وكان فى المكتبه مئه وثمانون ناسخا عملهم الوحيد نسخ الكتب غير الموجود منها نسخ فى المكتبه واضافتها الى الكتب الموجوده فيها. ولم يقتصر الامر على الكتب العربيه، بل ضمت المكتبه الكثير من كتب اليونان والرومان والفرس، وبين الكتب العربيه عدد كبير منها بخطوط مولفيها. ومكتبه كهذه تحتاج الى الانفاق الكثير عليها لما تضمه من عاملين فيها ومشرفين عليها ونساخين وخطاطين ومترجمين ومجلدين ووراقين وباعه يحملون اليها نوادر الكتب مهما غلا ثمنها.اما عدد الكتب التى احتوتها مكتبه بنى عمار فقد تعددت الاقوال فى شانه:

فابن ابى ط‏ى يقول: ان العدد كان ثلاثه ملايين كتاب، ويويد ذلك ابن الفرات. وعلى هذا القول كثيرون من المورخين العرب والمستشرقين منهم: ارنولد وغروهمان وغيبون وشوشترى الذى يقول، فى كتابه (مختصر تاريخ الثقافه الاسلاميه): ان مكتبه طرابلس كانت تحتوى اكبر عدد من الكتب عرف ان مكتبه ما حوته حتى ذلك الزمن، الا وهو ثلاثه ملايين كتاب. والمستشرق الفرنسى كاترمير لم يخالجه شك فى تقدير العدد بثلاثه ملايين كتاب.

ويبدو ان المكتبه بدات، فى عهد منشئها الاول، امين الدوله بمئه الف كتاب، وان العدد ارتفع فى عهد خليفته جلال الملك الى المليون، ثم ارتفع فى عهد فخر الملك الى ثلاثه ملايين.

وكان فى المكتبه، قاعه خاصه للنساخ والخطاطين مزوده بكل ما يحتاجونه من الاوراق والمحابر والاقلام، كما كان فيها قاعات للمطالعين الذين يفدون اليها. وهولاء الوافدون لم يكونوا من ابناء طرابلس فقط، فقد كان العلماء وطلاب العلم يفدون اليها من كل مكان للافاده مما تحويه فى كل فن من فنون العلم. فاكتظت طرابلس بالعلماء والادباء والشعراء والمحدثين والفقهاء وبالطلاب الاخذين عنهم. حتى صارت مدينه طرابلس تسمى دار العلم، قد وردت هذه التسميه فى عده مصادر تاريخيه. وفى ذلك يقول الشاعر شهاب الدين محمود: (وهى ايضا بدار علم تسمى)((173)).

واسهم عدم بعد طرابلس عن دمشق فى ازدهار الثقافه فى طرابلس، اذ كان ينتقل اليها، فى كل عام، زائرون من دمشق ليشاركوها الحياه العلميه ثم يعودوا الى بلدهم.

وعندما حاصر (اتسز الخوارزمى) دمشق سنه 468ه. واعتقل عددا من رجالها وغلت الاسعار وضاق امر الناس، قامت هجره جماعيه لوجوه دمشق الى طرابلس، وممن هاجر الشاعر ابن الخياط صاحب الديوان المطبوع فى دمشق، سنه 1958.

ومن المقرر، عند جميع من كتبوا عن تاريخ الحضاره الاسلاميه ووصولها الى اوروبا، ان من عوامل هذا الوصول كان عامل الاتصالات التجاريه بقوافلها المتنقله بين الشرق والغرب.

وقد كان لطرابلس بنى عمار الاثر الفعال فى ذلك، فاليها كانت تفد القوافل التجاريه البريه من بلاد الشام، ثم ينقلها الى مرافى‏ء اوروبا اسطول بنى عمار التجارى الذى اعدوه احسن اعداد، ناقلا معها جذور الحضاره الاسلاميه العربيه.

وليس كالعلائق التجاريه بين الامم ما يدانى فى التقدم الحضارى.

وقال ناصر خسرو (القرن الخامس الهجرى الحادى عشر الميلادى) عن طرابلس: (وللسلطان بها سفن تسافر الى بلاد الروم وصقليه والمغرب للتجاره).

وقد ذكر المورخ (السلامى)، فى كتابه، ان مدينه طرابلس كانت مملوءه بالعلماء حين دهمها الصليبيون((174))، وان من يتصفح كتب التاريخ والتراجم ليقف على هذه الحقيقه، وسيجد ان طلاب العلم ورجالاته جاءوا الى طرابلس من الاندلس وبلاد المغرب ومصر والحجاز والعراق وبلاد فارس وانحاء بلاد الشام وآسيا الصغرى وغيرها. ونذكر هنا نماذج من اسماء الوافدين اليها، فمنهم الشاعر الشهير (ابن حيوس) وسديد الملك بن منقذ، الامير الشاعر، وابن السراج العالم المولف المقرى‏ء، وابن النقار القاضى الذى درس بطرابلس وتولى الخطابه بجبله ثم تولى كتابه الديوان بدمشق، وله ديوان شعر، وشاعر الشام ابن القيسرانى، الى عشرات من امثال هولاء.

ومن اشهر الوافدين على طرابلس للافاده من (دار العلم) ابو العلاء المعرى. وقد شكك المورخ ابن العديم بذلك وتابعه آخرون. قال ابن العديم: (... وقد ذكر بعض المصنفين ان ابا العلاء المعرى رحل الى دار العلم بطرابلس للنظر فى كتبها، واشتبه عليه ذلك بدار العلم ببغداد. ولم يكن بطرابلس دار علم فى ايام ابى العلاء، وانما جدد دار العلم بها القاضى جلال الملك ابو الحسن على بن احمد بن عمار فى اثنتين واربعمائه.

وكان ابو العلاء قد مات قبل جلال الملك سنه تسع واربعين واربعمائه)((175)).

على ان الدكتور مصطفى جواد قد فند هذا القول قائلا:

ومن الحق ان فى النفس ما فيها من قول ابن العديم: (وانما جدد دار العلم بها القاضى جلال الملك) فالتجديد عند اهل العربيه: اعاده شى‏ء عتيق الى حاله حسنه مستانفه فليس هو بتاسيس ولا بناء. ولو كان هذا العالم الكبير متثبتا فى قوله لقال: (وانما انشا دار العلم) او (انما اسس دار العلم) فهو محجوج مفلوج على دعواه بذكره التجديد دون التاسيس والانشاء، وبذلك تسقط دعوى من انكر دراسه ابى العلاء المعرى بدار علم طرابلس، لان التجديد يدل على ان دار العلم كانت منشاه قبل ذلك فاصابها تلف او حريق استوجب تجديدها.

