وقد مر، وسياتى ايضا ان هولاء الصحابه كلهم قد اجابوا المشركين الى ما انتدبوهم اليه الا ما كان من بلال، وليس الامر كما قاله ابو حيان، على ان ما يفهم من عباره المفسرين ان جبرا قد استمر ارتداده عن الاسلام فى الظاهر تقيه لمده طويله الى ان اسلم مولاه الحضرمى الذى كان قد اكره جبرا على الكفر.

وقال ابن كثير الشافعى (ت/ 774هـ): (واما قوله: (الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان)، فهو استثناء ممن كفر بلسانه، ووافق المشركين بلفظه مكرها لما ناله من ضرب واذى، وقلبه يابى ما يقول، وهو مطمئن بالايمان باللّه ورسوله.

وقد روى العوفى عن ابن عباس: ان هذه الايه نزلت فى عمار بن ياسر، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد( ، فوافقهم على ذلك مكرها، وجاء معتذرا الى النبى(، فانزل اللّه هذه الايه).

ثم نقل عن الطبرى (ت/310هـ) ما رواه فى قصه عمار بن ياسر(رضى اللّه)، وعن البيهقى (ت/458هـ) انه قال: (انه اى:

عمار بن ياسرسب النبى(، وذكر آلهتهم بخير. فشكا ذلك الى النبى(، فقال: يارسول اللّه! ما تركتك حتى سببتك، وذكرت آلهتهم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالايمان.

فقال: ان عادوا فعد).

ثم قال: (ولهذا اتفق العلماء على ان المكره على الكفر يجوز له ان يوالى ابقاء لمهجته، ويجوز له ان يابى) مستدلا بشهاده حبيب بن زيد الانصارى، وسلامه صاحبه حين امتحنهما مسيلمه الكذاب، فاستشهد الاول لامتناعه عن الاقرار لما اراده الكذاب، ونجا الثانى لموافقته على ما اراد، وبقول النبى(ص)له:

(واما انت فاخذت بالرخصه).

وقال المفسر السنى نظام الدين الحسن بن محمد القمى النيسابورى (ت/850هـ): (والمعنى: انما يفترى الكذب من كفر، واستثنى منهم المكره، فلم يدخل تحت الافتراء.. وانما صح استثناء المكره من الكافر مع انه ليس بكافر، لانه ظهر منه بعد الايمان ما مثله يظهر من الكافر طوعا، فلهذه المشاكله صح الاستثناء.

قال ابن عباس: نزلت فى عمار بن ياسر).

ثم تطرق الى بعض مسائل التقيه، منها: التقيه فى الدماء، والزنا، فقال: (ومنها: لايجب ولا يباح بل يحرم، كما اذا اكره على قتل انسان، او على قطع عضو من اعضائه، فهاهنا يبقى الفعل على الحرمه الاصليه، وحينئذ لو قتل، فللعلماء قولان:

احدهما: لا يلزم القصاص. وبه قال ابو حنيفه، والشافعى فى احد قوليه، لانه قتله دفعا عن نفسه فاشبه قتل الصائل..

وثانيهما: وبه قال احمد والشافعى فى اصح قوليه: ان عليه القصاص لانه قتله عدوانا لاستبقاء نفسه).

ثم نقل النيسابورى عن ابى حنيفه (ت/150هـ) انه قال: لو اكره السلطان احدا على الزنا فزنى، لم يجب على الزانى الحد، ولو اكرهه بعض الرعيه وجب.

اذا التقيه وبموجب هذا القول ونظائره المتقدمه تصح فى الدماء وهتك الاعراض!! وقال ابن حجر العسقلانى الشافعى (ت/852هـ): (واما من اكره على ذلك فهو معذور بالايه، لان الاستثناء من الاثبات نفى، فيقتضى ان لا يدخل الذى اكره على الكفر تحت الوعيد، والمشهور: ان الايه المذكوره نزلت فى عمار ابن ياسر، كما جاء من طريق ابى عبيده بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: اخذ المشركون عمارا فعذبوه حتى قاربهم فى بعض ما ارادوا...).

واخرج عن الطبرى (ت/310هـ) مارواه بسنده عن ابن عباس (ت/68هـ) انه قال: (اخبر اللّه ان من كفر بعد ايمانه فعليه غضب من اللّه، واما من اكره بلسانه وخالفه قلبه بالايمان لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه، ان اللّه انما ياخذ يواخذالعباد بما عقدت عليه قلوبهم).

اما الشربينى الشافعى (ت/977هـ) فقد علق على ما افتى به النووى الشافعى (ت/676 هـ) بعدم رده المكره على الكفر بقوله بعد ان استدل بالايه المتقدمه: (لايكون مرتدا، لان الايمان كان موجودا قبل الاكراه، وقول المكره ملغى مالم يحصل فيه اختيار لما اكره عليه، كما لو اكره على الطلاق، فان العصمه كانت موجوده قبل الاكراه، فاذا لم يحصل منه اختيار لما اكره عليه لم يقع عليه طلاق).

وقال البرسوى الحنفى (ت/1137هـ): (الا من اكره): (اجبر على ذلك التلفظ بامر يخاف على نفسه، او على عضو من اعضائه..

لان الكفر اعتقاد، والاكراه على القول دون الاعتقاد، والمعنى:

لكن المكره على الكفر باللسان (وقلبه مطمئن بالايمان)، بالايمان: حال من المستثنى، اى: والحال ان قلبه مطمئن بالايمان لم تتغير عقيدته، وفيه دليل على ان الايمان المنجى المعتبر عند اللّه هو التصديق بالقلب).

اقول: ان عله نفى الكفر عن المكره كما يفهم من هذا القول وسائر الاقوال المتقدمه هى ان الكفر اعتقاد، والاكراه دونه، وهذا الحكم يجب ان يطرد على جميع مايقدم عليه الانسان تقيه عند الاكراه الا ما خرج عنه بدليل معتبر لاطراد العله نفسها.

وقال الامام الشوكانى الزيدى (ت/1250هـ) فى تفسير الايه:

(اجمع اهل العلم على ان من اكره على الكفر حتى خشى على نفسه القتل انه لا اثم عليه ان كفر وقلبه مطمئن بالايمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر).

ثم رد قول محمد بن الحسن الشيبانى (ت/189هـ) بخصوص ان من اظهر الكفر كان مرتدا فى الظاهر، وانه تبين منه زوجته، ولا يصلى عليه ان مات، ولا يرث اباه ان مات مسلما!! فقال:

(وهذا القول مردود على قائله، مدفوع بالكتاب والسنه).

وهذا القول على خلاف اقوال مفسرى الاحناف وفقهائهم واعلامهم، بل على خلاف اقوال جميع علماء الاسلام قاطبه، فضلا عن معارضته صراحه للكتاب العزيز والسنه النبويه.

فقد اجمع الكل على ان عمار بن ياسر قد ملىء ايمانا من فرقه الى قدمه مع انه سب النبى، وذكر اللات والعزى بخير. فهو قول شاذ لا يعتد به لمخالفته صراحه للكتاب العزيز، والسنه المطهره، واجماع المسلمين.

كما رد الشوكانى قول الحسن البصرى (ت/110هـ)، والشافعى (ت/204هـ) وسحنون القاضى المغربى المالكى (ت/240هـ) -وهو الذى روى المدونه الكبرى لمالك بن انس (ت/179هـ) بتوسط عبدالرحمن بن قاسم الفقيه المالكى (ت/191هـ)، عن الامام مالك من ان الرخصه فى التقيه انما جاءت فى هذه الايه فى القول، واما الفعل فلا رخصه فيه! قال الشوكانى: (ويدفعه ظاهر الايه فانها عامه فيمن اكره من غيرفرق بين القول والفعل، ولا دليل لهولاء القاصرين للايه على القول، وخصوص السبب لا اعتبار به مع عموم اللفظ كما تقرر فى علم الاصول).

اقول: لقد ذكرنا من اقوال المالكيه قول: ابن عطيه، وابن العربى، وابن جزى، وابى حيان وهولاء كلهم قد خالفوا سحنون القاضى فيما ذهب اليه.

وذكرنا ايضا من اقوال الشافعيه قول: الماوردى، والواحدى، والرازى، والخازن، وابن كثير، والبيضاوى، وابن حجر العسقلانى، والشربينى، وهولاء كلهم قد خالفوا الامام الشافعى فيما نسبه اليه الشوكانى.

اما ما ذكرناه من اقوال غير هولاء وهولاء من الاحناف والحنابله فهو على عكس ذلك ايضا، وسياتى المزيد من اثبات هذه الحقيقه التى اكدها الشوكانى وغيره فى الفصل الاخير من هذا البحث عند تناول التقيه فى فقه المذاهب والفرق الاسلاميه.

