قال الطبرى، وتابعه ابن كثير: (ان المنصور العباسى لما اتى براس ابراهيم بن عبداللّه، وضعه بين يديه، وجلس مجلسا عاما، واذن للناس، فكان الداخل يدخل فيسلم، ويتناول ابراهيم فيسىء القول فيه، ويذكر منه القبيح التماسا لرضا ابى جعفر، وابو جعفر «اى: المنصور» ساكت ممسك متغير لونه، حتى دخل جعفر بن حنظله البهرانى، فوقف فسلم، ثم قال: عظم اللّه اجرك يا امير المومنين فى ابن عمك، وغفر له ما فرط فيه من حقك، فاصفر لون ابى جعفر، واقبل عليه، فقال: ابا خالد مرحبا واهلا هاهنا! فعلم الناس ان ذلك قد وقع منه، فدخلوا فقالوا مثل ما قال جعفر بن حنظله).

وليس من شك فى ان كلام الناس فى ابراهيم اول الامر، لم يكن معبرا عن عقيده الكل، او البعض منهم على الاقل، لما سياتى فى تقيه مالك بن انس (ت/179هـ) من نقمه الناس على ابى جعفر المنصور ظلمه وطغيانه، حتى مال اكثر الفقهاء الى محمد النفس الزكيه واخيه ابراهيم.

لذا كان التحول المفاجىء فى موقفهم من تاييد ابراهيم الى الحط منه دليلا على تقيتهم من المنصور، كما ان تغير موقفهم فى مجلس المنصور من النيل من ابراهيم الى الدعاء له دليل آخر على تقيتهم منه، لان هذا التغير السريع لم ينشا من فراغ، وانما نشا من علم الداخلين - فيما بعد على المنصور، ان مواساه المنصور والدعاء لابراهيم بالمغفره هو المناسب لرضا المنصور، ولولا ما قاله جعفر بن حنظله، لاستمر النيل من ابراهيم. ولا يعقل بعد ذلك ان يكون جميع من نالوا، او دعوا من سوقه الناس ورعاعهم، اذ لا بد وان يكون من بينهم عدد من التابعين والفقهاء والمحدثين ممن لا تصح - عند اخواننا اهل السنه - نسبه النفاق الى واحد منهم.

55 - تقيه خارجه بن عبداللّه المعاصر لمقاتل بن سليمان (ت/150هـ):

كان خارجه بن عبداللّه - لم اقف على سنه وفاته - يستحل دم مقاتل بن سليمان، وهو على الرغم من معاصرته لمقاتل لم يقدم على قتله تقيه منه على نفسه، واشفاقا عليها من القصاص، كما صرح هو بذلك فقال: (لم استحل دم يهودى ولا ذمى، ولو قدرت على مقاتل بن سليمان فى موضع لا يرانى فيه احد لقتلته).

56 - تقيه الامام ابى حنيفه النعمان (ت/150هـ):

حرص الامام ابو حنيفه على الابتعاد عن العباسيين طيله حياته، لما عرفه من ظلمهم واضطهادهم العلماء وحملهم على ما يكرهون، ولهذا لا نجد فى سيره الامام تقربا الى السلاطين والحكام، ولقد كلفه ذلك ثمنا باهضا، اذ استدعى مرات ومرات، وحبس وضرب على كبر سنه ولم يتغير موقفه فى عدم التقرب الى الولاه والحكام. ولكن قد اجبرته السلطه حينذاك ان يتقيهم كرها لينجو بنفسه من تعسفهم واضطهادهم، ولم يكن الامام ابو حنيفه مبتدعا فى تقيته، فقد اتقى قومه من هو افضل الانبياء والمرسلين(ص)، ولفيف من الصحابه والتابعين قبله، وفيما ياتى نورد جمله من المواقف التى حملته كرها على التقيه، وهى:

الموقف الاول - مع ابن هبيره:

كان يزيد بن عمر المعروف بابن هبيره (ت/132هـ) من ولاه آخر الامويين مروان بن محمد (ت/132هـ) على البصره والكوفه. وقد حاول ابن هبيره استقطاب العلماء لتقويه مركزه، ومنهم ابى حنيفه، وقد لبى اصحاب ابى حنيفه دعوه ابن هبيره كما سياتى فى تقيتهم، الا ان ابا حنيفه رفض ان يكون جسرا لرغبات ابن هبيره، ولهذا حاول ابن هبيره ان ينزل اكبر الاذى به، وينتحل عذرا ليكون مبررا لقتله، فدس اليه رجلا وابو حنيفه فى طريقه الى السجن، فقال له الرجل: يا ابا حنيفه! ايحل للرجل اذا امره السلطان الاعظم ان يقتل رجلا، ان يقتله؟ فاجابه بلباقه: كان الرجل ممن وجب عليه القتل؟ قال: نعم.

قال: فاقتله.

قال: فان لم يكن مما وجب عليه القتل؟ قال: السلطان الاعظم لا يامر بقتل من لا يستحق القتل.

الموقف الثانى - فى مبايعه السفاح (ت/136هـ):

روى ابو يوسف (ت/182هـ)، عن داود الطائى قال: لما نزل ابو العباس الكوفه، وجه العلماء فجمعهم فقال: (ان هذا الامر قد افضى الى اهل بيت نبيكم، وجاءكم اللّه بالفضل، واقامه الحق، وانه يا معشر العلماء احق من اعان عليه «انتم »، ولكم الحباء، والكرامه والضيافه من مال اللّه ما احببتم، فبايعوا بيعه تكون لكم عند امامكم حجه عليكم، وامانا فى معادكم، لا تلقون اللّه بلا امام فتكونوا ممن لا حجه له، ولا تقولوا: امير المومنين نهابه ان نقول الحق. فنظر القوم الى ابى حنيفه، فقال: ان احببتم ان اتكلم عنى وعنكم، فامسكوا. قالوا: قد احببنا ذلك، فقال:

الحمد للّه الذى بلغ الحق من قرابه نبيه(ص)، واماط عنا جور الظلمه، وبسط السنتنا بالحق، وقد بايعناك على امر اللّه والوفاء لك الى قيام الساعه، فلا اخلى اللّه هذا الامر ممن قربه من نبيه.

فاجابه ابو العباس بجواب جميل، وقال: مثلك من خطب عن العلماء، فاحسنوا اختيارك، واحسنت فى البلاغ.

فلما خرجوا، قالوا له: ما اردت بقولك: (الى قيام الساعه)، وقد انقضت الساعه؟ قال: احتلت لنفسى واسلمتكم للبلاء، فسكت القوم، وعلموا ان الحق ما صنع).

الموقف الثالث - فى مبايعه المنصور (ت/158هـ):

ذكر ابن عبدالبر القرطبى المالكى (ت/463هـ)، ان جماعه من الفقهاء دخلوا على المنصور، وكان فيهم ابو حنيفه، وقد اقبل المنصور على ابى حنيفه وتركهم فقال: (انت صاحب حيل، فاللّه شاهد عليك انك بايعتنى صادقا من قلبك. قال: اللّه يشهد على حتى تقوم الساعه. فقال: حسبك. فلما انصرف ابو حنيفه، قال له اصحابه: حكمت على نفسك بيعته حتى تقوم الساعه.

قال: انما عنيت حتى تقوم الساعه من مجلسك، الى بول، او غائط، او حاجه، حتى تقوم من مجلسك ذلك).

الموقف الرابع - فى بناء مدينه بغداد سنه (145هـ):

لقد كان ابوحنيفه يجاهر فى امر ابراهيم بن عبداللّه بن الحسن، ويفتى الناس بالخروج معه على المنصور العباسى ولما انتهت ثوره ابراهيم بقتله سنه (145هـ) تولى الامام ابو حنيفه - وبنفس السنه المذكوره - مهمه الاشراف على ضرب اللبن وعده لبناء مدينه بغداد بامر المنصور العباسى.ولا شك انه كان كارها لذلك، ولكنه اتقى المنصور فى هذا العمل الذى انيط له من قبل المنصور الذى علم بموقف ابى حنيفه من ابراهيم، فحاول ان يجد مبررا لقتله، ولكن الامام عرف ذلك منه فاتقاه فى هذه المشاركه.

الموقف الخامس - فى قبوله قضاء الرصافه:

ذكرنا ان ابا حنيفه كان يابى تولى اى منصب من مناصب الدولتين الامويه والعباسيه، ولكن فى روايه الخطيب البغدادى (ت/463هـ)، وابن خلكان (ت/681هـ) ان ابا حنيفه قد جلس فى القضاء فى آخر ايام حياته بعد الضغط الشديد عليه، بحيث لم يجد من ذلك مفرا.

فقد ذكرا ان المنصور لما اتم مدينه بغداد، ارسل الى ابى حنيفه وعرض عليه قضاء الرصافه، فابى، فقال المنصور: ان لم تفعل ضربتك بالسياط!! قال ابو حنيفه: او تفعل؟ قال: نعم.

