«واقع
التقيه »
«عند المذاهب والفرق الاسلاميه »
«من غير الشيعه الاماميه »
ثامر هاشم حبيب
العميدى
بسم اللّه الرحمن
الرحيم
لا يتخذ المومنون الكافرين اولياء من
دون المومنين و من يفعل ذلك فليس من اللّه فى شىء الا ان تتقوا منهم تقاه و
يحذركم
اللّه نفسه و الى اللّه المصير)
آل عمران: 3/ 28
المقدمه
بسم اللّه الرحمن
والحمد للّه رب العالمين ، والصلاه والسلام على
اشرف الانبياء
والمرسلين ، وازكى التحيه والتسليم على آله
الاطهار
الميامين
وصحبه الاخيار المخلصين وتابعيهم باحسان الى يوم
الدين ،
وبعد...
لا شك ان التقيه من المفاهيم الاسلاميه الاصيله
التى شرعها
اللّه عز وجل لتكون ترسا للمومن، ووقاء لعرضه
وكرامته حيثما
وجد نفسه لا يقوى على مقاومه الظالمين. ولقد اكدتها
السنه
المطهره قولا وفعلا، واستعملها الصحابه والتابعون
وتابعوهم
باحسان (رضى اللّه عنهم)، واقرها جميع الفقهاء
والمحدثين
والمفسرين من سائر المذاهب والفرق الاسلاميه.
ووافقت حكم العقل، لان احتمال الضرر فى شىء ما
يلزم العاقل
تجنبه اذا ما استحق صاحبه اللائمه لو اقدم عليه،
وهذا هو ما
عرف عند اصوليى المذاهب الاسلاميه بقاعده: (وجوب
دفع
الضرر المحتمل)، كما ان لقاعده (الضرورات تبيح
المحضورات) علاقه وطيده بالتقيه، مما يكشف عن مدى
تغلغل هذا المفهوم الاسلامى فى كثير مما يصدق عليه
عنوان:
(الضرر) او(الاكراه)، سواء اكان ذلك فى اصول
العقائدالاسلاميه،
او الاحكام الشرعيه الفرعيه، بل وحتى فى الاداب
والاخلاق
العامه كما سيتضح فى فصول هذا البحث.
فالتقيه اذا ليست هى - كما يتصورها البعض - من مختصات
مذهب معين من مذاهب المسلمين!! اذ اجمع الكل من
المالكيه، والحنفيه، والشافعيه، والحنبليه،
والظاهريه،
والطبريه، والمعتزله، والزيديه، والخوارج،
والوهابيه
على مشروعيتها، واستدلوا على ذلك
بالكتاب،والسنه، والاجماع.
نعم، تميزت الشيعه الاماميه الاثنا عشريه عن غيرها
من
المذاهب الاسلاميه بهذا المفهوم، لاسباب لا تخفى
على من
درس تاريخ التشيع دراسه موضوعيه، ووقف على
المعاناه
الطويله الامد التى مر بها الائمه من اهل البيت(ع)،
وبازمان
متواليه كان ينظر فيها الى التشيع - تبعا لعوامل
السياسه
والتعصب - بانه جريمه لا تغتفر!
او ليس شتم امير المومنين على بن ابى طالب(ع) على
منابر
المسلمين -وهو خليفتهم بالامس ومطارده اصحابه،
وتشريدهم اى مشرد! والتنكيل بمن وقع فى قبضه
السلطه،
وتعذيبهم، وقتلهم وصلبهم على جذوع النخيل مبررا
كافيا
لمن نجا منهم ان يلوذ بما شرعه اللّه تعالى واك-دته
السنه
ليحفظ من خلاله دمه وعرضه وكرامته؟
اوليس محاربه الامام السبط الحسن بن على بن ابى
طالب(ع)،
وحمله على الصلح كرها، وما حصل فيما بعد للامام
الحسين حسين(ع) واهل بيته، واصحابه فى واقعه الطف
المشهوره، وما رافقها من احداث يندى لها جبين
البشريه
خجلا مبررا آخر لرجالات الشيعه على التقيه؟
اوليس ما حدث لحفيد الحسين زيد بن على بن الحسين(ع)،
وكيف انه صلب بعد استشهاده، ثم احرق ونسف رماده فى
اليم
تشفيا، وما آل اليه امر ائمه الشيعه واعلامهم فى
عهد الدوله
العباسيه وعلى ايدى خلفاء بنى العباس كالمنصور
الدوانيقى (ت/158هـ) الذى استدعى الامام الصادق(ع) اكثر
من
مره، وهدده بالقتل مرات ومرات بعد اتهامه بشتى
الاتهامات،
وكيف اسرف فى دماء العلويين كما اسرف من قبل اخوه
السفاح
(ت/136 هـ). حتى اذا ما جاء عهد هارون الرشيد (ت/193هـ)
اضطربت احوال الشيعه ايما اضطراب! بعد ان ضيق هارون
على
زعيم البيت العلوى وامام الشيعه موسى بن جعفر
الكاظم(ع)
فرماه فى ظلمات السجون، ولم يخرج من سجنه الا شهيدا
ينادى على جثمانه الطاهر بذل الاستخفاف: (هذا امام
الرافضه)
يقنع الباحث بمسوغات ما تميز به الشيعه عن غيرهم من
المسلمين بالتقيه؟
ان ماذكره مورخو اهل السنه فى حوادث سنه (236هـ) كفيل
باقناع الباحثين على ان الشيعه الاماميه قد اضطهدت
بما لم
يضطهد بمثله مذهب قط من المذاهب الاسلاميه، ففى هذه
السنه هدم قبر الامام الحسين بن على بن ابى طالب(ع)،
وحرثت تربته وسقيت بالماء، بامر من المتوكل
العباسى
(ت/247هـ) الذى كانت بطانته معروفه بالنصب والبغض
لعلى
بن ابى طالب(ع) منهم على بن الجهم الشاعر المشهور،
وعباده
المخنث، وعمرو بن فرج الرخجى وغيرهم ممن كانوا
يخوفونه
من العلويين، ويشيرون عليه بابعادهم، والاعراض
عنهم،
والاساءه اليهم، وسجن رموزهم، وتعذيب قادتهم.
ويكفى الباحث ان يعلم ان الامام احمد بن حنبل (ت/240هـ)
على الرغم من ان شوكته قد قويت جدا فى عهد المتوكل
الا انه
قد وشى حاسدوه زورا عليه عند المتوكل، بانه قد آوى
علويا
فى منزله، وانه راغب فى مساعدته، فما كان من
المتوكل الا ان
اوعز الى عبداللّه بن اسحاق ان يتوجه الى منزل
الامام ويفتشه،
فبعث ابن اسحاق حاجبه مظفر مع صاحب البريد ابن
الكلبى ،
مع امراتين لكى يقوم الجميع بالتحرى عن الامر، فما
كان من
هولاء الا ان دخلوا على الامام فى منتصف الليل،
وصارحه ابن
الكلبى بالامر، فقال الامام احمد: (ما اعرف من هذا
شيئا، وانى
لارى طاعته فى العسر واليسر، والمنشط والمكره،
والاثره).
فقال له ابن الكلبى: (لقد امرنى امير المومنين ان
احلفك ان ما
عندك طلبته، فتحلف؟ قال: ان استحلفتمونى، احلف).
فاحلفه باللّه وبالطلاق ان لا يوجد فى منزله علوى،
ثم اخذ الكل
بتفتيش المنزل، كما فتشوا منزل ابنه، وفتشت
المراتان
النسوه، وكان بئر فى المنزل فادلوا شمعه فيه
ونظروا، فلم
يجدوا شيئا، وبعد ان ثبت كذب الواشين جاء كتاب
المتوكل
يحمل براءه الامام احمد بن حنبل مما اتهم به واوصله
بمال
جزيل .
ويتضح من كل هذا كيف تميزت الشيعه بالتقيه، وكيف
حملوا
عليها قسرا، بعد ان لم يجدوا غيرها وسيله للامان فى
تلك
العهود التى تناها فيها الظلم والاضطهاد بحقهم.
ولعل من اوضح ما يصور هذه الحقيقه التى لا شبهه
فيها، اننا
لم نجد من بين رواه الحديث من اهل السنه من يقول
مثلا:
حدثنى الشيخ، ويريد به الامام مالك بن انس، او
اخبرنى العبد
الصالح، ويعنى به الامام الشافعى، او انبانى
العالم، او سمعت
العالم يقول كذا، ويقصد به الامام ابا حنيفه.
بينما نجد مثل هذا التعبير مالوفا عند رواه الحديث
من اصحاب
ائمه الشيعه الاماميه، فقد يقول احدهم: حدثنى ابو
زينب،
ونحن نعلم علم اليقين بانه لا يريد غير امير
المومنين على بن
ابى طالب(ع)، وقد يقول: حدثنى العبد الصالح، او
الشيخ، او
العالم، وهو يريد الامام المضطهد فى السجون موسى بن
جعفر
الكاظم(ع).
ولاشك ان لهذه الالفاظ المستعاره دلالاتها، والتى
يمكن
للباحث معرفتها اذا ما ارجعها الى الظروف السياسيه
المحيطه
بحياه اولئك الرواه، ومن يروون عنه من الائمه(ع)، اذ
لابد وان
تكون هناك مصلحه عائده للامام والراوى نفسه، توخيت
بهذا
اللفظ المستعار اتقاء من معره الظالمين
الذى اسرفوا فى
عدائهم لعلى وابنائه(ع)، وضيقوا عليهم حتى عادت
الروايه
عنهم كافيه للقتل والتنكيل!
