واما ثانيا: فلان هذه المناقشات لم تكن تتصل بهدف الزهراء
وغرضها الذى كان يتلخص فى القضاء على جهاز الخلافه
الجديده كلها، فمن الطبيعى ان تقتصر على الاساليب التى هى
اقرب الى تحقيق ذلك الغرض، فتراها مثلا فى خطابها الخالد
خاطبت عقول الناس وقلوبهم معا، ولكنها لم تتجاوز فى
احتجاجها الوجوه البديهيه التى كان من القريب ان يستنكر
اغضاء الخليفه عنها كل احد، ويجر ذلك الاستنكار الى معارضه
حاميه.
فقد نفت وجود سند لحكم الخليفه من الكتاب الكريم، ثم
ذكرت ما يخالفه من الايات العامه المشرعه للتوارث بين سائر
المسلمين، والايات الخاصه الداله على توريث بعض الانبياء
كيحيى وداود(ع)، ثم عرضت المساله على وجه آخر وهو: ان ما
حكم به الخليفه لو كان حقا للزم ان يكون اعلم من رسول
اللّه(ص) ووصيه، لانهما لم يخبراها بالخبر مع انهما لو كانا على
علم به لاخبراها به، ومن الواضح ان الصديق لا يمكن ان يكون
اعلم بحكم التركه النبويه من النبى(ص) او على الذى ثبتت
وصايته لرسول اللّه(ص) وذلك فى قولها:
(يا ابن ابى قحافه افى كتاب اللّه ان ترث اباك ولا ارث ابى؟ لقد
جئت شيئا فريا! افعلى عمد تركتم كتاب اللّه ونبذتموه وراء
ظهوركم؟ اذ يقول: (وورث سليمان داود) وقال فيما اقتص من
خبر يحيى بن زكريا:
(فهب لى من لدنك وليا × يرثنى ويرث من آل يعقوب) وقال:
(واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض فى كتاب اللّه) افخصكم اللّه
بايه اخرج منها ابى؟ ام هل تقولون: اهل ملتين لا يتوارثان؟!
اولست انا وابى من اهل مله واحده؟ ام انتم اعلم بخصوص
القرآن وعمومه من ابى وابن عمى؟!).
وكانت ابرز الناحيتين فى ثورتها الناحيه العاطفيه. وليس من
العجيب ان تصرف الزهراء اكثر جهودها فى كسب معركه القلب،
فانه السلطان الاول على النفس، والمهد الطبيعى الذى
تترعرع فيه روح الثوره. وقد نجحت الحوراء فى تلوين صوره
فنيه رائعه تهز المشاعر، وتكهرب العواطف، وتهيمن على
القلوب، كانت هى افضل سلاح تتسلح به امراه فى ظروف
كظروف الزهراء.
ولاجل ان نستمتع بالجمال الفنى فى تلك الصوره الملونه
باروع الالوان، لا باس بان نستمع الى الصديقه حين خاطبت
الانصار بقولها:
(يا معشر البقيه، واعضاد المله، وحضنه الاسلام، ما هذه الفتره
عن نصرتى؟ والونيه عن معونتى؟ والغمزه فى حقى؟ والسنه
عن ظلامتى؟ اما كان رسول اللّه(ص) يقول: (المرء يحفظ فى
ولده)؟! سرعان ما احدثتم، وعجلان ما اتيتم، الان مات رسول
اللّه(ص) امتم دينه؟! ها ان موته لعمرى خطب جليل، استوسع
وهنه، واستبهم فتقه، وفقد راتقه، واظلمت الارض له، وخشعت
الجبال، واكدت الامال. اضيع بعده الحريم، وهتكت الحرمه،
واذيلت المصونه، وتلك نازله اعلن بها كتاب اللّه قبل موته،
وانباكم بها قبل وفاته، فقال: (وما محمد الا رسول قد خلت من
قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب
على عقبيه فلن يضر اللّه شيئا وسيجزى اللّه الشاكرين)ايها بنى
قيله! اهتضم تراث ابى وانتم بمراى ومسمع تبلغكم الدعوه،
ويشملكم الصوت، وفيكم العده والعدد، ولكم الدار والجنن،
وانتم نخبه اللّه التى انتخب وخيرته التى اختار...الخ).
واذن فلم تكن المناقشات فى تفسير الحديث وتاويله مما
تهضمها السلطات الحاكمه، ولا هى على علاقه بالغرض
الرئيسى للثائره من ثورتها.
وهذا يفسر لنا عدم تعرضها للنحله فى خطابها ايضا.
موقف الخليفه من مساله الميراث
1- يجب الان توضيح موقف الخليفه تجاه الزهراء فى مساله
الميراث وتحديد رايه فيها - بعد ان اوضحنا حظ الصيغ السابقه
من وضوح المعنى وخفائه - وهو موقف لا يخلو من تعقيد اذا
تعمقنا شيئا ما فى درس المستندات التاريخيه للقضيه. ومع ان
المستندات كثيره فانها مساله محيره ان نعرف ماذا عسى ان
تكون النقطه التى اختلف فيها المتنازعان، ومن الصعوبه
توحيد هذه النقطه.
والناس يرون ان مثار الخلاف بين ابى بكر والزهراء هو مساله
توريث الانبياء، فكانت الصديقه تدعى توريثهم، والخليفه ينكر
ذلك. وتقدير الموقف على هذا الشكل لا يحل المساله حلا
نهائيا ولا يفسر عده امور:
(الاول) قول الخليفه لفاطمه فى محاوره له معها - وقد طالبته
بفدك-: ان هذا المال لم يكن للنبى(ص) وانما كان مالا من
اموال المسلمين يحمل النبى به الرجال وينفقه فى سبيل اللّه،
فلما توفى رسول اللّه(ص) وليته كما كان يليه ن هذا الكلام يدل
بوضوح على انه كان يناقش فى امر آخر غير توريث الانبياء.
(الثانى) قوله لفاطمه فى محاوره اخرى: (ابوك واللّه خير منى
وانت واللّه خير من بناتى وقد قال رسول اللّه(ص): لا نورث ما
تركناه صدقه. يعنى هذه الاموال القائمه، وهذه الجمله
التفسيريه التى الحقها الخليفه بالحديث تحتاج الى عنايه، فانها
تفيدنا ان الخليفه كان يرى ان الحكم الذى تدل عليه عباره
الحديث مختص بالنبى(ص) وليس ثابتا لتركه سائر الانبياء ولا
لتركه سائر المسلمين جميعا، فحدد التركه التى لاتورث
بالاموال القائمه، وذكر ان رسول اللّه(ص) كان يعنيها هى
بالحديث. وعلى هذا التحديد نفهم ان المفهوم للخليفه من
الحديث ليس هو عدم توريث الصدقات، لان هذا الحكم عام، ولا
اختصاص له بالنبى(ص)، فلا يجوز ان يحدد موضوعه بالاموال
القائمه بل كان اللازم حينئذ ان ياتى الخليفه بجمله تطبيقيه
بان يقول: ان الاموال القائمه مما ينطبق عليها الحديث.
كما يتضح لدينا ان الخليفه لم يكن يفسر الحديث بان
النبى(ص) لاتورث تركته واملاكه التى يخلفها، بل تصبح
صدقه بعد موته، لانه لو كان يذهب هذا المذهب فى فهم
الحديث لجاء التفسير فى كلامه على اسلوب آخر، لان المقصود
من موضوع الحديث حينئذ تركه النبى(ص) على الاطلاق ولا
يعنى الاموال القائمه التى كانت تطالب بها الزهراء خاصه.
واعنى بذلك ان هذه الاموال الخاصه لو كانت قد خرجت عن
ملك النبى(ص) قبل وفاته، لم يكن الحكم بعدم التوريث ثابتا
لها كما ان غيرها من الاموال لو حصل (للنبى) لما ورثها آله
ايضا. فعدم توريث التركه النبويه ان ثبت فهو امتياز لكل ما
يخلفه النبى(ص) من املاك سواء اكانت هذه التى خلفها او
غيرها. ولا يصح ان يقال: انه عنى بالتركه الاموال القائمه التى
كانت تطالب بها الزهراء.