وقال الفقيه الشافعى المفسر محمد بن عمر الجاوى النووى (ت/1316 هـ): (من كفر باللّه من بعد ايمانه): (اى: من تلفظ بكلمه الكفر من بعد ايمانه به تعالى فعليه غضب من اللّه (الا من اكره) على التلفظ بالكفر فتلفظ به بامر لا طاقه له به كالتخويف بالقتل، وكالضرب الشديد، وكالايلامات القويه مما يخاف على نفسه او على عضو من اعضائه (وقلبه مطمئن بالايمان) اى: والحال ان قلبه لم تتغير عقيدته).

ثم اورد بعد هذا قصه عمار بن ياسر(رضى اللّه)، وتقيته من المشركين.

وذكر السيد جمال الدين القاسمى الشامى (ت/1332هـ) فى تفسير هذه الايه بعض التنبيهات.

منها: ان الايه الكريمه قد استدلوا بها على ان المكره غير مكلف، وان الاكراه يبيح التلفظ بكلمه الكفر، مع شرط طمانينه القلب بالايمان، كما استدلوا بها على نفى طلاق المكره، وعتاقه، وكل قول او فعل صدر منه الا ما استثنى وعزاه الى السيوطى الشافعى (ت/911 هـ) فى كتابه: الاكليل.

ثم قال بعد التنبيهات: (قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس:

اكان المشركون يبلغون من اصحاب رسول اللّه( من العذاب ما يعذرون به فى ترك دينهم؟ قال: نعم، واللّه! ان كانوا ليضربون احدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدرعلى ان يستوى جالسا من شده الضر الذى نزل به حتى يعطيهم ما سالوه من الفتنه، حتى يقولون له: اللات والعزى الهك من دون اللّه؟ فيقول: نعم، حتى ان الجعل يمر بهم، فيقولون له: هذا الجعل الهك من دون اللّه؟ فيقول: نعم، اقتداء منهم مما يبلغون من جهده).

وقال المفسر الخارجى الاباضى الجزائرى محمد بن يوسف اطفيش (ت/1332هـ): (الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان):

(حال الاكراه مستمر، حال القتل او التعذيب، او ذاهل حالهما غير معتقد للكفر، فانه ليس بكافر، لان قلبه مطمئن بالايمان، وان جرى لفظ الكفر على لسانه كرها).

ثم اورد قصه عمار بن ياسر، مع ما جرى للصحابى حبيب بن زيد الانصارى وصاحبه مع مسيلمه الكذاب.

ومنع التقيه حال الاكراه على القتل او الزنا، قال: (لايجوز له ولا يعذر).

وقال المراغى (ت/ 1364هـ) فى معنى الايه الكريمه:

(والمعنى،اى: من كفر باللّه بعد الايمان والتبصر فعليه غضب من اللّه، الا اذا اكره على ذلك وقلبه ملىء الايمان باللّهوالتصديق برسوله، فلا تثريب عليه كما فعل عمار بن ياسر).

وقال المفسر المعاصر محمد على الصابونى الوهابى: (الا من اكره..): (اى: الا من تلفظ بكلمه الكفر مكرها، والحال ان قلبه مملوء ايمانا ويقينا.. قال المفسرون: نزلت فى عمار بن ياسر، اخذه المشركون فعذبوه حتى اعطاهم ما ارادوا مكرها). ثم اورد قصه عمار بن ياسر، وتقيته من المشركين على نحو ما مر فى كلام من سبق من المفسرين.

الايه الثالثه:

قال تعالى: (وقال رجل مومن من آل فرعون يكتم ايمانه اتقتلون رجلا ان يقول ربى اللّه وقد جاءكم بالبينات من ربكم وان يك كاذبا فعليه كذبه وان يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم ان اللّه لا يهدى من هو مسرف كذاب).

اتفق مفسرو المذاهب والفرق الاسلاميه على ان هذا الرجل الذى قال هذا القول فيما حكته هذه الايه الشريفه كان قد آمن بنبوه موسى ولكنه كان يكتم ايمانه خوفا على نفسه من فرعون واعوانه، وقد روى بعضهم كما سياتى انه قد كتم ايمانه مائه عام، واختلفوا فى من هو هذا الرجل، والظاهر من اقوال اكثر المفسرين انه كان ابن عم فرعون، ومما يويد قولهم ان لفظ (الال) يقع عليه.

وسبب قوله هذا انه علم بما قاله فرعون لقومه فى موسى(ع)، كما حكاه القرآن الكريم بقوله تعالى: (وقال فرعون ذرونى اقتل موسى وليدع ربه انى اخاف ان يبدل دينكم او ان يظهر فى الارض الفساد).

وعلى الرغم من وضوح دلاله الايه على تقيه هذا الرجل المومن، الا انه سنذكر طائفه من اقوال المفسرين بشان هذه الايه، لكى يتاكد من خلالها ان التقيه كانت معروفه قبل الاسلام بقرون عديده.

فقد نقل الماوردى (ت/450هـ) قول السدى (ت/127هـ): ان هذا الرجل كان ابن عم فرعون، وهو الذى نجا مع موسى(ع).

ونقل عن ابن عباس (ت/68هـ) قوله: (لم يكن من آل فرعون مومن غيره، وامراه فرعون، وغير المومن الذى انذر: (ان الملا ياتمرون بك).

ثم قال: انه كان مومنا قبل مجىء موسى، وكذلك امراه فرعون، قاله الحسن، فكتم ايمانه، قال الضحاك: كان يكتم ايمانه للرفق بقومه، ثم اظهره، فقال ذلك فى حال كتمه).

ولاشك ان ما يعنيه كتمان الايمان هو التقيه لا غير، لانه اخفاء امر ما خشيه من ضرر افشائه، والتقيه كذلك.

ونقل ابن الجوزى الحنبلى (ت/597هـ) قول السدى المتقدم، ونقل عن الحسن البصرى (ت/110هـ) انه قال: (كان مومنا قبل مجىء موسى) وعن مقاتل: (انه كتم ايمانه من فرعون مائه سنه).

وقال الرازى الشافعى (ت/606هـ) (انه تعالى حكى عن ذلك المومن انه كان يكتم ايمانه، والذى يكتم كيف يمكنه ان يذكر هذه الكلمات مع فرعون؟ ولهذا السبب حصل هنا قولان:

الاول: ان فرعون لما قال: (ذرونى اقتل موسى) لم يصرح ذلك المومن بانه على دين موسى بل اوهم انه مع فرعون وعلى دينه، الا انه زعم ان المصلحه تقتضى ترك قتل موسى، لانه لم يصدر عنه الا الدعوه الى اللّه، والاثبات بالمعجزات القاهره، وهذا لايوجب القتل، والاقدام على قتله يوجب الوقوع فى السنه الناس باقبح الكلمات.

الثانى: ان مومن آل فرعون كان يكتم ايمانه اولا، فلما قال فرعون: (ذرونى اقتل موسى) ازال الكتمان واظهر كونه على دين موسى، وشافه فرعون بالحق).

اقول: ان سياق الايه وما بعدها من آيات اخر يوكد صحه القول الاول من انه كان الرجل المومن يكتم ايمانه قبل قول فرعون وبعده ايضا، اذ لو كان قد ازال كتمان الايمان لما قال: (وان يك كاذبا فعليه كذبه) وقوله: (ان اللّه لا يهدى من هو مسرف كذاب) وهذا لا يقوله من يظهر الايمان، وقد احتمل ابن الجوزى فى هذا القول احتمالين، وهما:

(احدهما: مسرف على نفسه، كذاب على ربه، اشاره الى موسى، ويكون هذا من قول المومن.

الثانى: مسرف فى عناده، كذاب فى ادعائه، اشاره الى فرعون ويكون هذا من قوله تعالى).

والاول ارجح، فقد نص عليه اكثر المفسرين، ويدل عليه تظاهر هذا المومن بمظهر الناصح الشفيق عليهم، الحريص على مصلحتهم، وانه لا يهمه امر موسى(ع)بقدر ما تهمه مصلحه فرعون وقومه كما فى قوله: (وان يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم).

فهذا القول يدل بظاهره على انه اراد ان يوهمهم، والا فهو غير شاك فى انه سيصيبهم غضب اللّه تعالى فيما لو اقدموا على قتل موسى(ع).

كما ان ما قاله هذا المومن لقومه بعد ذلك يدل على هذه الحقيقه ويرشد اليها.

كقوله: (ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين فى الارض فمن ينصرنا من باس اللّه ان جاءنا).

وكقوله: (ياقوم انى اخاف عليكم مثل يوم الاحزاب).

وكقوله: (وياقوم انى اخاف عليكم يوم التناد).

ولاشك ان هذه الاقوال تدل على ان هذا المومن كان يشعر قومه باقواله هذه بانه منهم وعلى دينهم واعتقادهم، غايه الامر انه يروم ما فيه مصلحتهم، اذ عسى ان يكون موسى(ع) صادقا فيما يقول فعندها تحل الندامه بهم كما حلت بمن سبقهم، بقتلهم الانبياء(ع)، ولو لم يكن صادقا فلن يضرهم، لان اللّه لا يهدى من هو مسرف كذاب.

واى كان الصحيح من القولين، فان الرجل المومن كان قد كتم ايمانه فى صدره على وجه التقيه من قومه حفظا على نفسه من بطش فرعون واعوانه.