واذا كانت الشيعه الاماميه قد تميزت فعلا عن غيرها
باستعمال
التقيه - لما تقدم من اسباب فان هذا لا يعنى ان غيرهم
لم
يعمل بالتقيه قط، كما انه لا يعنى ان تكون التقيه
شيعيه المولد
كما ذهب اليه بعض الباحثين والكتاب من اهل السنه.
ونقول بصراحه، انه من الموسف جدا ان يتهم السنى
اخاه
الشيعى بالكذب والنفاق والمخادعه خصوصا فيما يتعلق
بدعوه
علماء الشيعه الى ضروره التقريب بين وجهات النظر
بين علماء
المذاهب الاسلاميه، والدعوه الى التفاهم تحت ظل
رايه الاسلام
الخالده، وتفويت الفرصه على اعداء هذا الدين
العظيم. ومن ثم
ادعاء ان التقيه تشكل مانعا حقيقيا عن التجاوب مع
الشيعه،
لاحتمال ان تكون رغبه الشيعه فى التقارب تقيه!!
هذا فى الوقت الذى بين فيه علماء الشيعه من فقهاء
ومحدثين
واصوليين، وعلماء الكلام والعقائد ان التقيه لها
احكامها
وشروطها، وحالاتها التى تقيد بموجبها، كما هو
الحال عند
علماء اهل السنه فى تقييدها بحالات الضرر الشديد،
او الاكراه،
واى ضرر او اكراه يترتب على دعوه المسلمين الى
التسامح
والاخاء، والموده والصفاء؟!
كما نقول بصراحه: ان بعض الكتاب من اهل السنه لم
يكتف بما
قال، بل زاد على ذلك: جعله التقيه من المفاهيم
الموضوعه
من قبل -ما اسماه (ائمه الرافضه) انفسهم، زياده على
ادعاء ان
التقيه كذب وخداع ونفاق!!
ولهذا اصبح الكشف عن واقع التقيه عند غير الشيعه،
حاجه
ملحه وضروره من ضرورات التقريب بين وجهات النظر بين
الاخوه المسلمين، خصوصا وان الدفاع عن مفهوم
التقيه دفاع
لا عن مذهب معين وانما عن التشريع الاسلامى الخالد
الذى
امتاز بمرونته وصلاحيته لكل عصر وجيل. لذا كانت لنا
جوله
مع مصادر اخواننا اهل السنه من فقه وحديث وتفسير
تمخض
عنها هذا البحث..
واود منذ البدء ان اشير الى الدراسات والبحوث
السابقه فى هذا
الحقل من الدراسه -اعنى: التقيه عند اهل السنه -
وهى:
الاول:اراء علماء المسلمين فى التقيه والصحابه
وصيانه القرآن
الكريم، للسيد مرتضى الرضوى، طبع لاول مره فى الهند
سنه
1409هـ ، واعيد طبعه فى بيروت سنه 1411هـ ، وقد افرد السيد
الرضوى للتقيه عند اهل السنه فى هذا الكتاب ست
صحائف
فقط.
الثانى:التقيه فى اطارها الفقهى - دراسه مقارنه
لواقع التقيه،
للاستاذ على الشملاوى، كتبه بدمشق سنه 1411ه ، وطبع
فى
بيروت سنه 1412ه ، وقد تناول الاستاذ الشملاوى فى
القسم
الثانى من هذا الكتاب التقيه عند اهل السنه وذلك فى
مائه
وسبعه صحائف، والحق ان هذا الكتاب هو من اجود ما
وقفت
عليه فى هذا المجال.
الثالث:التقيه عند اهل السنه نظريا وتطبيقيا،
للاستاذ على
حسين رستم من الباكستان، بحث منشور فى مجله الثقافه
الاسلاميه - فى العددين: الحادى والخمسين/ ربيع
الاول -
ربيع الثانى/1414هـ ، والثانى والخمسين /جمادى الاولى -
جمادى الثانيه /1414هـ ، اصدار المستشاريه الثقافيه
للجمهوريه الاسلاميه الايرانيه بدمشق، ويقع البحث
فى احدى
وستين صحيفه.
الرابع:التقيه فى آراء علماء المسلمين، للشيخ عباس
على براتى،
بحث منشور فى مجله رساله الثقلين، العدد الثامن/
شوال - ذو
الحجه/1414هـ ، اصدار المجمع العالمى لاهل البيت(ع) فى
قم
المقدسه. ويقع البحث فى عشرين صحيفه.
وهناك الكثير من اللبنات الاساسيه لانشاء مثل هذه
البحوث قد
توزعت فى كتب الشيعه الاماميه، اذ تناولوا فيها هذا
الموضوع
عرضا فى مولفاتهم، بما لايسع المجال الى ذكرها
تفصيلا.
وبعد.. فان مما سوغ لى البحث عن التقيه عند اهل السنه
على
الرغم مما حملته البحوث المتقدمه من عناوين، والتى
يبقى
الفضل لاصحابها، اذ سبقوا اليها والفضل للسابق، هو
الوقوف
على الكثير من الاقوال التى اطلقها بعض الكتاب من
اهل السنه
عن التقيه عند الشيعه الاماميه، ووصفها بانها نفاق
وكذب
وخداع، خصوصا فيما يتعلق باحاديث التقيه التى
اخرجها ثقه
الاسلام الكلينى(ره) (ت/329هـ)، عن ائمه اهل البيت(ع)، فى
كتابه الكافى.
ولما كنت قد تناولت فى دراسه مستقله موضوع التقيه
فى
كتاب الكافى، وناقشت فيها جميع ما قيل عن احاديث
التقيه
وغيرها فى هذا الكتاب، كنت قد وقفت على الكثير من
اقوال
الفقهاء من اهل السنه فى مشروعيه التقيه مما لم
اذكره هناك،
ولم اجده فى هذه البحوث بالصوره التى ينبغى ان تكون
عليها
الدراسات المقارنه.
هذا فضلا عن اغفال اراء المذاهب والفرق الاسلاميه
الاخرى
المعروفه كالمذهب الطبرى، والظاهرى، والزيدى،
وراى
المعتزله، والخوارج، والوهابيه فى هذه البحوث، وما
وجد فيها
من ذلك فهو لبعض دون بعض مع ترك اكثرهم.
والاكثر من هذا هو الحاجه الماسه الى معرفه اراء
فقهاء المذاهب
الاربعه المشهورين:
الامام مالك بن انس (ت/179هـ).
الامام ابى حنيفه النعمان (ت/150هـ).
الامام الشافعى (ت/204هـ).
الامام احمد بن حنبل (ت/240هـ)، مع بيان مواقفهم
الصريحه
من التقيه على مستوى العمل والافتاء، وهذا ما لم
اقف عليه فى
تلك البحوث الا لماما، زياده على ما فى بحث التقيه
عند غير
الشيعه الاماميه من فوائد جمه، لعل اهمها سد
المنافذ بوجه
الرياح الصفراء التى طالما حاولت تشويه الحقائق
بغبارها
الكثيف.
كل ذلك كان عاملا مشجعا لاعداد هذا البحث الذى
قسمته
على ثلاثه فصول وهى:
الاول: معنى التقيه ومصادرها التشريعيه.
الثانى: موقف الصحابه والتابعين وغيرهم من التقيه.
الثالث: التقيه فى فقه المذاهب والفرق الاسلاميه.
ولا ادعى الابتكار ولا التجديد فى هذا البحث، وانما
هو لبنه
صغيره ق تضاف الى بناء هذا المفهوم الاسلامى
الشامخ، ان لم
يعثر صاحبها فيلتمس الاقاله جزاء على حسن نيته
برجاء
التوفيق لخدمه الاسلام والمسلمين.
ومنه جل شانه استمد العون والرشاد.
وبه تعالى ثقتى، وهو حسبى.
والحمد له ابتداء وختاما.
وصلاته وسلامه على حبيب القلب محمد وآله.
ثامر العميدى
3/ صفر /1415هـ
قم المشرفه
الفصل الاول-معنى التقيه ومصادرها التشريعيه
معنى التقيه لغه واصلاحا
معنى الاكراه وحالاته واقسامه
مصادر تشريع التقيه:
× النصوص القرآنيه
× السنه المطهره - القوليه والفعليه
× دليل الاجماع
معنى التقيه لغه واصطلاحا
التقيه فى اللغه:
عرفوا التقيه لغه بانها: الحذر والحيطه من الضرر،
والاسم:
التقوى، واصلها: اوتقى، يوتقى، فقلبت الواو الى ياء
للكسره
قبلها، ثم ابدلت الى تاء وادغمت، فقيل: اتقى، يتقى.
وعن ابن الاعرابى: التقاه، والتقيه، والتقوى،
والاتقاء كله واحد،
ولهذا جاء فى بعض القراءات القرآنيه: (الا ان تتقوا
منهم تقيه)،
فى موضع (تقاه).
وفى الحديث الشريف:(تبقه وتوقه)! ومعناه: استبق نفسك
ولا
تعرضها للهلاك والتلف، وتحرز من الافات واتقها.