ونظير ذلك قولك لصاحبك: اكرم كل من يزورك الليله، ثم
يزوره شخصان فانك لم تعن بكلامك هذين الشخصين خاصه،
وانما انطبق عليهما الامر دون غيرهما على سبيل الصدفه.
وعلى اسلوب اوضح، ان تفسير التركه التى لا تورث باموال
معينه - وهى الاموال القائمه - يقضى بان الحكم المدلول عليه
بالحديث مختص - عند المفسر - بهذه الاموال المحدوده.
ولا ريب ان تركه النبى(ص) لو كانت لا تورث لما اختص الحكم
بالاموال المعينه المتروكه بالفعل، بل لثبت لكل ملك يتركه
النبى(ص) وان لم يكن من تلك الاموال. وايضا فمن حق
البحث ان اتساءل عن فائده الجمله التفسيريه، والغرض
المقصود من ورائها فيما اذا كان الحكم المفهوم للخليفه من
الحديث ان املاك النبى(ص) لا تورث، فهل كان صدق التركه
على الاموال القائمه مشكوكا، فاراد ان يرفع الشك لينطبق
عليها الحديث، ويثبت لها الحكم بعدم التوريث؟ واذا صح هذا
التقدير فالشك المذكور فى صالح الخليفه لان المال اذا لم
يتضح انه من تركه الميت لا ينتقل الى الورثه، فلا يجوز ان
يكون الخليفه قد حاول رفع هذا الشك، ولا يمكن ان يكون قد
قصد بهذا التطبيق منع الزهراء من المناقشه فى انطباق
الحديث على ما تطالب به من اموال، لانها ما دامت قد طالبت
بالاموال القائمه على وجه الارث فهى تعترف بانها من تركه
رسول اللّه(ص). ولنفترض ان الاموال القائمه قسم من التركه
النبويه وليس المقصود منها مخلفات رسول اللّه(ص) جميعا -
ولعلها عباره عن الاموال والعقارات الثابته نحو فدك - فهل
يجوز لنا تقدير ان غرض الخليفه من الجمله تخصيص الاموال
التى لا تورث بها؟ لا اظن ذلك، لان املاك النبى(ص) لا
تختلف فى التوريث وعدمه. ونخرج من هذه التاملات بنتيجه
وهى ان المفهوم من الحديث للخليفه ان رسول اللّه(ص) اخبر
عن عدم تملكه للاموال القائمه، واشار اليها بوصف التركه فقال:
(ما تركناه صدقه)، فشانه شان من يجمع ورثته ثم يقول لهم:
ان كل تركتى صدقه، يحاول بذلك ان يخبرهم بانها ليست ملكا
له ليرثوها بعده لان ذلك هو المعنى الذى يمكن ان يختص
بالاموال القائمه ويحدد موضوعه بها.
(الثالث) جواب الخليفه لرسول ارسلته فاطمه ليطالب بما كان
لرسول اللّه(ص) فى المدينه وفدك وما بقى من خمس خيبر،
اذ قال له: (ان رسول اللّه(ص) قال: لا نورث ما تركناه صدقه
انما ياكل آل محمد من هذا المال، وانى واللّه لا اغير شيئا من
صدقات رسول اللّه(ص) عن حالها التى كانت عليها فى عهد
رسول اللّه(ص)). فاننا اذا افترضنا ان معنى الحديث فى راى
الخليفه عدم توريث النبى(ص) لاملاكه، كان كلامه متناقضا،
لان استدلاله بالحديث فى صدر كلامه يدل حينئذ على انه
يعترف بان ما تطالب به الزهراء هو من تركه النبى(ص) واملاكه
التى مات عنها - ليصح انطباق الحديث عليه - والجمله
الاخيره من كلامه وهى قوله: (وانى واللّه لا اغير شيئا من
صدقات رسول اللّه(ص) عن حالها التى كانت عليها فى عهد
رسول اللّه(ص))، تعاكس هذا المعنى، لان ما طلبت الزهراء
تغييره عن ايام النبى(ص) - بزعم الخليفه - هو فدك وعقاراته
فى المدينه، وما بقى من خمس خيبر. فابو بكر حين يقول: انى
واللّه لا اغير شيئا من صدقات رسول اللّه(ص)، يعنى بها تلك
الاموال التى طالبت بها الزهراء، وراى معنى مطالبتها بها
تغييرها عن حالها السابقه، ومعنى تسميته لها بصدقات رسول
اللّه(ص) ان من رايه انها ليست ملكا للنبى(ص) بل من صدقاته
التى كان يتولاها فى حياته. ويوضح لناهذا ان استدلاله
بالحديث فى صدر كلامه لم يكن لاثبات ان املاك النبى(ص)
لا تورث وانما اراد بذلك توضيح ان الاموال القائمه ليست من
املاك النبى، لانه(ص) ذكر انها صدقه.
2 - ونستطيع ان نتبين من بعض روايات الموضوع ان الخليفه
ناقش فى توريث الانبياء لاملاكهم ولم يقصر النزاع على الناحيه
السابقه، فان الروايه التى تحدثنا بخطبه الزهراء واستدلال ابى
بكر بما رواه عن النبى(ص) من حديث: (انا معاشر الانبياء لا
نورث... الخ) واعتراض الزهراء عليه بالايات العامه المشرعه
للميراث والايات الخاصه الداله على توريث بعض الانبياء تكشف
عن جانب جديد من المنازعه اذ ينكر ابوبكر توريث النبى(ص)
لامواله، ويستند الى الحديث فى ذلك، ويلح فى الانكار كما تلح
فاطمه فى مناقشته والتشبث بوجهه نظرها فى المساله.
3 - واذن فللخليفه حديثان:
(الاول) لا نورث ما تركناه صدقه.
(والثانى) انا معاشر الانبياء لا نورث ذهبا ولا فضه. وقد ادعى
امرين:
احدهما: ان فدك صدقه فلا تورث.
والاخر: ان النبى(ص) لا تورث املاكه. واستدل بالحديث الاول
على ان فدك صدقه وبالحديث الثانى على ان النبى(ص) لا
يورث.
نتائج المناقشه
1 - قد لا يكون من العسير تصفيه الحساب مع الخليفه بعد ان
اتضح موقفه، وتقررت الملاحظات التى لاحظناها فى
الحديثين اللذين رواهما عن النبى(ص). وتتلخص المواخذه
التى آخذناه بها حتى الان فى عده امور نشير اليها لنجمع نتائج
ما سبق:
(الاول) ان الخليفه لم يصدق روايته فى بعض الاحايين كما
المعنا فى مستهل هذا الفصل...
(الثانى) ان من الاسراف فى الاحتمال ان نجوز اسرار
رسول اللّه(ص) الى الخليفه بحكم تركته واخفاءه عن بضعته
وسائر ورثته. وكيف اختص بالخليفه دون غيره بمعرفه الحكم
المذكور؟ مع ان النبى(ص) لم يكن من عادته الاجتماع بابى
بكر وحده الا بان يكون رسول اللّه(ص) اخبره بالخبر فى خلوه
متعمده ليبقى الامر مجهولا لدى ورثته وبضعته ويضيف بذلك
الى آلامها من ورائه محنه جديده.
(الثالث) ان عليا هو وصى رسول اللّه(ص) بلا ريب، للحديث
الدال على ذلك الذى ارتفع به رواته الى درجه التواتر واليقين
حتى شاع فى شعر اكابر الصحابه فضلا عن رواياتهم كعبد اللّه
بن عباس وخزيمه بن ثابت الانصارى وحجر بن عدى وابى
الهيثم بن التيهان وعبد اللّه بن ابى سفيان بن الحرث بن
عبدالمطلب وحسان بن ثابت وامير المومنين على بن ابى
طالب. واذن فالوصايه من الاوسمه الاسلاميه الرفيعه التى
اختص بها الامام بلا ريب.
وقد اختلف شيعه على وشيعه ابى بكر فى معنى هذه الوصايه
فذهب السابقون الاولون الى انها بمعنى النص عليه بالخلافه،
وتاولها الاخرون فقالوا: ان عليا وصى رسول اللّه(ص) على علمه
او شريعته او مختصاته. ولا نريد الان الاعتراض على هولاء او
تاييد اولئك، وانما نتكلم على الحديث بمقدار ما يتطلبه اتصاله
بموضوع هذا البحث ونقرر النتيجه التى يقضى بها على كل من
تلك التفاسير.
