الاول: الانصار الذين نازعوا الخليفه
وصاحبيه فى سقيفه بنى
ساعده ووقعت بينهم المحاوره السابقه التى انتهت
بفوز قريش
بسبب تركز فكره الوراثه الدينيه فى الذهنيه
العربيه، وانشقاق
الانصار على انفسهم، لتمكن النزعه القبليه من
نفوسهم.
الثانى: الامويون الذين كانوا يريدون ان ياخذوا من
الحكم
بنصيب ويسترجعوا شيئا من مجدهم السياسى
فى الجاهليه
وعلى راسهم ابو سفيان.
الثالث: الهاشميون واخصاوهم كعمار وسلمان وابى ذر
والمقداد رضوان اللّه عليهم وجماعات من الناس
الذين كانوا
يرون البيت الهاشمى هو الوارث الطبيعى لرسول
اللّه(ص)
بحكم الفطره ومناهج السياسه التى كانوا يالفونها.
واشتبك ابو بكر وصاحباه فى النزاع مع القسم الاول
فى سقيفه
بنى ساعده، وركزوا فى ذلك الموقف دفاعهم عما زعموا
من
حقوق على نقطه كانت ذات وجاهه فى نظر كثير من الناس،
فان قريشا ما دامت عشيره رسول اللّه(ص) وخاصته فهى
اولى
به من سائر المسلمين واحق بخلافته وسلطانه.
وقد انتفع ابو بكر وحزبه باجتماع الانصار فى
السقيفه من
ناحيتين:
(الاولى) ان الانصار سجلوا على انفسهم بذلك مذهبا لا
يسمح
لهم بان يقفوا بعد ذلك الى صف على ويخدموا قضيته
بالمعنى
الصحيح كما سنوضحه قريبا.
(الثانيه) ان ابا بكر الذى خدمته الظروف فاقامت منه
المدافع
الوحيد عن حقوق المهاجرين فى مجتمع الانصار لم يكن
ليتهيا له ظرف اوفق بمصالحه من ظرف السقيفه، اذ خلا
الموقف من اقطاب المهاجرين الذين لم يكن لتنتهى
المساله
فى محضرهم الى نتيجتها التى سجلتها السقيفه فى ذلك
اليوم.
وخرج ابو بكر من السقيفه خليفه وقد بايعه جمع من
المسلمين الذين اخذوا بوجهه نظره فى
مساله الخلافه او عز
عليهم ان يتولاها سعد بن عباده.
ولم يعبا الحاكمون بمعارضه الامويين وتهديد ابى
سفيان وما
اعلنه من كلمات الثوره بعد رجوعه من سفره الذى بعثه
فيه
رسول اللّه(ص) لجبايه الاموال، لعلمهم بطبيعه النفس
الامويه
وشهواتها السياسيه والماديه. فكان من السهل كسب
الامويين
الى جانب الحكم القائم كما صنع ابو بكر فاباح لنفسه
او اباح له
عمر بتعبير اصح كما تدل الروايه، ان يدفع لابى
سفيان جميع
ما فى يده من اموال المسلمين وزكواتهم ثم جعل
للامويين
بعد ذلك حظا من العمل الحكومى فى عده من المرافق
الهامه.
وهكذا نجح الحزب الحاكم فى نقطتين، ولكن هذا النجاح
جره
الى تناقض سياسى واضح، لان ظروف السقيفه كانت تدعو
الحاكمين الى ان يجعلوا للقرابه من رسول اللّه(ص)
حسابا فى
مساله الخلافه ويقروا مذهب الوراثه للزعامه
الدينيه. غير ان
الحال تبدلت بعد موقف السقيفه والمعارضه اتخذت لها
لونا
جديدا وواضحا كل الوضوح يتلخص فى ان قريشا اذا كانت
اولى
برسول اللّه(ص) من سائر العرب لانه منها فبنو هاشم
احق
بالامر من بقيه قريش.
وهذا ما اعلنه على حين قال: اذا احتج عليهم
المهاجرون
بالقرب من رسول اللّه(ص) كانت الحجه لنا على
المهاجرين
بذلك قائمه، فان فلجت حجتهم كانت لنا دونهم والا
فالانصار
على دعوتهم، واوضحه العباس لابى بكر فى حديث له معه
اذ
قال له: واما قولك نحن شجره رسول اللّه(ص) فانكم
جيرانها
ونحن اغصانها.
وقدكان على الذى تزعم معارضه الهاشميين مصدر رعب
شديد
فى نفوس الحاكمين، لان ظروفه الخاصه كانت تمده
بقوه على
لونين من العمل الايجابى ضدالحكومه القائمه:-
احدهما ضم الاحزاب الماديه الى جانبه كالامويين
والمغيره بن
شعبه وامثالهم ممن كانوا قد بداوا يعرضون اصواتهم
للبيع
ويفاوضون الجهات المختلفه فى اشترائها باضخم
الاثمان، كما
نعرف ذلك من كلمات ابى سفيان التى واجه بها خلافه
السقيفه يوم وصوله الى المدينه، وحديثه مع على
وتحريضه له
على الثوره، وميله الى جانب الخليفه، وسكوته عن
المعارضه
حينما تنازل له الخليفه عن اموال المسلمين التى كان
قد
جباها فى سفره، وموقف عتاب بن اسيد الذى سنشير الى
سره
فى هذا الفصل.
واذن فقد كان الهوى المادى مستوليا على جماعه من
الناس
يومئذ.
ومن الواضح ان عليا كان يتمكن من اشباع رغبتهم بما
خلفه
رسول اللّه(ص) من الخمس وغلات اراضيه فى المدينه
وفدك
التى كانت ذات نتاج عظيم كما عرفنا فى الفصل السابق.
والطورالاخر من المقاومه التى كان على مزودا
بامكانياتها ما
لمح اليه بقوله:(احتجوا بالشجره واضاعواالثمره)،
واعنى
بذلك ان الفكره العامه يومئذ التى اجمعت على
تقديس اهل البيت
والاعتراف لهم بالامتياز العظيم بقربهم من رسول
اللّه(ص)
كانت سندا قويا للمعارضه.
وقد راى الحزب الحاكم ان موقفه المادى حرج جدا، لان
اطراف المملكه التى تجبى منها الاموال لا تخضع
للحكم
الجديد الا اذا استقرت دعائمه فى العاصمه،
والمدينه بعد لم
تخضع له خضوعا اجماعيا.
ولئن كان ابو سفيان او غير ابى سفيان قد باع صوته
للحكومه،
فمن الممكن ان يفسخ المعامله اذا عرض عليه شخص آخر
اتفاقا اكثر منها ربحا، وهذا ما كان يستطيع على ان
يقوم به فى
كل حين. فيجب والحاله هذه ان تنتزع من على الذى لم
يكن
مستعدا للمقابله فى تلك الساعه الاموال التى صارت
مصدرا
من مصادر الخطر على مصالح الحزب الحاكم ليضمن بقاء
الانصار على نصرتهم، وعدم قدره المعارضين على
انشاء حزب
من اصحاب المطامع والاهواء يومذاك.
ولا يجوز ان نستبعد هذا التقدير لسياسه الفئه
المسيطره ما دام
منطبقا على طبيعه السياسه التى لا بد من انتهاجها.