وفى الحديث ايضا: (قلت: وهل للسيف من تقيه؟ قال: نعم،
تقيه على اقذاء، وهدنه على دخن).
ومعناه: انهم يتقون بعضهم بعضا، ويظهرون الصلح
والاتفاق،
وباطنهم بخلاف ذلك.
التقيه فى الاصطلاح:
لا يختلف تعريف التقيه عند اهل السنه عن تعريفها عند الشيعه الاماميه لا فى
قليل ولا فى كثير الا من حيث فنيه التعبير وصياغه الالفاظ فى تصوير المعنى
الاصطلاحى للتقيه، وهذا ان دل على شىء انما يدل على اتفاقهم من حيث المبدا
على ان
التقيه ليست كذبا، ولا نفاقا، ولاخداعا للاخرين.
فقد عرفها السرخسى الحنفى (ت/490هـ) بقوله: (والتقيه:
ان
يقى نفسه من العقوبه بما يظهره، وان كان يضمر
خلافه).
وعرفها ابن حجر العسقلانى الشافعى (ت/852هـ) بقوله:
(التقيه: الحذر من اظهار ما فى النفس من معتقد
وغيره للغير).
وقال الالوسى الحنبلى الوهابى (ت/1270هـ) فى تفسير
قوله
تعالى: (الا ان تتقوا منهم تقاه): (وعرفوها اى: التقيه
بمحافظه
النفس او العرض، او المال من شر الاعداء).
ثم بين المراد من العدو فقال:
(والعدو قسمان:
الاول: من كانت عداوته مبنيه على اختلاف الدين
كالكافر
والمسلم.
والثانى: من كانت عداوته مبنيه على اغراض دنيويه،
كالمال،
والمتاع، والملك، والاماره).
وهذا التعريف وان كان صريحا بجواز التقيه بين
المسلمين
انفسهم، وعدم حصرها بتقيه المسلم من الكافر، الا ان
ما يوخذ
عليه بانه غير جامع لافراد التقيه اذ اخرج منها
التقيه من سىء
الخلق الذى يتقى الناس لسانه بمداراته، كما نص عليه
البخارى وغيره من المحدثين والمفسرين كما سياتى
بيانه ولاشك ان سىء الخلق ليس من العدو بقسميه.
وعرفها السيد محمد رشيد رضا (ت/1354هـ) بانها: (ما يقال
او
يفعل مخالفا للحق لاجل توقى الضرر).
وهذا التعريف من اجود تعاريف التقيه اصطلاحا، وهو
جامع
مانع، ومنطبق تماما مع تعريف الشيعه الاماميه
للتقيه، وان
كانت التعاريف السابقه لا تختلف عن تعريف الشيعه
كثيرا.
قال الشيخ الانصارى من الشيعه (ت/1282هـ): (التقيه: اسم
لاتقى يتقى، والتاء بدل عن الواو كما فى النهمه
والتخمه.
والمراد هنا: التحفظ عن ضرر الغير بموافقته فى قول
او فعل
مخالف للحق).
وعرفها الشيخ المراغى المصرى ( ت/1364هـ) بقوله:
(التقيه،
بان يقول الانسان، او يفعل ما يخالف الحق، لاجل
التوقى من
ضرر الاعداء، يعود الى النفس، او العرض، او المال).
ثم ادخل فى التقيه ما لم يدخله فى تعريفها كمداراه
الكفره،
والظلمه، والفسقه، والانه الكلام لهم والتبسم فى
وجوههم،
وغير ذلك مما سياتى فى هذا البحث.
وعرفها موسى جاراللّه التركمانى (ت/1369هـ) فقال:
(والتقيه:
هى وقايه النفس من اللائمه والعقوبه، وهى بهذا المعنى من الدين، جائزه فى كل
شىء).
معنى الاكراه وحالاته واقسامه
لما كانت التقيه لا تحصل بغير اكراه عليها واضطرار
اليها، لذا لم
اقف على من اباحها اختيارا من جميع علماء الشيعه
واكثر فقهاء
المذاهب الاسلاميه كذلك الا من شذ منهم كما سيتضح
من
الفصل الثالث فى هذا البحث.
ولقد اتفق المسلمون على ان للاكراه حالات متعدده
مختلفه،
وفى بعضها ما لا تصح فيه التقيه شرعا، لان التقيه
ستكون فى
غير موضعها، ويواخذ فاعلها عليها، ولهذا ميزوا
حالات الاكراه
التى لا تصح فيها التقيه عن غيرها، وقبل الحديث
عنها يحسن
بنا بيان معنى الاكراه فنقول:
معنى الاكراه:
الاكراه لغه، مشتق من كره، والاسم: الكره بالفتح،
وهو كل ما
اكرهك غيرك عليه، والكره بالضم: المشقه، يقال: قمت
على
كره، اى: على مشقه، ويقال: اقامنى فلان على كره، اذا
اكرهك
عليه.
فالكره بالضم هو فعل المختار، والكره بالفتح هو فعل
المضطر.
فالاكراه اذا: هو حاله من حالات الاجبار التى يحمل الفرد بواسطتها على النطق
بشىء او فعل شىء من غير رضاه.
ولهذا
وصف السرخسى الحنفى (ت/490هـ) حاله الاكراه بانها: (اسم
لفعل يفعله المرء بغيره فينتفى به رضاه، او يفسد به
اختياره).
حالات الاكراه التى لا تصح فيها التقيه:
ويراد بها حالات الاكراه المتعلقه بافعال القلوب، والتى لا سبيل للمكره الى
علمها فى قلب المكره، وبالتالى فلا يصح التجاء المكره الى شىء منها، كما لو اكره المسلم على بغض
المومنين،
او حب الكافرين حقيقه، او على الاعتقاد بعقيده
فاسده، او على
انكار ما ثبت انه من الدين انكارا قلبيا، ونحو ذلك.
فهذا وامثاله لا تصح فيه التقيه قطعا، ولم اقف على من صرح بخلافه، وقد ايد هذا
المعنى القرآن الكريم صراحه كما فى قوله تعالى: (لا يتخذ المومنون الكافرين
اولياء من دون المومنين ومن يفعل ذلك فليس من اللّه فى شىء الا ان تتقوا
منهم تقاه
ويحذركم اللّه نفسه والى اللّه المصير).
ولا يخفى ما فى هذه الايه من صراحه تشريع التقيه،
الا ان
المهم هنا هو ان التحذير الوارد فيها قد جاء مباشره
بعد تشريع
التقيه: (ويحذركم اللّه نفسه)، لئلا يتحول انكار
المومن للحق
بفعل الاكراه الى انكار قلبى كما يريده من اكرهه،
لان الواجب
ان يبقى القلب مطمئنا بالايمان.
ولقد اك-د تعالى هذه الحقيقه فقال بعد تشريع التقيه والتحذير مباشره: (قل ان
تخفوا ما فى صدوركم او تبدوه يعلمه اللّه ويعلم ما فى السموات وما فى الارض
واللّه على كل شىء قدير).
قال الرازى الشافعى (ت/606 هـ) فى تفسير الايه
المتقدمه: (انه
تعالى لما نهى المومنين عن اتخاذ الكافرين اولياء
ظاهرا وباطنا
واستثنى عنه التقيه فى الظاهر، اتبع ذلك بالوعيد
على ان
يصير الباطن موافقا للظاهر فى وقت التقيه، وذلك لان
من
اقدم عند التقيه على اظهار الموالاه فقد يصير
اقدامه على
ذلك الفعل بحسب الظاهر سببا لحصول تلك الموالاه فى
الباطن. فلا جرم بين تعالى انه عالم بالبواطن كعلمه
بالظواهر،
فيعلم العبد انه لابد ان يجازيه على ما عزم عليه فى
قلبه).
حالات الاكراه التى تصح فيها التقيه:
تصح التقيه فى حالات الاكراه الخارجه عن افعال
القلوب غالبا،
بحيث يستطيع المكره علمها عند المكره، وامثلتها
كثيره لا
حصر لها.
منها: الاكراه على شرب الخمره، او اكل لحم الخنزير.
ومنها: الاكراه على شتم المومن، او موالاه الكافر
ظاهرا.
ومنها: الاكراه على ترك الواجب، كالافطار فى شهر
رمضان،
ونحوه.والخلاصه: ان تاثير الاكراه يجب ان لايتعدى
الى
الاعتقادات القلبيه، لانها مما لا يحكم فيها
الاكراه اصلا،
ولايعلم ثباتها من تغيرها غير اللّه تعالى ولا يد
لغيره تعالى
عليها. بل يجب حصر تاثير الاكراه فى دائره اللفظ،
والفعل
الظاهر الذى تسوغ فيه التقيه شرعا.
على ان هناك بعض الحالات وان لم تتعلق بافعال
القلوب الا ان
التقيه فيها لا تصح ايضا وهذا ما سيتضح من تقسيمهم
الاكراه
على قسمين وهما:
اقسام الاكراه:
القسم الاول - الاكراه على الكلام:
وهذا القسم من الاكراه لا يجب به شىء عندهم مع
مخافه
الضرر، فكلما اكره المسلم على كلام فله ذلك، وقد
ضربوا له
امثله عديده، منها: التلفظ بكلمه الكفر.
ومنها: طلاق المكره، ونحو ذلك.
القسم الثانى: الاكراه على الفعل.