فنفترض اولا: ان الوصايه بمعنى الخلافه، ثم نتبين الصديق
على هدى الحديث. فانا سوف نراه شخصا سارقا لانفس
المعنويات الاسلاميه، ومتصرفا فى مقدرات الامه بلا سلطان
شرعى. ولا مجال لهذا الشخص حينئذ ان يحكم بين الناس، ولا
يسعنا ان نومن له بحديث.ولنترك هذا التفسير ما دام شديد
القسوه على صاحبنا ونقول: ان عليا وصى رسول اللّه(ص) على
علمه وشريعته، فهل يسعنا مع الاعتراف بهذه الوصايه المقدسه
ان نومن بحديث ينكره الوصى؟! وما دام هو العين الساهره على
شريعه السماء، فلا بد ان يوخذ رايه فى كل مساله نصا لا مناقشه
فيه، لانه ادرى بما اوصاه به رسول اللّه(ص) وائتمنه عليه. وخذ
اليك بعد ذلك الاسلوب الثالث، فانه ينتهى الى النتيجه
السابقه عينها لان عليا اذا كان وصيا لرسول اللّه(ص) على
تركته ومختصاته، فلا معنى لسطو الخليفه على التركه النبويه
ووصى النبى(ص) عليها موجود وهو اعرف بحكمها ومصيرها
الشرعى.
(الرابع) ان تاميم التركه النبويه من اوليات الخليفه فى التاريخ،
ولم يوثر فى تواريخ الامم السابقه ذلك، ولو كان قاعده متبعه
قد جرى عليها الخلفاء بالنسبه الى تركه سائر الانبياء لاشتهر
الامر، وعرفته امم الانبياء جميعا.
كما ان انكار الخليفه لملكيه رسول اللّه(ص)
لفدك - كما تدل عليه بعض المحاورات السابقه - كان فيه من التسرع شىء
كثير، لان فدك مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، بل
استسلم اهلها خوفا ورعبا باتفاق اعلام المورخين من السنه
والشيعه. وكل ارض يستسلم اهلها على هذا الاسلوب فهى
للنبى(ص) خالصه. وقد اشار اللّه تعالى فى الكتاب الكريم الى
ان فدك للنبى(ص) بقوله: (وما افاء اللّه على رسوله منهم فما
اوجفتم عليه من خيل ولا ركاب). ولم يثبت تصدق النبى بها
ووقفه لها.
(الخامس) ان الحديثين اللذين استدل بهما فى الموضوع لا
يقوم منهما دليل على ما اراد، وقد خرجنا من دراستهما قريبا
بمعنى لكل منهما لا يتصل بمذهب الخليفه عن قرب او بعد.
وان ابيت فلتكن المعانى الانفه الذكر متكافئه، ولتكن العباره
ذات تقادير متساويه، ولا يجوز حينئذ ترجيح معنى لها
والاستدلال بها عليه.
2 - هذه هى الاعتراضات التى انتهينا اليها آنفا. ونضيف اليها
الان اعتراضا سادسا بعد ان نفترض ان جمله (انا معاشر الانبياء
لا نورث) اقرب الى نفى الحكم بالميراث منها الى نفى التركه
الموروثه، ونقدر لجمله: (لا نورث ما تركناه صدقه) من المعنى
ما ينفع الخليفه، ونلغى تفسيرها بان الصدقه المتروكه لا تورث،
ثم ندرس المساله على ضوء هذه التقادير. وهذا الاعتراض
الجديد هو ان اللازم - فى العرف العلمى - متى صحت هذه
الفروض تاويل الخبر، ولم يجز الركون الى اوضح معانيه، لانه
يقرر حينئذ عدم توريث سائر الانبياء لتركاتهم، لما جاء فى
بعضها من التصريح بالتعميم نحو انا معاشر الانبياء لا نورث،
ولما دل عليه بالنون فى قوله: لا نورث ما تركناه صدقه، من
تعليق الحكم على جماعه. وحيث يتضح ان الحكم فى الحديث
عدم توريث التركه، يتجلى ان المراد بالجماعه جماعه الانبياء،
اذ لا توجد جماعه اخرى نحتمل عدم انتقال تركاتها الى الورثه.
وقد دل صريح القرآن الكريم على توريث بعض الانبياء، اذ قال
اللّه تبارك وتعالى فى كتابه الكريم مخبرا عن زكريا(ع): (وانى
خفت الموالى من ورائى وكانت امراتى عاقرا فهب لى من لدنك
وليا × يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا). والارث
فى الايه بمعنى ارث المال، لانه هو الذى ينتقل حقيقه من
الموروث الى الوارث، واما العلم والنبوه فلا ينتقلان انتقالا
حقيقيا، وامتناع انتقال العلم على نظريه اتحاد العاقل
والمعقول واضح كل الوضوح. واما اذا اعترفنا بالمغايره الوجوديه
بينهما، فلا ريب فى تجرد الصور العلميه وانها قائمه بالنفس
قياما صدوريا، بمعنى انها معلوله للنفس والمعلول الواحد
بحسب الذات - لا بمجرد الاتصال فقط - متقوم بعلته ومرتبط
الهويه بها، فيستحيل انتقاله الى عله اخرى. ولو افترضنا ان
الصور المدركه اعراض وكيفيات قائمه بالمدرك قياما حلوليا،
فيستحيل انتقالها لاستحاله انتقال العرض من موضوع الى
موضوع كما برهن عليه فى الفلسفه سواء اقلنا بتجردها او
بماديتها بان اعترافنا باشتمال الصور المدركه على الخصائص
العامه للماده من قابليه الانقسام ونحوها.
واذن فالعلم يستحيل انتقاله فى حكم المذاهب الفلسفيه
الدائره حول الصور العلميه جميعا.
واذا لاحظنا النبوه وجدنا انها هى الاخرى ايضا مما لا يجوز فى
عرف العقل انتقالها سواء اذهبنا فى تفسيرها مذهب بعض
الفلاسفه وقلنا انها مرتبه من مراتب الكمال النفسى، ودرجه
من درجات الوجود الانسانى الفاضل الذى ترتفع اليه المهيه
الانسانيه فى ارتقاءاتها الجوهريه وتصاعداتها نحو الكمال
المطلق، او اخذنا بالمعنى المفهوم للناس من الكلمه واعتبرنا
النبوه منصبا الهيا مجعولا لا كمنصب الملك والوزير،ويكون
ذلك التكامل النفسى شرطا له، فالمفهوم الاول يمتنع انتقاله
بالضروره لانه نفس وجود النبى(ص) وكمالاته الذاتيه، والنبوه
بالمعنى الاخر يستحيل انتقالها ايضا لانها حينئذ امر اعتبارى
متشخص الاطراف ولا يعقل تبدل طرف من اطرافه الا بتبدل
نفسه وانقلابه الى فرد آخر. فنبوه زكريا مثلا هى هذه التى
اختص بها زكريا ولن يعقل ثبوتها لشخص آخر لانها لا تكون
حينئذ تلك النبوه الثابته لزكريا بل منصبا جديدا او مقاما نبويا
حادثا.
والنظر الاولى فى المساله يقضى بامتناع انتقال العلم والنبوه
من دون حاجه الى هذا التعمق والتوسع. واذن فالنتيجه التى
يقررها العقل فى شوطه الفكرى القصير الذى لا يعسر على
الخليفه مسايرته فيه هى ان المال وحده الذى ينتقل دون
العلم والنبوه.