والقرآن الكريم لم يصفه على تقيته هذه بانه كان مخادعا منافقا يظهر خلاف مايعتقد، وانه لا يعرف صدقه من كذبه، بل وصفه باحب الاوصاف اليه تعالى، وهى صفه الايمان، فهو مومن بنص القرآن الكريم، بل هو من الصديقين على لسان المصطفى، وكفى بذلك فخرا.

فقد اخرج علماء الحديث من اهل السنه، عن ابن عباس وغيره، عن رسول اللّه انه قال: الصديقون ثلاثه: حبيب النجار مومن آل ياسين، ومومن آل فرعون الذى قال: (اتقتلون رجلا ان يقول ربى اللّه)، والثالث: على بن ابى طالب، وهو افضلهم)، وهذا ما عرفه المفسرون كما سياتى فى كلماتهم.

قال ابن عطيه الاندلسى المالكى (ت/541هـ)نقلا عن الجوهرى: (وقد اثنى اللّه على رجل مومن من آل فرعون كتم ايمانه واسره، فجعله اللّه تعالى فى كتابه، واثبت ذكره فى المصاحف لكلام قاله فى مجلس من مجالس الكفر).

ثم اكد ان قوله: (يا قوم لكم الملك) هو استنزال لهم ووعظ لهم من جهه ما هم عليه من شهوات، مع التحذير من زوالها، وباسلوب الناصح الشفيق لهم.

وقال القرطبى المالكى (ت/671هـ) عن نصائح الرجل المومن، وقوله لهم: (وان يك كاذبا فعليه كذبه)ما نصه: (ولم يكن ذلك الشك منه فى رسالته وصدقه، ولكن تلطفا فى الاستكفاف واستنزالا عن الاذى)، وهذا القول صريح بان الرجل لم يظهر ايمانه امام فرعون، والافكيف يتفق اظهار الايمان مع رجاء التاثير عليهم فى هذه النصائح المقرونه بالتلطف فى الاستكفاف والاستنزال عن الاذى؟ وقال عن قوله تعالى: (يكتم ايمانه): (ان المكلف اذا نوى الكفر بقلبه كان كافرا وان لم يتلفظ بلسانه، واما اذا نوى الايمان بقلبه فلا يكون مومنا بحال حتى يتلفظ بلسانه، ولا تمنعه التقيه والخوف من ان يتلفظ بلسانه فيما بينه وبين اللّه تعالى، انما تمنعه التقيه من ان يسمعه غيره، وليس من شرط الايمان ان يسمعه الغير فى صحته من التكليف، وانما يشترط سماع الغير له، ليكف عن نفسه وماله).

وقال تاج الدين الحنفى (ت/749هـ) فى قول المومن: (اتقتلون رجلا): (وهذا استدراج الى الاعتراف بالبينات بالدلائل على التوحيد...ولما صرح بالانكار عليهم غالطهم بعد فى ان قسم امره الى كذب وصدق، وابدى ذلك فى صوره احتمال ونصيحه، وبدا فى التقسيم بقوله: (وان يك كاذبا فعليه كذبه) مداراه منه، وسلوكا لطريق الانصاف فى القول، وخوفا اذا انكر عليهم قتله انه ممن يعاضده وينصره، فاوهمهم بهذا التقسيم والبداءه بحاله الكذب حتى يسلم من شره، ويكون ذلك ادنى الى تسليمهم).

وهذا الكلام متين ومنسجم مع سياق الايات القرآنيه الحاكيه لاقوال هذا المومن لفرعون وقومه، ولا شك انه قد ادرك بان الاسلوب الامثل لاقناع فرعون وهو ابن عمه كما مربترك ما اراد فعله هو النصح والمداراه، ليكون اقرب الى الاخذ باقواله مما لو اعلن ايمانه، فهو قد كذب وقومه نبيا مرسلا جاءهم بالمعجزات والدلائل الداله على صدقه، فكيف يصدقون بمن هو دونه وعلى دينه؟ ولقد اكد هذا المعنى ابو حيان الاندلسى المالكى (ت/754هـ) بقوله: (وقال صاحب التحرير والتحبير: هذا نوع من انواع علم البيان تسميه علماونا: استدراج المخاطب. وذلك انه لما راى فرعون قد عزم على قتل موسى والقوم على تكذيبه، اراد الانتصار له بطريق يخفى عليهم بها انه متعصب له، وانه من اتباعه، فجاءهم من طريق النصح والملاحظه فقال: (اتقتلون رجلا ان يقول ربى اللّه)، ولم يذكر اسمه، بل قال: (رجلا) يوهم انه لا يعرفه، ولا يتعصب له (ان يقول ربى اللّه) ولم يقل: رجلا مومنا باللّه، او: هو نبى، اذ لو قال شيئا من ذلك لعلموا انه متعصب، ولم يقبلوا قوله. ثم اتبعه بما بعد ذلك فقدم قوله:

(وان يك كاذبا) موافقه لرايهم فيه، ثم تلاه بقوله: (وان يك صادقا)، ولو قال: هو صادق بكل ما يعدكم، لعلموا انه متعصب، وانه يزعم انه نبى، وانه يصدقه...ثم اتبعه بكلام يفهم منه انه ليس بمصدق وهو قوله: (ان اللّه لا يهدى من هو مسرف كذاب) انتهى).

ومن هنا يتبين ان ما ذهب اليه البرسوى الحنفى (ت/1137هـ) فى معنى قوله تعالى حكايه عن حال المومن: (وقال رجل مومن من آل فرعون يكتم ايمانه) من انه كان يستره ويخفيه من فرعون وملئه لا خوفا، بل ليكون كلامه بمحل من القبول ، لا دليل عليه، وتخالفه سائر الاقوال المتقدمه واللاحقه ايضا، على انه قال بعد ذلك: (وكان قد آمن من بعد بمجىء موسى او قبله بمائه سنه وكتمه).

ولعمرى من اين له ان يعلم ان كتمان ايمانه قبل ان يسمع بمقوله فرعون بمائه عام كان من غير خوف على نفسه من الكافرين؟ قال الشوكانى الزيدى (ت/1250هـ)بعد ان ذكر قول المومن:

(ثم تلطف لهم فى الدفع عنه فقال: (وان يك كاذبا ...)، ولم يكن قوله هذا لشك منه، فانه كان مومنا كما وصفه اللّه ولا يشك المومن).

وقال الالوسى الوهابى (ت/1270هـ)وقد ذكر قول المومن لفرعون وقومه: (ثم ان الرجل احتاط لنفسه خشيه ان يعرف اللعين حقيقه امره فيبطش به، فتلطف فى الاحتجاج فقال:

(وان يك كاذبا فعليه كذبه) لا يتخطاه وبال كذبه).

وقال القاسمى (ت/1332هـ)عن الرجل المومن: (انه سلك معهم طريق المناصحه والمداراه، فجاء بما هو اقرب الى تسليمهم وادخل فى تصديقهم له، ليسمعوا منه ولا يردوا عليه نصيحته، وذلك انه حين فرضه صادقا، فقد اثبت انه صادق فى جميع ما يعد. ولكنه اردفه (يصبكم بعض الذى يعدكم)، ليهضمه بعض حقه فى ظاهر الكلام، ليريهم انه ليس بكلام من اعطاه حقه واثنى عليه، فضلا عن ان يكون متعصبا له. وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل).

وقال الخارجى الاباضى محمد بن يوسف اطفيش (ت/1332هـ)عن الرجل المومن انه: (من القبط، ابن عم فرعون، وكان يجرى مجرى ولى العهد، ومجرى صاحب الشرطه، وقيل: كان اسرائيليا...فمعنى كونه من آل فرعون -على القولين انه فيهم بالتقيه مظهرا انه على دينهم، وظاهر قوله: (يا قوم) انه منهم).

وقال فى مكان آخر: (واستعمل الرجل تقيه على نفسه، ما ذكر اللّه عز وجل عنه بقوله: (وان يك كاذبا فعليه كذبه) ومعنى عليه كذبه: انه لا يتخطاه وبال كذبه من اللّه تعالى فضلا عن ان يحتاج فى دفعه الى قتله).

وقال الشيخ المراغى (ت/1364هـ): (الرجل المومن هو ابن عم فرعون، وولى عهده وصاحب شرطته، وهو الذى نجا مع موسى، وهو المراد بقوله:

(وجاء رجل من اقصى المدينه يسعى) ثم قال فى تفسير الايه الكريمه: (اى: وقال رجل من آل فرعون يكتم ايمانه منهم خوفا على نفسه: اينبغى لكم ان تقتلوا رجلا ما زاد على ان قال: ربى اللّه، وقد جاءكم بشواهد داله على صدقه؟ ومثل هذه المقام لا تستدعى قتلا، ولا تستحق عقوبه! فاستمع فرعون لكلامه، واصغى لمقاله، وتوقف عن قتله).

