ويزيدك وضوحا وبيانا ما في التذكرة لسبط ابن الجوزي
الحنفي((286)) (ص‏20)، فانه بعد عد معان عشرة للمولى
وجعل عاشرهاالاولى، قال:والمراد من الحديث: الطاعة
المخصوصة، فتعين الوجه العاشر وهو الاولى، ومعناه: من كنت
اولى به من نفسه فعلي اولى‏به، وقد صرح بهذا المعنى الحافظ
ابو الفرج يحيى بن سعيد الثقفي الاصبهاني في كتابه المسمى
بمرج البحرين، فانه روى هذاالحديث باسناده الى مشايخه،
وقال فيه: فاخذ رسول اللّه(( بيد علي فقال: ((من كنت وليه
واولى به من نفسه فعلي وليه))، فعلم ان جميع‏المعاني راجعة
الى الوجه العاشر، ودل عليه ايضا قوله (ع): ((الست اولى
بالمؤمنين من انفسهم)) وهذا نص صريح في اثبات
امامته‏وقبول طاعته.
ونص ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول (ص‏16) على
ذهاب طائفة الى حمل اللفظ في الحديث على الاولى،
وسيوافيك نظير هذه‏الجمل في محله ان شاء اللّهتعالى.
القرينة الثانية: ذيل الحديث، وهو قوله (ص): ((اللهم وال من
والاه، وعاد من عاداه)) وفي جملة من طرقه بزيادة قوله:
((وانصر من‏نصره، واخذل من خذله)) او ما يؤدي مؤداه، وقد
اسلفنا ذكر الجماهير الراوين له، فلا موجب الى التطويل باعادة
ذكرهم، ومر عليك في‏ذكر الكلمات الماثورة حول سند
الحديث (ص‏266 281) بان تصحيح كثير من العلماء له مصبه
الحديث مع ذيله، وفي وسع الباحث‏ان يقرب كونه قرينة
للمدعى بوجوه لا تلتئم الا مع معنى الاولوية الملازمة للامامة:
احدها: انه (ص) لما صدع بما خول اللّه سبحانه وصيه من
المقام الشامخ بالرئاسة العامة على الامة جمعاء، والامامة
المطلقة من بعده،كان يعلم بطبع الحال ان تمام هذا الامر
بتوفر الجنود والاعوان وطاعة اصحاب الولايات والعمال مع
علمه بان في الملا من يحسده، كماورد في الكتاب
العزيز((287))((287))، وفيهم من يحقد عليه ، وفي زمر المنافقين من
يضمر له العداء لاوتار جاهلية، وستكون من بعده هنات‏تجلبها
النهمة والشره من ارباب المطامع لطلب الولايات والتفضيل
في العطاء، ولا يدع الحق عليا (ع) ان يسعفهم بمبتغاهم،
لعدم‏الحنكة والجدارة فيهم فيقلبون عليه ظهر المجن، وقد
اخبر (ص) مجمل الحال بقوله: ((ان تؤمروا عليا ولا اراكم
فاعلين تجدوه هاديامهديا))، وفي لفظ: ((ان تستخلفوا عليا
وما اراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا)) راجع (ص‏12 و13) من
هذا الكتاب.
فطفق (ص) يدعو لمن والاه ونصره، وعلى من عاداه وخذله،
ليتم له امر الخلافة، وليعلم الناس ان موالاته مجلبة لموالاة اللّه
سبحانه،وان عداءه وخذلانه مدعاة لغضب اللّه وسخطه،
فيزدلف الى الحق واهله، ومثل هذا الدعاء بلفظ العام لا يكون الا
في من هذا شانه،ولذلك ان افراد المؤمنين الذين اوجب اللّه
محبة بعضهم لبعض لم يؤثر فيهم هذا القول، فان منافرة
بعضهم لبعض جزئيات لا تبلغ هذاالمبلغ، وانما يحصل مثله
فيما اذا كان المدعو له دعامة الدين، وعلم الاسلام، وامام الامة،
وبالتثبيط عنه يكون فت في عضد الحق‏وانحلال لعرى الاسلام.
ثانيها: ان هذا الدعاء بعمومه الافرادي بالموصول، والازماني
والاحوالي بحذف المتعلق يدل على عصمة الامام (ع) لافادته
وجوب‏موالاته ونصرته والانحياز عن العداء له وخذلانه على كل
احد في كل حين وعلى كل حال، وذلك يوجب ان يكون (ع)
في كل تلك الاحوال‏على صفة لا تصدر منه معصية، ولا يقول
الا الحق، ولا يعمل الا به، ولا يكون الا معه، لانه لو صدر منه
شي‏ء من المعصية لوجب الانكارعليه ونصب العداء له، لعمله
المنكر والتخذيل عنه، فحيث لم يستثن (ص) من لفظه العام
شيئا من اطواره وازمانه علمنا انه لم يكن(ع) في كل تلك
المدد والاطوار الا على الصفة التي ذكرناها، وصاحب هذه
الصفة يجب ان يكون اماما لقبح ان يؤمه من هو دونه على ماهو
المقرر في محله، واذا كان اماما فهو اولى بالناس منهم
بانفسهم.
ثالثها: ان الانسب بهذا الدعاء الذي ذيل (ص) به كلامه، ولا بد
انه مرتبط بما قبله ان يكون غرضه (ص) بيان تكليف على
الحاضرين من‏فرض الطاعة ووجوب الموالاة، فيكون في الدعاء
ترغيب لهم على الطاعة والخضوع له، وتحذير عن التمرد
والجموح تجاه امره، وذلك‏لا يكون الا اذا نزلنا المولى بمعنى
الاولى، بخلاف ما اذا كان المراد به المحب او الناصر، فانه
حينئذ لم يعلم الا ان عليا (ع) محب من‏يحبه رسول اللّه (ص)
او ينصر من ينصره، فيناسب اذن ان يكون الدعاء له ان قام
بالمحبة او النصرة، لا للناس عامة ان نهضوابموالاته، وعليهم
ان تظاهروا بنصب العداء له، الا ان يكون الغرض بذلك توكيد
الصلات الودية بينه وبين الامة اذا علموا انه يحب‏وينصر كل
فرد منهم في كل حال وفي كل زمان، كما ان النبي (ص)
كذلك، فهو يخلفه عليهم، وبذلك يكون لهم منجاة من كل
هلكة، وماوى‏من كل خوف، وملجا من كل ضعة، شان الملوك
ورعاياهم، والامراء والسوقة، فانهما في النبي (ص) على هذه
الصفة، فلا بد ان يكونافيمن يحذو حذوه ايضا كذلك، والا
لاختل سياق الكلام، فالمعنى على ما وصفناه بعد المماشاة مع
القوم متحد مع معنى الامامة، ومؤدمفاد الاولى.
وللحديث الفاظ اثبتها حفاظ الحديث متصلة به في مختلف
تخريجاتهم لاتلتئم الا مع المعنى الذي حاولنا من المولى.
القرينة الثالثة: قوله (ص): ((يا ايها الناس بم تشهدون؟ قالوا:
نشهد ان لا اله الا اللّه. قال: ثم مه؟ قالوا: وان محمدا عبده
ورسوله. قال:فمن وليكم؟ قالوا: اللّه ورسوله مولانا.
ثم ضرب بيده الى عضد علي، فاقامه، فقال: من يكن اللّه
ورسوله مولاه فان هذا مولاه...)).