فقعد ابو حنيفه فى القضاء يومين، فلم ياته احد... فلما مضى يومان اشتكى ابو حنيفه سته ايام ثم مات.

الموقف السادس - فى مسائله مع الامام الصادق(ع)

(ت/148هـ):

المشهور عن الامام ابى حنيفه قوله: (لولا السنتان لهلك النعمان) وهما سنتان من التلمذه المباشره على يد الامام الصادق(ع)، ولقد كانت بينهما لقاءات متكرره بالكوفه استفاد منها ابو حنيفه كثيرا، وعرف عن كثب منزله الامام الصادق علما وادبا ونسكا وورعا، ولا غرو فى ذلك، ومن احق من ابى حنيفه بهذا؟ ولقد اوجس المنصور خيفه شديده من التفاف الناس حول الامام الصادق(ع)، فحاول الحط منه، وتقليل شانه فى نظر العلماء اولا، ومن ثم ابعاد عامه الناس عنه - بعد ان يتم له ذلك ثانيا.

ومن محاولات المنصور تلك التى تكشف عن تقيه ابى حنيفه، ما قاله ابو حنيفه نفسه، قال: (ما رايت افقه من جعفر بن محمد، لما اقدمه المنصور بعث الى فقال: يا ابا حنيفه! ان الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد فهىء له من المسائل الشداد، فهيات له اربعين مساله، ثم بعث الى ابو جعفر «اى: المنصور» وهو بالحيره، فاتيته، فدخلت عليه، وجعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلما ابصرت به دخلتنى من الهيبه لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلنى لابى جعفر، فسلمت عليه، واوما الى فجلست، ثم التفت اليه، فقال: يا ابا عبداللّه! هذا ابو حنيفه، فقال: نعم...ثم التفت الى المنصور، فقال: يا ابا حنيفه! الق على ابى عبداللّه من مسائلك، فجعلت القى عليه فيجيبنى، فيقول:

انتم تقولون: كذا، واهل المدينه يقولون: كذا، ونحن نقول: كذا.

فربما تابعنا، وربما خالفنا جميعا. حتى اتيت على الاربعين مساله -ثم قال مستدلا على ان الامام الصادق(ع) اعلم اهل زمانه بلا منازع: السنا قدروينا: ان اعلم الناس اعلمهم باختلاف الناس).

اقول: يستطيع الباحث ان يدرك بسهوله -من خلال ما قاله الامام ابو حنيفه مدى تاثير السلطه على العلماء، وحملهم على التقيه كرها، كما حصل لابى حنيفه مع الامام الصادق(ع)، فى محاوله المنصور اليائسه فى ابعاد الناس عن الامام بشتى الوسائل، واخبثها، ومن بينها اجبار العلماء الاعلام على مناظرته، لعله ينقطع عن الجواب.

ولولا امر المنصور لما سئل الامام الصادق اربعين سوالا، لا لتحصيل الجواب منه، وانما لتحصيل الانقطاع عن الجواب! ولا شك ان ابا حنيفه كان يعلم علم الامام، ولكن ما حيله المضطر الا ركوبها! الموقف السابع

- مع ابن ابى ليلى (ت/148هـ):

ذكر الاستاذ على الشملاوى فى بحثه: التقيه فى اطارها الفقهى ما قاله جابر بن حماد بن الامام ابى حنيفه - كما فى روايه الخطيب البغدادى قال جابر: (سمعت ابى حمادا يقول:

بعث ابن ابى ليلى الى ابى حنيفه، فساله عن القرآن.

فقال: مخلوق.

فقال: تتوب، والا اقدمت عليك! فقال: القرآن كلام اللّه.

فقال: فدار به فى الخلق يخبرهم انه قد تاب من قوله: القرآن مخلوق.

فقال ابى: فقلت لابى حنيفه: كيف صرت الى هذا وتابعته؟ قال: يا بنى! خفت ان يقدم على، فاعطيته التقيه).

57 - تقيه اصحاب ابى حنيفه من ابن هبيره (ت/148هـ):

عرض ابن هبيره - والى الامويين على الكوفه اعمالا من اعمال ولايته على الفقهاء الذين ارسل اليهم لهذا الغرض، وكان منهم ابن ابى ليلى (ت/148هـ)، وابن شبرمه، وداود بن ابى هند، وابو حنيفه.

وقد اعط ى لكل واحد منهم عملا من اعمال ولايته، وتنازل لابى حنيفه عن جزء من سلطانه، ليكون فى يده خاتم الدوله يختم به كل امر، وجعل من حقه انفاذ الاحكام التى يصدرها القضاء والخراج، وختم اوامر الوالى. فرفض ابو حنيفه وقبل الاخرون اعمالهم، واشاروا على ابى حنيفه بالقبول فرفض ذلك. حتى ان ابن ابى ليلى قال: (دعوا صاحبكم، فانه هو المصيب).

الا ان اصحاب ابى حنيفه الحوا عليه بقبول ما اعطاه ابن هبيره، وقالوا: ننشدك اللّه ان تهلك نفسك، فانا اخوانك، وكلنا كاره لهذا الامر، ولم نجد بدا من ذلك، فرفض ايضا.

وهذا القول الاخير لا يمكن ان يفهم منه معنى غير معنى التقيه.

58 - تقيه ابن سمعان من المنصور (ت/158هـ):

ذكر ابن قتيبه ان المنصور العباسى اجتمع فى اول خلافته بمالك بن انس، وابن ابى ذويب، وابن سمعان، وسالهم: اى الرجال انا عندكم، امن ائمه العدل، ام من ائمه الجور؟ اما مالك فقد توسل اليه باللّه، وتشفع بالنبى(ص) ان يستعفيه من الجواب، فاستعفاه.

واما ابن ابى ذويب، فلم يخش فى اللّه لومه لائم، اذ اوقف المنصور على حقيقه حاله، وصارحه بواقع امره، حتى ان الامام مالك بن انس قد ظن انه سيسفك دم ابن ابى ذويب قبل ان يتم كلامه فجمع اطراف ثوبه لئلا يتلوث بالدم.

واما ابن سمعان، فقد خاف على نفسه واتقى من المنصور، فوصفه بصفات الصديقين الابرار الاخيار، وانه من خير من ولدته حواء، وانه من اعدل الائمه، وانه وانه.

59 - سفيان الثورى (ت/161هـ):

عن ابى اسحاق الفزارى، قال: جاءنى نعى اخى من العراق، وقد خرج مع ابراهيم بن عبداللّه الطالبى، فقدمت الكوفه، فاخبرونى انه قتل، وانه قد استشار سفيان الثورى وابا حنيفه، فاتيت سفيان وانباته مصيبتى باخى، وقلت: واخبرت انه استفتاك.

قال: نعم، قد جاءنى فاستفتانى، فقلت: ماذا افتيته؟ قال: قلت:

لا آمرك ولا انهاك. قال: فاتيت ابا حنيفه فقلت له: بلغنى ان اخى اتاك فاستفتاك. قال: قد اتانى واستفتانى، قال، قلت:

فبماذا افتيته؟ قال: افتيته بالخروج، قال: فاقبلت عليه، فقلت:

لا جزاك اللّه خيرا، قال: هذا رايى).

ويفهم من قول سفيان المتقدم: لا آمرك ولا انهاك، انه كان يرى الخروج مع ابراهيم مشروعا، ولو كان المنصور اماما عادلا، لوجب على سفيان ان ينهى عن الخروج عليه، لا ان يقول: لا آمرك، ولا انهاك، فهذا قول من فكر فى عواقب الامور، وادرك انه ليس من مصلحته الافصاح بما هو الحق، فترك لنفسه مجالا فى الجواب تقيه من انكشاف امره لدى المنصور.

60 - المفضل الضبى (ت/168هـ):

كان المفضل الضبى العالم اللغوى المشهور من انصار ابراهيم بن عبداللّه ابن الحسن، ولكن حين فشلت ثوره ابراهيم وقبض المنصور على المساندين لهذه الثوره، وانزل العقاب الصارم بهم، كان المفضل الضبى من بين من قبض عليه، فعفا عنه المنصور، وسرعان ما تبدلت مواقف المفضل حتى استخلصه المنصور لنفسه، وقربه اليه، وصار نجما فى بلاط الخليفه، وعهد اليه ان يودب ولده المهدى، وكانه لم يكن بالامس ناقما على المنصور ظلمه وطغيانه، وانى لهذا ان يكون لولا التقيه والمداراه التى كان يظهرها مودب المهدى لمن خرج على ابيه بالامس، حتى لكان خروجه لم يكن شيئا مذكورا!

61 - تقيه الامام مالك بن انس (ت/179هـ):

الموقف الاول: مع الامويين:

جاء فى ترجمه الامام الصادق(ع) (ت/148هـ) فى ميزان الاعتدال للذهبى (ت/748هـ) ما نصه: (وقال مصعب، عن الدراوردى، قال: لم يرو مالك عن جعفر، حتى ظهر امر بنى العباس).

وقد صرح امين الخولى (ت/1385هـ)، بان امتناع مالك بن انس من الروايه عن الامام الصادق(ع) فى عهد الامويين، انما كان لخشيته منهم.