وهكذا شاء اللّه ان يجعل من تقيه هذا الرجل المومن رضى اللّه تعالى عنه ومن نصحه لقومه، ومداراته وتلطفه تقيه فى الكلام سببا لدرء القتل عن موسى(ع).

واذا كان الامر كذلك وهو كذلك فكيف ساغ لبعضهم القول : بان التقيه من وضع ائمه الرافضه ليبرروا بها ما اختلف من اقوالهم؟! بل كيف يصح القول بعدئذ بان من يتقى هو مخادع كذاب؟!

الايه الرابعه:

قال تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما او بعض يوم قالوا ربكم اعلم بما لبثتم فابعثوا احدكم بورقكم هذه الى المدينه فلينظر ايها ازكى طعاما فلياتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم احدا × انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم او يعيدوكم فى ملتهم ولن تفلحوا اذا ابدا).

هذه الايه الكريمه هى من جمله الايات المبينه لقصه اصحاب الكهف فى القرآن الكريم، ولاجل تقريب دلالتها على التقيه كان لا بد من التعرض لقصتهم على نحو ما فى كتب التفسير السنيه، وباختصار كثير فنقول:

ان للمفسرين فى بيان قصتهم اقوالا، اشهرها ثلاثه، وهى:

القول الاول: انهم هربوا من ملكهم بعد ان دعاهم الى عباده الاصنام، فلجاوا الى الكهف الذى سده الملك عليهم ليموتوا فيه. وان رجلين من المومنين كانا يكتمان ايمانهما قد كتبا اسماء اهل الكهف فى لوح من الرصاص وجعلاه فى تابوت من نحاس واثبتاه فى باب الكهف، لعل اللّه تعالى يطلع عليهم قوما مومنين فيعلمون اخبارهم، وقد اسند هذا القول الى ابن عباس(رضى اللّه) .

وهذا القول يدل على انهم كانوا يتقون من ملكهم، ويكتمون ايمانهم عنه قبل ان يكرههم ملكهم على عباده الاصنام، فلم يسعهم بعد ذلك الا الهرب بدينهم ونجاه انفسهم، ولا شك انهم كانوا قبل ذلك ليس فى عزله عن الناس، وانما كانوا فى معاشره ظاهره، ومخالطه فيها من المداراه الكثير، لان كتم الايمان لا يكون فى العزله، وانما يكون فى المعاشره والمخالطه، وهذا هو معنى التقيه.

القول الثانى: انهم هربوا من ملكهم بجنايه اتهم بها احد المومنين من الذين كانوا يكتمون ايمانهم خوفا على انفسهم من ملكهم الكافر، وكان اصحاب الكهف من رفاق هذا المومن، فخافوا من الملك بعد ان امر بطلبهم فهربوا الى الكهف، وقد نسب هذا القول الى وهب بن منبه (ت/114ه).

وهذا القول على الرغم من ضعفه بوهب، وهو احد اقطاب الاسرائيليات، وكان يقول بالقدر كما هو معروف فى كتب التراجم، الا انه كالاول فى دلالته على تقيتهم قبل هروبهم، لانهم من المومنين بنص الكتاب العزيز، وكان ملكهم كافرا باتفاق المفسرين، ولا يمكن ان يجتمع المومن الضعيف مع كافر متسلط من غير تقيه فى كتم الايمان.

القول الثالث: وهو من اقوى الاقوال، وخلاصته: انهم كانوا ابناء عظماء المدينه واشرافهم، خرجوا من المدينه على غير ميعاد لما كان من امر ملكهم دقيانوس الذى يعبد الاوثان ويجبر الناس على عبادتها، فاتفقت كلمه اصحاب الكهف على الهرب بدينهم وانفسهم منه، فلجاوا الى الكهف، وقد نسب هذا القول الى ابن عباس (ت/68هـ)، ومجاهد بن جبر (ت/103هـ)، وعكرمه (ت/105هـ)، وقتاده (ت/118هـ).

ويويد هذا القول ما نسبه الفخر الرازى (ت/606ه) الى امير المومنين على ابن ابى طالب(ع) من انهم كانوا سته وسابعهم الراعى الذى وافقهم لما هربوا من ملكهم، وكان ثلاثه منهم اصحاب يمين الملك، وكان الملك يستشيرهم جميعا فى مهماته.

وهذا القول كسابقيه يدل على انهم كانوا يكتمون الايمان مع منزلتهم وشرفهم فى قومهم ولعل فيما حكاه الرازى اقوى فى الدلاله على تقيتهم، اذ لا يمكن بموجبه تصور عدم تقيتهم، الا ان يقال بانهم لم يكونوا من المومنين اصلا، وهذا احتمال باطل لم يقل به احد قط، وقد صرح القرآن الكريم بخلافه، حيث قال تعالى عنهم: (انهم فتيه آمنوا بربهم وزدناهم هدى).

وكيف يعقل عدم اتقائهم وهم من مستشارى ملكهم الكافر؟ نعم، قد يقال بان قوله تعالى: (وربطنا على قلوبهم اذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والارض لن ندعوا من دونه الها لقد قلنا اذا شططا) بانه دال على عدم تقيتهم، كما ورد فى كتب التفسير لدى الشيعه الاماميه كما ان قولهم: (ربنا رب السموات والارض لن ندعوا من دونه الها) هو قول من لا يرى التقيه اصلا، فاين تقيه اصحاب الكهف حينئذ؟ والجواب: ان هذا القول ان دل على عدم تقيتهم فلا دليل فيه انهم كانوا لا يرون التقيه قبل قولهم هذا، وقد مر ما يشير الى ان قولهم هذا كان فى آخر ايام مكثهم بين قومهم، وكانوا قبل ذلك سائرين على التقيه لا محاله.

ولقد مر ايضا فى دلاله الايه السابقه على التقيه ان مومن آل فرعون -كما فى احد القولين قد اظهر ايمانه حين سمع فرعون اللعين يقول: (ذرونى اقتل موسى)، وان هذا المومن قد شافه فرعون بالحق ولم يتق منه، مع انه كان يكتم ايمانه عن فرعون وقومه بنص القرآن الكريم.

وبعد سلامه دلاله قول اصحاب الكهف المتقدم على عدم التقيه، فيكون موقفهم منها كموقف مومن آل فرعون، حين شافه فرعون بالحق وترك التقيه بعد ان كان عليها.

ويدل عليه ما ذكر ابو السعود العمادى التركى المفسر (ت/982هـ) قال: (ونباهم -حسبما ذكره محمد بن اسحاق بن يسار انه قد مرج اهل الانجيل، وعظمت فيهم الخطايا، وطغت ملوكهم. فعبدوا الاصنام، وذبحوا للطواغيت. وكان ممن بالغ فى ذلك، وعتا عتوا كبيرا دقيانوس، فانه غلا فيه غلوا شديدا، فجاس خلال الديار والبلاد بالعبث والفساد، وقتل من خالفه من المتمسكين بدين المسيح(ع)، وكان يتبع الناس فيخيرهم بين القتل وعباده الاوثان).

ومن هنا يفهم ان تقيه اصحاب الكهف قبل قولهم هذا كان فيها من مجاهده النفس الشىء العظيم، لان ما يكره عليه المسلم مثلا من مسلم آخر، فهو فى اغلب الاحوال لا يكون مثل ما يكره عليه المسلم من كافر. بل وما يكره عليه المسلم من قبل الكافر مره واحده او مرات، لايقاس بمعاناه الفتيه الذين آمنوا بربهم، وقضوا جل حياتهم بين قوم عكفوا على عباده الاوثان.

اقول: ولهذا ورد عن الامام جعفر بن محمد الصادق(ع) (ت/148هـ)من طرق الشيعه الاماميه انه قال: (ما بلغت تقيه احد تقيه اصحاب الكهف، ان كانوا ليشهدون الاعياد، ويشدون الزنانير، فاعطاهم اللّه اجرهم مرتين).

وكيف لا يشدون الزنار على وسطهم، وهم فى اوساطهم؟ وكيف لا يشهدون اعيادهم، وهم من اعيانهم؟ على ان القرآن الكريم قد اشار الى تقيتهم بعد بعثهم من رقدتهم التى جعلها اللّه تعالى آيه للعالمين...حيث قال قائل منهم: (فابعثوا احدكم بورقكم هذه الى المدينه فلينظر ايها ازكى طعاما فلياتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم احدا).

قال الرازى الشافعى ( ت/606هـ): (وقوله: (وليتلطف): اى:

يكون ذلك فى سر وكتمان، يعنى: دخول المدينه وشراء الطعام (ولا يشعرن بكم احدا) اى: لا يخبرن بمكانكم احدا من اهل المدينه).

وقال القرطبى المالكى (ت/671هـ): ((وليتلطف): اى فى دخول المدينه وشراء الطعام (ولا يشعرن بكم احدا) اى: لا يخبرن، وقيل: ان ظهر عليه فلا يوقعن اخوانه فيما وقع فيه، (انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم). قال الزجاج: معناه:

بالحجاره، وهو اخبث القتل، وقيل: يرموكم بالسب والشتم، والاول اصح، لانه كان عازما على قتلهم كما تقدم فى قصصهم).

