صحيح ان الاسلام فى ايام الخليفتين كان مهيمنا، والفتوحات متصله والحياه متدفقه بمعانى الخير، وجميع نواحيها مزدهره بالانبعاث الروحى الشامل، واللون القرآنى المشع، ولكن هل يمكن ان نقبل ان التفسير الوحيد لهذا وجود الصديق او الفاروق على كرسى الحكم؟ والجواب المفصل عن هذا السوال نخرج ببيانه عن حدود الموضوع ، ولكنا نعلم ان المسلمين فى ايام الخليفتين كانوا فى اوج تحمسهم لدينهم، والاستبسال فى سبيل عقيدتهم، حتى ان التاريخ سجل لنا (ان شخصا اجاب عمر حينما صعد يوما على المنبر وسال الناس: لو صرفناكم عما تعرفون الى ما تنكرون ما كنتم صانعين؟ - اذن كنا نستتيبك فان تبت قبلناك، فقال عمر: وان لم؟ - قال: نضرب عنقك الذى فيه عيناك. فقال عمر: الحمد للّه الذى جعل فى هذه الامه من اذا اعوججنا اقام اودنا).

 ونعلم ايضا ان رجالات الحزب المعارض - واعنى به اصحاب على كانوا بالمرصاد للخلافه الحاكمه، وكان اى زلل وانحراف مشوه للون الحكم حينذاك كفيلا بان يقلبوا الدنيا راسا على عقب، كما قلبوها على عثمان - يوم اشترى قصرا، ويوم ولى اقاربه، ويوم عدل عن السيره النبويه المثلى مع ان الناس فى ايام عثمان كانوا اقرب الى الميوعه فى الدين واللين والدعه منهم فى ايام صاحبيه.

  ونفهم من هذا ان الحاكمين كانوا فى ظرف دقيق لا يتسع للتغيير والتبديل فى اسس السياسه ونقاطها الحساسه لو ارادوا الى ذلك سبيلا، لانهم تحت مراقبه النظر الاسلامى العام الذى كان مخلصا كل الاخلاص لمبادئه، وجاعلا لنفسه حق الاشراف على الحكم والحاكمين، ولانهم يتعرضون لو فعلوا شيئا من ذلك لمعارضه خطره من الحزب الذى ما يزال يومن بان الحكم الاسلامى لا بد ان يكون مطبوعا بطابع محمدى خالص، وان الشخص الوحيد الذى يستطيع ان يطبعه بهذا الطابع المقدس هو على -وارث رسول اللّه ووصيه وولى المومنين من بعده.

  واما الفتوحات الاسلاميه فكان لها الصداره فى حوادث تلك الايام ولكننا جميعا نعلم ايضا ان ذلك لا يسجل للحكومه القائمه فى ايام الخليفتين بلونها المعروف مجدا فى حساب التاريخ ما دام كل شان من شوون الحرب ومعداته واساليبه يتهيا بعمل اشبه ما يكون بالعمل الاجماعى من الامه الذى تعبر به عن شخصيتها الكامله تعبيرا عمليا خالدا، ولا يعبر عن شخصيه الحاكم الذى لم يصل اليه من لهيب الحرب شرر، ولم يستقل فيه براى، ولم يتهيا له الا بامر ليس له فيه ادنى نصيب، فان خليفه الوقت سواء اكان وقت فتح الشام او العراق ومصر لم يعلن بكلمه الحرب عن قوه حكومته ومقدره شخصه على ان ياخذ لهذه الكلمه اهبتها، بل اعلن عن قوه الكلمه النبويه التى كانت وعدا قاطعا بفتح بلاد كسرى وقيصر اهتزت له قلوب المسلمين حماسه واملا بل ايمانا ويقينا، ويحدثنا التاريخ ان كثيرا ممن اعتزل الحياه العمليه بعد رسول اللّه لم يخرج عن عزلته الى مجالات العمل الا حين ذكر هذا الحديث النبوى، فقد كان هو والايمان المتركز فى القلوب القوه التى هيات للحرب كل ظروفه وكل رجاله وامكانياته. وامر آخر هيا للمسلمين اسباب الفوز، وانالهم النصر فى معارك الجهاد لا يتصل بحكومه الشورى عن قرب او بعد، وهو الصيت الحسن الذى نشره رسول اللّه للاسلام فى آفاق الدنيا، واطراف المعموره، فلم يكن يتوجه المسلمون الى فتح بلد من البلاد الا كان امامهم جيش آخر من الدعايات والترويجات لدعوتهم ومبادئهم.

  وفى امر الفتوحات شىء آخر هو الوحيد الذى كان من وظيفه الحاكمين وحدهم القيام به دون سائر المسلمين الذين هيئوا بقيه الامور وهو ما يتلو الفتح من بث الروح الاسلاميه، وتركيز مثاليات القرآن فى البلاد المفتوحه، وتعميق الشعور الوجدانى والدينى فى الناس الذى هو معنى وراء الشهادتين، ولا ادرى هل يمكننا ان نسجل للخليفتين شيئا من البراعه فى هذه الناحيه، او نشك فى ذلك كل الشك كما صار اليه بعض الباحثين، وكما يدل عليه تاريخ البلاد المفتوحه فى الحياه الاسلاميه. لقد كانت الظروف كلها تشارك الخليفتين فى تكوين الحياه العسكريه المنتجه التى قامت على عهدهما، وفى بناء الحياه السياسيه الخاصه التى اتخذاها.

  ولا ادرى ماذا كان موقفهما لو قدر لهما ولعلى ان يتبادلوا ظروفهم فيقف الصديق والفاروق موقف الامام ويسود فى تلك الظروف التى كانت كلها تشجع على بناء سياسه، ومنهج لحكم جديد، وانشاء حياه لها من الوان الترف، وضروب النعيم حظ عظيم، فهل كانا يعاكسان تلك الظروف كما عاكسها امير المومنين؟...فضرب بنفسه مثلا فى الاخلاص للمبدا والنزاهه فى الحكم.

  وانا لا اقصد بهذا ان اقول ان الخليفتين كانا مضطرين اضطرارا الى سيره رشيده فى الحكم، واعتدال فى السياسه والحياه، ومرغمين على ذلك، وانما اعنى ان الظروف المحيطه بهما كانت تفرض عليهما ذلك سواء اكانا راغبين فيه او مكرهين عليه.

  كما انى لا اريد ان اجردهما عن كل اثر فى التاريخ، وكيف يسعنى شىء من ذلك، وهما اللذان كتبا يوم السقيفه سطور التاريخ الاسلامى كله، وانما عنيت انهما كانا ضعيفى الاثر فى بناء تاريخ ايامهما خاصه، وما ازدهرت به من حياه مكافحه وحياه فاضله.

  مع العقاد فى دراسته

اكتب هذا كله وبين يدى كتاب (فاطمه والفاطميون) للاستاذ عباس محمود العقاد، وقد جئته بشوق بالغ لارى ما يكتب فى موضوع الخصومه بين الخليفه والزهراء، وانا على يقين من ان ايام التعبد باعمال السالفين وتصويبها على كل تقدير قد انتهت، وان الزمان الذى يتحاشى فيه عن التعمق فى شىء من مسائل الفكر الانسانى دينا كانت، او مذهبا او تاريخا او اى شىء آخر قد مضى مع ما مضى من تاريخ الاسلام بعد ان طال قرونا.

