|
قال: اللّه اللّه، ارجع الى عملك).
7 - تقيه امراه من عمر بن الخطاب:
روى عبداللّه بن بريده قال: بينا عمر يعس ذات ليله، انتهى الى
باب متجانف وامراه تغنى نسوه:
هل من سبيل الى خمر فاشربها
ام هل سبيل الى نصر بن حجاج
ثم ذكر ما كان من عمر وكيف انه دعا نصرا فوجده من احسن
الناس وجها وعينا وشعرا، فامر عمر بشعره فجز، ونفاه الى
البصره بسبب شعر هذه المراه به. ثم قال:
(وخافت المراه التى سمع عمر منها ما سمع ان يبدر اليها شىء
فدست اليه ابياتا:
قل للامير الذى تخشى بوادره
مالى وللخمر او نصر بن حجاج
انى بليت ابا حفص بغيرهما
شرب الحليب وطرف فاتر ساج
لا تجعل الظن حقا او تبينه
ان السبيل سبيل الخائف الراجى
ما منيه قلتهاعرضا بضائره
والناس من هالك قدما ومن ناج
ان الهوى رعيه التقوى تقيده
حتى اقر بالجام واسراج
قال: فبكى عمر وقال: الحمد للّه الذى قيد الهوى بالتقوى).
8 - سراقه بن مالك بن جشعم (ت/24هـ) وسراقه
من الصحابه اسلم بعد الطائف فى السنه الثامنه من
الهجره، وقد اتقى قومه كما هو مفصل فى قصه
هجره النبى(ص) من مكه الى المدينه. فقد ذكر ابن
سعد (ت/230هـ) فى الطبقات الكبرى ان قريش اقد
تتبعت اثر النبى(ص)، وكان معهم سراقه بن مالك
بن جشعم القرشى، وهو خير من يعرف تتبع الاثر،
وانه -بفضل ذلك ادرك النبى وصاحبه ابابكر، وكيف
ان قوائم فرسه قد ساخت فى الارض، وانه طلب من
النبى(ص) ان يدع اللّه ان يطلق فرسه، وانه فى
مقابل ذلك يرجع عنه ويرد من ورائه، ففعل
النبى(ص)، فاطلق فرسه ورجع من حيث اتى
(فوجد الناس يلتمسون رسول اللّه(ص)، فقال لهم:
ارجعوا فقد استبرات لكم ما هاهنا وقد عرفتم بصرى
فى الاثر، فرجعواعنه).
9 - عبداللّه بن مسعود (ت/32هـ):
اخرج ابن حزم الظاهرى (ت/ 456 هـ)، عن الحارث بن سويد
قال: (سمعت عبد اللّه بن مسعود يقول: ما من ذى سلطان يريد
ان يكلفنى كلاما يدرا عنى سوطا او سوطين الا كنت متكلما
به).
قال ابن حزم معقبا: (ولا يعرف له من الصحابه رضى اللّه عنهم
مخالف).
وهذا القول صريح باتفاق الصحابه على جواز التقيه، ولو
باحتمال الخوف من سوط واحد من سياط السلطان الجائر.
ولم يقتصر امر التقيه عند ابن مسعود على الكلام فقط، بل
تعداه الى اهم الافعال العباديه، حيث كان يتقى من الوليد بن
عقبه بن ابى معيط والى عثمان على المدينه، فيصلى خلفه
على الرغم من ان الوليد هذا كان ياتى الى مسجد رسول
اللّه(ص) ثملا ويوم الصحابه فى الصلاه!!
(حتى انه صلى بهم الصبح مره اربعا!! ثم قال: ازيدكم؟ فقال له
ابن مسعود: مازلنا معك منذ اليوم فى زياده).
وفى هذا دليل على تقيه ابن مسعود ومن كان معه فى الصلاه
خلف هذا الوالى الفاسق،الذى جلد على شرب الخمر فى عهد
عثمان (ت/35هـ).
10 - ابو الدرداء (ت/32هـ):
روى البخارى فى صحيحه عن ابى الدرداء انه كان يقول: (انا
لنكشر فى وجوه اقوام، وان قلوبنا لتلعنهم).
11 - عبداللّه بن حذافه (ت/نحو 33هـ):
ابن قيس السهمى القرشى احد الصحابه وهو الذى بعثه
النبى(ص) الى كسرى، وكان قد اسر فى ايام عمر من قبل
الروم، وقد اكرهه ملك الروم على ان يقبل راسه ففعل تقيه،
ولما عاد الى المدينه قبل عمر بن الخطاب راس ابن حذافه،
لانه خلص بتقيته عددا من المسلمين الذين اسرهم الروم.
12 - المقداد بن الاسود (ت/33هـ):
مرت الاشاره الى تقيته فى الدليل الثانى عشر من ادله السنه
النبويه على مشروعيه التقيه، وذلك فيما رواه ابن ماجه فى
سننه، حيث عد تقيه المقداد من فضائله، اذ ذكرها فى باب
فضل سلمان وابى ذر والمقداد، ولو كانت التقيه غير جائزه فى
الاسلام، لكان ينبغى ان يعدها من معايبه لا من فضائله.
13 - حذيفه بن اليمان (ت/36هـ):
قال السرخسى الحنفى (ت/490هـ) فى المبسوط: (وقد كان
حذيفه(رضى اللّه) ممن يستعمل التقيه على ما روى انه يدارى
رجلا، فقيل له: انك منافق!!
فقال: لا، ولكنى اشترى دينى بعضه ببعض مخافه ان يذهب
كله).
ولعل حذيفه(رضى اللّه) يريد بهذا الكلام: ان ترك التقيه ليس
مطلقا فى كل حال، وان عدم مداراه الناس تودى الى نفرتهم،
وعزلته عنهم، وربما نتج من ترك التقيه وعدم المداراه ما
يودى الى ضرر اكيد، فيكون من باب القاء النفس الى التهلكه
التى هى من الاثم الذى يذهب الدين كله، ومن هنا يتضح عدم
الفرق بين التقيه والمداراه فى مجال دفع الضرر، وان اختلفت
المداراه عن التقيه بجلب المنفعه، زياده على دفع الضرر،
والمداراه مشروعه عند سائر المسلمين كما يظهر من ابوابها
فى كتب الحديث وما اخرجه المحدثون -كالبخارى وغيره - فى
تلك الابواب من الاحاديث الكثيره التى تحث عليها، وتجعلها
من صفات العاقل الحكيم، وكيف لا؟ وقد مر ما يثبت مداراه
نبينا الكريم(ص) لمن كان فى طبعه نوع من الشكاسه.
14 - خباب بن الارت (ت/37هـ):
وهو من جمله الصحابه الذين عذبوا بمكه من قبل المشركين
على ان يكفروا باللّه، ويرجعوا الى عباده الاوثان، وقد وافاهم
على ما ارادوا تقيه فيما نص عليه جميع المفسرين وقد تقدم
ذلك، ولاحاجه لاعادته.
15 - عمار بن ياسر (ت/37هـ):
اما تقيه عمار فهى نار على علم، والاطاله فيها اطاله فى الواضحات، وليس بدعا على
المسلم ان يتاسى بعمار عند الاكراه، وقد علم الجميع ان عمارا ممن ملىء ايمانا من فرقه
الى قدمه.
16 - صهيب بن سنان بن مالك (ت/38هـ):
وهذا الصحابى المعروف بصهيب الرومى هو من جمله الصحابه
الذين عذبوا بمكه على ان يكفروا باللّه، وقد وافاهم على ما ارادوا
تقيه على نفسه، وقد مر ذكره ايضا مع عمار واصحابه رضى اللّه
عنهم.
17 - جبر مولى الحضرمى:
وهذا من الصحابه الذين اكرهوا على الكفر، فكفروا تقيه، ذكره
الرازى الشافعى(ت/606هـ) واغلب المفسرين ايضا، فى بيانهم
لتقيه عمار بن ياسر واصحابه يوم اكرهوا عليها من قبل
المشركين.
قال الرازى - بعد ذكر ما جرى لعمار -:(ومنهم: جبر مولى
الحضرمى اكرهه سيده فكفر، ثم اسلم مولاه، وحسن اسلامهما
وهاجرا).
ولاشك ان هذا الصحابى قد بقى على تقيته طيله مده كفر
سيده، ولعلها اطول تقيه على الكفر فى العهد العصيب.
18 - تقيه جمع من الصحابه وغيرهم سنه/ 41هـ :
قال الطبرى (ت/310هـ) فى حوادث سنه 41هـ : (حدثنى عمر،
قال: حدثنا على بن محمد، قال: خطب بسر على منبر البصره،
فشتم عليا(ع)، ثم قال: نشدت اللّه رجلا علم انى صادق الا
صدقنى او كاذب الاكذبنى!
قال: فقال ابو بكره: اللهم لا نعلمك الا كاذبا.
قال: فامر به فخنق، قال: فقام ابو لولوه الضبى، فرمى بنفسه
عليه، فمنعه، فاقطعه ابو بكره بعد ذلك مائه جريب.
قال: وقيل لابى بكره: ما اردت الى ما صنعت؟
قال: ايناشدنا باللّه ثم لانصدقه؟!).