اقول: ولد الامام مالك بن انس سنه 93هـ ، وتوفى سنه 179هـ ، فكان عمره خمس وثمانين سنه، ادرك فيها امامه الباقر(ع) كلها من سنه 95هـ الى سنه 114هـ ، كما ادرك فيها امامه الصادق(ع) -البالغه اربعا وثلاثين سنه كلها، من سنه 114هـ الى سنه 148هـ ، كانت منها ثمان عشره سنه فى عهد الامويين الذين انقرضوا سنه 132هـ .

وهذا يعنى ملازمه الامام مالك للتقيه فى عدم الروايه عن الامام الصادق مده ثمان عشره سنه كامله، على الرغم من كونهما يقطنان فى المدينه المنوره، ولم يفصل مالك بن انس عن الصادق زمان ولا مكان، غير سطوه الامويين وبطشهم الذى خافه مالك بن انس، لا سيما وان موقف الامويين من اهل البيت(ع) معروف لكل احد.

الموقف الثانى - مع العباسيين:

ان سيره الامام مالك تثبت انه كان يستعمل التقيه فى ظل الدوله العباسيه، وعلى نطاق اوسع منه فى العهد الاموى، فقد روى المورخون موقفه من خروج محمد النفس الزكيه سنه 145هـ على المنصور، وخلاصه هذا الموقف انه كان مضطرا الى ان لا يسهم فى هذه الثوره التى ايدها مشايخه كالتابعى المعروف بابن هرمز مساهمه ايجابيه، لانه سبق وان ارسله المنصور -مع من ارسل الى بنى الحسن ليدفعوا اليه محمداوابراهيم ابنى عبداللّه بن الحسن، حتى اذا ما قامت الثوره لم يسع مالك الاشتراك بها لهذا السبب، مع انه كان من الناقمين على المنصور جبروته وطغيانه. وقد عرف الثوار منه ذلك، فكانوا يستفتونه فى الخروج مع محمد النفس الزكيه، ويقولون له: ان فى اعناقهم بيعه للمنصور، فكان يرد عليهم بقوله: انما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين. وقد تحمل نتيجه هذه الفتيا سياط والى المدينه جعفر ابن سليمان، وجبذت يداه حتى انخلعت من كتفه.

ثم لم تلبث ان وطدت العلاقه بينه وبين العباسيين كثيرا حتى قال له المنصور ذات يوم: (انت واللّه اعقل الناس، واعلم الناس، واللّه لئن بقيت لاكتبن قولك كما تكتب المصاحف، ولابعثن به الى الافاق، ولاحملنهم عليه).

ولا شك ان للتقيه دورها الواضح فى توطيد هذه العلاقه، ولولاها لما كان الرجل الناقم على المنصور جبروته وطغيانه، والذى يفتى الناس بالخروج عليه ويحثهم على خلع بيعته، بقوله: انما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين، يكون هو نفسه -كما جاء فى مقدمه تحقيق الموطا الرجل الذى: (يامر بحبس من يشاء، او يضرب من يريد) فى دوله المنصور نفسه!

الموقف الثالث - فى تاليف الموطا:

ان تقيه الامام واضحه كالشمس فى تاليفه كتاب الموطا، اذ تجنب فيه الروايه عن اهل البيت(ع) الا لماما، ويكفى انه لم يرو شيئا فى الموطا عن امير المومنين على(ع)، بل ولم يذكره فى حلقته، ولما سئل عن ذلك؟ اجاب بانه -يعنى عليا(ع) لم يكن فى المدينه!!.

ولموقف الامام مالك من على(ع) تفسيران لا ثالث لهما، وهما:

الاول: ما ذكره القاضى عياض (ت/544هـ) فى ترتيب المدارك 1: 330 وابو زهره فى مالك بن انس ص: 28، وامين الخولى فى مالك بن انس ص: 418، ولا احب الخوض فى تفصيلاته، ومن رام الوقوف عليه فليرجع الى مصادره ومراجعه، على ان خلاصته هو اجتهاد مالك فى هذا الشان!! الثانى: هو التقيه من المنصور فى ذلك، اذ لا خلاف بين الباحثين على ان المنصور العباسى كان يراسل محمد النفس الزكيه بما ينال من منزله الامام على(ع) كما نص عليه الطبرى فى تاريخه، وليس من السهل على الامام مالك ان يعارض المنصور فى ذلك، وهذا هو التوجيه المقبول عند كل من يحسن الظن بالامام مالك.

الموقف الرابع - تصريحه بالتقيه:

وخيرمايمثله رايه فى طلاق المكره حيث كان لا يجيزه، ويعده باطلا، لانه وقع تقيه تحت طائله الاكراه، وقد سبق الكلام فى الفصل الاول بانه احتج لذلك بقول ابن مسعود (ت/32هـ): (ما من كلام يدرا عنى سوطين من سلطان الا كنت متكلما به).

وكان يقول: (ولان احلف سبعين يمينا واحنث، احب الى من ان ادل على مسلم).

الموقف الخامس:

مر هذا الموقف فى تقيه ابن سمعان من المنصور برقم /57، فراجعه، ستجد ان الامام مالك قد نظر لنفسه فراى ان نطق كاذبا فقد اغضب اللّه تعالى، وان نطق صادقا فقد اغضب المنصور، وراى ان من الحكمه ان يحذر غضب اللّه تعالى، ويتقى نقمه المنصور فى ذلك الموقف الصعب، ولهذا طلب ان يستعفيه من الجواب فاستعفاه.

62 - سعيد بن اشرس، صاحب مالك بن انس (ت/179هـ):

ذكر القرطبى المالكى (ت/671هـ) ان سعيدا كان قد آوى رجلا بتونس، وكان الرجل ممن طلبه سلطان تونس ليقتله، ويظهر من كلام القرطبى ان للسلطان التونسى عيونا اخبرته بمكان من يطلب، وانه احضر سعيدا، فانكر، فاستحلفه، فحلف له على انه ما آواه، ولا يعلم له مكانا.

ونكتفى بهذا القدر ممن اتقى من التابعين، وننتقل الى موقف جديد آخر مع روم الاختصار.

موقف تابعى التابعين وغيرهم من التقيه

وفى هذا الموقف سنراعى ايضا ما وصل اليه التسلسل السابق مع لحاظ السبق الزمنى لكل موقف، على انا سندع الكثير الكثير من اسماء العلماء الذين استعملوا التقيه او صرحوا بها، اذ مرت اسماوهم فى الفصل الاول، خصوصا المفسرين منهم ابتداء من الطبرى (ت/310هـ)، وانتهاء بالصابونى الوهابى المعاصر، اللهم الا اذا وجدنا كلاما لاحدهم لم ننقله عنه هناك، وان كان ثمه مجال سنشير اليهم اجمالا فى آخر المطاف، ومما وقفنا عليه من هذه المواقف ما ياتى:

63 - يعقوب بن ابراهيم المعروف بابى يوسف (ت/182هـ):

يعقوب بن ابراهيم الرجل الثانى فى المذهب الحنفى، وهو من اشهر اصحاب ابى حنيفه، كانت سيرته قد اختلفت تماما عن سيره ابى حنيفه ازاء بنى العباس، فقد ولى قضاء بغداد فى زمن موسى المهدى (ت/169هـ)، ثم هارون الرشيد (ت/193هـ) من بعده، وهواول من دعى بقاضى القضاه فى الاسلام، وقد بلغت علاقته بالرشيد انه ان ياكل معه الفالوذج بدهن الفستق.

ولا خلاف بان الشريعه الاسلاميه لا تحرم الاكل مع السلاطين والحكام، ولكنها نبهت على خطره، مغبه ان يحمل الاكل -لا سيما اذا كان من الفقهاء كرها على الافتاء بما يوافق هوى السلاطين والحكام. وهذا من البداهه بمكان لا يخفى على احد.

قال ابن قتيبه الدينورى (ت/276هـ): (لا تكونن صحبتك للسلطان الا بعد رياضه منك لنفسك على طاعتهم فى المكروه عندك، وموافقتهم فيما خالفك، وتقدير الامور على اهوائهم دون هواك).

ولهذا نجد الامام ابا حنيفه قد اوصى ابا يوسف فى ايامه الاخيره بقوله: (واذا رايت من سلطانك ما لا يوافق العلم، فاذكر ذلك مع طاعتك اياه، فان يده اقوى من يدك. تقول له: انا مطيع لك فى الذى انت فيه، سلطان ومسلط على، غير انى اذكر من سيرتك ما لا يوافق العلم، وانصحه فى الدين، وناظره ان كان مبتدعا) الى آخر ما جاء فى هذه الوصيه القيمه.