3 - وقد يعترض على تفسير الارث فى كلام زكريا بارث المال
بان يحيى(ع) لم يرث مال ابيه لاستشهاده فى حياته فيلزم
تفسير الكلمه بارث النبوه، لان يحيى قد حصل عليها ويكون
دعاء النبى حينئذ قد استجيب. ولكن هذا الاعتراض لا يختص
بتفسير دون تفسير، لان يحيى(ع) كما انه لم يرث مال ابيه
كذلك لم يخلفه فى نبوته. وما ثبت له من النبوه لم يكن وراثيا
وليس هو مطلوب زكريا وانما سال زكريا ربه وارثا يرثه بعد موته
ولذا قال: (وانى خفت الموالى من ورائى) اى بعد موتى، فان
كلامه يدل بوضوح على انه اراد وارثا يخلفه ولم يرد نبيا
يعاصره، والا لكان خوفه من الموالى بعد وفاته باقيا. فلا بد -
على كل تقدير - ان نوضح الايه على اسلوب يسلم عن
الاعتراض، وهو ان تكون جمله (يرثنى وي-رث م-ن آل يعقوب)،
جوابا للدعاء بمعنى ان رزقتنى ولدا يرث، لا صفه ليكون زكريا
قد سال ربه وليا وارثا. فما طلبه النبى من ربه تحقق وهو الولد
وتوريثه المال او النبوه لم يكن داخلا فى جمله ما سال ربه
وانما كان لازما لما رجاه فى معتقد زكريا(ع).
ويختلف تقدير العباره صفه عن تقديرها جوابا من النواحى
اللفظيه فى الاعراب، لان الفعل اذا كان صفه فهو مرفوع، واذا
كان جوابا يتعين جزمه. وقد ورد فى قراءته كلا الوجهين.
واذا لاحظنا قصه زكريا فى موضعها القرآنى الاخر وجدنا انه لم
يسال ربه الا ذريه طيبه، فقد قال تبارك وتعالى فى سوره آل
عمران: (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذريه
طيبه).
وافضل الاساليب فى فهم القرآن ما كان منه مركزا على القرآن
نفسه، وعلى هذا فنفهم من هذه الايه ان زكريا كان مقتصدا فى
دعائه ولم يطلب من ربه الا ذريه طيبه، وقد جمع القرآن
الكريم دعاء زكريا فى جمله واحده تاره وجعل لكل من الذريه
ووصفها دعوه مستقله فى موضع آخر فكانت جمله هب لى من
لدنك وليا طلبا للذريه، وجمله واجعله ربى رضيا دعوه
بان تكون الذريه طيبه. واذا جمعنا هاتين الجملتين ادت
نفس المعنى الذى تفيده عباره هب لى من لدنك ذريه طيبه.
وتخرج كلمه (يرثنى) بعد عمليه المطابقه بين الصيغتين
القرآنيتين عن حدود الدعاء، ولا بد حينئذ ان تكون جوابا له.
4 - وعلى ذلك يتضح ان كلمه الارث فى الايه
الكريمه قد اعطيت حقها من الاستعمال واريد بها ارث النبوه، لان الشىء
انما يصح ان يقع جوابا للدعاء فيما اذا كان ملازما للمطلوب
ومتحققا عند وجوده دائما او فى اكثر الاحايين. ووراثه النبوه
ليست ملازمه لوجود الذريه اطلاقا، بل قد لا تتفق فى مئات
الملايين من الاشخاص لما يلزم فى هذا المقام من كفاءه فذه
وكمال عظيم، فلا يجوز ان توضع النبوه بجلالها الفريد جوابا
لسوال اللّه تعالى ذريه طيبه، لان النسبه بين الذريه الانسانيه
وبين الجديرين بتحمل اعباء الرساله السماويه هى النسبه بين
الاحاد والملايين. واما وراثه المال فيمكن ان تكون جوابا لدعاء
زكريا(ع) لان الولد يبقى بعد ابيه على الاكثر فوراثته للمال مما
يترتب على وجوده غالبا، واضف الى ذلك ان زكريا نفسه لم
يكن يرى النبوه ملازمه لذريته بل ولا ما دونها من المراتب
الروحيه، ولذا سال ربه بعد ذلك بان يجعل ولده رضيا.
5 - ولنترك هذا لندرس كلمه الارث فى الايه على ضوء تقدير
الفعل صفه لا جوابا للدعاء. وفى رايى ان هذا التقدير لا يضطرنا
الى الخروج بنتيجه جديده، بل الارث فى كلمه (يرثنى) هو
ارث المال فى الحالين معا بلا ريب. والذى يعين هذا المعنى
للكلمه على التقدير الجديد امران:
( الاول) ان زكريا(ع) لو كان قد طلب من ربه ولدا وارثا لنبوته
لما طلب بعد ذلك ان يكون رضي-ا، لانه دخل فى دعوته الاولى
ما هو ارفع من الرضا.
(الثانى) ان اغفال الارث بالمره فى قصه زكريا الوارده فى سوره
آل عمران ان لم يدل على ان الارث خارج عن حدود الدعاء،
فهو فى الاقل يوضح ان معنى الارث فى الموضع القرآنى الاخر
للقصه ارث المال لا ارث النبوه، لان زكريا لو كان قد سال ربه
امرين: احدهما ان يكون ولده طيبا رضيا، والاخر ان يرث نبوته،
لما اقتصر القرآن الكريم على ذلك الوصف الاول الذى طلبه
زكريا(ع) فانه ليس شيئا مذكورا بالاضافه الى النبوه. ولكى
تتفق معى على هذا لاحظ نفسك فيما اذا سالك سائل بستانا
ودرهما فاعطيته الامرين معا. ثم اردت ان تنقل القصه وتخص
الدرهم بالذكر، لا اراك تفعل ذلك الا اذا كنت كثير التواضع.
ورجحان البستان على الدراهم فى حساب القيم الماديه هو
دون امتياز النبوه على طيب الذريه فى موازين المعنويات
الروحيه. واذن فقصه زكريا التى جاءت فى سوره آل عمران،
ولم يذكر فيها عن الارث كثير او قليل، دليل على ان الارث
المذكور فى الصوره الاخرى للقصه بمعنى ارث المال لا ارث
النبوه، والا لكان من ابرز عناصر القصه التى لا يمكن اغفالها.
(السادس) ولاحظ بعض الباحثين فى الايه الكريمه نقطتين
تفسران الارث فيها بارث النبوه:
(الاولى) قول زكريا عاطفا على كلمه (يرثنى): - (ويرث من آل
يعقوب) - فان يحيى لايرث اموال آل يعقوب، وانما يرث منهم
النبوه والحكمه.
(الثانيه) ما قدمه النبى تمهيدا لدعائه من قوله: وانى خفت
الموالى من ورائى، حيث ان خوفه انما كان بسبب الاشفاق على
معالم الدين، والرغبه فى بقائها باستمرار النبوه، لان هذا هو
اللائق بمقام الانبياء دون الحرص على الاموال، والخوف من
وصولها الى بعض الورثه.
واعترض اصحابنا على النقطه الاولى، بان زكريا(ع) لم يسال
ربه ان يرث ولده اموال آل يعقوب جميعا، وانما اراد ان يرث
منها، فلا يكون دليلا على التفسير المزعوم.
واما النقطه الثانيه فهى من القرائن على التفسير الذى اخترناه،
لان الخوف على الدين والعلم من ابناء العم لا معنى له، لان
اللطف الالهى لا يترك الناس سدى بلا حجه بالغه. فمعالم
الدين، وكلمه السماء محفوظه بالرعايه الالهيه، والنبوه
مخصوصه ابدا بالاقلين من نوابغ البشر لا يخشى عليها من
السطو والنهب. واذن فماذا كان يحسب زكريا ربه صانعا لو لم
يمن عليه بيحيى؟ اكان يحتمل ان يكلف برسالته مواليه؟ اعنى
بنى عمومته مع عدم كفاءتهم للقيام بواجب الرساله الالهيه
وعدم جدارتهم بهذا الشرف؟! او كان يرى ان اللّه تعالى يهمل
امر خلقه ليكون لهم الحجه عليه؟ ليس هذا ولا ذاك مم-ا
يجوزه نبى، وانما خاف زكريا من بنى اعمامه على امواله فطلب
من اللّه ولدا رضيا يرثها. ولا جناح عليه فى ذلك، اذ يحتمل ان
تكون رغبته فى صرف امواله عن بنى عمومته بسبب انها لو
آلت اليهم لوضعوها فى غير مواضعها، وانفقوها فى المعاصى
والوان الفساد لما كان يلوح عليهم من علامات الشر وامارات
السوء حتى قيل انهم شرار بنى اسرائيل.