ولا يمكن تصور ان اهل البصره ليس فيهم من الصحابه فى
ذلك الحين غير ابى بكره الثقفى نفيع بن الحارث (ت/52هـ)
بالبصره، اذ لابد وان يكون الكثير منهم قد سمع مقاله بسر بن
ارطاه (ت/86هـ) واتقى من بطشه وظلمه، فضلا عمن سمع
ذلك واتقاه من البصريين ممن ليست لهم صحبه.
ويصدق هذا النوع من التقيه الجماعيه، على جميع ما سمعه
المسلمون على امتداد التاريخ من خطب الحكام والامراء
الظالمين التى ملئت منكرا، ولم يقف بوجههم احد وقفه
الصحابى ابى بكره الذى كان قد اعتزل القتال فى موقعتى
الجمل وصفين، ولم ينصر على ا(ع)، الا انه ابى الا ان يقول
الصدق بوجه بسر بن ارطاه.
ولعل من هذه التقيه ما تقوم به دور الصحافه والاعلام فى بعض
الدول الاسلاميه من كيل المدح والثناء على الخطب والكلمات
الذليله التى تستجدى الصلح من اسرائيل، مع ما اقترفه اليهود
من جرائم يندى لها جبين البشريه خجلا، فان لم يكن ذلك من
التقيه، فهو من النفاق الذى لا شبهه فيه، وشتان ما بين التقيه
والنفاق.
19 - ابو موسى الاشعرى (ت/44هـ):
روى القرافى المالكى (ت/648هـ) عن ابى موسى الاشعرى انه
كان يقول: (انا لنكشر فى وجوه اقوام، وان قلوبنا لتلعنهم) ثم
علق عليه بقوله: (يريد: الظلمه والفسقه الذين يتقى شرهم،
ويتبسم فى وجوههم).
اقول: هذا من قول ابى الدرداء ايضا، كما تقدم برقم/10 عن
صحيح البخارى، فراجع.
20 - مداراه معاويه للنابغه الجعدى (ت/50هـ):
النابغه الجعدى هو حبان بن قيس المضرى الشاعر المعمر، كان
فى الجاهليه ممن انكر الخمر وهجر الازلام، واجتنب الاوثان،
وكان على دين ابراهيم الخليل(ع)، ولما بعث نبين ا(ص)، وفد
عليه وانشده قصيدته الرائيه الخالده التى جاء فيها:
ولاخير فى حلم اذا لم تكن له
بوادر تحمى صفوه ان يك-درا
فقال(ص): لا يفضض اللّه فاك.
وكان النابغه محبا لال البيت(ع)، وقد شهد مع على(ع) صفين،
وله فى ذلك ابيات معروفه يصف فيها امير المومنين على(ع)
بانه السائق الى نهج الهدى، ويعرض بمعاويه وبمن جارا
على ا(ع) ولم يدركه من الاوائل.
ولما آل الامر الى معاويه، كتب الى مروان فى شان النابغه، فاخذ
مروان اهل النابغه وماله، فدخل النابغه على معاويه وكان عنده
عبداللّه بن عامر، ومروان، فانشده:
من راكب ياتى ابن هند بحاجتى
على الن-اى، والانباء تنمى وتجلب
ويخبر عنى ما اقول ابن عامر
ونعم الفتى ياوى اليه المعصب
فان تاخذوا اهلى ومالى بظنه
فانى لحراب الرجال مج-رب
صبور على ما يكره المرء كله
سوى الظلم انى ان ظلمت ساغضب
فما كان من معاويه الا ان التفت الى مروان فقال: ما ترى، قال:
ارى الا ترد عليه شيئا. فقال: ما اهون عليك ان ينجحر هذا فى غار ثم يقطع عرضى ثم
تاخذه العرب فترويه، اما واللّه ان كنت لمن يرويه. اردد عليه كل شىء اخذته منه.
هذا هو حال معاويه وهو الملك المطاع والرئيس لا المرووس
مع واحد من رعيته، فكيف يكون اذن حال المغلوب على امره
ممن هو اقوى واقدر منه؟
21 - ثوبان مولى النبى(ص) (ت/54هـ):
لقد عرف عن ثوبان اباحته الكذب فى المواطن التى لا ينفع
فيها الصدق، فقد نقل الغزالى (ت/505هـ) عنه قوله: (الكذب
اثم الا ما نفع به مسلما، او دفع عنه ضررا).
واذا كان الكذب وهو امقت الاشياء وارذلها، يباح لنفع المسلم،
او دفع الضرر عنه عند الصحابى ثوبان، فما ظنك برايه فى
التقيه التى خرجت عن حكم الافتراء بنص القرآن الكريم. مع ان
الغايه من تشريعها هى دفع الضرر. قال تعالى:
(انما يفترى الكذب الذين لا يوءمنون بايات اللّه واولئك هم
الكاذبون # من كفر باللّه من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه
مطمئن بالايمان ).
قال تاج الدين الحنفى (ت/749هـ): (والمعنى: انما يفترى
الكذب من كفر باللّه من بعد ايمانه، واستثنى منه المكره، فلم
يدخل تحت حكم الافتراء).
22 - ابو هريره (ت/59هـ):
ان تتبع سيره هذا الصحابى يكشف عن استعماله التقيه على
اوسع نطاق خصوصا مع الامويين، ولقد كان ابو هريره يجاهر
بالتقيه، ويصرح بانه لولاها لقطع بلعومه.
ففى صحيح البخارى: (حدثنا اسماعيل، قال: حدثنى اخى، عن
ابن ابى ذئب، عن سعيد المقبرى، عن ابى هريره قال: حفظت
من رسول اللّه( وعاءين: فاما احدهما فبثثته، واما الاخر فلو
بثثته قطع هذا البلعوم).
اقول: روى البخارى، عن ابى هريره ايضا انه قال: (ان الناس
يقولون: اكثر ابو هريره، ولولا آيتان فى كتاب اللّه ما حدثت
حديثا، ثم يتلو: (ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات)).
ترى ما هى البينات التى خشى ابو هريره من بثها بين الناس؟
فاضطر الى كتمها تقيه، لكى لا يقطع منه البلعوم.
لقد اجاب ابن حجر العسقلانى الشافعى (ت/852 هـ) على هذا
السوال ولكن لم يتم جوابه، وان افصح عما فيه الكفايه، فقال:
(وحمل العلماء الوعاء الذى لم يبثه على الاحاديث التى فيها
تبيين اسامى امراءالسوء، واحوالهم، وزمنهم. وقد كان ابو هريره
يكنى عن بعضه ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم، كقوله:
(اعوذ باللّه من راس الستين، واماره الصبيان). يشير الى خلافه
يزيد بن معاويه، لانها كانت سنه ستين من الهجره).
ثم نقل عن ابن المنير قوله: (وانما اراد ابو هريره بقوله: (قطع)
اى: قطع اهل الجور راسه، اذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله
لسعيهم).
اقول: ليس من البعيد ان تكون بعض الاحاديث التى كتمها ابو
هريره ليست فى معايب الامويين، وانما فى مناقب وفضائل امير
المومنين(ع) الذى يلعنونه على منابرهم. فيكون مثله كمثل
من يمتدح المفكر الاسلامى الخالد الشهيد محمد باقر الصدر
بمراى ومسمع من اقدم على اعدامه استهانه بدين الاسلام
وسائر المسلمين.
وسياتى ما يدل عليه فى بيان تقيه الصحابى زيد بن ارقم
(ت/68هـ)، وتقيه التابعى الزهرى (ت/124هـ) فى كتمانهما ما
يدل على مكانه على بن ابى طالب (ع) من رسول اللّه (ص)،
تقيه من ظلم الامويين.
واذا كان كتمان حديث رسول اللّه (ص) المودى الى اللعنه كما
فهمه ابو هريره لما فى تتمه ما تلاه من الايه الكريمه جائزا فى
حال التقيه عنده، فلك ان تقدر تقيته فيما وراء ذلك، اذ لا
يسع المقام للاستزاده من تقيه راويه الاسلام!
23 - تقيه جمع من الصحابه من معاويه بن ابى
سفيان (ت/60هـ):
اخرج النسائى (ت/303هـ) فى سننه من طريق احمد بن
عثمان بن حكيم الاودى، عن سعيد بن جبير قال: (كنت مع
ابن عباس بعرفات، فقال ما لى لا اسمع الناس يلبون؟
قلت: يخافون من معاويه!!
فخرج ابن عباس من فسطاطه، فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك
فانهم تركوا السنه من بغض على!!).
وهذا الحديث صريح بان جميع من حج من الصحابه والتابعين
فى ذلك الموسم الذى شهده معاويه قد اتقى من معاويه فى
ترك التلبيه بعرفه الا ما كان من ابن عباس (رضى اللّه).
24 - تقيه جمع آخر من الصحابه من معاويه بن ابى
سفيان:
فى كتاب الغدير للعلامه الامينى تحقيق واسع حول
طرق الحديث المروى عن عبداللّه بن مسعود (ت/32هـ)، وابى
سعيد الخدرى (ت/74هـ)، عن رسول اللّه (ص) انه قال: (اذا
رايتم معاويه على منبرى فاقتلوه).
وفى لفظ: (يخطب على منبرى فاقتلوه).
وفى آخر: (يخطب على منبرى فاضربوا عنقه).