وما دمنا
نعلم ان الصديق اشترى صوت الحزب الاموى بالمال،
فتنازل
لابى سفيان عن جميع ما كان عنده من اموال المسلمين،
وبالجاه ايضا اذ ولى ابن ابى سفيان، فقد جاء ان ابا
بكر لما
استخلف قال ابو سفيان: ما لنا ولابى فصيل انما هى
بنو
عبدمناف، فقيل له انه قد ولى ابنك قال: وصلته رحم.
فلا غرابه فى ان ينتزع من اهل البيت اموالهم المهمه
ليركز
بذلك حكومته، او ان يخشى من على(ع) ان يصرف حاصلات
فدك وغير فدك على الدعوه الى نفسه.
وكيف نستغرب ذلك من رجل كالصديق وهو الذى قد اتخذ
المال وسيله من وسائل الاغراء، واكتساب الاصوات
حتى اتهمته
بذلك معاصره له من مومنات ذلك الزمان فقد ورد ان
الناس
لما اجتمعوا على ابى بكر قسم قسما بين نساء
المهاجرين
والانصار، فبعث الى امراه من بنى عدى بن النجار
قسمها مع
زيد بن ثابت فقالت: ما هذا؟ قال: قسم قسمه ابو بكر
للنساء،
قالت: اتراشونى عن دينى؟ واللّه لا اقبل منه شيئا.
فردته عليه.
وانا لا ادرى من اين جاء الى الخليفه (رضى اللّه
تعالى عنه) هذا
المال ما دامت الزكوات التى جمعها الساعى قد صارت
من
نصيب بطنه وحدها، ان لم يكن من بقيه الاموال التى
خلفها
النبى(ص) وكان اهل البيت يطالبون بها.
وسواء اصح هذا التقدير او لا، فان المعنى الذى
نحاول فهمه من
هذه الروايه هو ان بعض معاصرى الصديق احس بما نحس به
على ضوء معلوماتنا التاريخيه عن تلك الايام.
ولا ننسى ان نلاحظ ان الظروف الاقتصاديه العامه
كانت تدعوا
الى الارتفاع بماليه الدوله والاهتمام باكثارها
استعدادا
للطوارى المترقبه، فلعل هذا حدى بالحاكمين الى
انتزاع
فدك، كما يتبين ذلك بوضوح من حديث لعمر مع ابى بكر
يمنعه فيه عن تسليم فدك الى الزهراء ويعلل ذلك بان
الدوله
فى حاجه الى المال لانفاقه فى توطيد الحكم، وتاديب
العصاه،
والقضاء على الحركات الانفصاليه التى قد يقوم بها
المرتدون.
ويظهر من هذا راى للخليفتين فى الملكيه الفرديه، هو
ان
للخليفه الحق فى مصادره اموال الناس لانفاقها فى
امور
المملكه وشوون الدوله العامه بلا تعويض، ولا
استئذان. فليس
للفرد ملكيه مستقره لامواله وعقاره فى حال احتياج
السلطات
الى شى ء منها. وقد ذهب الى هذا الراى كثير من
الخلفاء الذين
انتهى اليهم الامر بعد ابى بكر وعمر، فامتلا
تاريخهم
بالمصادرات التى كانوا يقومون بها، غير ان ابا بكر
لم يطبق هذا
الراى الا فى املاك بنت النبى(ص) خاصه.
وقدتردد الحزب الحاكم فى معالجه الاسلوب الثانى من
المعارضه بين اثنتين:-
(احداهما) ان لا يقر للقرابه بشان فى الموضوع، ومعنى
هذا انه
ينزع عن خلافه ابى بكر ثوبها الشرعى الذى البسها
اياه.
(والاخرى) ان يناقض نفسه فيظل ثابتا على مبادئه التى
اعلنها
فى السقيفه، ولا يرى حقا للهاشميين ولا امتيازا لهم
فى
مقاييس الرجال، او يراه لهم ولكن فى غير ذلك الظرف
الذى
يكون معنى المعارضه فيه مقابله حكم قائم ووضع تعاقد
عليه
الناس.
واختارت الفئه المسيطره ان تثبت على آرائها التى
روجتها فى
موتمر الانصار وتعترض على المعارضين بان مخالفتهم
بعد
بيعه الناس للخليفه ليست الا احداثا للفتنه
المحرمه فى عرف
الاسلام. وهذا هو الاسلوب الوقتى الذى اتخذه
الحاكمون
للقضاء على هذا الجانب من المعارضه الهاشميه، وقد
ساعدتهم
الظروف الاسلاميه الخاصه يومئذ على نجاحه كما
سنوضحه.
غير اننا نحس ونحن ندرس سياسه الحاكمين بانهم
انتهجوا
منذ اللحظه الاولى سياسه معينه تجاه آل محمد(ص)
للقضاء
على الفكره التى امدت الهاشميين بقوه على المعارضه
كما
خنقوا المعارضه نفسها. ونستطيع ان نصف هذه السياسه
بانها
تهدف الى الغاء امتياز البيت الهاشمى، وابعاد
انصاره
والمخلصين له عن المرافق الهامه فى جهاز الحكومه
الاسلاميه
يومئذ وتجريده عما له من الشان والمقام الرفيع فى
الذهنيه
الاسلاميه.
وقد يعزز هذا الراى عده ظواهر تاريخيه:
(الاولى) سيره الخليفه واصحابه مع على التى بلغت من
الشده
ان عمر هدد بحرق بيته وان كانت فاطمه فيه، ومعنى هذا
اعلان ان فاطمه وغير فاطمه من آلها ليس لهم حرمه
تمنعهم
عن ان يتخذ معهم نفس الطريقه التى سار عليها مع سعد
بن
عباده حين امر الناس بقتله. ومن صور ذلك العنف
وصف الخليفه لعلى بانه مرب لكل فتنه وتشبيهه له
بام طحال
احب الى اهلها اليها البغى، وقد قال عمر لعلى بكل
وضوح: ان
رسول اللّه(ص) منا ومنكم.
(الثانيه) ان الخليفه الاول لم يشارك شخصا من
الهاشميين
فى شان من شوون الحكم المهمه، ولا جعل فيهم واليا
على
شبر من المملكه الاسلاميه الواسعه مع ان نصيب
الامويين فى
ذلك كان عظيما.
وانت تفهم بوضوح ان هذا وليد سياسه متعمده من
محاوره
وقعت بين عمر وابن عباس اظهر فيها تخوفه من توليه
الثانى
حمص، لانه يخشى اذا صار الهاشميون ولاه على اقطار
المملكه الاسلاميه ان يموت وهم كذلك فيحدث فى امر
الخلافه ما لا يريد.
ونحن اذا عرفنا من راى عمر ان ظفر ببيت من البيوت
الطامحه الى السلطان بالولايه فى الاقطار
الاسلاميه يهيوهم
لنيل الخلافه والمركز الاعلى، ولاحظنا ان الامويين
ذوى
الالوان السياسيه الواضحه كان فيهم ولاه احتلوا
الصداره فى
المجالات الاداريه ايام ابى بكر وعمر، واضفنا الى
ذلك انه كان
يعلم على اقل تقدير بان الشورى التى ابتكرها سوف
تجعل من
شيخ الامويين عثمان خليفه، خرجنا بنتيجه مهمه
وتقدير
تاريخى تدل على صحته عده من الظواهر، وهو ان
الخليفتين
كانا يهيئان للسلطان الاموى اسبابه ومعداته، وهما
يعلمان حق
العلم ان انشاء كيان سياسى من جديد للامويين خصوم
بنى
هاشم القدامى معناه تقديم المنافس للهاشميين فى
زعيم
اموى، وتطور المعارضه الفرديه للبيت الهاشمى الى
معارضه
بيت مستعد للنزاع والمنافسه اكمل استعداد.
