عظمه الامام على(ع)
وموهلاته الشخصيه وقالت:-
(وكنتم على شفا حفره من النار مذقه الشارب، ونهزه الطامع،
وقبسه العجلان، وموطى الاقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون
الورق، اذله خاسئين تخافون ان يتخطفكم الناس من حولكم،
فانقذكم اللّه تبارك وتعالى بمحمد(ص) بعد اللتيا والتى، وبعد
ان منى ببهم الرجال، وذوبان العرب، ومرده اهل الكتاب، كلما
اوقدوا نارا للحرب اطفاها اللّه، او نجم قرن للشيطان، وفغرت
فاغره من المشركين، قذف اخاه فى لهواتها، فلا ينكفىء حتى
يطا صماخها باخمصه، ويخمد لهبها بسيفه مكدودا فى ذات
اللّه، مجتهدا فى امر اللّه قريبا من رسول اللّه(ص) سيد اولياء اللّه
مشمرا ناصحا مجدا كادحا، وانتم فى رفاهيه من العيش
وادعون فاكهون آمنون).
ما اروعها من مقارنه هذه التى عقدتها الزهراء بين اسمى طراز
من الكفاءه العسكريه فى دنيا الاسلام يومئذ وبين رجوله
مفطومه - ان صح التعبير من ملكات البطل ومقومات
العسكرى الموهوب. بين بساله هتفت باياتها السماء والارض،
وكتبت بمداد الخلود فى فهرس المثاليات الانسانيه، وشخصيه
اكتفت من الجهاد المقدس بالوقوف فى الخط الحربى الاخير
-العريش وياليتهااقتنعت بذلك عن الفرار المحرم فى عرف
الاسلام، وفى عرف التضحيه، وفى عرف المفاداه بالنفس
لتوحيدالحكومه السماويه على وجه الارض.
ولا نعرف فى تاريخ الانسانيه موهبه عسكريه بارعه لها من الاثار
الخيره فى حياه هذا الكوكب كالموهبه العلويه الفذه فى تاريخ
الابطال، فان مواقف الامام فى سوح الجهاد وميادين النضال
كانت بحق هى الركيزه التى قامت عليها دنيا الاسلام، وصنعت
له تاريخه الجبار.
فعلى هو المسلم الاول فى اللحظه الاولى من تاريخ النبوه
عندما لعلع الصوت الالهى من فم محمد(ص)، ثم هو بعد
ذلك الغيور الاول، والمدافع الاول الذى اسندت اليه السماء
تصفيه الحساب مع الانسانيه الكافره.
ان فوز الامام فى هذه المقارنه يعنى ان له حقا فى الخلافه من
ناحيتين:
(احداهما) انه الشخص العسكرى الفريد بين مسلمه ذلك اليوم
الذى لم يكن قد فصل فيه تماما المركز السياسى الاعلى عن
المقامات العسكريه.
(والاخرى) ان جهاده الرائع يكشف عن اخلاص اروع لا يعرف
الشك اليه سبيلا، وجذوه مضطرمه بحراره الايمان لا يجد
الخمود اليها طريقا. وهذه الجذوه المتقده ابدا، وذلك
الاخلاص الفياض دائما هما الشرطان الاساسيان للزعيم الذى
توكل اليه الامه حراسه معنوياتها الغاليه وحمايه شرفها فى
التاريخ.
مقارنه بين مواقف الامام(ع) والاخرين
اقرا حياه النبى(ص) وتاريخ الجهاد النبوى، فسوف ترى ان عليا
هو الذى ادهش الارض والسماء بمواساته وان
الصديق(رضى اللّه)هو الذى التجا الى مركز القياده العليا
الذى كان محاطابعده من ابطال الانصار لحمايته حتى يطمئن
بذلك من غوائل الحرب.
وهو الذى فر يوم احد كما فر الفاروق ولم يبايع رسول اللّه(ص)
على الموت فى تلك الساعه الرهيبه التى قل فيها الناصر
وتضعضعت رايه السماء وبايع رسول اللّه(ص) على الشهاده
ثمانيه، ثلاثه من المهاجرين وخمسه من الانصار لم يكن هو
واحدا منهم، كما صرح بذلك ارباب التاريخ، بل لم يرو له رواه
المسلمين جميعا قتالا فى ذلك الموقف مهما يكن لونه.
واذن فلماذا وقف مع الثائبين ان كان لم يفر؟ الم يكن القتال
واجبا ما دام المدافعون لم يبلغوا العدد المطلوب لمقابله العدو
الذى اصاب النبى(ص) بعده اصابات اضطرته الى الصلاه
جالسا؟!
ولعلنا نعلم جميعا ان شخصا اذا كان فى وسط الصراع ومعترك
الحرب فلن ينجو من الموت على يد عدوه الا بالفرار، او الدفاع
بالاشتراك عمليا فى المعركه. والصديق اذا لم يكن قد فعل
شيئا من هذين وقد نجا بلا ريب فمعنى هذا ان عدوا وقف امام
عدوه مكتف اليدين فلم يقتله خصمه، فهل اشفق المشركون
على ابى بكر، ولم يشفقوا على محمد وعلى والزبير وابى دجانه
وسهل بن حنيف؟!
وليس لدى من تفسير معقول للموقف الا ان يكون قد وقف الى
جوار رسول اللّه(ص) وكسب بذلك موقفا هو فى طبيعته ابعد
نقاط المعركه عن الخطر لاحتفاف العدد المخلص فى الجهاد
يومئذ برسول اللّه(ص). وليس هذا ببعيد لاننا عرفنا من ذوق
الصديق انه كان يحب ان يكون الى جانب رسول اللّه(ص) فى
الحرب لان مركز النبى(ص) هو المركز المصون الذى تتوفر
جميع القوى الاسلاميه على حراسته والذب عنه.
وخذ حياه الامام على(ع) وحياه الصديق وادرسهما، فهل تجد
فى حياه الاول خمودا فى الاخلاص او ضعفا فى الاندفاع نحو
التضحيه او ركونا الى الدعه والراحه فى ساعه الحرب
المقدسه؟ فارجع البصر هل ترى من فطور (ثم ارجع البصر
كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير) لانه سوف يجد
روعه واستماته فى سبل اللّه لا تفوقها استماته، وشخصا لا
ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيه استعداد للخلود ما
خلد محمد استاذه الاكبر لانه نفسه(ص).
ثم حدثنى عن حياه الصديق (رضى اللّه تعالى عنه) ايام رسول
اللّه(ص) فهل تجد فيها الا تخاذلا وضعفا فى الحياه المبدئيه،
والحياه العسكريه، يظهر تاره فى التجائه الى العريش، واخرى
فى فراره يوم احد وهزيمته فى غزوه حنين وتلكئه عن الواجب
حينما امره رسول اللّه(ص) بالخروج تحت رايه اسامه للغزو،
ومره اخرى فى هزيمته يوم خيبر حينما بعثه رسول اللّه(ص)
لاحتلال الوكر اليهودى على راس جيش فرجع فارا ثم ارسل
الفاروق (رضى اللّه تعالى عنه) واذا به من طراز صاحبه حيث
تبخرت فى ذلك الموقف الرهيب حماسه عمر وبطولته الرائعه
فى ايام السلم التى اعتز بها الاسلام يوم اسلم كما يقولون.
