هذا ما يتعلق بوزاره هارون ومساعدته موسى
فى تبليغ الدين او
شىء من اجزائه، وموسى(ع) سال ربه ذلك، لان الامر
كثير
الجوانب، متباعد الاطراف، فهو كان يخاف التكذيب مع
ما معه
من ضيق الصدر وعدم انطلاق اللسان، وكان على علم
بفرعون
وقومه وما هم عليه من الشوكه والقوه، وكان على علم
بالانحطاط الفكرى وبجهل بنى اسرائيل وضعفهم، لهذا
سال
ربه بعض الامور التى كان يحتاجها فى رسالته لا فى
نبوته،
ومنها طلب الوزير، اما فى ما يتعلق بخلافه هارون
لموسى(ع)
فى قومه، فجاء فى قوله تعالى: (وقال موسى لاخيه
هارون
اخلفنى فى قومى واصلح ولا تتبع سبيل
المفسدين)«الاعراف:
142»، قال ابن كثير: (استخلف موسى على بنى اسرائيل
اخاه
هارون، ووصاه بالاصلاح وعدم الافساد، وهذا تنبيه
وتذكير، والا
فهارون(ع) نبى شريف كريم على اللّه، له وجاهه وجلاله
صلوات
اللّه وسلامه عليه وعلى سائر الانبياء)((22))،
والاستخلاف لا
يكون الا فى غيبه، وكانت غيبه موسى عن بنى اسرائيل
حين
كان يفارقهم للميقات، وقوله لاخيه: (ولا تتبع سبيل
المفسدين)، فيه انه كان فى قومه يومئذ جمع من
المفسدين
يفسدون ويقلبون عليه الامور، ويتربصون به الدوائر،
فنهى
موسى اخاه ان يتبع سبيلهم فيشوشوا عليه الامر،
ويكيدوا
ويمكروا به، فيتفرق جمع بنى اسرائيل ويتشتت شملهم،
بعد
تلك المحن التى كابدها هارون فى احياء كلمه الاتحاد
بينهم.
وبالجمله، كان هارون وزيرا لموسى(ع)، وكان يساعده
فى
تبليغ الدين او شىء من اجزائه، وكان يخلف موسى(ع)
فى
غيبته، ويحافظ على سبيل موسى(ع) من الذين يتربصون
به،
ليكون السبيل حجه على بنى اسرائيل وهم تحت سقف
الامتحان والابتلاء، ويكون شاهدا على المفسدين على
امتداد
المسيره كى يتبين الباحث عن الحقيقه خطاهم، وسبيل
الانبياء، فقد ذرا اللّه ذريه آدم، لا يضره من
خالفه او من خذله او
من عاداه.
اما فى ما يتعلق بابناء هارون(ع)، فلقد ذكرت التوراه
الحاضره،
ان اللّه -تعالى- اصطفى ابناء هارون من بعده ليفسروا
الشريعه
لبنى اسرائيل، وعلى امتداد المسيره الاسرائيليه
بعث منهم
الانبياء والربانيون، وآخر الانبياء الذين بعثوا
من ذريه هارون،
كان المسيح عيسىبن مريم(ع)، ولقد قلب بنو اسرائيل
الامر
على انبيائهم، وقتلوا بعضهم، وكذبوا البعض الاخر،
عندما
جاووهم بما لا تهوى انفسهم.
والدعوه الال-هيه الخاتمه -على نبيها الصلاه
والسلام- امتد
ظلها من حيث انتهت ظلال انبياء بنى اسرائيل، بمعنى:
فى
بدايه الدعوه جعل اللّه قياس النبى(ص) الى موسى(ع)،
وجعل
قياس امه النبى(ص) الى فرعون وقومه، قال تعالى: (انا
ارسلنا
اليكم رسولا شاهدا عليكم كما ارسلنا الى فرعون
رسولا×
فعصى فرعون الرسول فاخذناه اخذا وبيلا)«المزمل:
15-16»،
فبتدبر الايه، نجد ان دائره النبى(ص) يقابلها دائره
موسى(ع)،
ودائره الامه يقابلها دائره فرعون، والقرآن عبر عن
موسى
بالرسول، وفى هذا اشاره الى ان السبب الموجب لاخذ
فرعون
مخالفته امر رساله موسى لا موسى نفسه بما انه موسى،
واذا
كان السبب هو مخالفه الرساله، فيقابله تحذير الامه
من مخالفه
رساله محمد، لان المخالفه تودى الى عذاب الاخذ
الوبيل، قال
ابن كثير فى تفسيره: (احذروا انتم ان تكذبوا هذا
الرسول
فيصيبكم ما اصاب فرعون حيث اخذه اللّه اخذ عزيز
مقتدر)((23)).