وفى مقابل هذا نجد ان فى بعض ما صدر من فتاوى لابى يوسف، لا ينسجم مع فقه الاحناف بالمره، وليس له من تفسير غير التقيه، ولا نعنى بهذا الغض من ابى يوسف، وانما نعنى به كثره الضغوط التى كان يواجهها -بحكم كونه قاضى القضاه فى الاسلام مما لا مفر له منها بغير التقيه، ولا غضاضه عليه فى ذلك، لان الشريعه الغراء التى اباحت الكفر -وهو من افضع الاشياء عند الاكراه على القتل او الوعيد المتلف، لا شك انها تبيح للفقيه الفتيا بخلاف الواقع الذى يعلمه، ان خاف على نفسه التلف.

ولهذا فان ما نذكره من تقيه ابى يوسف فى الافتاء، وان كنا لا نعلم نوع الاكراه عليها، الا انها محموله على الاكراه المبيح لذلك ان شاء اللّه، وان كان ظاهر بعض فتاويه فى نظر حاسديه لا تستوجب مخالفه للشرع الحنيف.

ومن تقيته فى الفتيا، ما توضحه المواقف التاليه:

الموقف الاول: مع المهدى العباسى .

ذكر السيوط ى (ت/911هـ) ان الرشيد قد احب جاريه من جوارى المهدى، فراودها عن نفسها، فامتنعت وبينت له ان ابوه قد طاف بها، ولكن الرشيد قد هام بها حبا، فارسل الى ابى يوسف فافتاه فيما رغب.

الموقف الثانى: مع هارون الرشيد .

وذكر السيوط ى ايضا، ان هارون الرشيد دعاه مره فى الليل، فافتاه بما يوافق هواه، فامر له بمائه الف درهم.

الموقف الثالث: مع ام جعفر البرمكى .

روى الخطيب البغدادى (ت/463هـ) بسنده عن ابى عبداللّه اليوسفى قال: (ان ام جعفر كتبت الى ابى يوسف: ما ترى فى كذا وكذا، واحب الاشياء الى ان يكون الحق فيه كذا؟ فافتاها بما احبت، فبعثت اليه بحق فضه فيه حقاق فضه مطبقات فى كل واحده لون من الطيب، وفى جام دراهم وسطها جام فيه دنانير..).

الموقف الرابع: فى جاريه عيسى بن جعفر .

افتى ابو يوسف فى جاريه عيسى بن جعفر حيث امتنع عيسى ان يهبها للرشيد لما سبق منه من يمين بالطلاق والعتاق وصدقه ما يملك على ان لا يبيع هذه الجاريه ولا يهبها لاى انسان مهما كان، وكانت الفتيا ان قسم الجاريه نصفين لكى يهب عيسى بن جعفر نصفها للرشيد ويبيع النصف الاخر، وبهذا يخرج من يمينه، لانه لم يحلف على هذا، ولقد كانت جائزه هذه الفتيا مائتى الف درهم، وعشرين تختا ثيابا.

ولعل قساوه قول ابن السماك فى حق ابى يوسف جاءت من هذا الباب.

الموقف الخامس: فى افتائه بجواز التقيه فى الدماء !

وهو ما سياتى فى الفصل الثالث فى فقه الاحناف، حيث سنقف على فتياه هناك فى جواز التقيه فى الدماء فيما سجلته اهم كتب الاحناف الفقهيه، ويمكن ان يقال ان التقيه كانت وراء هذه الفتيا، لان قاضى القضاه ابا يوسف لم يكن بعيدا عن الدماء التى اهرقها الرشيد وابوه من قبل، وهذا يعنى ان الافتاء بوجوب القصاص من المكره والمكره، او احدهما عند القتل، هو بمثابه الحكم بوجوب قتل هارون الرشيد، وابيه وجلاديهم، وهذا مما يتعذر صدوره من قاضى القضاه.

64-ابو الفضل الهاشمى (ت/186هـ):

ذكرابن قتيبه الدينورى (ت/276هـ) فى عيون الاخبار،ان محمدبن ابى الفضل الهاشمى قال:(قلت لابى:لم تجلس الى فلان، وقد عرفت عداوته؟ فقال: اخبىء نارا واقدح عن ود!).

وما اقرب هذا القول من قول ابى الدرداء المتقدم فى الفصل الاول: (انا لنكشر فى وجوه قوم وان قلوبنا لتلعنهم).

65 - تقيه على بن اسحاق من هارون الرشيد (ت/193هـ):

كان على بن اسحاق بن عبداللّه بن العباس، من حاشيه هارون الرشيد، ومن المقربين اليه، والمطلعين على اسراره، وقد اتقى من الرشيد فى غير موضع التقيه، وذلك فيما حكاه الشبراوى الشافعى (ت/1171هـ) من انه كان على علم بما عزم عليه هارون من اباده البرامكه واستئصال شافتهم، ورغم ذلك لم تبدر منه ادنى بادره فى انذار البرامكه بطريقه لا تثير غبار الشك لدى الرشيد فى افشاء سره، ولا تودى الى الفتنه، وذلك بتقديم النصح مثلا وما شابهه، بل ابتعد حتى عن دورهم -حتى حصلت نكبتهم تقيه على نفسه من بطش الرشيد.

66 - تقيه الامام الشافعى (ت/204هـ):

ومن المواقف التى تشهد على تقيه الامام الشافعى -فيما وقفت عليه موقفان، وكلاهما مع هارون الرشيد، وهما:

الموقف الاول: مع هارون الرشيد فى ذم العلويين !

المعروف بين سائر المورخين، ان الامام الشافعى قد مكث مده فى اليمن، واكثر قبائل اليمن تميل الى العلويين، مع ميل الشافعى نفسه الى العلويين، ومن هنا جاءت محنته، بل واتهم بالتشيع ايضا.

ولم يكن ذلك خافيا على جواسيس الرشيد، فقد كتب اليه حماد البربرى من اليمن رساله يخوفه فيها من العلويين،ويحذره اشد التحذير من الشافعى، حتى ذكر له بان ما يخرج من لسان الشافعى هو اشد من سيف المقاتل! ولهذا امر الرشيد ان يحمل الشافعى مع بعض العلويين الى بغداد.

ولما وصلوا الى بغداد امر الرشيد بقتل العلويين جميعا فقتلوا حالا، واما الشافعى فقد قال كلاما تقيه لا يعبر عن واقع قال:

(اادع من يقول انى ابن عمه، واصير الى من يقول انى عبده!).

وقد ترك هذا الكلام اثرا فى نفس الرشيد فعفى عنه.

الموقف الثانى: رايه فى خلافه هارون الرشيد .

وهذا الموقف اوضح من الاول فى التقيه، وهو ما اورده ابو نعيم الاصبهانى (ت/430هـ) فى حليه الاولياء فى خبر طويل خلاصته:

ان الشافعى احضر يوما وهو مقيد فى الحديد الى مجلس هارون الرشيد، وكان فى المجلس بعض خصومه، منهم بشر المريسى المعتزلى (ت/218هـ) فاراد بشر ان يحرج الشافعى فقال له بمسمع من الرشيد: (ادعيت الاجماع، فهل تعرف شيئا اجمع الناس عليه، قال نعم: اجمعوا على ان هذا الحاضر امير المومنين، فمن خالفه قتل).

فضحك عند ذلك الرشيد، وقربه واكرمه بعد ان امر بفك القيد عنه.

اقول: ان الامام الشافعى يعلم علم اليقين كيف وصل الرشيد الى الحكم، وانه لم ينص على خلافته كتاب، ولم تنطق بها سنه، ولم تحصل بها شورى، ولم ينعقد عليها الاجماع، وانما كانت ملكا عضوضا، ورثها عن ابيه كما يرث الدينار والدرهم! فهى خلافه مرفوضه عند اهل النص والتعيين، ومرفوضه عند اهل الشورى والاختيار، وبالجمله فان خلافه الامويين والعباسيين برمتهم خارجه عن اطار النظريه السياسيه للامامه والخلافه فى الاسلام، ومن هنا يتضح ان الاجماع المراد بكلام الامام الشافعى هو (اجماع التقيه) لا غيره.

67 - تقيه سجاده من المامون (ت/218هـ).

68 - تقيه القواريرى من المامون.

69 - تقيه جمع من الفقهاء من المامون.

لقد نص الطبرى (ت/310هـ) فى تاريخه عند تناوله الاخبار فى محنه خلق القرآن فى زمن المامون على امتناع سجاده والقواريرى ومجموعه من الفقهاء من الاستجابه الى امر المامون -فى هذه المساله الداعى الى القول بان القرآن الكريم مخلوق وليس بقديم.

ولكنهم -كما نص عليه الطبرى تراجعوا عن موقفهم حين علموا بما عزم عليه المامون ازاء من لم يسجل اعترافه -بما امر عند واليه على بغداد اسحاق بن ابراهيم، وقالوا جميعا: ان القرآن مخلوق، الا ما كان من احمد ابن حنبل، ومحمد بن نوح المضروب.