ثم يذكر الدكتور مصطفى جواد انشاء امين الدوله الحسن بن عمار، المعاصر لابى العلاء المعرى، لدار العلم، ولا يتعارض هو وقول ابن العديم من تجديد جلال الملك لها.

وممن نبغ، من الطرابلسيين، فى عهد بنى عمار، نذكر امثال:

ابن خرسان الاديب الشاعر المتوفى سنه 497هـ.، وابن زريق المهندس العالم الفلكى المتوفى سنه 516هـ.، نذكرهما مثالين لنشير الى تنوع الثقافات التى لم تنحصر فى علوم اللغه وعلوم الدين.

ومن الحلقات العلميه، فى عهد بنى عمار فى طرابلس، حلقه ابى عبداللّه الطليلطلى الذى مر ذكره، وكانت حلقته تخرج الادباء والشعراء واللغويين والنحويين، ومنها تخرج الشاعر الفارس اسامه بن منقذ والشاعر ابن الخياط.

وعدا الحلقات العلميه فقد كانت هناك لقاءات شعبيه تقوم احيانا فى حوانيت صغار الباعه وكبارهم، ومنها لقاءات العطار ابى المفضل ولقاءات المنتزهات والاسواق وينابيع المياه خارج طرابلس، حيث يتطارح الملتقون الاشعار، ونذكر مثالا على ذلك ان احمد بن محمد، ابا عبداللّه المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقى، خرج مع بعض خلانه الى ضفاف غدير فى ظاهر طرابلس فقال ابن الخياط:

اوما ترى هذا الغدير كانه يبدو لعينك منه حلى مناطق مترقرق لعب الشعاع بمائه فارتج يخفق مثل قلب العاشق فاذا نظرت اليه راعك لمعه وعللت طرفك من سراب صادق فقال احد رفاقه:

قد كنت آمل ان اجى‏ء مصليا حتى رايتك سابقا للسابق وسبب مجى‏ء ابن الخياط الى طرابلس يدلك على الشهره التى كانت لبنى عمار فى حمايه الادب والادباء وتشجيعهم، فقد خرج هذا الشاعر من دمشق، فى الحقبه الممتده ما بين سنه 463 و469ه، اذ كانت دمشق تعانى خلالها فتره عصيبه من الفتن والجوع والفاقه، وهو لا يزال فى صباه، فقصد حماه واتصل هناك بالامير ابى الفوارس محمد بن مالك. ثم ذهب الى حلب فالتقى بالشاعر ابن حيوس فشكا له حاله وانشده هذين البيتين يصف الحاله التى وصل اليها:

لم يبق عندى ما يباع بدرهم وكفاك منى منظر عن مخبر الا صبابه ماء وجه صنتها عن ان تباع واين، اين المشترى؟ فقال ابن حيوس: لو قلت: (وانت نعم المشترى). لكان احسن ثم قال: كرمت عندى ونعيت الى نفسى، فان الشام لا يخلو من شاعر مجيد، فانت وارثى، فاقصد بنى عمار بطرابلس، فانهم يحبون هذا الفن. وبحدود سنه 476هـ. جاء ابن الخياط طرابلس وهو ابن 26 سنه. وكان صاحب طرابلس يومها جلال الملك ابو الحسن على بن محمد بن عمار فاتصل به ومدحه، كما مدح فخر الملك وغيره من بنى عمار. كما كان يتردد على دار العلم ويحضر الدروس فيها، وتدفع له الجرايات التى كان بنو عمار يصرفونها للطلبه فى الدار.

وتقدر المده التى عاشها فى طرابلس بعشر سنوات.

وفى قصور بنى عمار كانت تقام حلقات المناظره بين الفقهاء والشعراء، وكان بنو عمار يقيمون مسابقات للشعراء يتبارى فيها هولاء بنظم القصائد((176)).

امراء الدوله علماء مولفون

ومن الكتب التى صدرت، يومذاك، نذكر هذه النماذج. شرح الايضاح، وشرح ديوان الحماسه لزيد بن على الفارسى المتوفى سنه 467ه.

وكتاب (جراب الدوله) لابى طالب امين الدوله الحسن ابن عمار. وقد وقع بعض المولفين فى خطا كبير، حين قالوا ان اسم الكتاب هو: (ترويح الارواح ومفتاح السرور والافراح المنعوت بجراب الدوله)، ونسبوه الى امين الدوله الحسن بن عمار.

وقد علق الدكتور مصطفى جواد على هذه النسبه التى اخطا فيها (ابن الفرات)، وتابعه غيره من المولفين على هذا الخطا.

علق الدكتور مصطفى جواد بما ناخذه هنا لاهميته فى التاريخ الفكرى الثقافى لتلك الحقبه:

لقد وجدنا من الغريب قول المولف المصرى، ناصر الدين بن الفرات، فى ذكر امين الدوله ابى طالب الحسن بن عمار: (وهو الذى صنف كتاب ترويح الارواح ومفتاح السرور والافراح المنعوت بجراب الدوله).

اما اولا: فلان كتاب (ترويح الارواح) من كتب الفكاهه والهزل والباطل، وهذا قاض وامير ذو ديانه متينه.

واما ثانيا: فلان (جراب الدوله)، عند المطلعين على التاريخ الاسلامى، جاء فى حالتين: اولاهما كونه لقبا للانسان الذى الف (ترويح الارواح) والاخرى كونه اسما لكتاب الفه ابن عمار المذكور فى اقتصاديات الدوله الاسلاميه وشوونها الاخرى. وقد اخذ ابن الفرات المصرى اسم الكتاب الهزلى ولقب مولفه فجعلهما اسما لكتاب ابن عمار، وهذا من اشنع الغلط وافظعه، وجل من لا يسهو ولا يغلط.

قال ياقوت الحموى فى ترجمه الهازل الملقب (جراب الدوله):

(احمد بن محمد جراب الدوله: هو احمد بن محمد بن علويه من اهل سجستان ويكنى ابا العباس، وكان طنبوريا، احد الظرفاء والطياب. كان فى ايام المقتدر وادرك دوله بنى بويه فلذلك سمى نفسه بجراب الدوله، لانهم كانوا يفتخرون بالتسميه فى الدوله وكان يلقب بالريح((177)) وله ايضا كتاب (ترويح الارواح ومفتاح السرور والافراح) لم يصنف فى فنه مثله اشتمالا على فنون الهزل والمضاحك).