كما جعل اللّه -تعالى- قياس اذى النبى(ص) الى اذى
موسى(ع)، قال تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا
كالذين آذوا
موسى فبراه اللّه مما قالوا)«الاحزاب: 69»، قال ابن
كثير: وفيه
نهى للمومنين ان ينالوا من النبى(ص)، او يوصلوا اليه
اذى،
وقال تعالى مخبرا عن رسوله موسى(ع) انه قال لقومه:
(لم
توذوننى وقد تعلمون انى رسول اللّه اليكم فلما
زاغوا ازاغ اللّه
قلوبهم واللّه لا يهدى القوم الفاسقين)«الصف: 5»،
ولما كانت
عقوبه الذين آذوا موسى(ع) وعدلوا عن الحق مع علمهم
به، ان
اللّه ازاغ قلوبهم عن الهدى واسكنها الشك والحيره
والخذلان،
فان اللّه -تعالى- توعد الذين يوذون النبى(ص) باللعن
فى الدنيا
والاخره، قال تعالى: (ان الذين يوذون اللّه ورسوله
لعنهم اللّه فى
الدنيا والاخره واعد لهم عذابا مهينا)«الاحزاب: 57»،
قال ابن
كثير: والظاهر ان الايه عامه فى كل من آذاه بشىء،
ومن آذاه
فقد آذى اللّه، كما ان من اطاعه فقد اطاع اللّه.
ولما كان الناس يختبرون على امتداد المسيره
البشريه لينظر
اللّه الى عباده كيف يعملون، فاننا نجد موسى(ع) يبين
معالم
هذا الاختبار لبنى اسرائيل فى ما اخبر اللّه -تعالى-
انه قال
لقومه: (عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم فى الارض
فينظر كيف تعملون)«الاعراف: 129»، وهذه المعالم
بينها اللّه
-تعالى- لرسوله الخاتم فى قوله: (ولقد اهلكنا القرون
من
قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا
ليومنوا
كذلك نجزى القوم المجرمين× ثم جعلناكم خلائف فى
الارض
من بعدهم لننظر كيف تعملون)«يونس: 13-14».
فالدعوه الال-هيه ظلالها ممتده، ودوائر الهدى فيها
تشبه
بعضها بعضا، والعذاب الذى توعد اللّه به الظالمين
هناك من
جنس العذاب الذى ينتظر الظالمين هنا، وعلى امتداد
الدعوه
الال-هيه امر اللّه عباده بان لا يزكوا انفسهم لانه
-سبحانه-
اعلم بمن اتقى، وانه يزكى من يشاء، وتحت سقف
التزكيه يختبر
العباد، قال تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنه
اتصبرون وكان
ربك بصيرا)«الفرقان: 20»، قال فى الميزان: (اى انا
جعلنا بعض
الناس لبعض فتنه يمتحنون بها، فالرسل فتنه لسائر
الناس
يمتحنون بهم، فيتميز بهم اهل الريب من اهل الايمان،
والمتبعون للاهواء من طلاب الحق، وقوله تعالى:
(وكان ربك
بصيرا)، اى: عالما بالصواب فى الامور، فيضع كل امر
فى
الموضع المناسب له، ويجرى بذلك اتم النظام، فهدف
النظام
الانسانى كمال كل فرد بقطعه طريق السعاده او
الشقاوه على
حسب ما يستعد له ويستحقه، ولازم ذلك بسط نظام
الامتحان
بينهم، ولازمه ارتفاع التمايز بين الرسل وغيرهم)((24))،
وقال
ابن كثير فى تفسيره فى معنى الايه: (اى اختبرنا
بعضكم ببعض
وبلونا بعضكم ببعض لنعلم من يطيع ممن يعصى، ولهذا
قال:
(اتصبرون وكان ربك بصيرا)، اى: بمن يستحق ان يوحى
اليه،
كما قال تعالى: (اللّه اعلم حيث يجعل
رسالته)«الانعام: 124»،
ومن يستحق ان يهديه اللّه لما ارسلهم به ومن لا
يستحق ذلك،
وقال ابن اسحاق فى قوله: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنه)،
اى: لو
شئت ان اجعل الدنيا مع رسلى فلا يخالفون لفعلت،
ولكنى قد
اردت ان ابتلى العباد بهم وابتليكم بهم)((25)).