ثم بين فى المساله السادسه من مسائل هذه الايه حكم الوكاله اذا اقترنت بالتقيه كما فى توكيل اهل الكهف صاحبهم بشراء الطعام مع ايصائه بان يتقى قومه باخفاء سره ما استطاع فقال ما نصه: (فى هذه الايه نكته بديعه، وهى ان الوكاله انما كانت مع التقيه خوف ان يشعر بهم احد لما كانوا عليه من خوف على انفسهم، وجواز توكيل ذوى العذر متفق عليه). وبعد فلا حاجه للاطاله فى ايراد اقوال المفسرين بمعنى قوله: (وليتلطف) فقد اتفق جميع المفسرين على القول بان المراد من ذلك هو ايصاله بان يخفى امره عن قومه، لانهم اذا اطلعوا على واقع الحال، عرفوا المكان، واذا عرفوه فهم اما سيقتلون من فيه او يجبروهم على عباده الاوثان.

نعم ذكر بعضهم وجها آخر للتلطف، خلاصته ان يكون على حذر من اهل المدينه بحيث لا يغبن فى شراء الطعام، وهذا الوجه بعيد عن اجواء الايه الكريمه كل البعد، خصوصا مع قوله:

(ولا يشعرن بكم احدا) كما نبه عليه الشوكانى الزيدى (ت/1250هـ).

الايه الخامسه:

قال تعالى: (وما لكم الا تاكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم اليه).

ومعنى الايه كما نص عليه سائر المفسرين: ان اللّه تعالى قد بين لكم الحلال من الحرام، وازيل عنكم اللبس والشك، ثم استثنى فقال: (الا ما اضطررتم اليه) اى: ما اضطررتم اليه من المحرمات فهو لكم. والايه ناظره لقوله تعالى: (انما حرم عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير اللّه فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ان اللّه غفور رحيم).

ولا خلاف بين اهل الاسلام بجواز اكل المضطر لمثل هذه المحرمات، وهذا الاضطرار كما يحصل من الجوع فى مخمصه، فقد يحصل ايضا نتيجه الاكراه عليه.

قال مجاهد بن جبر المكى (ت/103هـ) وهو من ائمه المفسرين من التابعين، فى تفسير الايه الخامسه: (يعنى: اكره عليه، كالرجل ياخذه العدو فيكرهونه على اكل لحم الخنزير وغيره فى معصيه اللّه تعالى، الا ان الاكراه يبيح ذلك الى آخر الاكراه).

وهذا دليل مضاف على ما تقدم من ان التقيه ليست فى الكلام فقط، وانما تكون فى الفعل ايضا، حيث دلت هذه الايه على جواز التقيه فى الفعل عند الاكراه عليه، كما لو اكره الكافر مسلما على اكل لحم الخنزير فانه يباح له ذلك، كما ابيح ذلك للمضطر، ولا يسعه ان يمتنع.

قال الجصاص الحنفى (ت/370هـ): (ومن امتنع من المباح كان قاتلا نفسه متلفا لها عند جميع اهل العلم...انه لو امتنع من اكل المباح معه حتى مات كان عاصيا للّه تعالى).

الايه السادسه:

قال تعالى: (وانفقوا فى سبيل اللّه ولا تلقوا بايديكم الى التهلكه واحسنوا ان اللّه يحب المحسنين).

ان الاختلاف الحاصل فى معنى قوله تعالى: (ولا تلقوا بايديكم الى التهلكه) بين اقطاب المفسرين من الصحابه والتابعين ومن جاء بعدهم بين ترك النفقه فى سبيل اللّه تعالى للخوف من الفقر، كما ورد عن ابن عباس (ت/68هـ)، وبين ترك الجهاد فى سبيل اللّه تعالى كما ورد عن حذيفه (ت/36هـ)، والحسن (ت/110هـ)، ومجاهد (ت/103هـ) وقتاده (ت 118/هـ)، والضحاك (ت/105هـ) وغيرهم.

لا يعنى هذا حصر التهلكه فى هذين المعنيين، اذ لا يقيد المعنى بسبب النزول اتفاقا، والعبره انما هى بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولهذا فالايه ناظره وان نزلت بسبب مخصوص - الى كل ما تودى عاقبته الى الهلاك، الا ما استثنى منه بدليل معتبر، كمن يكرهه السلطان الظالم على قتل رجل مومن فيابى، فيقتل، فهذا لا يعد ممن قد القى نفسه الى التهلكه، ولكن لو كان الامتناع عن شرب الخمر يودى الى القتل حتما، فعندها سيكون الممتنع قد القى نفسه الى التهلكه، وهذا ما نبه عليه الامام الرازى فى الايه الثانيه عند بيانه مراتب الاكراه، وقد عد الامتثال للمكره واجبا على المكره فى مثل هذه الحال، فراجع.

الايه السابعه:

قال تعالى: (وما جعل عليكم فى الدين من حرج) لا خلاف فى ان اصل الحرج لغه، هو: الضيق، ولا خلاف ايضا فى ان التقيه لا تحصل الامن جراء وقوع صاحبها فى ضيق لا يسعه الخروج منه بدونها، ولهذا كانت هذه الايه من نعم اللّه تعالى على امه محمد، كما صرح بذلك علماء اهل السنه.

قال القرطبى المالكى (ت/671هـ): (وهذه الايه تدخل فى كثير من الاحكام، وهى مما خص اللّه بها هذه الامه.

روى معمر، عن قتاده قال: اعطيت هذه الامه ثلاثا لم يعطها الا نبى: كان يقال للنبى: اذهب فلا حرج عليك، وقيل لهذه الامه:

(وما جعل عليكم فى الدين من حرج)).

الايه الثامنه:

قال تعالى: (ادفع بالتى هى احسن فاذا الذى بينك وبينه عداوه كانه ولى حميم).

ان دلاله هذه الايه على وجوب تمسك المسلم بالاخلاق الفاضله ومراعاه شعور الاخرين، ومقابله الاساءه بالاحسان، ورد الباطل بالحق، والتسامح مع الاخرين، لا يكاد يشك فيه اى مسلم كان، وهذا المعنى مما اتفق عليه المفسرون عن بكره ابيهم.

ولا شك ان هذه الامور التى دلت عليها الايه الكريمه تدخل - بقدرما-فى باب المداراه، والمداراه هى من التقيه اتفاقا.

على ان هناك الكثير من الايات الاخر التى تقرب الى الاذهان مشروعيه التقيه فى القرآن الكريم، من ذلك:

قوله تعالى: (لا يكلف اللّه نفسا الا ما آتاها).

وقوله تعالى: (يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).

كما ان قوله تعالى: (بل الانسان على نفسه بصيره)، يدل على ان للانسان ان يقدر نتائج ما يقدم عليه من استعمال التقيه او تركها، بل عليه ان يقدر نتائج كل ما يقدم عليه فى حياته كلها، لانه مسوول عن تلك النتائج صغيرها وكبيرها يوم القيامه، وستشهد بها جوارحه عليه، ولا مجال هناك للانكار او المجادله كما يشعر بذلك قوله تعالى بعد ذلك: (ولوالقى معاذيره).

وهذا يعنى ان الاضطرار او الاكراه اللذان يواجههما الانسان فى حياته يترك تقديرهما له، لانه اعلم من غيره حين ينزلان به، وعليه ان يزن الامور بالميزان الحق، فان علم انه لا مخرج من الاضطرار الا باكل المحرم فله ذلك، وان شعر ان الاكراه على المعصيه من فعل او قول ان ادى - مع عدم الامتثال للمكره - الى القتل او ما يقاربه من وعيد متلف او الاعتداء على الاعراض او الاموال وغير ذلك من الاضرار الاخرى التى لا تطاق عاده،فله ان يستعمل التقيه، وقد مر هذا المعنى فى كلمات المفسرين للايه الثانيه كالرازى وغيره، فراجع.

ثانيا - السنه المطهره - القوليه والفعليه:

ورد مفهوم التقيه فى كثير من النصوص المخرجه فى كتب الصحاح والمسانيد، وكتب السيره وقد اسندت الى النبى، وسنذكر منها ما يصح الاحتجاج به على مشروعيه التقيه، وعلى النحو الاتى:

1 - اخرج البخارى (ت/256هـ) من طريق قتيبه بن سعيد، عن عروه بن الزبير ان عائشه اخبرته ان رجلا استاذن فى الدخول الى منزل النبى، فقال: (ائذنوا له فبئس ابن العشيره، او بئس اخو العشيره، فلما دخل الان له الكلام. فقلت له: يا رسول اللّه! قلت ما قلت ثم النت له فى القول؟! فقال:

اى عائشه، ان شر الناس منزله عند اللّه من تركه او ودعه الناس اتقاء فحش).