وفى لفظ ابى سعيد: (فلم نفعل، ولم نفلح).
وفى لفظ الحسن البصرى (ت/110هـ): (فما فعلوا، وما فلحوا).
وفى لفظ آخر للحسن - كما فى روايه البلاذرى -: (فتركوا
امره، فلم يفلحوا، ولم ينجحوا).
وقد انتهى العلامه الامينى من تحقيق طرق الحديث برمتها،
وفحص عن الرواه الناقلين لهذا الحديث - من طرق البلاذرى -
فحصا دقيقا، واثبت وثاقتهم من كتب الرجال المعتبره عند
اهل السنه، بما يجعل الباحث يسلم بصحه صدور هذا الحديث
عن النبى (ص).
وبعد ثبوت صحته، فان دلالته على تقيه من شهد من الصحابه
معاويه وهو يخطب على منبر النبى (ص)، اوضح من الشمس
فى رابعه النهار.
25 - عبداللّه بن عمر بن الخطاب (ت/65هـ):
قال البخارى فى الجامع الصحيح: (حدثنا ابراهيم بن موسى،
اخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهرى، عن سالم، عن ابن عمر.
قال: واخبرنى ابن طاوس، عن عكرمه بن خالد، عن ابن عمر قال: دخلت على حفصه
ونسواتهاتنطف قلت: قد كان من امر الناس ما ترين، فلم يجعل لى من الامر شىء؟فقالت الحق، فانهم
ينتظرونك، واخشى ان يكون فى احتباسك عنهم فرقه. فلم
تدعه حتى ذهب.
فلما تفرق الناس، خطب معاويه، قال: من كان يريد ان يتكلم
فى هذا الامر فليطلع لنا قرنه، ولنحن احق به منه، ومن ابيه.
قال حبيب بن مسلمه فهلا اجبته، قال عبداللّه: فحللت حبوتى،
وهممت ان اقول: احق بهذا الامر من قاتلك واباك على
الاسلام، فخشيت ان اقول كلمه تفرق بين الجمع، وتسفك
الدم، ويحمل عنى غير ذلك، فذكرت ما اعد اللّه فى الجنان.
قال حبيب: حفظت وعصمت. قال محمود، عن عبدالرزاق:
ونوساتها)، انتهى بتمامه.
وبمراجعه شروح صحيح البخارى، نرى ان قوله: (قد كان من
امر الناس ما ترين). اراد به ما وقع بين على(ع) ومعاويه من
القتال فى صفين ، واجتماع الناس على الحكومه بينهم.. ثم
شاور عبداللّه بن عمر اخته حفصه فى التوجه اليهم اوعدمه،
فاشارت عليه باللحوق بهم خشيه ان ينشا من غيبته اختلاف
يفضى الى استمرار الفتنه.
ومعنى قوله: (فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب
معاويه) اى: ان حفصه لم تدعه حتى حضر التحكيم بين ابى
موسى الاشعرى،وعمروبن العاص كما فى قصه التحكيم
المعروفه، وكيف ان ابا موسى خلع على ا(ع) بخدعه من ابن
العاص الذى اثبت صاحبه فى الحكم، ولما انفصل الامر على هذا
خطب معاويه، وقوله: (فليطلع لنا قرنه)، تعريض منه بابن عمر
وعمر، وقوله: (احق به منه ومن ابيه)، اى: احق بامر الخلافه
من ابن عمر وعمر بن الخطاب!
وقول ابن عمر: (من قاتلك واباك..) يريد به على ا (ع)، اذ كان
قد قاتل معاويه واباه يومى احد والخندق، وهما كانا كافرين.
على ان قول ابن عمر: فحللت حبوتى، وهممت ان اقول، لا يدل
على تقيه ابن عمر وحده، وانما يدل على تقيه غيره من
الصحابه الذين حضروا خطبه معاويه، اذ ليس من المعقول ان
يخطب معاويه على ابن عمر وحده، كما ان تاييد الصحابى
المعروف حبيب بن مسلمه بن مالك الفهرى (ت/42هـ) لعبد
اللّه بن عمر يكشف عن تقيه الفهرى ومن حضر معهما ايضا.
ويظهر من سيره الصحابى ابن عمر انه كان يتقى من الامويين
وولاتهم كثيرا، فقد اشار الامام مسلم (ت/261هـ) الى مبايعه
ابن عمر ليزيد بن معاويه وانكاره على عبداللّه بن مطيع خروجه
على يزيد ابان ما كان من موقعه الحره المشهوره التى استمر
فيها قتل المومنين من المهاجرين والانصار بسيوف جند اهل
الشام، الذين خربوا مدينه الرسول(ص) واكثروا فيها الفساد،
حيث اباحوا المدينه المنوره ثلاثه ايام بلياليها مما لا يخفى هذا
على سائر الباحثين.
وهذا الموقف من ابن عمر لا يفسر التفسير الصحيح الا على
اساس التقيه فى غير موضعها، لانه سبق وان امتنع عن البيعه
لامير المومنين على (ع)، وليس من المعقول جدا - ولا يوافقنا
عليه احد من المسلمين - ان يكون يزيد بن معاويه احق
بالخلافه من على (ع) فى نظر ابن عمر، او اجدر منه عليها. لولا
انه امن سوط على(ع) واتقى ببيعته ليزيد خوفا من سيفه الذى
يقطر دما.
ومن تقيته ايضا انه كان يصلى خلف الظالمين وياتم بهم. فقد
اخرج البيهقى (ت/458هـ) من طريق سعيد بن عبدالعزيز، عم
عمير بن هانى قال: (بعثنى عبدالملك بن مروان بكتب الى
الحجاج فاتيته، وقد نصب على البيت اربعين منجنيقا!!! فرايت
ابن عمر اذا حضر الصلاه مع الحجاج صلى معه، واذا حضر ابن
الزبير صلى معه! فقلت: يا ابا عبدالرحمن! اتصلى مع هولاء
وهذه اعمالهم؟! فقال: يا اخا اهل الشام، ما انا لهم بحامد، ولا
نطيع مخلوقا فى معصيه الخالق).
وقال ابن سعد (ت/230هـ) فى طبقاته: (لا ياتى امير الا صلى
ابن عمر خلفه، وادى اليه زكاه ماله).
واخرج ابن ابى شيبه (ت/235هـ) من طريق قيس بن يونس،
عن عمير ابن هانى قال: (شهدت ابن عمر، والحجاج محاصر ابن
الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاه مع
هولاء، وربما حضر الصلاه مع هولاء).
وفى شرح العقيده الطحاويه: (وفى صحيح البخارى: ان عبداللّه
بن عمر كان يصلى خلف الحجاج بن يوسف الثقفى..).
فصلاه ابن عمر خلف هولاء مما لا يمكن انكارها، كما لا يمكن
ان تكون بغير تقيه. قال الفقيه الحنبلى ابن قدامه (ت/620هـ):
(لا تجوز الصلاه خلف المبتدع والفاسق فى غير جمعه وعيد،
يصليان بمكان واحد من البلد، فان من خاف منه ان ترك
الصلاه خلفه، فانه يصلى خلفه تقيه ثم يعيد الصلاه).
وقد ذكر اثرا صحيحا عن النبى (ص) فى مقام
الاحتجاج به على صحه قوله، وهو ما اخرجه عن جابر بن عبداللّه
الانصارى (ت/78هـ) قال: (سمعت النبى ( على منبره يقول: لا
تومن امراه رجلا، ولا يوم اعرابى مهاجرا، ولا يوم فاجر مومنا الا
ان يقهره بسلطانه او يخاف سوطه او سيفه).
ومن تقيته ايضا ما اخرجه الهيثمى (ت/807هـ) عن مجاهد بن
جبر، عن ابن عمر قال: ( سمعت الحجاج يخطب، فذكر كلاما
انكرته، فاردت ان اغير، فذكرت قول رسول اللّه (: لا ينبغى
للمومن ان يذل نفسه، قال: قلت: يا رسول اللّه! كيف يذل نفسه،
قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق).
اقول: هكذا يجب ان تفهم تقيه الصحابى ابن عمر من معاويه ويزيد وولاتهما، لا ان يلجا
الى الاحتجاج بما رواه ابن عمر عن رسول اللّه (ص) انه قال: (من خلع يدا من طاعه لقى
اللّه يوم القيامه لا حجه له). فليس هذا للمحتج فى شىء، اذ مع حمل
هذا الاثر على الصحه فانه لا يدل اكثر من مبايعه الظالمين
تقيه لا اختيارا، لان المراد من الطاعه، انما هى طاعه من امر
اللّه تعالى ورسوله الكريم بطاعتهم، وليس المراد منها طاعه
يزيد ومبايعته، حتى وان اريد بالخلع المذكور فى هذا الاثر، هو
الخلع بعد البيعه حيث كانت قد اخذت بالاكراه كما هو
المعروف فى اخذ البيعه ليزيد بن معاويه زمن الحره، فخلعه اذا
لا تبعه فيه، ولا حنث يمين، لان البيعه كانت تقيه بضغط
الاكراه، وليس على مكره يمين.