هذا لفظ جرير، وقريب منه لفظ امير المؤمنين (ع) ولفظ زيد
بن ارقم وعامر ابن ليلى، وفي لفظ حذيفة بن اسيد بسند
صحيح:
((الستم تشهدون ان لا اله الا اللّه وان محمدا عبده ورسوله؟...
الى ان قال :
قالوا: بلى نشهد بذلك.
قال: اللهم اشهد، ثم قال: يا ايها الناس ان اللّه مولاي وانا مولى
المؤمنين، وانا اولى بهم من انفسهم، فمن كنت مولاه فهذا
مولاه)). يعني‏عليا((288)).
فان وقوع الولاية في سياق الشهادة بالتوحيد والرسالة وسردها
عقيب المولوية المطلقة للّه سبحانه ولرسوله من بعده لا يمكن
الا ان‏يراد بها معنى الامامة الملازمة للاولوية على الناس منهم
بانفسهم.
القرينة الرابعة: قوله (ص) عقيب لفظ الحديث: ((اللّه اكبر على
اكمال الدين، واتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، والولاية لعلي
بن ابي‏طالب)).
وفي لفظ شيخ الاسلام الحموئي((289)): ((اللّه اكبر، تمام
نبوتي وتمام دين اللّه ولاية علي بعدي))((290)).
فاي معنى تراه يكمل به الدين، ويتم النعمة، ويرضي الرب في
عداد الرسالة غير الامامة التي بها تمام امرها وكمال نشرها
وتوطيددعائمها؟ اذن فالناهض بذلك العب‏ء المقدس اولى
الناس منهم بانفسهم.
القرينة الخامسة: قوله (ص) قبل بيان الولاية: ((كاني دعيت
فاجبت))، او: ((انه يوشك ان ادعى فاجيب))، او: ((الا واني
اوشك ان افارقكم))،او: ((يوشك ان ياتي رسول ربي فاجيب))،
وقد تكرر ذكره عند حفاظ الحديث كما مر((291)).
وهو يعطينا علما بانه (ص) كان قد بقي من تبليغه مهمة يحاذر
ان يدركه الاجل قبل الاشادة بها، ولولا الهتاف بها بقي ما بلغه
مخدجا،ولم يذكر (ص) بعد هذا الاهتمام الا ولاية امير
المؤمنين وولاية عترته الطاهرة الذين يقدمهم هو صلوات اللّه
عليه كما في نقل مسلم،فهل ((292))من الجائز ان تكون
تلك المهمة المنطبقة على هذه الولاية الامعنى الامامة
المصرح بها في غير واحد من الصحاح؟ وهل‏صاحبها الا اولى
الناس بانفسهم؟
القرينة السادسة: قوله (ص) بعد بيان الولاية لعلي (ع):
((هنئوني هنئوني ان اللّه تعالى خصني بالنبوة، وخص اهل
بيتي بالامامة)) كما مر (ص‏274)، فصريح العبارة هو
الامامة‏المخصوصة باهل بيته الذين سيدهم والمقدم فيهم هو
امير المؤمنين (ع) ، وكان هو المراد في الوقت الحاضر.
ثم نفس التهنئة والبيعة والمصافقة والاحتفال بها واتصالها
ثلاثة ايام، كما مرت هذه كلها (ص‏269 283) لا تلائم غير
معنى الخلافة‏والاولوية، ولذلك ترى الشيخين ابا بكر وعمر لقيا
امير المؤمنين فهناه بالولاية. وفيها بيان لمعنى المولى الذي
لهج به (ص)، فلايكون المتحلي به الا اولى الناس منهم
بانفسهم.
القرينة السابعة: قوله (ص) بعد بيان الولاية: ((فليبلغ الشاهد
الغائب))، كما مر (ص‏33 ، 160 ، 198)، اوتحسب انه (ص) يؤكد
هذاالتاكيد في تبليغ الغائبين امرا علمه كل فرد منهم بالكتاب
والسنة من الموالاة والمحبة والنصرة بين افراد المسلمين
مشفوعا بذلك‏الاهتمام والحرص على بيانه؟ لا احسب ان
ضؤولة الراي يسف بك الى هذه الخطة، لكنك ولا شك تقول:
انه (ص) لم يرد الا مهمة لم تتح‏الفرص لتبليغها ولا عرفته
الجماهير ممن لم يشهدوا ذلك المجتمع، وما هي الا مهمة
الامامة التي بها كمال الدين، وتمام النعمة، ورضاالرب، وما فهم
الملا الحضور من لفظه (ص) الا تلك، ولم يؤثر له (ص) لفظ
اخر في ذلك المشهد يليق ان يكون امره بالتبليغ له،
وتلك‏المهمة لا تساوق الا معنى الاولى من معاني المولى.
القرينة الثامنة: قوله (ص) بعد بيان الولاية في لفظ ابي سعيد
وجابر المذكور (ص‏43 ، 232 ، 233 ، 234 ، 237): ((اللّه اكبر
على اكمال‏الدين، واتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، والولاية
لعلي من بعدي))، وفي لفظ وهب المذكور (ص‏60): ((انه
وليكم بعدي)). وفي لفظ‏علي‏الذي اسلفناه (ص‏165): ((ولي
كل مؤمن بعدي)).
وكذلك ما اخرجه((293)) الترمذي، واحمد، والحاكم،
والنسائي، وابن ابي‏شيبة والطبري، وكثيرون اخرون من
الحفاظ بطرق صحيحة‏من قوله (ص):
((ان عليا مني وانا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي))، وفي اخر:
((هو وليكم بعدي)).
وما اخرجه ابو نعيم في حلية الاولياء (1/86) واخرون((294))
باسناد صحيح من قوله (ص):
((من سره ان يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن
غرسها ربي، فليوال عليا من بعدي، وليقتد بالائمة من بعدي،
فانهم‏عترتي خلقوا من طينتي)). الحديث.
وما اخرجه ابو نعيم في الحلية (1/86) باسناد صحيح رجاله
ثقات عن حذيفة وزيد وابن عباس عنه (ص):
((من سره ان يحيى حياتي ويموت ميتتي، ويتمسك بالقصبة
الياقوتة التي خلقها اللّه بيده ثم قال لها: كوني، فكانت، فليتول
علي بن‏ابي طالب من بعدي)).
فان هذه التعابير تعطينا خبرا بان الولاية الثابتة لامير المؤمنين
(ع) مرتبة تساوق ماثبت لصاحب الرسالة مع حفظ التفاوت
بين‏المرتبتين بالاولية والاولوية، سواء اريد من لفظ (بعدي)
البعدية الزمانية او البعدية في الرتبة، فلا يمكن ان يراد اذن من
المولى الاالاولوية على الناس في جميع شؤونهم، اذ في ارادة
معنى النصرة والمحبة من المولى بهذا القيد ينقلب الحديث
ويعد منقصة دون‏مفخرة كما لايخفى.
القرينة التاسعة: قوله (ص) بعد ابلاغ الولاية:
((اللهم انت شهيد عليهم اني قد بلغت ونصحت)). فالاشهاد
على الامة بالبلاغ والنصح يستدعي ان يكون ما بلغه (ص) ذلك
اليوم امراجديدا لم يكن قد بلغه قبل. مضافا الى ان بقية معاني
المولى العامة بين افراد المسلمين من الحب والنصرة لاتتصور
فيها اي حاجة الى‏الاشهاد على الامة في علي خاصة، الا ان
تكون فيه على الحد الذي بيناه.