وهذا القسم على نحوين:
احدهما: اكراه تسوغ معه التقيه حال الاضطرار، ومن
امثلته:
الاكراه على القيام عند مجىء الحاكم الظالم، بما
يدل ظاهره
على الاحترام، او الاكراه على شرب الخمره، واكل لحم
الخنزير
وغيرها من موارد الاكراه التى تصح فيها التقيه فعلا
لاقولا.
والاخر: اكراه لا تسوغ معه التقيه مهما بلغت درجه
الاكراه،
ومثلوا له بالاكراه على قتل المسلم بغير حق، فعلى
المكره ان
يمتنع ولو ادى الى قتله فليس له ان يقتل، ولو قتل
بذريعه
التقيه، فلولى الدم القصاص، وهذا من المتفق عليه
بين سائر
فقهاء الشيعه الاماميه، ولم يفت فقهاء اهل السنه
بخلافه الا من
شذ منهم، وفيه تفصيل سياتى ذكره فى فقه الاحناف.
ومن الجدير بالاشاره هو ان التقيه ليست واجبه فى
جميع
الحالات وبلا قيد او شرط عند فقهاء المسلمين، فهى
قد تكون
واجبه، وقد تكون محرمه، كما قد تكون مباحه او
مندوبه او
مكروهه بحسب الاحكام التكليفيه الخمسه، ولكن ليس
لاحكام
التقيه ضابط فى اغلب حالات الاكراه الا ما نص عليه
بدليل
معتبر، ولهذا فقد ترك تقديرها لمن يحمل عليها قسرا.
قال ابن نجيم الحنفى (ت/790هـ): (اذا تعارضت مفسدتان
روعى اعظمهما ضررا بارتكاب اخفهما).
ثم نقل عن الزيلعى قوله: (الاصل فى جنس هذه المسائل
ان
من ابتلى ببليتين، وهما متساويتان ياخذ بايهما
شاء، وان
اختلفتا يختار اهونهما، لان مباشره الحرام لا تجوز
الا للضروره،
ولا ضروره فى حق الزياده).
وقد نص على هذه الحقيقه كل
من:الفرغانى الحنفى(ت/295هـ)، و محمد ابن محمد ابوحامدالغزالى الشافعى (ت/505
هـ)، و
احمد بن ادريس القرافى المالكى (ت/648هـ).
ذلك لان الاكراه يحصل بكل ما يوثر
العاقل الاقدام عليه حذرا مما
هدد به، مع اختلاف ذلك باختلاف الاشخاص،
والافعال
المطلوبه، والامور المخوف بها.
فقد يكون الشىء اكراها فى شىء دون غيره، وفى حق
شخص
دون آخر، وهذا هو مانص عليه السيوط ى الشافعى (ت/911هـ).
كما ان اطلاقات التقيه فى كل ضروره الا ما خرج من
ذلك
بدليل معتبر قد ايدها الكتاب العزيز بجمله من
الايات الكريمه،
نذكر منها:
قوله تعالى: (الا ما اضطررتم اليه).
قوله تعالى: (وما جعل عليكم فى الدين من حرج).
قوله تعالى: (يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم
العسر).
كما ايدتها السنه المطهره، كما فى قوله: (رفع اللّه
عن امتى
الخطا، والنسيان، وما استكرهوا عليه).
مصادر تشريع التقيه
لاشك ان جميع ما يعتقد المسلمون بصحته من عقائد
واحكام،
وعلى اختلاف مذاهبهم وفرقهم لابد له من دليل شرعى،
ذلك
لان ما فى الدين الاسلامى اشبه ما يكون بسلسله من
المعارف
العلميه التى تتبعها اخرى عمليه، متصله الحلقات
ويشدها
الدليل والبرهان.
وبغض النظر عن اختلاف المسلمين فى بعض العقائد
والاحكام
تبعا لاختلافهم فى تحديد دلاله الالفاظ وظواهرها،
وما لها من
تاثير ملحوظ فى تفسير نصوص الكتاب والسنه، او
لاقامه
بعضهم ادله اخرى للاستنباط، لم تزل الى الان محل
نزاع
بينهم، الا ان ما يجمعهم -والحمد للّه من العقائد
والاحكام هو
اكثر بكثير مما يفرقهم، هذا فضلا عن اتفاقهم فى
الاداب
والاخلاق الاسلاميه التى يندر وجودها فى غير
المجتمع
الاسلامى.
ومن بين تلك الامور التى تجمعهم هى التقيه، حيث
تقدم انها
من المفاهيم الاسلاميه المتفق عليها بين سائر
المذاهب
والفرق الاسلاميه، وعليه فلابد وان تكون مصادرها
التشريعيه
قد اطبقت على صحتها كلمه المسلمين.
وفيما ياتى بيان تلك المصادر المشرعه للتقيه،
والتى احتج بها
فى المقام اهل السنه، وهى:
اولا - النصوص القرآنيه:
استدل علماء اهل السنه وغيرهم من علماء المذاهب
والفرق
الاسلاميه بجمله من الايات الكريمه -وقد شاركهم
بهذا علماء
الشيعه الاماميه ايضا على مشروعيه التقيه، نذكر
منها:
الايه الاولى:
قال تعالى: (لا يتخذ المومنون الكافرين اولياء من دون المومنين ومن يفعل ذلك
فليس من اللّه فى شىء الا
ان تتقوا
منهم تقاه ويحذركم اللّه نفسه والى اللّه المصير).
فقد احتج الامام مالك بن انس (ت/179هـ) بهذه الايه على
ان
طلاق المكره تقيه لايقع، وقد نسب القول بهذا الى
ابن وهب
ورجال من العلم على حد تعبيره ثم ذكر اسماء
الصحابه الذين
قالوا بذلك، ونقل عن ابن مسعود قوله: (ما من كلام كان
يدرا
عنى سوطين من سلطان الا كنت متكلما به).
وقال الطبرى (ت/ 310هـ): (الا ان تتقوا منهم تقاه): (الا
ان
تكونوا فى سلطانهم فتخافوهم على انفسكم، فتظهروا
لهم
الولايه بالسنتكم، وتضمروا لهم العداوه). وقد روى
هذا المعنى
عن:
ابن عباس (ت/68هـ) من طريقين.
الحسن البصرى (ت/110هـ).
واخرج عن السدى (ت/127هـ) انه قال فى هذه الايه: (اظهار
الولايه للكافرين فى دينهم، والبراءه من المومنين).
وعن عكرمه مولى ابن عباس (ت/105هـ)، ومجاهد بن جبر
المكى (ت/103هـ) قالا: (الا ان تتقوا منهم تقاه)، اى (ما
لم
يهرق دم مسلم ولم يستحل ماله).
وعن الضحاك بن مزاحم (ت/105هـ)، وابن عباس: (التقيه
باللسان، ومن حمل على امر يتكلم به وهو للّه معصيه
فتكلم
مخافه على نفسه، وقلبه مطمئن بالايمان فلا اثم
عليه، انما
التقيه باللسان).
واحتج الفقيه السرخسى الحنفى (ت/490هـ) بهذه الايه على
جواز التقيه، ونقل قول الحسن البصرى (ت/110هـ): ان
التقيه
جائزه الى يوم القيامه، وقال معقبا: (وبه ناخذ،
والتقيه ان يقى
نفسه من العقوبه بما يظهره وان كان يضمر خلافه.
وقد كان بعض الناس يابى ذلك ويقول انه من النفاق،
والصحيح
ان ذلك جائز لقوله تعالى: (الا ان تتقوا منهم تقاه)،
واجراء كلمه
الشرك على اللسان مكرها مع طمانينه القلب بالايمان
من باب
التقيه).
وقال الزمخشرى المعتزلى (ت/538هـ): (الا ان تتقوا منهم
تقاه)، (الا ان تخافوا امرا يجب اتقاوه تقيه.. رخص
لهم فى
موالاتهم اذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاه
مخالفه ومعاشره
ظاهره، والقلب بالعداوه والبغضاء، وانتظار زوال
المانع).
وقال الامام الرازى الشافعى (ت/ 606هـ) فى تفسير هذه
الايه:
(اعلم ان للتقيه احكاما كثيره، ونحن نذكر بعضهاالى
ان قال:
الحكم الرابع: ظاهر الايه يدل على ان التقيه انما
تحل مع الكفار
الغالبين، الا ان مذهب الشافعى(رضى اللّه): ان
الحاله بين
المسلمين اذا شاكلت الحاله بين المسلمين والمشركين
حلت
التقيه محاماه على النفس.
الحكم الخامس: التقيه جائزه لصون النفس، وهل هى
جائزه
لصون المال؟ يحتمل ان يحكم فيها بالجواز لقوله(:
(حرمه
مال المسلم كحرمه دمه)، ولقوله: (من قتل دون ماله
فهو
شهيد)، ولان الحاجه الى المال شديده، والماء اذا
بيع بالغبن
سقط فرض الوضوء، وجاز الاقتصار على التيمم رفعا
لذلك
القدر من نقصان المال. فكيف لا يجوز هاهنا؟). ثم رجح
قول
الحسن البصرى المتقدم: (التقيه جائزه للمومنين الى
يوم
القيامه) على قول مجاهد الذى حصر التقيه بما كان فى
اول
الاسلام، وقال: (وهذا القول اولى، لان دفع الضرر عن
النفس
واجب بقدر الامكان).