فها هم اهل المدينه انفسهم قد نقموا على ابى جعفر المنصور
(ت/158هـ) ظلمه وطغيانه، وخلعوا ايديهم من طاعته بعد
بيعتهم له، وخرجوا مع محمد النفس الزكيه (ت/145هـ)
وفيهم كبار التابعين بعد ان افتاهم مالك بن انس (ت/179هـ)
بان بيعتهم له انما كانت تقيه بضغط الاكراه عليها، وليس على
مكره يمين.
ولم يقل احد بالامس ولا اليوم من فقهاء المسلمين قاطبه: ان
اهل المدينه خلعهم المنصور ومبايعه النفس الزكيه سيلقون اللّه
يوم القيامه لا حجه لهم.
ومن هنا يفهم ان حمل ما رواه ابن عمر عن رسول اللّه (ص) لا
يمكن شرعا وعقلا ان يحمل - مع القول بصحته - على غير
المعنى المتقدم، والا فلا يخلوهذا الاثر من اتهام عظيم لسائر
صلحاء هذه الامه، وابرارها ممن خلعوا يدا عن طاعه الظالمين،
واشتروا انفسهم ابتغاء مرضاته تعالى.
26 - زيد بن ارقم (ت/68هـ):
اخرج الامام احمد بن حنبل (ت/240هـ) فى مسنده، من طريق
ابن نمير، عن عطيه العوفى قال: (سالت زيد بن ارقم فقلت له:
ان ختنا لى حدثنى عنك بحديث فى شان على يوم غدير خم،
فانا احب ان اسمعه منك؟
فقال: انكم معشر اهل العراق فيكم ما فيكم، فقلت له ليس
عليك منى باس، فقال نعم، كنا بالجحفه فخرج رسول اللّه (
الينا ظهرا وهو آخذ بعضد على، فقال: ايها الناس الستم تعلمون
انى اولى بالمومنين من انفسهم؟ قالوا: بلى. قال: فمن كنت
مولاه فعلى مولاه. قال: فقلت له: هل قال: (اللهم وال من ولاه،
وعاد من عاداه)؟ قال: انما اخبرك كما سمعت).
ولا شك ان كتمان زيد لقوله (ص): (اللهم وال من ولاه، وعاد
من عاده) كان تقيه من عطيه العوفى، ذلك لان الاقرار بهذه
العباره يعنى فضح اعداء الامام على، وانهم ممن يعاديهم اللّه،
وهم ما اكثرهم فى عهد زيد بن ارقم الذى امتد عمره حتى
ادرك حكم مروان بن الحكم، وما يدل على تقيته من عطيه
العوفى، قوله لعطيه: انكم معشر اهل العراق فيكم ما فيكم،
اشاره الى الفتن الكثيره التى كانت تموج بها - يوم ذاك - ارض
العراق، كما ان قول عطيه له: ليس عليك منى باس دليل آخر
على فهم عطيه ان زيدا يخشاه. ومما يوكد ذلك ان ما كتمه
زيد عن عطيه قد رواه زيد نفسه كما فى كثير من الطرق
الصحيحه المنتهيه اليه، وقد حققها العلامه الامينى فى كتاب
الغدير، وحسبك ان يكون من روى الحديث كاملا عن زيد بن
ارقم - كما فى الغدير - الامام احمد بن حنبل فى مسنده،
والنسائى فى خصائصه، والدولابى فى الكنى والاسماء،
والميبدى فى شرح ديوان الامام على (ع)، والذهبى فى
تلخيص المستدرك، وفى ميزان الاعتدال، وابن الصباغ فى
الفصول، و ابن طلحه الشافعى فى مطالب السوول، والهيثمى
فى مجمع الزوائد من طريق احمد والطبرانى والبزاز،
والخوارزمى الحنفى فى المناقب، وابن عبدالبر فى الاستيعاب،
والكنجى الشافعى فى كفايه الطالب، والسيوط ى فى مجمع
الجوامع، وتاريخ الخلفاء والجامع الصغير، وابن حجر فى تهذيب
التهذيب، والتبريزى فى مشكاه المصابيح، وعشرات غيرهم.
ولهذا قال العلامه الامينى معلقا: (ان زيدا اتقى ختنه العراقى،
وهو يعلم ما فى العراقيين من النفاق والشقاق يوم ذاك، فلم
يبد بسره حتى امن من بوادره فحدثه بالحديث).
27 - عبداللّه بن عباس (ت/68هـ):
لقد ورد عن ابن عباس فى تفسير قوله تعالى: (الا ان تتقوا
منهم تقاهـ) انه قال: (ما لم يهرق دم مسلم ولم يستحل ماله)،
وعنه ايضا: (التقيه باللسان ومن حمل على امر يتكلم به وهو للّه
معصيه فتكلم مخافه على نفسه، وقلبه مطمئن بالايمان، فلا
اثم عليه، انما التقيه باللسان).
وقد اخرج ابو حيان الاندلسى (ت/754هـ) عن ابن عباس انه
قال عن التقيه: (انها مداراه ظاهره، اى يكون المومن مع
الكفار، وبين اظهرهم فيتقيهم بلسانه، ولا موده لهم فى قلبه).
وقال ايضا: (فاما من اكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالايمان
لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه، لان اللّه سبحانه انما
ياخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم).
ومن تقيه ابن عباس (رضى اللّه) ما قاله الطحاوى الحنفى
(ت/321 هـ) واليك عين لفظه:
قال ( حدثنا محمد بن عبداللّه بن ميمون البغدادى، قال: حدثنا
الوليد بن مسلم، عن الاوزاعى، عن عطاء قال: قال رجل لابن
عباس (رضى اللّه): هل لك فى معاويه اوتر بواحده « اى: صلى
الوتر بركعه واحده » - وهو يريد ان يعيب معاويه - فقال ابن
عباس: اصاب معاويه).
ثم بين الطحاوى ان المروى عن ابن عباس ما يدل على انكاره
صحه صلاه معاويه فقال: (ان ابا غسان مالك بن يحيى
الهمدانى حدثنا قال: حدثنا عبدالوهاب، عن عطاء قال: اخبرنا
عمران بن حدير، عن عكرمه انه قال: كنت مع ابن عباس عند
معاويه نتحدث حتى ذهب هزيع من الليل، فقام معاويه فركع
ركعه واحده، فقال ابن عباس: من اين ترى اخذها الحمار؟)
واخرج من طريق ابى بكره مثله، ثم قال: (وقد يجوز ان يكون
قول ابن عباس: (اصاب معاويه) على التقيه له، اى: اصاب فى شىء آخر، لانه كان فى زمنه. لا يجوز عليه - عندنا - ان يكون
ماض لفعل رسول اللّه (، الذى قد علمه عنه صوابا)، ثم اخرج
عن ابن عباس فى الوتر انه ثلاث.
قلت: واحسن من هذا التاويل، ان يكون المفعول تقديره الخطا
لا الحق، فيكون الكلام: (اصاب معاويه الخطا).
28 - ابو سعيد الخدرى (ت/74هـ):
ذكر الاستاذ على حسين من الباكستان فى بحثه عن التقيه
تقيه الصحابى ابى سعيد الخدرى من ولاه الامويين فى
تقديمهم الخطبه على الصلاه، مشيرا الى صحيح البخارى -
كتاب العيدين، باب الخروج الى الصلاه من غير منبر، وصحيح
مسلم كتاب الصلاه، وعمده القارى،حديث رقم/9،
وسنن ابى داود - كتاب الصلاه، باب الخطبه يوم العيد، حديث
رقم/1140، وسنن الترمذى - كتاب الفتن/31، باب/26، وسنن
ابن ماجه - كتاب الفتن /36، باب/20.
29 - تقيه جمع من الصحابه فيهم جابر الانصارى
(ت/78هـ):
قال اليعقوبى (ت/284هـ) عند الحديث عن خلافه الامام على
(ع) ما نصه:
(ووجه معاويه بسر بن ابى ارطاه، وقيل: ابن ارطاه العامرى من
بنى عامر بن لوى فى ثلاثه الاف رجل، فقال له: سر حتى تمر
بالمدينه فاطرد اهلها، واخف من مررت به، وانهب مال كل من
اصبت له مالا ممن لم يكن دخل فى طاعتنا، واوهم اهل
المدينه انك تريد انفسهم، وانه لا براءه لهم عندك ولا عذر،
وسر حتى تدخل مكه، ولا تعرض فيها لاحد، وارهب الناس فيما
بين مكه والمدينه، واجعلهم شرادات، ثم امض حتى تاتى
صنعاء، فان لنا بها شيعه وقد جاءنى كتابهم.
فخرج بسر، فجعل لا يمر بحى من احياء العرب الا فعل ما امر
معاويه، حتى قدم المدينه، وعليها ابو ايوب الانصارى فتنحى
عن المدينه، ودخل بسر فصعد المنبر ثم قال:
يا اهل المدينه! مثل السوء لكم: (قريه كانت آمنه مطمئنه ياتيها
رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بانعم اللّه فاذاقها اللّه لباس
الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)، الا وان اللّه قد اوقع بكم هذا
المثل، وجعلكم اهله. شاهت الوجوه، ثم ما زال يشتمهم حتى
نزل!
قال فانطلق جابر بن عبداللّه الانصارى الى ام سلمه زوج النبى،
فقال: انى خشيت ان اقتل، وهذه بيعه ضلال؟
قالت: اذا فبايع، فان التقيه حملت اصحاب الكهف على ان كانوا
يلبسون الصلب، ويحضرون الاعياد مع قومهم.