القرينة العاشرة: قوله (ص) قبل بيان الحديث وقد مر (ص‏165
و196):
((ان اللّه ارسلني برسالة ضاق بها صدري، وظننت ان الناس
مكذبي فاوعدني لا بلغها او ليعذبني)).
ومر في (ص‏221) بلفظ: ((ان اللّه بعثني برسالة، فضقت بها
ذرعا، وعرفت ان الناس مكذبي، فوعدني لا بلغن، او ليعذبني)).
و(ص‏166) بلفظ: ((اني راجعت ربي خشية طعن اهل النفاق
ومكذبيهم فاوعدني لابلغها او ليعذبني)).
ومر (ص‏51): ((لما امر النبي ان يقوم بعلي بن ابي طالب المقام
الذي قام به فانطلق النبي(( الى مكة، فقال: رايت الناس
حديثي عهد بكفربجاهلية، ومتى افعل هذا به يقولوا: صنع هذا
بابن عمه. ثم مضى حتى قضى حجة الوداع)). الحديث.
ومر (ص‏219): ان اللّه امر محمدا ان ينصب عليا للناس،
فيخبرهم بولايته، فتخوف النبي(( ان يقولوا: حابى ابن عمه،
وان يطعنوا في ذلك‏عليه. الحديث.
ومر (ص‏217): لما امر اللّه رسوله(( ان يقوم بعلي، فيقول له ما
قال، فقال: ((يا رب ان قومي حديثو عهد بجاهلية)) كذا في
النسخ ثم‏مضى بحجه، فلما اقبل راجعا نزل بغدير خم.
الحديث.
ومر (ص‏217): لما جاء جبرئيل بامر الولاية ضاق النبي(( بذلك
ذرعا، وقال: ((قومي حديثو عهد بالجاهلية))، فنزلت: (يا ايها
الرسول)الاية.
هذه كلها تنم عن نبا عظيم كان يخشى في بثه بوادر اهل
النفاق وتكذيبهم، فالذي كان يحاذره (ص) ويتحقق به القول
بانه حابى ابن‏عمه يستدعي ان يكون امرا يخص امير المؤمنين،
لا شيئا يشاركه فيه المسلمون اجمع من النصرة والمحبة، وما
هو الا الاولوية بالامروما جرى مجراها من المعاني.
القرينة الحادية عشرة: جاء في اسانيد متكثرة: التعبير عن
موقوف يوم الغدير بلفظ النصب، فمر (ص‏57) عن عمر بن
الخطاب:نصب رسول اللّه عليا علما، و(165) عن علي (ع) ((امر
اللّه نبيه ان ينصبني للناس...)) وفي قوله الاخر في رواية
العاصمي كما تاتي:((نصبني علما))، ومر (ص‏199) عن الامام
الحسن السبط: ((اتعلمون ان رسول اللّه نصبه يوم غدير خم))
و(ص‏200) عن عبداللّه بن جعفر:ونبينا قد نصب لامته افضل
الناس واولاهم وخيرهم بغدير خم، و(ص‏208) عن قيس بن
سعد: نصبه رسول اللّه بغدير خم، و(ص‏219)عن ابن عباس
وجابر: امر اللّه محمدا ان ينصب عليا للناس، فيخبرهم بولايته،
و(ص‏231) عن ابي سعيد الخدري: لما نصب رسول اللّهعليا يوم
غدير خم، فنادى له بالولاية.
فان هذا اللفظ يعطينا خبرا بايجاد مرتبة للامام (ع) في ذلك
اليوم لم تكن تعرف له من قبل غير المحبة والنصرة،
المعلومتين لكل احد،والثابتتين لاي فرد من افراد المسلمين،
على ما ثبت من اطراد استعماله في جعل الحكومات وتقرير
الولايات، فيقال: نصب السلطان‏زيدا واليا على القارة الفلانية،
ولا يقال: نصبه رعية له او محبا او ناصرا او محبوبا او منصورا به
على زنة ما يتساوى به افرادالمجتمع الذين هم تحت سيطرة
ذلك السلطان.
مضافا الى مجي‏ء هذا اللفظ في غير واحد من الطرق مقرونا
بلفظ الولاية او متلوا بكونه للناس او للامة.
وبذلك كله تعرف ان المرتبة المثبتة له هي الحاكمية المطلقة
على الامة جمعاء، وهي معنى الامامة الملازمة للاولوية
المدعاة في‏معنى المولى، ويستفاد هذا المعنى من لفظ ابن
عباس الاخر الذي مر (ص‏51 و217)، قال:
لما امر النبي(( ان يقوم بعلي المقام الذي قام به....
ويصرح بالمعنى المراد ما مر (ص‏165) من قوله (ص):
((ان اللّه امر ان انصب لكم امامكم والقائم فيكم بعدي ووصيي
وخليفتي، والذي فرض اللّه على المؤمنين في كتابه طاعته،
فقرن بطاعته‏طاعتي، وامركم بولايته)).
وقوله المذكور (ص‏215): ((فان اللّه قد نصبه لكم وليا واماما،
وفرض طاعته على كل احد، ماض حكمه، جائز قوله)).
القرينة الثانية عشرة: ما مر (ص‏52 و217) من قول ابن عباس
بعد ذكره الحديث: فوجبت واللّه في رقاب القوم، في لفظ. وفي
اعناق‏القوم، في اخر، فهو يعط‏ي ثبوت معنى جديد مستفاد من
الحديث غير ما عرفه المسلمون قبل ذلك وثبت لكل فرد
منهم، واكد ذلك‏باليمين وهو معنى عظيم يلزم الرقاب، وياخذ
بالاعناق لدة الاقرار بالرسالة، لم يساو الامام (ع) فيه غيره،
وليس هو الا الخلافة التي‏امتاز بها من بين المجتمع الاسلامي،
ولا يبارحه معنى الاولوية.
القرينة الثالثة عشرة: ما اخرجه شيخ الاسلام الحموئي في فرائد
السمطين عن ابي هريرة قال:
لما رجع رسول اللّه عن حجة الوداع نزلت اية: (يا ايها الرسول
بلغ ما انزل اليك) ولما سمع قوله تعالى: (واللّه يعصمك من
الناس) اطمان‏قلبه الى ان قال بعد ذكر الحديث : وهذه اخر
فريضة اوجب اللّه على عباده، فلما بلغ رسول اللّه(( نزل قوله:
(اليوم اكملت لكم دينكم)الاية.
يعطينا هذا اللفظ خبرا بان رسول اللّه (ص) صدع في كلمته
هذه بفريضة لم يسبقها التبليغ، ولا يجوز ان يكون ذلك معنى
المحبة‏والنصرة لسبق التعريف بهما منذ دهر كتابا وسنة، فلم
يبق الا ان يكون معنى الامامة الذي اخر امره حتى تكتسح عنه
العراقيل،وتمرن النفوس بالخضوع لكل وحي يوحى، فلا تتمرد
عن مثلها من عظيمة تجفل عنها النفوس الجامحة، وهي
الملائمة لمعنى‏الاولى.
القرينة الرابعة عشرة: تقدم (ص‏29 و36) في حديث زيد بن
ارقم بطرقه الكثيرة:
ان ختنا له ساله عن حديث غدير خم، فقال له: انتم اهل العراق
فيكم ما فيكم.
فقلت له: ليس عليك مني باس.
فقال: نعم، كنا بالجحفة فخرج رسول اللّه....