ورجع عمر مع اصحابه يجبنهم ويجبنونه فقال رسول اللّه(ص):
انى دافع الرايه غدا لرجل يحبه اللّه ورسوله ويحب اللّه ورسوله
لا يرجع حتى يفتح له. ويشعر كلامه هذا بتعريض بليغ يدغدغ
به مشاعر القائدين الفاشلين واعتزاز صريح بعليه العظيم الذى
يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله.
يا خليفتى المسلمين - او بعض المسلمين - رضى اللّه تعالى
عنكما اهكذا كان نبيكما الذى قمتما مقامه؟ الم تتلقيا عنه
دروسه الفذه فى الجهاد والمعاناه فى سبيل اللّه؟ الم يكن فى
صحبتكما له طوال عقدين حاجز يحجز عن ذلك؟ الم تستمعا
الى القرآن الذى اسندت اليكماحراسته والتوفر على نشر مثله
العليا فى المعموره وهو يقول:-
(ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال او متحيزا الى فئه
فقد باء بغضب من اللّه وماواه جهنم وبئس المصير).
وقد توافقنى على ان مقام الصديق والفاروق(رضى اللّه) فى
الاسلام يرتفع بهما عن الفرار المحرم، فلا بد انهما تاولا ووجدا
عذرا فى فرارهما ونحن نعلم ان مجال الاجتهاد والتاويل عند
الخليفه كان واسعا حتى انه اعتذر عن خالد لما قتل مسلما
متعمدا بانه (اجتهد فاخطا).
عذرتكما ان الحمام لمبغض
وان بقاء النفس للنفس محبوب
ليكره طعم الموت والموت طالب
فكيف يلذ الموت والموت مطلوب
ولنعتذر اذا كان فيما قدمناه سبب للاعتذار وقد اضطرنا الى
ذلك الوقوف عند المقارنه الفاطميه وما تستحقه من شرح
وتوضيح.
حزب السلطه الحاكمه
قالت: (تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الاخبار).
هذا الخطاب موجه الى الحزب الحاكم لانه هو الذى زعم ما
نسبته الزهراء الى مخاطبيها فيما ياتى من تعليل التسرع الى
اتمام البيعه بالخوف من الفتنه. واذن فهو اتهام صريح له بالتامر
على السلطان واتخاذ التدابير اللازمه لهذه الموامره الرهيبه
ووضع الخطط المحكمه لتنفيذها وتربص الفرصه السانحه
للانقضاض على السلطه وتجريد البيت الهاشمى منها.
وقد راينا فى الفصل السابق ان الاتفاق السرى بين الصديق
والفاروق وابى عبيده مما تعززه الظواهرالتاريخيه.
ولا ينبغى ان نترقب دليلا ماديا اقوى من كلام الزهراء الذى بينا
اشعاره الى هذا المعنى بوضوح لمعاصرتها لتلك الظروف
العصيبه. فلا ريب انها كانت تفهم حوادث تلك الساعه فهما
اخص ما يوصف به انه اقرب الى واقعها واكثر اصابه له من
دراسه يقوم بها النقاد بعد مئات السنين.
ومن حق البحث ان نسجل ان الزهراء هى اول من اعلنت - ان
لم يكن زوجها هو المعلن الاول - عن التشكيلات الحزبيه
للجماعه الحاكمه واتهمتها بالتامر السياسى، ثم تبعها على
ذلك جمله من معاصريها كامير المومنين (صلوات اللّه عليه)
ومعاويه بن ابى سفيان - كما عرفنا سابقا.
و ما دام هذا الحزب الذى تجزم بوجوده الزهراء ويشير اليه
الامام ويلمح اليه معاويه هو الذى سيطر على الحكم ومقدرات
الامه، وما دامت الاسر الحاكمه بعد ذلك التى وجهت جميع
مرافق الحياه العامه لخدمتها قد طبقت اصول تلك السياسه
وعناصر ذلك المنهج الحزبى الذى دوخ دنيا الاسلام، فمن
الطبيعى جدا ان لا نرى فى التاريخ او على الاقل التاريخ العام
صوره واضحه الالوان لذلك الحزب الذى كان يجتهد ابطاله
الاولون فى تلوين اعمالهم باللون الشرعى الخالص الذى هو
ابعد ما يكون عن الالوان السياسيه والاتفاقات السابقه.
قالت:
(فوسمتم غير ابلكم، واوردتم غير شربكم هذا والعهد قريب،
والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر، ابدارا
زعمتهم خوف الفتنه؟ الا فى الفتنه سقطوا وان جهنم
لمحيطه بالكافرين.
اما لعمر اللّه لقد لقحت فنظره ريثما تحلب ثم احتلبوها طلاع
القعب دما عبيطا هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب
ما اسس الاولون ثم طيبوا عن انفسكم نفسا وابشروا بسيف
صارم وهرج شامل واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا
وجمعكم حصيدا فيا حسره عليكم).
لئن كان الصديق وصاحباه يشكلون حزبا ذا طابع خاص فمن
العبث ان ننتظر منهم تصريحا بذلك او نتوقع ان يعلنوا عن
الخطوط الرئيسيه لمنهاجهم ويبرروا بها موقفهم يوم السقيفه
ومع هذا:
فلا بد من مبرر...
ولا بد من تفسير...
فقد ظهر فى ذلك الموقف تسرعهم الى اتمام البيعه لاحدهم
وتلهفهم على المقامات العليا تلهفا لم يكن منتظرا بالطبع من
صحابه على نمطهم،لان المفروض فيهم انهم اناس من نوع
اكمل وعقول لاتفكر الا فى صالح المبدا، ولا تعبا الابالاحتفاظ
له بالسياده العليا. اما الملك الشخصى واما اقتناص الكراسى فلا
ينبغى ان يكون هو الغايه فى حساب تلامذه محمد(ص).
احس الحاكمون بذلك وادركوا ان موقفهم كان شاذا على اقل
تقدير، فارادوا ان يرقعوا موقفهم بالاهداف الساميه والخوف
على الاسلام من هبوب فتنه طاغيه تجهز عليه، ونسوا ان
الرقعه تفضح موضعها وان الخيوط المقحمه فى الثوب تشى
بها. ولذا دوت الزهراء بكلمتها الخالده:
زعمتم خوف الفتنه (الا فى الفتنه سقطوا وان جهنم لمحيطه
بالكافرين).
نعم انها الفتنه ثم هى ام الفتن بلا ريب.
ما اروعك يا بضعه النبى حين تكشفين القناع عن الحقيقه
المره وتتنبئين لامه ابيك بالمستقبل الرهيب الذى تلتمع فى
افقه سحب حمراء!
ماذا اقول؟.. بل انهار من دم تزخر بالجماجم وهى تنعى على
سلفها الصالح فعلهم وتقول: الا انهم فى الفتنه سقطوا وان
جهنم لمحيطه بالكافرين.
الفتنه الكبرى
كانت العمليات السياسيه يومئذ فتنه وكانت ام الفتن.
كانت فتنه فى راى الزهراء - على الاقل - لانها خروج على
الحكومه الاسلاميه الشرعيه القائمه فى شخص على هارون
النبى (ص) والاولى من المسلمين بانفسهم.