70 - ابو مسهر (ت/218هـ):

نص الطبرى فى اخبار هذه المحنه ايضا على انه جاء كتاب من المامون الى واليه على بغداد اسحاق بن ابراهيم، يقول فيه:

(وقد كان امير المومنين وجه اليك المعروف بابى مسهر، بعد ان نصه امير المومنين عن محنته فى القرآن، فجمجم عنها ولجلج فيها، حتى دعا له امير المومنين بالسيف، فاقر ذميما، فانصصه عن اقراره، فان كان مقيما عليه، فاشهر ذلك واظهره ان شاء اللّه).

اقول: المراد بابى مسهر، هو عبد الاعلى بن مسهر الغسانى، من تابعى التابعين، وتقيته واضحه كما ترى، ولا تحتاج الى تعليق.

71 - تقيه الامام احمد بن حنبل (ت/240هـ):

كان الامام احمد بن حنبل يرفض اى شكل من اشكال التعاون مع العباسيين، ولم يقبل منهم ايه وظيفه، ويحدثنا تاريخه انه كان متقشفا لا يقبل هديه من الحاكم قط، وانه اذا ما اكره على قبولها فسرعان ما يوزعها على الفقراء والمساكين، وهذه حقيقه يجدها الباحث فى جميع كتب التراجم والرجال.

وقد بلغت نفرته من الحكام انه حرم على نفسه شرب ماء دجله، لانه كان يعد ذلك مما جرى عليه الغصب، واكتفى بماء الابار.

وبناء على هذا الراى فان سكنه فى بغداد يعد من اوضح مظاهر تقيته، لان من يرى ماء دجله قد جرى عليه الغصب، سوف لن ير شبرا من ارض بغداد الا وقد جرى عليه حكم الغصب ايضا.

ترى، هل اكره ابن حنبل على الاقامه ببغداد؟ ام اتخذها اختيارا مقرا ومقاما؟ قال الدكتور القطرى فى موقف الخلفاء: (انه سكن بغداد اضطرارا حتى روى عنه انه قال: دفعتنا الضروره الى المقام بها، كما دفعت الضروره المضطر الى اكل الميته).

ومن تقيته ايضا اختلاف قوله فى المحنه، وما تعرض له فى عهدى المامون (ت/218هـ)، والمعتصم (ت/227هـ). فقد ذكر المورخون لاحداث هذه المحنه ان المامون العباسى كتب الى اسحاق بن ابراهيم - واليه على بغداد (ت/235هـ) كتابا يامره فيه ان يمتحن القضاه والفقهاء والمحدثين فى مساله خلق القرآن فاحضر اسحاق جمله كبيره منهم، وفيهم احمد بن حنبل، فقال له: (ما تقول فى القرآن؟ قال: هو كلام اللّه. قال:

امخلوق هو؟ قال: هو كلام اللّه لا ازيد عليها).

ثم اختلف قوله فى عهد المعتصم، لما امتحنه فى هذه المساله، فقال: (انا رجل علمت علما ولم اعلم فيه بهذا، فاحضر له الفقهاء، وناظره عبدالرحمن ابن اسحاق وغيره فامتنع ان يقول:

ان القرآن مخلوق، فضرب عده سياط، فقال اسحاق بن ابراهيم:

ولنى يا امير المومنين مناظرته، فقال: شانك به، فقال اسحاق:

هذا العلم الذى علمته نزل عليك به ملك، او علمته من الرجال؟ قال: بل علمته من الرجال.

قال: شيئا بعد شىء او جمله؟ قال: علمته شيئا بعد شىء.

قال: فبقى عليك شىء لم تعلمه؟ قال: بقى على.

قال: فهذا مما لم تعلمه، وقد علمكه امير المومنين.

قال: فانى اقول بقول امير المومنين! قال: فى خلق القرآن؟ قال فى خلق القرآن!! فاشهد عليه، وخلع عليه، واطلقه الى منزله).

ومما يويد هذه الروايه ما نقل عن الجاحظ (ت/255هـ) فى كلامه مع الحنابله، فقال: (قد كان صاحبكم هذا -اى: احمد بن حنبل يقول: لا تقيه الا فى دار الشرك. فلو كان ما اقر به من خلق القرآن كان منه على وجه التقيه، فلقد عملها فى دار الاسلام...ولو كان ما اقر به على الصحه والحقيقه فلستم منه وليس منكم، على انه لم ير سيفا مشهورا، ولا ضرب ضربا كثيرا، ولا ضرب الا الثلاثين سوطا، مقطوعه الثمار، مشبعه الاطراف، حتى افصح بالاقرار مرارا ولا كان فى مجلس ضيق، ولا كانت حالته مويسه، ولا كان مثقلا بالحديد، ولا خلع قلبه بشده الوعيد...).

اما فى عهد المتوكل (ت/247هـ)، فقد ارتفعت المحنه عنه، حيث اظهر المتوكل ميله نحو المدرسه السلفيه، وارغم الناس على التسليم والتقليد، ونهاهم عن المناظره والجدل، وامر الفقهاء والمحدثين بالرد على اصحاب المدرسه العقليه وشجعهم على ذلك، وامدهم بالاموال وكل ما يحتاجون اليه فى سنه /234ه ، فبالغوا فى الثناء عليه حتى قالوا: (الخلفاء ثلاثه: ابو بكر الصديق(رضى اللّه) فى قتل اهل الرده، وعمر بن عبدالعزيز فى رد المظالم، والمتوكل فى احياء السنه واماته التجهم).

وفى ظل تلك الظروف المواتيه اعلن الامام احمد بن حنبل رايه بصراحه فى مساله خلق القرآن، فقال: (ومن زعم ان القرآن كلام اللّه ووقف، ولم يقل ليس بمخلوق، فهو اخبث من القول الاول). اى: اخبث من القول بخلق القرآن.

كما لعن من يقول القرآن كلام اللّه ويسكت، فقال: (وقالت طائفه: القرآن كلام اللّه وسكتت، وهى الواقفه الملعونه)!! اقول: لا سبيل الى انكار تقيه الامام احمد بن حنبل فى هذه المساله على جميع التقديرات، وهى واقعه منه لا محاله سواء صح ما عن اليعقوبى والجاحظ، او لم يصح - عنهما - ذلك.

اما مع القول بصحه ما ذكراه، فالتقيه واضحه، ولا لبس فيها.

واما مع عدمه، فلا اشكال فى وقوع التقيه ايضا، لان سكوته فى عهد المامون -اذا ما قورن بتصريحه فى عهد المتوكل سيكون من اوضح مظاهر التقيه.

ثم ان موقف الامام احمد بن حنبل مع فرض عدم اعترافه بخلق القرآن، لا دليل فيه على عدم مشروعيه التقيه، غايه الامر انه راى حرمه العمل بالتقيه فى هذا الموقف بعينه، وعلى نفسه دون الاخرين، لانه كان القدوه لعامه الناس، فراى -كما يقول الاستاذ الشملاوى (انه اذا ما لم يقف هذا الموقف، ينزلق هذا الراى فى هاويه لا ينبز له راس ابدا فوقف هذا الموقف) محتملا ايضا انطلاقه -فى هذا الموقف من رايه الفقهى، انه لا تقيه فى دار الاسلام.

72 - البخارى (ت/256هـ):

يمكن معرفه موقف البخارى من التقيه، وذلك من خلال ما قدمناه من رواياته فى ادله السنه النبويه على مشروعيه التقيه، كما فى الدليل الاول، والثالث عشر، والرابع عشر، ومما لم نذكره هناك ما اخرجه فى كتاب الاكراه، فقد ورد فيه قوله تعالى: (الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من اللّه ولهم عذاب عظيم)، وقوله تعالى: (الا ان تتقوا منهم تقاه) قال البخارى معلقا: (وهى التقيه).

ثم اورد قوله تعالى: (ان الذين توفاهم الملائكه ظالمى انفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الارض). وعلق عليه بقوله: (فعذر اللّه المستضعفين الذين لا يمتنعون عن ترك ما امر اللّه به، والمكره لا يكون الا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما امر به، وقال النبى(: الاعمال بالنيه).

اقول: ان التقيه هى من ارفق مبررات تجنب البخارى - فى صحيحه - الروايه عن الامام الصادق(ع)، والا فان اى سبب آخر لهذا الموقف فيه ما لا يرضاه اهل السنه انفسهم.

73 - الحسين بن الفضل البجلى (ت/282هـ):

74 - زهير بن حرب ابو خيثمه الحرشى (ت/234ه ):

روى الحافظ ابن عساكر (ت/571هـ)، عن محمد بن عبداللّه الحافظ قال: (سمعت ابا بكر محمد بن عبداللّه بن يوسف الحفيد -من اصل كتابه يقول:

سمعت الحسين بن الفضل البجلى(رحمه اللّه) يقول: دخلت على زهير بن حرب بعد ما قدم من عند المامون، وقد امتحنه، فاجاب الى ما ساله، فكان اول ما قال لى: يا ابا على! تكتب عن المرتدين؟! فقلت: معاذ اللّه، ما انت بمرتد، وقد قال اللّه تبارك وتعالى:

(ومن كفر باللّه من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان)، فوضع اللّه عن المكره ما يسمعه فى القرآن).

