«فدك فى
التاريخ »
تاليف: الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر
تحقيق:
الدكتورعبد الجبار
شراره
مقدمه المحقق
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه رب العالمين، والصلاه والسلام على
اشرف الانبياء
والمرسلين نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
وصحبه
المنتجبين.
بين يدى الكتاب والمولف:
(فدك فى التاريخ) باكوره النتاج العلمى الخصب
للامام الشهيد
الصدر(قدس سره). وهذه الدراسه تعد بحق بلحاظ الفتره
التاريخيه التى كتبت فيها دراسه رائده واصيله،
وذلك
لاعتمادها المنهج العلمى الحديث ليس فى الاستقصاء
والتتبع
لحيثيات القضيه، ومستنداتها فحسب، بل فى عمق
التحليل،
ورصانه الاسلوب، ودقه المناقشه، وقوه المنطق. ان
النظر الى
الدراسات سواء منها التى ضهاى قبل نصف قرن تقريبا
او
الفتره اللاحقه فيما يتعلق بمثل هذه الموضوعات
الحساسه،
سيتبين منها مدى السبق العلمى والانجاز التاريخى
الذى
حققه الامام الشهيد فى دراسته التى بين يديك ايها
القارى
العزيز. ولا غرابه فى ذلك فالسيد الشهيد تفجرت
عبقريته منذ
وقت مبكر، ثم تطورت مواهبه سريعا ليرفد المكتبه
الاسلاميه
بدراساته المبتكره فى مختلف حقول المعرفه
الانسانيه وعلوم
الشريعه الاسلاميه. لقد كان الامام الشهيد الصدر
عالما ربانيا
ومجتهدا ورعا وعبقريا فذا، وقد اغنى الفكر
الاسلامى المعاصر،
وامده بعناصر الحيويه والاستمرار، حتى ليصح القول:
ان
الامام الشهيد كان اطروحه الاسلام المتجدد.
يدلك على ذلك انه (قدس سره) قد نهض بمسووليات
فكريه وجهاديه بما
لم ينهض بمثله الاالقلائل فى تاريخ الاسلام
المجيد، اذ كان فى جهادمتواصل،
وسعى دائب من اجل
تحريروعى الامه المسلمه من اطروحه الغرب الكافر،
وتحرير
مستقبلها من هيمنه الاستكبار العالمى وعملائه، حتى
توجت
حياته الشريفه بالشهاده فى سبيل اللّه وفى سبيل
اعلاء كلمه
الاسلام.
المنهج والكتاب:
اعتمد السيد الشهيد فى هذا الكتاب (فدك فى التاريخ)
منهجا
علميا حدد معالمه وراى انه لا بد من اعتماده فى مثل
هذه
الدراسات التاريخيه ذات الابعاد السياسيه. ويقوم
هذا المنهج
على اسس الموضوعيه التى عبر عنها (بالتجرد عن
المرتكزات)،
والتتبع والاستقصاء والتامل (الاناه فى الحكم) ثم
(الحريه فى
التفكير). ويعتبر الشهيد الصدر هذه الامور شروطا
اساسيه
لاقامه بناء تاريخى محكم لقضايا الاسلاف، ترتسم
فيه خطوط
حياتهم التى عرفوها فى انفسهم، او عرفها الناس عنهم
يومئذ...ثم يرى(قدس سره) (ان ذلك البناء ينبغى ان
يتسع
لتاملات شامله لكل موضوع من موضوعات ذلك الزمن
المنصرم يتعرف على لونه التاريخى والاجتماعى،
ووزنه فى
حساب الحياه العامه او فى حساب الحياه الخاصه التى
يعنى بها
الباحث، وتكون مدارا لبحثه كالحياه الدينيه
والاخلاقيه
والاجتماعيه والسياسيه).
واذكان هذا هوا لهدف من مثل هذه الدراسات
التاريخيه، وذاك
هو اطارها العام، فان الشهيد ينبه هنا الى ضروره (ان
تستمد
هذه التاملات كيانها النظرى من عالم الناس
المنظور، لا من
عالم تبتدعه العواطف والمرتكزات، وينشئه التعبد
والتقليد).
ثم يضع قيدا على مثل تلك التاملات وهو ان لا تستند
الى خيال
مجنح يرتفع بالسفاسف الى الذروه، وتبنى عليها
نتائج غير
سليمه. واخيرا يوكد السيد الشهيد ضروره الالتزام
بمنطق
البحث العلمى لا بما نستلهمه من عواطفنا
وموروثاتنا. ثم ينبه
الى حقيقه خطيره فى حقل الدراسات هى تحول المورخ
الى
روائى يستوحى من دنيا ذهنه، لا من الوقائع
التاريخيه.
ان معالم هذا المنهج يكشف عن وعى مبكر وعميق باصول
البحث العلمى وشروطه الاساسيه. وقد رايت السيد
الشهيد وهو
يخوض غمار هذا البحث متسلحا بمنطق العلم، متحمسا
لمنطق الحق، مستمسكابمايهديه اليه منطق الاحداث.
وهو فى
كل ذلك يستند الى ما نقله المورخون، وما نطقت به
الوثيقه
التاريخيه، ويستنتج وفق الضوابط والاصول المعتبره.