ولما كان الناس يختبرون بالانبياء والرسل، فانهم
يختبرون ايضا
بتلاميذ الانبياء والرسل وحواريهم واوصيائهم،
ولقد تم
اختبارهم بابناء هارون وبتلاميذ المسيح(ع). ويشهد
بذلك
كتب التراجم والتواريخ والسير، والامه الخاتمه لم
تستثن من
ذلك، ولقد قابلت دائره هارون وبنيه فى الشريعه
الموسويه،
دائره علىبن ابى طالب وبنيه فى الشريعه المحمديه،
ففى
الحديث الصحيح روى ان النبى(ص) قال لعلىبن ابى
طالب:
(انت منى بمنزله هارون من موسى الا انه لا نبى
بعدى)((26))،
وفى روايه: (انت منى بمنزله هارون من موسى
الا انك لست نبيا. انه لا ينبغى ان اذهب الا انت
خليفتى فى كل
مومن من بعدى)((27))، وروى انه قيل لسفيان
الثورى:
حدثنى باحسن فضيله عندك لامير المومنين علىبن ابى
طالب، فقال: (حدثنى سلمهبن كهيل عن حجيه عن علىبن
ابى طالب ان رسول اللّه(ص) قال له: (انت منى بمنزله
هارون
من موسى)((28))،
وعن سعيدبن المسيب عن عامربن سعدبن
ابى وقاص عن ابيه، قال: قال رسول اللّه(ص) لعلى: (انت
منى
بمنزله هارون من موسى الا انه لا نبى بعدى)، قال
سعيدبن
المسيب: فاحببت ان اشافه بها سعد بن ابى وقاص، فلقيت
سعدا، فحدثته بما حدثنى عامر ابن سعد، فقال سعد: انا
سمعته،
فقلت: انت سمعته؟ فوضع اصبعيه على اذنيه فقال: نعم،
والا
فاسكتا (اى اصمتا)((29))، وعن موسى الجهنى قال: دخلت
على فاطمه بنت على، فقال لها رفيقى ابو سهل: كم لك؟
قالت: ست وثمانون سنه، قال: ما سمعت من ابيك شيئا؟
قالت:
حدثتنى اسماء بنت عميس ان رسول اللّه(ص) قال لعلى:
(انت
منى بمنزله هارون من موسى الا انه ليس بعدى نبى)((30)).
وحديث المنزله حديث صحيح، رواه البخارى ومسلم
والترمذى والنسائى والحاكم واحمد والطبرانى
وغيرهم، وقال
ابن كثير: (تقصى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث فى
ترجمه
علىبن ابى طالب فى تاريخه فاجاد وافاد وبرز على
النظراء
والاشباه والانداد)((31))، وقال الحافظ الكتانى:
(وحديث:
(انت منى بمنزله هارون من موسى)، حديث متواتر، جاء
عن
نيف وعشرين صحابيا)((32))، وروى الحديث كل من: ابى
سعيد الخدرى، وابن عباس، وابن عمر، وجابربن سمره،
والبراءبن عازب، وزيدبن ارقم، ومالكبن الحويرث،
وسعدبن
ابى وقاص، وقيسبن جناده، وعلىبن ابى طالب،
وعمربن
الخطاب، وام سلمه، واسماء بنت عميس، وغيرهم((33)).
ولما كانت الدعوه الال-هيه لبنى اسرائيل جعلت هارون
وبنيه
مع التوراه على خط واحد، فان الدعوه الال-هيه
الخاتمه جعلت
اهل البيت مع القرآن على خط واحد، فعن زيدبن ارقم
قال:
(قام رسول اللّه(ص) يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما
بين مكه
والمدينه، فحمد اللّه واثنى عليه ووعظ وذكر، ثم
قال: اما بعد،
الا ايها الناس، فانما انا بشر يوشك ان ياتى رسول
ربى فاجيب،
وانا تارك فيكم ثقلين، اولهما كتاب اللّه فيه الهدى
والنور،
فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به، فحث على كتاب
اللّه ورغب
فيه، ثم قال: واهل بيتى، اذكركم اللّه فى اهل بيتى،
اذكركم اللّه
فى اهل بيتى، اذكركم اللّه فى اهل بيتى)((34)).