قلت: ان قول زهير بن حرب: يا ابا على! تكتب عن المرتدين؟! فيه دلاله قويه على عمل زهير بن حرب بالتقيه طيله حكم المامون وقبل ان يمتحن زهير بذلك، وتوضيحه:

انه كان يرى ان من يقول بخلق القرآن هو من المرتدين، ولا شك ان المرتد تجب عليه احكام الرده، وعلى هذا القول يكون المامون وولاته من المرتدين!! ولعمرى، اى تقيه اوضح من هذه التقيه، اذ كيف له ان يلقى اللّه بامامه مرتد والصلاه خلف ولاته المرتدين، واخذ عطائه منهم، والتقيد باوامرهم، وهم من المرتدين، فالتقيه اذن عند من اجاب الى ما ساله المامون او امتنع، ويرى راى زهير بن حرب واقعه لا بد.

75 - الجوهرى (ت/393):

قال عن الرجل المومن من آل فرعون الذى يكتم ايمانه تقيه:

(وقد اثنى اللّه على رجل مومن من آل فرعون كتم ايمانه واسره، فجعله اللّه تعالى فى كتابه، واثبت ذكره فى المصاحف، لكلام قاله فى مجلس من مجالس الكفر).

وهذا الكلام لا يمكن صدوره عمن لا يرى مشروعيه التقيه، حتى وان لم يكن من اهل الاسلام. فكيف وقائله العالم المسلم الجوهرى اللغوى المشهور؟

76 - الفقيه السرخسى (ت/490هـ):

قال عن تقيه عمار بن ياسر (ت/37هـ) واصحابه: (هذا النوع من التقيه يجوز لغير الانبياء والرسل عليهم الصلاه والسلام...).

وعلق على كلام الحسن البصرى (ت/110هـ): (ان التقيه جائزه الى يوم القيامه)، بقوله: (وبه ناخذ، والتقيه ان يقى نفسه من العقوبه بما يظهره وان كان يضمر خلافه. وقد كان بعض الناس يابى ذلك، ويقول انه من النفاق، والصحيح ان ذلك جائز، لقوله تعالى: (الا ان تتقوا منهم تقاه)، واجراء كلمه الشرك على اللسان مكرها مع طمانينه القلب بالايمان، من باب التقيه).

77 - الغزالى (ت/505هـ):

قال فى احياء علوم الدين تحت عنوان: (بيان ما رخص فيه من الكذب) ما نصه: (اعلم ان الكذب ليس حراما لعينه، بل لما فيه من الضرر على المخاطب او على غيره، فان اقل درجاته ان يعتقد المخبر الشىء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا، وقد يتعلق به ضرر غيره.

ورب جهل فيه منفعه ومصلحه، فالكذب محصل لذلك الجهل، فيكون ماوذنا فيه، وربما كان واجبا.

ثم قال: الكلام وسيله الى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل اليه بالصدق والكذب جميعا، فالكذب فيه حرام.

وان امكن التوصل اليه بالكذب دون الصدق، فالكذب فيه مباح، ان كان تحصيل ذلك القصد مباحا، وواجب ان كان المقصود واجبا، كما ان عصمه دم المسلم واجبه. فمهما كان فى الصدق سفك دم امرىء مسلم قد اختفى من ظالم، فالكذب فيه واجب).

وقال ايضا: (فللرجل ان يحفظ دمه وماله الذى يوخذ ظلما، وعرضه بلسانه وان كان كاذبا).

ثم بين الغزالى عدم جدوى الصدق فى بعض الحالات فقال: فلو صدق الانسان فى مواضع الضرر تولد من صدقه محذور، فكان عليه ان يقابل احدهما بالاخر، ويزن بالميزان القسط، فاذا علم ان المحذور الذى يحصل بالصدق اشد وقعا فى الشرع من الكذب فله ان يكذب.

وان كان المقصود اهون من مقصود الصدق، فيجب الصدق.

وقد يتقابل الامران بحيث يتردد فيهما، وعند ذلك، الميل الى الصدق اولى، لان الكذب يباح لضروره، او حاجه مهمه).

اقول: وليت من انكر التقيه يعلم ان الغزالى قد اباح الكذب لتحصيل الحاجات المهمه. مع ان من يتقى بضغط الاكراه هو خارج عن حكم الافتراء بنص القرآن الكريم كما تقدم.

78 - ابن قدامه الحنبلى (ت/620هـ):

صرح ابن قدامه الحنبلى بعدم جواز الصلاه خلف المبتدع والفاسق الا اذا خاف مما يلحقه من ضرر ان ترك الصلاه خلفه، ففى هذه الحاله يمكنه ان يصلى خلفه تقيه ثم يعيد الصلاه، واحتج عليه بماروى عن جابر بن عبداللّه الانصارى (ت/78هـ) انه قال: سمعت النبى(ص)على منبره يقول:(لا تومن امراه رجلا، ولا يوم اعرابى مهاجرا، ولا يوم فاجر مومنا الاان يقهره بسلطان، او يخاف سوطه، او سيفه).

79 - ابن ابى الحديد المعتزلى (ت/656هـ):

ذكر ابن ابى الحديد المعتزلى الحنفى فى شرح النهج ما دار بينه وبين ابى جعفر بن ابى زيد الحسنى نقيب البصره من كلام فى شان امير المومنين على(ع) وذلك فى شرح فقره من فقرات النهج، وهى من قول الامام على(ع): (واللّه ما معاويه بادهى منى، ولكنه يغدر ويفجر...الخ)، وذلك تحت عنوان:

(كلام ابى جعفر الحسنى فى الاسباب التى اوجبت محبه الناس لعلى).

فقال: (وكان ابو جعفر(رحمه اللّه) لا يجحد الفاضل فضله، والحديث شجون.

قلت له مره: ماسبب حب الناس لعلى بن ابى طالب(ع) وعشقهم له، وتهالكهم فى هواه؟ ودعنى فى الجواب من حديث الشجاعه والعلم والفصاحه، وغير ذلك من الخصائص التى رزقه اللّه سبحانه الكثير الطيب منها! فضحك، وقال لى: كم تجمع جراميزك على!؟ وبعد كلام طويل فى غايه الدقه قال: فقلت له: انه لم يثبت النص عندنا بطريق يوجب العلم، وما تذكرونه انتم صريحا فانتم تنفردون بنقله، وما عدا ذلك من الاخبار التى نشارككم فيها، فلها تاويلات معلومه.

فقال لى -وهو ضجر: يا فلان! لو فتحنا باب التاويلات لجاز ان يتناول قولنا: (لا اله الا اللّه، محمد رسول اللّه)، دعنى من التاويلات البارده التى تعلم القلوب والنفوس انها غير مراده، وان المتكلمين تكلفوها وتعسفوها، فانما انا وانت فى الدار ولا ثالث لنا، فيستحى احدنا او يخافه.

قال ابن ابى الحديد: فلما بلغنا هذا الموضع، دخل قوم ممن كان يخشاه، فتركنا ذلك الاسلوب من الحديث، وخضنا فى غيره).

ويستفاد مما تقدم جمله امور:

منها: ان ابن ابى الحديد لم يكن شيعيا قط -راجع كلامه وتدبر ما فيه وانما كان عالما منصفا لا تخشى بوادره.

ومنها: انه كان يرى التقيه، لانه شارك السيد الحسنى فى ترك هذا الاسلوب من الحديث، والخوض فى غيره، لا سيما وانه قال:

(فتركنا) و(وخضنا).

ومنها: تخوف العلماء من الحديث عن على(ع)، حتى فى اواخر الدوله العباسيه، وما يستتبع خوفهم هذا من التقيه.

على ان ما جرى لابن ابى الحديد والسيد الحسنى مره واحده، يجرى كل يوم مرات، ولو راجع الانسان نفسه لوجد انه قد طبق هذا الموقف فى حياته، او ادركه من غيره، وما اكثر الكلام الذى تغير مجراه التقيه، او تحوله الى همس فجاه! 80

 - يحيى بن شرف النووى الشافعى (ت/676هـ):

بين النووى فى شرح حديث صحيح مسلم الخاص بذكر الدجال وفتنته الدلائل التى يعجز عنها الدجال على الرغم مما يظهر على يديه من المخاريق، ثم قال: (ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به الا رعاع الناس لسد الحاجه والفاقه، رغبه فى سد الرمق، او تقيه وخوفا من اذاه، لان فتنته عظيمه جدا، تدهش العقول، وتحير الالباب...).

اقول: ان اغترار الرعاع من الناس بالدجال ممكن، والتعليل بسد الحاجه والفاقه ممكن ايضا، اما من يتقيه فلا يمكن ان يغتر به، وان حصلت تقيه هناك، فلا تكون الا ممن عرف حقيقه الدجال وكذبه، والمهم هنا هو تصريح النووى بالتقيه.

81 - الشوكانى الزيدى (ت/1250هـ):

رد الشوكانى على من زعم ان التقيه تجوز فى القول دون الفعل، بظاهر قوله تعالى: (الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان)، فقال: (ويدفعه ظاهر الايه، فانها عامه فيمن اكره من غير فرق بين القول والفعل، ولا دليل لهولاء القاصرين للايه على القول).

