الاوروبى القادم من البندقيه او جنوى يعود الى بلاده وهو يحمل سلال السكر واكياسه من طرابلس((166)). وجمع بنو عمار زراعه قصب السكر الذى كان ينمو بغزاره على ضفاف نهر (ابو على) وفى بساتين طرابلس. واقاموا المصانع داخل المدينه لعصره وتجفيفه وتصنيعه، بشكل رقائق او ناعم او بشكل حلوى، وكان من حسن سياسه بنى عمار وصلاح حكمهم ان اثرت المدينه وكانت على احسن حال اقتصادى حتى خلال الحصار الصليبى لها برا وبحرا اذ ظلت صامده تقاتلهم عشر سنين مستعينه بثروتها الداخليه وحسن اداره اقتصادها.

وعندما اوفد القائد الصليبى ريموند خلال الحصار، وفدا لمفاوضه فخر الملك، ومر الوفد باسواق طرابلس ادهشه ما راى من تنوع البضائع ورواج التجاره وعظيم الثروه والرخاء الذى تنعم به المدينه((167)). وقد دفع فخر الملك اثناء الحصار الصليبى الى جميع المدافعين عن المدينه من الاجناد برا وبحرا رواتب سته اشهر مقدما، كما كان اثرياء المدينه يشاركون باموالهم فى مقاومه الحصار الاقتصادى الذى فرضه الصليبيون على المدينه((168)).

وكان فخر الملك عمار بن عمار يلقب بملك الساحل.

واذا كنا نعلم ان الحسن بن عمار هو الذى ارسل، فى عهد العزيز باللّه، ابا تميم سليمان بن جعفر بن فلاح الكتامى الى دمشق، وان ابا تميم هذا ارسل اخاه على بن جعفر بن فلاح واليا على طرابلس سنه 386هـ.، اذا كنا نعلم ذلك، فاننا لا نعلم شيئا عن عوامل وصول بنى عمار الى طرابلس: قضاه ثم حكاما، فليس فى المصادر التاريخيه التى فى ايدينا ما يدل على بدء قيامهم فيها. فبعد وفاه جد الاسره الحسن بن عمار سنه 386هـ.، لا نرى امامنا شيئا من اخبارها، ويمتد ذلك حوالى ثلاثه ارباع القرن حتى يبرز لنا اسم ابى الكتائب عمار صاحب ابى الفتح الكراجكى((169))، المتوفى سنه 449هـ والذى الف له الكراجكى كتاب (عده البصير فى حج يوم الغدير).

اما اول من استقل بطرابلس من بنى عمار فهو ابو طالب الحسن بن عمار المشهور بامين الدوله، وقد ظل يعد نفسه تابعا للدوله الفاطميه حتى سنه 462هـ.(1070م)، حيث استقل بطرابلس فقامت بذلك اماره بنى عمار.

ومات امين الدوله سنه 464هـ. (1072م). فتولى بعده ابن اخيه على بن محمد بن عمار المعروف بجلال الدوله الذى استمر حكمه حتى سنه 492هـ. وتولى بعده اخوه عمار بن محمد بن عمار ذو السعدين المعروف بفخر الملك وبقى حتى سنه 501هـ.، حيث ذهب الى بغداد مستنجدا بالسلاجقه على الصليبيين. وفى سنه 502هـ. (1109م). احتل الصليبيون طرابلس بعد نضال طويل.

منقبه موسس الاماره، امين الدوله الحسن بن عمار

كان امين الدوله كبير العقل سديد الراى، عالما، فقيها، كاتبا مجيدا، الف كثيرا من الكتب النفيسه. اما منقبته الكبرى فهى تاسيسه (دار العلم) التى جمع فيها اول الامر اكثر من مئه الف كتاب. وكان يبعث، فى التفتيش عن الكتب، الى جميع الاقطار ويبذل فى شرائها باهظ الاثمان، ويجلب لها الكتب النادره.

واستمر الامر بعده فى عهد خلفائه، هذا فضلا عن عنايته بالعلم وطلابه فيها وتشجيعهم على الوصول الى طرابلس لمتابعه الدراسه.

والى جانب دار العلم قامت (دار الحكمه) التى قدم اليها العدد الكثير من طلاب العلم، حتى لقد اصبحت طرابلس كعبه علم ومركزا من اعظم المراكز العلميه فى العصر الوسيط يفد اليها طلاب العلوم والفنون من فقه وحديث ولغه وادب وفلسفه وهندسه وطب.

وعدا طلاب العلم فقد كان يفد اليها العلماء لمراجعه المولفات لاشهر المولفين فى العلوم والمعارف. كما كانت تعقد حلقات علميه لكبار العلماء ينضم اليها العلماء الوافدون الى طرابلس للاستزاده من العلم. وقد جدد (دار العلم) التى انشاها امين الدوله ابن اخيه وخليفته جلال الدوله سنه 472هـ. (1082م)، اذ كانت الظروف مواتيه لجلال الدوله اكثر مما كانت مواتيه لعمه وسلفه امين الدوله.

ففى عهد الاول كانت الاماره فى دور التاسيس، كما ان عمر حكمه كان قصيرا. اما جلال الدوله فقد استمر فى الحكم زهاء ثمانيه وعشرين عاما اتسعت فيها اطراف الاماره وعظم شانها ونشطت تجارتها.

دار العلم فى طرابلس

وقد عنى جلال الدوله بدار العلم عنايه فائقه، وجعل لطلاب العلم فيها رواتب، وفرق على اهلها ذهبا، وجعل لها نظارا يتولون القيام بذلك.

وكان شعراء الشام يفدون لمدح امراء بنى عمار ونيل جوائزهم فيلقون الترحيب والتكريم. وكثرت حلقات التدريس وازدحمت المدينه باشهر الاعلام، من ادباء وفقهاء وشعراء ولغويين، من الذين يفدون اليها من كل مكان، وقصدها الناس على اختلاف اجناسهم واديانهم ومذاهبهم كما كان يفد اليها التجار والرحاله وطلبه العلم والعلماء من كل البلاد((170)).

كما ازدهرت فيها ترجمه العلوم والاداب عن اللاتينيه والفارسيه وغيرهما الى اللغه العربيه، ومنها الى اللغات الاخرى، ولدينا شهاده بذلك من المستشرق (دى لاسى اوليرى)، فى كتابه: (علوم اليونان وسبل انتقالها الى العرب)، وساوت فى ذلك كبريات الحواضرالعربيه، فكثر فيها المترجمون والنساخون والكتاب والخطاطون.

ويقول (ستيفن نسيمان) فى كتاب (تاريخ الحروب الصليبيه) ((171)) عن المكتبه: انها اصبحت اروع مكتبه فى العالم.

وعندما سقطت طليطله، فى الاندلس، فى ايدى القشتاليين، سنه 478هـ. (1085م.) يبدو انه هاجر فريق من علمائها الى طرابلس، وكان منهم: احمد بن محمد ابو عبداللّه الطيلطلى، فاحتضنه بنو عمار وجعلوه متوليا لدار العلم. اذ كانوا يختارون للنظر فى امورها كبار رجال العلم، من امثال: الحسين بن بشر بن على بن بشر واسعد بن ابى روح((172)). . . . . . . . . وغيرهما من امثالهما.