وقد حاول ابن ابى الحديد ان يصور وجها لخوف زكريا من
الموالى على الدين من ناحيتين:
(الاولى) عن طريق اصول الشيعه، فذكر ان دعوى امتناع مثل
هذا الخوف على النبى غير مستقيم على مذهب الشيعه لان
المكلفين قد حرموا بغيبه الامام عندهم الطافا كثيره الوصله
بالشرعيات كالحدود وصلاه الجمعه والاعياد، وهم يقولون فى
ذلك ان اللوم على المكلفين لانهم قد حرموا انفسهم اللطف،
فهلا جاز ان يخاف زكريا(ع) من تبديل الدين وتغييره وافساد
الاحكام الشرعيه لانه انما يجب على اللّه التبليغ بالرسول الى
المكلفين، فاذا افسدوا هم الاديان وبدلوها لم يجب عليه ان
يحفظها عليهم لانهم هم الذين حرموا انفسهم اللطف.
ولاسجل ملاحظتى على هذا الكلام ثم انتقل بك الى الناحيه
الثانيه.
فاقول: ان الخوف من انقطاع النبوه انما يصح على اصول
الشيعه اذا نشا عن احتمال افساد الناس لدينهم على نحو لا
يستحقون معه ذلك، كما هو الحال فى زمان غيبه الامام
المنتظر صلوات اللّه عليه، لا فيما اذا كان سببه الاطلاع على
عدم لياقه جماعه خاصه للنبوه مع استحقاق الناس لها. فان
ارسال الرسول، او نصب من يقوم مقامه واجب فى هذه الصوره
على اللّه تعالى لما اوجبه على نفسه من اللطف بعباده. واذن
فقصور ابناء العمومه عن نيل المنصب الالهى لا يجوز ان ينتهى
بزكريا الى احتمال انقطاع النبوه وانطماس معالم الدين اذا كان
الناس مستحقين للالطاف الالهيه. واذا لم يكونوا جديرين بها
فمن الممكن انقطاع الاتصال بين السماء والارض سواء اكان بنو
العمومه صالحين او لا، وسواء من اللّه عليه بذريه او بقى عقيما.
والايه الكريمه تدل على ان الباعث الى الخوف فى نفس زكريا
انما هو فساد الموالى لا فساد الناس.
(الثانيه) عن طريق تفسير الموالى بالامراء، بمعنى ان زكريا
خاف ان يلى بعد موته امراء وروساء يفسدون شيئا من الدين،
فطلب من اللّه ولدا ينعم عليه بالنبوه والعلم ليبقى الدين
محفوظا.
ولنا ان نتساءل عما اذا كان هولاء الروساء الذين اشفق على
الدين منهم، هم الانبياء الذين يخلفونه او انهم اصحاب
السلطان الزمنى والحكم المنفصل عن السماء؟ ولا خوف منهم
على التقدير الاول اطلاقا لانهم انبياء معصومون. واما اذا كانوا
ملوكا فقد يخشى منهم على الدين. ولكن ينبغى ان نلاحظ ان
وجود النبى حينئذ هل يمنعهم عن التلاعب فى الشريعه
والاستخفاف بالدستور الالهى او لا؟ فان كان كافيا لوقايه
الشريعه وصون كرامتها فلماذا خاف زكريا من اولئك الامراء ما
دامت الالطاف الالهيه قد ضمنت للنبوه الامتداد فى تاريخ
الانسانيه الواعيه وخلود الاتصال بين الارض والسماء ما بقيت
الارض اهلا للتثقيف السماوى؟ وان لم يكن وجود النبى كافيا
للحراسه المطلوبه فلا يرتفع الخوف من الحاكمين بوجود ولد
لزكريا يرث عنه النبوه ما دام النبى قاصرا عن مقاومه القوه
الحاكمه، وما دام الامراء من الطراز المغشوش، مع ان الايه تدل
على ان زكريا كان يرى ان خوفه يرتفع فيما اذا من اللّه عليه
بولد رضى يرثه.
ونتيجه هذا البحث ان الارث فى الايه هو ارث المال بلا ريب.
واذن فبعض الانبياء يورثون وحديث الخليفه يقضى بان الجميع
لا يورثون.
فالايه والروايه متعاكستان وكل ماعارض الكتاب الكريم فهو
ساقط.
ولا يجوز ان نستثنى زكريا خاصه من سائر الانبياء، لان حديث
الخليفه لا يقبل هذا الاستثناء وهذا التفريق بين زكريا(ع)
وغيره. والنبوه ان اقتضت عدم التوريث فالانبياء كلهم لا
يورثون. ولا نحتمل ان يكون لنبوه زكريا(ع) خاصيه جعلته
يورث دون سائر الانبياء. وما هو ذنب زكريا(ع)، او ما هو فضله
الذى يسجل له هذا الامتياز؟ اضف الى ذلك ان تخصيص كلمه
الانبياء الوارده فى الحديث والخروج بها عما تستحقه من وضع
لاضروره له بعد ان كان الحديث كما اوضحناه سابقا، فهو
تفسير على كل حال، فلماذا نفسر الحديث بان تركه النبى لا
تورث لنضطر الى ان نقول بان رسول اللّه(ص) كان يعنى
بالانبياء غير زكريا(ع)؟ بل لناخذ بالتفسير الاخر ونفهم من
الحديث ان الانبياء ليس لهم من نفائس الدنيا ما يورثونه
ونحفظ للفظ العام حقيقته.
ونعرف مما سبق ان صيغه الحديث لو كانت صريحه فى ما اراده
الخليفه لها من المعانى، لناقضت القرآن الكريم، ومصيرها
الاهمال حينئذ. وليس فى المساله سبيل الى اعتبار الحديث
مدركا قانونيا فى موضوع التوريث، ولذا لم يتفطن الصديق الى
جواب يدفع به اعتراض خصمه عليه بالايه الانفه الذكر، ولم
يوفق واحد من اصحابه الى الدفاع عن موقفه. وليس ذلك الا
لانهم احسوا بوضوح ان الحديث يناقض الايه بمعناه الذى يبرر
موقف الحاكمين.
ولا يمكن ان نعتذر عن الخليفه بانه يجوز اختيار احد النصين
المتناقضين وتنفيذه كما يرتئيه جماعه من علماء الاسلام، وقد
اختار ان ينفذ مدلول الحديث، وذلك لان المعارض للقرآن
باطل بلا ريب لانه الحق، وهل بعد الحق الا الضلال؟!
مساله النحله
الناحيه الثانيه: المناقشه التى قامت بين الخليفه والصديقه
حول نحله رسول اللّه(ص) اياها فدك، فقد ادعت الصديقه
النحله وشهد بذلك قرينها وام ايمن فلم يقبل الخليفه دعواها،
ولم يكتف بشاهديها، وطالبها ببينه كامله وهى رجلان او رجل
وامراتان.
1 - والنقطه الاولى التى نواخذ الصديق عليها هى وقوفه
موقف الحاكم فى المساله مع ان خلافته لم تكتسب لونا شرعيا
الى ذلك الحين على اقل تقدير. ولكننا لا نريد الان ان نضع
هذه المواخذه قيد الدرس، لان المناقشه على هذا الشكل
تبعثنا الى آفاق واسعه من البحث وتضطرنا الى نسف الحجر
الاساسى لدنيا السياسه فى الاسلام،وهى عمليه
لهاحساب طويل.
2 - والملاحظه الثانيه فى الموضوع هى ان فدك اذا كانت فى
حيازه الزهراء3 فلا حاجه لها الى البينه وفى هذه الملاحظه
امران:
(اولا) من هو الذى كانت فدك فى حيازته؟ وهل كانت فى يد
الزهراء حقا؟ قد يمكن ان نفهم ذلك من قول امير المومنين
فى رسالته الخالده الى عثمان بن حنيف: بلى كانت فى ايدينا
فدك من كل ما اظلته السماء. فشحت عليها نفوس قوم،
وسخت عنها نفوس آخرين. فان المفهوم من كلمه ايدينا ان
فدك كانت فى ايدى اهل البيت وقد نصت على ذلك روايات
الشيعه.
وحصر ما كان فى تلك الايدى التى عناها الامام بفدك يدل
على انها كانت فى حيازه على وزوجه خاصه، ويمنع عن تفسير
العباره بان فدك كانت فى يد رسول اللّه(ص) باعتبار ان حيازته
حيازه اهل البيت، لاننا نعلم ان رسول اللّه(ص) كانت فى يده
اشياءاخرى غير فدك من مختصاته واملاكه.