ومن مهازل القدر ان يعتذر الفاروق عن موقفه، بانه خاف
الفتنه وهو لا يعلم ان انتزاع الامر ممن اراده له رسول اللّه(ص)
باعتراف عمر هو الفتنه بعينها المستوعبه لكل ما لهذا المفهوم
من الوان.
وانا لا ادرى ما منع هولاء الخائفين من الفتنه الذين لا مطمع
لهم فى السلطان الا بمقدار ما يتصل بصالح الاسلام ان يسالوا
رسول اللّه(ص) عن خليفته او يطلبوا منه ان يعين لهم المرجع
الاعلى للحكومه الاسلاميه من بعده، وقد طال المرض به اياما
متعدده، واعلن فيها مرارا عن قرب اجله، واجتمع به جماعه
من اصحابه فسالوه عن كيفيه غسله وتفصيلات تجهيزه، ولم
يقع فى انفسهم مطلقا ان يسالوه عن المساله الاساسيه، بل لم
يخطر فى بال اولئك الذين اصروا على عمر بان يستخلف ولا
يهمل الامه والحوا عليه فى ذلك خوفا من الفتنه ان يطلبوا
نظير هذا من رسول اللّه(ص)، فهل ترى انهم كانوا حينذاك فى
غفله عن اخطار الموقف بالرغم من انذار النبى(ص) بفتن
كقطع الليل المظلم؟! حتى اذا لحق سيد البشر بالرفيق الاعلى
توهجت مشاعرهم بالغيره على الدين، وملا قلوبهم الخوف من
الفتنه والانعكاسات السيئه. او تعتقد معى ان النبى(ص) كان
قد اختار للسفينه ربانها الافضل ولذلك لم يساله السائلون!!
دع عنك هذا واختلق لهم ما شئت من المعاذير، فان هولاء
الغيارى على الاسلام لم يكتفوا بترك السوال، بل منعوا رسول
اللّه(ص) من مقاومه الخطر المرتقب حينما اراد ان يكتب (كتابا
لا يضل المسلمون بعده ابدا). والفتنه ضلال، واذن فلا فتنه بعد
ذلك الكتاب ابدا فهل كانوا يشكون فى صدق النبى(ص)؟! او
يرون انهم اقدر على الاحتياط للاسلام والقضاء على الشغب
والهرج من نبى الاسلام ورجله الاول!
وخليق بنا ان نسال عما عناه النبى(ص) بالفتن التى جاء ذكرها
فى مناجاته لقبور البقيع فى اخريات ايامه اذ يقول: ليهنكم ما
اصبحتم فيه قد اقبلت الفتن كقطع الليل المظلم.
ولعلك تقول: انها فتن المرتدين، وهذا تفسير يقبل على فرض
واحد وهو: ان النبى(ص) كان يتخوف على موتى البقيع من
الارتداد، فاما اذا لم يكن يخشى عليهم من ذلك كما - هو فى
الواقع - لانهم على الاكثر من المسلمين الصالحين، وفيهم
الشهداء فلماذا يهنئهم على عدم حضور تلك الايام؟ ولا
يستقيم فى منطق صحيح ان يريد بهذه الفتن المشاغبات
الامويه التى قام بها عثمان ومعاويه بعد عقود ثلاثه من ذلك
التاريخ تقريبا.
واذن فتلك الفتن التى عناها النبى(ص) لا بد ان تكون فتنا
حادثه بعده مباشره، ولا بد ايضا ان تكون اكثر اتصالا بموتى
البقيع لو قدرت لهم الحياه من فتن الرده والمتنبئين.
وهى اذن عين الفتنه التى عنتها الزهراء بقولها: الا فى الفتنه
سقطوا وان جهنم لمحيطه بالكافرين.
وهل من غضاضه بعد ان يصطلح عليها رسول اللّه(ص) بالفتنه
ان تمنح لقب الفتنه الاولى فى دنيا الاسلام.
وقد كانت العمليات السياسيه يومئذ فتنه من ناحيه اخرى،
لانها فرضت خلافه على امه لم يقتنع بها الا القليل من سوقتها
الذين ليس لمثلهم الحق فى تقرير مصير الحكم فى عرف
الاسلام ولا فى لغه القوانين الدستوريه جميعا.
تلك هى خلافه الصديق (رضى اللّه تعالى عنه) عندما خرج من
السقيفه (وعمر يهرول بين يديه وقد نبر حتى ازبد شدقاه)
وجماعته تحوطه (وهم متزرون بالازر الصنعانيه لا يمرون
باحد الاخبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد ابى بكر
يبايعه شاء ذلك او ابى).
ومعنى هذا ان الحاكمين زفوا الى المسلمين خلافه لم تباركها
السماء ولا رضى بها المسلمون. وان الصديق لم يستمد سلطانه
من نص نبوى -بالضروره ولم ينعقد الاجماع عليه ما دام سعد
لم يبايع الى ان مات الخليفه، ومادام الهاشميون لم يبايعوا الى
سته اشهر من خلافته - كما فى صحيح البخارى.
قالوا: ان اهل الحل والعقد قد بايعوه وكفى.
ولكن الا يحتاج هذا المفهوم الى توضيح والى مرجع يرجع اليه
فى ذلك؟ فمن هو الذى اعتبر مبايعى ابى بكر اهل الحل
والعقد، واعطاهم هذه الصلاحيات الواسعه؟
ليس هو الامه ولا النبى الاعظم، لاننا نعلم ان ابطال السقيفه
لم ياخذوا انفسهم بمناهج الانتخاب غير المباشر، ولم يستفتوا
المسلمين فى تعيين المنتخبين الثانويين الذين اصطلح
عليهم فى العرف القديم باهل الحل والعقد.
كما انه لم يوثر عن رسول اللّه(ص) اعطاء هذه الصلاحيات
لجماعه مخصوصه، فكيف تمنح لعدد من المسلمين
ويستامنون على مقدرات الامه بغير رضى منها فى ظل
نظام دستورى كنظام الحكم فى الاسلام كما يزعمون؟!
ومن العجيب فى العرف السياسى ان تعين الحكومه نفسها اهل
الحل والعقد، ثم تكتسب منهم كلمتها العليا.
واعجب من ذلك اخراج على والعباس وسائر بنى هاشم وسعد
بن عباده والزبير وعمار وسلمان وابى ذر والمقداد وجميع اهل
الحجى والراى -على حد تعبير ابن عباس لعمر من اهل الحل
والعقد اذا صح ان فى الاسلام طبقه مستاثره بالحل والعقد.
وقد جر وضع هذه الكلمه فى قاموس الحياه الاسلاميه الى
تهيئه الجو لارستقراطيه هى ابعد ما تكون عن روح الاسلام
وواقعه المصفى من الطبقيه والعنعنات.
وهل كانت تلك الثروات الضخمه التى امتلات بها اكياس
عبدالرحمن بن عوف وطلحه واضرابهما الا بسبب هذا اللقب
المشووم على الاسلام الذى لقبوا به، فراوا انهم من الطراز
الرفيع الذى يستحق ان يملك الملايين ويتحكم فى حقوق
الناس كما يريد؟!