ومن شان هذه المعارضه انها تطول وتتسع لانها ليست
متمثله
فى شخص بل فى بيت كبير، ونستطيع ان نفهم من هذا ان
سياسه الصديق وعمر هى التى وضعت الحجر الاساسى لملك
بنى اميه حتى يضمنا بذلك المنافس لعلى وآل على على
طول
الخط.
(الثالثه) عزل الخليفه لخالد بن سعيد بن العاص عن
قياده
الجيش الذى وجهه لفتح الشام بعد ان اسندها اليه لا
لشى ء الا
لان عمر نبهه الى نزعته الهاشميه وميله الى آل
محمد(ص)،
وذكره بموقفه تجاههم بعد وفاه رسول اللّه(ص).
ولو كنا نريد التوسع فى دراسه هذه الناحيه لعطفنا
على هذه
الشواهد قصه الشورى العمريه التى نزل فيها عمر (رضى
اللّه
تعالى عنه) بعلى(ع) الى صف اشخاص خمسه لا يكافئون
عليا
فى شى ء من معانيه المحمديه، وقد كان الزبير وهو
احد
الخمسه يرى يوم توفى رسول اللّه(ص) ان الخلافه حق
شرعى
لعلى، فلاحظ كيف انتزع عمر هذا الراى من عقله واعده
للمنافسه بعد حين، اذ جعله احد السته الذين فيهم
على.
واذن فقد كانت الفئه الحاكمه تحاول ان تساوى بين
بنى هاشم
وسائر الناس وترتفع برسول اللّه(ص) عن الاختصاص بهم
لتنتزع بذلك الفكره التى كانت تزود الهاشميين
بطاقه على
المعارضه. ولئن اطمان الحاكمون الى ان عليا لا يثور
عليهم
فى تلك الساعه الحرجه على الاسلام، فهم لا يامنون
من
انتفاضه بعد ذلك فى كل حين، ومن الطبيعى حينئذ ان
يسارعوا الى الاجهاز على كلتا قوتيه الماديه
والمعنويه ما دامت
الهدنه قائمه قبل ان يسبقهم الى حرب اكول.
ومن المعقول بعد هذا ان يقف الخليفه موقفه التاريخى
المعروف من الزهراء فى قضيه فدك، فهو موقف تلاقى
فيه
الغرضان وتركز على الخطين الاساسيين لسياسته، لان
الدواعى التى بعثته الى انتزاع فدك كانت تدعوه الى
الاستمرار
على تلك الخطه ليسلب بذلك من خصمه الثروه التى كانت
سلاحا قويا فى عرف الحاكمين يومذاك، ويعزز بها
سلطانه، والا
فما الذى كان يمنعه عن تسليم فدك للزهراء بعد ان
اعطته
الوعد القاطع بان تصرف منتوجاتها فى سبيل الخير
ووجوه
المصلحه العامه؟!الاانه خاف منها ان تفسر وعدها بما
يتفق مع
صرفها لغلا ت فدك فى المجالات السياسيه. وما الذى
صده
عن ارضاء فاطمه بالتنازل لها عن حصته ونصيب الصحابه
اذا
صح ان فدك ملك للمسلمين سوى انه اراد ان يقوى بها
خلافته؟
وايضا فاننا اذا عرفنا ان الزهراء كانت سندا قويا
لقرينها فى
دعوته الى نفسه، ودليلا يحتج به انصار الامام على
احقيته
بالامر، نستوضح ان الخليفه كان موفقا كل التوفيق فى
موقفه
تجاه دعوى الزهراء للنحله، وجاريا على المنهج
السياسى الذى
كان يفرضه عليه الظرف الدقيق، اذ اغتنم الفرصه
المناسبه
لافهام المسلمين بصوره لبقه، وعلى اسلوب غير مباشر
بان
فاطمه امراه من النساء ولا يصح ان توخذ آراوها
ودعاويها دليلا
فى مساله بسيطه كفدك فضلا عن موضوع كالخلافه ،
وانها اذا
كانت تطلب ارضا ليس لها بحق فمن الممكن ان تطلب
لقرينها
المملكه الاسلاميه كلها وليس له فيها حق.
ونخرج من البحث بنتيجه وهى ان تاميم الصديق لفدك
يمكن
تفسيره:
1 - بان الظرف الاقتصادى دعى الى ذلك.
2 - بان ابا بكر خشى ان يصرف على ثروه قرينته فى سبيل
التوصل الى السلطان.
وان موقفه من دعاوى الزهراء بعد ذلك واستبساله فى
رفضها
قد يكون مرده الى هذين السببين:
1 - الى مشاعر عاطفيه كانت تنطوى عليها نفس
الخليفه(رضى اللّه) عرضنا لجمله من اسبابها فيما
سبق.
2 - وحده سياسيه عامه بنى عليها الصديق سيرته مع
الهاشميين وقد تبيناها من ظواهر الحكم يومئذ.
الامام على(ع) خصائصه وموقفه من الخلافه
لعل اعظم رقم قياسى ضربه امير المومنين عليه الصلاه
والسلام للتضحيه فى سبيل الاسلام والاخلاص للمبدا
اخلاصا
جرده عن جميع الاعتبارات الشخصيه واقام منه حقيقه
ساميه
سمو المبدا ما بقى للمبدا حياه هو الرقم الذى سجله
بموقفه
من خلافه الشورى وقدم بذلك فى نفسه مثلا اعلى
للتفانى فى
المبدا الذى صار شيئا من طبيعته.
ان كان رسول اللّه(ص) قد تمكن من محو ضلال الوثنيه،
فقد
استطاع ان يجعل من على بما افاض عليه من حقائق نفسه
عينا
ساهره على القضيه الالهيه، فنامت فيه الحياه
الانسانيه باهوائها
ومشاعرها وصار يحيا بحياه المبدا والعقيده.
وان كان للتضحيه الانسانيه الفاضله كتاب فاعمال
على عنوان
ذلك الكتاب المشع باضواء الخلود.
وان كان لمبادى السماء التى جاء بها محمد(ص) تعبير
عملى
على وجه الارض فعلى هو تعبيرها الحى على مدى الدهور
والاجيال.
وان كان النبى(ص) قد خلف فى امته عليا والقرآن فانما
جمع
بينهما ليكون القرآن تفسيرا لمعانى على العظيم،
ولتكون
معانى على انموذجا لمثل القرآن الكريم.
وان كان اللّه تعالى قد جعل عليا نفس رسول اللّه(ص)
فى آيه
المباهله فلاجل ان يفهم المسلمون انه امتداد طبيعى
لمحمد(ص) وشعاع متالق من روحه العظيمه.
وان كان النبى(ص) قد خرج من مكه مهاجرا خائفا على
نفسه
وخلف عليا على فراشه ليموت بدلا عنه، فمعنى ذلك ان
المبدا
المقدس هو الذى كان يرسم للعظيمين خطوط حياتهما،
واذا
كان لا بد للقضيه الالهيه من شخص تظهر به وآخر يموت
فى
سبيلها، فيلزم ان يبقى رجلها الاول لتحيا به، ويقدم
رجلها
الثانى نفسه قربانا لتحيا به ايضا.