اما (جراب الدوله) الذى الفه ابو طالب الحسن بن عمار فهو من اجل الكتب واجزلها فوائد واشرفها موضعا، قال القاضى ولى الدين عبد الرحمن بن خلدون فى فصل: (ان آثار الدوله كلها على نسبه قوتها فى اصلها). (وكذلك وجد بخط احمد محمد بن عبد الحميد عمل بما يحمل الى بيت المال ببغداد ايام المامون من جميع النواحى، نقلته من جراب الدوله: غلات السواد... كسكر.. كورد جله... حلوان... الاهواز... فارس). وذكر الارتفاع اى الواردات لمملكه المامون باسرها.

فاين موضوع هذا الكتاب من موضوع الكتاب الباطل العاطل؟ (انتهى).

وهكذا نرى امراء بنى عمار كانوا فى الوقت نفسه علماء مولفين، يولفون فى ما يسمى اليوم بالاقتصاد السياسى. ومن المولفات التى صدرت فى ظل حكم بنى عمار، مولفات اسعد بن احمد بن ابى روح التى مر ذكر بعضها.

وديوان ابن خرسان المتوفى سنه 497هـ.، وديوان احمد بن منير المتوفى سنه 548ه.، وروضه النفس لابن البراج المتوفى سنه 481ه.، وديوان لابن النقار المتوفى سنه 567هـ.، وديوان لابن هبه اللّه العلوى الحسينى المتوفى بعد سنه 515هـ.، والتصريح فى شرح قصيده كثير، وابن ذريح للراشدى بن بركات المتوفى سنه 540هـ.، وغير ذلك.

حركه شعريه ناشطه

وكان بنو عمار من المقصودين بالمدح من شعراء عصرهم، فمن الشعراء الذين مدحوهم: ابن الخياط، وابن النقار، وابو المواهب المعرى، وابن العلانى المعرى، وابو الفتيان بن حيوس.

فمن مدائح ابى المواهب المعرى قوله، فى ذى السعدين، فخر الملك عمار بن محمد بن عمار من قصيده جاء فيها:

ااحبابنا جرتم مع البين فاعدلوا وجزتم مدى هجرانكم فترفقوا ورب فلاه جبتها، وهو مونسى((178)) وخيفانه تجرى مرارا وتعنق وظلت اخطيها البلاد ودونها طرابلس حيث الامانى وجلق ورجحت ما بين الملوك فما بى رجاء بذى السعد بن اوفى واوفق مليك به الامال القت عصا النوى فقرت وفى اوصافه المدح يصدق وعرض لى غيث على الشيم مرعد من الشام نجاح السحائب مغدق هو البحر الا انه غير مالح هو البدر الا انه ليس بمحق حمى الثغر من رشف المواضى فقد كفى تاشب ما يحميه سور وخندق لكم آل عمار على الجود مسحه سحاب الندى فيها من التبر مغدق وفيك اطاعتنى القوافى كانها لمدحك تهوى او لنظمى تعشق وقد كسدت هذى البضاعه برهه ولم تك الا فى زمانك تنفق ويقول فيه من قصيده اخرى:

عزت طرابلس فيا لك بلده طالت بمالكها على البلدان موج بظاهرها وموج باطن سبحان محرزها من الطوفان يفديك قوم ضاع شعرى فيهم وغدوت جارهم فضاع زمانى انست طرابلس بما اوليت للمملوك طيب معره النعمان وفى احد المجالس الشعريه التى كان يلتقى فيها الشعراء بفخر الملك اقترح عليهم ان يعارضوا قصيده محمد بن هانى‏ء الاندلسى الرائيه الشهيره التى مطلعها:

فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر وامدكم فلق الصباح المسفر بان ينظم كل واحد منهم قصيده على وزنها وقافيتها، فسبقهم فى ذلك ابو الحسن على بن ابراهيم، المعروف بابن العلانى، بقصيده اعجبت فخر الملك فاجازه عليها واستغنى بها عن قصائد بقيه الشعراء.

وكان فخر الملك يقود، يومذاك، الكفاح الاسلامى على الصليبيين، ويتحمل حصارهم لمدينته ويدافعهم عن وطنه، والى ذلك يشير الشاعر فى بعض ابيات القصيده، كما اشار ابو المواهب المعرى فى قصيدته المتقدمه بقوله:

حمى الثغر من رشف المواضى فقد كفى تاشب ما يحميه سور وخندق قال ابن العلانى فى بعض ما قال:

يا ناصر الدين الذى لو لم تطل منه مقارعه العدى لم ينصر والمجد صعب المرتقى الا على يقظان فى ذات الاله مشمر ان العلى ما بين كف بره منه ووجه بالطلاقه مسفر ايظن جند الشرك عزمك مغفلا حز الطلى منهم وقطع الابهر فلتنسفنهم سطاك بعاصف يجتث اصل المشركين بصرصر وليجلبن ذوى القسى اعدها للشرك كل مباسل متنمر تقضى فروض الصوم اكرم صائم واهل عيد الفطر اكرم مفطر لا تعدم الاعياد ان البستها ببقائك الممدود احسن منظر وقال الشاعر ابن الخياط يمدح على بن محمد بن عمار، ابو الحسن جلال الملك، من قصيده:

احب مكارم الاخلاق منه واعشق دوله الملك الجواد رجوت فما تجاوزه رجائى وكان الماء غايه كل صاد صحبنا عنده الايام بيضا وقد عم الزمان من السواد وادركنا بعدل من على صلاح العيش فى دهر الفساد ابوك تدارك الاسلام لما وهى او كاد يوذن بانهداد سخا بالنفس شما بالمعالى وجاهد بالطريف وبالتلاد كيومك اذ دم الاعلاج بحر يريك البحر فى حلل وراد رعى منك الرعيه خير راع كريم الذب عنهم والذياد وعندما ترك ابن الخياط طرابلس الى دمشق كتب اليه، منها قصيده، فى مدحه، قال فيها:

لئن عدانى دهر عن لقائكم لما عدانى عن تذكار ما سلفا ما وجد من فارق القوم الالى ظعنوا كوجد من فارق العلياء والشرفا اعديتم يا بنى عمار كل يد بالجود حتى كان البخل ما عرفا ما كان يعرف كيف العدل قبلكم حتى ملكتم فسرتم سيره الخلفا محامد ليس يبلى الدهر جدتها وكيف تبلى وقد اودعتها الصحفا وبلده قد حماها منك رب وغى لا تستقيل الردى منه اذا دلفا ان اقلق الخطب كانت معقلا حرما او اطبق المحل كانت روضه انفا وقال من قصيده فى مدحه:

نرجى الحيا من راحه ابن محمد واى سماء لا تشام بروقها وقى اللّه فيك الدين والباس والندى عيون العدى ما جاور العين موقها خشوع وايمان وعدل ورافه فقد حق بالنعماء منك حقيقها ويغنيك عن حفر الخنادق مثلها من الضرب اما قام للحرب سوقها وقفت القوافى فى ذراك فلم يكن سواك من الاملاك ملك يروقها معطله الا لديك حياضها ومهجوره الا اليك طريقها وقال، من قصيده فى عمار بن محمد بن عمار، فخر الملك:

الى ربع عمار بن عمار الذى تكفل ارزاق العباد بجدواه فتى لم نمل يوما بركن سماحه على حدثان الدهر الا هدمناه وقال فيه من قصيده:

اذا آل عمار اظلك عزهم فغيرك من يخشى يد الحدثان هم القوم الا ان بين بيوتهم يهان القرى والجار غير مهان اذا رمت شعرى فى علاك اطاعنى وان رضت فكرى فى سواك عصانى هذه نماذج من الشعر الذى مدح به امراء بنى عمار ورجال دولتهم، هولاء الامراء الذين كانوا فى معظمهم ادباء او علماء، وكانوا فى جمهورهم ذواقين للشعر، مستعذبين مجالسه مكرمين رجاله، وكانوا، فى صفات من الخير والعدل وجهاد العدو والفروسيه والكرم، ما يبعث الشعر اصيلا صادقا على لسان الشعراء.

ولرواج سوق الشعر، يومذاك، اولع متداولوه باستكتاب الخطاطين للقصائد بخطوطهم الجميله، فيدفع احدهم للخطاط اكثر من سبعه دنانير لكتابه القصيده الواحده. ولقد قبض الشاعر احمد بن حمزه، المعروف بابن الخيشى الحلبى، نحو مئتى دينار فى شهر رمضان لكتابته سبعا وعشرين قصيده لجماعه من الطرابلسيين((179)).

بنو عمار من الكتاب الى السيف

عندما وصل القائد الصليبى (صنجيل) (ريموند دى سان جيل) الى مشارف الشام كان اول من ادرك الخطر الصليبى فخر الملك بن عمار، فصمم على الاعداد لهذا الخطر قبل ان يتغلغل فى البلاد الشاميه، وذلك بالدعوه الى حلف اسلامى يقف فى وجهه، فراسل الامير (ياخز) فى حمص والملك (دقاق بن تتش) فى دمشق يقول لهما على ما يروى ابن الاثير((180)): من الصواب ان يعاجل صنجيل اذ هو فى هذه العده القريبه.

فاستجابا له، فخرج الامير (ياخز) بنفسه وسير (دقاق) الفى مقاتل، وخرجت الامدادات الطرابلسيه فاجتمعوا على باب طرابلس وصافوا (صنجيل) هناك.

يقول ابن الاثير: فاما عسكر حمص فانهم انكسروا عند المشاهده وولوا منهزمين، وتبعهم عسكر دمشق، وحمل (صنجيل) بمن معه فكسروا اهل طرابلس وقتلوا منهم سبعه آلاف رجل، ونازل (صنجيل) طرابلس وحصرها.

الى هنا، والامر طبيعى، فالحروب سجال: ينتصر هذا الفريق وينهزم ذاك الفريق... ولكن غير الطبيعى والذى يجعلنا نكثر من التساول والاستغراب هو المقدمه الذى قدم بها ابن الاثير لهذه الحرب وهزائمها، فهو يقول عن احداث سنه 495ه.، بعد ان يتحدث عن هزيمه (صنجيل) امام (قلج ارسلان): ومضى (صنجيل) مهزوما فى ثلاث مئه فوصل الى الشام فارسل فخر الملك بن عمار الى الامير ياخز والى الملك دقاق... الى آخر القول الذى تقدم... ثم يقول: فاخرج (صنجيل) مئه من عسكره الى اهل طرابلس ومئه الى عسكر دمشق وخمسين الى عسكر حمص، وبقى هو فى خمسين. فاما عسكر حمص فانهم انكسروا عند المشاهده وولوا منهزمين وتبعهم عسكر دمشق.

واما اهل طرابلس فانهم قاتلوا المئه الذين قاتلوهم، فلما شاهد ذلك (صنجيل) حمل فى المئتين الباقيتين، فكسروا اهل طرابلس وقتلوا منهم سبعه آلاف رجل، ونازل (صنجيل) طرابلس وحصرها.

يستطيع الانسان ان يقول: ان فى كلام ابن الاثير هذا تخليطا لا نعرف عوامله!...

والذى يهمنا الان هو ان حصار الصليبيين لطرابلس برا وبحرا قد بدا وانه سيستمر عشر سنوات اصبح خلالها شعار بنى عمار:

السيف، بعد ان كان شعارهم الكتاب، وان ظل للكتاب عندهم مكانه الرفيع ومنزلته الكبرى.

يقول المورخون((181)): اجتمع على منازله طرابلس كل من (برتران) الابن الاكبر لريموند الصنجيلى، ودوليم غوردان، ابن اخت ريموند المذكور، و(تانكريد) امير انطاكيه واللاذقيه و (بلدوين) ملك بيت المقدس، و(بلدوين) كونت الرها و (غوسلين) امير قلعه تل باشر.

وكانت القوى المهاجمه للمدينه تتالف من 4000 فارس بروفنسى قدموا مع برتران، وعدد كبير من الجنويه جاءوا بعشرين سفينه، الى جانب سفن برتران وعددها اربعون، و500 فارس اتى بهم بلدوين ملك القدس الى جانب عدد كبير من الرجاله و700 فارس من خيره فرسان تانكريد، بالاضافه الى بلدوين كونت الرها، وجوسلين وحرسيهما، ثم جموع المرده ومن اتى من جبل لبنان.