وهذا الحديث صريح جدا بتقيه رسول اللّه من احد رعيته لفحشه، فكيف اذا لا تجوز تقيه من هو ليس بنبى من المسلم الظالم المتسلط الذى لا يقاس ظلمه مع ضرر كلام الفاحش البذىء؟

2 - الحديث المشهور بين علماء المسلمين: (رفع اللّه من امتى الخطا، والنسيان، وما استكرهوا عليه).

وهذا الحديث يدل ايضا على مشروعيه التقيه، وان صاحبها لا يواخذ بشىء ما دام مكرها عليها، وقد مر فى كلام ابن العربى المالكى ماله علاقه بهذا الحديث ودلالته على التقيه فى تفسيره للايه الثانيه، فراجع.

3 - الحديث المروى عن ابن عمر (ت/65هـ)، عن النبى انه قال:

(المومن الذى يخالط الناس، ويصبر على اذاهم اعظم اجرا من المومن الذى لا يخالط الناس ولا يصبر على اذاهم).

ولا تخفى ما فى مخالطه الناس من امور توجب المداراه، التى تدخل من هذا الباب فى حقل التقيه.

4 - اخرج الهيثمى (ت/807هـ) من طريق ابراهيم بن سعيد، عن النبى(ص)انه قال: (كيف انتم فى قوم مرجت عهودهم واماناتهم وصاروا حثاله؟ وشبك بين اصابعه. قالوا: كيف نصنع؟ قال: اصبروا وخالقوا الناس باخلاقهم، وخالفوهم باعمالهم).

ولعمرى، هل هناك اصرح من هذا بالتقيه؟ وكيف تكون مخالقه حثاله الناس باخلاقهم، ومخالفتهم فى اعمالهم من غير تقيه؟ 5 - حديث ابن عمر عن النبى انه قال: (لا ينبغى للمومن ان يذل نفسه، قال: قلت: يا رسول اللّه! كيف يذل نفسه؟ قال:

يتعرض من البلاء لما لا يطيق).

اقول: لقد طبق هذا الحديث من ادرك الحكم الاموى من الصحابه وما اكثرهم، بل وجميع التابعين، ذلك لان من الثابت الذى لا يرقى اليه الشك مطلقا، ان عليا(ع)قد لعنه الامويون على منابر المسلمين لعشرات من السنين، ولم يغير احد هذا المنكر لا من الصحابه ولا من التابعين، الا القليل الذى احتفظ التاريخ بمواقفهم وسجلها بكل اعزاز وتقدير، فقد ادرك الكل ان مثل هذا التغيير سيعرضهم الى ما لا يطيقون من البلاء، ولا اعلم موقفا اوضح منه فى التقيه.

6 - اخرج المحدثون عن على(ع) (ت/40هـ) وابن عباس (ت/68هـ)، و معاذ ابن جبل (ت/18هـ)، وعمر بن الخطاب (ت/23هـ)، عن النبى، انه قال: (استعينوا على انجاح حوائجكم بالكتمان، فان كل ذى نعمه محسود).

اقول: لقد مرت فائده كتمان مومن آل فرعون ايمانه، حيث استطاع -وبفضل كتمان ايمانه، وتظاهره بمظهر الناصح الشفيق على مصلحه فرعون وقومه - ان يثنى فرعون اللعين عما عزم عليه من جرم عظيم.

على ان هذا الحديث لا يعنى الامر بكتمان الحق والتظاهر بالباطل، ولا يحث على ذلك مطلقا، بل فيما يعنيه ان فى الكتمان فوائدا لا تتحقق بغيره، ولما كانت التقيه هى عباره عن كتمان ما ترى واظهار خلافه للحفاظ على النفس او العرض او المال، اذا اتضحت علاقه الحديث بالتقيه.

7 - حديث السيوطى، عن النبى قال: (بئس القوم قوم يمشى المومن فيهم بالتقيه والكتمان).

وهذا الحديث مويد بنصوص القرآن الكريم، وقد مر بعضها، حيث امتدح اللّه تعالى مومن آل فرعون، وذم فرعون وقومه.

كما وصف اهل الكهف بقوله تعالى: (انهم فتيه آمنوا بربهم وزدناهم هدى) ووصف قومهم بانهم: (ممن افترى على اللّه كذبا).

ولا يمكن والحال هذه تصور حياه اهل الكهف خاليه من التقيه، وهم بين ظهرانى قوم يفترون على اللّه الكذب، مع عتو ملكهم دقيانوس (ت/385م) الذى جاس خلال الديار والبلاد بالعبث والفساد، وقتل من خالفه من المتمسكين بدين المسيح(ع)، وكان يتبع الناس فيخيرهم بين القتل وعباده الاوثان .

وقد اخرج المفسرون عن ابن عباس (ت/68هـ)، وعطاء (ت/114هـ)، ومجاهد (ت/103هـ)، وعكرمه (ت/105هـ)، وابن جريج (ت/150هـ) وغيرهم من ان عامه اهل بلدهم كانوا كفارا، وكان فيهم قوم يخفون ايمانهم على وجه التقيه، ومنهم اصحاب الكهف الذين كانوا من الاشراف على دين عيسى(ع)، وكانوا يعبدون اللّه سرا ويكتمون امرهم.

كل ذلك يويد صحه ما رواه السيوطى آنفا، ويفصح عن ان التقيه لا تكون من المومن ابدا، لان المومنين اخوه، والمومن مرآه المومن، وانما تكون من الانسان الظالم الذى لا يوتمن جانبه.

8 -ما رواه ابن العربى المالكى (ت/543هـ) فى احكام القرآن حول ارسال النبى جماعه من الصحابه لقتل كعب بن الاشرف الطائى فى السنه الثالثه من الهجره، وكان فيهم محمد بن مسلمه (ت/43هـ)، وكيف ان ابن مسلمه واصحابه قد استاذنوا النبى فى ان ينالوا منه، فقالوا: (يارسول اللّه! اتاذن لنا ان ننال منك؟) فاذن لهم بذلك، وهكذا مكنهم اللّه تعالى على قتله بعد ان تظاهروالكعب تقيه وباذن النبى بانهم كرهوا دينه.

9 - الحديث المخرج فى كتب الطرفين، وهو من قوله: ( لا ضرر ولا ضرار) وفى لفظ آخر: (لا ضرر ولا ضرار فى الاسلام).

وهذه القاعده، اعنى: قاعده نفى الضرر، قد تفرعت منها قواعد كثيره، نص عليها ابن نجيم الحنفى (ت/970هـ)، وقد ذكر فى كل منها مسائل شتى، ومنها المسائل المحتمل فيها وقوع الضرر، او المتيقن عند الاكراه، وسياتى كلامه فى الفصل الاخير عند الحديث عن التقيه فى فقه الاحناف.

10 - ما رواه الحسن البصرى (ت/110هـ) وايده عليه سائر المفسرين من ان عيونا لمسيلمه الكذاب (ت/12هـ) قد اخذوا رجلين من المسلمين فاتوه بهما، فقال لاحدهما: اتشهد ان محمدا رسول اللّه؟ قال: نعم. قال: اتشهد انى رسول اللّه، فابى ولم يشهد، فقتله. وقال مثل ذلك للثانى فشهد لمسيلمه الكذاب بما اراد، فاطلقه، فاتى النبى، واخبره بما جرى، فقال:

(اما صاحبك فمضى على ايمانه، واما انت فاخذت بالرخصه).

11 - ما رواه ابن ماجه (ت/273هـ) فى قصه عمار بن ياسر (ت/37هـ) وامه سميه بنت خباط (ت/7ق. هـ)، وصهيب (ت/38هـ)، وبلال (ت/37هـ) والمقداد (ت/33هـ) قال:

(فاخذهم المشركون والبسوهم ادراع الحديد وصهروهم فى الشمس فما منهم احد الا وقد واتاهم على ما ارادوا الا بلالا) وفى لفظ ابى عبيده بن محمد بن عمار بن ياسركما فى تفسير الطبرى (ت/310هـ): (اخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى باراهم فى بعض ما ارادوا، فشكا ذلك الى النبى، فقال النبى: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالايمان، قال النبى: فان عادوا فعد).

وفى لفظ الرازى (ت/606هـ) انه قيل بشان عمار: (يا رسول اللّه! ان عمارا كفر. فقال: كلا، ان عمارا ملىء ايمانا من فرقه الى قدمه، واختلط الايمان بلحمه ودمه، فاتى عمار رسول اللّه( وهو يبكى، فجعل رسول اللّه( يمسح عينيه ويقول: مالك؟ ان عادوا لك، فعد لهم بما قلت).

12 - وما يستدل به على التقيه فى هذا الباب ما اتفق عليه جميع المسلمين وبلا استثناء من انه كان يدعو الناس سرا الى الاسلام فى اول الامر، اشفاقا منه على هذا الدين العظيم حتى لا يخنق فى مهده، وتباد انصاره.

فالدعوه الى الاسلام قد بدات اذا من دائره التقيه، حيث اتفق علماء السيره، والمورخون، والمفسرون وغيرهم على القول بان رسول اللّه(ص)لم يجهر بالدعوه الى الاسلام الا بعد ثلاث سنين من نزول الوحى.