وان كان على هو الذى اباحت له السماء خاصه النوم فى
المسجد والدخول فيه جنبا فمفهوم هذا الاختصاص ان فى
معانيه معنى المسجد لان المسجد رمز السماء الصامت
فى دنيا
الماده وعلى هو الرمز الالهى الحى فى دنيا الروح
والعقيده.
وان كانت السماء قد امتدحت فتوه على واعلنت عن
رضاها
عليه اذ قال المنادى: لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى
الا على،
فانها عنت بذلك ان فتوه على وحدها هى الرجوله
الكامله التى
لا يرتفع الى مداها انسان ولاترقى الى افقها بطوله
الابطال
واخلاص المخلصين.
ومن مهزله الاقدار ان هذه الفتوه التى قدسها الهاتف
الالهى
كانت عيبا فى راى مشايخ السقيفه ونقصا فى على يواخذ
عليه
وينزل به عن الصديق الذى لم يكن يمتاز عليه الا
بسنين
قضاها كافرا مشركا. وانالاادرى كيف صار الازدواج
بين
الجاهليه والاسلام فى حياه شخص واحد مجدا يمتاز به
عمن
خلصت حياته كلها للّه.
ولئن ظهرت للناس فى البحوث الجديده القوه الطبيعيه
التى
تجعل الاجسام الدائره حول المحور تسير على خط معين،
فلقد
ظهرت فى على قبل مئات السنين قوه مثلها ولكنها ليست
من
حقائق الفيزياء، بل من قوى السماء وهى التى جعلت
من على
مناعه طبيعيه للاسلام حفظت له مقامه الاعلى ما دام
الامام
حيا، ومحورا تدور عليه الحياه الاسلاميه لتستمد
منه
روحانيتها وثقافتها وروحها وجوهرها سواء اكان على
راس
الحكم او لا.
وقد عملت هذه القوه عملها السحرى فى عمر نفسه،
فجذبته
الى خطوطها المستقيمه مرارا حتى قال: لولا على لهلك
عمر،
وظهر تاثيرها الجبار فى التفاف المسلمين حوله فى
اليوم الذى
اسندت فيه مقدرات الخلافه الى عامه المسلمين، ذلك
الالتفاف الفذ الذى يقل مثيله فى تاريخ الشعوب.
ونعرف من هذا ان عليا بما جهزته السماء به من تلك
القوه،
كان ضروره من ضرورات الاسلام التى لا بد منها
وشمسا يدور
عليها الفلك الاسلامى بعد النبى(ص) بحسب طبيعته
التى لا
يمكن ان تقاوم حتى التجا الفاروق الى مسيرتها كما
عرفت.
ويتجلى لدينا ايضا ان الانقلاب الفجائى فى السياسه
الحاكمه
لم يكن ممكنا يومئذ لانه -مع كونه طفره يناقض تلك
القوه
الطبيعيه المركزه فى شخصيه الامام، فكان من
الطبيعى ان
تسير السياسه الحاكمه فى خط منحن حتى تبلغ النقطه
التى
وصل اليها الحكم الاموى، تفاديا من تاثير تلك القوه
الساهره
على الاعتدال والانتظام كما ينحنى السائق بسيارته
عندما
ينحرف بها الى نقطه معاكسه تحذرا من القوه الطبيعيه
التى
تفرض الاعتدال فى السير. وهذا الفصل الرائع من عظمه
الامام
يستحق دراسه وافيه مستقله قد نقوم بها فى بعض الفرص
لنكشف بها عن شخصيه على المعارض للحكم والساهر على
قضيه الاسلام والموفق بين حمايه القوه الحاكمه من
الانحراف
وبين معارضتها فى نفس الوقت.
وان كانت مواقف الامام كلها رائعه، فموقفه من
الخلافه بعد
رسول اللّه(ص) من اكثرها روعه.
وان كانت العقيده الالهيه تريد فى كل زمان بطلا
يفتديها
بنفسه،فهى تريد ايضا بطلا يتقبل القربان ويعزز به
المبدا، وهذا
هو الذى بعث بعلى الى فراش الموت وبالنبى(ص) الى
مدينه
النجاه يوم الهجره الاغر كما اشرنا اليه قريبا، ولم
يكن ليتهيا
للامام فى محنته بعد وفاه اخيه ان يقدم لها كلا
البطلين، لانه
لو ضحى بنفسه فى سبيل توجيه الخلافه الى مجراها
الشرعى
فى رايه لما بقى بعده من يمسك الخيط من طرفيه، وولدا
رسول اللّه(ص) طفلان لا يتهيا لهما من الامر ما يريد.
وقف على عند مفترق طريقين كل منهما حرج وكل منهما
شديد على نفسه:-
(احدهما) ان يعلن الثوره المسلحه على خلافه ابى بكر.
(والاخر) ان يسكت وفى العين قذى، وفى الحلق شجا،
ولكن
ماذا كان يترقب للثوره من نتائج؟ هذا ما نريد ان
نتبينه على
ضوء الظروف التاريخيه لتلك الساعه العصيبه.
ان الحاكمين لم يكونوا ينزلون عن مراكزهم بادنى
معارضه وهم
من عرفناهم حماسه وشده فى امر الخلافه. ومعنى هذا
انهم
سيقابلون ويدافعون عن سلطانهم الجديد، ومن المعقول
جدا
حينئذ ان يغتنم سعد بن عباده الفرصه ليعلنها حربا
اخرى فى
سبيل اهوائه السياسيه، لاننا نعلم انه هدد الحزب
المنتصر
بالثوره عندما طلب منه البيعه وقال: (لا واللّه حتى
ارميكم بما
فى كنانتى واخضب سنان رمحى واضرب بسيفى واقاتلكم
باهل
بيتى ومن اطاعنى ولو اجتمع معكم الانس والجن ما
بايعتكم).
واكبر الظن انه تهيب الاقدام على الثوره ولم يجرا
على ان
يكون اول شاهر للسيف ضد الخلافه القائمه، وانما
اكتفى
بالتهديد الشديد الذى كان بمثابه اعلان الحرب،
واخذ يترقب
تضعضع الاوضاع ليشهر سيفه بين السيوف، فكان حريا به
ان
تثور حماسته ويزول تهيبه ويضعف الحزب القائم فى
نظره اذا
راى صوتا قويا يجهر بالثوره فيعيدها جذعه ويحاول
اجلاء
المهاجرين من المدينه بالسيف كما اعلن ذلك المتكلم
عن
لسانه فى مجلس السقيفه.
ولا ننسى بعد ذلك الامويين وتكتلهم السياسى فى سبيل
الجاه
والسلطان، وما كان لهم من نفوذ فى مكه فى سنواتها
الجاهليه
الاخيره، فقد كان ابو سفيان زعيمها فى مقاومه
الاسلام
والحكومه النبويه، وكان عتاب ابن اسيد بن ابى العاص
بن اميه
اميرها المطاع فى تلك الساعه.