لمحه موجزه عن فصول الكتاب:
تناول الشهيد الصدر (قضيه فدك) بالمنظور الفاطمى اى
بابعادها المتشعبه فى جوانب الحياه الاسلاميه، وفى
آماد
الزمان اللاحق، ولذلك اعتبرها اى (قضيه فدك) ثوره
شامله،
فعرض لخلفيه (الحدث) اى ما اعتمل فى ذهن الزهراء
(سلام
اللّه عليها) من افكار، وما دار فى خلدها من ذكريات
عظيمه فى
حياه ابيها رسول اللّه(ص)، ثم ها هى تصحو على واقع
مولم
مرير يموج بالمحنه وبالفتنه التى لا تقف عند حدود،
فيحفزها
ذلك الى ان تطلق صرختها، وتعلن عن الشروع
بالمجابهه. ثم
ينتقل السيد الشهيد الى الفصل الثانى (فدك فى
معناهاالحقيقى ومعناها الرمزى) فيعرف بها، ثم
ينتقل معها
عبر مراحل التاريخ المتعاقبه منذ ان انتزعت من يد
الزهراء (عليها السلام)، الى آخر ما استقر عليه امرها
فى اواخر
زمن العباسيين . ثم يتحول الى الفصل الثالث الذى
عنونه ب
(تاريخ الثوره) فيتحدث عن الثوره ممهدا لها بالكلام
على
شروط البحث واسلوب كتابه تاريخ الفرد والامه مشيدا
بعصر
صدر الاسلام وما تحقق فيه من انجازات. يعرج بعد ذلك
الى
كتاب العقاد (فاطمه والفاطميون) فينعى عليه
المعالجه
المبتسره لمثل تلك القضيه الخطيره ومحاولته
-اى
العقاد
حصرها فى نطاق ضيق متابعا فى مناقشته لها منطق
التعبد
والتقليد للمتوارث من غير رويه او اعمال فكر. ثم
ينطلق بعد
ذلك ليحدد ابعاد (فدك)، بانها ليست منازعه فى امر
محدود
وحق مغصوب، بل هو يراها اكبر من ذلك بكثير، قال:
(اننا
نحس اذا درسنا الواقع التاريخى لمشكله فدك
ومنازعاتها انها
مطبوعه بطابع الثوره التى توفرت بواعثها، ونتبين
ان هذه
المنازعات كانت فى واقعها ودوافعها ثوره على
السياسه
العليا...). ثم يقدم تبريرا منطقيا لتناوله القضيه
بكل تلك الابعاد
فيقول: (ادرس ما شئت من المستندات التاريخيه
الثابته
للمساله، فهل ترى نزاعا ماديا؟ او ترى اختلافا حول
(فدك)
بمعناها المحدود، وواقعها الضيق؟ او ترى تسابقا
على غلات
ارض...كلا، بل هى الثوره على اسس الحكم، والصرخه
التى
ارادت الزهراء(عليهاالسلام) ان تقتلع بها الحجر
الاساس الذى
بنى عليه التاريخ بعد يوم السقيفه...). ومن هنا يبدا
السيد
الشهيد فى رصد الاحداث قبل يوم السقيفه ثم يلاحقها
مناقشا،
مسلطا الضوء على الزوايا والخفايا سواء فيما يتعلق
بالمواقف او
بالشخصيات، مبرزا مواقف الامام على(ع) التى املتها
المصلحه
الاسلاميه العليا...ينتقل السيد الشهيد فى فصل آخر
الى
(الخطاب الفاطمى) فيحلل، ويدين المقاصد والاغراض،
وينطلق خلال ذلك ليكشف عن خصائص ومواقف امير
المومنين(ع)، تلك الخصائص والميزات التى توهله دون
غيره
لاحتلال المركز القيادى الاول والمرجعيه الفكريه
والسياسيه
لامه الاسلام. ثم يختم الكتاب بفصل عنونه ب (محكمه
الكتاب)
ناقش فيه (قضيه فدك) مبينا ملابساتها وحيثياتها،
مثيرا
الاشكالات العميقه على مبانى القوم فى حرمان
الزهراء (سلام
اللّه عليها) من حقها الثابت، مستندا فى كل ذلك الى
النصوص
الثابته قرآنا وسنه، والى ما يقتضيه قانون الشرع
ومنطق الحق
والانصاف.
ذلك باختصار لمحات عن فصول الكتاب الذى سيجد فيه
القارى العزيز تحليلا عميقا، ومناقشات رصينه،
باسلوب بليغ،
مع التزام بشرائط البحث ومقتضياته.
كلمه فى المقام:
ان قضيه فدك فى منظور الزهراء (سلام اللّه عليها)
اذن ليست
مساله (نحله) انتزعت من يدها، لاسباب اختلقتها
السلطه او
بررتها، بل ان القضيه اخطر من ذلك بكثير، انها
تشكل بادره
خطيره فى حياه الدوله الاسلاميه وفى
حياه التجربه الاسلاميه
الوليده، تلك التجربه وهذه الدوله التى ناضل النبى
الاكرم(ص) نضالا مريرا فى سبيل اقامتها على شرعه
الحق
وميزان العدل، واراد لها ان تمتد فى اقطار الارض
وآماد الزمان.
ان الخطوره تلك تكمن فى استعجال (النخبه) التى يفترض
انها المسووله عن حمايه التجربه، استعجالها للحصول
على
(المكاسب الانيه)، ومحاوله الاستحواذ على المراكز
القياديه
بغض النظر عن الاصول المقرره، والنصوص المعتبره.
وذلك
يعنى اول ما يعنى فتح الباب واسعا امام اصحاب
المطامع
والنهازين، او على حد تعبير ام المومنين عائشه: ان
الخلافه
-حينئذ سينالها البر والفاجر. ولذلك فان تصدى
الزهراء (سلام
اللّه عليها) لمثل تلك الحاله، انما كان للحيلوله
دون تحقق
النتائج الخطيره والمتوقعه. ومن هنا كان الهدف فى
(اثاره
فدك) بابعادها الشموليه وتبصير الامه قيادات
وافرادا وجماهير
بتلك المخاطر الرهيبه التى تنتظرهم فى حال
الاندفاع بهذا
الاتجاه، وقد صرحت الزهراء (سلام اللّه عليها) بذلك
قائله:
(اما لعمر اللّه لقد لقحت فنظره ريثما تنتج، ثم
احتلبوها طلاع
العقب دما عبيطا...هناك يخسر المبطلون، ويعرف
التالون غب
ما اسسه الاولون ثم طيبوا من انفسكم نفسا، واطمئنوا
للفتنه
جاشا وابشروا بسيف صارم، وهرج شامل، واستبداد من
الظالمين يدع فيئكم زهيدا، وجمعكم حصيدا...).
فى ضوء ذلك كله يمكن فهم الحماس الذى يبديه السيد
الشهيد، والتاثير البالغ الذى يعتمل فى داخله، اذ
هو يحلل
ويناقش ويستنتج (بالمنظور الفاطمى) وبدافع الحرص
على
نقاء الاسلام.
لقد كان السيد الشهيد فى طول البحث (يترضى) على
الصحابه ويقدر ماثرهم فى دنيا الاسلام، ولكنه لا
يغمض النظر
عن مواردالخلل،
ومواطن الزلل فى مسيره القوم.ولانرى ان هناك تقاطعا،اذان الاكثر
اهميه،والاولى بالمراعاه هو سلامه التجربه
الاسلاميه واصالتها و
نقاوها. ثم لو اراد البعض ان يتاول -ولا مانع من
التاويل الا انه
غير ملزم لنا فضلا عن كونه خلاف الواقع، ولنتذكر
على
سبيل المثال هنا قوله الخليفه الثانى بشان خالد بن
الوليد فى
قضيه مالك بن نويره،قال الخليفه عمر بن الخطاب لابى
بكر:(ان خالدا قتل امرءامسلما ونزا على امراته...)
على حد تعبير
الطبرى فتاول الخليفه الاول لخالد ذلك الفعل،
الا ان ذلك
التاويل لم يحقق القناعه عند الخليفه
عمر،واضمرها فى نفسه
ثم تصرف لاحقا استناداالى (الواقعه)، نفسها فعزل
خالدا حالما
تسلم الحكم.اذن نحن غير ملزمين بقبول كل تاويل على
ان
تاشير الخطا،وتسجيل الوقائع، واستنطاقها لاشك امر
يجنبنا
النتائج الوخيمه، وهو بالتالى يصب فى صالح خدمه
مسيره
الامه الاسلاميه و اصاله الاسلام.
وهذا ما كان يهدف اليه الامام الشهيد من دراسته
القيمه،
وذلك هو الذى حفزنا الى القيام بالتحقيق العلمى
لهذه الدراسه،
وقد ظهر لنا ان كل اشاره وردت، او قول او تحليل او
استنتاج،
انما يستند الى منطق الاحداث، والى المصادر
الموثوقه،
والوقائع المشهوره، وسيره القوم. وسوف يظهر للقارى
الكريم
من خلال هذا (التحقيق) انه ليس هناك مجازفه فى قول،
ولا
تحامل فى راى، ولا استنتاج من غير دليل.