وقالوا: ان الاكثريه هى مقياس الحكومه الشرعيه والمبدا الذى
لا بد ان تقوم على اساسه الخلافه.
وقد استهان القرآن الكريم بالاكثريه ولم يجعل منها فى حال
من الاحوال دليلا وميزانا صحيحا اذ جاء فيه:
(وان تطع اكثر من فى الارض يضلوك عن سبيل اللّه).
(واكثرهم للحق كارهون).
(وما يتبع اكثرهم الا ظنا).
(ولكن اكثرهم يجهلون).
وقد روى عن رسول اللّه(ص) فى صحاح السنه انه قال: (بينا انا
قائم -يعنى يوم القيامه على الحوض فاذا زمره، حتى اذا
عرفتهم خرج رجل من بينى وبينهم فقال: هلم، فقلت اين؟
فقال: الى النار واللّه، قلت: وما شانهم؟ قال: انهم ارتدوا بعدك
على ادبارهم القهقرى - الى ان قال -: فلا اراه يخلص منهم الا
مثل همل النعم).
ولا يمكن ان تكون هذه الاكثريه الجهنميه التى حدث عنها
رسول اللّه(ص) مصدر السلطه فى الاسلام، لانها لا تنشى
بطبيعه الحال الا خلافه مطبوعه بطابعها.
واذا خرجنا بالاكثريه عن حدود المدنيين الذين عرفنا آنفا
مراكزهم الجهنميه على الاغلب فى الحياه الخالده، واعتبرنا
اكثريه المسلمين عموما هى المقياس الصحيح، فلا بد ان
نلاحظ ان المدينه هل كانت وحدها مسكن المسلمين ليكتمل
النصاب المفروض بالاكثريه المدنيه او ان ابا بكر لم يكتف بها
وانما بعث الى المسلمين المنتشرين فى ارجاء المملكه بالخبر
لياخذ آراءهم ويستشيرهم؟! كلا لم يحدث شىء من ذلك وانما
فرض حكومته على آفاق المملكه كلها فرضا لا يقبل مراجعه
ولا جدالا حتى اصبح التردد فى الخضوع لها جريمه لا تغتفر.
وقالوا: ان الخلافه تحصل ببيعه بعض المسلمين، ولا ريب ان
ذلك قد حصل لابى بكر.
ولكن هذا مما لا يقره المنطق السياسى السليم، لان البعض لا
يمكن ان يتحكم فى شوون الامه كلها، ولان حياه الامه لا
يمكن ان تعلق على خيط ضعيف كهذا الخيط، ويركن فى حفظ
مقدساتها ومقامها الى حكومه انشاها جماعه من الصحابه لم
يزكهم اجماع شعبى، ولا نص مقدس، بل هم اناس عاديون من
الصحابه. ونحن نعلم ان (ومنهم الذين يوذون النبى ويقولون
هو اذن) (ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصدقن
ولنكونن من الصالحين × فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا
وهم معرضون × فاعقبهم نفاقا فى قلوبهم الى يوم يلقونه بما
اخلفوا اللّه ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)، ومنهم من خص اللّه
تعالى نفسه بالاطلاع على سرائرهم ونفاقهم فقال لرسوله:
(ومن اهل المدينه مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم).
فجماعه فيها المنافق، وفيها من يوذى رسول اللّه، وفيها
الكاذب لا يمكن ان يعتبر راى بعضهم ايا كان، ملاكا
للمنصب الاول فى العالم الاسلامى.
وتعليقا على هذه المعلومات نقول: ان خلافه الصديق لم تكن
خلافه نص، ولا خلافه اكثريه ولا نتيجه انتخاب مباشر ولا غير
مباشر، نعم بذل فى سبيلها بعض المسلمين جهودا رائعه،
والتفت حولها طائفه من الناس وانتصرت لها جماعات عديده فى
المدينه، ولكن هولاء جميعا ليسوا الا بعض المسلمين، والبعض
ليس له حكم مطاع فى الموضوع، لان الحكم الذى يستمد
معنويته القانونيه من الامه يلزم ان يكون صاحبه ممثلا للامه
بجميع عناصرها او اكثر عناصرها، هذا اولا، واما ثانيا فلان فى
المسلمين منافقين لا يعلمهم الا اللّه بنص القرآن الكريم،
وتنزيه هذا البعض المتوفر على انشاء الكيان السياسى للامه
حينئذ عن النفاق لا بد ان يكون عن طريق النص او الامه.
واذن فليسمح لنا الصديق ان نميل الى راى الزهراء بعض الميل
او كل الميل، لاننا لا نجد للفتنه واقعا اوضح من تسلط رجل بلا
وجه قانونى على امه، وتصرفه فى مرافقها الحيويه جميعا
كالصديق (رضى اللّه) فى ايام خلافته، او فى الاشهر الاولى او فى
الاسابيع الاولى من حكومته التى خطبت فيها الزهراء - على
اقل تقدير.
وما ادرى هل خطرت للمتسرعين المستبدين نتائج
استبدادهم واستقلالهم عن العناصر التى كان من الطبيعى ان
يكون لها راى فى الموضوع لو قامت تلك العناصر بالمعارضه،
واستعد الهاشميون للمقاومه، وقد كان تقدير هذا المعنى قريبا
ومعقولا الى حد بعيد، فكيف لم يحتاطوا له وانتهوا الى
نتيجتهم المطلوبه فى مده قد لا تزيد على ساعه؟!
ولماذا نقدس الموقف اكثر مما قدسه ابطاله؟ فقد بلغ من
تقديس الفاروق انه امر بقتل من عاد الى مثل بيعه ابى بكر
وكرر ذلك الموقف.
واذا اردنا ان ناخذ هذا الكلام ونفهمه على انه كلام امام يراعى
دستور الاسلام، فمعنى ذلك انه راى موقف ابى بكر واصحابه
فى السقيفه فتنه وفسادا، لان القتل لا يجوز بغير ذلك من
الاسباب.
وهى بعد ذلك كله ام الفتن لانها هى التى جعلت الخلافه
سلطان اللّه الذى ياتيه البر والفاجر كما صرحت بذلك السيده
عائشه (رضى اللّه عنها) التى كانت بلا شك تمثل نظريات
الحزب الحاكم. وهى التى فتحت للاهواء والاطماع السياسيه
ميدانها الواسع، فتولدت الاحزاب وتناحرت السياسات وتفرق
المسلمون وانقسموا شر انقسام ذهب بكيانهم الجبار ومجدهم
فى التاريخ.
وماذا ظنك بهذه الامه التى انشات فى ربع قرن المملكه
الاولى فى ارجاء العالم بسبب ان زعيم المعارضه للحكومه فى
ذلك الحين -اعنى عليا لم يتخذ للمعارضه اسبابها المزعزعه
لكيان الامه ووحدتها؟!
(اقول) ماذا تقدر لها من مجد وسلطان وهيمنه على العالم لو
لم تبتل بعشاق الملك المتضاربين، والامراء السكارى بنشوه
السلطان، ولم تكن مسرحا للمعارك الداميه التى يقل نظيرها
فى التاريخ، ولم يستغل حكامها الغاشمون امكانيات الامه كلها
للذاتهم وهنائهم ويستهينون بعد ذلك بمقدراتها جميعا؟
لم ينظر الصديق والفاروق الا الى زمانهما الخاص، فتصورا ان
فى طاقتهما حمايه الكيان الاسلامى، ولكنهما لو تعمقا فى
نظرتهما كما تعمقت الزهراء وتوسعا فى مطالعه الموقف لعرفا
صدق الانذار الذى انذرتهما به الزهراء.