82 - الالوسى الحنبلى (ت/1270هـ):

قال عن آيه التقيه: (وفى هذه الايه دليل على مشروعيه التقيه) ثم نقل تعريف التقيه عند اهل السنه كما مر فى الفصل الاول.

83 - جمال الدين القاسمى (ت/1332هـ):

قال: (ومن هذه الايه: (الا ان تتقوا منهم تقاه) استنبط الائمه مشروعيه التقيه عند الخوف، وقد نقل الاجماع على جوازها عند ذلك الامام مرتضى اليمانى فى كتابه ايثار الحق على الخلق، فقال ما نصه:

وزاد الحق غموضا وخفاء امران:

احدهما: خوف العارفين -مع قلتهم من علماء السوء، وسلاطين الجور، وشياطين الخلق، مع جواز التقيه عندذلك بنص القرآن، واجماع اهل الاسلام.

وما زال الخوف مانعا من اظهار الحق، ولا برح المحق عدوا لاكثر الخلق، وقد صح عن ابى هريره(رضى اللّه) انه قال فى ذلك العصر الاول: حفظت من رسول اللّه( وعاءين، فاما احدهما فبثثته فى الناس، واما الاخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم...).

84 - المراغى (ت/1364هـ):

عمم الشيخ محمد مصطفى المراغى العمل بالتقيه -قولا وفعلا ولم يقيدها بالاكراه على تلفظ كلمه الكفر، بل اخرجها -ان صح التعبير عن دائره الاكراه الفردى، واباحها للدول الاسلاميه عند تعاملها مع الدول الاخرى، كما لم يقيد التقيه بحالات الخوف او الضعف عند الاكراه عليها، بل اطلق استعمالها فى جميع ما يعود بالنفع للدول الاسلاميه، ومصالح المسلمين، وفى كل آن وزمان، وفى الشده والرخاء.

قال: (فلا مانع من ان تحالف دوله اسلاميه دوله غير مسلمه لفائده تعود على الاولى، اما بدفع ضرر، او جلب منفعه، وليس لها ان تواليها فى شىء يضر بالمسلمين، ولا تختص هذه الموالاه بحال الضعف، بل هى جائزه فى كل وقت، وقد استنبط العلماء من هذه الايه «3: 28» جواز التقيه بان يقول الانسان، او يفعل ما يخالف الحق، لاجل التوقى من ضرر الاعداء، يعود الى النفس، او العرض، او المال...

ويدخل فى التقيه مداراه الكفره، والظلمه، والفسقه، والانه الكلام لهم، والتبسم فى وجوههم، وبذل المال لهم لكف اذاهم، وصيانه العرض منهم، ولا يعد هذا من الموالاه المنهى عنها، بل هو مشروع.

فقد اخرج الطبرانى قوله(: ما وقى به المومن عرضه فهو صدقه).

85 - تقيه رجال المذهب الوهابى:

ان المذهب الوهابى هو فرع المذهب الحنبلى، لان موسسه وهو الشيخ محمد عبدالوهاب (ت 1206ه / 1791م) كان حنبليا، ودعوته وان اتسمت باللامذهبيه، وذلك بانشاء مذهب جديد فى بعض اصوله، الا ان فروع هذا المذهب لم تزل حنبليه، ولم يطرا عليها تبديل او تعديل.

ورجال المذهب لا ينكرون التقيه، بل عملوا بها علنا بمراى ومسمع جميع المسلمين، ويدل عليه موقفهم المعلن ازاء الاضرحه، والمشاهد المقدسه، وقبور الاولياء والصالحين، التى تحولت فى ارض الحجاز الى اطلال (تلوح كباقى الوشم فى ظاهر اليد)! ولكنهم تركوا قبر النبى(ص)، وقبرى ابى بكر وعمر على حالهما، مداراه منهم لمشاعر الملايين من المسلمين، واتقاء من غضبهم، ولا يوجد تفسير لذلك غير التقيه.

86 - موسى جار اللّه التركمانى (ت/1369هـ):

ونختم هذه المواقف بموقف صاحب الوشيعه الذى نعى على الشيعه الاماميه قولهم بالتقيه وسفه عقولهم!! قال فى الوشيعه: (التقيه فى سبيل حفظ حياته، وشرفه، وحفظ ماله، وفى حمايته حق من حقوقه واجبه على كل احد، اماما كان او غيره).

وقال ايضا: (والتقيه، هى: وقايه النفس من اللائمه والعقوبه، وهى بهذا المعنى من الدين، جائزه فى كل شىء).

وقال ايضا: (والتقيه واجبه ان كان فى تركها ضرر لنفسه، او غيره، حرام عند امن الضرر، مكروهه حيث يخاف الناس الالتباس على العوام).

قلت: ان الشيعه الاماميه قسموا التقيه بموجب الاحكام التكليفيه الخمسه.

وبهذا يتضح ان الشيعه الاماميه لا تختلف عن سائر المذاهب والفرق الاسلاميه فى شىء من التقيه، الا ما كان من تعرض الشيعه الاماميه فى تاريخها الطويل الى الظلم والاضطهاد والجور والتعسف اكثر من اخوانهم المسلمين.

على ان هذا لا يعنى ان الشيعه قد لازمت التقيه فى طيله تلك العهود الظالم اهلها، بل على العكس من ذلك حيث كانت تنتفض بين حين وآخر معبره عن رفضها للظلم والاضطهاد، مقدمه فى ذلك الاف الشهداء كما تشهد بذلك ثوراتهم وانتفاضاتهم عبر التاريخ.

الاشاره الى من صرح بالتقيه من غير هولاء اجمالا :

وقبل الانتقال الى الفصل الثالث نشير اجمالا الى ما لم نذكره -فى هذه المواقف من اسماء العلماء الذين استعملوا التقيه او صرحوا بها اذ مر ذكرهم فى الفصل الاول، وهم:

87 - ابن ماجه صاحب السنن (ت/274هـ).

88 - الطبرى (310).

89 - الجصاص الحنفى (ت/370هـ).

90 - الماوردى الشافعى (ت/450هـ).

91 - الواحدى الشافعى (ت/468هـ).

92 - الكيا الهراسى الشافعى (ت/504هـ).

93 - الزمخشرى المعتزلى (ت/538هـ).

94 - ابن عطيه المالكى (ت/541هـ).

95 - ابن العربى المالكى (ت/543هـ).

96 - ابن الجوزى الحنبلى (ت/597هـ).

97 - الرازى الشافعى (ت/606هـ).

98 - القرطبى المالكى (ت/671هـ).

99 - البيضاوى الشافعى (ت/685هـ).

100 - الخازن الشافعى (ت/741هـ).

101 - ابن جزى الكلبى المالكى (ت/741هـ).

102 - تاج الدين الحنفى (ت/749هـ).

103 - ابو حيان الاندلسى المالكى (ت/754هـ).

104 - ابن كثير الشافعى (ت/774هـ).

105 - ابن نجيم الحنفى (ت/790هـ).

106 - النيسابورى السنى (ت/850هـ).

107 - ابن حجر العسقلانى الشافعى (ت/852هـ).

108 - الشربينى الشافعى (ت/977هـ).

109 - البرسوى الحنفى (ت/1137هـ).

110 - النووى الشافعى (ت/1316هـ).

111 - ابن اطفيش الاباضى الخارجى (ت/1332هـ).

112 - المعاصر الصابونى الوهابى.

الى غيرهم مما سياتى من الفقهاء فى الفصل الذى عقدناه للحديث عن التقيه فى فقه المذاهب والفرق الاسلاميه من غير الشيعه الاماميه، بما لا يقل عددهم عن عدد المفسرين.

الفصل الثالث-التقيه فى فقه المذاهب والفرق الاسلاميه

التقيه فى فقه المالكى التقيته فى فقه الحنفى التقيه فى فقه الشافعى التقيه فى فقه الحنبلى التقيه فى فقه الزيدى التقيه فى فقه الطبرى التقيه فى فقه الظاهرى التقيه فى فقه الخوارج الاباضيه التقيه عند المعتزله

تمهيد:

مر فى الفصل الاول ان التقيه لا تجوز اختيارا من غير اكراه من ظالم عليها، ولم اقف على من صرح من علماء الاسلام -بشتى مذاهبهم وفرقهم باباحتها اختيارا، وانما اتفقوا جميعا على تقييدها بحالات الاكراه.