عملى فى التحقيق:
ظهر كتاب (فدك فى التاريخ) فى طبعتين، اولاهما طبعه
المطبعه الحيدريه فى النجف الاشرف لصاحبها الفاضل
الشيخ
محمد كاظم الكتبى، وذلك سنه 74(عليهاالسلام)1ه/1955م
وهذه الطبعه - فى الواقع جيده وقليله الاخطاء...ثم
ظهرت
الطبعه الثانيه بعد ذلك بسنوات، وهى طبعه دار
التعارف
البيروتيه التى اشرت اليها، ولم اعثر على طبعات
اخرى. ولما
كانت الطبعه الحيدريه ادق ولان السيد الشهيد اطلع
عليها
بنفسه، فقد اعتمدتها اصلا.
ولقد قمت بتخريج الايات والروايات من مظانها كما
وثقت
الاحالات التى اوردها السيد الشهيد ووضعت ازاءها
كلمه
(الشهيد) تمييزا لها من التخريجات والتعليقات
والاضافات
التى اقتضاها التحقيق، ورايت من المناسب ذكرها. وقد
رجعت
فى كل ذلك الى الكتب والمصادر المعتمده عند اخواننا
اهل
السنه ليتضح جليا ان المطالب التى حققت تعتمد
وتستند على
هاتيك المصادر. ثم يبقى بعد ذلك اصاله التحليل،
والتزام
المنهج العلمى فى العرض والمناقشه والاستدلال من
ميزات
السيد الشهيد فى هذه الدراسه.
واخيرا فانى فى الوقت الذى احمد اللّه تعالى على
توفيقه
وتسديده فى انجاز هذا العمل ارجوه تعالى ان يجعله
خالصا
لوجهه، كما اساله تعالى ان يوفق العاملين فى مركز
الغدير
للدراسات الاسلاميه لخدمه الاسلام العزيز ومذهب
اهل
البيت(رحمه اللّه). ولهم الشكر والثناء.
والحمد للّه اولا وآخرا
د. عبدالجبار شراره دكتوراه فى الدراسات الاسلاميه
والدينيه (استاذ مساعد)
الفصل الاول: على مسرح الثوره
فدونكها مخطومه مرحوله تلقاك يوم حشرك،
فنعم الحكم اللّه،
والزعيم محمد، والموعد القيامه، وعندالساعه يخسر
المبطلون.
الزهراء(عليهاالسلام)
تمهيد
وقفت لا يخالجها شك فيما تقدم عليه، ولا يطفح عليها
موقفها
الرهيب بصبابه من خوف او ذعر، ولا يمر على خيالها
الذى كان
جديا كل الجد، تردد فى تصميمها، ولا تساورها هاجسه
من
هواجس القلق والارتباك، وها هى الان فى اعلى القمه
من
استعدادها النبيل، وثباتها الشجاع على خطتها
الطموح،
واسلوبها الدفاعى، فقد كانت بين بابين لا يتسعان
لتردد طويل،
ودرس عريض، فلا بد لها من اختيار احدهما وقد اختارت
الطريق المتعب من الطريقين الذى يشق سلوكه على
المراه
بطبيعتها الضعيفه لما يكتنفه من شدائد ومصاعب
تتطلب
جراه ادبيه، وملكه بيانيه موثره، وقدره على صب
معانى الثوره
كلها فى كلمات وبراعه فنيه فى تصوير النقمه، ونقد
الاوضاع
القائمه تصويرا ونقدا يجعلان فى الالفاظ معنى من
حياه، وحظا
من خلود، لتكون الحروف جنود الثوره الخيره، وسندها
الخالد
فى تاريخ العقيده، ولكنه الايمان والاستبسال فى
سبيل الحق
الذى يبعث فى النفوس الضعيفه نقائضها، ويفجر فى
الطبائع
المخذوله قوه لا تتعرض لضعف ولا تردد.
ولذا كان اختيار الثائره لهذا الطريق مما يوافق
طبعها، ويلتئم
مع شخصيتها المركزه على الانتصار للحق، والاندفاع
فى
سبيله.
وكانت حولها نسوه متعددات من حفدتها ونساء قومها
كالنجوم
المتناثره يلتففن بها بغير انتظام، وهن جميعا
سواسيه فى هذا
الاندفاع والالتياع، وقائدتهن بينهن تستعرض ما
ستقدم عليه
من وثبه كريمه تهيىء لها العده والذخيره، وهى
كلما استرسلت
فى استعراضها ازدادت رباطه جاش، وقوه جنان،
وتضاعفت قوه
الحق التى تعمل فى نفسها، واشتدت صلابه فى الحركه،
وانبعاثا نحو الدفاع عن الحقوق المسلوبه، ونشاطا
فى الاندفاع،
وبساله فى الموقف الرهيب، كانها قد استعارت فى
لحظتها هذه
قلب رجلها العظيم، لتواجه به ظروفها القاسيه وما
حاكت لها
يد القدر. استغفر اللّه بل ما قدر لها المقدر الحكيم
من ماساه
مروعه تهد الجبل وتزلزل الصعب الشامخ.
وكانت فى لحظتها الرهيبه التى قامت فيها بدور
الجندى المدافع شبحا قائما ترتسم عليه سحابه حزن
مرير،
وهى شاحبه اللون، عابسه الوجه، مفجوعه القلب،
كاسفه البال،
منهده العمد، ضعيفه الجانب، مائعه الجسم، وفى صميم
نفسها، وعميق فكرها، المتامله اشعاعه بهجه، واثاره
طمانينه،
وليس هذا ولا ذاك استعذابا لامل باسم، او سكونا الى
حلم
لذيذ، او استقبالا لنتيجه حسنه مترقبه، بل كانت
الاشعاعه
اشعاعه رضا بالفكره ، والاستبشار بالثوره، وكانت
الطمانينه ثقه
بنجاح، لا هذا الذى نفيناه بل على وجه آخر، وان فى
بعض
الفشل الاجل ايجابا لنجاح عظيم وكذلك وقع، فقد قامت
امه
برمتها تقدس هذه الثوره النائره بل تستمد منها
ثباتها
واستبسالها فى هذا الثبات.
ودفعتها افكارها فى وقفتها تلك الى الماضى القريب
يوم كانت
موجات السعاده تلعب بحياتها السعيده، ويوم كان نفس
ابيها
يصعد، ونسمه يهبط. وكان بيتها قطب الدوله العتيد،
ودعامه
المجد الراسخه المهيمنه على الزمن الخاشع المطيع.
ولعل افكارها هذه ساقتها الى تصور ابيها (ص) وهو
يضمها الى
صدره الرحيب، ويحوطها بحنانه العبقرى، ويطبع على
فمها
الطاهر قبلاته التى اعتادتها منه، وكانت غذاءها
صباحا ومساء.
ثم وصلت الى حيث بلغت سلسله الزمن، فيواجهها الواقع
العابس واذا بالزمان غير الزمان وها هو بيتها مشكاه
النور ورمز
النبوه والاشعاعه المتالقه المحلقه بالسماء، مهدد
بين الفينه
والفينه، وها هو ابن عمها الرجل الثانى فى دنيا
الاسلام باب
علم النبوه، ووزيرها المخلص، وهارونها المرجى،
الذى لم يكن
لينفصل ببدايته الطاهره عن بدايه النبوه المباركه،
فهو ناصرها
فى البدايه، واملها الكبير فى النهايه، يخسر اخيرا
خلافه رسول
اللّه(ص)، وتقوض معنوياته النوريه التى شهدت لها
السماء
والارض جميعا، وتسقط سوابقه الفذه عن الاعتبار
ببعض
المقاييس التى تم اصطلاحها فى تلك الاحايين.