وعن زيد بن ثابت قال: (قال رسول اللّه(ص): انى تارك
فيكم
خليفتين، كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء
والارض،
وعترتى اهل بيتى، وانجهما لا يتفرقا حتى يردا على
الحوض)((35))،
وعن ابى سعيد قال: (قال رسول اللّه(ص):
انى تارك فيكم الثقلين، احدهما اكبر من الاخر، كتاب
اللّه حبل
ممدود من السماء الى الارض، وعترتى اهل بيتى،
وانهما لن
يفترقا حتى يردا على الحوض)((36))، وعن حبيببن ابى
ثابت
عن زيدبن ارقم قالا: قال رسول اللّه(ص): (انى تارك
فيكم ما
ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى، احدهما اعظم من الاخر،
كتاب
اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتى اهل
بيتى، ولن
يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفونى
فيهما)((37)).
والعتره -كما جاء فى لسان العرب- هى: ولد الرجل
وذريته
وعقبه من صلبه، وعتره النبى(ص): ولد فاطمه
البتول-2 ((38))،
وفى قوله: (انى تارك فيكم
الثقلين)، قال النووى: (سميا ثقلين لعظمهما وكبير
شانهما،
وقيل: لثقل العمل بهما)((39)).
وحديث الثقلين حديث صحيح، رواه احمد والطبرانى عن
زيدبن ثابت، والطبرانى وابو نعيم عن حذيفه بن اسيد،
وابن ابى
عاصم واحمد والطبرانى وابو يعلى عن ابى سعيد
الخدرى،
والترمذى والنسائى والحاكم عن زيدبن ارقم، وابن
ابى شيبه
والترمذى والنسائى والخطيب عن جابر، ومسلم عن
زيدبن
ارقم((40)).
فمنذ ذرا اللّه ذريه آدم وهو -سبحانه- يزكى من يشاء،
ويجعل
بعض الناس لبعض فتنه يمتحنون بها، وعلى امتداد
المسيره
الاسرائيليه امتحن اللّه -تعالى- بنى اسرائيل
امتحانات شتى،
ومنها امتحانهم بهارون وبنيه، ولم يكن لموسى(ع) ولد
من
صلبه، وشاء اللّه ان يجعل امتداده فى اخيه هارون
وبنيه من
بعده، وكان هارون وبنوه ذروه سبط لاوى الذى منه
موسى
وهارون(ع). وبهم امتحن اللّه -تعالى- بقيه الاسباط!
وعلى
امتداد المسيره سفكت الدماء الزكيه عندما جاء
الهداه لبنى
اسرائيل بما لا تهوى انفسهم.
وعندما بعث النبى(ص) امتحن اللّه امته بامتحانات
شتى بعد
ان اقام عليهم الحجه، ومن هذه الامتحان بعتره
النبى(ص)،
وشاء اللّه ان يجعل امتداد النبى فى ابنته فاطمه
وعلىبن ابى
طالب، ولما كانت منزله على من النبى(ص) بمنزله هارون
من
موسى عدا النبوه، فان الدعوه الخاتمه اقامت الحجه
فى اكثر
من موضع على مكانه علىبن ابى طالب من الرسول(ص)،
لتعليم القافله دوائر التحذير فلا تقترب منها على
امتداد
المسيره.