الفصل الخامس: محكمه الكتاب (ان اللّه يامركم ان تودوا
الامانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ان
اللّه نعما يعظكم به ان اللّه كان سميعا بصيرا)
النساء/58
«تمهيد»
اذا اردنا ان نرتفع بمستوى دراستنا الى مصاف الدراسات
الدقيقه، فلا بد ان ناخذ انفسنا بمناهج البحث العلمى فى درس
ناحيتين:
موقف الخليفه الاول من تركه النبى(ص)
الناحيه الاولى: موقف الخليفه تجاه ميراث الزهراء الذى كان
يستند فيه الى ما رواه عن رسول اللّه(ص) فى موضوع الميراث
باساليب متعدده وصور مختلفه لتعدد مواجهات الخصمين،
فجاءت الاحاديث التى تنقل روايته وهى لا تتفق على حد تعبير
واحد، ولا تجمع على لفظ معين، لاختلاف المشاهد التى
ترويها، واختصاص كل منها بصيغه خاصه للحديث على حسب
ما كان يحضر الخليفه من عبائر او تعدد الروايات التى رواها فى
المساله.
1 - وقبل كل شىء نريد ان نلاحظ مقدار تاكد الخليفه من صحه
الحديث الذى رآه دالا على نفى توريث التركه النبويه
واطمئنانه الى سماع ذلك من رسول اللّه(ص)، وثباته عليه.
ويمكننا فهم ذلك مما تحدثنا به الروايات من ان الخليفه سلم
فدك للحوراء وكاد الامر ان يتم لولا ان دخل عمر وقال له:
(ماهذا؟ فقال له: كتاب كتبته لفاطمه بميراثها من ابيها، فقال:
ماذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى. ثم اخذ
الكتاب فشقه). ونحن ننقل هذه الروايه فى تحفظ وان كنا
نستقرب صحتها، لان كل شىء كان يشجع على عدم حكايه
هذه القصه لو لم يكن لها نصيب من الواقع، واذا صحت فهى
تدل على ان امر التسليم وقع بعد الخطبه الفاطميه الخالده
ونقل الخليفه لحديث نفى الارث عن رسول اللّه(ص)، لان
حروب الرده التى اشار اليها عمر فى كلامه ابتدات بعد يوم
السقيفه بعشره ايام، وخطبه الزهراء قد كانت فى اليوم العاشر
ايضا كما سبق.
2 - وقد اظهر الخليفه الندم فى ساعه وفاته على عدم تسليم
فدك لفاطمه، وقد بلغ به التاثر حينا ان قال للناس وقد
اجتمعوا حوله: اقيلونى بيعتى. وندرك من هذا ان الخليفه كان
يطوى نفسه على قلق عظيم مرده الى الشعور بنقص مادى فى
حكمه على فاطمه وضعف فى المدرك الذى استند اليه، ويثور
به ضميره احيانا فلا يجد فى مستنداته ما يهدى نفسه
المضطربه وقد ضاق بهذه الحاله المريره، فطفحت نفسه فى
الساعه الاخيره بكلام يندم فيه على موقفه من الزهراء، تلك
الساعه الحرجه التى يتمثل فيها للانسان ما مثله على مسرح
الحياه من فصول اوشك الستار ان يسدل عليها، وتجتمع فى
ذاكرته خيوط حياته بالوانها المختلفه التى آن لها ان تنقطع،
فلا يبقى منها الاالتبعات.
3 - ولا ننسى ان ابا بكر اوصى ان يدفن الى جوار رسول
اللّه(ص)، ولا يصح ذلك الا اذا كان قد عدل عن اعتبار روايته
مدركا قانونيا فى الموضوع، واستاذن ابنته فى ان يدفن فيما
ورثته من ارض الحجره - اذا كان للزوجه نصيب فى الارض،
وكان نصيب عائشه يسع ذلك - ولو كان يرى ان تركه
النبى(ص) صدقه مشتركه بين المسلمين عامه، للزمه
الاستئذان منهم. وهب ان البالغين اجازوا ذلك فكيف بالاطفال
والقاصرين ممن كانوا فى ذلك الحين؟!
4 - ونحن نعلم ايضا ان الخليفه لم ينتزع من نساء النبى بيوتهن
ومساكنهن التى كن يسكن فيها فى حياه رسول اللّه(ص)، فما
عساه ان يكون سبب التفريق الذى انتج انتزاع فدك من الزهراء
وتخصيص حاصلاتها للمصالح العامه وابقاء بيوت نساء
النبى(ص) لهن يتصرفن فيها كما يتصرف المالك فى ماله
حتى تستاذن عائشه فى الدفن فى حجرتها؟ اكان الحكم بعدم
التوريث مختصا ببضعه النبى(ص)؟! او ان بيوت الزوجات كانت
نحله لهن؟ فلنا ان نستفهم عما اثبت ذلك عند الخليفه ولم
تقم بينه، عليه ولا ادعته واحده منهن، وليست حيازتهن
للبيوت فى زمان رسول اللّه(ص) شاهدا على ملكيتهن لها،
لانها ليست حيازه استقلاليه، بل من شوون حيازه النبى(ص)
ككل زوجه بالنسبه الى زوجها؟ كما ان نسبه البيوت اليهن فى
الايه الكريمه: (وقرن فى بيوتكن)، لا يدل على ذلك، لان
الاضافه يكفى فى صحتها ادنى ملابسه، وقد نسبت الى
النبى(ص) فى القرآن الكريم بعد تلك الايه بمقدار قليل اذ قال
اللّه تبارك وتعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى الا
ان يوذن لكم). فاذا كان الترتيب القرآنى حجه، لزم الاخذ بما
تدل عليه هذه الايه . وورد فى صحاح السنه عن رسول
اللّه(ص) اسناد البيت اليه فى قوله: (ان ما بين بيتى ومنبرى
روضه من رياض الجنه).
5 - ولنتساءل عما اذا كان الحكم بعدم توريث الانبياء الذى
ذهب اليه الخليفه مما اختزنه الوحى لخاتم المرسلين(ص)،
واقتضت المصلحه تاخيره عن وقت الحاجه، واجراءه على
الصديقه دون سائر ورثه الانبياء؟ او ان الرسل السابقين قد
اهملوا تبليغه وتعريف خلفائهم وورثتهم به طمعا بالماده
الزائفه، واستبقاء لها فى اولادهم وآلهم؟ او انهم كانوا قد
انتهجوا هذا الطريق ونفذوا الحكم بعدم التوريث، ومع ذلك لم
يوثر فى التواريخ جميعا؟ او ان السياسه السائده يومذاك هى
التى انشات هذا الحكم؟
6 - ومن جهه اخرى هل يمكننا ان نقبل ان رسول اللّه(ص) يجر
على احب الناس اليه واقربهم منه البلايا والشدائد وهى التى
يغضب لغضبها ويسر لسرورها وينقبض لانقباضها، ولم يكن
ليكلفه دفع هذه المحن عنها اكثر من اعلامها بحقيقه الامر
لئلا تطلب ما ليس لها بحق، وكان رسول اللّه(ص) لذ له ان
ترزى ابنته، ثم تتسع هذه الرزيه فتكون اداه اختلاف وصخب
بين المسلمين عامه، وهو الذى ارسل رحمه للعالمين، فبقى
مصرا على كتمان الخبر عنها مع الاسرار به الى ابى بكر.