ولو كانت التقيه غير مشروعه، لكونها مثلا من الكذب والنفاق والخداع، او انها معارضه لعقيده الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، لما مرت الدعوه الى هذا الدين الحنيف بهذا العمر من التستر والكتمان.

وقد مر عن ابن قتيبه (ت/276هـ) فى المسائل والاجوبه فى مناقشتنا لقول السرخسى فى تقيه النبى(ص)فى الايه الثانيه ما له علاقه بالمقام، فراجع.

وان دل هذا على شىء انما يدل على ضروره ملازمه التقيه لكل دعوه اصلاح، حتى لا يذاع امرها،وتخنق فى مهدها، ومما يشهد على صحه هذا القول هو ما ينادى به الاسلاميون فى الساحه الاسلاميه من ضروره تطبيق احكام الشرع الاسلامى، ولا شك ان تحركاتهم تلك لا بد وان تكون قد مرت بدور التقيه والكتمان، اذ لا يعقل ظهورها وبهذا الحجم الذى ارعب الكثير من الدوائر الاستعماريه كان فجاه وبلا استعداد وتنظيم.

13 - اخرج البخارى من طريق عبدالوهاب، عن ابى مليكه قال:

(ان النبى( اهديت له اقبيه من ديباج مزرره بالذهب، فقسمها فى ناس من اصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمه، فلما جاء، قال:

خبات هذا لك.

قال ايوب احد رجال اسناد البخارى بثوبه انه يريد اياه، وكان فى خلقه شىء).

قال محمد بن يوسف الكرمانى (ت/786هـ) فى شرح صحيح البخارى: (ايوب بثوبه: اى: ملتبسا به، حالا عن لفظ خبات، يعنى: قال رسول اللّه (: خبات هذا الذهب لك، وكان ملتصقا بالثوب، وان رسول اللّه ( كان يرى مخرمه ازاره، ليطيب قلبه به، لانه كان فى خلق مخرمه نوع من الشكاسه.

ولفظ: (قال بثوبه) معناه: اشار ايوب الى ثوبه ليستحضر فعل النبى( للحاضرين، قائلا: انه يرى مخرمه الازار).

اقول: ربما يقال ان الحديث ليس فيه ما يدل على تقيه النبى من مخرمه، لانه لم يظهر لمخرمه الا الواقع، فاين التقيه فى هذا الحديث؟ والجواب: ان فى هذا الحديث مداراه واضحه، والمداراه تدخل فى باب التقيه، بل لا فرق بينهما كما يظهر من كلام السرخسى فى حذيفه بن اليمان على ما سياتى فى موقف الصحابه من التقيه فى الفصل الثانى.

14 - واخرج البخارى ايضا من طريق عبداللّه بن مسيلمه، عن عبداللّه بن عمر، عن عائشه قالت: (ان رسول اللّه( قال لها: الم ترى قومك لما بنوا الكعبه اقتصروا على قواعد ابراهيم؟ فقلت:

يا رسول اللّه! الا تردها على قواعد ابراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت).

ولقد اعاد البخارى روايه الحديث بصيغ اخرى ايضا.

واخرج ابن ماجه (ت/273) من طريق ابن ابى شيبه، عن الاسود بن يزيد، عن عائشه قالت: (سالت رسول اللّه( عن الحجر؟ فقال: هو من البيت. قلت: ما منعهم ان يدخلوه فيه؟ قال: عجزت بهم النفقه. قلت: فما شان بابه مرتفعا، لا يصعد اليه الا بسلم؟ قال: ذلك فعل قومك، ليدخلوه من شاءوا ويمنعوه من شاءوا، ولولا ان قومك حديث عهد بكفر مخافه ان تنفر قلوبهم، لنظرت هل اغيره فادخل فيه ما انتقص منه، وجعلت بابه بالارض).

وهذا الحديث قد اخرجه البخارى بلفظه من طريق مسدد، عن الاسود بن يزيد، عن عائشه، كما اخرجه مسلم (ت/261هـ) فى صحيحه من طريقين كلاهما عن الاسود بن يزيد، عن عائشه، واخرجه الترمذى (ت/297هـ) كذلك وقال: (هذا حديث حسن صحيح).

وفى لفظ الامام احمد بن حنبل (ت/240هـ): (لولا ان قومك حديث عهد بشرك او بجاهليه لهدمت الكعبه، فالزقتها بالارض، وجعلت لها بابين: بابا شرقيا، وبابا غربيا، وزدت فيها من الحجر سته اذرع، فان قريشا اقتصرتها حين بنت الكعبه).

وقريب من هذا اللفظ ما اخرجه البخارى من طريق عبيد بن اسماعيل، عن هشام، عن ابيه، عن عائشه، ومن طريق سنان بن عمرو، عن عروه، عن عائشه. وبعد...اليس فى هذه الاحاديث دلاله صريحه على ان رسول اللّه(ص)كان يتقى القوم مخافه ان تنفر قلوبهم، لحداثه عهدهم بالكفر، وقربه من الشرك والجاهليه؟!

ثالثا - دليل الاجماع:

لقد ثبت مما تقدم ان التقيه قد شرعها اللّه تعالى فى كتابه الكريم، وتقدمت اقوال ما يزيد على ثلاثين مفسرا من مفسرى المذاهب والفرق الاسلاميه فى جواز التقيه، زياده على ما اثبتته اهم كتب الحديث واصحها عند اهل السنه من جواز التقيه ايضا.

وهذا يعنى ان اهم مصادر التشريع فى الاسلام قد اثبتت مشروعيه التقيه، اذ ليس هناك من مصدر تشريعى اقوى حجه من الكتاب والسنه على الاطلاق.

واما عن الاجماع، فهو على الرغم من كونه فى نظر علماء الشيعه مجرد اداه تكشف عن وجود دليل متين وقويم، كايه من كتاب اللّه تعالى، او حديث شريف ينطق بالحكم المجمع عليه، الا انه لا باس من التعرض الى دليل الاجماع حول مشروعيه التقيه، لا سيما وقد عده علماء اهل السنه دليلا قائما بنفسه تماما كالكتاب والسنه، بمعنى ان الاجماع معصوم عن الخطا، بل ويستحيل فى حقه الخطا، ومن يرد على المجمعين بالاشتباه والغلط، فهو كمن يرد قول اللّه تعالى وسنه رسوله.

قال عبدالعزيز بن احمد البخارى الحنفى (ت/730هـ) فى كشف الاسرار عن اصول البزدوى: (الاصل فى الاجماع ان يكون موجبا للحكم قطعا كالكتاب والسنه).

وقال الغزالى (ت 505هـ) فى المنخول: (الاجماع حجه كالنص المتواتر). ومن هنا كان التعرض لدليل الاجماع، مع التذكير بان من يكره على كلام فيقوله، او على فعل فيفعله، وفيهما معصيه للّه، وقلبه غير راض بما قال او فعل فان تصرفه هذا هو ما يسميه القرآن الكريم، والسنه النبويه، وجميع من نطق الشهادتين من اهل الاسلام، وجميع العقلاء بالتقيه، وانه لا شىء عليه، بدليل ما مر ودليل الاجماع الاتى:

1 - قال ابو بكر الجصاص الحنفى(ت/370هـ): (ومن امتنع من المباح كان قاتلا نفسه متلفا لها عند جميع اهل العلم).

2 - وقال ابن العربى المالكى (ت/543هـ): (لما سمح اللّه تعالى فى الكفر به...عند الاكراه، ولم يواخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعه، وعليه جاء الاثر المشهور عند الفقهاء: رفع عن امتى الخطا، والنسيان، وما استكرهوا عليه...فان معناه صحيح باتفاق من العلماء).

3 - وقال عبدالرحمن المقدسى الحنبلى (ت/624هـ): (اجمع العلماء على اباحه الاكل من الميته للمضطر، وكذلك سائر المحرمات التى لاتزيل العقل).

وقد مر فى هذا الفصل ان الاضطرار الى اكل الميته قد يكون بسبب الجوع او بسبب الاكراه من ظالم او كافر وذلك فى الايه الخامسه فراجع.

4 - وقال القرطبى المالكى (ت/671هـ): (اجمع اهل العلم على ان من اكره على الكفر حتى خشى على نفسه القتل انه لا اثم عليه ان كفر وقلبه مطمئن بالايمان).

5 - وقال ابن كثير الشافعى (ت/774هـ) بعد ان نقل قول رسول اللّه(ص)لعمار حين اكره على الكفر: (كيف تجد قلبك؟ قال:

مطمئنا بالايمان. فقال: ان عادوا فعد).

قال: (ولهذا اتفق العلماء على ان المكره على الكفر يجوز له ان يوالى ابقاء لمهجته، ويجوز له ان يابى).

6 - وقال ابن حجر العسقلانى الشافعى (ت/852هـ): (قال ابن بطال تبعا لابن المنذر:اجمعواعلى ان من اكره على الكفر حتى خشى على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالايمان، انه لا يحكم عليه بالكفر).