كان هذا الجمع قد تجمع على طرابلس بعد ان كلت قواها بعد عشر سنوات من الحصار المضروب والقتال الدائم، وكان هو الذى دخل طرابلس.

يقول ابن الاثير، فى احداث سنه 596ه. وكان صنجيل يحاصر مدينه طرابلس الشام، والمواد تاتيها، وبها فخر الملك بن عمار، وكان يرسل اصحابه فى المراكب يغيرون على البلاد التى بيد الفرنج ويقتلون من وجدوا. ويقصد بذلك ان يخلو السواد ممن يزرع لتقل المواد من الفرنج فيرحلوا عنه.

سنه كامله مرت على الحصار كانت مهمه فخر الملك فيها مزدوجه ذات شقين: شق دفاعى وشق هجومى، فهو يقف فى وجه اقتحام الصليبيين لمدينته فيقاتلهم دفاعا عنها، ثم هو ينفذ بمراكبه من بين سفن الصليبيين المحاصره له، فيهاجم الصليبيين فى ما يحتلونه من بقاع.

كان فخر الملك هنا بطل الدفاع والهجوم معا، وكان (العماريون) اهله يشدون من ازره، وشعبه الطرابلسى بصبر ويصابر معه. وتاتى سنه 597ه. فيقول ابن الاثير: فى هذه السنه وصلت مراكب من بلاد الفرنج الى مدينه اللاذقيه فيها التجار والاجناد والحجاج وغير ذلك، واستعان بهم صنجيل الفرنجى على حصار طرابلس، فحصروها معه برا وبحرا وضايقوها وقاتلوها اياما، فلم يروا فيها مطمعا فرحلوا عنها الى مدينه جبيل...

سنتان مرتا وفخر الملك محصور فى مدينته، وهو صامد يدافع عنها دفاع الابطال، ويستعين الاعداء بقوى جديده فلا ينالون من صموده منالا...

وفى سنه 499ه. يقول ابن الاثير: كان صنجيل قد ملك مدينه جبله، واقام على طرابلس يحصرها فحيث لم يقدر ان يملكها، بنى بالقرب منها حصنا وبنى تحته ربضا، واقام مراصدا لها ومنتظرا وجود فرصه فيها، فخرج فخر الملك ابو على بن عمار صاحب طرابلس، فاحرق ربضه ووقف صنجيل على بعض سقوفه المحترقه ومعه جماعه من القمامصه والفرسان فانخسف بهم، فمرض صنجيل من ذلك عشره ايام ومات، وحمل الى القدس فدفن فيها.

ثم ان ملك الروم امر اصحابه باللاذقيه ليحملوا الميره الى هولاء الفرنج الذين على طرابلس فحملوها فى البحر، فاخرج اليها فخر الملك بن عمار اسطولا فجرى بينهم وبين الروم قتال شديد فظفر المسلمون بقطعه من الروم فاخذوها واسروا من كان بها وعادوا.

ويتابع ابن الاثير كلامه:

ولم تزل الحرب بين اهل طرابلس والفرنج خمس سنين الى هذا الوقت، فعدمت الاقوات به، وخاف اهله على نفوسهم واولادهم وحرمهم، فجلا الفقراء، وافتقر الاغنياء، وظهر من ابن عمار صبر عظيم، وشجاعه، وراى سديد.(انتهى) هذا الكلام الذى ناخذه بنصه عن ابن الاثير يغنى عن كل تعليق((182)).

ويواصل ابن الاثير قائلا:

واجرى ابن عمار الجرايات على الجند والضعفى، فلما قلت الاموال عنده شرع يقسط على الناس ما يخرجه فى باب الجهاد، فاخذ من رجلين من الاغنياء مالا مع غيرهما، فخرج الرجلان الى الفرنج وقالا: ان صاحبنا صادرنا فخرجنا اليكم لنكون معكم، وذكرا لهم انه تاتيه الميره من (عرقه) والجبل.

فجعل الفرنج جمعا على ذلك الجانب يحفظه من دخول شى‏ء الى البلد.

فارسل ابن عمار وبذل للفرنج مالا كثيرا ليسلموا الرجلين اليه فلم يفعلوا. فوضع عليهما من قتلهما غيله. لم يكن ابن عمارا بطلا شجاعا فقط، بل كان الى ذلك حازما بعيد النظر محكم التدبير جلدا امام الاهوال.. فى كل شعوب الارض يوجد ضعاف النفوس خوارو العزائم، ويوجد حريصون على المال لا يبالون فى هذا الحرص ان يخونوا اوطانهم.

فلا يضير الشعب الطرابلسى ان يوجد فى صفوفه مثل هذين الخائنين الذين لا نشك فى انهما جمعا مالهما من الحرام ومن كل مصدر غير شريف، لان من يقدم على ما اقدما عليه يكون قد اقدم على كل رذيله فى جمع المال!.

كان ابن عمار كما قلنا حازما بعيد النظر محكم التدبير جلدا امام الاهوال، فلم يشغله ما هو فيه عن التفكير فى امر هذين الخائنين. ان تركهما سليمين يشجع امثالهما على الخيانه فاحكم تدبير امر اغتيالهما، واستطاع اختراق صفوف اعدائه والوصول الى اغتيالهما، وفى هذا ما فيه من قوه العزم وسداد الراى واحكام الامر..

ابن عمار والسلاجقه

وفى احداث سنه 501هـ. يقول ابن الاثير: ورد فخر الملك ابو على بن عمار، الى بغداد قاصدا باب السلطان محمد(السلجوقى)، مستنفرا على الفرنج، طالبا تسيير العساكر لازاحتهم، والذى حثه على ذلك انه لما طال حصر الفرنج لمدينه طرابلس، ضاقت عليه الاقوات وقلت، واشتد الامر عليه وعلى اهل البلد.

ويتابع القول: فلما بلغ فخر الملك انتظام الامور للسلطان محمد وزوال كل مخالف راى لنفسه وللمسلمين قصده والانتصار به اه((183)).

لقد استقبل فخر الملك فى بغداد من السلطان ومن الخليفه بحفاوه بالغه، فطالب بالنجده وتعهد انه اذا اجيب استنجاده وارسلت معه العساكر يوصل اليهم جميع ما يلتمسونه. قال ذلك للخليفه وللسلطان، فلم ينل غير الوعود، فعاد الى دمشق خائبا!..