وهنا بكت بكاء شقيا ما شاء اللّه لها ان تبكى، ولم
يكن بكاء بمعناه
الذى يظهر على الاسارير، ويخيم على المظاهر، بل كان
لوعه
الضمير، وارتياع النفس، وانتفاضه الحسرات فى اعماق
القلب،
وختمت طوافها الاليم هذا بعبرتين ندتا من مقلتيها.
ثم لم تطل وقفتها، بل اندفعت كالشراره الملتهبه
وحولها
صويحباتها حتى وصلت الى ميدان الصراع، فوقفت
وقفتها
الخالده، واثارت حربها التى استعملت فيها ما يمكن
مباشرته
للمراه فى الاسلام، وكادت ثورتها البكر ان تلتهم
الخلافه لولا
ان عاكسها شذوذ الظرف، وتناثرت امامها العقبات.
«اجواء الحدث»
تلك هى الحوراء الصديقه فاطمه بنت رسول اللّه(ص)
ريحانه
النبوه، ومثال العصمه، وهاله النور المشعه، وبقيه
الرسول بين
المسلمين -فى طريقها الى المسجد وقد خسرت ابوه هى
ازهى الابوات فى تاريخ الانسان، وافيضها حنانا،
واكثرها اشفاقا،
واوفرها بركه.
وهذه كارثه من شانها ان تذيق المصاب بها مراره
الموت او ان
تظهر له الموت حلوا شهيا، واملا نيرا.
وهكذا كانت الزهراء حينما لحق ابوها بالرفيق
الاعلى، وطارت
روحه الفرد الى جنان ربها راضيه مرضيه.
ثم لم تقف الحوادث المره عند هذا الحد الرهيب، بل
عرضت
الزهراء لخطب آخر قد لا يقل تاثيرا فى نفسها
الطهور، وايقادا
لحزنها، واذكاء لاساها عن الفاجعه الاولى كثيرا
وهو خساره
المجد الذى سجلته السماء لبيت النبوه على طول
التاريخ،
واعنى بهذا المجد العظيم سياده الامه وزعامتها
الكبرى، فقد
كان من تشريعات السماء ان يسوس آل محمد(ص) امته
وشيعته،
لانهم مشتقاته ومصغراته، واذا بالتقدير المعاكس
يصرف مراكز
الزعامه عن اهلها، ومناصب الحكم عن اصحابها، ويرتب
لها
خلفاء وامراء من عند نفسه.
وبهذا وذاك خسرت الزهراء اقدس النبوات والابوات،
واخلد
الرئاسات والزعامات بين عشيه وضحاها، فبعثتها
نفسها
المطوقه بافاق من الحزن والاسف الى المعركه
ومجالاتها،
ومباشره الثوره والاستمرار عليها.
والحقيقه التى لا شك فيها ان احدا ممن يوافقها على
مبدئها
ونهضتها لم يكن ليمكنه ان يقف موقفها، ويستبسل
استبسالها
فى الجهاد الا وان يكون اكله بارده، وطعمه رخيصه
للسلطات
الحاكمه التى كانت قد بلغت يومذاك اوج الضغط
والشده. فعلى
الاشاره عتاب، وعلى القول حساب، وعلى الفعل عقاب،
فلم
يكن ليختلف عما نصطلح عليه اليوم بالاحكام
العرفيه، وهو امر
ضرورى للسلطات يومئذ فى سبيل تدعيم اساسها، وتثبيت
بنيانها.
اما اذا كان القائم المدافع بنت محمد(ص)
وبضعته وصورته
الناضره، فهى محفوظه لا خوف عليها بلا شك، باعتبار
هذه
النبوه المقدسه، ولما للمراه فى الاسلام عموما من
حرمات
وخصائص تمنعها وتحميها من الاذى.
مستمسكات الثوره:
ارتفعت الزهراء باجنحه من خيالها المطهر الى آفاق
حياتها
الماضيه ودنيا ابيها العظيم التى استحالت حين لحق
سيد
البشر بربه الى ذكرى فى نفس الحوراء متالقه بالنور،
تمد
الزهراء فى كل حين بالوان من الشعور والعاطفه
والتوجيه،
وتشيع فى نفسها ضروبا من البهجه والنعيم، فهى وان
كانت قد
تاخرت عن ابيها فى حساب الزمن اياما او شهورا،
ولكنها لم
تنفصل عنه فى حساب الروح والذكرى لحظه واحده.
واذن ففى جنبيها معين من القوه لا ينضب، وطاقه على
ثوره
كاسحه لا تخمد، واضواء من نبوه محمد(ص) ونفس محمد
تنير لها الطريق، وتهديها سواء السبيل.
وتجردت الزهراء فى اللحظه التى اختمرت فيها ثوره
نفسها عن
دنيا الناس، واتجهت بمشاعرها الى تلك الذكرى الحيه
فى
نفسها لتستمد منها قبسا من نور فى موقفها العصيب،
وصارت
تنادى:
الى يا صور السعاده التى افقت منها على شقاء لا
يصطبر عليه...
الى يا اعز روح على، واحبها الى...حدثينى وافيضى على
من
نورك الالهى، كما كنت تصنعين معى دائما.
الى يا ابى اناجيك ان كانت المناجاه تلذ لك، وابثك
همومى
كما اعتدت ان افعل فى كل حين، واخبرك ان تلك الظلال
الظليله التى كانت تقينى من لهيب هذه الدنيا لم يعد
لى منها
شىء.
قد كان بعدك انباء وهنبثه
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
الى يا ذكريات الماضى العزيز حدثينى حديثك الجذاب
ورددى
على مسامعى كل شىء لاثيرها حربا لا هواده فيها على
هولاء
الذين ارتفعوا او ارتفع الناس بهم الى منبر ابى
ومقامه، ولم
يعرفوا لال محمد(ص) حقوقهم، ولا لبيتهم حرمه تصونه
من
الاحراق والتخريب، ذكرينى بمشاهد ابى وغزواته الم
يكن يقص
على الوانا من بطوله اخيه وصهره واستبساله فى
الجهاد،
وتفوقه على سائر الانداد، ووقوفه الى صف رسول
اللّه(ص) فى
اشد الساعات، واعنف المعارك التى فر فيها فلان
وفلان
وتقاصر عن اقتحامها الشجعان. ايصح بعد هذا ان نضع
ابا بكر
على منبر النبى وننزل بعلى عما يستحق من مقام؟!