  ولعل الخليفه الاول كان هو اول من اعلن ذلك المذهب عندما صرخ فى وجه من ساله عن مساله الحريه الانسانيه والقدر وهدده شمالى روح الاسلام؟ واذن فكان لى ان اتوقع بحثا لذيذا يتحفنا به الاستاذ فى موضوع الخصومه من شتى نواحيها، ولكن الواقع كان على عكس ذلك، فاذا بكلمه الكتاب حول الموضوع قصيره وقصيره جدا والى حد استبيح لنفسى ان انقلها واعرضها عليك دون ان اطيل عليك، فقد قال:

  (والحديث فى مساله فدك هو كذلك من الاحاديث التى لاتنتهى الى مقطع للقول متفق عليه، غير ان الصدق فيه: لا مراء ان الزهراء اجل من ان تطلب ما ليس لها بحق وان الصديق اجل من ان يسلبها حقها الذى تقوم به البينه عليه، ومن اسخف ما قيل انه انما منعها فدك مخافه ان ينفق على من غلتها على الدعوه اليه، فقد ولى الخلافه ابو بكر وعمر وعثمان وعلى ولم يسمع ان احدا بايعهم لمال اخذه منهم ولم يرد ذكر شىء من هذا فى اشاعه ولا فى خبر يقين، وما نعلم تزكيه لذمه الحكم من عهد الخليفه الاول اوضح بينه من حكمه فى مساله فدك، فقد كان يكسب برضى فاطمه ويرضى الصحابه برضاها وما اخذ من فدك شيئا لنفسه فيما ادعاه عليه مدع، وانما هو الحرج فى ذمه الحكم بلغ اقصاه بهذه القضيه بين هولاء الخصوم الصادقين المصدقين رضوان اللّه عليهم اجمعين انتهى).

  ونلاحظ قبل كل شىء ان الاستاذ شاء ان يعتبر البحث فى مساله فدك لونا من الوان النزاع التى ليس لها قرار، ولا يصل الحديث فيه الى نتيجه فاصله ليقدم بذلك عذره عن التوفر على دراستها، واعتقد ان فى محاكمات هذا الكتاب التى سترد عليك جوابا عن هذا، ونلاحظ ايضا انه بعد ان جعل مساله فدك من الاحاديث التى لا تنتهى الى مقطع للقول متفق عليه، راى ان فيها حقيقتين لا مراء فيهما ولا جدال:

  (احدهما) ان الصديقه ارفع من ان تنالها تهمه بكذب.

  و(الاخرى) ان الصديق اجل من ان يسلبها حقها الذى تثبته البينه. فاذا لم يكن فى صحه موقف الخليفه واتفاقه مع القانون جدال، ففيم الجدال الذى لا قرار له؟! ولم لا تنتهى مساله فدك الى مقطع للقول متفق عليه؟! وانا افهم ان للكاتب الحريه فى ان يسجل رايه فى الموضوع اى موضوع كما يشاء وكما يشاء له تفكيره بعد ان يرسم للقارى مدارك ذلك الراى وبعد ان يدخل تقديرات المساله كلها فى الحساب ليخرج منها بتقدير معين، ولكنى لا افهم ان يقول ان المساله موضوع لبحث الباحثين ثم لا ياتى الا براى مجرد عن المدارك يحتاج الى كثير من الشرح والتوضيح والى كثير من البحث والنظر، فاذا كانت الزهراء ارفع من كل تهمه فما حاجتها الى البينه؟ وهل تمنع التشريعات القضائيه فى الاسلام عن ان يحكم العالم استنادا الى علمه؟ واذا كانت تمنع عن ذلك فهل معنى هذا ان يجوز فى عرف الدين سلب الشىء من المالك؟ هذه اسئله، ومعها اسئله اخرى ايضا فى المساله تتطلب جوابا علميا، وبحثا فى ضوء اساليب الاستنباط فى الاسلام.

  واريد ان اكون حرا، واذن فانى استميح الاستاذ ان الاحظ ان تزكيه موقف الخليفه والصديقه معا امر غير ممكن، لان الامر فى منازعتهما لو كان مقتصرا على مطالبه الزهراء بفدك وامتناع الخليفه عن تسليمها له لعدم وجود مستمسك شرعى يحكم بواسطته لها بما تدعيه، وانتهاء المطالبه الى هذا الحد، لوسعنا ان نقول ان الزهراء طلبت حقها فى نفس الامر والواقع، وان الخليفه لما امتنع عن تسليمه لها لعدم تهيو المدرك الشرعى الذى تثبت به الدعوى تركت مطالبتها، لانها عرفت انها لا تستحق فدك بحسب النظام القضائى وسنن الشرع، ولكننا نعلم ان الخصومه بينهما اخذت اشكالا مختلفه حتى بلغت مبلغ الاتهام الصريح من الزهراء واقسمت على المقاطعه.

  واذن فنحن بين اثنتين: احداهما ان نعترف بان الزهراء قد ادعت باصرار ما ليس لها بحق فى عرف القضاء الاسلامى والنظام الشرعى وان كان ملكها فى واقع الامر، والاخرى ان نلقى التبعه على الخليفه ونقول انه قد منعها حقها الذى كان يجب عليه ان يعطيها اياه او يحكم لها بذلك على فرق علمى بين التعبيرين يتضح فى بعض الفصول الاتيه، فتنزيه الزهراء عن ان تطلب طلبا لا ترضى به حدود الشرع، والارتفاع بالخليفه عن ان يمنعها حقها الذى تسخو به عليها تلك الحدود لا يجتمعان الااذا توافق النقيضان.

  ولنترك هذا الى مناقشه اخرى، فقد اعتبر الاستاذ حكم الخليفه فى مساله فدك اوضح بينه ودليل على تزكيته وثباته على الحق وعدم تعديه عن حدود الشريعه لانه لو اعط ى فدك لفاطمه لارضاها بذلك وارضى الصحابه برضاها. ولنفترض معه ان حدود القانون الاسلامى هى التى كانت تفرض عليه ان يحكم بان فدك صدقه، ولكن ماذا كان يمنعه عن ان ينزل للزهراء عن نصيبه ونصيب سائر الصحابه الذين صرح الاستاذ بانهم يرضون بذلك؟...اكان هذا محرما فى عرف الدين ايضا؟ او ان امرا ما اوحى اليه بان لا يفعل ذلك، بل ماذا كان يمنعه عن تسليم فدك للزهراء بعد ان اعطته وعدا قاطعا بان تصرف حاصلاتها فى وجوه الخير والمصالح العامه؟ واما ما استسخفه الكاتب من تعليل لحكم الخليفه فسوف نعرف فى هذا الفصل ما اذا كان سخيفا حقا.