وقد حدثت فى غيابه موامرات عليه ساهم فيها نائبه، ما اخرج الامر من يده وحيل بينه وبين العوده الى طرابلس. وفى سنه 503هـ. كان الصليبيون يدخلون طرابلس. ويوجز ابن الاثير ذلك بهذه الجمل:

ومد الفرنج القتال عليها من الابراج والزحف، فهجموا على البلد وملكوه عنوه وقهرا ونهبوا ما فيها واسروا الرجال وسبوا النساء والاطفال، ونهبوا الاموال وغنموا من اهلها من الاموال والامتعه وكتب دور العلم الموقوفه ما لا يعد ولا يحصى، فان اهلها كانوا من اكثر بلاد اللّه اموالا وتجاره. وعاقب الفرنج اهلها بانواع العقوبات واخذت دفائنهم وذخائرهم فى مكامنهم.

وكانت المكتبه الكبرى من ضحاياهم اذ احرقوها بكل ما فيها.

بنو عمار والعمران

لم يغفل بنو عمار النواحى العمرانيه فى امارتهم، فمن اهم ما عنوا به المشاريع المائيه، فامنوا لطرابلس ريا منظما من النهر الذى عرف بعد ذلك باسم نهر (ابو على)، ولا يزال حتى اليوم يعرف بهذا الاسم، فقد كان نهر قاديشا يفيض فيحدث اضرارا ولا ينتفع منه، فوضع فخر الملك ابو على ابن عمار خطه انمائيه تنظم امور النهر وتمنع فيضانه، وتجريه فى اقنيه للرى، فعاد على المدينه ومنطقتها بالخير العميم، ونمت المزروعات والبساتين والحدائق، وتشكل من ذلك ثروه زراعيه ساعدت على رقى المجتمع، وازدهرت الحقول والارضين المحيطه بالمدينه بوفره مزروعاتها وتنوعها وفاضت عن حاجاتها فاحتفظت باموالها واستدرت اموالا من الخارج ما كان عاملا فى نهوض الحركه الصناعيه والاقتصاديه والثقافيه.

وعرفت طرابلس، فى كتب الموخين والرحالين، بكثره ما تنتجه من الفواكه والثمار، حتى لقد قالوا: (ان فيها ما لا يوجد فى سائر الاقاليم اصلا، اذ لا يكاد يوجد دار بغير شجر لكثره تخرق ارضها بالمياه، فهى تجمع بين ثمار الشام ومصر). والفرنج عرفوا قصب السكر، لاول مره، فى بساتين طرابلس، فنقلوا غروسه الى جزيره صقليه وجنوب ايطاليا.

ومن انجازات بنى عمار انشاء مصانع للورق، فقد كان الورق السمرقندى هو المشهور فى العالم الاسلامى بجودته، فاذا بالورق الطرابلسى يفوقه جوده.

وقد كان لوجود مصانع الورق اثر كبير فى رواج العلم والتدوين والتاليف فى طرابلس وساعد على نهضتها الثقافيه العلميه الادبيه، فكثر الوراقون، ونشات للتجليد صناعه فنيه على الطريقه الصينيه من زخرفه وتوشيح بالخطوط الملونه. ومن الصناعات التى نهضت فى طرابلس صناعه الحرير التى امتدت مصانعها على ضفاف النهر، بما فيها من الوف الانوال والمغازل ما ادهش الفرنج واثار عجبهم.

وقد عنى بنو عمار بالملاحه البحريه فانشاوا اساطيل تجاريه كانت تجوب البحر حامله من طرابلس او ناقله اليها حاجات الناس هنا وهناك ما اشرنا الى بعضه فيما تقدم من القول، هذا عدا عن اسطولهم الحربى الذى تولى قتال اساطيل الصليبيين طوال عشر سنوات.

ومن طرابلس عرف الاوروبيون (البوصله) وكيفيه استعمالها، عرفوا ذلك من البحاره الطرابلسيين.

وقد امتدت آثار بنى عمار الى خارج امارتهم، فهم الذين بنوا الجهه الشرقيه من الجامع الكبير فى مدينه حلب، كما يثبت ذلك المورخ ابن الشحنه الحلبى فى كتابه (الدر المنتخب فى تاريخ مملكه حلب)((184)). كما كانوا يبعثون القضاه والخطباء الى المدن الشاميه، ومن ذلك ما ذكره (ابن تغرى بردى) فى كتابه (النجوم الزاهره) عن ابن تلتمش انه عندما فتح حصن انطرطوس من الروم سنه 475ه.، بعث الى صاحب طرابلس جلال الملك يطلب منه قاضيا وخطيبا ليقيم بها((185)).

ملاحق

ملحق رقم(1)

بعد كتابه ما تقدم راينا الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور يقول فى كتابه (مصر والشام فى عصر الايوبيين والمماليك)((186)):

(ان منطقه الشرق الادنى شهدت اواخر العصر الفاطمى تحولا خطيرا نتيجه لنجاح الصليبيين فى الاستقرار فى قلب تلك المنطقه وقد سبق ان اشرنا الى ان الدوله الفاطميه كانت فى خريف عمرها عندما ظهر الخطر الصليبى، وكيف انها عجزت عن فهم طبيعه ذلك الخطر فى الوقت المناسب، بل فشلت فى صد هذا الخطر وفى حمايه نفسها منه.

ومعنى هذا انه صار عليها ان تتنحى، وتفسح المجال لقوه اخرى فتيه تحل محلها وتستطيع ان تنهض بامانه الجهاد) (انتهى).

ونقول ردا على هذا الكلام ما ان سبق ان قلناه: وهو ان الدوله الفاطميه كانت قد انتهت سلطتها، قبل وصول الصليبيين بربع قرن، وان الذى انهى سلطتها وحل محلها هم الجماليون الذين قامت بهم الدوله الجماليه التى صارت هى صاحبه الامر والنهى، والتى حجرت على الخلفاء الفاطميين فى بيوتهم ومنعتهم من اى تصرف فى شوون الدوله. وانما ابقتهم لان رجالها لا يستطيعون ان يتلقبوا بلقب الخلافه، وفى بقاء الخلفاء الفاطميين يضفون على حكمهم مظاهر الشرعيه.