ولهذا نجد الفقهاء قد خصصوا فى كتبهم الفقهيه كتابا بعنوان (الاكراه) تناولوا فيه جميع ما يتعلق بالتقيه من امور ومسائل، بيد ان بعضا منهم لم يفرد للاكراه كتابا خاصا، وانما وزع مسائله على كتب الفقه من عبادات، ومعاملات، وعقود، وايقاعات، وذلك بحسب مسائل الاكراه المتعلقه بهذه الكتب، كالامام مالك بن انس (ت/179هـ) فى المدونه الكبرى، حيث لم يجمع مسائل الاكراه تحت عنوان واحد، وهذا ما يتطلب من الباحث المزيد من الجهد والوقت لتتبع هذه المسائل لمعرفه الراى الفقهى فيها، هذا فضلا عن ضخامه كتب الاكراه نفسها فى الدورات الفقهيه المعروفه لدى المذاهب الاسلاميه، كالمبسوط للسرخسى الحنفى (ت/490هـ) حيث خصص معظم الجزء الرابع والعشرين للاكراه، وقد تعرض لموضوع التقيه واحكامها وتفصيلاتها بشكل مستوعب ومطول، وهكذا فعل غيره من فقهاء المذاهب الاخرى، بما لا يمكن معه استيعاب ما ذكروه جميعا فى هذا الفصل، اذ يحتاج الى دراسه مستقله واسعه، ولهذا سنذكر فى هذا الفصل بعض النماذج الفقهيه التى اطردت على السن الفقهاء والمفسرين لكل مذهب، وعلى النحو الاتى:

التقيه فى الفقه المالكى

ذكر الامام مالك بن انس (ت/279هـ) فى المدونه الكبرى عدم وقوع طلاق المكره على نحو التقيه، محتجا بذلك بقول الصحابى ابن مسعود: (ما من كلام يدرا عنى سوطين من سلطان الا كنت متكلما به).

ولا شك ان الاحتجاج بهذا القول يعنى جواز اظهار خلاف الواقع فى القول عند الاكراه، ولو تم بسوطين.

كما افتى ابن عبدالبر النمرى القرطبى المالكى (ت/463هـ) بعدم وقوع عتق وطلاق المكره ولو كانت التقيه لا تجوز فى العتق والطلاق عند الاكراه من ظالم عليهما لقال بوقوعهما.

كما ذهب علماء المالكيه الى جواز التلفظ بكلمه الكفر عند الاكراه تقيه على النفس من التلف، مع وجوب اطمئنان القلب بالايمان.

فقد ذكر ابن العربى المالكى (ت/543هـ) ان من يكفر تقيه وقلبه مطمئن بالايمان، لا تجرى عليه احكام المرتد، لعذره فى الدنيا، مع المغفره فى الاخره، ثم صرح بعدم الخلاف فى ذلك.

ومن الامور التى تصح فيها التقيه عند الاكراه: الزنا، فيجوز الاقدام عليه ولا حد على من اكره عليه.

كما صرح بان الاكراه اذا وقع على فروع الشريعه لا يواخذ المكره بشىء، محتجا بالحديث المشهور: (رفع عن امتى الخطا والنسيان وما استكرهوا عليه)، ويستثنى من ذلك ما خرج بدليل معتبر، كالاكراه على القتل. فاذا اكره المرء على القتل فقتل، يقتل.

ثم ذكر اختلاف المالكيه فى الاكراه على اليمين، هل تصح التقيه فيه؟ او لا تصح، واختار الاول.

وذكر ابن جزى المالكى (ت/741هـ) جواز التلفظ بكلمه الكفر عند الاكراه عليها.

اما السجود للصنم، فقد صرح بجوازه عند الجمهور، قال: ومنعه بعضهم.

ثم قال: (قال مالك: لا يلزم المكره يمين، ولا طلاق، ولا عتق، ولا شىء فيما بينه وبين اللّه، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز الاجابه اليه كالاكراه على قتل احد، او اخذ ماله).

وهذا القول يعنى ان الامام مالك كان يرى التقيه فى جميع العبادات لانها مما بين اللّه تعالى والعبد، واما غير ذلك فلا يعنى عدم جواز التقيه فيه مع الخوف من القتل، كما يفهم من عباره ابن العربى المالكى، قال فى تفسير قوله تعالى: (الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق)، هذا: (دليل على نسبه الفعل الموجود من الملجا المكره الى الذى الجاه واكرهه، ويترتب عليه حكم فعله، ولذلك قال علماونا: ان المكره على اتلاف المال يلزمه الغرم، وكذلك المكره على قتل الغير يلزمه القتل).

بمعنى ان التقيه فى اتلاف المال جائزه، ولكن الغرم يكون على من اكره على الاتلاف.

اما القتل فلا يجوز تقيه، ويقتل القاتل -كما صرح به آنفا ولكن القصاص يسرى الى المكره فيقتل ايضا.

اما ابو حيان الاندلسى المالكى (ت/754هـ) فيرى صحه التقيه من كل غالب يكره بجور منه، فيدخل فى ذلك الكفار، وجوره الروساء، والسلابه، واهل الجاه فى الحواضر. كما تصح التقيه عنده فى حاله الخوف على الجوارح، والضرب بالسوط، والوعيد، وعداوه اهل الجاه الجوره، وانها تكون بالكفر فما دونه، من بيع وهبه ونحو ذلك.

وقد فصل القرطبى المالكى (ت/671هـ) القول فيما تصح فيه التقيه، وسنذكر -مع الاختصار بعض ما ذكره، على النحو الاتى:

1 - تجوز التقيه فى تلفظ كلمه الكفر ولا شىء على المكره مع اطمئنان القلب بالايمان، وقد حكى الاجماع على ذلك.

2 - التقيه رخصه، تجوز فى القول والفعل على حد سواء، قال:

(روى ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول، وهو قول مالك وطائفه من اهل العراق. روى ابن القاسم، عن مالك ان من اكره على شرب الخمر وترك الصلاه اوالافطار فى رمضان ان الاثم عنه مرفوع).

3 - السجود للصنم تقيه جائز.

4 - يجوز الاقدام على الزنا عند الاكراه ويسقط الحد.

5 - اختلاف العلماء فى طلاق المكره وعتاقه واختار جواز التقيه فيه ولا يلزمه شىء من ذلك. ونسبه الى اكثر العلماء.

6 - نقل اجماع المالكيه على ان بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز ونسبه الى الابهرى. ومثله نكاح المكره.

7 - اذا استكرهت المراه على الزنا فلا حد عليها.

8 - اذا اكره الانسان على تسليم اهله لما لم يحل اسلمها، ولم يقتل نفسه دونها ولا احتمل اذيه فى تخليصها!! 9 - يمين المكره غير لازمه عند مالك والشافعى وابى ثور واكثر العلماء، قال ابن الماجشون: (وسواء حلف فيما هو طاعه للّه او فيما هو معصيه اذا اكره على اليمين).

10 - لا يقع الحنث عند الاكراه.

11 - الاتفاق على صحه توكيل الانسان حال تقيته.

اما التقيه عند ابن عطيه الاندلسى المالكى (ت/541هـ) فتجوز فى تلفظ كلمه الكفر، وحكى جواز السجود الى الصنم عند الاكراه، كما تصح فى البيع، والايمان، والطلاق، والعتق، والافطار فى شهر رمضان، وشرب الخمر، ونحو ذلك من المعاصى، ثم اكد ان هذا هو المروى عن مالك بن انس من طريق مطرف، وابن عبدالحكم، واصبغ، وانه لا يشترط فى التقيه تحقق الاكراه المفضى الى القتل، وانما يكفى فى ذلك ان يكون الاكراه قيدا، او سجنا، او وعيدا مخوفا، وان لم يقع ما يوعد به.

وقد سئل ابن ابى عليش المالكى (ت/1299هـ): (ما قولكم فيمن اكره على شرب الخمر، او سائر النجاسات، فهل يجوز له ذلك لخوف ضرب مولم؟ ام كيف الحال؟).

فقال فى جواب هذا السوال: (فاجبت بما نصه: الحمد للّه، والصلاه والسلام على سيدنا محمد رسول اللّه. قال الثنائى، عن سحنون: ولو اكره على اكل الميته، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، لم يجز الا لخوف القتل، انتهى.

وهو مبنى على ان الاكراه لا يتعلق بالفعل، والمذهب تعلقه به، فيكون بما مر من خوف مولم...الخ، وهو قول لسحنون ايضا، وهو المعتمد لا ما ذكره...).

التقيه فى الفقه الحنفى

اما عن التقيه فى الفقه الحنفى، فهى واسعه جدا، وقد جوزها فقهاء الاحناف فى امور هى فى غايه الدقه والخطوره، ونظرا لاتساع مسائل التقيه فى الفقه الحنفى لذا سنعتمد فى دراستنا للتقيه عندهم على بعض كتبهم المهمه فقهيا ومن ثم الاشاره السريعه الى ما ورد من تلكم المسائل فى مصادرهم الاخرى، مراعين بذلك الاختصار، فنقول:

جاءت فى كتاب فتاوى قاضيخان للفرغانى الحنفى (ت/295هـ)، امور كثيره، جوز فيها التقيه، نذكر منها:

1 - اذا اكره الرجل بقتل، او اتلاف عضو من اعضائه على ان يقتل رجلا مسلما فقتله، فهل يصح مثل هذا الاكراه؟ وهل يحكم على القاتل بالقصاص، او لا؟