وقال القرطبى المالكى (ت/671هـ): (قال ابن عباس: هو ان
يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالايمان، ولا يقتل ولا
ياتى ماثما..
وقال الحسن البصرى:
التقيه جائزه للانسان الى يوم القيامه، ولا تقيه فى
القتل. وقرا
جابر بن يزيد، ومجاهد، والضحاك: (الا ان تتقوا منهم
تقيه).
وقال ابو حيان الاندلسى المالكى (ت/754هـ): (الا ان تتقوا منهم تقاه): (هذا
استثناء مفرغ من المفعول به، والمعنى: لا تتخذوا كافرا وليا لشىء من الاشياء الا لسبب
التقيه، فيجوز
اظهار الموالاه باللفظ والفعل دون ما ينعقد عليه
القلب
والضمير.
ولذلك قال ابن عباس: التقيه المشار اليها مداراه
ظاهره. وقال:
يكون مع الكفار، او بين اظهرهم فيتقيهم بلسانه، ولا
موده لهم
فى قلبه.
وقال قتاده: اذا كان الكفار غالبين ، او يكون
المومنون فى قوم
كفار فيخافوهم فلهم ان يحالفوهم ويداروهم دفعا
للشر،
وقلبهم مطمئن بالايمان.
وقال ابن مسعود: خالطوا الناس وزايلوهم وعاملوهم
بما
يشتهون، ودينكم فلاتثلموه.
وقال صعصعه بن صوحان لاسامه بن زيد: خالص المومن
وخالق الكافر، ان الكافر يرضى منك بالخلق الحسن.
وقال الصادق: (ان التقيه واجبه، انى لاسمع الرجل فى
المسجد
يشتمنى فاستتر منه بالساريه لئلا يرانى، وقال:
الرياء مع المومن
شرك، ومع المنافق عباده).
ثم قال بعد هذه الاقوال: (وقد تكلم المفسرون هنا فى
التقيه اذ
لها تعلق بالايه، فقالوا: اما
الموالاه بالقلب فلا خلاف
بين المسلمين فى تحريمها، وكذلك الموالاه بالقول
والفعل من
غير تقيه. ونصوص القرآن والسنه تدل على ذلك.
والنظر فى التقيه يكون: فيمن يتقى منه، وفيما يبيحها، وباى شىء تكون من الاقوال والافعال.
فاما من يتقى منه:
فكل قادر غالب بكره يجور منه، فيدخل فى ذلك الكفار،
وجوره الروساء، والسلابه، واهل الجاه فى الحواضر.
واما ما يبيحها:
فالقتل، والخوف على الجوارح، والضرب بالسوط،
والوعيد،
وعداوه اهل الجاه الجوره.
واما باى شىء تكون؟
من الاقول: فبالكفر فما دونه، من بيع، وهبه وغير
ذلك. واما
من الافعال: فكل محرم.
وقال مسروق: ان لم يفعل حتى مات دخل النار، وهذا
شاذ).
وقال ابن حجر العسقلانى الشافعى (ت/852هـ): (ومعنى
الايه:
لا يتخذ المومن الكافر وليا فى الباطن ولا فى
الظاهر، الا التقيه
فى الظاهر، فيجوز ان يوالى اذا خافه، ويعاديه
باطنا).
واحتج الامام الشوكانى الزيدى (ت/1250هـ) بهذه الايه
على
جواز التقيه، ثم قال بعد كلام طويل: (فى ذلك دليل
على جواز
موالاتهم مع الخوف منهم، ولكنها تكون ظاهرا لا
باطنا).
وقال الالوسى الحنبلى الوهابى (ت/1270هـ)كما تقدم عنه
فى
تعريف التقيه: (وفى هذه الايه دليل على مشروعيه
التقيه،
وعرفوها: بمحافظه النفس، او العرض، او المال من شر
الاعداء).
وقال جمال الدين القاسمى الشامى (ت/1332هـ): (ومن هذه
الايه: (الا ان تتقوا منهم تقاه) استنبط الائمه
مشروعيه التقيه
عند الخوف، وقد نقل الاجماع على جوازها عند ذلك
الامام
مرتضى اليمانى).
وقال الشيخ المراغى المصرى غ (ت/1364هـ): (وقد استنبط
العلماء من هذه الايه جواز التقيه، بان يقول
الانسان، او يفعل ما
يخالف الحق، لاجل التوقى من ضرر الاعداء، يعود الى
النفس، او
العرض، او المال).
وقد استدل بهذه الايه على مشروعيه التقيه النجدات
وهم فرقه
من الخوارج الحروريه فيما نسبه الشهرستانى (ت/548هـ)
الى
رئيسهم نجده بن عويمر الخارجى الحرورى (ت/69هـ).
الايه الثانيه:
قال تعالى: (من كفر باللّه من بعد ايمانه الا من اكره
وقلبه
مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب
من اللّه ولهم عذاب عظيم).
هذه الايه الكريمه مكيه بالاتفاق، وقد نزلت فى
بدايه الدعوه الى
دين الاسلام، والمسلمون بعد ثله قليله ربما لا
يتجاوزون عدد
الاصابع، وهذا يعنى ان تاريخ تشريع التقيه فى
الاسلام كان فى
بدايه امر هذا الدين الحنيف.
والحق ان تاريخ تشريع التقيه كما يبدو من الايات
الاخر فى
القرآن الكريم قد سبق تاريخ ولاده الدين الاسلامى
بزمن بعيد،
حيث كانت مشروعه فى زمن عيسى ومن قبله موسى(ع). ولما
بزغت شمس الاسلام، سارع القرآن الكريم الى امضاء
هذا
التشريع واقراره، لكى تكون التقيه منسجمه تماما مع
مرونه
هذا الدين العظيم الذى لا حرج فيه ولا عسر، ومن ثم
لتكون
التقيه فيه حصنا يتحصن فيه المسلمون امام طغيان ابى
سفيان، وجبروت ابى جهل كلما دعت الضروره اليها.
وهذا
ماسيتضح من اقوال المفسرين وغيرهم من علماء
المسلمين
على اختلاف مذاهبهم وفرقهم فى تفسير هذه الايه
الكريمه،
وعلى النحو الاتى:
قال الحسن البصرى (ت/110هـ) فى تفسير هذه الايه: (ان
عيونا
لمسيلمه اخذوا رجلين من المسلمين فاتوه بهما، فقال
لاحدهما: اتشهد ان محمدا رسول اللّه؟ قال: نعم، قال:
اتشهد
انى رسول اللّه؟ فاهوى الى اذنه، فقال: انى اصم.
فامر به فقتل.
وقال للاخر: اتشهد ان محمدا رسول اللّه؟ قال: نعم،
قال: اتشهد
انى رسول اللّه؟ قال: نعم، فارسله. فاتى النبى(
فاخبره، فقال:
اما صاحبك فمضى على ايمانه، واما انت فاخذت
بالرخصه).
واحتج الامام الشافعى (ت/204هـ) بهذه الايه على ان قول
المكره كما لم يقل فى الحكم، واطلق القول فيه،
واختار ان
يمين المكره غير ثابته عليه، كما نسب القول بذلك
الى عطاء
بن ابى رباح (ت/114هـ) احد اعلام التابعين.
واخرج ابن ماجه (ت/273هـ) عن ابن مسعود (ت/32هـ)ما يشير
الى سبب نزول هذه الايه فى جمله من الصحابه كانوا قد
وافقوا
المشركين على ما انتدبوهم اليه انه قال: (كان اول
من اظهر
اسلامه سبعه: رسول اللّه، وابو بكر، وعمار، وامه
سميه، وصهيب،
وبلال، والمقداد.
فاما رسول اللّه(، فمنعه اللّه بعمه ابى طالب.
واما ابو بكر، فمنعه اللّه بقومه.
واما سائرهم، فاخذهم المشركون والبسوهم ادراع
الحديد
وصهروهم فى الشمس، فما منهم من احد الا وقد واتاهم
على
ما ارادوا الابلالا، فانه هانت عليه نفسه فى اللّه،
وهان على قومه،
فاخذوه فاعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به فى شعاب
مكه،
وهو يقول: احد، احد).
قال الشيخ محمد فواد عبدالباقى (ت/1388هـ)فى هامش
حديث ابن ماجه- مانصه: (واتاهم: اصله آتاهم،
بالهمزه، ثم
قلبت الهمزه واو، والايتاء معناه: الاعطاء، اى:
وافقوا المشركين
على ما ارادوا منهم تقيه، والتقيه فى مثل هذه الحال
جائزه
لقوله تعالى: (الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان)).
اما الطبرى (ت/310هـ) فقال: (ان هذه الايه نزلت فى عمار
بن
ياسر وقوم كانوا اسلموا، ففتنهم المشركون عن
دينهم، فثبت
على الاسلام بعضهم، وافتتن بعض).
ثم اخرج هذا المعنى عن ابن عباس (ت/68هـ) انه قال:
(وذلك ان المشركين اصابوا عمار بن ياسر، فعذبوه ثم
تركوه،
فرجع الى رسول اللّه فحدثه بالذى لقى من قريش،
والذى قال،
فانزل اللّه تعالى ذكره عذره).