  اذا عرفنا ان مرتكزات الناس ليست وحيا من السماء فلا تقبل شكا ولا جدالا، وان درس مسائل السالفين ليس كفرا، ولا زندقه، ولا تشكيكا فى اعلام النبوه كما كانوا يقولون، فلنا ان نتساءل عما بعث الصديقه الى البدء بمنازعتها حول فدك على ذلك الوجه العنيف الذى لم يعرف او لم يشا ان يعرف هيبه للسلطه المهيمنه، او جلالا للقوه المتصرفه، يعصم الحاكمين من لهيبها المتصاعد، وشررها المتطاير، وبقى الحكم من اشعاعه نور متالقه تلقى ضوءا عليه، فتظهر للتاريخ حقيقته مجرده عن كل ستار، بل كانت بدايه المنازعه ومراحلها نذير ثوره مكتسحه اوثوره بالفعل عندما اكتملت فى شكلها الاخير، ويومها الاخير، تحمل كل ما لهذا المفهوم من مقدمات ونتائج، ولا تتعرض لضعف او تردد.

  وما عساه ان يكون هدف السلطه الحاكمه، او بالاحرى هدف الخليفه(رضى اللّه) نفسه فى ان يقف مع الحوراء على طرفى الخط، اولم يكن يخطر بباله ان خطته هذه تفتح له بابا فى التاريخ فى تعداد اولياته، ثم يذكر بينها خصومه اهل البيت؟! فهل كان راضيا باوليته هذه مخلصا لها حتى يستبسل فى امتناعه، وموقفه السلبى، بل الايجابى المعاكس؟ او انه كان منقادا للقانون، وملتزما بحرفيته فى موقفه هذا كما يقولون، فلم يشا ان يتعد حدود اللّه تبارك وتعالى فى كثير او قليل، وان لموقفه الغريب تجاه الزهراء صله بموقفه فى السقيفه، واعنى بهذه الصله الاتحاد فى الغرض، او اجتماع الغرضين على نقطه واحده. وبالاحرى ان تقوم على دائره واحده متسعه اتساع دوله النبى(ص)فيها آمال بواسم، وموجات من الاحلام ضحك لها الخليفه كثيرا وسعى فى سبيلها كثيرا ايضا.

  بواعث الثوره

اننا ندرك بوضوح، ونحن نلاحظ الظرف التاريخى الذى حف بالحركه الفاطميه، ان البيت الهاشمى المفجوع بعميده الاكبر قد توفرت له كل بواعث الثوره على الاوضاع القائمه، والانبعاث نحو تغييرها وانشائها انشاء جديدا، وان الزهراء قد اجتمعت لها كل امكانيات الثوره وموهلات المعارضه التى قرر المعارضون ان تكون منازعه سلميه مهما كلف الامر.

  واننا نحس ايضا اذا درسنا الواقع التاريخى لمشكله فدك ومنازعاتها بانها مطبوعه بطابع تلك الثوره، ونتبين بجلاء ان هذه المنازعات كانت فى واقعها ودوافعها ثوره على السياسه العليا والوانها التى بدت للزهراء بعيده عما تالفه من ضروب الحكم، ولم تكن حقا منازعه فى شىء من شوون السياسه الماليه، والمناهج الاقتصاديه التى سارت عليها خلافه الشورى، وان بدت على هذا الشكل فى بعض الاحايين.

  واذا اردنا ان نمسك بخيوط الثوره الفاطميه من اصولها، او ما يصح ان يعتبر من اصولها، فعلينا ان ننظر نظره شامله عميقه لنتبين حادثتين متقاربتين فى تاريخ الاسلام، كان احدهما صدى للاخر وانعكاسا طبيعيا له، وكانا معا يمتدان بجذورهما وخيوطهما الاولى الى حيث قد يلتقى احدهما بالاخر او بتعبير اصح الى النقطه المستعده فى طبيعتها الى ان تمتد منها خيوط الحادثتين.

  احدهما: الثوره الفاطميه على الخليفه الاول التى كادت ان تزعزع كيانه السياسى، وترمى بخلافته بين مهملات التاريخ.

  والاخر: موقف ينعكس فيه الامر فتقف عائشه ام المومنين بنت الخليفه الموتور فى وجه على زوج الصديقه الثائره على ابيها.

  وقد شاء القدر لكلتا الثائرتين ان تفشلا مع فارق بينهما مرده الى نصيب كل منهما من الرضا بثورتها، والاطمئنان الضميرى الى صوابها وحظ كل منهما من الانتصار فى حساب الحق الذى لا التواء فيه وهو ان الزهراء فشلت بعد ان جعلت الخليفه يبكى ويقول: اقيلونى  بيعتى، والسيده عائشه فشلت فصارت تتمنى انها لم تخرج الى حرب ولم تشق عصا طاعه.

  هاتان الثورتان متقاربتان فى الموضوع والاشخاص فلماذا لا تنتهيان الى اسباب متقاربه وبواعث متشابهه.

  ونحن نعلم جيدا ان سر الانقلاب الذى طرا على السيده عائشه حين اخبارها بان عليا ولى الخلافه يرجع الى الايام الاولى فى حياه على وعائشه حينما كانت المنافسه على قلب رسول اللّه(ص) بين زوجته وبضعته.

  ومن شان هذه المنافسه ان تتسع فى آثارها فتثبت مشاعر مختلفه من الغيظ والتنافر بين الشخصين المتنافسين وتلف بخيوطها من حولهما من الانصار والاصدقاء، وقد اتسعت بالفعل فى احد الطرفين فكان ما كان بين السيده عائشه وعلى، فلا بد ان تتسع فى الطرف الاخر فتعم من كانت تعمل ام المومنين على حسابه فى بيت النبى.

  نعم ان انقلاب ام المومنين انما هو من وحى ذكريات تلك الايام التى نصح فيها على لرسول اللّه(ص) بان يطلقها فى قصه الافك المعروفه.

  وهذا النصح ان دل على شىء فانه يدل على انزعاجه منها ومن منافستها لقرينته، وعلى ان الصراع بين زوج الرسول وبضعته كان قد اتسع فى معناه وشمل عليا وغير على ممن كان يهتم بنتائج تلك المنافسه واطوارها.

  دوافع الخليفه الاول فى موقفه

نعرف من هذا ان الظروف كانت توحى الى الخليفه الاول بشعور خاص نحو الزهراء وزوج الزهراء، ولا ننسى انه هو الذى تقدم لخطبتها فرده رسول اللّه(ص) ثم تقدم على الى ذلك فاجابه النبى الى ما اراد. وذاك الرد وهذا القبول يولدان فى الخليفه اذا كان شخصا طبيعيا يشعر بما يشعر به الناس، ويحس كما يحسون شعورا بالخيبه والغبطه لعلى - اذا احتطنا فى التعبير - وبان فاطمه كانت هى السبب فى تلك المنافسه بينه وبين على التى انتهت بفوز منافسه.