وهدم بسر دورا بالمدينه، ثم مضى حتى اتى مكه، ثم مضى
حتى اتى اليمن) الى اخر ما ذكره من جرائم بسر بن ارطاه.
وفى روايه ابن ابى الحديد المعتزلى الحنفى (ت/656هـ) اكثر
وضوحا لتقيه جميع الانصار والمهاجرين من بسر.
قال: (.. ودخل بسر المدينه، فخطب الناس وشتمهم وتهددهم
يومئذ وتوعدهم، وقال: شاهت الوجوه! ان اللّه تعالى يقول: (و
ضرب اللّه مثلا قريه كانت آمنه مطمئنه ياتيها رزقها) الايه، وقد
اوقع اللّه تعالى ذلك المثل بكم وجعلكم اهله - الى ان قال - ثم
شتم الانصار، فقال: يا معشر اليهود وابناء العبيد: بنى زريق،
وبنى النجار، وبنى سلمه، وبنى عبدالاشهل، اما واللّه لاوقعن
بكم وقعه تشفى غليل صدور المومنين.. ودعا الناس الى بيعه
معاويه فبايعوه... وتفقد جابر بن عبداللّه، فقال: ما لى لا ارى
جابرا يا بنى سلمه! لا امان لكم عندى، او تاتونى بجابر، فعاذ
جابر بام سلمه - رضى اللّه عنها فارسلت الى بسر بن ارطاه،
فقال: لا اومنه حتى يبايع، فقالت له ام سلمه: اذهب فبايع،
وقالت لابنها عمر: اذهب فبايع، فذهبا فبايعاه).
ثم روى عن وهب بن كيسان كيف ان جابرا توارى من بسر،
وكيف عاد اليه فبايعه وفيه انه قال: (فلما امسيت دخلت على
ام سلمه فاخبرتها الخبر، فقالت: يا بنى، انطلق فبايع، احقن
دمك ودماء قومك، فانى قد امرت ابن اخى ان يذهب فيبايع،
وانى لاعلم انها بيعه ضلاله).
وهكذا كان جابر (رضى اللّه)، يرى ان لا جناح عليه فى طاعه
الظالم اذا اكرهه على التقيه، قال السرخسى الحنفى (ت/92هـ): (وعن جابر (رضى اللّه)، قال: لا جناح على فى طاعه الظالم
اذا اكرهنى عليها - اى: التقيه -).
30 - القاضى شريح (ت/78هـ):
عندما ادخل هانى بن عروه (رحمه اللّه) على عبيداللّه بن زياد
والى الكوفه سنه 60 ه طالبه بمسلم بن عقيل بن ابى طالب
(ع)، وكان فى داره ثم انتهى الامر الى ان هشم ابن زياد وجه
هانى (رحمه اللّه) بعمود من حديد واودعه السجن، قال المورخ
لوط بن يحيى: (وبلغ عمرو بن الحجاج ان هانئا قد قتل، فاقبل
فى مذحج حتى احاط بالقصر، ومعه جمع عظيم، ثم نادى: انا
عمرو بن الحجاج، هذه فرسان مذحج ووجوهها لم تخلع طاعه
ولم تفارق جماعه، وقد بلغهم ان صاحبهم يقتل، فاعظموا
ذلك.
فقيل لعبيداللّه: هذه مذحج بالباب، فقال لشريح القاضى: ادخل
على صاحبهم فانظر اليه، ثم اخرج فاعلمهم انه حى لم يقتل،
وانك قد رايته.
فدخل اليه شريح فنظر اليه).
وقد حدث شريح اسماعيل بن طلحه عن تقيته فى ذلك اليوم
فقال: (دخلت على هانى فلما رآنى، قال: يا اللّه ياللمسلمين
اهلكت عشيرتى؟ فاين اهل الدين؟ واين اهل المصر؟ تفاقدوا
يخلونى وعدوهم وابن عدوهم!!
والدماء تسيل على لحيته، اذ سمع الرجه على باب القصر،
وخرجت، واتبعنى، فقال: يا شريح! انى لاظنها اصوات مذحج
وشيعتى من المسلمين، ان دخل على عشره نفر انقذونى.
قال: فخرجت اليهم، ومعى حميد بن بكر الاحمرى، ارسله معى
ابن زياد -وكان من شرطه ممن يقوم على راسه - وايم اللّه! لولا
مكانه معى لكنت ابلغت اصحابه ما امرنى به.
فلما خرجت اليهم، قلت: ان الامير لما بلغه مكانكم ومقالتكم فى
صاحبكم، امرنى بالدخول اليه، فاتيته، فنظرت اليه، فامرنى ان
القاكم وان اعلمكم انه حى، وان الذى بلغكم فى قتله كان
باطلا).
31 - تقيه انس بن مالك (ت/93هـ):
قال القاضى الدمشقى (ت/772هـ): (وفى صحيح البخارى: ان
عبداللّه بن عمر كان يصلى خلف الحجاج بن يوسف الثقفى،
وكذلك انس بن مالك، وكان الحجاج فاسقا ظالما).
وقد مر فى تقيه عبداللّه بن عمر قول النبى (ص): (ولا يوم فاجر
مومنا الا ان يقهره بسلطان او يخاف سوطه او سيفه).
اقول: المعروف عن صلاه الامويين انهم كانوا يسقطون منها
البسمله عند قراءتهم سوره الفاتحه، لما روى فى ذلك عن
بعض الصحابه - ومنهم انس ابن مالك - انه صلى خلف رسول
اللّه (ص)، وخلف ابى بكر، وعمر، وعثمان، فلم يسمع احدا
منهم يبسمل فى صلاته.
وقد اثبت الرازى الشافعى بطلان جميع الوجوه التى احتج بها
من ذهب الى هذا الراى من الفقهاء، واحتمل ان يكون خبر
الصحابى انس قد صدر تقيه منه لانه كان يخشى الامويين، لا
سيما وانه ادرك من ظلمهم ما يزيد على خمسين سنه، ويويده
ائتمامه بهم، وانى للماموم ان يخالف الامام فيما يقرا؟
قال الرازى الشافعى - فى المسائل الفقهيه المستنبطه من
الفاتحه، فى الجواب عن خبر انس بن مالك انه ليس البسمله
من الفاتحه - ما نصه:
(والجواب عن خبر انس من وجوه:
الاول: قال الشيخ ابو حامد الاسفرائينى: روى عن انس فى هذا
الباب ست روايات. اما الحنفيه فقد رووا عنه ثلاث روايات:
احداها: قوله: صليت خلف رسول اللّه (، وخلف ابى بكر، وعمر،
وعثمان فكانوا يستفتحون الصلاه ب ( الحمد للّه رب العالمين ).
وثانيتها: قوله: انهم ما كانوا يذكرون (بسم اللّه الرحمن الرحيم).
وثالثتها: قوله: لم اسمع احدا منهم قال: (بسم اللّه الرحمن
الرحيم)، فهذه الروايات الثلاث تقوى قول الحنفيه، وثلاث
اخرى تناقض قولهم.
احداها: ما ذكرنا ان انسا روى ان معاويه لما ترك (بسم اللّه
الرحمن الرحيم) فى الصلاه، انكر عليه المهاجرون والانصار،
وقد بينا ان هذا يدل على ان الجهر بهذه الكلمات كالامر
المتواتر فيما بينهم.
وثانيتها: روى ابو قلابه، عن انس ان رسول اللّه (، وابا بكر، وعمر
كانوا يجهرون ب (بسم اللّه الرحمن الرحيم).
وثالثتها: انه سئل عن الجهر ب (بسم اللّه الرحمن الرحيم)،
والاسرار به؟ فقال: لا ادرى هذه المساله!
فثبت ان الروايه عن انس فى هذه المساله قد عظم فيها الخبط
والاضطراب،فبقيت متعارضه، فوجب الرجوع الى سائر الدلائل.
وايضا ففيها تهمه اخرى، وهى: ان عليا عليه السلام كان يبالغ
فى الجهر بالتسميه، فلما وصلت الدوله الى بنى اميه بالغوا فى
المنع من الجهر «بها» سعيا فى ابطال آثار على عليه السلام.
فلعل انسا خاف منهم، فلهذا السبب اضطربت اقواله فيه، ونحن وان شككنا فى شىء فانا لا نشك انه مهما وقع التعارض بين
قول انس و ابن المغفل، وبين قول على بن ابى طالب عليه
السلام، الذى بقى عليه طول عمره، فان الاخذ بقول على اولى.
فهذا جواب قاطع فى المساله)، انتهى الوجه الاول من كلام
الرازى حرفا بحرف.
قلت: ان ما احتمله الامام الرازى من تقيه الصحابى انس فى
موافقته للامويين على ترك البسمله فى الصلاه، حقيقه
واضحه لا مجرد احتمال، ويدل عليه قوله: لا ادرى هذه
المساله، حين سئل عنها. وهذه هى تقيه اخرى منه ازاء السائل.