ومر (ص‏24) عن عبداللّه بن العلاء انه قال للزهري لما حدثه
بحديث الغدير: لا تحدث بهذا بالشام. واسلفناك (ص‏273) عن
سعيد بن‏المسيب انه قال: قلت لسعد بن ابي وقاص: اني اريد
ان اسالك عن شي‏ء واني اتقيك. قال: سل عما بدا لك فانما انا
عمك....
فان الظاهر من هذه كلها انه كان بين الناس للحديث معنى لا
يامن معه راويه من ان يصيبه سوء اولدته العداوة للوصي
صلوات اللّهعليه في العراق وفي الشام، ولذلك ان زيدا اتقى
ختنه العراقي، وهو يعلم ما في العراقيين من النفاق والشقاق
يوم ذاك، فلم يبد بسره‏حتى امن من بوادره، فحدثه بالحديث،
وليس من الجائز ان يكون المعنى حينئذ هو ذلك المبتذل
لكل مسلم، وانما هو معنى ينوءبعبئه الامام (ع) بمفرده،
فيفضل بذلك على من سواه، وهو معنى الخلافة المتحدة مع
الاولوية المرادة.
القرينة الخامسة عشرة: احتجاج امير المؤمنين (ع) بالحديث
يوم الرحبة بعد ان الت اليه الخلافة ردا على من نازعه فيها
كما مر(ص‏344) وافحام القوم به لما شهدوا، فاي حجة له في
المنازعة بالخلافة في المعنى الذي لا يلازم الاولوية على
الناس من الحب‏والنصرة؟
القرينة السادسة عشرة: مر في حديث الركبان (ص‏187 191):
ان قوما منهم ابو ايوب الانصاري سلموا على امير المؤمنين
(ع)بقولهم: السلام عليك يا مولانا. فقال (ع): ((كيف اكون
مولاكم وانتم رهط من العرب؟))
فقالوا: انا سمعنا رسول اللّه (ص) يقول: ((من كنت مولاه فعلي
مولاه)).
فانت جد عليم بان امير المؤمنين لم يتعجب او لم يرد كشف
الحقيقة للملا الحضور لمعنى مبذول هو شرع سواء بين افراد
المسلمين آوهو ان يكون معنى قولهم: السلام عليك يا محبنا
او ناصرنا لا سيما بعد تعليل ذلك بقوله: ((وانتم رهط من
العرب)). فما كانت النفوس‏العربية تستنكف من معنى المحبة
والنصرة بين افراد جامعتها، وانما كانت تستكبر ان يخص واحد
منهم بالمولوية عليهم بالمعنى‏الذي نحاوله، فلا ترضخ له الا
بقوة قاهرة عامتهم، او نص الهي يلزم المسلمين منهم، وما
ذلك الا معنى الاولى المرادف للامامة،والولاية المطلقة التي
استحفى (ع) خبرها منهم، فاجابوه باستنادهم في ذلك الى
حديث الغدير.
القرينة السابعة عشرة: قد سلفت في (ص‏191) اصابة دعوة
مولانا امير المؤمنين (ع) اناسا كتموا شهادتهم بحديث الغدير
في يومي‏مناشدة الرحبة والركبان، فاصابهم العمى والبرص،
والتعرب بعد الهجرة، او افة اخرى، وكانوا من الملا الحضور في
مشهد يوم‏الغدير.
فهل يجد الباحث مساغا لاحتمال وقوع هاتيك النقم على
القوم، وتشديد الامام (ع) بالدعاء عليهم لمحض كتمانهم معنى
النصرة‏والحب العامين بين افراد المجتمع الديني، فكان من
الواجب اذن ان تصيب كثيرا من المسلمين الذين تشاحنوا،
وتلاكموا، وقاتلوا، فقمواجذوم((295)) تينك الصفتين، وقلعوا
جذورهما، فضلا عن كتمان ثبوتهما بينهم، لكن المنقب لا يرى
الا انهم وسموا بشية العار،واصابتهم الدعوة بكتمانهم نبا
عظيما يختص به هذا المولى العظيم صلوات اللّه عليه‏ وما
هو الا ما اصفقت عليه‏النصوص،وتراكمت‏القرائن من‏امامته
واولويته على‏الناس‏منهم‏بانفسهم.
ثم ان نفس كتمانهم للشهادة لا تكون لامر عادي هو شرع سواء
بينه وبين غيره، وانما الواجب ان تكون فيه فضيلة يختص بها،
فكانهم‏لم يرقهم ان يتبجح الامام بها، فكتموها، لكن الدعوة
الصالحة فضحتهم باظهار الحق، وابقت عليهم مثلبة لائحة
على جبهاتهم‏وجنوبهم وعيونهم ما داموا احياء، ثم تضمنتها
طيات الكتب فعادت تلوكها الاشداق، وتتناقلها الالسن حتى
يرث اللّه الارض ومن‏عليها.
القرينة الثامنة عشرة: مر باسناد صحيح (ص‏174 و175) في
حديث مناشدة الرحبة من طريق احمد والنسائي والهيثمي
ومحب الدين‏الطبري:
ان امير المؤمنين (ع) لما ناشد القوم بحديث الغدير في الرحبة
شهد نفر من اصحاب رسول اللّه(( بانهم سمعوه منه.
قال ابو الطفيل: فخرجت وكان في نفسي شيئا((296))، فلقيت
زيد بن ارقم، فقلت له: اني سمعت عليا يقول: كذا وكذا، قال:
فما تنكر؟ قدسمعت رسول اللّه(( يقول له ذلك.
فما الذي تراه يستكبره او يستنكره ابو الطفيل من ذلك؟ اهو
صدور الحديث؟ ولا يكون ذلك، لان الرجل شيعي متفان في
حب اميرالمؤمنين (ع) ومن ثقاته، فلا يشك في حديث رواه
مولاه، لا ، بل هو معناه الطافح بالعظمة، فكان عجبه من نكوس
القوم عنه وهم عرب‏اقحاح يعرفون اللفظ وحقيقته، وهم اتباع
الرسول (ص) واصحابه، فاحتمل انه لم يسمعه جلهم، او
حجزت العراقيل بينهم وبين ذلك،فطمنه زيد بن ارقم
بالسماع، فعلم ان الشهوات حالت بينهم وبين البخوع له، وما
ذلك المعنى المستعظم الا الخلافة المساوقة للاولوية‏دون
غيرها من الحب والنصرة، وكل منهما منبسط على اي فرد من
افراد الجامعة الاسلامية.
القرينة التاسعة عشرة: سبق ايضا (ص‏239 246) حديث انكار
الحارث الفهري معنى قول النبي (ص) في حديث الغدير،
وشرحنا(ص‏343) تاكد عدم التئامه مع غير الاولى من معاني
المولى .
القرينة العشرون: اخرج الحافظ ابن السمان كما في الرياض
النضرة((297)) (2/170)، وذخائر العقبى للمحب الطبري
(ص‏68)،ووسيلة المال للشيخ احمد بن باكثير المكي((298))،
ومناقب الخوارزمي((299)) (ص‏97)، والصواعق((300))
(ص‏107) عن الحافظ‏الدارقطني عن عمر وقد جاءه اعرابيان
يختصمان، فقال لعلي: اقض بينهما، فقال احدهما: هذا يقضي
بيننا؟ فوثب اليه عمر واخذبتلبيبه وقال: ويحك ما تدري من
هذا؟ هذا مولاي ومولى كل مؤمن، ومن لم يكن مولاه فليس
بمؤمن.