  ولنلاحظ ايضا ان ابا بكر هو الشخص الذى بعثه رسول اللّه(ص) ليقرا سوره التوبه على الكافرين، ثم ارسل وراءه وقد بلغ منتصف الطريق ليستدعيه ويعفيه من مهمته لا لشىء الا لان الوحى شاء ان يضع امامه مره اخرى منافسه فى الزهراء الذى فاز بها دونه.

  ولا بد انه كان يراقب ابنته فى مسابقتها مع الزهراء على الاوليه لدى رسول اللّه(ص) ويتاثر بعواطفها كما هو شان الاباء مع الابناء.

  وما يدرينا لعله اعتقد فى وقت من الاوقات ان فاطمه هى التى دفعت بابيها الى الخروج لصلاه الجماعه فى المسجد يوم مهدت له ام المومنين التى كانت تعمل على حسابه فى بيت النبى ان يوم الناس ما دام النبى مريضا.

  ان التاريخ لا يمكننا ان نترقب منه شرح كل شىء شرحا واضحا جليا غير ان الامر الذى تجمع عليه الدلائل ان من المعقول جدا ان يقف شخص مرت به ظروف كالظروف الخاصه التى احاطت بالخليفه من على وفاطمه موقفه التاريخى المعروف، وان امراه تعاصر ما عاصرته الزهراء فى ايام ابيها من منافسات حتى فى شباك يصل بينها وبين ابيها حرى بها ان لا تسكت اذا اراد المنافسون ان يستولوا على حقها الشرعى الذى لا ريب فيه.

  ابعاد قضيه فدك السياسيه

هذه هى الثوره الفاطميه فى لونها العاطفى وهو لون من عده الوان اوضحها واجلاها اللون السياسى الغالب على اساليبها واطوارها.

  وانا حين اقول ذلك لا اعنى بالسياسه مفهومها الرائج فى اذهان الناس هذا اليوم المركز على الالتواء والافتراء، وانما اقصد بها مفهومها الحقيقى الذى لا التواء فيه. فالممعن فى دراسه خطوات النزاع وتطوراته والاشكال التى اتخذهالا يفهم منه ما يفهم من قضيه مطالبه بارض، بل يتجلى له منها مفهوم اوسع من ذلك ينطوى على غرض طموح يبعث الى الثوره ويهدف الى استرداد عرش مسلوب وتاج ضائع ومجد عظيم وتعديل امه انقلبت على اعقابها.

  وعلى هذا كانت فدك معنى رمزيا يرمز الى المعنى العظيم ولا يعنى تلك الارض الحجازيه المسلوبه، وهذه الرمزيه التى اكتسبتها فدك هى التى ارتفعت بالمنازعه من مخاصمه عاديه منكمشه فى افقها، محدوده فى دائرتها الى ثوره واسعه النطاق رحيبه الافق.

  ادرس ما شئت من المستندات التاريخيه الثابته للمساله، فهل ترى نزاعا ماديا، او ترى اختلافا حول فدك بمعناها المحدود وواقعها الضيق، او ترى تسابقا على غلات ارض مهما صعد بها المبالغون وارتفعوا؟ فليست شيئا يحسب له المتنازعون حسابا.

  كلا! بل هى الثوره على اسس الحكم، والصرخه التى ارادت فاطمه ان تقتلع بها الحجر الاساسى الذى بنى عليه التاريخ بعد يوم السقيفه.

  ويكفينا لاثبات ذلك ان نلقى نظره على الخطبه التى خطبتها الزهراء فى المسجد امام الخليفه وبين يدى الجمع المحتشد من المهاجرين والانصار، فانها دارت اكثر ما دارت حول امتداح على والثناء على مواقفه الخالده فى الاسلام وتسجيل حق اهل البيت الذين وصفتهم بانهم الوسيله الى اللّه فى خلقه وخاصته ومحل قدسه وحجته فى غيبه، وورثه انبيائه فى الخلافه والحكم. والفات المسلمين الى حظهم العاثر واختيارهم المرتجل وانقلابهم على اعقابهم، وورودهم غير شربهم، واسنادهم الامر الى غير اهله، والفتنه التى سقطوا فيها، والدواعى التى دعتهم الى ترك الكتاب ومخالفته فيما يحكم به فى موضوع الخلافه والامامه.

  فالمساله اذن ليست مساله ميراث ونحله الا بالمقدار الذى يتصل بموضوع السياسه العليا، وليست مطالبه بعقار او دار، بل هى فى نظر الزهراء (مساله اسلام وكفر، ومساله ايمان ونفاق، ومساله نص وشورى).

  وكذلك نرى هذا النفس السياسى الرفيع فى حديثها مع نساء المهاجرين والانصار، اذ قالت فيما قالت: (اين زحزحوها عن رواسى الرساله، وقواعد النبوه، ومهبط الروح الامين والطبين بامر الدنيا والدين الا ذلك هو الخسران المبين، وما الذى نقموا من ابى الحسن، نقموا واللّه نكير سيفه، وشده وطاته، ونكال وقعته، وتنمره فى ذات اللّه، وتاللّه لو تكافووا عن زمام نبذه اليه رسول اللّه(ص) لاعتلقه وساراليهم سيرا سجحا لا تكلم حشاشه، ولايتعتع راكبه، ولاوردهم منهلا نميرا فضفاضا تطفح فضفاضه، ولاصدرهم بطانا قد تحير بهم الراى غير متحل بطائل الا بغمر الناهل وردعه سوره الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماءوالارض، وسياخذهم اللّه بما كانوا يكسبون، الا هلم فاستمع وما عشت اراك الدهر عجبا وان تعجب فقد اعجبك الحادث الى اى لجا استندوا وباى عروه تمسكوا، لبئس المولى ولبئس العشير، ولبئس للظالمين بدلا.

  استبدلوا واللّه الذنابى بالقوادم والعجز بالكاهل فرغما لمعاطس قوم يحسبون انهم يحسنون صنعا، الاانهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، ويحهم (افمن يهدى الى الحق احق ان يتبع امن لايهدى الا ان يهدى فما لكم كيف تحكمون).

  ولم يوثر عن نساء النبى(ص) انهن خاصمن ابا بكر فى شىء من ميراثهن، اكن ازهد من الزهراء فى متاع الدنيا، واقرب الى ذوق ابيها فى الحياه؟ او انهن اشتغلن بمصيبه رسول اللّه ولم تشتغل بها بضعته، او ان الظروف السياسيه هى التى فرقت بينهن فاقامت من الزهراء معارضه شديده، ومنازعه خطره دون نسوه النبى اللاتى لم تزعجهن اوضاع الحكم.

  واكبر الظن ان الصديقه كانت تجد فى شيعه قرينها، وصفوه اصحابه الذين لم يكونوا يشكون فى صدقها من يعطف شهادته على شهاده على وتكتمل بذلك البينه عند الخليفه. افلا يفيدنا هذا ان الهدف الاعلى لفاطمه الذى كانوا يعرفونه جيدا ليس هو اثبات النحله اوالميراث، بل القضاء على نتائج السقيفه؟ وهو لا يحصل باقامه البينه فى موضوع فدك، بل بان تقدم البينه لدى الناس جميعا على انهم ضلوا سواء السبيل. وهذا ما كانت تريد ان تقدمه الحوراء فى خطتها المناضله.