روايات الخليفه الاول ومناقشتها
1- لاجل ان نلقى نظره على الحديث من الناحيه المعنويه بعد
الملاحظات التى اسلفناها، نقسم الصيغه التى جاءت فى روايه
الموضوع الى قسمين:-
(الاول) ما جاء فى بعضها من ان ابا بكر بكى لما كلمته فاطمه
ثم قال: يا بنت رسول اللّه، واللّه ما ورث ابوك دينارا ولا درهما،
وانه قال: ان الانبياء لا يورثون. وما ورد فى حديث الخطبه من
قوله: (انى سمعت رسول اللّه(ص) يقول: انا معاشر الانبياء لا
نورث ذهبا ولا فضه ولا ارضا ولا عقارا ولا دارا لكنما نورث
الايمان والحكمه والعلم والسنه).
(الثانى) التعبير الذى تنقله عده اخبار عن الخليفه وهو ما رواه
عن رسول اللّه(ص) من (انا لا نورث ما تركناه صدقه).
2 - والنقطه المهمه فى هذا البحث هى معرفه ما اذا كانت هذه
الصيغ تدل بوضوح لا يقبل تشكيكا ولا تاويلا - وهو النص فى
العرف العلمى - على ان النبى(ص) لا تورث تركته، او ما اذا
كانت تصلح للتعبير بها عن معنى آخر وان كانت للتعبير بها عن
الحكم بعدم التوريث اصلح - وهو الظاهر فى الاصطلاح -
وللمساله تقدير ثالث وهو ان لا يرجح المعنى الذى هو فى
صالح الخليفه على ما قد يودى باللفظ من معان اخر - وهو
المجمل.
3 - اذا لاحظنا القسم الاول من صيغ الحديث وجدنا رواياته
تقبل ان تكون بيانا لعدم تشريع توريث الانبياء كما فهمه
الخليفه، ويمكن ان تكون كنايه عن معنى لا يبعد ان يقع فى
نفس رسول اللّه(ص) بيانه، وهو تعظيم مقام النبوه وتجليل
الانبياء، وليس من مظهر للجلاله الروحيه والعظمه الالهيه
اجلى دلاله واكثر ماديه من الزهد فى الدنيا، ولذائذها الزائفه،
ومتعها الفانيه. فلماذا لا يجوز لنا افتراض ان النبى(ص) اراد ان
يشير الى ان الانبياء اناس ملائكيون وبشر من الطراز الاسمى
الذى لا تشوبه الانانيات الارضيه والاهواء البشريه؟ لان
طبيعتهم قد اشتقت من عناصر السماء -بمعناها الرمزى -
المتدفقه بالخير لا من مواد هذا العالم الارضى، فهم ابدا ودائما
منابع الخير، والطالعون بالنور، والمورثون للايمان والحكمه،
والمركزون للسلطان الالهى فى الارض.
وليسوا مصادر للثروه
بمعناها المصطلح عليه فى عرف الناس، ولا بالساعين وراء
نفائسها. ولماذا لا يكون قوله: (انا معاشر الانبياء لا نورث ذهبا
ولا فضه ولا ارضا ولا عقارا ولا دارا) كنايه عن هذا المعنى؟ لان
توريثهم لهذه الاشياء انما يكون بحيازتهم لها، وتركهم اياها بعد
موتهم وهم منصرفون عنها، لا يحسبون لها حسابا ولا يقيمون
لها وزنا ليحصلوا على شىء منها. فما هو تحت اللفظ نفى
التوريث لعدم وجود التركه كما اذا قلنا: ان الفقراء لا يورثون، لا
انهم يختصون عن سائر الناس بحكم يقضى بعدم جريان احكام
الارث على تركاتهم.
والهدف الاصلى من الكلام بيان جلال الانبياء. وهذا الاسلوب
من البيان مما يتفق مع الاساليب النبويه الرائعه التى تطفح
بالمعانى الكبار وتزخر باسماها فى موجاتها اللفظيه القصيره.
4 - ولكى تتفق معى على تفسير معين للحديث، يلزم ان نعرف
معنى التوريث لنفهم الجمله النافيه له كمايلزم.
ومعنى التوريث جعل شىء ميراثا، فالمورث من يكون سببا
لانتقال المال من الميت الى قريبه وهذا الانتقال يتوقف على
امرين:-
(احدهما) وجود التركه.
(والاخر) القانون الذى يجعل للوارث حصه من مال الميت.
ويحصل الاول بسبب نفس الميت، والثانى بسبب المشرع الذى
وضع قانون الوراثه سواء اكان فردا اسندت اليه الناس
الصلاحيات التشريعيه او هيئه تقوم على ذلك، او نبيا يشرع
بوحى من السماء، فكل من الميت والمشرع له نصيب من ايجاد
التوارث، ولكن المورث الحقيقى الذى يستحق التعبير عنه بهذا
اللفظ بحق هو الميت الذى اوجد ماده الارث، لانه هو الذى هيا
للارث شرطه الاخير بما خلفه من ثروه، واما المشرع فليس
مورثا من ذلك الطراز لانه لم يجعل بوضعه للقانون، ميراثا
معينا بالفعل، بل شرع نظاما يقضى بان الميت اذا كان قد ملك
شيئا وخلفه بعد موته فهو لاقاربه. وهذا وحده لا يكفى لايجاد
مال موروث فى الخارج، بل يتوقف على ان يكون الميت قد
اصاب شيئا من المال وخلفه بعده.
فالواضع التشريعى نظير من يضيف عنصرا خاصا الى طبيعه
من الطبائع، فيجعلها قابله لاحراق ما يلاقيها. فاذا القيت اليها
بورقه فاحترقت كنت انت الذى احرقتها لا من اضاف ذلك
العنصر المحرق الى الطبيعه، والقاعده التى تعلل ذلك، ان كل
شىء يسند بحسب اصول التعبير الى الموثر الاخير فيه. وفى
ضوء هذه القاعده نعرف ان نسبه التوريث الى شخص تدل على
انه الموثر الاخير فى الارث، وهو الموروث الذى اوجد التركه.
فالمفهوم من جمله: ان الانبياء يورثون، انهم يحصلون على
الاموال ويجعلونها تركه من بعدهم، واذانفى التوريث عنهم،
كان مدلول هذا النفى انهم لا يهيوون للارث شرطه الاخير، ولا
يسعون وراء الاموال ليتركوها بعد وفاتهم لورثتهم. واذن فليس
معنى: ان الانبياء لا يورثون، عدم التوريث التشريعى، ونفى
الحكم بالارث، لان الحكم بالارث ليس توريثا حقيقيا، بل
التوريث الحقيقى تهيئه نفس التركه وهذا هو المنفى فى
الحديث.