(وثانيا) هل الحيازه دليل على الملكيه؟ والجواب الايجابى عن
هذه المساله مما اجمع عليه المسلمون، ولولا اعتبارها كذلك
لاختل النظام الاجتماعى للحياه الانسانيه.
وقد يعترض على دعوى ان فدك كانت فى يد
الزهراء بانها لم تحتج بذلك، ولو كانت فى يدها لكفاها ذلك عن دعوى النحله
والاستدلال بايات الميراث، وفى المستندات الشيعيه للقضيه جواب عن هذا الاعتراض
لانها تنقل احتجاج اهل البيت بذلك على الخليفه، غير اننا لا نريد دراسه المساله
على ضوء شىء
منها.
ولكن ينبغى ان نلاحظ ان فدك كانت ارضا متراميه الاطراف
وليس شانها شان التوافه من الاملاك والمختصات الصغيره
التى تتضح حيازه مالكها لها بادنى ملاحظه. فاذا افترضنا ان
فدك كانت فى يد فاطمه يتعهدها وكيلها الذى يقوم بزراعتها،
فمن يجب ان يعرف ذلك من الناس غير الوكيل؟!
ونحن نعلم ان فدك لم تكن قريبه من المدينه ليطلع اهلها
على شوونها، ويعرفوا من يتولاها، فقد كانت تبعد عنها بايام،
كما انها قريه يهوديه، وليست فى محيط اسلامى لتكون حيازه
فاطمه لها معروفه بين جماعه المسلمين.
فماذا كان يمنع الزهراء عن الاعتقاد بان
الخليفه سوف يطالبها بالبينه على ان فدك فى يدها اذا ادعت ذلك كما طالبها على
النحله ما دام -فى نظرها - مسيرا فى الموقف بقوه طاغيه من هواه لا تجعله يعترف
بشىء؟
وكان من السهل فى ذلك اليوم ان تبتلع الحوت وكيل فاطمه
على فدك او اى شخص له اطلاع على حقيقه الامر كما ابتلعت
ابا سعيد الخدرى فلم يرو النحله. وقد حدث بها بعد ذلك كما
ورد فى طريق الفريقين، او ان تقتله الجن كما قتلت سعد بن
عباده واراحت الفاروق، او ان يتهم بالرده لانه امتنع عن تسليم
صدقه المسلمين للخليفه كما اتهم مانعوا الزكاه والرافضون
لتسليمها له.
3 - ولنترك هذه المناقشه لنصل الى المساله الاساسيه وهى:
ان الخليفه هل كان يعتقد بعصمه الزهراء ويومن بايه التطهير
التى نفت الرجس عن جماعه منهم فاطمه او لا؟!
ونحن لا نريد ان نتوسع فى الكلام على العصمه واثباتها
للصديقه بايه التطهير لان موسوعات الاماميه فى فضائل اهل
البيت تكفينا هذه المهمه. ولا نشك فى ان الخليفه كان على
علم بذلك لان السيده عائشه نفسها كانت تحدث بنزول آيه
التطهير فى فاطمه وقرينها وولديها، وقد صرحت بذلك صحاح
الشيعه والسنه. وكان رسول اللّه(ص) كلما خرج الى الفجر بعد
نزول الايه يمر ببيت فاطمه ويقول الصلاه يا اهل البيت انما
يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا،
وقد استمر على هذا سته اشهر.
واذن فلماذا طلب الخليفه بينه من فاطمه على دعواها؟ وهل
تحتاج الدعوى المعلوم صدقها الى بينه؟
قال المعترضون على ابى بكر: ان البينه انما تراد ليغلب فى
الظن صدق المدعى، والعلم اقوى منها فاذا لزم الحكم للمدعى
الذى تقوم البينه على دعواه يجب الحكم للمدعى الذى يعلم
الحاكم بصدقه.
والاحظ ان فى هذا الدليل ضعفا ماديا لان المقارنه لم تقم فيه
بين البينه وعلم الحاكم، بالاضافه الى صلب الواقع، وانما لوحظ
مدى تاثير كل منهما فى نفس الحاكم، وكانت النتيجه حينئذ
ان العلم اقوى من البينه لان اليقين اشد من الظن. وكان من
حق المقارنه ان يلاحظ الاقرب منهما الى الحقيقه المطلوب
مبدئيا الاخذ بها فى كل مخاصمه. ولا يفضل علم الحاكم فى
هذا الطور من المقايسه على البينه، لان الحاكم قد يخطا كما
ان البينه قد تخطا، فهما فى شرع الواقع سواء كلاهما مظنه
للزلل والاشتباه.
ولكن فى المساله امر غفل عنه الباحثون ايضا، وهو ان ما يعلمه
الخليفه من صدق الزهراء يستحيل ان لا يكون حقيقه، لان
سبب علمه بصدقها ليس من الاسباب التى قد تنتج توهما
خاطئا وجهلا مركبا، وانما هو قرآن كريم دل على عصمه
المدعيه. وعلى ضوء هذه الخاصيه التى يمتاز بها العلم بصدق
الزهراء، يمكننا ان نقرر ان البينه التى قد تخطا اذا كانت دليلا
شرعيا مقتضيا للحكم على طبقه. فالعلم الذى لا يخط ى وهو
ما كان بسبب شهاده اللّه تعالى بعصمه المدعى، وصدقه اولى
بان يكتسب تلك الصفه فى المجالات القضائيه.
وعلى اسلوب آخر من البيان نقول: ان القرآن الكريم لو كان قد
نص على ملكيه الزهراء لفدك وصدقها فى دعوى النحله لم
يكن فى المساله متسع للتشكيك لمسلم اومساغ للتردد
لمحكمه من محاكم القرآن. ومن الواضح ان نصه على عصمه
الزهراء فى قوه النص على النحله، لان المعصوم لا يكذب، فاذا
ادعى شيئا فدعواه صائبه بلا شك. ولا فرق بين النص على
العصمه والنص على النحله فيما يتصل بمسالتنا، سوى ان
ملكيه الزهراء لفدك هى المعنى الحرفى للنص الثانى، والمعنى
المفهوم من النص الاول عن طريق مفهومه الحرفى.
4 - ونقول من ناحيه اخرى: ان احدا من المسلمين لم يشك
فى صدق الزهراء ولم يتهمها بالافتراء على ابيها، وانما قام النزاع
بين المتنازعين فى ان العلم بصواب الدعوى هل يكفى مدركا
للحكم على وفقها او لا؟ فلندع آيه التطهير ونفترض ان
الخليفه كان كاحد هولاء المسلمين، وعلمه بصدق الزهراء
حينئذ ليس حاويا على الامتياز الذى اشرنا اليه فى النقطه
السابقه، بل هو علم فى مصاف سائر الاعتقادات التى تحصل
باسباب هى عرضه للخطا والاشتباه، ولا يدل حينئذ جعل
البينه دليلا على مشاركته لها فى تلك الخاصيه، لانه ليس
اولى منها بذلك كما عرفنا سابقا.
ولكن الحاكم يجوز له مع ذلك - ان يحكم على وفق علمه، كما
يجوز له ان يستند فى الحكم الى البينه بدليل ما جاء فى الكتاب
الكريم مما يقرر ذلك، اذ قال اللّه تعالى فى سوره النساء: (واذا
حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل)، وقال فى سوره
الاعراف: (وممن خلقنا امه يهدون بالحق وبه يعدلون) اى
يحكمون.
وللحق والعدل ملاحظتان:-
(احداهما) الحق والعدل فى نفس الامر والواقع.
(والاخرى) الحق والعدل بحسب الموازين القضائيه. فالحكم
على وفق البينه. حق واعتدال فى عرف هذه الملاحظه وان
اخطات، ويعاكسه الحكم على وفق شهاده الفاسق، فانه ليس
حقا ولا عدلا وان كان الفاسق صادقا فى خبره.