اذ كيف يجهل الجهر من الاسرار بالبسمله، وهو قد عاش عصر
النبى (ص)، وعصر الخلفاءالراشدين، فضلا عن ملازمته للنبى
الاكرم(ص) وخدمته، لولا انه اوجس خيفه من السائل؟
وبعد.. فلا تعجب ان قلت لك: ان الامام الرازى قد ختم كتابه
المحصل بقول سليمان بن جرير الزيدى - ولم يناقشه -
وخلاصته: ان مفهوم التقيه فى الاسلام هو من وضع (ائمه
الرافضه)!!.
موقف التابعين من التقيه
التابع لغه، هو التالى، وقد اختلفوا فى حده كثيرا، فمنهم من
اشترط الصحبه للصحابى، ومنهم لم يشترط واكتفى باللقاء،
واشترط بعضهم طول الملازمه، وآخر صحه السماع، وثالث
التمييز، ومنهم من قيد التابع باحسان.
والمهم هنا ان عصر التابعين قد انتهى بموت آخر التابعين
خلف بن خليفه - على ما قيل - فى سنه ثمانين ومائه، وقيل
سنه احدى وثمانين ومائه، ولهذا سنتابع موقف رجالات هذا
العصر من التقيه ابتداء من سنه (50 هـ) وانتهاء بسنه (179 هـ)
وقد يكون من بينهم من لم ير صحابيا، ولكنه ادرك عصرهم
الذى انتهى على راس المائه الاولى من الهجره تقريبا. مراعيا
بذلك ما وصل اليه تسلسل الموقف المتقدم، مع ملاحظه
السبق الزمنى لمواقف التابعين من التقيه، وعلى النحو الاتى:
32 - تقيه بنى ضبه سنه (50هـ):
روى الطبرى فى تاريخه فى حوادث سنه خمسين من الهجره
الشريفه مطارده زياد بن ابيه (ت/53هـ) للفرزدق الشاعر العربى
المشهور (ت/110هـ)، وفى هذه السنه هام الفرزدق على وجهه
فى البرارى مختفيا خائفا من ان يدركه الطلب، لا سيما وقد
اباح زياد دمه، الى ان وصل الفرزدق الى اخواله من بنى ضبه،
ثم ادركه الطلب وهو فيهم، فاخفوه، وانكروا - بعد ان سئلوا عنه
- ان يكون لهم علم به، وقالوا: ما رايناه.
ولم ينكر عليهم احد - على طول التاريخ - بانهم كذبوا وقالوا
خلاف الواقع، بل على العكس كان قولهم هذا مما يستحسنه
العقلاء فى كل آن وزمان، وهو مما وجب عليهم شرعا، والا
لكانوا من الاثمين اتفاقا، وهكذا كان للتقيه فضلها فى عصمه
دم الفرزدق.
33 - صعصعه بن صوحان (ت/56هـ):
من كبار التابعين، شهد صفين مع على (ع)، وكان يوصى
بالتقيه، فقد قال لاسامه بن زيد الصحابى المعروف (ت/54هـ):
(خالص المومن وخالق الكافر، ان الكافر يرضى منك بالخلق
الحسن).
وهذا القول يوكد صحه ما مر سابقا، من ان التقيه لاتكون خوفا
من المومن اطلاقا، لان المومنين اخوه، والمومن مرآه المومن،
وانما تكون من الكافر، بل ومن المسلم الذى تخشى بوادره ولا
يطمان الى جانبه.
34 - مسروق بن الاجدع (ت/64هـ):
روى ان معاويه بن ابى سفيان (ت/60هـ)
كان قدبعث بتماثيل من صفرلكى تباع بارض الهند، فمر بها على
مسروق بن الاجدع، فقال: (واللّه لو انى اعلم انه يقتلنى لغرقتها،
ولكنى اخاف ان يعذبنى فيفتننى، واللّه، لا ادرى اى الرجلين:
معاويه رجل قد زين له سوء عمله، او رجل يئس من الاخره، فهو
يتمتع فى الدنيا).
وهذا الكلام ما اصرحه فى جواز التقيه عند الخوف من الحاكم
الظالم، ولو من غير القتل، وفيه ايماءه الى ان التعذيب بالضرب
والاهانه وما شابه ذلك هو اشد وقعا على نفوس العلماء واهل
الفضل من القتل بالسيف ونحوه، على ان مسروق كان يرى: ان
المكره على التقيه اذا اباها حتى مات، دخل النار، وقد تقدم هذا
فى قول ابى حيان.
35 - نجده بن عويمر الخارجى (ت/69هـ):
حكى الشهرستانى (ت/548هـ) فى ملله اختلاف نجده بن
عويمر، راس فرقه النجدات من الخوارج مع نافع بن الازرق
(ت/65هـ)، راس فرقه الازارقه من الخوارج ايضا، فى مشروعيه
التقيه. فقال نافع: التقيه لا تحل، وخالفه نجده بن عويمر
الحرورى، وقال: التقيه جائزه، واحتج بقوله تعالى: (الا ان تتقوا
منهم تقاه) وبقوله تعالى: (وقال رجل مومن من آل فرعون يكتم
ايمانه)، واثبت لنافع ان التقيه مشروعه من لدن عليم حكيم.
36 - سعيد بن جبير (ت/94هـ):
قال ابو عبيد القاسم بن سلام (ت/224هـ): (حدثنا مروان بن
معاويه، عن حسان بن ابى يحيى الكندى، قال: سالت سعيد بن
جبير عن الزكاه؟ فقال: ادفعها الى ولاه الامر، فلما قام سعيد
تبعته، فقلت: انك امرتنى ان ادفعها الى ولاه الامر وهم
يصنعون بها كذا، ويصنعون بها كذا؟ فقال: ضعها حيث امرك
اللّه، سالتنى على رووس الناس فلم اكن لاخبرك).
وبعد فلا اظن ان احدا يشك فى صحه تقيه راهب التابعين
سعيد بن جبير رضوان اللّه تعالى عليه.
37 - سعيد بن المسيب (ت/94هـ):
وقال ابو عبيد القاسم بن سلام ايضا: (حدثنا يزيد، عن همام بن
يحيى، عن قتاده قال: (سالت سعيد بن المسيب، الى من ادفع
زكاه مالى؟ فلم يجبنى، قال: وسالت الحسن؟ فقال: ادفعها الى
السلطان).
اقول: اذا كان راى الحسن البصرى (ت/110هـ) هو هذا فعلا فلا
دلاله فيه على تقيته، ولكن على م يدل سكوت التابعى سعيد
بن المسيب؟
قال الدكتور محمد خليل هراس - فى هامشه، معلقا عليه -:
(يظهر ان سعيدا (رحمه اللّه) كان لا يرى دفع الزكاه الى ولاه
بنى اميه، ولهذا سكت).
ومن تقيته ايضا، ما اخرجه الحافظ احمد بن محمد بن سعيد
بن عقده الزيدى الجارودى الحافظ (ت/333هـ) فى اول كتاب الولايه، عن شيخه ابراهيم بن
الوليد بن حماد، عن يحيى بن يعلى، عن حرب بن صبيح عن ابن اخت حميد الطويل، عن ابن
جدعان، عن سعيد بن المسيب قال: (قلت لسعد ابن ابى وقاص: انى اريد ان اسالك عن شىء وانى اتقيك؟ قال: سل عما
بدا لك، فانما انا عمك، قال: قلت: مقام رسول اللّه (ص) فيكم
يوم غدير خم؟ قال: نعم، قام فينا بالظهيره، فاخذ بيد على بن
ابى طالب فقال: من كنت مولاه فعلى مولاه ، اللهم وال من
والاه ، وعاد من عاداه، فقال ابو بكر وعمر: امسيت ياابن ابى
طالب مولى كل مومن ومومنه).
قال العلامه الامينى بعد ان اورده - وتقيه زيد بن ارقم لهذا
الحديث كما مر: (فان الظاهر من هذه كلها انه كان بين الناس
للحديث معنى لا يامن معه راويه من ان يصيبه سوء اولدته
العداوه للوصى - صلوات اللّه عليه - فى العراق وفى الشام).
38 - تقيه الملايين من سيف الحجاج (ت/95هـ):
لا يخفى ان التقيه هى الباعث الاول والاخير للمومنين - الذين
لا يجدون مفرا عنها -على اطاعتهم للمتسلط الظالم والانقياد
الى اوامره، وهذامما لا ينبغى الشك فيه، لان تصور اى مبرر آخر
لتلك الطاعه وذلك الانقياد، لابد وان ترافقه التقيه بشكل او
باخر، والا لاصبحا (الطاعه والانقياد) تكريسا لنظريه وجوب
طاعه الحاكم الظالم، تلك النظريه التى انشاها شيخ الامويين
لاسباب لا تخفى على كل باحث ذى عقل حر وتفكير سليم.
وما يهمنا هنا هو كشف حقيقه التقيه المليونيه - ان صح
التعبير - فى هذا المثال الذى لم يكن هو الوحيد الكاشف عنها
اذا علمنا ان لغه السيف هى اعرق فى قاموس الامويين من بروز
الحجاج بن يوسف الثقفى على مسرح الاحداث السياسيه فى
تاريخهم الدموى. حيث ولاه عبدالملك بن مروان (ت/86هـ)
-بعد ان اخمد ثوره ابن الزبير وقتله سنه (73هـ) - مكه،
والمدينه، والطائف ثم اضاف اليها العراق بمصريه (الكوفه
والبصره)، لا لفقه الحجاج وورعه وتقواه وسابقته، وانما لكونه
سفاكا سفاحا من الطراز الاول الذى لا يرعى للّه الا ولا ذمه.