  ولنستمع الى كلام الخليفه بعد ان انتهت الزهراء من خطبتها وخرجت من المسجد، فصعد المنبر وقال: (ايها الناس ما هذه الرعه الى كل قاله! اين كانت هذه الامانى فى عهد رسول اللّه(ص). الا من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلم، انما هو ثعاله شهيده ذنبه، مرب لكل فتنه «هو الذى يقول: كروها جذعه بعد ما هرمت، يستعينون بالضعفه، ويستنصرون بالنساء»، كام طحال احب اهلها اليها البغى. الا انى لو اشاء ان اقول لقلت ولو قلت لبحت، انى ساكت ما تركت)، ثم التفت الى الانصار وقال:

  (قد بلغنى يا معشر الانصار مقاله سفهائكم واحق من لزم عهد رسول اللّه(ص) انتم، فقد جاءكم فاويتم ونصرتم، الا انى لست باسطا يدا ولا لسانا على من لم يستحق ذلك «منا»).

  وهذا الكلام يكشف لنا عن جانب من شخصيه الخليفه، ويلقى ضوءا على منازعه الزهراء له، والذى يهمنا الان ما يوضحه من امر هذه المنازعه وانطباعات الخليفه عنها، فانه فهم حق الفهم ان احتجاج الزهراء لم يكن حول الميراث او النحله، وانما كان حربا سياسيه كما نسميها اليوم وتظلما لقرينها العظيم الذى شاء الخليفه واصحابه ان يبعدوه عن المقام الطبيعى له فى دنيا الاسلام، فلم يتكلم الاعن على فوصفه بانه ثعاله وانه مرب لكل فتنه، وانه كام طحال، وان فاطمه ذنبه التابع له، ولم يذكر عن الميراث قليلا او كثيرا.

  ولنلاحظ ما جاءت به الروايه فى صحاح السنه من ان عليا والعباس كانا يتنازعان فى فدك فى ايام عمر بن الخطاب، فكان على يقول ان رسول اللّه(ص) جعلها فى حياته لفاطمه، وكان العباس يابى ذلك ويقول هى ملك رسول اللّه وانا وارثه، ويتخاصمان الى عمر، فيابى ان يحكم بينهما ويقول: (انتما اعرف بشانكما اما انا فقد سلمتها اليكما).

  فقد نفهم من هذا الحديث اذا كان صحيحا ان حكم الخليفه كان سياسيا موقتا وان موقفه كان ضروره من ضرورات الحكم فى تلك الساعه الحرجه، والا فلم اهمل عمر بن الخطاب روايه الخليفه وطرحها جانبا وسلم فدك الى العباس وعلى، وموقفه منهما يدل على انه سلم فدك اليهما على اساس انها ميراث رسول اللّه لا على وجه التوكيل، اذ لو كان على هذا الوجه لما صح لعلى والعباس ان يتنازعا فى ان فدك هل هى نحله من رسول اللّه لفاطمه اوتركه من تركاته التى يستحقها ورثته؟ وما اثر هذا النزاع لو فرض انها فى راى الخليفه مال للمسلمين وقد وكلهما فى القيام عليه؟ ولفض عمر النزاع وعرفهما انه لا يرى فدك مالا موروثا ولا من املاك فاطمه، وانما اوكل امرها اليهما لينوبا عنه برعايتها وتعاهدها، كما ان عدم حكمه بفدك لعلى وحده معناه انه لم يكن واثقا بنحله رسول اللّه (ص) فدك لفاطمه فليس من وجه لتسليمها الى على والعباس الا الارث.

  واذن ففى المساله تقديران:

  (احدهما) ان عمر كان يتهم الخليفه بوضع الحديث فى نفى الارث.

  (والاخر) انه تاوله وفهم منه معنى لا ينفى التوريث ولكن لم يذكر تاويله، ولم يناقش به ابا بكر حينما حدث به وسواء اصح هذا او ذاك، فالجانب السياسى فى المساله ظاهر، والا فلماذا يتهم عمر الخليفه بوضع الحديث اذا لم يكن فى ذلك ما يتصل بسياسه الحكم يومئذ، ولماذا يخفى تاويله وتفسيره، وهو الذى لم يتحرج عن ابداء مخالفته للنبى او الخليفه الاول فيما اعترضهما من مسائل.

  واذا عرفنا ان الزهراء نازعت فى امر الميراث بعد استيلاء الحزب الحاكم عليه، لان الناس لم يعتادوا ان يستاذنوا الخليفه فى قبض مواريثهم او فى تسليم المواريث الى اهلها، فلم تكن فاطمه فى حاجه الى مراجعه الخليفه، ولم تكن لتاخذ رايه وهو الظالم المنتزى على الحكم فى رايها، فالمطالبه بالميراث لا بد انها كانت صدى لما قام به الخليفه من تاميمه للتركه على ما نقول اليوم، والاستيلاء عليها.

  (اقول): اذا عرفنا هذا وان الزهراء لم تطالب بحقوها قبل ان تنتزع منها، تجلى لدينا ان ظرف المطالبه كان مشجعا كل التشجيع للمعارضين على ان يغتنموا مساله الميراث ماده خصبه لمقاومه الحزب الحاكم على اسلوب سلمى كانت تفرضه المصالح العليا يومئذ، واتهامه بالغصب والتلاعب بقواعد الشريعه والاستخفاف بكرامه القانون.

  قضيه فدك فى ضوء الظروف الموضوعيه

واذا اردنا ان نفهم المنازعه فى اشكالها واسبابها فى ضوء الظروف المحيطه بها، وتاثيرها، كان لزاما علينا ان نعرض تلك الظروف عرضا مستعجلا ونسجل صوره واضحه الالوان للعهد الانقلابى بالمقدار الذى يتصل بغرضنا.

  ولا اعنى بالانقلاب حين اصف عهد الخليفه الاول بذلك الامفهومه الحقيقى المنطبق على تلون السلطه الحاكمه بشكل جمهورى يتقوم بالثوره ويكتسب صلاحياته من الجماعات المنتخبه، ونزعها لشكلها الاول الذى يستمد قوته وسلطته من السماء.

  فقد كانت تلك اللحظه التى ضرب بها بشير بن سعد على يدالخليفه نقطه التحول فى تاريخ الاسلام التى وضعت حدا لافضل العهودواعلنت عهداآخرنترك تقريضه للتاريخ.

  مساله موت الرسول القائد(ص)

وقد كان ذلك فى اليوم الذى حانت فيه الساعه الاخيره فى تاريخ النبوات التى قطعت اقدس اداه وصل بين السماء والارض وابركها وافيضها خيرا ونعمه واجودها صقلا للانسانيه اذ لفظ سيد البشر نفسه الاخير وطارت روحه الى الرفيق الاعلى فكان قاب قوسين او ادنى، فهرع الناس الى بيت النبوه الذى كان يشرق باضوائه لتوديع العهد المحمدى السعيد وتشييع النبوه التى كانت مفتاح مجد الامه، وسر عظمتها، واجتمعوا حوله تتقاذفهم شتى الخواطر وترتسم فى افكارهم ذكريات من روعه النبوه وجلال النبى العظيم. وقد خيل اليهم ان هذه السنوات العشر التى نعموا فيها برعايه خير الانبياء، وابر الاباء كانت حلما لذيذا تمتعوا به لحظه من زمان وازدهرت به الانسانيه برهه من حياتها، وهاهم قد افاقوا على اسوا ما يستيقظ عليه نائم.