كما اخرج ذلك عن قتاده (ت/118هـ) انه قال: (انها نزلت فى
عمار بن ياسر، اخذه بنو المغيره فغطوه فى بئر
ميمون، وقالوا:
اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فانزل
اللّه تعالى
ذكره: (الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان)).
واخرج عن ابى عبيده بن محمد بن عمار بن ياسر انه
قال: (اخذ
المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى باراهم فى بعض ما
ارادوا، فشكا ذلك الى النبى( ،فقال النبى(: كيف تجد
قلبك؟
قال: مطمئنا بالايمان، قال النبى( فان عادوا فعد).
ثم عقب الطبرى بقوله: (فتاويل الكلام اذا: من كفر
باللّه من بعد
ايمانه الا من اكره على الكفر، فنطق بكلمه الكفر
بلسانه، وقلبه
مطمئن بالايمان، موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه،
غير
مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرا،
فاختاره
وآثره على الايمان، وباح به طائعا فعليهم غضب اللّه
ولهم عذاب
عظيم).
(ثم اخرج ما يويد هذا القول عن ابن عباس انه قال:
(فاما من
اكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالايمان لينجو
بذلك من
عدوه، فلا حرج عليه، لان اللّه سبحانه انما ياخذ
العباد بما
عقدت عليه قلوبهم).
وقال ابو بكر الجصاص الحنفى (ت/370هـ)بعد ان اخرج عن
معمر روايه ابى عبيده بن محمد بن عمار بن ياسر
المتقدمه:
(هذا اصل فى جواز اظهار كلمه الكفر فى حال الاكراه،
والاكراه
المبيح لذلك هو ان يخاف على نفسه، او بعض اعضائه
التلف ان
لم يفعل ما امره به، فابيح له فى هذه الحال ان يظهر
كلمه
الكفر).
ثم ذكر بعد ذلك ان الاكراه بالقتل، وتلف الاعضاء
على شرب
الخمر، او اكل الميته لابد فيه من امتثال المكره،
وان لم يفعل
كان آثما، لان اللّه عز وجل قد اباح له ذلك فى حال
الضروره
عند الخوف على النفس، مستدلا بقوله تعالى: (الا ما
اضطررتم
اليه).
ثم اخذ فى بيان الامور التى تصح فيها التقيه وعد
منها القذف،
والامور التى لاتصح فيها كالقتل والزنا وشبههما
مما فيه
مظلمه على الانسان.
وذكر ابو الحسن الماوردى الشافعى (ت/450هـ) عن ابن
الكلبى، ان الايه نزلت فى عمار بن ياسر وابويه ياسر
وسميه،
وصهيب، وخباب، اظهروا الكفر بالاكراه وقلوبهم
مطمئنه
بالايمان. ثم قال: (فاذا اكره على الكفر فاظهره
بلسانه وهو
معتقد الايمان بقلبه، ليدفع عن نفسه بما اظهر،
ويحفظ دينه
بما اضمر، فهو على ايمانه، ولو لم يضمره لكان
كافرا).
وبين الواحدى المفسر الشافعى (ت/468هـ) كيف ان الذين
لا
يومنون بايات اللّه يفترون الكذب، ذلك لانهم
يقولون لما لا
يقدر عليه الا اللّه تعالى: ان هذا من قول البشر،
مشيرا بذلك الى
الايات المتقدمه على هذه الايه فى سوره النحل، قال:
ثم
سماهم كاذبين بقوله: (واولئك هم الكاذبون).
ثم قال فى قوله تعالى: (من كفر باللّه بعد ايمانه):
(ثم استثنى
المكره على الكفر (الا من اكره) على التلفظ بكلمه
الكفر
(وقلبه مطمئن بالايمان)).
وقال الفقيه السرخسى الحنفى (ت/490هـ) عن جواز اظهار
الكفر تقيه فى حاله الاكراه، كما نصت عليه هذه
الايه مانصه:
(رخص فيه لعمار بن ياسر(رضى اللّه)، الا ان هذا
النوع من
التقيه يجوز لغير الانبياء، والرسل عليهم الصلاه
والسلام، فاما
فى حق المرسلين صلوات اللّه عليهم اجمعين فما كان
يجوز
ذلك فيما يرجع الى اصل الدعوه الى الدين الحق، وقد
جوزه
بعض الروافض لعنهم اللّه).
اقول: اتفق علماء الشيعه عن بكره ابيهم على انه لو
فرض
حدوث ما لم يعلم جهته الا من امام، كان فى هذه الحال
كالنبى، لا تجوز عليه التقيه قطعا، لانه يلزم من
التقيه فى هذه
الصوره الاغراء بالقبيح الذى لا يمكن تصور صدوره عن
معصوم.
ولا شك ان ما يتعلق باصل الدعوه والدين هو من الوحى
الذى
لا تعلم جهته الا من النبى، ولذلك فالشيعه لا تجوز
عليه التقيه
فى ذلك قطعا.
اما الجائز من التقيه عند الشيعه الاماميه على مطلق
المعصوم،
فهو كالجائز منها على النبى عند اهل السنه، وهو ما
لا يخل
بالوصول الى الحق، وسياتى ما يدل عليه فى المصدر
الثانى من
مصادر تشريع التقيه.
وربما قصد الامام السرخسى بقوله: (بعض الروافض) غلاه الشيعه كالخطابيه لعنهم
اللّه، اذ لا يبعد ان يكون لديهم مثل هذا الاعتقاد السىء، ولكن نسبه القول بذلك الى
(بعض
الروافض) دون تشخيصهم، فهو على الرغم مما فيه من
التنابز
الا انه قد يوهم البعض بان المقصود هم الشيعه
الاماميه نظرا
لما يقوله سائر علماء الشيعه فى سبب الوعيد الذى
سبق حديث
الغدير، وربما يكون هو المقصود.
فان كان ما عناه سامحه اللّه هو هذا، فنقول:
ان ما سبق حديث الغدير من وعيد قد بينه تعالى بقوله
الكريم:
(يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل
فما
بلغت رسالته واللّه يعصمك من الناس ان اللّه لا
يهدى القوم
الكافرين).
فالوعيد الموجه الى النبى فى هذه الايه لا شك فيه، وهو لايدل على تهاون النبى
فى امر الدين، او توانيه فيما انزل اليه، وعدم اكتراثه بشان الوحى، وكيف يمكن
تصور صدور مثل هذا القول عمن قال بعصمه جميع الانبياء(ص)، ونزاهتهم عن كل نقص؟!
بل المراد من ذلك فى نظر علماء الشيعه الاماميه ومن وافقهم من علماء اهل السنه
هو ان النبى(ص)قد تريث بعض الشىء
لجسامه التبليغ الذى عده اللّه عز وجل موازيا لثقل
الرساله
كلها، ريثما يتم تدبير الامر من تهيئه مستلزماته،
كجمع حشود
الحجاج الذين كانوا معه، وتمهيد السبيل امام هذه
الحشود لكى
تقبل نفوس بعضهم مثل هذا التبليغ، لا سيما الاعراب
الذين
اسلموا اخيرا ولما يدخل الايمان فى قلوبهم.
ولا يمنع ان يكون النبى قد خشى من بعضهم لاجل ما
انزل
عليه، ويدل عليه قوله تعالى: (واللّه يعصمك من
الناس)، على
ان هذه الخشيه لم تكن على نفسه الطاهره، فهو لا يخشى
فى
اللّه لومه لائم، وانما كانت على التبليغ نفسه اذ
تفرس(ص)مخالفته فاخر التبليغ الى حين، ليجد له ظرفا
صالحا وجوا آمنا عسى ان تنجح فيه دعوته، ولا يخيب
مسعاه،
فامره اللّه تعالى بتبليغ عاجل، وبين له اهميه هذا
التبليغ،
ووعده ان يعصمه من الناس، ولا يهديهم فى كيدهم، ولا
يدعهم يقلبوا له امر الدعوه.
وهكذا تم التبليغ بخطبه وداع وعلى احسن ما يرام
بعيدا عن
كل اجواء التقيه، الا انه مع الاسف قد اضطر بعض من
سمع
التبليغ الى التقيه فى عدم روايته كما سنثبته فى
الفصل الثانى
من هذا البحث.
اما من اراد ان يفسر تريث النبى بالوجه المتقدم على
انه من
التقيه المصطلح عليها فليس بذاك، وانما هى تقيه
ليست من
قبيل دفع الضرر المحتمل عن النفس او العرض او
المال، فهذا
التفسير يكذبه قوله تعالى فى مدح رسله(ع)والشهاده
لهم
بانهم هم: (الذين يبلغون رسالات اللّه ويخشونه ولا
يخشون
احدا الا اللّه وكفى باللّه حسيبا)، وانما هى تقيه
لاجل هذا
التبليغ ممن كان المترقب من حالهم انهم سيخالفونه
مخالفه
شديده قد تصل الى تكذيبه. ومن تصفح الجزء الاول من
موسوعه الغدير للعلامه الامينى(رحمه اللّه)(ت/1390هـ)
سيجد
الكثير ممن وافق الشيعه الاماميه من علماء اهل
السنه على
صحه هذا التفسير.