ولقد كان الحجاج يصرح بقسوته المتناهيه على اهالى هذه
الامصار الاسلاميه، كما يظهر فى الكثير من خطبه على منابر
المسلمين! وقد نقل بعضها ابن قتيبه الدينورى (ت/276هـ)
فى عيون الاخبار، وسنذكر منها ما يقرب صوره التقيه
(المليونيه) الى الابصار.
الخطبه الاولى قال ابن قتيبه: (دخل الحجاج بن
يوسف الثقفى الى البصره، وهو متقلد سيفا، ومتنكب
قوسا عربيه، فعلا المنبر ثم قال:
اناابن جلا وطلاع الثنايا
متى اضع العمامه تعرفونى
ان امير المومنين نكب عيدانه بين يديه فوجدنى امرها عودا
واصلبها مكسرا، فوجهنى اليكم، الا فواللّه لاعصبنكم عصب
السلمه، ولالحونكم لحو العود، ولاضربنكم ضرب غرائب الابل
حتى تستقيم لى قناتكم، وحتى يقول القائل: انج سعد، فقد
قتل سعيد...).
الخطبه الثانيه (ايها الناس انى اريد الحج، وقد
استخلفت عليكم ابنى هذا واوصيته بخلاف ما اوصى
به رسول اللّهصلى اللّه عليه وسلم فى الانصار، ان
رسول اللّه اوصى ان يقبل من محسنهم، وان يتجاوز
عن مسيئهم، وانى امرته الا يقبل من محسنكم، ولا
يتجاوز عن مسيئكم، الا وانكم ستقولون بعدى مقاله
لا يمنعكم من اظهارها الا مخافتى، ستقولون بعدى:
لا احسن اللّه له الصحابه! الا وانى معجل لكم
الجواب. لا احسن اللّه لكم الخلافه).
الخطبه الثالثه: (سوط ى سيفى، فنجاده فى عنقى، وقائمه فى
يدى، وذبابه قلاده لمن اغتر بى).
خطبه اخرى وله خطبه اخرى ذكر فيها من الوان
التهديد واصناف الوعيد الشىء العجيب، مصرحا فيها بانه لا فرق عنده بين المعافى
والسقيم، وبين من يطيعه او يعصيه، فالمحسن والمسىء كلاهما سيان،
وكان اللّه تعالى لم يقل فى كتابه الكريم: (ولا تزر
وازره وزر اخرى)
. هذه هى كلماته على ملايين المسلمين، فماذا كان جوابهم؟
انه السكوت المطبق، وكان لسان حالهم يردد:
للفتى عقل يعيش به
حيث يهدى ساقه قدمه
او:
ما ان ندمت على سكوتى مره ولقد ندمت على الكلام مرارا اما من تجرا على الكلام منهم
كعبد اللّه بن الاهتم التميمى فقد وصف الحجاج بن يوسف بانه مثل انبياء اللّه
تعالى!! قال ابن قتيبه بعد ان اورد له خطبته التى ساوى فيها بين المحسن والمسىء: (فقام اليه عبداللّه بن الاهتم التميمى
فقال: ايها الامير اشهد انك اوتيت الحكمه وفصل الخطاب،
فقال له: كذبت ذاك نبى اللّه داود).
ومما يستنتج من خطب الحجاج امور هى:
1-انه كان يشتم الناس من على منبره علنا، ويهددهم
ويوعدهم قبل صدور الذنب منهم ولا احد يجيبه منهم، اما من
يتجرا - من المتزلفين - على القول، فانه يصف الحجاج بصفات
الانبياء.
2 - ان تلك الخطب لا شك كان يسمعها عدد من الصحابه
وكثير من التابعين، ولم ينكروا عليه شيئا خصوصا فيما ورد
فيها مخالفا لشرع اللّه تعالى وسنه نبيه الكريم صلى اللّه عليه
وآله وسلم.
3 - ان الحجاج كان يعلم باتقاء اهل مكه والمدينه والطائف
والبصره والكوفه وما بينهما منه، لا سيما وقد صرح هو بنفسه
بهذه الحقيقه فقال: (الا وانكم ستقولون بعدى مقاله لا يمنعكم
من اظهارها الا مخافتى).
39 - مجاهد بن جبر المكى (ت/103هـ):
وهو من كبار التابعين فى التفسير باعتراف سائر العلماء من
الشيعه و اهل السنه - وقد امتدحه الشيخ الطوسى (ت/460هـ)
فى مقدمه التبيان فقال: (من المفسرين من حمدت طرائقه،
ومدحت مذاهبه، كابن عباس، والحسن، وقتاده، ومجاهد
وغيرهم).
وقد نص القرطبى فى الايه الاولى فى الفصل الاول على ان
مجاهدا كان يقرا: ( الا ان تتقوا منهم تقيهـ) فى موضع (تقاه)،
وكيف بمن يقروها هكذا لا يرى جواز التقيه بعدئذ؟! وقد مر فى
بيان دلاله هذه الايه على التقيه تفسيره لها مما يشير الى جواز
التقيه عنده فيما دون سفك الدم الحرام، ونهب الاموال.
40 - عامر الشعبى (ت/103ه او 104هـ):
كان عامر الشعبى من ندماء عبدالملك بن مروان (ت/86هـ)
وقد ارسله الى ملك الروم، وكان من الطبيعى جدا ان
يعمل بالتقيه لاسيما فى بلاط الامويين، وقد نقل الشيخ عباس
على براتى فى بحثه: التقيه فى آراء علماء المسلمين عن
القرطبى فى الجامع لاحكام القرآن، ان الشعبى كان يعمل
بالتقيه وانه كان ينال ممن لم يراع التقيه عند الاكراه عليها.
41 - الضحاك بن مزاحم (ت/105هـ):
اخرج الطبرى (ت/310 هـ) عن الضحاك انه قال: (التقيه
باللسان ومن حمل على امر يتكلم به، وهو للّه معصيه، فتكلم
مخافه على نفسه، وقلبه مطمئن بالايمان، فلا اثم عليه، انما
التقيه باللسان).
وقد مر فى الفصل الاول من قال بجواز التقيه قولا وفعلا، ولا
فرق بينهما اخذا بظاهر آيه التقيه، مع النصوص النبويه المثبته
لذلك ايضا.
42 - عكرمه البربرى مولى ابن عباس (ت/105هـ):
يظهر من تفسير عكرمه لايه التقيه، انه كان يرى جوازها فيما
دون قتل النفس، ونهب الاموال، فقد اخرج الطبرى (ت/310هـ) فى تفسير آيه التقيه وهى من قوله تعالى: (الا ان تتقوا منهم
تقاه) عن عكرمه انه قال: (ما لم يهرق دم مسلم، ولم يستحل
ماله)، وبه قال مجاهد ايضا.
43 - الحسن البصرى (ت/110هـ):
لقد مر فى الفصل الاول ما يوكد ان الحسن البصرى كان يقول:
(التقيه جائزه الى يوم القيامه)، والحسن البصرى خبير باحوال
الصحابه وهذا الكلام: اما ان يكون قد سمعه منهم، او يكون مما
استفاده هو من القرآن الكريم.
على ان الاستاذ على حسين رستم اكد فى بحثه (التقيه عند
اهل السنه نظريا وتطبيقيا) تقيه الحسن البصرى فى روايته
عن على (ع).
اذ روى حديث على (ع)، ولكنه لم يسنده اليه بل رفعه الى
النبى (ص) تقيه من ظلم الامويين، مشيرا بذلك الى مراسيل
ابى داود.
وبعد فلا حاجه لمتابعه موقف الحسن من التقيه بعد قوله:
(التقيه جائزه الى يوم القيامه)، وللّه در القائل: قطعت جهيزه
قول كل خطيب.
44 - رجاء بن حيوه (ت/112هـ):
كان رجاء من وعاظ الشام، وكان ملازما لعمر بن عبدالعزيز
(ت/101هـ)، ومن تقيته ما حكاه القرطبى (ت/671هـ) قال:
(وقال ادريس بن يحيى: كان الوليد بن عبدالملك يامر
جواسيس يتجسسون الخلق وياتون بالاخبار.. فجلس رجل منم
فى حلقه رجاء بن حيوه فسمع بعضهم يقع فى الوليد، فرفع
ذلك اليه.
فقال: يا رجاء! اذكر بالسوء فى مجلسك ولم تغير؟!
فقال: ما كان ذلك يا امير المومنين.
فقال له الوليد: قل اللّه الذى لا اله الا هو.
قال: اللّه الذى لا اله الا هو.
فامر الوليد بالجاسوس، فضرب سبعين سوطا. فكان يلقى رجاء
فيقول: يا رجاء! بك يستسقى المطر وسبعين سوطا فى
ظهرى!!
فيقول رجاء: سبعون سوطا فى ظهرك، خير لك من ان يقتل
رجل مسلم).