وعنه وقد نازعه رجل في مسالة، فقال: بيني وبينك هذا
الجالس، واشار الى علي بن ابي طالب، فقال الرجل: هذا
الابطن؟ فنهض عمر عن‏مجلسه، واخذ بتلبيبه حتى شاله من
الارض، ثم قال: اتدري من صغرت؟ هذا مولاي ومولى كل
مسلم.
وفي‏الفتوحات‏الاسلامية(3/307): حكم علي مرة على اعرابي
بحكم، فلم‏يرض بحكمه، فتلببه عمر بن الخطاب، وقال له:
ويلك انه مولاك‏ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
واخرج الطبراني: انه قيل لعمر: انك تصنع بعلي اي من
التعظيم شيئا لا تصنع مع احد من اصحاب النبي(( فقال: انه
مولاي. وذكره‏الزرقاني المالكي في شرح المواهب (7/13) عن
الدارقطني.
فان المولوية الثابتة لامير المؤمنين التي اعترف بها عمر على
نفسه وعلى كل مؤمن زنة ما اعترف به يوم غدير خم، وشفع
ذلك بنفي‏الايمان عمن لا يكون الوصي مولاه، اي لم يعترف له
بالمولوية، او لم يكن هو مولى له اي محبا او ناصرا، ولكن على
حد ينفي عنه‏الايمان ان انتفى عنه ذلك الحب والنصرة، لا
ترتبط((301)) الا مع ثبوت الخلافة له، فان الحب والنصرة
العاديين المندوب اليهما بين‏عامة المسلمين لا ينفي بانتفائه
الايمان، ولا يمكن القول بذلك نظرا الى ما شجر من الخلاف
والتباغض بين الصحابة والتابعين حتى‏ال في بعض الموارد الى
التشاتم، والتلاكم، والى المقاتلة، والمناضلة، وكان بعضها
بمشهد من النبي (ص) فلم ينف عنهم الايمان، ولاغمز
القائلون بعدالة الصحابة اجمع في احد منهم بذلك، فلم يبق الا
ان تكون الولاية التي هذه صفتها معناها الامامة الملازمة
للاولوية‏المقصودة، سواء اوعز عمر بكلمته هذه الى حديث
الغدير كما تومي اليه رواية الحافظ محب الدين الطبري لها في
ذيل احاديث الغدير،او انه ارسلها حقيقة راهنة ثابتة عنده من
شتى النواحي.
تذييل :
عزا ابن الاثير في النهاية((302)) (4/246)، والحلبي في
السيرة((303)) (3/304) وبعض اخر الى القيل، وذكروا ان
السبب في قوله (ص):((من كنت مولاه)): ان اسامة بن زيد
قال لعلي: لست مولاي، انما مولاي رسول اللّه، فقال (ص):
((من كنت مولاه فعلي مولاه)).
ان من روى هذه الرواية المجهولة اراد حطا من عظمة
الحديث، وتحطيما لمنعته فصوره بصورة مصغرة لا تعدو عن
ان تكون قضية‏شخصية، وحوارا بين اثنين من افراد الامة،
اصلحه رسول اللّه بكلمته هذه، وهو يجهل او يتجاهل عن انه
تخصمه على تلك المزعمة‏الاحاديث المتضافرة في سبب
الاشادة بذلك الذكر الحكيم من نزول اية التبليغ الى مقدمات
ومقارنات اخرى لا يلتئم شي‏ء منها مع‏هذه الاكذوبة، ومثلها
الاية الكريمة الناصة بكمال الدين، وتمام النعمة، ورضا الرب
بذلك الهتاف المبين، وليست هذه العظمة من قيمة‏الاصلاح
بين رجلين تلاحيا، لكن ذهب على الرجل انه لم يزد الا تاكيدا
في المعنى وحجة على الخصم على تقدير الصحة.
فهب ان السبب لذلك البيان الواضح هو ما ذكر، لكنا نقول: ان
ما انكره اسامة على امير المؤمنين (ع) من معنى المولى، واثبته
لرسول‏اللّه خاصة دون اي احد، لا بد ان يكون شيئا فيه تفضيل
لا معنى ينوء به كل احد حتى اسامة نفسه، ولا تفاضل بين
المسلمين من ناحيته‏في الجملة، وذلك المعنى المستنكر
المثبت لا يكون الا الاولوية او ما يجري مجراها من معاني
المولى.
ونقول: ان النبي (ص) لما علم ان في امته من لا يلاحي ابن
عمه ويناوئه بالقول، ويخشى ان يكون له مغبة وخيمة تؤول الى
مضادته،ونصب العراقيل امام سيره الاصلاحي من بعده، عقد
ذلك المحتشد العظيم فنوه بموقف وصيه من الدين، وزلفته
منه، ومكانته من‏الجلالة، وانه ليس لاحد من افراد الامة ان
يقابله بشي‏ء من القول او العمل، وانما عليهم الطاعة له،
والخضوع لامره، والرضوخ لمقامه،وانه يجري فيهم مجراه من
بعده، فاكتسح بذلك المعاثر عن خطته، والحب السنن الى
طاعته، وقطع المعاذير عن محادته بخطبته التي‏القاها، ونحن
لم نال جهدا في افاضة القول في مفاده.
ويشبه هذا ما اخرجه احمد بن حنبل في مسنده((304))
(5/347) واخرون عن بريدة قال: غزوت مع علي اليمن، فرايت
منه جفوة، فلماقدمت على رسول اللّه(( ذكرت عليا فتنقصته،
فرايت وجه رسول اللّه يتغير، فقال: ((يا بريدة الست اولى
بالمؤمنين من انفسهم؟ قلت:بلى يا رسول اللّه.
قال: من كنت مولاه فعلي مولاه)).
فكان راوي هذه القصة كراوي سابقتها اراد تصغيرا من صورة
الامر، فصبها في قالب قضية شخصية، ونحن لا يهمنا ثبوت
ذلك بعدمااثبتنا حديث الغدير بطرقه المربية على التواتر، فان
غاية ما هنالك تكريره (ص) اللفظ بصورة نوعية تارة، وفي
صورة شخصية‏اخرى، لتفهيم بريدة ان ما حسبه جفوة من امير
المؤمنين لا يسوغ له الوقيعة فيه على ما هو شان الحكام
المفوض اليهم امر الرعية،فاذا جاء الحاكم بحكم فيه الصالح
العام، ولم يرق ذلك لفرد من السوقة، ليس له ان يتنقصه، فان
الصالح العام لا يدحضه النظرالفردي، ومرتبة الولاية حاكمة
على المبتغيات الشخصية، فاراد (ص) ان يلزم بريدة حده، فلا
يتعدى طوره بما اثبته لامير المؤمنين‏من الولاية العامة نظير
ما ثبت له (ص) بقوله (ص): ((الست اولى بالمؤمنين من
انفسهم؟))
(هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين)((305))
2 الاحاديث
المفسرة لمعنى المولى والولاية
وقبل هذه القرائن كلها تفسير رسول اللّه (ص) نفسه معنى
لفظه وبعده مولانا امير المؤمنين (ع) حذو القذة بالقذة.