خبرينى يا ذكريات ابى العزيز اليس ابو بكر هو الذى
لم ياتمنه
الوحى على تبليغ آيه للمشركين؟ وانتخب للمهمه
عليا، فماذا
يكون معنى هذا ان لم يكن معناه ان عليا هو الممثل
الطبيعى
للاسلام الذى يجب ان تستند اليه كل مهمه لا يتيسر
للنبى(ص) مباشرتها؟
انى لاتذكر بوضوح ذلك اليوم العصيب الذى ارجف فيه
المرجفون لما استخلف ابى عليا على المدينه وخرج الى
الحرب، فوضعوا لهذا الاستخلاف ما شاووا من تفاسير،
وكان
على ثابتا كالطود لا تزعزعه مشاغبات المشاغبين،
وكنت
احاول ان يلتحق بابى ليحدثه بحديث الناس، واخيرا
لحق
بالنبى(ص)، ثم رجع متهلل الوجه ضاحك الاسارير،
تحمله
الفرحه الى قرينته الحبيبه ليزف اليها بشرى لا
بمعنى من
معانى الدنيا بل بمعنى من معانى السماء. فقص على كيف
استقبله النبى(ص) ورحب به وقال له: (انت منى بمنزله
هارون من موسى الا انه لا نبى بعدى)، وهارون موسى
كان
شريكا له فى الحكم، واماما لامته، ومعدا لخلافته،
فلابد ان
يكون هارون محمد(ص) وليا للمسلمين وخليفته فيهم من
بعده.
ولما وصلت الى هذه النقطه من افكارها المتدفقه صرخت
ان
هذا هو الانقلاب الذى انذر اللّه تعالى فى كتابه اذ
قال: (وما
محمد الارسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل
انقلبتم على اعقابكم). فها هم الناس قد انقلبوا على
اعقابهم،
واستولى عليهم المنطق الجاهلى الذى تبادله الحزبان
فى
السقيفه حين قال احدهما: (نحن اهل العزه والمنعه،
واولوا
العدد والكثره، واجابه الاخر: من ينازعنا سلطان
محمد(ص)
ونحن اولياوه وعترته) وسقط الكتاب والسنه فى تلك
المقاييس ثم اخذت تقول:
يامبادى محمد(ص) التى جرت فى عروقى منذ ولدت كما
يجرى الدم فى العصب، ان عمر الذى هجم عليك فى
يتك المكى الذى اقامه النبى مركزا لدعوته قد هجم
على آل
محمد(ص) فى دارهم واشعل النار فيها او كاد...
يا روح امى العظيمه انك القيت على درسا خالدا فى
حياه
النضال الاسلامى بجهادك الرائع فى صف سيد
المرسلين(ص)
وسوف اجعل من نفسى خديجه على فى محنته القائمه.
لبيك لبيك يا اماه انى اسمع صوتك فى اعماق روحى
يدفعنى
الى مقاومه الحاكمين.
فسوف اذهب الى ابى بكر لاقول له: (لقد جئت شيئا فريا،
فدونكها مخطومه مرحوله تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم
اللّه،
والزعيم محمد، والموعد القيامه)، ولانبه المسلمين
الى عواقب
فعلتهم والمستقبل القاتم الذى بنوه بايديهم واقول:
(لقد
لقحت فنظره ريثما تحلب، ثم احتلبوها طلاع القعب دما
عبيطا، وهناك يخسر المبطلون، ويعرف التالون، غب ما
اسس
الاولون).
ثم اندفعت الى ميدان العمل وفى نفسها مبادى محمد(ص)
وروح خديجه، وبطوله على، واشفاق عظيم على هذه الامه
من
مستقبل مظلم.
طريق الثوره:
لم يكن الطريق الذى اجتازته الثائره طويلا، لان
البيت الذى
انبعث منه شرر الثوره ولهيبها هو بيت على(ع)، بالطبع
الذى
كان يصطلح عليه رسول اللّه(ص) بيت النبوه، وهو جار
المسجدلا يفصل بينهما سوى جدار واحد، فلعلها دخلته
من
الباب المتصل به، والمودى اليه من دارها مباشره،
كما يمكن
ان يكون مدخلها الباب العام. ولا يهمنا تعيين احد
الطريقين،
وان كنت ارجح انها سلكت الباب العام لان سياق
الروايه
التاريخيه التى حكت لنا هذه الحركه الدفاعيه يشعر
بهذا، فان
دخولها من الباب الخاص لا يكلفها سيرا فى نفس
المسجد، ولا
اجتياز طريق بينه وبين بيتها، فمن اين للراوى ان
يصف
مشيها، وينعته بانه لا يخرم مشيه رسول اللّه(ص)
وهو لم يكن
معها بالطبع؟! ولو تصورنا انها سارت فى نفس
المسجد، لا
ينتهى سيرها بالدخول على الخليفه، وانما يبتدى
بذلك، لان
من دخل المسجد صدق عليه انه دخل على من فيه، وان
سار
فى ساحته مع ان الراوى يجعل دخولها على ابى بكر
متعقبا
لمشيها، وهذا وغيره يكون قرينه على ما استقريناه.
النسوه:
وتدلنا الروايه على ان الزهراء كانت تصحب معها
نسوه من قومها
وحفدتها كما سبق ذكره، ومرد هذه الصحبه وذلك
الاختيار
للباب العام الى امر واحد، وهو تنبيه الناس، وكسب
التفاتهم
باجتيازها فى الطريق مع تلك النسوه ليجتمعوا فى
المسجد،
ويتهافتوا حيث ينتهى بها السير بقصد التعرف على ما
تريده،
وتعزم عليه من قول او فعل، وبهذا تكون المحاكمه
علنيه تعيها
اسماع عامه المسلمين فى ذلك الوسط المضطرب.
ظاهره:
سبق ان الروايه التاريخيه جاءت تنص على ان الزهراء
لم تكن
لتخرم فى مشيتها مشيه ابيها(ص).
ويتسع لنا المجال لفلسفه هذا التقليد الدقيق،
فلعله كان
طبيعه قد جرت عليها فى موقفها هذا بلا تكلف ولا
اعتناء
خاص، وليس هذا ببعيد فانها (صلوات اللّه عليها) قد
اعتادت ان
تقلد اباها وتحاكيه فى سائر افعالها واقوالها،
ويحتمل ان يكون
لهذه المشابهه المتقنه وجه آخر بان كانت الحوراء قد
عمدت
فى موقفها يومذاك الى تقليد ابيها فى مشيه عن
التفات وقصد
فاحكمت التمثيل، واجادت المحاكاه، فلم تكن لتخرم
مشيه
النبى(ص)، وارادت بهذا ان تستولى على المشاعر
واحساس
الناس، وعواطف الجمهور بهذا التقليد الباهر الذى
يدفع
بافكارهم الى سفر قصير، وتجول لذيذ فى الماضى
القريب حيث
عهد النبوه المقدس، والايام الضواحك التى قضوها
تحت ظلال
نبيهم الاعظم(ص)، فيكون فى ارهاف هذه الاحساسات
وصقلها صقلا عاطفيا ما يمهد للزهراء الشروع فى
مقصودها،
ويوط ى القلوب لتقبل دعوتها الصارخه، واستجابه
استنقاذها
الحزين، ونجاح محاولتها اليائسه او شبه اليائسه.
ولذا ترى ان الراوى نفسه اثرت عليه هذه الناحيه
ايضا من حيث
يشعر او لا يشعر، ودفعه تاثره هذا الى تسجيلها فيما
سجل من
تصوير الحركه الفاطميه.
صرخه باركتها الزهراء، ورعتها السماء فكانت عند
اندلاعها محط
الثقل الذى تركز عنده الحق المذبوح، والمحاوله
اليائسه التى
شاعت حولها ابتسامات امل استحالت بعد انتهائها الى
عبوس
مرير، وياس ثابت، واستسلام فرضته حياه الناس
الواقعه
يومذاك.