  وبينما كان المسلمون فى هذه الغمره الطاغيه، والصمت الرهيب لاينطق منهم احد بكلمه، وقد اكتفوا فى تابين الراحل العظيم بالدموع والحسرات والخشوع والذكريات، اذ يفاجوون بصوت يجلجل فى الفضاء ويقطع خيط الصمت الذى لف المجتمعين وهو يعلن ان رسول اللّه(ص)لم يمت ولايموت حتى يظهر دينه على الدين كله وليرجعن فليقطعن ايدى رجال وارجلهم ممن ارجف بموته:(لا اسمع رجلايقول مات رسول اللّهالاضربته بسيفى).

  والتفت الانظار الى مصدر الصوت ليعرفوا القائل، فوجدوا عمر بن الخطاب قد وقف خطيبا بين الناس وهو يجلجل برايه فى شده لا تقبل نزاعا وشاعت الحياه فى الناس من جديد فتكلموا وتحدثوا فى كلام عمر والتف بعضهم حوله.

  واكبر الظن ان قوله وقع من اكثرهم موقع الاستغراب والتكذيب، وحاول جماعه منهم ان يجادلوه فى رايه ولكنه بقى شديدا فى قوله ثابتا عليه والناس يتكاثرون حوله ويتكلمون فى شانه ويعجبون لحاله حتى جاء ابو بكر، وكان حين توفى النبى فى منزله بالسنح، والتفت الى الناس وقال: (من كان يعبد محمدا فانه قد مات، ومن كان يعبد اللّه فانه حى لا يموت. قال اللّه تعالى: (انك ميت وانهم ميتون) وقال: (افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم)، ولما سمع عمر ذلك اذعن واعترف بموت رسول اللّه(ص) وقال: (كانى سمعتها - يعنى الايه - «الان »).

  ونحن لا نرى فى هذه القصه ما يراه كثير من الباحثين من ان الخليفه كان بطل ذلك الظرف العجيب، والرجل الذى تهيات له معدات الخلافه بحكم موقفه من راى عمر، لان المساله ليست من الاهميه بهذا الحد ولم يحدثنا التاريخ عن شخص واحد انتصر لعمر فى رايه، فلم يكن الا رايا شخصيا لا خطر له ولا شان للقضاء عليه.

  وقد يكون من حق البحث ان الاحظ ان شرح الخليفه لحقيقه الحال فى خطابه الذى وجهه الى الناس كان شرحا باهتا فى غير حد لا يبدو عليه من مشاعر المسلمين المتحرقه فى ذلك اليوم شىء، بل لم يزد فى بيان الفاجعه الكبرى على ان قال: (ان من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات). وقد كان الموقف يتطلب من ابى بكر اذا كان يريد ان يقدم فى نفسه زعيما لتلك الساعه تابينا للفقيد الاعظم يتفق مع العواطف المتدفقه بالذكريات والحسرات يومئذ.

  ومن الذى كان يعبد سيد الموحدين حتى يقول من كان يعبد محمدا فانه قد مات؟ وهل كان فى كلام عمر معنى يدل على انه كان يعبد رسول اللّه(ص)؟ او كانت قد سرت موجه من الارتدادوالالحادفى ذلك المجتمع المومن الذى كان يعتصر دموعه من ذكرياته، وصبره،وتماسكه من عقيدته حتى يعلن لهم ان الدين ليس محدودا بحياه رسول اللّهلانه ليس بالاله المعبود.

  اذن فلم يكن لكلام ابى بكر الذى خاطب به الناس صله بموقفهم ولا علاقه براى عمر، ولا انسجام مع عواطف المسلمين فى ذلك اليوم وشوونهم، وقد سبقه به غيره ممن حاول مناقشه الفاروق كما سياتى.

  مساله السقيفه وموقف الامام على(ع)

وكان يعاصرهذا الاجتماع الذى تكلمنا عنه اجتماع آخر للانصار عقدوه فى سقيفه بنى ساعده برئاسه سعد بن عباده زعيم الخزرج ودعاهم فيه الى اعطائه الرئاسه والخلافه فاجابوه.ثم ترادوا الكلام فقالوا: (فان ابى المهاجرون وقالوا: نحن اولياوه وعترته، فقال قوم من الانصار نقول: منا امير ومنكم امير، فقال سعد: فهذا اول الوهن، وسمع عمر الخبر، فاتى منزل رسول اللّه(ص)، وفيه ابو بكر فارسل اليه ان اخرج الى، فارسل انى مشغول، فارسل اليه عمر ان اخرج فقد حدث امر لا بد ان تحضره، فخرج فاعلمه الخبر، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما ابوعبيده، فتكلم ابوبكر فذكر قرب المهاجرين من رسول اللّه(ص) وانهم اولياوه وعترته، ثم قال: نحن الامراء وانتم الوزراء لا نفتات عليكم بمشوره، ولا نقضى دونكم الامور، فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الانصار املكوا عليكم امركم فان الناس فى ظلكم ولن يجترى مجترى على خلافكم ولا يصدر احد الا عن رايكم، انتم اهل العزه والمنعه واولو العدد والكثره وذوو الباس والنجده وانما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فتفسد عليكم اموركم فان ابى هولاء الا ما سمعتم فمنا امير ومنهم امير، فقال عمر:هيهات لا يجتمع سيفان فى غمد، واللّه لا ترضى العرب ان تومركم ونبيها من غيركم ولا تمتنع العرب ان تولى امرها من كانت النبوه منهم، من ينازعنا سلطان محمد ونحن اولياوه وعشيرته. فقال الحباب بن منذر:

  يامعشر الانصار املكوا ايديكم ولا تسمعوا مقاله هذا واصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر فان ابوا عليكم فاجلوهم من هذه البلاد وانتم احق بهذا الامر منهم فانه باسيافكم دان الناس بهذا الدين انا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب انا ابو شبل فى عرينه الاسد، واللّه ان شئتم لنعيدها جذعه، فقال عمر: اذن يقتلك اللّه، قال: بل اياك يقتل. فقال ابو عبيده:

  يامعشرالانصار انكم اول من نصر فلا تكونوا اول من بدل وغير، فقام بشيرابن سعد والد النعمان بن بشير فقال: يا معشر الانصار الا ان محمدا من قريش وقومه اولى به وايم اللّه لا يرانى اللّه انازعهم هذا الامر. فقال ابو بكر: هذا عمر وابو عبيده بايعوا ايهما شئتم، فقالا: واللّه لا نتولى هذا الامر عليك وانت افضل المهاجرين وخليفه رسول اللّه(ص) فى الصلاه وهى افضل الدين، ابسط يدك. فلما بسط يده ليبايعاه سبقهما بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحباب ابن المنذر يا بشير غفتك غفاق، انفست على ابن عمك الاماره؟ فقال اسيد ابن خضير رئيس الاوس لاصحابه: واللّه لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيله ابدا، وبايعوا ابا بكر واقبل الناس يبايعونه من كل جانب.