وعلى طراز آخر من البيان ان التوريث الذى نفاه خاتم النبيين
عن الانبياء، ان كان هو التوريث التشريعى، كان مفاد النفى الغاء
قانون الارث من شرائع السماء، لان توريثهم التشريعى لا
يختص بورثتهم حتى يكون المنفى توريثهم خاصه. وان كان هو
التوريث الحقيقى، بمعنى تهيئه الجو المناسب للارث، سقطت
العباره عما اراد لها الصديق من معنى وكان معناها ان الانبياء لا
تركه لهم لتورث.
5 - وفى الروايه الاولى مهد الخليفه للحديث بقوله: (واللّه ما
ورث ابوك دينارا ولا درهما)، وهذا التعبير واضح كل الوضوح
فى نفى التركه وعدم ترك رسول اللّه(ص) شيئا من المال. فاذا
صح للخليفه ان يستعمل تلك الجمله فى هذا المعنى، فليصح
ان تدل صيغه الحديث عليه ايضا ويكون هو المقصود منها.
6 - واذا لاحظنا الامثله التى ذكرت فى الروايه الثانيه نجد فيها
ما يعزز قيمه هذا التفسير، لان ذكر الذهب والفضه والعقار
والدار - مع انها من مهمات التركه - لا يتفق مع تفسير الحديث
بان التركه لا تورث، لان اللازم ذكر اتفه الاشياء لبيان عموم
الحكم بعدم الارث لسائر مصاديق التركه. كما انا اذا اردنا ان
نوضح عدم ارث الكافر لشىء من تركه ابيه لم نقل: ان الكافر لا
يرث ذهبا ولا فضه ولا دارا وانما نقول: انه لا يرث تمره واحده
من تركه الميت. وبتعبير واضح ان الاهتمام بتوضيح
عموم الحكم لكل اقسام التركه يقتضى التصريح ببعض اقسام
المال الذى قد يتوهم متوهم عدم اندراجه فى التركه التى لا
تورث. وقولنا: الانبياء لا يورثون او ان الكفار لا نصيب لهم من
تركه آبائهم، يدل اول ما يدل على عدم انتقال الدار والعقار
والذهب والفضه وغيرها من نفيس التركه ومهمها. فذكر هذه
الامور فى الحديث يرجح ان المقصود بنفى توريث الانبياء، بيان
زهدهم وعدم اهتمامهم بالحصول على
نفائس الحياه المحدوده التى يتنافس فيها المتنافسون، لان
المناسب لهذا الغرض ذكر الاموال المهمه التى تكون حيازتها
وتوريثها منافيا للزهد والمقامات الروحيه العليا. واما الاخبار
عن عدم التوريث فى الشريعه فاللائق به ذكر التوافه من التركه
دون اقسامها الواضحه المهمه.
7 - وامر آخر يشهد لما ذكرناه من التفسير وهو الجمله الثانيه
الايجابيه فى الحديث اى جمله: (ولكنا نورث الايمان
والحكمه والعلم والسنه)، فانها لا تدل على تشريع وراثه هذه
الامور، بل على توفرها فى الانبياء الى حد يوهلهم لنشرها
واشاعتها بين الناس. فقد نفهم حينئذ ان المراد بالجمله الاولى
التى نفت التوريث، بيان ان الانبياء لا يسعون للحصول على
الذهب والعقار ونحوهما، ولا يكون لهم من ذلك شىء ليرثه
آلهم.
8 - ولا يجوز لنا ان نقيس عباره الحديث المرويه عن
النبى(ص) بقوله: (ان الناس لا يورثون الكافر من اقاربهم)، بل
يلزمنا ان نفرق بين التعبيرين لان المشرع اذا تكلم عمن يشرع
لهم احكامهم كان الظاهر من كلامه انه يلقى بذلك عليهم
حكما من الاحكام. فاخبار النبى(ص) عن عدم توريث الناس
للكافر من اقاربهم لا يصح تفسيره بانه اخبار فقط، بل يدل فوق
هذا على ان الكافر لا يرث فى شريعته. وتختلف عن ذلك
العباره التى نقلها الخليفه، لان موضوع الحديث فيها هو الانبياء
لا جماعه ممن تشملهم تشريعات النبى(ص) واحكامه، فليس
فى الامر ما يدل على حكم وراء الاخبار عن عدم توريثهم.
9 - وليس لك ان تعترض بان الانبياء كثيرا ما يحوزون على
شىء مما ذكر فى الحديث، فيلزم على ما ذكرت من التفسير ان
يكون الحديث كاذبا، لانك قد تتذكر ان الذى نفى عن الانبياء
هو التوريث خاصه، وهو ينطوى على معنى خاص، واعنى به
اسناد الارث الى المورث. وهذا الاسناد يتوقف على ان يكون
المورث قد سعى فى سبيل الحصول على المال الذى تركه
ميراثا بعده، كما يتوقف معنى المهذب على استعمال وسائل
التهذيب. فاذا استطاع شخص ان يقرا افكار عالم من علماء
الاخلاق، ويهذب نفسه على هدى تلك الافكار، لم يصح تسميه
ذلك العالم مهذبا، لان ايجاد اى شىء سواء اكان تهذيبا او توريثا
او تعليما او نحو ذلك لا يستقيم اسناده الى شخص الا اذا كان
للشخص عمل ايجابى، وتاثير ملحوظ فى تحقق ذلك الشىء
الموجود. والانبياء وان حازوا شيئا من العقارات والدور، ولكن
ذلك لم يكن بسعى منهم وراء المال كما هو شان الناس جميعا.
ونقرر علاوه على هذا ان المقصود من الكلام ليس هو بيان ان
الانبياء لا يورثون ولا يتركون مالا، بل ما يدل عليه ذلك من
مقامهم وامتيازهم. وما دامت الجمله كذلك ولم يكن الهدف
الحقيقى منها بيان معناها الحرفى، فلا يمنع حيازه الانبياء
لبعض تلك الاموال عن صواب التفسير الذى قدمناه، كما ان
من كنى قديما عن الكريم بانه كثير الرماد لم يكن كاذبا سواء
اكان فى بيت الكريم رماد، او لا، لانه لم يرد نعته بهذا الوصف
حقا وانما اشار به الى كرمه، لان اظهر لوازم الكرم يومذاك كثره
المطابخ الموجبه لكثره الرماد. وعدم التوريث من اوضح آثار
الزهد والورع، فيجوز ان يكون رسول اللّه(ص) قد اشار الى ورع
الانبياء بقوله: ان الانبياء لا يورثون.
10 - ولاجل ان نتبين معنى القسم الثانى من صيغ الحديث
يلزمنا ان نميز بين معان ثلاثه -:
(الاول) ان تركه الميت لا تورث، ومعنى هذا ان ما كان يملكه
الى حين وفاته، وتركه بعده لا ينتقل الى آله بل يصبح صدقه
حين موته.
(الثانى) ان ما تصدق به الميت فى حياته، او اوقفه على جهات
معينه لا يورث بل يبقى صدقه ووقفا، والورثه انما يورثون غير
الصدقات من الاموال التى كان يملكها الميت الى حين وفاته.