والمعنى بالكلمتين فى الايتين الكريمتين ان
كان هو المعنى الاول للحق والعدل، كانتا دالتين على صحه الحكم بالواقع من دون
احتياج الى البينه فاذا احرز الحاكم ملكيه شخص لمال صح له ان يحكم بذلك لانه
يرى انه الحق الثابت فى الواقع والحقيقه العادله، فحكمه بملكيه ذلك الشخص للمال
مصداق فى عقيدته للحكم بالحق والعدل الذى امر به اللّه تعالى. واما اذا فسرنا
الكلمتين فى الايتين بالمعنى الثانى اعنى ما يكون حقا وعدلا بحسب مقاييس القضاء
فلا يستقيم الاستدلال بالنصين القرآنيين على شىء فى الموضوع لانهما لا يثبتان
حينئذ ان اى قضاء يكون قضاء بالحق وعلى طبق النظام، واى قضاء لا يكون كذلك؟ ومن
الواضح ان المفهوم المتبادر من الكلمتين هو المعنى الاول دون الثانى وخاصه كلمه
الحق، فانها متى وصف بها شىء فهم ان ذلك الشىء امر ثابت فى الواقع، فالحكم بالحق عباره
عن الحكم بالحقيقه الثابته. ويدل على ذلك الاسلوب الذى
صيغت عليه الايه الاولى، فانها تضمنت امرا بالحكم بالعدل.
وواضح جدا ان تطبيق التنظيمات الاسلاميه فى
موارد الخصومه لا يحتاج الى امر شرعى، لان نفس وضعها قانونا للقضاء معناه لزوم
تطبيقها، فلا يكون الامر بالتزام القانون الا تكرارا او تنبيها، وليس من حقيقه
الامر فى شىء. واما الامر
بالحكم على طبق الحقائق الواقعيه سواء اكان عليها دليل من
بينه وشهاده او لا، فهو من طبيعه الامر بالصميم لانه تقرير
جديد يوضح ان الواقع هو ملاك القضاء الاسلامى والمحور الذى
ينبغى ان يدور عليه دون ان يتقيد بالشكليات والادله الخاصه.
واذن فالايتان دليل على اعتبار علم الحاكم فى قوانين القضاء
الاسلاميه.
واضف الى ذلك ان الصديق نفسه كان يكتفى كثيرا بالدعوى
المجرده عن البينه. فقد جاء عنه فى صحيح البخارى ان
النبى(ص) لما مات، جاء لابى بكر مال من قبل العلاء بن
الحضرمى فقال ابو بكر: من كان له على النبى دين او كانت له
قبله عده فلياتنا. قال جابر: وعدنى رسول اللّه(ص) ان يعطينى
هكذا وهكذا وهكذا فبسط يده ثلاث مرات، قال جابر: فعد فى
يدى خمسمائه، ثم خمسمائه، ثم خمسمائه.
وروى فى الطبقات عن ابى سعيد الخدرى انه قال: سمعت
منادى ابى بكر ينادى بالمدينه حين قدم عليه مال البحرين:
من كانت له عده عند رسول اللّه(ص) فليات؟ فياتيه رجال
فيعطيهم. فجاء ابو بشير المازنى فقال: ان رسول اللّه(ص) قال:
يا ابا بشير اذا جاءنا شىء فاتنا، فاعطاه ابو بكر حفنتين او ثلاثا
فوجدوها الفا واربعمائه درهم.
فاذا كان الصديق لا يطالب احدا من الصحابه بالبينه على الدين
او العده فكيف طلب من الزهراء بينه على النحله؟!
وهل كان النظام القضائى يخص الزهراء وحدها بذلك او ان
الظروف السياسيه الخاصه هى التى جعلت لها هذا الاختصاص؟
ومن الغريب حقا ان تقبل دعوى صحابى لوعد النبى(ص)
بمبلغ من المال وترد دعوى بضعه رسول اللّه(ص) لانها لم تجد
بينه على ما تدعيه.
واذا كان العلم بصدق المدعى مجوزا لاعطائه ما يدعيه فلا ريب
ان الذى لا يتهم جابرا او ابا بشير بالكذب يرتفع بالزهراء عن
ذلك ايضا.
واذا لم يكن اعطاء الخليفه لمدعى العده ما طلبه على اساس
الاخذ بدعواه، وانما دعاه احتمال صدقه الى اعطائه ذلك،
وللامام ان يعط ى اى شخص المبلغ الذى يراه، فلماذا لم يحتط
بمثل هذا الاحتياط فى مساله فدك؟!
وهكذا انجز الصديق وعود رسول اللّه(ص) التى لم تقم عليها
بينه واهمل هباته المنجزه التى ادعتها سيده نساء العالمين.
وبقى السوال عن الفارق بين الديون والعدات وبين نحله بلا
جواب مقبول.
5 - ولنستانف مناقشتنا على اساس جديد وهو: ان الحاكم لا
يجوز له الحكم على طبق الدعوى المصدقه لديه اذا لم يحصل
المدعى على بينه تشهد له، ونهمل النتيجه التى انتهينا اليها
فى النقطه السابقه ونسال على هذا التقدير:
(اولا) عما منع الصديق من التقدم بالشهاده على النحله اذا
كان عالما بصدق الحوراء سلام اللّه عليها، اذ يضم بذلك شهادته
الى شهاده على وتكتمل بهما البينه ويثبت الحق. واعتباره
لنفسه حاكما لا يوجب سقوط شهادته لان شهاده الحاكم
معتبره وليست خارجه عن الدليل الشرعى الذى اقام البينه
مرجعا فى موارد الخصومه.
(وثانيا) عن التفسير المقبول لاغفال الخليفه للواقع المعلوم
لديه بحسب الفرض. ولاجل توضيح هذه النقطه يلزمنا ان نفرق
بين امرين اختلطا على جمله الباحثين فى المساله.
(احدهما) الحكم للمدعى بما يدعيه.
(والاخر) تنفيذ آثار الواقع.
واذا افترضنا ان الاول محدود بالبينه فالاخر واجب على كل
تقدير، لانه ليس حكما ليحدد بحدوده. فاذا علم شخص بان
بيته للاخر فسلمه لمالكه، لم يكن هذا حكما بملكيته له، وانما
هو اجراء للاحكام التى نص عليها القانون. كما ان الحاكم نفسه
اذا ادعى شخص عنده ملكيه بيت وكان فى حيازته، او دل
الاستصحاب على الملكيه المدعاه، فاللازم عليه وعلى غيره
من المسلمين ان يعتبروا هذا البيت كسائر ممتلكات ذلك
المدعى. وليس معنى هذا ان الحاكم حكم بان البيت ملك
لمدعيه مستندا الى قاعده اليد او الاستصحاب. وان المسلمين
اخذوا انفسهم باتباع هذا الحكم، بل لو لم يكن بينهم حاكم
للزمهم ذلك. وليس الاستصحاب او اليد من موازين الحكم فى
الشريعه وانما يوجبان تطبيق احكام الواقع.
والفارق بين حكم الحاكم بملكيه شخص لمال، او فسقه
ونحوهما من الشوون التى تتسع لها صلاحيات الحاكم وبين
تطبيق آثار تلك الامور هو: امتياز الحكم بفصل الخصومه،
ونعنى بهذا الامتياز ان الحاكم اذا اصدر حكما حرم نقضه على
جميع المسلمين، ولزم اتباعه من دون نظر الى مدرك آخر
سوى ذلك الحكم.
واما تطبيق القاضى لاثار الملكيه عمليا بلا حكم فلا يترتب
عليه ذلك المعنى ولا يجب على كل مسلم متابعته واجراء تلك
الاثار كما يجريها الا اذا حصل له العلم بذلك كما حصل للحاكم.
والنتيجه: ان الخليفه اذا كان يعلم بملكيه الزهراء لفدك،
فالواجب عليه ان لا يتصرف فيها بما تكرهه، ولا ينزعها منها
سواء اجاز له ان يحكم على وفق علمه او لا. ولم يكن فى
المساله منكر ينازع الزهراء ليلزم طلب اليمين منه واستحقاقه
للمال اذا اقسم، لان الاموال التى كانت تطالب بها الزهراء اما ان
تكون لها او للمسلمين. وقد افترضنا ان ابا بكر هو الخليفه
الشرعى للمسلمين يومئذ، واذن فهو وليهم المكلف بحفظ
حقوقهم واموالهم، فاذا كانت الزهراء صادقه فى رايه، ولم يكن
فى الناس من ينازعها فليس للخليفه ان ينتزع فدك منها.