ولعل من المناسب هنا ان نذكر قول ابن قتيبه (ت/276هـ)
عن
آيه التبليغ. قال: (والذى عندى فى هذا ان فيه مضمرا
يبينه
مابعده، وهو ان رسول اللّه( كان يتوقى بعض التوقى،
ويستخفى
ببعض ما يومر به على نحو ما كان عليه قبل الهجره،
فلما فتح
اللّه عليه مكه، وافشى الاسلام امره ان يبلغ ما
ارسل اليه مجاهرا
به غير متوق، ولاهائب، ولا متالف. وقيل له: ان انت لم
تفعل
ذلك على هذا الوجه لم تكن مبلغا لرسالات ربك. ويشهد
لهذا
قوله بعد: (واللّه يعصمك من الناس)اى: يمنعك منهم،
ومثل
هذه الايه قوله: (فاصدع بما تومر واعرض عن
المشركين))،
انتهى بلفظه.
وهذا القول هو الذى رفضه الامام الفقيه السرخسى،
والشيعه
قاطبه تويده على هذا الرفض.
ولنعد بعد هذا الى جواز التلفظ بالكفر تقيه، والقلب
مطمئن
بالايمان، كما مر فى الايه الثانيه المتقدمه،
ودلالتها عند
المفسرين وغيرهم، فنقول:
استدل الكياالهراسى الشافعى (ت/504هـ) بهذه الايه على
جمله من الاحكام فقال: (وذلك يدل على ان حكم الرده لا
يلزمه.. ان المشرع غفر له لما يدفع به عن نفسه من
الضرر..
واستدل به اصحاب الشافعى على نفى وقوع طلاق المكره،
وعتاقه، وكل قول حمل عليه بباطل، نظرا لما فيه من
حفظ
حقه عليه، كما امتنع الحكم بنفوذ ردته حفظا على
دينه).
قال الزمخشرى المعتزلى (ت/538هـ) فى تفسير الايه
المتقدمه: (انما يفترى الكذب من كفر باللّه من بعد
ايمانه،
واستثنى منهم المكره، فلم يدخل تحت حكم الافتراء).
ثم نقل
قصه عمار بن ياسر (ت/37هـ)، وما فعله مسيلمه الكذاب
(ت/12هـ) بالصحابيين، وكيف ان احدهما قد شهد للكذاب
تقيه
انه رسول اللّه.
اما ابن عطيه الاندلسى الغرناط ى المالكى (ت/541او
542او
546هـ) فقد بين ان المراد من الكاذبين فى قوله تعالى:
(انما
يفترى الكذب الذين لايومنون بايات اللّه واولئك هم
الكاذبون)،
هم: عبداللّه بن ابى سرح، ومقيس بن صبابه واشباههما
ممن
كان آمن برسول اللّه ثم ارتد. ثم قال: (فلما بين فى
هذه الايه
امر الكاذبين بانهم الذين كفروا بعد الايمان، اخرج
من هذه
الصفه القوم المومنين المعذبين بمكه، وهم: بلال،
وعمار،
وسميه امه، وخباب، وصهيب واشباههم، وذلك ان كفار
مكه
كانوا فى صدر الاسلام يوذون من اسلم من هولاء
الضعفه،
يعذبونهم ليرتدوا، فربما سامعهم بعضهم بما ارادوا
من القول،
يروى ان عمار بن ياسر فعل ذلك فاستثناه اللّه من هذه
الايه،
وبقيت الرخصه عامه فى الامر بعده).
ثم بين بعد ذلك ما يتعلق بايه التقيه من مسائل
الاكراه فقال:
(ويتعلق بهذه الايه شىء من مسائل الاكراه:
اما من عذبه كافر قادر عليه ليكفر بلسانه، وكان
العذاب يودى
الى قتله فله الاجابه باللسان، قولا واحدا فيما
احفظ. فان اراد
منه الاجابه بفعل كالسجود الى صنم ونحو ذلك، ففى
هذا
اختلاف:
فقالت فرقه هى الجمهور: يجيب بحسب التقيه.
وقالت فرقه: لا يجيب ويسلم نفسه.
وقالت فرقه: ان كان السجود نحو القبله اجاب، واعتقد
السجود
للّه..).
ثم اشار الى حالات الاكراه التى تصح فيها التقيه، ولا يلزم المكره بشىء منها كالاكراه على البيع، والايمان،
والطلاق،
والعتق، والافطار فى شهر رمضان ، وشرب الخمر، ونحو
ذلك
من المعاصى، ثم اك-د ان ما بينه هو المروى عن
مالك بن انس
(ت/179هـ) من طريق مطرف،وابن عبدالحكم، واصبغ.
وذكر بعد هذا ان التقيه على مثل هذه الامور لا يشترط
ان
تكون من اجل المحافظه على النفس من التلف، لتعدد
مصاديق الاكراه التى تسوغ معها التقيه. فقال: (قال
مالك:
والقيد اكراه، والسجن اكراه، والوعيد المخوف
اكراه وان لم
يقع اذا تحقق ظلم ذلك المتعدى، وانقاذه لما يتوعد).
اما ابن العربى المالكى (ت/543هـ)، فقد فصل القول فى
هذه
الايه، وذكر فيها تسع مسائل، نذكرها باختصار، وهى:
المساله الاولى: نزول الايه فى المرتدين، مع
الاحاله الى ما بينه
من احكام المرتدين فى سوره المائده.
المساله الثانيه: استثناء من تكلم بالكفر بلسانه عن
اكراه، ولم
يعقد على ذلك قلبه، فانه خارج عن حكم المرتد، معذور
فى
الدنيا، مغفور له فى الاخره.
ثم اكد بعد هذا ان التهديد على عمل معين اذا كان من
قادر
ظالم تصح معه التقيه ويسقط عن صاحبها الاثم فى
الجمله، الا
فى القتل، وادعى عدم الخلاف بين الامه فى حرمه
القتل تحت
طائله الاكراه.
وسياتى عنه فى المساله السادسه خلاف هذا الادعاء!!
ثم قال: (واختلف فى الزنا، والصحيح انه يجوز له
الاقدام عليه،
ولا حد عليه، خلافا لابن الماجشون، فانه الزمه
الحد، لانه راى
انها شهوه خلقيه لا يتصور عليها اكراه، ولكنه غفل
عن السبب
فى باعث الشهوه، وانه باطل.
واما الكفر باللّه فذلك جائز له بغير خلاف، على شرط
ان يلفظ
بلسانه، وقلبه منشرح بالايمان).
المساله الثالثه: احتج بهذه الايه على ان الكفر ليس
بقبيح
لعينه وذاته، اذ لو كان كذلك لما حسنه الاكراه.
ولا يخفى ما فيه، لانه لو سئل من لا يومن باللّه
واليوم الاخر ومن
يكفر بكل تشريع سماوى، ماذاتقول؟ ايهما القبيح
عندك؟
الظلم، او العدل والاحسان؟ فماذا سيكون جوابه؟
المساله الرابعه: ان الكفر بالاكراه جائز، ومن صبر
ولم يكفر تقيه
فقتل فهو شهيد.
قال: (ولا خلاف فى ذلك، وعليه تدل آثار الشريعه التى
يطول
سردها، وانما وقع الاذن رخصه من اللّه رفقا بالخلف،
وابقاء
عليهم، ولما فى هذه الشريعه من السماحه، ونفى
الحرج،
ووضع الاصر).
المساله الخامسه: فى بيان سبب نزول هذه الايه
المكيه.
المساله السادسه: (لما سمح اللّه تعالى فى الكفر به..
عند الاكراه
ولم يواخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعه، فاذا
وقع الاكراه
عليها لم يواخذ به، ولا يترتب حكم عليه، وعليه جاء
الاثر
المشهور عند الفقهاء: (رفع عن امتى الخطا والنسيان
وما
استكرهوا عليه)).
ثم ذكر اختلاف العلماء فى تفاصيل معنى الخبر بعد
اتفاقهم
على صحته فقال: (فان معناه صحيح باتفاق من العلماء،
ولكنهم اختلفوا فى تفاصيل.
منها: قول ابن الماجشون فى حد الزنا وقد تقدم.
ومنها: قول ابى حنيفه: ان طلاق المكره يلزم، لانه لم
يعدم فيه
اكثر من الرضا، وليس وجوده بشرط فى الطلاق كالهازل.
وهذا
قياس باطل، فان الهازل قاصد الى ايقاع الطلاق، راض
به،
والمكره غير راض به، ولا نيه له فى الطلاق، وقد قال
النبى:
(انما الاعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى).
ومنها: ان المكره على القتل اذا قتل يقتل، لانه قتل
من يكافئه
ظلما استبقاء لنفسه فقتل.
وقال ابو حنيفه وسحنون: لا يقتل!! وهى عثره من
سحنون..).
المساله السابعه: تعجب فى هذه المساله من اختلاف
علماءالمالكيه فى الاكراه على الحنث فى اليمين هل
يقع به ام
لا، بمعنى: هل تجوز فيه التقيه ام لا؟
ثم حكم بجوازها موكدا عدم الفرق بين الاكراه على
اليمين فى
انها لا تلزم وبين الحنث فى انه لا يقع.