ومن الاحاديث التى تبين مكانه علىبن ابى طالب من
الرسول(ص)، ان اللّه -تعالى- جعل النبى(ص) خير الناس
نفسا،
وجعل على ابن ابى طالب كنفس النبى(ص)، قال النبى(ص):
(ان اللّه خلق الخلق، فجعلنى فى خيرهم فرقه، ثم
جعلهم
فرقتين فجعلنى فى خيرهم فرقه، ثم جعلهم قبائل
فجعلنى
فى خيرهم قبيله، ثم جعلهم بيوتا، فجعلنى فى خيرهم
بيتا،
وخيرهم نفسا)((41))، وعن جابربن عبداللّه قال
فى قوله
تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل
تعالوا
ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا
وانفسكم ثم نبتهل
فنجعل لعنت اللّه على الكاذبين)«آل عمران: 61». قال:
قدم
على النبى(ص) العاقب والطيب، فدعاهما الى الملاعنه
فواعداه على ان يلاعناه الغداه، فغدا رسول اللّه(ص)
فاخذ بيد
على وفاطمه والحسن والحسين، ثم ارسل اليهما، فابيا
ان
يجيبا واقرا له بالخراج، فقال رسول اللّه(ص): والذى
بعثنى
بالحق، لو قالوا: لا، لامطر عليهم الوادى نارا، قال
جابر: وفيهم
نزل قوله تعالى: (فقل تعالوا ندع ابناءنا... الايه)،
قال جابر:
(انفسنا وانفسكم) رسول اللّه(ص) وعلىبن ابى طالب، و
(ابناءنا) الحسن والحسين، (ونساءنا) فاطمه، قال ابن
كثير: رواه
الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه،
ورواه ابو
داود الطيال عن شعبه عن
المغيره((42)).
وجعل النبى(ص) على بن ابى طالب على ذروه العشيره
الاقربين، كما وضع موسى هارون على ذروه الاسباط،
روى عن
على ابن ابى طالب انه قال: (لما نزل قوله تعالى:
(وانذر
عشيرتك الاقربين)«الشعراء: 214» جمع النبى(ص) من اهل
بيته فاجتمع ثلاثون، فاكلوا وشربوا، فقال لهم: من
يضمن عنى
دينى ومواعيدى ويكون معى فى الجنه، ويكون خليفتى فى
اهلى، قال رجل: يا رسول اللّه، انت كنت بحرا من يقوم
بهذا، ثم
قال الاخر، فعرض النبى(ص) هذا على اهل بيته واحدا
واحدا،
فقال على: انا)((43))، وفى روايه: قال النبى(ص):
(فايكم
يبايعنى على ان يكون اخى وصاحبى ووارثى، فلم يقم
اليه احد،
قال على: فقمت اليه، وكنت من اصغر القوم، فقال:
اجلس، ثم
قال مره اخرى، كل ذلك اقوم اليه، فيقول لى: اجلس،
حتى
كان فى الثالثه ضرب بيده على يدى)((44))، وفى روايه: قال
النبى(ص): (انى -واللّه- ما اعلم شابا فى العرب جاء
قومه بافضل
مما جئتكم به، انى قد جئتكم بخير الدنيا والاخره،
وقد امرنى
اللّه ان ادعوكم اليه، فايكم يوازرنى على امرى هذا،
فقال على:
انا يا نبى اللّه اكون وزيرك عليه، فاخذ برقبتى،
وقال: ان هذا
اخى وصيى وخليفتى فيكم فاسمعوا واطيعوا)((45)).
وجعل النبى(ص) على بن ابى طالب على ذروه المهاجرين
والانصار، عن عمربن عبداللّه عن ابيه عن جده: ان
النبى(ص)،
آخى بين الناس وترك عليا حتى بقى آخرهم لا يرى له
اخا،
فقال: يا رسول اللّه، آخيت بين الناس وتركتنى، قال:
ولم ترانى
تركتك؟ تركتك لنفسى، انت اخى وانا اخوك، فان ذكرك
احد
فقل: انا عبداللّه واخو رسول اللّه لا يدعيها بعد
الا كذاب((46))،
وروى ان النبى(ص) قال لعلى: (انت اخى فى الدنيا
والاخره)((47)).
قال ابن كثير: (كان المشايخ يعجبهم هذا
الحديث لكونه من روايه اهل الشام)((48)).
وجعل النبى(ص) بيت علىبن ابى طالب ذروه البيوت،
فعن
زيدبن ارقم قال: (كان لنفر من اصحاب رسول اللّه
ابواب شارعه
فى المسجد، فقال النبى يوما: سدوا هذه الابواب الا
باب على،
فتكلم فى ذلك الناس، فقام رسول اللّه(ص)، فحمد اللّه
واثنى
عليه، ثم قال: اما بعد، فانى امرت بسد هذه الابواب
الا باب
على، وقد قال فيه قائلكم، وانى -واللّه- ما سددت
شيئا ولا
فتحته، ولكن اللّه امر بشىء فاتبعته)((49))،
وفى روايه،
قال(ص): (ما اخرجتكم من قبل نفسى، ولا انا تركته،
ولكن اللّه
اخرجكم وتركه، وانما انا عبد مامور، ما امرت به
فعلت، ان اتبع
الا مايوحى الى)((50)).