وتحديد الحكم بالبينه خاصه انما يحرم الحكم ولا يجيز انتزاع
الملك من صاحبه.
واذن فعدم جواز حكم الحاكم على وفق علمه لايخفف من
صعوبه الحساب ولا يخرج الخليفه ناجحا من الامتحان.
محمد باقر الصدر
مصادر الدراسه والتحقيق
1 - الاتقان فى علوم القران/جلال الدين السيوط ى (ت 911هـ)،
تحقيق الدكتور محمد ابو الفضل ابراهيم - الهيئه المصريه
العامه للكتاب/ 1975.
2 - اصول الكافى/ابو جعفر محمد بن يعقوب الكلينى الرازى
(ت 328هـ)، تصحيح الشيخ الاملى - منشورات المكتبه
الاسلاميه - المطبعه الاسلاميه - 1388ه.
3 - اعلام النساء/عمر رضا كحاله، موسسه الرساله - بيروت - ط
10 / 1412ه .
4 - الامامه والسياسه/ابن قتيبه عبداللّه بن مسلم ابو محمد
الدينورى (ت 276هـ)، الطبعه الاخيره - القاهره - مطبعه
مصطفى البابى الحلبى / 1969.
5 - البدايه والنهايه/اسماعيل بن كثيرالدمشقى (ت 774هـ)،
طبعه دار صادر - بيروت.
6 - بلاغات النساء/ابو الفضل احمد بن ابى طاهر طيفور (ت
280هـ)، منشورات الشريف الرضى - قم المقدسه.
7 - التاج الجامع للاصول فى احاديث الرسول/الشيخ منصور
على ناصف من علماء الازهر،دار احياء التراث العربى/ طبعه
مصوره - استانبول - ط 3 / 1962.
8 - تاريخ بغداد/الخطيب البغدادى، دار الكتب العلميه.
9 - تاريخ الخلفاء/جلال الدين السيوط ى، تحقيق محمد محى
الدين عبدالحميد - طبعه مصوره - منشورات الشريف الرضى -
قم.
10 - تاريخ ابن شحنه على هامش تاريخ الكامل، طبعه قديمه.
11 - تاريخ الطبرى/ابو جعفر محمد بن جرير
الطبرى (ت 310هـ):
ا - الطبعه المحققه/محمد ابو الفضل/دار التراث - بيروت.
ب - الطبعه الاولى - طبعه المطبعه الحسينيه - مصر.
ج - طبعه مطبعه الاستقامه - القاهره / 1357هـ .
د - طبعه دار الكتب العلميه - بيروت - ط 2 / 1408هـ .
12 - تذكره الخواص/سبط ابن الجوزى ( ت 654هـ)، اصدار
مكتبه نينوى الحديثه - طهران.
13 - التفسير الكبير/الامام فخرالدين الرازى (ت 606هـ)، نشر
دار الكتب العلميه - طهران - ط 3.
14 - حليه الاولياء/ابونعيم الاصفهانى (ت 430هـ)، دار
الكتاب العربى بيروت ط 5/1407هـ .
15 - الدر المنثور فى التفسير بالماثور/جلال الدين السيوط ى،
المطبعه الميمنيه بمصر 1314هـ .
16 - ذخائر العقبى/الحافظ محب الدين الطبرى ( ت 694هـ)،
دار المعرفه - بيروت.
17 - السقيفه والخلافه/عبدالفتاح عبدالمقصود، دار غريب -
القاهره.
18 - سنن ابن ماجه/القزوينى، تحقيق محمد فواد عبدالباقى -
طبع دار الفكر - بيروت.
19 - سنن الدارمى/ابو محمد عبداللّه بن
عبدالرحمن بن بهرام الدارمى( ت 255هـ)، دار الفكر القاهره /
1398ه .
20 - السنن الكبرى/البيهقى ابو بكر احمد بن الحسين بن على،
طبعه دار الفكر.
21 - السيره النبويه/ابن هشام (ت 218هـ)، تحقيق مصطفى
السقا واخرين - دار الكنوزالادبيه، وطبعه دار احياء التراث
العربى - بيروت.
22 - السيره الحلبيه/على بن برهان الدين الحلبى الشافعى،
المكتبه الاسلاميه - بيروت.
23 - شرح نهج البلاغه/ابن ابى الحديد المعتزلى (ت 655هـ):
ا - الطبعه المحققه - محمد ابو الفضل ابراهيم - دار احياء
الكتب العربيه - مصر.
ب - طبعه قديمه - غير محققه.
24 - صحيح البخارى/محمد بن اسماعيل البخارى (ت 256هـ):
ا - دار الطباعه العامره - استانبول / 1315ه .
ب - طبعه دار القلم - بيروت - ط 1 / 1987.
25 - صحيح الترمذى/ابو عيسى على بن عيسى
الترمذى (ت 279هـ)، تحقيق كمال الحوت -
طبعه دار الفكر - بيروت،
وطبعه دار احياء التراث العربى - بيروت.
26 - صحيح مسلم/مسلم بن الحسين القشيرى ( ت
26هـ)،
تحقيق محمد فواد عبدالباقى - داراحياء التراث العربى - ط 2 /
1978.
27 - صحيح سنن المصطفى (سنن ابى داود)/ابو داود، دار
الكتاب العربى - بيروت.
28 - الصواعق المحرقه/احمد بن حجر الهيتمى
(ت 974هـ):
ا - طبعه مكتبه القاهره - شركه الطباعه الفنيه - ط 2 / 1385هـ .
ب - طبعه حديثه - بيروت.
29 - الطبقات الكبرى/محمد بن سعد (ت 230هـ):
ا- دار بيروت للطباعه / 1985.
ب- طبعه دار صادر.
30 - العقد الفريد/ابن عبد ربه الاندلسى (ت
327هـ)، طبعه دار
مكتبه الهلال - ط 1 / 1986.
31 - فتوح البلدان/احمد بن يحيى بن جابر البلاذرى (ت 279هـ)، تعليق ومراجعه رضوان محمد رضوان - دار الكتب 3العلميه
- بيروت / 1978.
32 - الكامل فى التاريخ/ابن الاثير:
ا - دار صادر - بيروت / 1399ه .
33 - الكشاف/جاراللّه محمود الزمخشرى (ت 528هـ)، ضبط
مصطفى حسين - نشر دار الكتاب العربى - بيروت - ط 3.
34 - كفايه الطالب/الحافظ محمد بن يوسف الكنجى الشافعى
(ت 658هـ)، دار احياء تراث اهل البيت - طهران / 1404ه .
35 - مختصر تاريخ ابن عساكر/ابن منظور الافريقى صاحب
لسان العرب (ت 771هـ)،تحقيق ابراهيم صالح - دار الفكر -
دمشق / 1989.
36 - المراجعات/العلامه عبدالحسين شرف الدين، تحقيق
حسين الراضى - نشر دار الكتاب الاسلامى.
37 - مسند الامام احمد بن حنبل (ت 241هـ)، طبعه دار صادر
- بيروت، وطبعه دار الفكر وبهامشه كنز العمال (المنتخب).
38 - المستدرك على الصحيحين/الحاكم النيسابورى (ت
405هـ)، تحقيق مصطفى عبدالقادر عطا - دار الكتب العلميه -
بيروت - ط 1.
39 - مروج الذهب/المسعودى (ت 346هـ)، تحقيق عبدالامير
مهنا/موسسه الاعلمى -بيروت، وايضا تحقيق شارل بلا -
بيروت / 1970.
40 - الملل والنحل/ابو الفتح محمد بن عبدالكريم الشهرستانى
(ت 548هـ)، نشر مكتبه الانجلو المصريه - القاهره..
41 - المصباح المنير/الفيومى، نشر دار الهجره - قم.
42 - معارج الاصول/المحقق الحلى (ت 676 هـ)، نشر موسسه
ال البيت: - قم.
43 - معجم البلدان/ياقوت الحموى (ت 626هـ)، طبعه دار
احياء التراث - بيروت / 1399ه .
44 - المناقب/الخوارزمى احمد بن محمد المكى (ت 568هـ)،
تحقيق المحمودى - طبع قم المقدسه.
|