ثوره لم تكن لتقصد بها الثائره نتيجه لها على ما
يطرد فى
الثورات الاخرى بقدر ما كانت تهدف الى تثبيت الثوره
لذاتها،
وتسجيلها فيما يسجله التاريخ فى سطوره البارزه،
فكانت
الثوره على هذا بنفسها تودى الغرض كاملا غير منقوص،
وهذا
ما وقع بالفعل وبه نفسر الحكم بنجاحها وان فشلت كما
سنوضحه فى موقع آخر من هذا الكتاب.
الفصل الثانى فدك بمعناها الحقيقى و الرمزى
«الموقع:»
فدك: قريه فى الحجاز، بينها وبين المدينه يومان،
وقيل ثلاثه،
وهى ارض يهوديه فى مطلع تاريخها الماثور. وكان
يسكنها
طائفه من اليهود، ولم يزالوا على ذلك حتى السنه
السابعه
حيث قذف اللّه بالرعب فى قلوب اهليها فصالحوا رسول
اللّه(ص) على النصف من فدك وروى انه صالحهم عليها
كلها.
فدك فى ادوارها الاولى(عصر الخلفاء):
وابتدا بذلك تاريخها الاسلامى، فكانت ملكا
لرسول اللّه(ص)،
لانها مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ثم قدمها
لابنته
الزهراء، وبقيت عندها حتى توفى ابوها(ص) فانتزعها
الخليفه
الاول(رضى اللّه) - على حد تعبير صاحب الصواعق
المحرقه -
واصبحت من مصادر الماليه العامه وموارد ثروه
الدوله يومذاك،
حتى تولى عمر الخلافه فدفع فدكا الى ورثه رسول
اللّه(ص)
وبقيت فدك عند آل محمد(ص) الى ان تولى الخلافه عثمان
بن عفان فاقطعها مروان بن الحكم على ما قيل، ثم يهمل
التاريخ امر فدك بعد عثمان فلا يصرح عنها بشىء.
ولكن الشىء
الثابت هو ان امير المومنين عليا انتزعها من مروان
على تقدير
كونها عنده فى خلافه عثمان - كسائر ما نهبه بنو اميه
فى ايام
خليفتهم.
فى عهد امير المومنين(ع):
وقد ذكر بعض المدافعين عن الخليفه فى مساله فدك ان
عليا
لم يدفعها عن المسلمين بل اتبع فيها سيره ابى بكر،
فلو كان
يعلم بصواب الزهراء وصحه دعواها ما انتهج ذلك
المنهج.
ولا اريد ان افتح فى الجواب بحث التقيه على مصراعيه
واوجه
بها عمل امير المومنين، وانما امنع ان يكون امير
المومنين(ع)
قد سار على طريقه الصديق، فان التاريخ لم يصرح
بشىء من
ذلك، بل صرح بان امير المومنين كان يرى فدك لاهل
البيت،
وقد سجل هذا الراى بوضوح فى رسالته الى عثمان بن
حنيف
كما سياتى.
فمن الممكن انه كان يخص ورثه الزهراء وهم اولادها
وزوجها
بحاصلات فدك، وليس فى هذا التخصيص ما يوجب اشاعه
الخبر، لان المال كان عنده واهله الشرعيون هو
واولاده. كما
يحتمل انه كان ينفق غلا تها فى مصالح المسلمين برضى
منه
ومن اولاده عليهم الصلاه والسلام، بل لعلهم
اوقفوها وجعلوها
من الصدقات العامه.
فى فتره الامويين:
ولما ولى معاويه بن ابى سفيان الخلافه امعن فى
السخريه
واكثر من الاستخفاف بالحق المهضوم، فاقطع مروان بن
الحكم ثلث فدك، وعمر بن عثمان ثلثها، ويزيد ابنه
ثلثها الاخر،
فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان بن
الحكم ايام
ملكه، ثم صفت لعمر بن ب؟؟عبدالعزيز بن مروان، فلما
تولى
هذا الامر رد فدك على ولد فاطمه(عليهاالسلام) وكتب
الى
واليه على المدينه ابى بكر بن عمرو بن حزم يامره
بذلك،
فكتب اليه: (ان فاطمه(عليهاالسلام) قد ولدت فى آل
عثمان
وآل فلان وفلان فعلى من ارد منهم؟ فكتب اليه: اما
بعد، فانى
لو كتبت اليك آمرك ان تذبح بقره لسالتنى ما لونها
فاذا ورد
عليك كتابى هذا فاقسمها فى ولد فاطمه(عليهاالسلام)
من
على(ع)، فنقمت بنواميه ذلك على عمر بن عبدالعزيز
وعاتبوه
فيه وقالوا له: (هجنت فعل الشيخين). وقيل: انه خرج
اليه عمر
بن قيس فى جماعه من اهل الكوفه فلما عاتبوه على
فعله قال
لهم: (انكم جهلتم وعلمت، ونسيتم وذكرت، ان ابا بكر
بن
محمد بن عمرو بن حزم حدثنى عن ابيه عن جده ان رسول
اللّه(ص) قال: (فاطمه بضعه منى يسخطها مايسخطنى،
ويرضينى ما ارضاها) وان فدك كانت صافيه على عهد ابى
بكر
وعمر ثم صار امرها الى مروان فوهبها لعبدالعزيز ابى
فورثتها انا
واخوتى عنه فسالتهم ان يبيعونى حصتهم منها فمن بائع
وواهب حتى استجمعت لى فرايت ان اردها على ولد
فاطمه)،
فقالوا له: (فان ابيت الا هذا فامسك الاصل
واقسم الغله، ففعل).
ثم انتزعها يزيد بن عبدالملك من اولاد فاطمه فصارت
فى
ايدى بنى مروان حتى انقرضت دولتهم.
فى فتره العباسيين:
فلما قام ابو العباس السفاح بالامر وتقلد الخلافه
ردها على
عبداللّه بن الحسن بن الحسين بن على بن ابى طالب ثم
قبضها
ابو جعفر المنصور فى خلافته من بنى الحسن وردها
المهدى
بن المنصور على الفاطميين ثم قبضها موسى بن المهدى
من
ايديهم.