7 - وقال الامام الشوكانى الزيدى (ت/1250هـ): (اجمع اهل العلم على ان من اكره على الكفر حتى خشى على نفسه القتل، انه لا اثم عليه ان كفر وقلبه مطمئن بالايمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر).

8 - وقال جمال الدين القاسمى الشامى (ت/1332هـ): (ومن هذه الايه: (الا ان تتقوا منهم تقاه) استنبط الائمه مشروعيه التقيه عند الخوف، وقد نقل الاجماع على جوازها عند ذلك الامام مرتضى اليمانى).

9 - وقال الشيخ المراغى المصرى (ت/1364هـ): (وقد استنبط العلماء من هذه الايه (الا ان تتقوا منهم تقاه)جواز التقيه)، ولم يذكر مخالفا لهم فى ذلك.

10 - وقال عيسى شقره: (وانعقد اجماع العلماء على جواز اظهار الكفر لمن اكره عليه...ابقاء لنفسه بشرط اطمئنان القلب).

11 - وقال الدكتور عبدالكريم زيدان: (فاذا اخذ المضطر بالرخصه ونطق بالكفر، فلا اثم عليه باجماع الفقهاء، لان الايه صريحه بذلك، وجاءت السنه النبويه واكدت ما نطقت به الايه الكريمه) .

الفصل الثانى-موقف الصحابه والتابعين وغيرهم من التقيه

موقف الصحابه من التقيه.

موقف التابعين من التقيه.

موقف تابعى التابعين وغيرهم من التقيه.

الاشاره الى من صرح بالتقيه اجمالا.

موقف الصحابه من التقيه

ليس من العجب ان يجد الباحث الكثير من الصحابه الذين استعملوا التقيه فى حياتهم لا بقيد الاكراه المتلف للنفس، او الوعيد بانتهاك الاعراض وسلب الاموال فحسب وانما لمجرد احتمال الخوف من ذلك، او احتمال التعرض للاهانه والضرب ولو بسوط واحد او سوطين. ولكن العجب ان يدعى بان التقيه من النفاق بعد ان استعملها من قولهم حجه باتفاق علماء اهل السنه انفسهم.

نعم، لقد وقفت على الكثير من الصحابه والتابعين وتابعيهم ومن جاء بعدهم الى يومنا هذا ممن استعمل التقيه وصرح بها علنا، وفيما ياتى جمله من اسماء الصحابه الذين استعملوا التقيه، وسنذكرهم بحسب تاريخ الوفاه، وهم:

1 - ياسر بن عامر الكنانى المذحجى ابو عمار (ت/7ق. هـ)، قال الزركلى (ت/1976م) فى الاعلام: (وفى ايامه بدات الدعوه الى الاسلام سرا).

2 - سميه بنت خباط، زوج ياسر وام عمار قتلها ابو

جهل فى السنه السابعه قبل الهجره، ومات زوجها فى هذه السنه ايضا تحت التعذيب، وهما اول من استشهد فى الاسلام رضى اللّه عنهما.

وقد مرت تقيتهما فى تفسير الايه الثانيه، فى الفصل الاول.

3 - الصحابى الذى شهد تقيه لمسيلمه الكذاب (ت/12هـ)

 بانه رسول اللّه، وقد مر كلام المفسرين فى ذلك كالحسن البصرى (ت/110هـ)، والزمخشرى (ت/538هـ)، والرازى(ت/606هـ)، والبيضاوى (ت/685هـ)، وغيرهم، وذلك فى الدليل القرآنى الثانى على مشروعيه التقيه فى الاسلام.

4 - معاذ بن جبل (ت/18هـ):

اخرج القاسم بن سلام عن سعيد بن المسيب قال: (ان عمرا بعث معاذا ساعيا على بنى كلاب، او على بنى سعد بن ذبيان، فقسم فيهم حتى لم يدع شيئا، حتى جاء مجلسه الذى خرج به على رقيته، فقالت امراته: اين ماجئت به مما ياتى به العمال من عراضه اهليهم ؟ فقال: كان معى ضاغط، فقالت: قد كنت امينا عند رسول اللّه(ص)، وعند ابى بكر، افبعث عمر معك ضاغطا؟ فقامت بذلك فى نسائها واشتكت عمر، فبلغ ذلك عمر، فدعا معاذا فقال: انا بعثت معك ضاغطا؟ فقال: لم اجد شيئا اعتذر به اليها الا ذلك. قال: فضحك عمر واعطاه شيئا وقال: ارضها به).

ولا شك ان قول معاذ ليس فيه تقيه وانما جاء على سبيل التوريه، لان للضاغط معنيين:

احدهما: (الرقيب والامين يلزم به العامل لئلا يخون فيما يجبى، يقال: ارسله ضاغطا على فلان، سمى بذلك لتضييقه على العامل)، وهذا المعنى هو القريب المتبادر من كلام معاذ بقرينه السوال عن العراضه، اى الهديه.

والاخر: هو الحافظ الامين اى: اللّه عز وجل، وهذا المعنى البعيد هو المراد بقول معاذ، ولكنه اوهم زوجته بالاول.

ومما سوغ ذكره هنا - على الرغم من ان التوريه غير التقيه - هو ان التوريه تشترك مع التقيه فى التخلص من الضرر عند الاكراه او الاضطرار، وتقدم على التقيه ما امكن، كما تشتركان فى انهما عباره عن اظهار شىء غير مراد اصلا.

وسبب آخر سوغ ذلك هو ان بعض الكتاب حمل ما ورى به الامام الصادق(ع) عن نفسه - فى بعض احاديث الكافى - على التقيه، من ذلك قول الصادق(ع) لمن ساله من الزيديه: (افيكم امام مفترض الطاعه؟ فقال: لا.. الحديث).

فالمقصود: ليس فينا امام مفترض الطاعه بزعمكم. او ليس من بنى فلان من اولاد على(ع) مفترض الطاعه، والا ففرض طاعتهم قد نص عليها القرآن، والنبى الاكرم، واحاديثهم هم(ع) فى فرض طاعتهم - لا سيما عن الامام الصادق - لا تكاد تحصى كثره.

وقد ناقشنا هذا الحديث وسائر احاديث الكافى الاخرى التى توجه لها طعن بعض الكتاب من اهل السنه كما اشرنا الى ذلك فى مقدمه هذا البحث.

وبالجمله فان التوريه تسبق التقيه عاده، بل اوجبها - عند تمكن المضطر منها - اكثر المفسرين من اهل السنه تخلصا من التقيه.

5 - عمر بن الخطاب (ت/23هـ):

حدث البخارى ان عمر بن الخطاب يوم اسلم، او يوم اراد ان يدخل الاسلام كان خائفا مذعورا من المشركين، واضطر الى ملازمه داره خوفا من ان يخرج فيقتل وبقى على هذا الحال حتى انقذه العاص بن وائل، وكان حليفا لهم فى الجاهليه.

واليك نص ما قاله عبداللّه بن عمر بن الخطاب فى اسلام ابيه، كما فى روايه البخارى من طريق يحيى بن سليمان فى باب اسلام عمر بن الخطاب.

قال: (بينما هو فى الدار خائفا اذ جاءه العاص بن وائل السهمى ابو عمرو عليه حله حبره،وقميص مكفوف بحرير، وهو من بنى سهم، وهم حلفاونا فى الجاهليه، فقال له: مابالك؟ قال: زعم قومك انهم سيقتلوننى ان اسلمت. قال: لاسبيل اليك.

بعد ان قالها امنت. فخرج العاص، فلقى الناس قد سال بهم الوادى، فقال: اين تريدون؟ فقالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذى صبا. قال: لاسبيل اليه. فكر الناس).

اقول: ان عباره: (بعد ان قالها امنت) هى من قول عمر، اى: بعد ما قال العاص: (لا سبيل اليك) امنت، وليس هى من قول ابنه كما نص عليه ابن حجر (ت/852هـ) فى فتح البارى، ثم قال:

(وفى روايه الاسماعيلى: فقلت لعمر: من الذى ردهم عنك يوم اسلمت؟ قال: يابنى ذاك العاص بن وائل).

وهذا الحديث المروى فى الصحيح صريح جدا بخوف عمر يوم اسلم من المشركين وتقيته منهم حيث لزم داره.

وهذا يعنى ان عمر بن الخطاب قد بداعهده بالاسلام مع التقيه.

6 - تقيه رجل قرشى من عمر بن الخطاب:

قال ابن الجوزى الحنبلى (ت/597هـ):(ان عمر بن الخطاب استعمل رجلا من قريش على عمل، فبلغه انه قال:

اسقنى شربه الذ عليها واسق باللّه مثلها ابن هشام فاشخصه اليه، وذكر انه انما اشخصه من اجل البيت. فضم اليه آخر، فلما قدم، قال عمر: الست القائل:

اسقنى شربه الذ عليها واسق باللّه مثلها ابن هشام؟ قال: نعم يا امير المومنين.

عسلا باردا بماء سحاب اننى لا احب شرب المدام

الصفحة السابقة

الصفحة التالية