اقول : اين هذا من عيون المنصور العباسى (ت/158هـ)، فقد
ذكر ابن نباته المصرى (ت/768هـ) فى سرح العيون: ان مالك
بن انس (ت/179هـ) قد جمعه ذات يوم مجلس مع المنصور،
فقال له المنصور: (اليست اذا بكت ابنتك من الجوع، تامر بحجر
الرحا فيتحرك، كيلا يسمع الجيران بكاءها؟
فقال مالك: واللّه ما علم احد بهذا الا اللّه!
فقال له: ااعلم بهذا، ولا اعلم احوال رعيتى؟).
واذا علمت ان اهل المدينه قد خلعوا المنصور وبايعوا غيره،
فلك ان تقدر كم يمين صدرت منهم، على نحو يمين رجاء.
45 - ميمون بن مهران (ت/117هـ):
نقل الغزالى (ت/505هـ) عن ميمون بن مهران قوله: (الكذب
فى بعض المواطن خير من الصدق).
وفى كتاب الاشراف لابن ابى الدنيا (ت/281هـ): (وحدثنى ابى،
قال: اخبرنا اسماعيل بن عليه، قال: اخبرنا سوار بن عبداللّه ،
قال: ان ميمونا كان جالسا وعنده رجل من قراء اهل الشام،
فقال: ان الكذب فى بعض المواطن خير من الصدق، فقال
الشامى: لا، الصدق فى كل المواطن خير. فقال ميمون: ارايت
لو رايت رجلا يسرع وآخر يتبعه بالسيف، فدخل الدار فانتهى
اليك، فقال: ارايت الرجل؟
ما كنت قائلا؟
قال: كنت اقول: لا!!
قال: فذاك).
46 - عطاء بن ابى رباح (ت/118هـ):
ذهب عطاء بن ابى رباح الى ان يمين المكره غير ثابته عليه،
بمعنى ان الحلف تقيه جائز عند الاكراه، ولا كفاره فى ذلك،
وقد نسب له هذا القول الامام الشافعى (ت/204هـ) فى احكام
القرآن.
47 - قتاده بن دعامه السدوسى (ت/118هـ):
ذكر ابو حيان الاندلسى (ت/754هـ) فى تفسيره: ان قتاده قال:
(اذا كان الكفار غالبين، او يكون المومنون فى قوم كفار
فيخافوهم فلهم ان يحالفوهم ويداروهم دفعا للشر، وقلبهم
مطمئن بالايمان).
وقد مر قول الرازى الشافعى: (ان الحاله بين المسلمين اذا
شاكلت الحاله بين المسلمين والمشركين، حلت التقيه محاماه
على النفس).
48 - شبه ابو عقال:
لم اقف على سنه وفاته، الا انه روى عن الصحابى انس بن مالك
(ت/93هـ) كما نص عليه مترجموه، فهو اذا من طبقه
عطاءوقتاده وغيرهما من التابعين.
ومن تقيته، ما حكاه ابن قتيبه الدينورى (ت/276هـ) عن ابنه
عقال بن شبه، من انه قال: (كنت رديف ابى، فلقيه جرير على
بغل، فحياه ابى والطفه. فلما مضى، قلت: ابعد ما قال لنا ما
قال؟!
قال: يا بنى! افاوسع جرحى؟!).
والظاهر، ان المراد من جرير هو جرير بن عطيه الخطفى الشاعر
المشهور (ت/110هـ)، وانه هجا ابا عقال، فحاول الاخير مداراته
لكيلا يعود الى الهجاء ثانيه، فاتقى لسانه بهذه المداراه.
49 - الزهرى (ت/124هـ):
محمد بن مسلم بن عبداللّه بن شهاب المعروف بابن شهاب
الزهرى، كان من كبار الحفاظ والفقهاء من التابعين، كان يتقى
من الامويين خصوصا فى فضائل الامام على(ع)، فيما صرح هو
بنفسه، فقد روى ابن الاثير (ت/630هـ) فى اسد الغابه باسناده،
عن عبداللّه بن العلاء، عن الزهرى، عن سعيد بن جناب، عن ابى
عنفوانه المازنى، عن جندع «ابو جنيده بن عمرو بن مازن
الانصارى »قال: سمعت النبى صلى اللّه عليه وسلم يقول: ( من
كذب على متعمدا فليتبوا مقعده من النار). وسمعته -والا
صمتا يقول وقد انصرف من حجه الوداع، فلما نزل غدير خم قام
فى الناس خطيبا، واخذ بيد على، وقال: (من كنت مولاه فهذا
وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).
وقال عبداللّه بن العلاء: فقلت للزهرى: لا تحدث هذا بالشام
وانت تسمع مل ء اذنيك سب على!!
فقال: واللّه ان عندى من فضائل على ما لو تحدثت لقتلت.
اخرجه الثلاثه)، انتهى بلفظه.
50 - السدى (ت/127هـ):
اخرج الطبرى عنه انه قال فى آيه التقيه، انها تعنى: (اظهار
الولايه للكافرين فى دينهم، والبراءه من المومنين)، وهذا هو
احد مصاديق التقيه عند الاكراه على كلمه الكفر، لا كل التقيه
كما مر فى الفصل الاول، والمهم هنا هو ان السدى من القائلين
بالتقيه فى افضع الاشياء وهو الكفر كغيره من التابعين. على ان
هذا المعنى قد اطبقت على صحته كلمه المفسرين، بشرط ان
يكون القلب مطمئن بالايمان.
51 - واصل بن عطاء (ت/131هـ):
وهو راس الاعتزال، وكان مفرط الذكاء، ومن تقيته ماذكره ابن
الجوزى الحنبلى (ت/597هـ) فى كتاب الاذكياء، من انه خرج يريد سفرا فى رهط، فاعترضهم
جيش من الخوارج، فقال واصل: (لا ينطقن احد ودعونى معهم، فقصدهم واصل، فلما قربوا
بدا الخوارج ليوقعوا. فقال: كيف تستحلون هذا وما تدرون من نحن، ولا لاى شىء جئنا؟ فقالوا: نعم، من انتم؟ قال: قوم
من المشركين جئناكم لنسمع كلام اللّه.
قال: فكفوا عنهم، وبدا رجل منهم يقرا القرآن، فلما امسك، قال
واصل: قد سمعت كلام اللّه، فابلغنا مامننا حتى ننظر فيه وكيف
ندخل فى الدين. فقال: هذا واجب، سيروا، قال: فسرنا والخوارج
واللّه - معنا يحموننا فراسخ، حتى قربنا الى بلد لا سلطان لهم
عليه، فانصرفوا).
52 - سالم بن ابى حفصه البترى (ت/140هـ):
قال الكشى (من علماء الشيعه الاماميه فى القرن الرابع
الهجرى) فى ترجمته: (وحكى عن سالم: انه كان مختفيا من
بنى اميه بالكوفه، فلما بويع لابى العباس، خرج من الكوفه
محرما فلم يزل يلبى: لبيك قاصم بنى اميه لبيك، حتى اناخ
«راحلته » بالبيت).
وهذا يعنى انه كان يتقيهم فى دولتهم، فلما زالت افصح عما
فى قلبه نحوهم، على ان سالما ليس من الشيعه الاماميه، وانما
من البتريه، وقيل: التبريه - بتقديم التاء المثناه من فوق على
الباء الموحده - والاول اشهر، والبتريه - بضم الباء الموحده،
وقيل كسرها هم فرقه من فرق الزيديه.
واما ما ذكرناه عن الصحابه كعمار، وحذيفه وغيرهما ممن عرف
بالتشيع، ومن التابعين سعيد بن جبير وغيره، فلكونهم ممن
احتج اهل السنه باقوالهم، وقد نقلنا تلكم الاقوال من كتب غير
الشيعه الاماميه، مما يصح معه انطباق المعنون على عنوان:
(واقع التقيه عند المذاهب والفرق الاسلاميه من غير الشيعه
الاماميه).
53 - عمرو بن عبيد المعتزلى (ت/144هـ):
ذكر الخطيب البغدادى (ت/463هـ) فى تاريخه: ان المنصور
العباسى (ت/158هـ) قال لعمرو بن عبيد: (بلغنى ان محمدا بن
عبداللّه بن الحسن كتب اليك كتابا؟
قال عمرو: قد جاءنى كتاب يشبه ان يكون كتابه.
قال: فيم اجبته؟
قال: اوليس قد عرفت رايى فى السيف ايام كنت تختلف الينا، انى
لا اراه؟!
قال المنصور: اجل، ولكن تحلف لى ليطمئن قلبى!!
قال عمرو: لئن كذبتك تقيه لاحلفن لك تقيه.
قال المنصور: واللّه، واللّه انت الصادق البر).
اقول: ان فى هذه المحاوره دليل على ايمان المنصور بالتقيه
ايضا، فضلا عن تصريح عمرو بن عبيد بها. اذ لو كانت التقيه
محرمه، لابدى المنصور معارضته، ولقال - مثلا -: كيف تحلف
باللّه باطلا؟
54 - تقيه جمع من التابعين سنه (145هـ):
روى الطبرى (ت/310هـ)، وابن كثير (ت/774هـ) ما يدل على
تقيه جمع كبير من التابعين وغيرهم، وذلك فى ارضائهم
المنصور بالنيل من رجل حسنى بعد قتله وهو ابراهيم بن
عبداللّه بن الحسن بن الحسن بن على بن ابى طالب(ع)، الذى
قتله المنصور لخمس بقين من ذى القعده سنه /145ه .
|