واذا تاملنا ما جاء فى تاريخ تلك الايام من ان رسول
اللّه(ص) لما
توفى ووصل خبره الى مكه وعامله عليها عتاب بن اسيد
بن ابى
العاص بن اميه استخفى عتاب وارتجت المدينه وكاد
اهلها
يرتدون، فقد لا نقتنع بما يعلل به رجوعهم عن
الارتداد من
العقيده والايمان. كما انى لا اومن بان مرد ذلك
التراجع الى
انهم راوا فى فوز ابى بكر فوزهم وانتصارهم على اهل
المدينه
كما ذهب اليه بعض الباحثين، لان خلافه ابى بكر كانت
فى
اليوم الذى توفى فيه رسول اللّه(ص) واكبر الظن ان
خبر
الخلافه جاءهم مع خبر الوفاه، بل تعليل القضيه فى
رايى ان
الامير الاموى عتاب بن اسيد شاء ان يعرف اللون
السياسى الذى
اتخذته اسرته فى تلك الساعه، فاستخفى واشاع بذلك
الاضطراب حتى اذا عرف ان ابا سفيان قد رضى بعد سخط
وانتهى مع الحاكمين الى نتائج فى صالح البيت الاموى
ظهر
مره اخرى للناس واعاد الامور الى مجاريها. وعليه
فالصله
السياسيه بين رجالات الامويين كانت قائمه فى ذلك
الحين.
وهذا التقدير يفسر لنا القوه التى تكمن وراء اقوال
ابى سفيان
حينما كان ساخطا على ابى بكر واصحابه، اذ قال: انى
لارى
عجاجه لا يطفيها الا الدم، وقال عن على والعباس: اما
والذى
نفسى بيده لارفعن لهما من اعضادهما. فالامويون قد
كانوا
متاهبين للثوره والانقلاب، وقد عرف على منهم ذلك
بوضوح
حينما عرضوا عليه ان يتزعم المعارضه ولكنه عرف انهم
ليسوا
من الناس الذين يعتمد على تاييدهم، وانما يريدون
الوصول الى
اغراضهم عن طريقه، فرفض طلبهم، وكان من المنتظر
حينئذ
ان يشقوا عصا الطاعه اذا راوا الاحزاب المسلحه
تتناحر، ولم
يطمئنوا الى قدره الحاكمين على ضمان مصالحهم،
ومعنى
انشقاقهم حينئذ اظهارهم للخروج عن الدين وفصل مكه
عن
المدينه.
واذن فقد كانت الثوره العلويه فى تلك الظروف اعلانا
لمعارضه
دمويه تتبعها معارضات دمويه ذات اهواء شتى، وكان
فيها تهيئه
لظرف قد يغتنمه المشاغبون ثم المنافقون.
ولم تكن ظروف المحنه تسمح لعلى بان يرفع صوته وحده
فى
وجه الحكم القائم، بل لتناحرت ثورات شتى، وتقاتلت
مذاهب
متعدده الاهداف والاغراض، ويضيع بذلك الكيان
الاسلامى فى
اللحظه الحرجه التى يجب ان يلتف فيها المسلمون حول
قياده
موحده، ويركزوا قواهم لصد ما كان يترقب ان تتمخض
عنه
الظروف الدقيقه من فتن وثورات.
ان عليا الذى كان على اتم استعداد لتقديم نفسه
قربانا للمبدا
فى جميع ادوار حياته منذ ان ولد فى البيت الالهى
والى ان
قتل فيه، قد ضحى بمقامه الطبيعى ومنصبه الالهى فى
سبيل
المصالح العليا التى جعله رسول اللّه(ص) وصيا عليها
وحارسا
لها.
ولفقدت بذلك الرساله المحمديه الكبرى بعض معناها،
فان
رسول اللّه(ص) لما امره ربه بتبليغ دعوته والانذار
برسالته
جمع بنى عبدالمطلب واعلن عن نبوته بقوله: (انى
واللّه ما
اعلم شابا فى العرب جاء قومه بافضل مما قد جئتكم به).
وعن
امامه اخيه بقوله: (ان هذا اخى ووصيى وخليفتى فيكم
فاسمعوا له واطيعوا) ومعنى ذلك ان امامه على تكمله
طبيعيه
لنبوه محمد(ص) وان الرساله السماويه قد اعلنت عن
نبوه
محمد الكبير(ص) وامامه محمد الصغير فى وقت واحد.
ان عليا الذى رباه رسول اللّه(ص) وربى الاسلام معه -
فكانا
ولديه العزيزين - كان يشعر باخوته لهذا الاسلام. وقد
دفعه هذا
الشعور الى افتداء اخيه بكل شى ءحتى انه اشترك فى
حروب
الرده التى اعلنها المسلمون يومذاك، ولم يمنعه
تزعم غيره
لهاعن القيام بالواجب المقدس، لان ابا بكر ان
كان قد ابتزه حقه
ونهب تراثه، فالاسلام قد رفعه الى القمه وعرف له
اخوته
الصادقه وسجلها باحرف من نور على صفحات
الكتاب الكريم.
وصمد الامام على ترك الثوره ولكن ماذا يفعل؟ واى
اسلوب
يتخذه لموقفه؟ هل يحتج على الفئه الحاكمه بنصوص
النبى(ص) وكلماته التى اعلنت ان عليا هو القطب
المعد لان
يدور عليه الفلك الاسلامى والزعيم الذى قدمته
السماء الى
اهل الارض؟؟
تردد هذا السوال فى نفسه كثيرا ثم وضع له الجواب
الذى
تعينه ظروف محنته وتلزمه به
طبيعه الاوضاع القائمه، فسكت
عن النص الى حين.
مساله عدم الاحتجاج بالنص
ونحن نتبين من الصوره المشوشه التى عرفناها عن تلك
الظروف والاوضاع ان الاعتراض بتلك النصوص المقدسه
والاحتجاج بها فى ساعه ارتفع فيها المقياس الزئبقى
للافكار
المحمومه والاهواء الملتهبه التى سيطرت على الحزب
الحاكم
الى الدرجه العاليه،كان من التقدير المعقول
افتراض النتائج
السيئه له، لان اكثر النصوص التى صدرت من رسول
اللّه(ص)
فى شان الخلافه لم يكن قد سمعها الامواطنوه فى
المدينه من
مهاجرين وانصار، فكانت تلك النصوص اذن الامانه
الغاليه عند
هذه الطائفه التى لا بدان تصل عن طريقهم الى سائر
الناس فى
دنيا الاسلام يومئذ والى الاجيال المتعاقبه
والعصور المتتاليه.
ولو احتج الامام على جماعه اهل المدينه بالكلمات
التى
سمعوها من رسول اللّه(ص) فى شانه واقام منها دليلا
على
امامته وخلافته لكان الصدى الطبيعى لذلك ان يكذب
الحزب
الحاكم صديق الامه فى دعواه وينكر تلك النصوص التى
تمحو
من خلافه الشورى لونها الشرعى وتعطل منها معنى
الدين.
وقد لا يجد الحق صوتا قويا يرتفع به فى قبال ذلك
الانكار، لان
كثيرا من قريش وفى مقدمتهم الامويون كانوا طامحين
الى
مجد السلطان ونعيم الملك، وهم يرون فى تقديم
الخليفه
على اساس من النص النبوى تسجيلا لمذهب الامامه
الالهيه.