(الثالث) ان الشخص ليس لديه اموال مملوكه له لتورث، وكل
ما سوف يتركه من اموال انما هو من الصدقات والاوقاف.
ومتى عرفنا الفارق بين هذه المعانى يظهر ان صيغه الحديث
ليست واضحه كل الوضوح ولا غنيه عن البحث والتمحيص، بل
فى طاقتها التعبيريه امكانيات التفسير بالمعانى الانفه الذكر
جميعا، فان النصف الثانى من الحديث وهو - ما تركناه صدقه -
يجوز ان يكون مستقلا فى كيانه المعنوى، مركبا من مبتدا
وخبر، ويمكن ان يكون تكمله لجمله لا نورث. ففى الحاله
الاولى يقبل الحديث التفسير بالمعنى الاول والثالث من
المعانى السابقه لان جمله - ما تركناه صدقه - قد يراد بها ان
التركه لا تنتقل من ملك الميت الى آله وانما تصبح صدقه بعد
موته، وقد يقصد بها بيان المعنى الثالث وهو ان جميع التركه
صدقه ولم يكن يملك منها الميت شيئا ليورث كما اذا اشار
الانسان الى امواله وقال: ان هذه الاموال ليست ملكا لى وانما
هى صدقات اتولاها. والحديث على تقدير ان تكون له وحده
معنويه، يدل على المعنى الثانى، اى ان الصدقات التى تصدق
بها الميت فى حياته لا تورث دون سائر تركته، ويكون الموصول
مفعولا لا مبتدا. ويتضح من الصيغه على هذا التقدير نفس ما
يفهم منها اذا انعكس الترتيب فيها وجاءت هكذا: - ما تركناه
صدقه لا نورثه - فكما يوتى بهذه الجمله لبيان ان الصدقات لا
تورث، لا ان كل اقسام التركه صدقه، كذلك يصح ان يقصد
نفس ذلك المعنى من صيغه الحديث بترتيبها الماثور. فتكون
دليلا على عدم انتقال الصدقات الى الورثه لا على عدم تشريع
الارث اطلاقا. وقد يكون من حق سيبويه علينا ان نشير الى ان
قواعد النحو ترفع كلمه صدقه على تقدير استقلال - ما تركناه
صدقه معنويا وتنصبها على التقدير الاخر. ومن الواضح ان
الحركات الاعرابيه لا تلحظ فى التكلم عاده بالنسبه الى الحرف
الاخير من حروف الجمله للوقوف عليه المجوز لتسكينه.
11 - واذن فقد وضعنا بين يدى الحديث عده من المعانى فى
سبيل البحث عن مدلوله. وليس من الاسراف فى القول ان نقرر
ان تفسير الحديث بما يدل على ان اموال النبى(ص) تكون
صدقه بعد موته، لا يرجح على المعنيين الاخرين، بل قد نتبين
لونا من الرجحان للمعنى الثانى -وهو ان المتروك صدقه لا
يورث - دون سائر التركه اذا تاملنا ضمير الجمع فى الحديث،
وهو النون، وهضمنا دلالته كما يجب لان استعماله فى شخصه
الكريم خاصه لا يصح الا على سبيل المجاز، ثم هو بعد ذلك
بعيد كل البعد عن تواضع رسول اللّه(ص) فى قوله وفعله.
فالظواهر تجمع على ان النون قد استعملت فى جماعه، وان
الحكم الذى تقرره العباره ثابت لها وليس مختصا بالنبى(ص)،
والاوفق باصول التعبير ان تكون الجماعه جماعه المسلمين لا
الانبياء، لان الحديث مجرد عن قرينه تعين هولاء، ولم يسبق
بعهد يدل عليهم. وليس لك ان تعترض بان صيغه الحديث
يجوز انها كانت مقترنه حال صدورها من النبى(ص) بقرينه او
مسبوقه بعهد يدل على ان مراده من الضمير جماعه الانبياء،
لان اللازم ان نعتبر عدم ذكر الخليفه لشىء من ذلك - مع ان
الراوى لحديث لا بد له من نقل سائر ما يتصل به مما يصلح
لتفسيره - دليلا على سقوط هذا الاعتراض. واضف الى هذا ان
اغفال ذلك لم يكن من صالحه، واذن فليكن الواقع اللفظ ى
للحديث هو الواقع الماثور عن الخليفه بحدوده الخاصه بلا
زياده ولا نقيصه.
والمفهوم من الضمير حينئذ جماعه المسلمين لحضورهم ذاتا
عند صدور العباره من النبى(ص). وقد جرت عاده المتكلمين
على انهم اذا اوردوا جمله فى مجتمع من الناس، وادرجوا فيها
ضمير المتكلم الموضوع للجماعه، ان يريدوا بالضمير الجماعه
الحاضره. فلو ان شخصا من العلماء اجتمع عنده جماعه من
اصدقائه، واخذ يحدثهم وهو يعبر بضمير المتكلم الموضوع
للجمع بلا سبق ذكر العلماء، لفهم من الضمير ان المتكلم يعنى
بالجماعه نفسه مع اصدقائه الحاضرين لا معشر العلماء الذين
يندرج فيهم، ولو اراد جماعه غير اولئك الحاضرين لم يكن
مبينا بل ملغزا. وتعليقا على هذا التقدير ماذا تراه يكون هذا
الحكم الذى اثبته الحديث للمسلمين -الذين قد عرفنا
ان الضمير يدل عليهم هل يجوز ان يكون عباره عن عدم توريث
المسلم لتركته؟ او ان الاموال التى عند كل مسلم ليست ملكا
له وانما هى من الصدقات؟ كلا! فان هذا لا يتفق مع الضرورى
من تشريع الاسلام، لان المسلم فى عرف القرآن يملك بالوان
متعدده من اسباب الملك عند الناس، ويورث ما يتركه من
اموال (بعد وصيه يوصى بها او دين). وانت ترى معى الان
بوضوح ان الحكم ليس الا ان الصدقه لا تورث، فان هذا امر عام
لا يختص بصدقه دون صدقه بل يطرد فى سائر صدقات
المسلمين. ولا غرابه فى بيان الحكم بعدم توريث الصدقات فى
صدر زمان التشريع مع وضوحه الان، لان قواعد الشريعه
واحكامها لم تكن قد تقررت واشتهرت بين المسلمين فكان
لاحتمال انفساخ الصدقات والاوقاف بموت المالك ورجوعها
الى الورثه متسع، ولا يضعضع قيمه هذا التفسير عدم ذكر
الزهراء له واعتراضها به على الخليفه.
اما اولا: فلان الموقف الحرج الذى وقفته الزهراء فى ساعتها
الشديده لم يكن ليتسع لمثل تلك المناقشات الدقيقه، حيث
ان السلطه الحاكمه التى كانت تريد تنفيذ قراراتها بصوره
حاسمه قد سيطرت على الموقف بصرامه وعزم لا يقبلان
جدالا، ولذا نرى الخليفه لا يزيد فى جواب استدلال خصمه
بايات ميراث الانبياء على الدعوى الصارمه اذ يقول: (هكذا هو) -
كما فى طبقات ابن سعد - فلم يكن مصير هذه المناقشات لو
قدر لها ان تساهم فى الثوره بنصيب الا الرد والفشل.
|