اخرج القرشي علي بن حميد في شمس الاخبار((306))
(ص‏38)، نقلا عن سلوة العارفين للموفق باللّه الحسين بن
اسماعيل الجرجاني،والد المرشد باللّه باسناده عن النبي (ص)
انه لما سئل عن معنى قوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه))،
قال:
((اللّه مولاي، اولى بي من نفسي لا امر لي معه، وانا مولى
المؤمنين، اولى بهم من انفسهم لا امر لهم معي، ومن كنت
مولاه اولى به من‏نفسه لا امر له معي، فعلي مولاه اولى به من
نفسه لا امر له معه)).
ومر في صفحة (200) في حديث احتجاج عبداللّه بن جعفر على
معاوية قوله: يا معاوية اني سمعت رسول اللّه (ص) يقول على
المنبروانا بين يديه، وعمر بن ابي سلمة، واسامة بن زيد، وسعد
بن ابي وقاص، وسلمان الفارسي، وابو ذر، والمقداد، والزبير بن
العوام،وهو يقول:
((الست اولى بالمؤمنين من انفسهم؟ فقلنا: بلى يا رسول اللّه.
قال: اليس ازواجي امهاتكم؟ قلنا: بلى يا رسول اللّه.
قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اولى به من نفسه))، وضرب
بيده على منكب علي، فقال: ((اللهم وال من والاه، وعاد من
عاداه، ايها الناس‏انا اولى بالمؤمنين من انفسهم ليس لهم معي
امر، وعلي من بعدي اولى بالمؤمنين من انفسهم ليس لهم
معه امر...)) الى ان قال عبداللّه:
ونبينا (ص) قد نصب لامته افضل الناس واولاهم وخيرهم
بغدير خم وفي غير موطن، واحتج عليهم به، وامرهم بطاعته،
واخبرهم انه‏منه بمنزلة هارون من موسى، وانه ولي كل مؤمن
من بعده، وانه كل من كان هو وليه فعلي وليه، ومن كان اولى
به من نفسه فعلي اولى‏به، وانه خليفته فيهم ووصيه. الحديث.
ومر (ص‏165) فيما اخرجه شيخ الاسلام الحموئي في حديث
احتجاج امير المؤمنين (ع) ايام عثمان قوله: ((ثم خطب رسول
اللّه(( فقال:ايها الناس اتعلمون ان اللّه عز وجل مولاي، وانا مولى
المؤمنين، وانا اولى بهم من انفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه.
قال: قم يا علي، فقمت، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه،
اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.
فقام سلمان، فقال: يا رسول اللّه ولاء كماذا؟ قال: ولاء كولاي،
من كنت اولى به من نفسه فعلي اولى به من نفسه)).
وسبق (ص‏196) في حديث مناشدة امير المؤمنين (ع) يوم
صفين قوله: ثم قال رسول اللّه (ص): ((ايها الناس ان اللّه مولاي
وانا مولى‏المؤمنين واولى بهم من انفسهم، من كنت مولاه
فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من
نصره، واخذل من خذله.
فقام اليه سلمان الفارسي، فقال: يا رسول اللّه ولاء كماذا؟ فقال:
ولاء كولاي، من كنت اولى به من نفسه فعلي اولى به من
نفسه)).
وروى الحافظ العاصمي في زين الفتى قال: سئل علي بن ابي
طالب عن قول النبي((: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)). فقال:
((نصبني علمااذ انا قمت، فمن خالفني فهو ضال)).
يريد (ع) بالقيام قيامه في ذلك المشهد يوم الغدير لما امره
به رسول اللّه (ص) ليرفعه فيعرفه، وينصبه علما للامة، وقد مر
ذلك(ص‏15 ، 23 ، 165 ، 217)، واشار اليه حسان في ذلك اليوم
بقوله:
فقال له قم يا علي فانني
رضيتك من بعدي اماما وهاديا
وفي حديث رواه السيد الهمداني في مودة القربى ((307)):
فقال رسول اللّه : ((معاشر الناس اليس اللّه اولى بي من
نفسي يامرني‏وينهاني، ما لي على اللّه امر ولا نهي؟ قالوا: بلى يا
رسول اللّه.
قال: من كان اللّه وانا مولاه فهذا علي مولاه، يامركم وينهاكم ما
لكم عليه من امر ولا نهي، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه،
وانصر من‏نصره، واخذل من خذله، اللهم انت شهيد عليهم، اني
قد بلغت ونصحت)).
وقال الامام الحافظ الواحدي بعد ذكر حديث الغدير: هذه
الولاية التي اثبتها النبي(( لعلي مسؤول عنها يوم القيامة، روي
في قوله‏تعالى: (وقفوهم انهم مسؤولون)((308)) اي عن ولاية
علي (ع) والمعنى: انهم يسالون هل والوه حق الموالاة كما
اوصاهم النبي(( ام‏اضاعوها واهملوها فتكون عليهم المطالبة
والتبعة؟
وذكره واخرج حديثه شيخ الاسلام الحموئي في فرائد
السمطين في الباب الرابع عشر((309))، وجمال الدين
الزرندي في نظم دررالسمطين، وابن حج((310))ر في
الصواعق((311)) (ص‏89)، والحضرمي في الرشفة (ص‏24).
واخرج الحموئي((312)) من طريق الحاكم ابي عبداللّه بن
البيع((313)) عن محمد بن المظفر قال: حدثنا عبداللّه بن
محمد بن غزوان، حدثناعلي بن جابر، حدثنا محمد بن خالد بن
عبداللّه، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا محمد بن سوقة عن
ابراهيم عن الاسود عن عبداللّه بن‏مسعود قال: قال رسول اللّه
(ص):
((اتاني ملك فقال: يا محمد سل من ارسلنا قبلك من رسلنا
على ما بعثوا؟
«قال: قلت: على ما بعثوا؟ قال‏»((314)): على ولايتك وولاية
علي بن ابي طالب)).
وقال((315)): وروي عن علي (ع) انه قال: ((جعلت الموالاة
اصلا من اصول الدين))، واخرج((316)) من طريق الحاكم ابن
البيع: حدثنا محمدبن علي، حدثنا احمد بن حازم، حدثنا
عاصم بن يوسف اليربوعي، عن سفيان بن ابراهيم الحرنوي،
عن ابيه، عن ابي صادق، قال: قال‏علي:
((اصول الاسلام ثلاثة لا ينفع واحد منها دون صاحبه: الصلاة،
والزكاة، والموالاة)).
ومر(ص‏382)عن عمر بن‏الخطاب نفي‏الايمان عمن لا
يكون‏اميرالمؤمنين‏مولاه.
وقال الالوسي في تفسيره((317)) (23/74) في قوله تعالى
(وقفوهم انهم مسؤولون) بعد عد الاقوال فيها:
واولى هذه الاقوال ان السؤال عن العقائد والاعمال، وراس ذلك
لا اله الا اللّه، ومن اجله ولاية علي كرم اللّه تعالى وجهه.
ومن طريق‏البيهقي عن الحافظالحاكم‏النيسابوري باسناده عن
رسول اللّه (ص):
((اذا جمع اللّه الاولين والاخرين يوم القيامة، ونصب الصراط
على جسر جهنم لم يجزها احد الا من كانت معه براءة بولاية
علي بن ابي‏طالب)). واخرجه محب الدين الطبري في
الرياض((318)) (2/172).