ومتى تقررت هذه النظريه فى عرف الحكم الاسلامى كان
معناها حصر الخلافه فى بنى هاشم آل محمد الاكرمين
وخروج
غيرهم من المعركه خاسرا. وقد نلمح هذا اللون من
التفكير فى
قول عمر لابن عباس معللا اقصاء على عن الامر: (ان
قومكم
كرهوا ان يجمعوا لكم الخلافه والنبوه) فقد يدلنا هذا
على ان
اسناد الامر الى على فى بدايه الامر كان معناه فى
الذهنيه
العامه حصر الخلافه فى الهاشميين، وليس لذلك تفسير
اولى
من ان المفهوم لجمهره من الناس يومئذ من الخلافه
العلويه
تقرير شكل ثابت للخلافه يستمد شرعيته من نصوص
السماء لا
من انتخاب المنتخبين. فعلى ان وجد نصيرا من عليه
قريش
يشجعه على مقاومه الحاكمين، فانه لا يجد منهم
عضدا فى
مساله النص اذا تقدم الى الناس يحدثهم ان رسول
اللّه(ص) قد
سجل الخلافه لاهل بيته حين قال: انى مخلف فيكم
الثقلين:
كتاب اللّه، وعترتى اهل بيتى الخ.
واما الانصار فقد سبقوا جميع المسلمين الى
الاستخفاف بتلك
النصوص، والاستهانه بها، اذ حدت بهم الشراهه الى
الحكم الى
عقد موتمر فى سقيفه بنى ساعده ليصفقوا على يد واحد
منهم.
فلن يجد على فيهم اذا استدل بالنصوص النبويه جنودا
للقضيه
العادله وشهودا عليها، لانهم اذا شهدوا على ذلك
يسجلون على
انفسهم تناقضا فاضحا فى يوم واحد وهذا ما يابونه
على انفسهم
بطبيعه الحال.
وليس فى مبايعه الاوس لابى بكر او قول من قال: لا
نبايع
الاعليا مناقضه كتلك المناقضه، لان المفهوم
البديهى من
تشكيل موتمر السقيفه ان مساله الخلافه مساله
انتخاب لا نص،
فليس الى التراجع عن هذا الراى فى يوم اعلانه من
سبيل.
واما اعتراف المهاجرين بالامر فلا حرج فيه لان
الانصار لم
يجتمعوا على راى واحد فى السقيفه وانما كانوا
يتذاكرون
ويتشاورون، ولذا نرى الحباب بن المنذر يحاول بث
الحماسه
فى نفوسهم والاستماله بهم الى رايه بما جلجل به فى
ذلك
الاجتماع من كلام وهو يوضح انهم جمعوا لتاييد فكره
لم يكن
يومن بها الا بعضهم.
واذن فقد كان الامام يقدر انه سوف يدفع الحزب
الحاكم الى
انكار النصوص الاستبسال فى هذا الانكار اذا جاهر
بها ولا يقف
الى جانبه حينئذ صف ينتصر له فى دعواه، لان الناس
بين من
قادهم الهوى السياسى الى انكار عملى للنص يسد عليهم
مجال التراجع بعد ساعات، وبين من يرى ان فكره النص
تجعل
من الخلافه وقفا على بنى هاشم لا ينازعهم فيها
منازع. واذا
سجلت الجماعه الحاكمه وانصارها انكارا للنص واكتفى
الباقون
بالسكوت فى الاقل فمعنى هذا ان النص يفقد قيمته
الواقعيه
وتضيع بذلك مستمسكات الامامه العلويه كلها ويومن
العالم
الاسلامى الذى كان بعيدا عن مدينه النبى(ص) على
انكار
المنكرين لانه منطق القوه الغالب فى ذلك الزمان.
ولنلاحظ ناحيه اخرى فان عليا لو ظفر بجماعه توافقه
على دعواه، وتشهدله بالنصوص النبويه المقدسه،
وتعارض انكار
الفئه الحاكمه، كان معنى ذلك ان ترفض هذه الجماعه
خلافه
ابى بكر وتتعرض لهجوم شديد من الحاكمين ينتهى بها
الى الاشتراك فى حرب مع الحزب الحاكم المتحمس
لكيانه
السياسى الى حد بعيد، فانه لا يسكت عن هذا
اللون من المعارضه الخطره. فمجاهره على بالنص
كانت تجره
الى المقابله العمليه، وقد عرفناسابقا انه لم يكن
مستعدا لاعلان
الثوره على الوضع القائم والاشتراك مع
السلطات المهيمنه
فى قتال.
ولم يكن للاحتجاج بالنص اثر واضح من ان تتخذ
السياسه
الحاكمه احتياطاتها واساليبها الدقيقه لمحو تلك
الاحاديث
النبويه من الذهنيه الاسلاميه، لانها تعرف حينئذ
ان فيها قوه
خطر على الخلافه القائمه وماده خصبه لثوره
المعارضين فى
كل حين. وانى اعتقد ان عمر لو التفت الى ما تنبه اليه
الامويون
بعد ان احتج الامام بالنصوص فى ايام خلافته،
واشتهرت بين
شيعته، من خطرها لاستطاع ان يقطعها من اصولها،
ويقوم بما
لم يقدر الامويون عليه من اطفاء نورها. وكان اعتراض
الامام
بالنص فى تلك الساعه ينبهه الى ما يجب ان ينتهجه من
اسلوب فاشفق على النصوص المقدسه ان تلعب بها
السياسه
وسكت عنها على مضض، واستغفل بذلك خصومه، حتى ان
عمر
(رضى اللّه تعالى عنه) نفسه صرح بان عليا هو ولى
كل مومن
ومومنه بنص النبى(ص).
ثم الم يكن من المعقول ان يخشى الامام على كرامه
حبيبه
واخيه رسول اللّه(ص) ان تنتقض وهى اغلى عنده من
كل نفيس
- اذا جاهر بنصوص النبى(ص) - وهو لم ينس
موقف الفاروق من
رسول اللّه(ص) حين طلب دواه ليكتب كتابا لا يضل
الناس
بعده ابدا، فقال عمر:(ان النبى ليهجر او قد
غلب عليه الوجع).
وقداعترف فيمابعد لابن عباس ان رسول اللّه(ص) كان
يريد ان
يعين عليا للخلافه وقد صده عن ذلك خوفا
من الفتنه.
وسواء اكان رسول اللّه(ص) يريد ان يحرر حق على فى
الخلافه
او لا، فان المهم ان نتامل موقف عمر من طلبه، فهو
اذا كان
مستعدا لاتهام النبى(ص) وجها لوجه بما ينزهه عنه نص
القرآن، وضروره الاسلام، خوفا من الفتنه، فما الذى
يمنعه عن
اتهام آخر له بعد وفاته مهما تلطفنا فى تقديره فلا
يقل عن
دعوى ان رسول اللّه(ص) لم يصدر عن امر اللّه فى موضوع
الخلافه، وانما استخلف عليا بوحى من عاطفته، بل
كان هذا
اولى من تلك المعارضه لان الفتنه التى تقوم بدعوى
على
النص اشد مما كان يترقبه عمرمن اضطراب فيما اذا
كان
النبى(ص) قد خلف نصا تحريريا بامامه على يعلمه
الجميع.
واذا كان رسول اللّه(ص) قد ترك التصريح بخلافه على
فى
ساعته الاخيره لقول قاله عمر، فان المفهوم ان يترك
الوصى
الاحتجاج بالنصوص خوفا من قول قد يقوله.