وان صح ما قاله الدكتور عاشور من ان الحكم فى مصر قد عجز عن فهم طبيعه الخطر الصليبى فى الوقت المناسب وفشل فى صد هذا الخطر وفى حمايه نفسه منه.

نقول: ان صح هذا القول وهو ليس بصحيح فان الذى عجز عن فهم ذلك، وفشل فى الصد، ليست الدوله الفاطميه التى لم يكن لها وجود، بل الدوله الجماليه.

وقولنا: هو ليس بصحيح، لان بدرا الجمالى قد فهم طبيعه الخطر لاول وهله وحاول دفعه سلما، فلما لم يستطع اعد لصده حربا كل ما يستطيع اعداده من كان فى مثل ظروفه، وقاتله ببساله وثبات.

واذا كان قد فشل فى صده فلان القدر كان اقوى منه، ولان الجيوش المتدفقه عليه كانت اشد من ان يقف فى وجهها اكثر مما وقف.

والدكتور عاشور يعنى بقوله: (انه صار على الدوله الفاطميه ان تتنحى وتفسح المجال لقوه اخرى فتيه تحل محلها وتستطيع ان تنهض بامانه الجهاد) يعنى بقوله هذا: القوه الايوبيه.

وقد بينا فى كتابنا (صلاح الدين الايوبى بين العباسيين والفاطميين والصليبيين) بينا بان القوه التى يعنيها الدكتور عاشور قد خانت امانه الجهاد...

ان الدكتور عاشور نفسه يعترف بانه لم تكن هناك خلافه فاطميه فاعله مسيطره عند الغزو الصليبى. انه هو نفسه يقول:((187)) (كانت الدوله الفاطميه فى ذلك الوقت تقاسى آلام الموت البط‏ى‏ء، بعد ان انحلت الخلافه، وفقدت هيبتها، واختلت احوال مصر الداخليه. ولا ادل على انحلال الدوله الفاطميه عندئذ من نهايه كثير من الخلفاء بالقتل فضلا عن تحكم الوزراء العظام فى شوون الدوله والخلافه جميعا).

ملحق رقم(2)

يقول الدكتور عاشور فيما يقول:((188)) (ولكن نور الدين محمود بن عماد الدين زنكى حمل الامانه واستولى على دمشق سنه 549 (1154م) ومن ثم اخذ يتطلع الى مصر لتمتد الجبهه الاسلاميه المتحده من الفرات الى النيل) الى آخر ما قال...

ثم يقول((189)): (وسرعان ما اتضح ان نجاح حركه الجهاد الاسلاميه لا يتحقق الا فى ظل جبهه اسلاميه متحده، توحد بين القوى الاسلاميه المبعثره بين النيل والفرات، وتجعل من هذه القوى بنيانا مرصوصا يستطيع الصمود فى وجه الخطر الصليبى. وكانت هذه الفكره فكره الجبهه الاسلاميه المتحده هى المحرك الاول الذى جعل نور الدين محمود يتجه ببصره شطر مصر بعد ان تم له الاستيلاء على دمشق سنه 594 (1154م) واصبح يسيطر على المدن الكبرى فى الشام مثل حلب ودمشق) الى آخر ما قال...

ثم يقول: (والواقع ان الصليبيين لم يقلوا طمعا فى ملك مصر عن نور الدين)، ثم يقول:((190)) ومنذ ذلك الوقت لم يتخل الصليبيون عن فكره الاستيلاء على مصر، حتى كان منتصف القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) عندما راى نور الدين محمود ان الجبهه الاسلاميه المتحده لا تستدير حلقتها وتكتمل الا بالاستيلاء على مصر بالذات، الامر الذى جعل من مصر ميدانا رئيسيا فى الصراع بين نور الدين محمود والصليبيين).

ثم يقول((191)): ولا يخفى علينا ان هناك سببا قويا ربما حرك عند نور الدين الرغبه فى غزو مصر، واعنى بذلك العامل المذهبى. ذلك ان الخلافه الفاطميه فى مصر كانت مصدرا من مصادر الفرقه فى العالم الاسلامى لانها جعلت ولاء المسلمين فى الشرق الادنى تتقاسمه خلافتان ومذهبان، احداهما الخلافه العباسيه السنيه فى بغداد، والاخرى الخلافه الشيعيه فى القاهره. لذلك كان من الطبيعى ان يتجه نور الدين وهو الحاكم السنى الحريص على تدعيم الجبهه الاسلاميه المتحده وجعلها تمتد من النيل الى الفرات الى التفكير فى القضاء على الخلافه الفاطميه فى القاهره.

وكان ان اتيحت الفرصه مره اخرى لنور الدين محمود عندما ارسل اليه الخليفه العاضد الفاطمى يشكو من استبداد شاور وظلمه) الى آخر ما قال...

ثم يتابع كلامه قائلا: لذلك بادر نور الدين بارسال حمله شيركوه الثانيه على مصر سنه 562هـ (1167م) وكان بصحبه شيركوه فى تلك المره ايضا ابن اخيه صلاح الدين.

نقول: من الموسف ان يوغل رجل مثل الدكتور عاشور فى الخيال فيجعله مصدرا لكتابه التاريخ، فما ذكره فى اول الكلام الذى نقلناه من حديثه هو خيال فى خيال، فنور الدين محمود لم يكن فى ذهنه تشكيل جبهه اسلاميه متحده تمتد من الفرات الى النيل، ولم يتطلع الى مثل هذا التطلع، وكان دواعى ارساله من ارسلهم من الجنود الى مصر اول مره ان نزاعا على السلطه قام بين (شاور) وبين (ضرغام) فتغلب ضرغام على شاور.

يقول ابن الاثير((192)): (فهرب شاور منه الى الشام ملتجئا الى نور الدين ومستجيرا به فاكرم مثواه واحسن اليه وانعم عليه، وطلب منه ارسال العساكر معه الى مصر ليعود الى منصبه ويكون لنور الدين ثلث دخل البلاد بعد اقطاعات العسكر، ويكون شيركوه مقيما بعساكره فى مصر ويتصرف هو بامر نور الدين واختياره).