ولا يسعنا المجال لذكر ما وقفنا عليه من المصادر الكثيرة
المذكور فيها ما ورد في قوله تعالى: (وقفوهم انهم مسؤولون)،
وقوله:(وسئل من ارسلنا من قبلك من رسلنا)((319))، وما
اخرجه الحفاظ عن النبي (ص) من حديث البراءة والجواز، فلا
احسب ان ضميرك‏الحر يحكم بملاءمة هذه كلها مع معنى
اجنبي عن الخلافة والاولوية على الناس من انفسهم، ويراه مع
ذلك اصلا من اصول الدين،وينفى الايمان بانتفائه، ولا يرى
صحة عمل عامل الا به.
وهذه الاولوية المعدودة من اصول الدين والمولوية التي ينفى
الايمان بانتفائها كما مر في كلام عمر (ص‏382) صرح بها
عمر لابن‏عباس في كلامه الاخر، ذكره الراغب في
محاضراته((320)) (2/213) عن ابن عباس قال:
كنت اسير مع عمر بن الخطاب في ليلة وعمر على بغل وانا
على فرس، فقرا اية فيها ذكر علي بن ابي طالب، فقال: اما واللّه
يا بني‏عبدالمطلب لقد كان علي فيكم اولى بهذا الامر مني
ومن ابي بكر.
فقلت في نفسي: لا اقالني اللّه ان اقلته، فقلت: انت تقول ذلك
يا امير المؤمنين، وانت وصاحبك وثبتما وافرغتما((321)) الامر
منا دون‏الناس.
فقال: اليكم يا بني عبدالمطلب، اما انكم اصحاب عمر بن
الخطاب، فتاخرت وتقدم هنيهة، فقال: سر، لا سرت، وقال: اعد
علي كلامك.
فقلت: انما ذكرت شيئا فرددت عليك جوابه، ولو سكت سكتنا.
فقال: انا واللّه ما فعلنا الذي فعلنا عن عداوة، ولكن استصغرناه،
وخشينا ان لايجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها.
قال: فاردت ان اقول: كان رسول اللّه(( يبعثه، فينطح كبشها،
فلم يستصغره، افتستصغره انت وصاحبك؟
فقال: لا جرم، فكيف ترى ؟ واللّه ما نقطع امرا دونه، ولا نعمل
شيئا حتى نستاذنه.
وفي شرح نهج البلاغة((322)) (2/20)قال عمر: يا ابن عباس
اما واللّه ان صاحبك هذا لاولى الناس بالامر بعد رسول اللّه(( الا
انا خفناه‏على اثنين .... الى ان قال ابن عباس : فقلت: وما هما
يا امير المؤمنين؟
قال: خفناه على حداثة سنه، وحبه بني عبدالمطلب، وفي
(2/115): كرهناه على حداثة السن وحبه بني عبدالمطلب.
والشهادة بولاية امير المؤمنين بالمعنى المقصود هي نور
وحكمة مودعة في قلوب مواليه (ع) ودونها كانت تشد الرحال،
ولتعيين‏حامل عبئها كانت تبعث الرسل، كما ورد فيما اخرجه
البيهقي في المحاسن والمساوئ((323)) (1/30) في حديث
طويل جرى بين ابن‏عباس ورجل من اهل الشام من حمص
ففيه:
قال الشامي: يا ابن عباس ان قومي جمعوا لي نفقة، وانا رسولهم
اليك وامينهم، ولا يسعك ان تردني بغير حاجتي، فان القوم
هالكون‏في امر علي، ففرج عنهم فرج اللّه عنك.
فقال ابن عباس: يا اخا اهل الشام ان مثل علي في هذه الامة في
فضله وعلمه كمثل العبد الصالح الذي لقيه موسى (ع) ثم
ذكر حديث ام‏سلمة، وفيه لعلي فضائل جمة فقال الشامي يا
ابن عباس ملات صدري نورا وحكمة، وفرجت عني فرج اللّه
عنك، اشهد ان عليا (ع)مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
(وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الايات لقوم
يذكرون)((324))
كلمات حول مفاد الحديث للاعلام الائمة في تليفهم
لقد تمخضت الحقيقة عن معنى المولى، وظهرت باجلى
مظاهرها، بحيث لم يبق للخصم منتدح عن الخضوع لها، الا من
يبغي لدادا، اويرتاد انحرافا عن الطريقة المثلى، ولقد اوقفنا
السير على كلمات درية لجمع من العلماء حداهم التنقيب الى
صراح الحق، فلهجوا به‏غير ابهين بما هنالك من جلبة ولغط،
فاليك عيون الفاظهم:
1 قال ابن زولاق الحسن بن ابراهيم، ابو محمد المصري:
المتوفى (387) في تاريخ مصر:
وفي ثمانية عشر من ذي الحجة سنة (362) وهو يوم الغدير
تجمع خلق من اهل مصر والمغاربة ومن تبعهم للدعاء، لانه يوم
عيد،لان رسول اللّه(( عهد الى امير المؤمنين علي بن ابي
طالب فيه واستخلفه((325)).
يعرب هذا الكلام عن ان ابن زولاق وهو ذلك العربي المتضلع
لم يفهم من الحديث الا المعنى الذي نرتئيه، ولم ير ذلك
اليوم الا يوم‏عهد الى امير المؤمنين واستخلاف.
2 قال الامام ابو الحسن الواحدي: المتوفى (468) بعد ذكر
حديث الغدير: هذه الولاية التي اثبتها النبي(( لعلي مسؤول
عنها يوم‏القيامة.
راجع تمام العبارة (ص‏387).
3 قال حجة الاسلام ابو حامد الغزالي: المتوفى (505) في
كتابه سر العالمين((326))(ص‏9):
اختلف العلماء في ترتيب الخلافة وتحصيلها لمن ال امرها اليه،
فمنهم من زعم انها بالنص، ودليلهم في المسالة قوله تعالى:
(قل‏للمخلفين من الا عراب ستدعون الى قوم اولي باس شديد
تقاتلونهم او يسلمون فان تطيعوا يؤتكم اللّه اجرا حسنا وان
تتولوا كماتوليتم من قبل يعذبكم عذابا اليما)((327)) وقد
دعاهم ابو بكر بعد رسول اللّه (ص) الى الطاعة فاجابوا، وقال
بعض المفسرين في قوله‏تعالى: (واذ اسر النبي الى بعض ازواجه
حديثا) قال في الحديث: ان اباك هو الخليفة من بعدي يا
حميراء. وقالت امراة: اذا فقدناك فالى‏من نرجع؟ فاشار الى ابي
بكر. ولانه ام بالمسلمين((328)) على بقاء رسول اللّه، والامامة
عماد الدين.
هذا جملة ما يتعلق به القائلون بالنصوص، ثم تاولوا وقالوا: لو
كان علي اول الخلفاء لانسحب عليهم ذيل الفناء، ولم ياتوا
بفتوح ولامناقب، ولا يقدح في كونه رابعا، كما لا يقدح في نبوة
رسول اللّه(( اذا كان اخرا، والذين عدلوا عن هذا الطريق زعموا
ان هذا وما يتعلق به‏فاسد وتاويل بارد جاء على زعمكم
واهويتكم، وقد وقع الميراث في الخلافة والاحكام مثل داود،
وزكريا، وسليمان، ويحيى. قالوا: كان‏لازواجه ثمن الخلافة،
فبهذا تعلقوا، وهذا باطل اذ لو كان ميراثا لكان العباس اولى.