ونتيجه هذا البحث ان سكوت اميرالمومنين عن النص الى
حين، كان يفرضه عليه:
1 - انه لم يكن يجد فى رجالات تلك الساعه من
يطمئن الى
شهادته بذلك.
2 - ان الاعتراض بالنصوص كان من الحرى به ان يلفت
انظار
الحاكمين الى قيمتها الماديه، فيستعملون شتى
الاساليب
لخنقها.
3 - ان معنى الاعتراض بها التهيو للثوره باوسع
معانيها، وهذا ما
لم يكن يريده الامام.
4 - ان اتهام عمر للنبى(ص) فى آخر ساعاته عرف عليا
بمقدار
تفانى الحاكمين فى سبيل مراكزهم، ومدى استعدادهم
لتاييدها والمدافعه عنها وجعله يخاف من تكرر شى ء
من ذلك
فيما اذا اعلن عن نصوص امامته.
المواجهه السلميه
انتهى الامام الى قرار حاسم، وهو ترك الثوره وعدم
التسلح
بالنصوص فى وجه الحاكمين جهارا وعلانيه الا اذا
اطمان الى
قدرته على تجنيد الراى العام ضد ابى بكر وصاحبيه،
وهذا ما
اخذ يحاوله على فى محنته آنذاك.
فبدا يطوف سرا على زعماء المسلمين ورجالات
المدينه،
يعظهم ويذكرهم ببراهين الحق وآياته، والى جانبه
قرينته تعزز
موقفه وتشاركه فى جهاده السرى، ولم يكن يقصد بذلك
التطواف انشاء حزب يتهيا له القتال به لاننا نعرف
ان عليا كان
له حزب من الانصار هتف باسمه، وحاول الالتفاف حوله
وانما
اراد ان يمهد بتلك المقابلات لاجماع الناس عليه.
وهنا تجى ء مساله فدك لتحتل الصداره فى السياسه
العلويه
الجديده، فان الدور الفاطمى الذى رسم هارون النبوه
خطوطه
باتقان، كان متفقا مع ذلك التطواف الليلى فى فلسفته
وجديرا
بان يقلب الموقف على الخليفه وينهى خلافه الصديق
كما
تنتهى القصه التمثيليه لا كما يقوض حكم مركز على
القوه
والعده.
وكان الدور الفاطمى يتلخص فى ان تطالب الصديقه
الصديق
بما انتزعه منها من اموال، وتجعل هذه المطالبه
وسيله
للمناقشه فى المساله الاساسيه واعنى بها مساله
الخلافه
وافهام الناس بان اللحظه التى عدلوا فيها عن على(ع)
الى ابى
بكر كانت لحظه هوس وشذوذ، وانهم بذلك اخطاوا
وخالفوا
كتاب ربهم ووردوا غير شربهم.
ولما اختمرت الفكره فى ذهن فاطمه اندفعت لتصحح
اوضاع
الساعه وتمسح عن الحكم الاسلامى الذى وضعت قاعدته
الاولى فى السقيفه الوحل الذى تلطخ به، عن طريق
اتهام
الخليفه الحاكم بالخيانه السافره، والعبث بكرامه
القانون، واتهام
نتائج المعركه الانتخابيه التى خرج منها ابو بكر
خليفه بمخالفه
الكتاب والصواب.
وقد توفرت فى المقابله الفاطميه ناحيتان لا
تتهيئان للامام
فيمالو وقف موقف قرينته.
(احداهما)ان الزهراء اقدر منه بظروف فجيعتها الخاصه
ومكانتها من ابيها، على استثاره العواطف، وايصال
المسلمين
بسلك من كهرباء الروح بابيها العظيم صلوات اللّه
عليه وايامه
الغراء وتجنيد مشاعرهم لقضايااهل البيت.
(والاخرى) انها مهما تتخذ لمنازعتها من اشكال فلن
تكتسب
لون الحرب المسلحه التى تتطلب زعيما يهيمن عليها ما
دامت
امراه وما دام هارون النبوه فى بيته محتفظا بالهدنه
التى اعلنها
حتى تجتمع الناس عليه ومراقبا للموقف ليتدخل فيه
متى
شاء، متزعما للثوره اذا بلغت حدها الاعلى او مهدئا
للفتنه اذا لم
يتهياله الظرف الذى يريده. فالحوراء بمقاومتها اما
ان تحقق
انتقاضا اجماعيا على الخليفه واما ان لا تخرج عن
دائره الجدال
والنزاع ولا تجر الى فتنه وانشقاق.
واذن فقد اراد الامام صلوات اللّه عليه ان يسمع
الناس يومئذ
صوته من فم الزهراء ويبقى هو بعيدا عن ميدان
المعركه ينتظر
اللحظه المناسبه للاستفاده منها، والفرصه التى
تجعل منه
رجل الموقف. واراد ايضا ان يقدم لامه القرآن كلها فى
المقابله
الفاطميه برهانا على بطلان الخلافه القائمه. وقد تم
للامام ما
اراد حيث عبرت الزهراء صلوات اللّه عليها عن الحق
العلوى
تعبيرا واضحا فيه الوان من الجمال والنضال.
وتتلخص المعارضه الفاطميه فى عده مظاهر:-
(الاول) ارسالها لرسول ينازع ابا بكر فى مسائل
الميراث
ويطالب بحقوقهاوهذه هى الخطوه الاولى التى
انتهجتها الزهراء
صلوات اللّه عليها تمهيدا لمباشرتهاللعمل بنفسها.
(الثانى) مواجهتها بنفسها له فى اجتماع خاص وقد
ارادت
بتلك المقابله ان تشتد فى طلب حقوقهامن الخمس
وفدك
وغيرهما لتعرف مدى استعداد الخليفه للمقاومه.
ولا ضروره فى ترتيب خطوات المطالبه على اسلوب تتقدم
فيه
دعوى النحله على دعوى الميراث كما ذهب الى ذلك
اصحابنا،
بل قد يغلب على ظنى تقدم المطالبه بالارث، لان
الروايه
تصرح بان رسول الزهراء انما كان يطالب بالميراث،
والاقرب فى
شان هذه الرساله ان تكون اولى الخطوات كما يقضى به
التدرج
الطبيعى للمنازعه، وايضا فان دعوى الارث اقرب
الطريقين الى
استخلاص الحق لثبوت التوارث فى التشريع الاسلامى
بالضروره فلا جناح على الزهراء فى ان تطلب ابتداء
ميراثها من
ابيها الذى يشمل فدك فى
معتقدالخليفه لعدم اطلاعه
على النحله وليس فى هذه المطالبه مناقضه لدعوى
نحله فدك
اطلاقا، لان المطالبه بالميراث لم تتجه الى فدك
خاصه وانما
تعلقت بتركه النبى(ص) عامه.
(الثالث) خطبتها فى المسجد بعد عشره ايام من وفاه
النبى(ص) كما فى شرح النهج لابن ابى الحديد.
(الرابع) حديثها مع ابى بكر وعمر حينما زاراها بقصد
الاعتذار
منها واعلانها غضبها عليهما وانهما اغضبا اللّه
ورسوله(ص)
بذلك.
(الخامس) خطابها الذى القته على نساء المهاجرين
والانصار
حين اجتماعهن عندها.