المساله الثامنه: وهى غريبه حقا حقا، فقد جوز فيها
التقيه
للرجل فى ان يعط ى اهله لما لا يحل عند الاكراه على
ذلك، ولا
يقتل نفسه دونها، ولا يتحمل اذى فى تخليصها، وقد
اعتمد فى
ذلك على اسرائيليه لا شك فيها، وخلاصتها ان
ابراهيم(ع)
هاجر ومعه ساره، ودخل بها قريه فيها ملك جبار فارسل
الى
ابراهيم ان يرسلها له، ففعل ابراهيم، ولكن اللّه
انجاها من هذا
الكافر الذى اراد بها سوءا!! فالتقيه على هذا
المستوى جائزه
عنده، مع ان من اسباب تشريعها صيانه العرض لا هتكه.
المساله التاسعه: بخصوص حكم الاكراه الحق مع عدم
الانقياد
اليه.
وقال ابن الجوزى الحنبلى (ت/597هـ) فى تفسيرها:
(الاكراه
على كلمه الكفر يبيح النطق بها، وفى الاكراه المبيح
لذلك،
عن احمد روايتان:
احداهما: انه يخاف على نفسه، او على بعض اعضائه
التلف ان لم
يفعل ما امر به).
وقال الرازى الشافعى (ت/606هـ): (وفى الايه مسائل..) وقد
ذكر فى المساله الثانيه قصه عمار بن
ياسر(رضى اللّه)، وانه قيل بشانه لرسول اللّه: (يارسول اللّه! ان عمارا كفر.
فقال: (كلا، ان عمارا ملىء ايمانا من فرقه الى قدم، واختلط
الايمان بلحمه
ودمه)، فاتى عمار رسول اللّه( وهو يبكى، فجعل رسول
اللّه(
يمسح عينيه ويقول: (ما لك؟ ان عادوا لك، فعد لهم بما
قلت).
ثم قال: ومنهم جبر مولى الحضرمى اكرهه سيده فكفر، ثم
اسلم مولاه وحسن اسلامهما وهاجرا).
وقد بين مراتب الاكراه فى المساله السابعه،
ولاهميتها نذكر ما
قال:
(المرتبه الاولى: ان يجب الفعل المكره عليه، مثل ما
اذا اكرهه
على شرب الخمر، واكل الخنزير، واكل الميته، فاذا
اكرهه عليه
بالسيف، فهاهنا يجب الاكل، وذلك لان صون الروح عن
الفوات
واجب.. لقوله تعالى: (ولا تلقوا بايديكم الى
التهلكه).
المرتبه الثانيه: ان يصير ذلك الفعل مباحا، ولا
يصير واجبا،
ومثاله ما اذا اكرهه على التلفظ بكلمه الكفر،
فهاهنا يباح له،
ولكنه لا يجب.
المرتبه الثالثه: انه لا يجب ولا يباح بل يحرم، وهذا
مثل ما اذا
اكرهه انسان على قتل انسان آخر، او على قطع عضو من
اعضائه، فهاهنا يبقى الفعل على الحرمه الاصليه. وهل
يسقط
القصاص عن المكره لو قتل ام لا؟
قال الشافعى(رحمه اللّه) فى احد قوليه: يجب القصاص).
اقول: ان القول الاخر للامام الشافعى(رحمه اللّه)
هو: لاقصاص
على من يقتل تقيه، ولابد من حمل هذا القول الاخير
على
التقيه، لانه عاش فى ظل ظروف اوجبت عليه التقيه فى
هذا
الحكم، كما سنشير اليه فى الفصل الثانى من هذا
البحث،
وذلك فى بيان مواقف الصحابه والتابعين وغيرهم من
التقيه.
واحتج الفقيه ابن قدامه الحنبلى (ت/620هـ) بهذه الايه
على
جواز التقيه عند الاكراه عليها، ثم قال: (وانما ابيح
له فعل
المكره عليه، دفعا لما يتوعده به من العقوبه فيما
بعد).
كما ان من اكره على كلمه الكفر فاتى بها، لم يصر
كافرا عنده،
قال: وبهذا قال مالك، وابو حنيفه، والشافعى، وقد
ذكر
تفصيلات اخرى ستاتى عند الحديث عن التقيه فى فقه
الحنابله.
وقال القرطبى المالكى (ت/671هـ): (هذه الايه نزلت فى
عمار
بن ياسر فى قول اهل التفسير، لانه قارب بعض ما ندبوه
اليه).
ثم نقل عن ابن عباس انه قال: ( واما عمار فاعطاهم ما
ارادوا
بلسانه مكرها، فشكا ذلك الى رسول اللّه(، فقال رسول
اللّه(:
كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالايمان، فقال رسول
اللّه(: فان
عادوا فعد). ثم بين عن مجاهد: ان الذين اخذوا مع عمار
بن
ياسر، هم: بلال، وخباب، وصهيب، وسميه ام عمار،
وانهم قالوا
كلهم كلمه الكفر مثل الذى قاله عمار، الا ما كان من
بلال.
وقال البيضاوى الشافعى (ت/685هـ): (الا من اكره): (على
الافتراء، او كلمه الكفر، (وقلبه مطمئن بالايمان)
لم تتغير
عقيدته، وفيه دليل على ان الايمان هو التصديق
بالقلب).
ثم روى بعد ذلك قصه عمار بن ياسر وقال: (وهو دليل على
جواز التكلم بالكفر عند الاكراه، وان كان الافضل ان
يتجنب
عنه اعزازا للدين) ثم ذكر بعد ذلك قصه مسيلمه الكذاب
مع
الصحابيين، اللذين انتهى خبرهما الى النبى، وكيف
انه رخص
لمن اعترف لمسيلمه الكذاب لعنه اللّهبانه رسول
اللّه.
وقال المفسر الشافعى على بن محمد
المعروف بالخازن
(ت/741هـ): (التقيه لاتكون الا مع خوف القتل مع سلامه
النيه
قال اللّه تعالى: (الامن اكره وقلبه مطمئن
بالايمان)، ثم هذه
التقيه رخصه).
اقول: ان هذا الكلام من الخازن الشافعى مردود بما مر
عن
الرازى الشافعى فى بيانه مراتب الاكراه، ومردود
ايضا بما تقدم
من اقوال سائر من ذكرنا من المفسرين والفقهاء،
ومردود ايضا
بما سياتى من اقوال مفسرى اهل السنه لا سيما
الشافعيه فى
تفسيرهم لهذه الايه، فترقب.
وقال ابن جزى الكلبى الغرناط ى المالكى (ت/741او 747هـ):
(الا من اكره): (استثنى من قوله: (من كفر)، وذلك ان
قوما
ارتدوا عن الاسلام، فنزلت فيهم الايه، وكان فيهم من
اكره
على الكفر فنطق بكلمه الكفر وهو يعتقد الايمان،
منهم: عمار
بن ياسر، وصهيب، وبلال، فعذرهم اللّه)، ثم فصل قصه
عمار بن
ياسر، وما قال له النبى(ص)على النحو المتقدم من
اقوال المفسرين وقال: (وهذا الحكم فيمن اكره
بالنطق على الكفر،واما الاكراه على فعل هو كفر
كالسجود
للصنم، فاختلف هل تجوز الاجابه اليه ام لا؟
فاجازه الجمهور، ومنعه قوم.
وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمين، ولاطلاق، ولا عتق، ولا شىء فيما بينه وبين اللّه، ويلزمه ما كان من
حقوق الناس،
ولا تجوز الاجابه اليه، كالاكراه على قتل احد، او
اخذ ماله).
اقول: سياتى بيان ما جرى للامام مالك بن انس (ت/179هـ)
من
لدن خلفاء بنى العباس بسبب افتائه فى يمين المكره
وقوله فى
ذلك: ليس على مكره يمين، فى الفصل الثانى من هذا
البحث
وذلك فى بيان مواقف الصحابه والتابعين وغيرهم من
التقيه،
وسترى هناك كيف قد كلفته هذه الفتيا كثيرا.
وقال تاج الدين الحنفى (ت/749هـ): (من اكره على الكفر،
ولفظ به، وقلبه مطمئن بالايمان، فلا يواخذ به..
والمعنى: انما
يفترى الكذب من كفر باللّه من بعد ايمانه، واستثنى
منه
المكره، فلم يدخل تحت حكم الافتراء).
وقال ابو حيان محمد بن يوسف الاندلسى المالكى (ت/754هـ):
(استثنى من الكافرين من كفر باللفظ وقلبه مطمئن
بالايمان،
ورخص له فى النطق بكلمه الكفر، اذ كان قلبه مومنا،
وذلك
مع الاكراه. والمعنى: الا من اكره على الكفر، تلفظ
بكلمه الكفر
وقلبه مطمئن بالايمان).
وقال فى مكان آخر من تفسير الايه: (وفى قوله: (الا من اكره) دليل على ان من فعل
المكره لا يترتب عليه شىء. واذا
كان قد
سومح لكلمه الكفر، او فعل ما يودى اليه، فالمسامحه
بغيره من
المعاصى اولى.
وقد تكلموا فى كيفيه الاكراه المبيح لذلك، وفى
تفصيل
الاشياء التى يقع الاكراه فيها، وذلك كله مذكور فى
كتب الفقه.
والمكرهون على الكفر، المعذبون على الاسلام: خباب،
وصهيب، وبلال، وعمار، وابواه: ياسر وسميه، وسالم،
وجبر
عذبوا فاجابهم عمار وجبر مولى الحضرمى فخلى
سبيلهما،
وتمادى الباقون على الاسلام، فقتل ياسر وسميه،
وهما اول
قتيل فى الاسلام).