ولم تزل فى ايدى العباسيين حتى تولى المامون
الخلافه فردها
على الفاطميين سنه (210هـ) وكتب بذلك الى قثم بن جعفر
عامله على المدينه: (اما بعد، فان اميرالمومنين
بمكانه من دين
اللّه وخلافه رسوله(ص) والقرابه به اولى من استن
سنته، ونفذ
امره، وسلم لمن منحه منحه وتصدق عليه بصدقه منحته
وصدقته، وباللّه توفيق امير المومنين وعصمته واليه
فى العمل
بما يقربه اليه رغبته، وقد كان رسول اللّه(ص) اعط ى
فاطمه
بنت رسول اللّه فدك وتصدق بها عليها، وكان ذلك امرا
ظاهرا
معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول اللّه(ص) ولم تزل
تدعى
منه ما هو اولى به من صدق عليه، فراى امير المومنين
ان
يردها الى ورثتها ويسلمها اليهم تقربا الى اللّه
تعالى باقامه حقه
وعدله والى رسول اللّه(ص) بتنفيذ امره وصدقته، فامر
باثبات
ذلك فى دواوينه والكتاب به الى عماله، فلئن كان
ينادى فى
كل موسم بعد ان قبض اللّه نبيه(ص) ان يذكر كل من كانت
له
صدقه او هبه او عده ذلك فيقبل قوله وتنفذ عدته، ان
فاطمه(رضى اللّه عنها) لاولى بان يصدق قولها فيما
جعل
رسول اللّه(ص) لها، وقد كتب امير المومنين الى
المبارك
الطبرى -مولى امير المومنين يامره برد فدك على ورثه
فاطمه بنت رسول اللّه(ص) بحدودها وجميع حقوقها
المنسوبه
اليها وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك،
وتسليمها الى
محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن على بن الحسين ابن
على بن ابى طالب ومحمد بن عبد اللّه بن الحسن بن على
بن
الحسين بن على بن ابى طالب لتوليه امير المومنين
اياهما
القيام بها لاهلها. فاعلم ذلك من راى امير المومنين
وما الهمه
اللّه من طاعته ووفقه له من التقرب اليه والى
رسوله(ص)
واعلمه من قبلك، وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد
اللّه
بما كنت تعامل به المبارك الطبرى، واعنهما على ما
فى
عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها ان شاء اللّه
والسلام.
ولما بويع المتوكل على اللّه انتزعها من الفاطميين
واقطعها
عبد اللّه بن عمر البازيار وكان فيها احدى عشره
نخله غرسها
رسول اللّه(ص) بيده الكريمه، فوجه عبداللّه بن عمر
البازيار
رجلا يقال له: بشران بن ابى اميه الثقفى الى المدينه
فصرم
تلك النخيل ثم عاد الى البصره ففلج.
وينتهى آخر عهد الفاطميين بفدك بخلافه المتوكل
ومنحه
اياها عبداللّه ابن عمر البازيار.
هذه المامه مختصره بتاريخ فدك المضطرب الذى لا
يستقيم
على خط ولا يجمع على قاعده، وانما حاكت اكثره
الاهواء،
وصاغته الشهوات على ما اقتضته المطامع والسياسات
الوقتيه،
وعلى هذا فلم يخل هذا التاريخ من اعتدال واستقامه
فى
احايين مختلفه، وظروف متباعده، حيث توكل فدك الى
اهلها
واصحابها الاولين. ويلاحظ ان مشكله فدك كانت قد
حازت
اهميه كبرى بنظر المجتمع الاسلامى واسياده، ولذا
ترى حلها
يختلف باختلاف سياسه الدوله، ويرتبط باتجاه
الخليفه العام
نحو اهل البيت مباشره، فهو اذا استقام اتجاهه،
واعتدل رايه، رد
فدك على الفاطميين، واذا لم يكن كذلك وقع انتزاع
فدك فى
اول القائمه من اعمال ذلك الخليفه.
القيمه المعنويه والماديه لفدك:
ويدلنا على مدى ما بلغته فدك من القيمه المعنويه فى
النظر
الاسلامى قصيده دعبل الخزاعى التى انشاها حينما رد
المامون
فدك ومطلعها:
اصبح وجه الزمان قد ضحكا
برد مامون هاشم فدكا
وقد بقيت كلمه بسيطه وهى ان فدك لم تكن ارضا صغيره
او
مزرعا متواضعا كما يظن البعض، بل الامر الذى اطمئن
اليه انها
كانت تدر على صاحبها اموالا طائله تشكل ثروه مهمه
وليس
على بعد هذا ان احدد الحاصل السنوى منها وان ورد فى
بعض
طرقنا الارتفاع به الى اعداد عاليه جدا.
ويدل على مقدار القيمه الماديه لفدك امور:
(الاول) ما سياتى من ان عمر منع بكر من ترك فدك
للزهراء
لضعف الماليه العامه مع احتياجها الى التقويه لما
يتهدد
الموقف من حروب الرده وثورات العصاه.
ومن الجلى ان ارضا يستعان بحاصلاتها على تعديل
ميزانيه
الدوله، وتقويه مالياتها فى ظروف حرجه كظرف
الثورات
والحروب الداخليه لا بد انها ذات نتاج عظيم.
(الثانى) قول الخليفه لفاطمه فى محاوره له معها حول
فدك:
(ان هذا المال لم يكن للنبى(ص) وانما كان مالا من
اموال
المسلمين يحمل النبى به الرجال وينفقه فى سبيل
اللّه)، فان
تحميل الرجال لا يكون الا بمال مهم تتقوم به نفقات
الجيش.
(الثالث) ما سبق من تقسيم معاويه فدك اثلاثا،
واعطائه لكل
من يزيد ومروان وعمرو بن عثمان ثلثا، فان هذا يدل
بوضوح
على مدى الثروه المجتناه من تلك الارض، فانها بلا
شك ثروه
عظيمه تصلح لان توزع على امراء ثلاثه من اصحاب
الثراء
العريض والاموال الطائله.
(الرابع) التعبير عنها بقريه كما فى معجم البلدان،
وتقدير بعض
نخيلها بنخيل الكوفه فى القرن السادس الهجرى كما فى
شرح
النهج لابن ابى الحديد.
الفصل الثالث: تاريخ الثوره
قد كان بعدك انباء وهنبثه
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
ابدت رجال لنا نجوى صدورهم
لما مضيت وحالت دونك الترب
شرح نهج البلاغه/6: 212
صبت على مصائب لو انها
صبت على الايام صرن لياليا
قد كنت ارتع تحت ظل محمد
لا اختشى ضيما وكان جماليا
واليوم اخضع للذليل واتقى
ضيمى وادفع ظالمى بردائيا
(الزهراء)
منهج دراسه التاريخ
اذا كان التجرد عن المرتكزات، والاناه فى الحكم،
والحريه فى
التفكير شروطا للحياه الفكريه المنتجه، وللبراعه
الفنيه فى كل
دراسه عقليه مهما يكن نوعها، ومهما يكن موضوعها،
فهى اهم
الشروط الاساسيه لاقامه بناء تاريخى محكم لقضايا
اسلافنا
ترتسم فيه خطوط حياتهم التى صارت ملكا للتاريخ،
ويصور
عناصر شخصياتهم التى عرفوها فى انفسهم او عرفها
الناس
يومئذ فيهم، ويتسع لتاملات شامله لكل موضوع من
موضوعات
ذلك الزمن المنصرم يتعرف بها على لونه التاريخى
والاجتماعى
ووزنه فى حساب الحياه العامه، او فى حساب الحياه
الخاصه
التى يعنى بها الباحث، وتكون مدارا لبحثه، كالحياه
الدينيه،
والاخلاقيه، والسياسيه الى غير ذلك من النواحى
التى ياتلف
منها المجتمع الانسانى على شرط ان تستمد هذه
التاملات
كيانها النظرى من عالم الناس المنظور لا من عالم
تبتدعه
العواطف والمرتكزات، وينشئه التعبد والتقليد، ولا
من خيال
مجنج يرتفع بالتوافه والسفاسف الى الذروه، ويبنى
عليها ما شاء
من تحقيق ونتائج، ولا من قيود لم يستطع الكاتب ان
يتحرر
عنها ليتامل ويفكر كما تشاء له اساليب البحث العلمى
النزيه.