اذن بنص ابن الاثير لم يكن فى ذهن نور الدين تطلع الى تحديد الجبهه الاسلاميه من الفرات الى النيل، ولم تكن هذه الفكره فكره الجبهه الاسلاميه المتحده هى المحرك الاول الذى جعل نور الدين محمود يتجه ببصره شطر مصر. بل المحرك له على ذلك هو امر شخصى بحت حيث ينتصر لمستنجديه على منافسه لقاء مكاسب شخصيه هى الاستحواذ على ثلث دخل البلاد.وما كرره بعد ذلك فى الموضوع نفسه من القول: (راى نور الدين محمود ان الجبهه الاسلاميه المتحده لا تستدير حلقتها، وتكتمل الا بالاستيلاء على مصر بالذات، الامر الذى جعل من مصر ميدانا رئيسا، فى الصراع بين نور الدين محمود والصليبيين).

ان هذا الذى كرره هنا، واضاف اليه ما اضاف، هو خيال فى خيال لا حقيقه له، فمصر لم تصبح ميدانا رئيسيا فى الصراع بين نور الدين محمود والصليبيين.

وكل ما جرى ان ثلث دخل مصر اغرى نور الدين، بارسال عسكر الى مصر لنصر شاور على ضرغام، بقياده اسد الدين شيركوه، واذا كان هذا العسكر قد استطاع اعاده شاور الى السلطه، فانه لم يستطع التغلب على غدر شاور، ورجوعه عما قرره لنور الدين واستنجاده بالصليبيين، على اسد شيركوه الذى آثر السلامه فرجع الى الشام.

فاين هو هذا الميدان الرئيسى الذى صيرته مصر فى الصراع بين نور الدين والصليبيين؟! اما نسبه العصبيه المذهبيه العمياء لنور الدين فصحيحه، وما فعله فى حلب من شرور وآثام، هو بعض مظاهر هذه العصبيه.

اما القول بان الخلافه الفاطميه فى مصر كانت مصدرا من مصادر الفرقه فى العالم الاسلامى، فقول كنا نجل مورخا فى مستوى الدكتور عاشور ان يفوه به، ونحن ننزهه عن العصبيه المذهبيه، ولكنها رواسب فى النفس تظل تفعل فعلها.

ان الخلافه الفاطميه كانت مصدرا من اكبر مصادر التجميع لا التفريق: لقد كان نشووها ضروره من ضرورات العالم الاسلامى فى ذلك الحين الذى تمزقت فيه قوى المسلمين وتفرقت كلمتهم وتلاشت دولتهم واصبحوا يتطلعون الى الحمى الذى يمكن ان يلجووا اليه من الخطر الداهم المهدد لوجودهم بتزايد قوى الروم واصرارهم على غزو الاسلام فى دياره واسترداد ما اخذه منهم والثار للماضى البعيد، حتى ان نقفور فوقاس لم يكن يخفى مطامعه الهوجاء فى الزحف الى الحجاز نفسه والوصول الى مكه والمدينه.

فى هذا البحران الرهيب كان المنقذ نشوء دوله فتيه وزعامه قويه تجمع حولها ما تشتت من القوى وتوحد ما تفرق من البلاد، فكانت الدوله الفاطميه هى المنقذ فجمعت الشمال الافريقى فى كيان واحد وقياده واحده وقضت على التجزئه واحلت محلها وحده متماسكه جعلته دوله واحده بعدما كان عده دول متطاحنه متقاتله((193)) ولم تقتصر الوحده على الشمال الافريقى بل امتدت فشملت مصر والشام والحجاز واليمن وصقليه وقوصره. وقلوريه..

يقول الدكتور محمد جمال الدين سرور استاذ التاريخ الاسلامى فى جامعه القاهره: (اتجهت سياسه الفاطميين بعد ان امتد نفوذهم الى مصر فى عهد المعزل لدين اللّه الفاطمى سنه 358ه (969م) الى استعاده المدن التى استولى عليها البيزنطيون فى شمال الشام).

ويقول الدكتور حسن حبشى فى كتابه (الحروب الصليبيه) وهو يتحدث عن الغزوات البيزنطيه لبلاد الشام: (وامتد النفوذ البيزنط‏ى عام 975م (365ه) على طول البلاد الشاميه فدفعت له حمص الجزيه واستسلمت بعلبك، واراق الافتكين صاحب دمشق ماء وجهه ابقاء على ولايته).

الى ان يقول الدكتور حبشى فى الحديث عن الفتح البيزنط‏ى:

(على ان موجه الفتح (البيزنط‏ى) على حساب البلدان والامارات الاسلاميه لم تلبث ان توقفت منذ اواخر القرن العاشر واصطدمت بقوه الفاطميين الذين امدوا الاسلام بدم جديد وعنصر قوى يتدفق حياه ويتطلع للفتح..).

والاشد اسفا فى اقوال الدكتور عاشور هو مروره ذاك المرور العابر برساله الخليفه الفاطمى (العاضد) الى نور الدين وزعمه ان موضوعها كان شكايه العاضد من استبداد شاور وظلمه.

هذه الرساله التى كان يجب على الدكتور عاشور وعلى غير الدكتور عاشور ان يقف امامها طويلا ويتحدث عنها كثيرا، مر بها هذا المرور السريع وحولها عن الغايه التى كتبت من اجلها.

ان رساله العاضد آخر الخلفاء الفاطميين الذى استطاع ان يملك بعض الحريه لبعض الوقت، استغل هذه الحريه العابره للاقدام على تضحيه فريده لم نعرف احدا من الحكام اقدم على مثلها!..

ان العاضد يعرف حق المعرفه ما يضمره نور الدين له ولدولته ولمذهبه من الشر، ويعرف كذلك حق المعرفه ما فعله نور الدين فى حلب..

ومع ذلك فانه لما راى الصليبيين يهددون مصر، وراى انه ربما لا يستطيع دفعهم عنها، آثر ان يسلمها لمن يضمرون له الشر من المسلمين على ان تكون فريسه للصليبيين، فارسل الى نور الدين يستدعيه الى احتلال مصر مستنجدا به على الصليبيين، وارسل مع كتب الاستنجاد شعور النساء قائلا له فى رسالته اليه:

(هذه شعور نسائى من قصرى يستغثن بك لتنقذهن من الفرنج) ((194)). ولم يكتف بذلك، بل بذلك له ثلث بلاد مصر وان يكون قائد النجده مقيما عنده فى عسكره واقطاعهم عليه خارجا عن الثلث الذى لنور الدين((195)).

فعند ذلك قرر نور الدين تلبيه الطلب، فارسل حمله مولفه من ثمانيه آلاف فارس بقياده اسد الدين شيركوه ومعه ابن اخيه صلاح الدين.