لكن اسفرت الحجة وجهها، واجمع الجماهير على متن الحديث
من خطبته في يوم غدير خم باتفاق الجميع، وهو يقول: ((من
كنت مولاه‏فعلي مولاه)). فقال عمر: بخ بخ «لك‏» يا ابا الحسن
لقد اصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فهذا تسليم،
ورضا وتحكيم، ثم بعدهذا غلب الهوى لحب الرئاسة، وحمل
عمود الخلافة، وعقود البنود، وخفقان الهوى في قعقعة
الرايات، واشتباك ازدهام((329)) الخيول،وفتح الامصار
سقاهم كاس الهوى، فعادوا الى الخلاف الاول فنبذوه وراء
ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون((330)).
4 قال شمس الدين سبط ابن الجوزي الحنفي: المتوفى
(654) في تذكرة خواص الامة((331)) (ص‏18):
اتفق علماء السير ان قصة الغدير كانت بعد رجوع النبي((من
حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة، جمع الصحابة
وكانوا مائة‏وعشرين الفا.
وقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)). الحديث. نص(( على
ذلك بصريح العبارة دون التلويح والاشارة.
وذكر ابو اسحاق الثعلبي في تفسيره((332)) باسناده: ان النبي
(ص) لما قال ذلك طار في الاقطار، وشاع في البلاد والامصار.
ثم ذكر مامر في اية (سال)، فقال:
فاما قوله: ((من كنت مولاه)) فقال علماء العربية: لفظ المولى
يرد على وجوه.
ثم ذكر من معاني المولى تسعة((333))، فقال:
والعاشر بمعنى الاولى، قال اللّه تعالى: (فاليوم لا يؤخذ منكم
فدية ولا من الذين كفروا ماواكم النار هي مولاكم)((334)). ثم
طفق يبطل‏ارادة كل من المعاني المذكورة واحدا واحدا فقال:
والمراد من الحديث الطاعة المحضة المخصوصة، فتعين الوجه
العاشر، وهو: الاولى ومعناه: من كنت اولى به من نفسه فعلي
اولى‏به، وقد صرح بهذا المعنى الحافظ ابو الفرج يحيى بن
سعيد الثقفي الاصبهاني في كتابه المسمى ب (مرج البحرين)
فانه روى هذاالحديث باسناده الى مشايخه وقال فيه: فاخذ
رسول اللّه((بيد علي (ع) فقال: ((من كنت وليه واولى به من
نفسه فعلي وليه))، فعلم ان‏جميع المعاني راجعة الى الوجه
العاشر، ودل عليه ايضا قوله (ع): ((الست اولى بالمؤمنين من
انفسهم؟))، وهذا نص صريح في اثبات‏امامته وقبول طاعته،
وكذا قوله((: ((وادر الحق معه حيثما دار وكيفما دار)).
5 قال كمال الدين بن طلحة الشافعي: المتوفى (652) في
مطالب السؤول (ص‏16) بعد ذكر حديث الغدير ونزول اية
التبليغ فيه:
فقوله((: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) قد اشتمل على لفظة
(من) وهي موضوعة للعموم، فاقتضى ان كل انسان كان رسول
اللّه(( مولاه‏كان علي مولاه، واشتمل على لفظه (المولى) وهي
لفظة مستعملة بازاء معان متعددة قد ورد القران الكريم بها،
فتارة تكون بمعنى(اولى)، قال اللّه تعالى في حق المنافقين:
(ماواكم النار هي مولاكم) معناه: اولى بكم.
ثم ذكر من معانيها: الناصر والوارث والعصبة والصديق والحميم
والمعتق، فقال:
واذا كانت واردة لهذه المعاني فعلى ايها حملت؟ اما على كونه
اولى، كما ذهب اليه طائفة، او على كونه صديقا حميما، فيكون
معنى‏الحديث: من كنت اولى به او ناصره او وارثه او عصبته او
حميمه او صديقه فان عليا منه كذلك. وهذا صريح في
تخصيصه لعلي (ع)بهذه المنقبة العلية وجعله لغيره كنفسه
بالنسبة الى من دخلت عليهم كلمة (من) التي هي للعموم بما
لا يجعله لغيره.
وليعلم ان هذا الحديث هو من اسرار قوله تعالى في اية
المباهلة: (قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم
وانفسناوانفسكم)((335))، والمراد نفس علي على ما تقدم،
فان اللّه تعالى لما قرن بين نفس رسول اللّه(( وبين نفس علي
وجمعهما بضميرمضاف الى رسول اللّه(( اثبت رسول اللّه لنفس
علي بهذا الحديث ما هو ثابت لنفسه على المؤمنين عموما،
فانه(( اولى بالمؤمنين،وناصر المؤمنين، وسيد المؤمنين، وكل
معنى امكن اثباته مما دل عليه لفظ المولى لرسول اللّه فقد
جعله لعلي وهي مرتبة سامية،ومنزلة (ع) سامقة، ودرجة علية،
ومكانة رفيعة، خصصه بها دون غيره، فلهذا صار ذلك اليوم يوم
عيد وموسم سرور لاوليائه.
تقرير ذلك وشرحه وبيانه: اعلم اظهرك اللّه بنوره على اسرار
التنزيل، ومنحك بلطفه تبصرة تهديك الى سواء السبيل، انه لما
كان من‏محامل لفظة (المولى) الناصر، وان معنى الحديث: من
كنت مولاه فعلي ناصره، فيكون النبي(( قد وصف عليا بكونه
ناصرا لكل من كان‏النبي ناصره، فانه ذكر ذلك بصيغة العموم،
وانما اثبت النبي هذه الصفة وهي الناصرية لعلي لما اثبتها
اللّه غ لعلي، فانه نقل‏الامام ابو اسحاق الثعلبي يرفعه بسنده في
تفسيره((336)) الى اسماء بنت عميس قالت: لما نزل قوله
تعالى: (وان تظاهرا عليه فان‏اللّه هو مولاه وجبريل وصالح
المومنين)((337)) سمعت رسول اللّه(( يقول: ((صالح
المؤمنين علي بن ابي طالب (ع)))، فلما اخبر اللّه فيماانزله
على رسوله، وان ناصره هو اللّه وجبريل وعلي، يثبت الناصرية
لعلي، فاثبتها النبي(( اقتداء بالقران الكريم في اثبات هذه‏الصفة
له.
ثم وصفه(( بما هو من لوازم ذلك بصريح قوله، رواه الحافظ ابو
نعيم في حليته (1/66) بسنده: ان عليا دخل عليه، فقال:
((مرحبا بسيدالمسلمين، وامام المتقين)) فسيادة المسلمين
وامامة المتقين لما كانت من صفات نفسه(( وقد عبر اللّه تعالى
عن نفس علي بنفسه‏ووصفه بما هو من صفاته، فافهم ذلك.
ثم لم يزل(( يخصصه بعد ذلك بخصائص من صفاته نظرا الى ما
ذكرناه، حتى روى الحافظ ايضا في حليته (1/67) بسنده عن
انس بن‏مالك قال: قال رسول اللّه لابي برزة وانا اسمع: ((يا ابا
برزة ان اللّه عهد الي في علي بن ابي طالب انه راية الهدى،
ومنار الايمان، وامام‏اوليائي، ونور جميع من اطاعني، يا ابا برزة
علي امام المتقين، من احبه احبني، ومن ابغضه ابغضني،
فبشره بذلك))، فاذا وضح لك‏هذا المستند ظهرت حكمة
تخصيصه(( عليا بكثير من الصفات دون غيره، (وفي ذلك
فليتنافس المتنافسون)((338)).