واما اذا جئنا للتاريخ لا لنسجل واقع الامر خيرا
كان او شرا،
ولالنحبس دراستنا فى حدود من مناهج البحث
العلمى الخالص، ولالنجمع الاحتمالات والتقديرات
التى يجوز
افتراضها ليسقط منها على محك البحث ما يسقط ويبقى
ما
يليق بالتقدير والملاحظه، بل لنستلهم عواطفنا
وموروثاتنا
ونستمد من وحيها الاخاذ تاريخ اجيالنا السابقه،
فليس ذلك
تاريخا لاولئك الاشخاص الذين عاشوا على وجه الارض
يوما ما،
وكانوا بشرا من البشر تتنازعهم ضروب شتى من الشعور
والاحساس، وتختلج فى ضمائرهم الوان مختلفه من
نوازع
الخير ونزعات الشر، بل هو ترجمه لاشخاص عاشوا فى
ذهننا
وطارت بهم نفوسنا الى الافاق العاليه من الخيال.
فاذا كنت تريد ان تكون حرا فى تفكيرك، ومورخا لدنيا
الناس
لاروائيا يستوحى من دنيا ذهنه ما يكتب، فضع عواطفك
جانبا
او اذا شئت فاملا بها شعاب نفسك فهى ملكك لا ينازعك
فيها
احد، واستثن تفكيرك الذى به تعالج البحث، فانه لم
يعد ملكك
بعد ان اضطلعت بمسووليه التاريخ واخذت على نفسك ان
تكون امينا لياتى البحث مستوفيا لشروطه قائما على
اسس
صحيحه من التفكير والاستنتاج.
كثيره جدا هذه الاسباب التى تحول بين نقاد التاريخ
وبين
حريتهم فيما ينقدون، وقد اعتاد المورخون او اكثر
المورخين
بتعبير اصح، ان يقتصروا على ضروب معينه من هندسه
الحياه
التى يورخونها، وان يصوغوا التاريخ صياغه قد يظهر
فيها
الجمال الفنى احيانا حينما يتوسع الباحث فى
انطباعاته عن
الموضوع، ولكنها صوره باهته فى اكثر الاحايين ليس
فيها ما
فى دنيا الناس التى تصورهم من معانى الحياه وشوونها
المتدفقه بالوان من النشاط، والحركه، والعمل، وسوف
تجد
فيما ياتى امثله بمقدار ما يتسع له موضوعنا من
الزمن الدقيق
الذى ندرسه فى هذه الفصول اعنى الظرف الذى تلا وفاه
النبى(ص) وتقررت فيه المساله الاساسيه فى تاريخ
الاسلام
على شكل لا يتغير، وهى نوع السلطه التى ينبغى ان
تتولى امور
المسلمين.
تقويم تاريخ صدر الاسلام:
كلنا نود ان يكون التاريخ الاسلامى فى عصره الاول
الزاهر
طاهرا كل الطهر، بريئا مما يخالط الحياه الانسانيه
من
مضاعفات الشر ومزالق الهوى، فقد كان عصرا مشعا
بالمثاليات
الرفيعه، اذ قام على انشائه اكبر المنشئين للعصور
الانسانيه فى
تاريخ هذا الكوكب على الاطلاق، وارتقت فيه العقيده
الالهيه
الى حيث لم ترتق اليه الفكره الالهيه فى دنيا
الفلسفه والعلم،
فقد عكس رسول اللّه(ص) روحه فى روح ذلك العصر، فتاثر
بها
وطبع بطابعها الالهى العظيم، بل فنى الصفوه من
المحمديين
فى هذا الطابع فلم يكن لهم اتجاه الا نحو المبدع
الاعظم الذى
ظهرت وتالقت منه انوار الوجود واليه تسير، كما كان
استاذهم
الاكبر الذى فنى الوجود المنبسط كله بين عينيه ساعه
هبوط
الرساله السماويه عليه. فلم يكن يرى شيئا ولا يسمع
صوتا سوى
الصوت الالهى المنبعث من كل صوب وحدب، وفى كل جهه
من جهات الوجود، وناحيه من نواحى الكون يعلن تقليده
الشاره الكبرى.
ان عصرا تلغى فيه قيمه الفوارق الماديه على
الاطلاق،
ويستوى فيه الحاكم والمحكوم فى نظر القانون،
ومجالات تنفيذه، ويجعل مدار القيمه المعنويه،
والكرامه
المحترمه فيه تقوى اللّهالتى هى تطهير روحى،
وصيانه
للضمير، وارتفاع بالنفس الى آفاق من المثاليه
الرفيعه، ويحرم
فى عرفه احترام الغنى لانه غنى، واهانه الفقير لانه
فقير، ولا
يفرق فيه بين الاشخاص الا بمقدار الطاقه الانتاجيه
(لها ما
كسبت وعليها ما اكتسبت). ويتسارع فيه الى الجهاد
لصالح
النوع الانسانى الذى معناه الغاء مذهب السعاده
الشخصيه فى
هذه الدنيا ، واخراجها عن حساب الاعمال.
(اقول) ان العصر الذى تجتمع له كل هذه المفاخر لهو
خليق
بالتقديس والتبجيل والاعجاب والتقدير، ولكن ماذا
ارانى
دفعت الى التوسع فى امر لم اكن اريد ان اطيل فيه؟
وليس لى
ان افرط فى جنب الموضوع الذى احاوله بالتوسع فى امر
آخر،
ولكنها الحماسه لذلك العصر هى التى دفعتنى الى ذلك،
فهو
بلا ريب زين العصور فى الروحانيه والاستقامه. انا
افهم هذا
جيدا، واوافق عليه متحمسا ، ولكنى لا افهم ان يمنع
عن
التعمق فى الدرس العلمى، او التمحيص التاريخى
لموضوع
كموضوعات الساعه التى نتكلم عنها من مراحل ذلك
الزمن، او
يحظر علينا ان نبدا البحث فى مساله فدك على اساس ان
احد
الخصمين كان مخطئا فى موقفه بحسب موازين الشريعه
ومقاييسها، او ان نلاحظ ان قصه الخلافه وفكره
السقيفه لم
تكن مرتجله ولا وليده يومها اذا دلنا على ذلك سير
الحوادث
حينذاك، وطبيعه الظروف المحيطه بها.
واكبر الظن ان كثيرا منا ذهب فى تعليل مناقب ذلك
العصر
وماثره مذهبا جعله يعتقد ان رجالات الزمن الخالى،
وبتعبير
اوضح تحديدا ان ابا بكر وعمر واضرابهما الذين هم من
موجهى
الحياه العامه يومئذ لا يمكن ان يتعرضوا لنقد او
محاكمه، لانهم
بناه ذلك العصر، والواضعون لحياته خطوطها الذهبيه،
فتاريخهم تاريخ ذلك العصر، وتجريدهم عن شىء من
مناقبهم
تجريد لذلك العصر عن مثاليته التى يعتقدها فيه كل
مسلم.
واريد ان اترك لى كلمه مختصره فى هذا الموضوع فيها
ماده
لبحث طويل، ولمحه من دراسه مهمه قد اعرض لها فى فرصه
اخرى من فرص التاليف، واكتفى الان ان اتساءل عن
نصيب هذا
الراى من الواقع.