(السادس) وصيتها بان لا يحضر تجهيزها ودفنها احد من
خصومها وكانت هذه الوصيه الاعلان الاخير من
الزهراء عن
نقمتها على الخلافه القائمه.
وقد فشلت الحركه الفاطميه بمعنى ونجحت بمعنى آخر.
فشلت لانها لم تطوح بحكومه الخليفه(رضى اللّه) فى
زحفها
الاخير الخطير الذى قامت به فى اليوم العاشر من
وفاه
النبى(ص).
ولا نستطيع ان نتبين الامور التى جعلت الزهراء تخسر
المعركه، غير ان الامر الذى لا ريب فيه ان شخصيه
الخليفه(رضى اللّه) من اهم الاسباب التى ادت الى
فشلها، لانه
من اصحاب المواهب السياسيه، وقد عالج الموقف
بلباقه
ملحوظه نجد لها مثالا فيما اجاب به الزهراء من كلام
وجهه الى
الانصار من خطاب بعد انتهائها من خطبتها فى المسجد.
فبينما هو يذوب رقه فى جوابه للزهراء واذا به يطوى
نفسه على
نار متاججه تندلع بعد خروج فاطمه من المسجد، فى
اكبر
الظن، فيقول: ما هذه الرعه الى كل قاله انما هو
ثعاله شهيده
ذنبه - وقد نقلنا الخطاب كاملا فيما سبق - فان هذا
الانقلاب
من اللين والهدوء الى الغضب الفائر يدلنا على مقدار
ما اوتى من
سيطره على مشاعره وقدرته على مسايره الظرف وتمثيل
الدور المناسب فى كل حين.
ونجحت معارضه الزهراء لانها جهزت الحق بقوه قاهره،
واضافت الى طاقته على الخلود فى ميدان النضال
المذهبى
طاقه جديده. وقد سجلت هذا النجاح فى حركتها كلها وفى
محاورتها مع الصديق والفاروق عند زيارتهما لها
بصوره خاصه
اذ قالت لهما: ارايتكما ان حدثتكما حديثا عن رسول
اللّه(ص)
تعرفانه وتفعلان به؟ فقالا: نعم، فقالت: نشدتكما
اللّه الم تسمعا
من رسول اللّه(ص) يقول: (رضا فاطمه من رضاى وسخط
فاطمه من سخط ى، فمن احب فاطمه فقد احبنى ومن ارضى
فاطمه فقد ارضانى ومن اسخط فاطمه فقد اسخطنى) قالا:
نعم سمعناه من رسول اللّه(ص) قالت: (فانى اشهد اللّه
وملائكته انكما اسخطتمانى وما ارضيتمانى ولئن لقيت
النبى(ص) لاشكونكما عنده).
ويصور لنا هذا الحديث مدى اهتمامها بتركيز
الاعتراض على
خصميها ومجاهرتهما بغضبها ونقمتها لتخرج من
المنازعه
بنتيجه لا نريد درسها والانتهاء فيها الى راى معين
لان ذلك
خارج عن دائره عنوان هذا البحث ولاننا نجل الخليفه
عن ان
ندخل معه فى مثل هذه المناقشات وانما نسجلها
لتوضيح افكار
الزهراء صلوات اللّه عليها ووجهه نظرها فقط،
فانها كانت تعتقد
ان النتيجه التى حصلت عليها هى الفوز الموكد فى
حساب
العقيده والدين واعنى بها ان الصديق قد استحق غضب
اللّه
ورسوله(ص) باغضابها، وآذاهما باذاها لانهما يغضبان
لغضبها
ويسخطان لسخطها بنص الحديث النبوى الصحيح، فلا
يجوز
ان يكون خليفه للّه ورسوله. وقد قال اللّه تبارك
وتعالى:
(وما كان لكم ان توذوا رسول اللّه ولا تنكحوا ازواجه
من بعده
ابدا ان ذلكم كان عند اللّه عظيما).
(ان الذين يوذون اللّه ورسوله لعنهم اللّه فى
الدنيا والاخره واعد
لهم عذابا مهينا).
(والذين يوذون رسول اللّه لهم عذاب اليم).
(يا ايها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب اللّه
عليهم).
(ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى).
الفصل الرابع: قبسات من الكلام الفاطمى
يوم جاءت الى عدى وتيم
ومن الوجد ما اطال بكاها
تعظ القوم فى اتم خطاب
حكت المصطفى به وحكاها
(الازرى) نقتبس هناعده عبائرمن خطبه الزهراء(عليهماالسلام)لنعطيهاحقها
من التحليل والتوضيح، ونفهمها كما هى فى عالم
الخلود، وكما
هى فى واقعها الرائع، قالت:
عظمه الرسول القائد(ص)
(ثم قبضه اليه قبض رافه واختيار ورغبه وايثار،
فمحمد(ص)
عن تعب هذه الدار فى راحه، قد حف بالملائكه الابرار
ورضوان
الرب الغفار ومجاوره الملك الجبار).
انظر الى البليغه كيف تركت النعيم المادى كله،
وملذوذات
الحس حين ارادت ان تقرض فردوس ابيها، وجنته
الخالده،
لانها رات فى معانى ابيها العظيم ما يرتفع على ذلك
كله، وما
قيمه اللذه الماديه جنينيه كانت او دنيويه فى حساب
محمد(ص) الروحى الذى لم يرتفع احد بالروح الانسانيه
كما
ارتفع بها، ولم يبلغ بها احد سواه اوجها المحمدى
(ولم يغذها
مصلح عداه بالعقيده الالهيه الكامله التى هى غايه
العقول فى
طيرانها الفكرى والشوط الاخير للطواف الانسانى حول
الحقيقه المقدسه الذى يستقر عنده الضمير وتطمئن
اليه
الروح).
فهو اذن: المربى الاكبر للروح، والقائد الفريد الذى
سجلت
المعنويات الروحيه تحت رايته انتصارها الخالد على
القوى
الماديه فى معركتهما القائمه منذ بدا العقل حياته
فى وسط
الماده.
وما دام هو بطل المعركه الفاصله بين الروحيه
والماديه الذى
ختمت برسالته رسالات السماء فلا غرو ان يكون محور
ذلك
العالم الروحى الجبار، وهذا ما شاءت ان تقوله
الزهراء حين قالت
تصف الفردوس المحمدى: فمحمد عن تعب هذه الدنيا فى
راحه، قد حف بالملائكه الابرار فهو القطب ابدا فى
الدنيا
والاخره، غير انه فى الاولى متعب لانه القطب الذى
يجاهد
ليقيم دوره الحياه الانسانيه عليه، على اسلوب
خالد، وفى
الاخرى مرتاح لانه المحور الذى يكهرب الحياه
الملائكيه
بنوره، فتحف به الملائكه لتقدم بين يديه آيات الحمد
والثناء.
وما دام النبى(ص) من الطراز الاسمى فلتكن جنته على
غراره
ملوها الترف المادى بل هى فى اوضح معانيها الترف
المعنوى -
ان صح التعبير واى ترف روحى اسمى من مجاوره الملك
الجبار والظفر برضوان الرب الغفار.
وهكذا وصفت الزهراء جنه ابيها فى جملتين، فاذا به
القطب
المتصل بمبدا النور والشمس التى تحيط بها الملائكه
فى دنيا
النور.)
|