  ونلاحظ فى هذه القصه ان عمر هو الذى سمع بقصه السقيفه واجتماع الانصار فيها واخبر ابا بكر بذلك، وما دمنا نعلم ان الوحى لم ينزل عليه بذلك النبا فلا بد انه ترك البيت النبوى بعد ان جاء ابو بكر واقنعه بوفاه النبى، فلماذا ترك البيت؟ ولماذا اختص ابا بكر بنبا السقيفه؟ الى كثير من هذه النقاط التى لا نجد لها تفسيرا معقولا اولى من ان يكون فى الامر اتفاق سابق بين ابى بكر وعمر وابى عبيده على خطه معينه فى موضوع الخلافه، وهذا التقدير التاريخى قد نجد له شواهد عديده تجيز لنا افتراضه.

  (الاول) تخصيص عمر لابى بكر بنبا السقيفه كما سبق، واصراره على استدعائه بعد اعتذاره بانه مشغول حتى اشار الى الغرض ولمح اليه، خرج مسرعا وذهبا على عجل الى السقيفه، وكان من الممكن ان يطلب غيره من اعلام المهاجرين بعد اعتذاره عن المجىء، فهذا الحرص لا يمكن ان نفسره بالصداقه التى كانت بينهما، لان المساله لم تكن مساله صداقه، ولم يكن امر منازعه الانصار يتوقف على ان يجد عمر صديقا له بل على ان يستعين بمن يوافقه فى احقيه المهاجرين ايا كان.

  ولا ننسى ان نلاحظ انه ارسل رسولا الى ابى بكر، ولم يذهب بنفسه ليخبره بالخبر خوفا من انتشاره فى البيت وتسامع الهاشميين او غير الهاشميين به، وقد طلب من الرسول فى المره الثانيه ان يخبره بحدوث امر لابد ان يحضره. ونحن لا نر حضور ابى بكر لازما فى ذلك الموضوع الا اذا مساله خاصه وكان الهدف تنفيذ خطه متفق عليها سابقا.

  (الثانى) موقف عمر من مساله وفاه النبى(ص) وادعاوه انه لم يمت، ولا يستقيم فى تفسيره، ان نقول ان عمر ارتبك فى ساعه الفاجعه، وفقد صوابه وادعى ما ادعى، لان حياه عمر كلها تدل على انه ليس من هذا الطراز، وخصوصا موقفه الذى وقفه فى السقيفه بعد تلك القصه مباشره.

  فالذى توثر المصيبه عليه الى حد تفقده صوابه لا يقف بعدها بساعه يحاجج ويجادل ويقاوم ويناضل.

  ونحن نعلم ايضا ان عمر لم يكن يرى ذلك الراى الذى اعلنه فى تلك الساعه الحرجه قبل ذلك بايام او بساعات حينما اشتد برسول اللّه(ص) المرض واراد ان يكتب كتابا لا يضل الناس بعده، فعارضه عمر وقال: ان كتاب اللّه يكفينا وان النبى يهجر، او قد غلب عليه الوجع كما فى صحاح السنه. فكان يومن بان رسول اللّه يموت وان مرضه قد يودى الى موته والا لما اعترض عليه.

  وقد جاء فى تاريخ ابن كثير ان عمر بن زائده قرا الايه التى قراها ابوبكر على عمر قبل ان يتلوها ابو بكر فلم يقتنع عمر وانما قبل كلام ابى بكر خاصه واقتنع به.

  فما يكون تفسير هذا كله اذا لم يكن تفسيره ان عمر شاء ان يشيع الاضطراب بمقالته بين الناس لينصرفوا اليها وتتجه الافكار نحوها تفنيدا او تاييدا ما دام ابو بكر غائبا، لئلا يتم فى امر الخلافه شىء ويحدث امر لا بد ان يحضره ابو بكر -على حد تعبيره وبعد ان اقبل ابو بكر اطمان باله، وامن من تمام البيعه للبيت الهاشمى ما دام للمعارضه صوت فى الميدان،وانصرف الى تلقط الاخبار حادسا بما سيقع، فظفر بخبرماكان يتوقعه.

  (الثالث) شكل الحكومه التى تمخضت عنها السقيفه، فقد تولى ابو بكر الخلافه، وابو عبيده المال، وعمر القضاء. وفى مصطلحنا اليوم ان الاول تولى السياسه العليا، والثانى تولى السياسه الاقتصاديه، والثالث تولى السلطات القضائيه، وهى الوظائف الرئيسيه فى مناهج الحكم الاسلامى. وتقسيم المراكز الحيويه فى الحكومه الاسلاميه يومئذ بهذا الاسلوب على الثلاثه الذين قاموا بدورهم المعروف فى سقيفه بنى ساعده لا ياتى بالصدفه على الاكثر ولا يكون مرتجلا.

  (الرابع) قول عمر حين حضرته الوفاه: ( لو كان ابوعبيده حيا لوليته ). وليست كفاءه ابى عبيده هى التى اوحت الى عمر بهذا التمنى، لانه كان يعتقد اهليه على للخلافه ومع ذلك لم يشا ان يتحمل امر الامه حيا وميتا.

  وليست امانه ابى عبيده التى شهد له النبى(ص) بها -بزعم الفاروق هى السبب فى ذلك، لان النبى(ص) لم يخصه بالاطراء، بل كان فى رجالات المسلمين يومئذ من ظفر باكثر من ذلك من الوان الثناء النبوى كما تقرر ذلك صحاح السنه والشيعه.

  (الخامس) اتهام الزهراء للحاكمين بالحزبيه السياسيه، كما سنرى فى الفصل الاتى.

  (السادس) قول امير المومنين -صلوات اللّه عليه للفاروق(رضى اللّه): احلب يا عمر حلبا لك شطره اشدد له اليوم امره ليرد عليك غدا.

  ومن الواضح انه يلمح الى تفاهم بين الشخصين على المعونه المتبادله واتفاق سابق على خطه معينه، والا فلم يكن يوم السقيفه نفسه ليتسع لتلك المحاسبات السياسيه التى تجعل لعمر شطرا من الحلب.

  (السابع) ما جاء فى كتاب معاويه بن ابى سفيان الى محمد بن ابى بكر (رضوان اللّه عليه) فى اتهام ابيه وعمر بالاتفاق على غصب الحق العلوى والتنظيم السرى لخطوط الحمله على الامام، اذ قال له فيما قال: فقد كنا وابوك نعرف فضل ابن ابى طالب وحقه لازما لنا مبرورا علينا، فلما اختار اللّه لنبيه (عليه الصلاه والسلام) ما عنده واتم وعده واظهر دعوته فابلج حجته وقبضه اليه (صلوات اللّه عليه) كان ابوك والفاروق اول من ابتزه حقه وخالفه على امره، على ذلك اتفقا واتسقا، ثم انهما دعواه الى بيعتهما فابطا عنهما وتلكا عليهما فهما به الهموم واراد به العظيم.

  ونحن نلاحظ بوضوح عطفه طلب ابى بكر وعمر للبيعه من الامام ب(ثم) على كلمتى اتفقا واتسقا، وهو قد يشعر بان الحركه كانت منظمه بتنظيم سابق، وان الاتفاق على الظفر بالخلافه كان سابقا على الايجابيات السياسيه التى قاما بها فى ذلك اليوم.

  ولا اريد ان اتوسع فى دراسه هذه الناحيه التاريخيه اكثر من هذا، ولكن هل لى ان الاحظ فى ضوء ذلك التقدير التاريخى، ان الخليفه لم يكن زاهدا فى الحكم كما صوره كثير من الباحثين، بل قد نجد فى نفس المداوره التى قام بها الخليفه فى السقيفه دليلا على تطلعه للامر، فانه بعد ان اعلن الشروط الاساسيه للخليفه شاء ان يحصر المساله فيه فتوصل الى ذلك بان ردد الامر بين صاحبيه اللذين لن يتقدما عليه، وكانت النتيجه الطبيعيه لهذا الترديد ان يتعين وحده للامر.

  فهذا الاسراع الملحوظ من الخليفه الى تطبيق تلك الصوره التى قدمها للخليفه الشرعى فى رايه على صاحبيه خاصه الذى لم يكن يودى الا اليه، كان معناه انه اراد ان يسلب الخلافه من الانصار، ويقرها فى شخصه فى آن واحد، ولذا لم يبد ترددا او ما يشبه التردد لما عرض الامر عليه صاحباه. وعمر نفسه يشهد لابى بكر بانه كان مداورا سياسيا بارعا فى يوم السقيفه فى حديث طويل له يصفه فيه بانه احسد قريش.

  ونجدفيما يروى عن الخليفتين فى ايام رسول اللّه(ص) ما يدل على هوى سياسى فى نفسيتهما، وانهما كانا يفكران فى شىء على اقل تقدير. فقد ورد فى طرق العامه ان رسول اللّه(ص) قال:

  (ان منكم من يقاتل على تاويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال ابو بكر: انا هو يا رسول اللّه، قال: لا، قال عمر: انا هو يارسول اللّه، قال: لا ولكن خاصف النعل يعنى عليا).

  والمقاتله على التاويل انما تكون بعد وفاه رسول اللّه(ص)، والمقاتل لا بد ان يكون امير الناس، فتلهف كل من ابى بكر وعمر على ان يكون المقاتل على التاويل مع ان القتال على التنزيل كان متيسرا لهما فى ايام رسول اللّه(ص) ولم يشاركا فيه بنصيب قد يدل على ذلك الجانب الذى نحاول ان نستكشفه فى شخصيتهما.

  بل اريد ان اذهب الى اكثر من هذا فالاحظ ان اناسا متعددين كانوا يعملون فى صالح ابى بكر وعمر وفى مقدمتهم عائشه وحفصه اللتان اسرعتا باستدعاء والديهما عندما طلب رسول اللّه(ص) حبيبه فى لحظاته الاخيره التى كانت تجمع دلائل الظروف على انهاالظرف الطبيعى للوصيه ولا بد انهما هما اللتان عنتهما الروايه التى تقول ان بعض نساء النبى ارسلن رسولا الى اسامه لتاخيره عن السفر. فاذا علمنا هذا، وعلمنا ان هذا لم يكن باذن النبى(ص) والا لما امره بالاسراع بالرحيل لما قدم عليه بعد ذلك، وان سفره مع من معه كان يعيق عن تحقق النتائج التى انتجها يوم السقيفه، خرجت لدينا قضيه مرتبه الحلقات على اسلوب طبيعى يعزز ما ذهبنا اليه من راى.

  ومذهب الشيعه فى تفسير ما قام به رسول اللّه(ص) من تجنيد جيش اسامه معروف، وهو انه احس بان اتفاقا ما بين جمله من اصحابه على امر معين، وقد يجعل هذا الاتفاق منهم جبهه معارضه لعلى.

  ونحن ان شككنا فى هذا فلا نشك فى ان النبى(ص) قد جعل ابا بكر وعليا فى كفتى الميزان مرارا امام المسلمين جميعا ليروا باعينهم انهمالايستويان فى الميزان العادل.والا فهل ترى اعفاء ابى بكر من قراءه التوبه على الكافرين بعد ان كلف بذلك امرا طبيعيا؟ ولماذا انتظر الوحى وصول الصديق الى منتصف الطريق لينزل على رسول اللّه(ص) ويامره باسترجاعه وارسال على للقيام بالمهمه؟ افكان عبثا او غفله او امرا ثالثا؟ وهو ان رسول اللّه(ص) احس بان المنافس المتحفز لمعارضه ابن عمه ووصيه هوابو بكر، فشاء وشاء له ربه تعالى ان يرسل ابا بكر ثم يرجعه بعد ان يتسامع الناس جميعا بارساله ليرسل عليا الذى هو كنفسه ليوضح للمسلمين مدى الفرق بين الشخصين وقيمه هذا المنافس الذى لم ياتمنه اللّه على تبليغ سوره الى جماعه، فكيف بالخلافه والسلطنه المطلقه؟! اذن فنخرج من هذا العرض الذى فرض علينا الموضوع ان نختصره بنتيجتين:

  (الاولى) ان الخليفه كان يفكر فى الخلافه ويهواها وقد اقبل عليها بشغف ولهفه.

  (الثانيه) ان الصديق والفاروق وابا عبيده كانوا يشكلون حزبا سياسيا مهما لا نستطيع ان نضع له صوره واضحه الخطوط، ولكنا نستطيع ان نوكد وجوده بدلائل متعدده، ولا ارى فى ذلك ما ينقص من شانهم او يحط من مقامهم، ولا باس عليهم ان يفكروا فى امور الخلافه ويتفقوا فيها على سياسه موحده اذا لم يكن لرسول اللّه(ص) نص فى الموضوع، ولا يبروهم اذا كان النص ثابتا بعدهم عن الهوى السياسى وارتجال فكره الخلافه فى ساعه السقيفه من المسووليه امام اللّه وفى حكم الضمير.

  تحليل الموقف فى قصه السقيفه

لست الان بصدد تحليل الموقف الذى اشتبك فيه الانصار مع ابى بكر وعمر وابى عبيده وشرح ما يدل عليه من نفسيه المجتمع الاسلامى ومزاجه السياسى، وتطبيق قصه السقيفه على الاصول العميقه فى الطبيعه العربيه، فان ذلك كله خارج عن الحدود القريبه للموضوع، وانما اريد ان الاحظ ان الحزب الثلاثى الذى قدر له ان يلى الامور يومئذ كان له معارضون على ثلاثه اقسام:

الصفحة السابقة

الصفحة التالية