وهذا الحديث رواه جمع من الصحابه، منهم: سعدبن ابى
وقاص، وزيدبن ارقم، وعبداللّهبن عباس،
وعبداللّهبن عمر،
وجابربن سمره، وانسبن مالك، وبريده الاسلمى،
وعلىبن ابى
طالب، وقال السيوطى: ثبت بهذه الاحاديث الصحيحه
بل
المتواتره، انه(ص) منع فتح باب شارع فى المسجد ولم
ياذن
لاحد ولا لعمه العباس ولا لابى بكر، الا لعلى، وقال
الحافظ
الكتانى: (وقد اورد ابن الجوزى فى الموضوعات حديث سد
الابواب مختصرا على بعض طرقه، وفى هذا قال الحافظ
ابن
حجر: وقد اخطا ابن الجوزى فى ذلك خطا شنيعا لرده
الاحاديث الصحيحه)((51)).
وجعل النبى(ص) على بن ابى طالب على ذروه الجنود، عن
ابى هريره قال: ان النبى(ص) قال يوم خيبر: (لاعطين هذه
الرايه رجلا يحب اللّه ورسوله)، وفى روايه عن مسلم:
(.. رجلا
يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله، يفتح اللّه
على يديه)، قال
عمربن الخطاب: (ما احببت الاماره الا يومئذ،
فتساورت لها
رجاء ان ادعى لها، فدعا رسول اللّه(ص) علىبن ابى
طالب،
فاعطاه اياها.. وقال: امش ولا تلتفت حتى يفتح اللّه
عليك، فسار
على شيئا ثم وقف ولم يلتفت، وصرخ: يا رسول اللّه،
على ماذا
اقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا ان لا ال-ه الا
اللّه وان
محمدا رسول اللّه، فاذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك
دماءهم
واموالهم الا بحقها، وحسابهم على اللّه)((52)).
ومن احاديث الذروه ايضا ما روى عن جابر بن عبداللّه
قال: (دعا
رسول اللّه(ص) عليا يوم الطائف فانتجاه فقال الناس:
لقد طال
نجواه مع ابن عمه، فقال رسول اللّه(ص): ما انتجيته
ولكن اللّه
انتجاه)((53))،
وفى روايه: (قال ابو بكر: يا رسول اللّه، قد طالت
مناجاتك عليا، فقال: ما انا انتجيته ولكن اللّه
انتجاه)((54))،
قال فى تحفه الاحوازى: (اى انى بلغت عن اللّه ما
امرنى ان
ابلغه اياه، فحينئذ انتجاه اللّه لا انتجيته)، وقال
الطيبى: (كان
ذلك اسرارا ال-هيه وامورا غيبيه جعله من خزانها)((55)).
ومن احاديث الذروه، ما روى عن جابر، قال: (لما سال
اهل قباء
النبى(ص) ان يبنى لهم مسجدا، قال رسول اللّه(ص): ليقم
بعضكم فيركب الناقه، فقام ابو بكر فركبها، فلم
تنبعث فرجع
فقعد، فقام عمر فركبها فحركها فلم تنبعث فرجع فقعد،
فقام
على، فلما وضع رجله فى غرز الركاب وثبت به، فقال
رسول
اللّه(ص): (يا على ارخ زمامها، وابنوا على مدارها
فانها
ماموره)((56)).
وعلى ضوء ما ذكرنا من الاحاديث الصحيحه، تشرق منزله
علىبن ابى طالب من رسول اللّه داخل احياء قريش،
فهو بين
العشيره الاقربين اخو النبى ووصيه وخليفته، وهو
بين
المهاجرين والانصار عبد-اللّه واخو رسول اللّه لا
يدعيها بعد الا
كذاب، وبابه بين الابواب هو الباب المفتوح، وعلم
الجميع ان
اللّه اخرجهم وتركه، وان النبى فى هذا مامور، ما
امر به فعله ان
يتبع الا ما يوحى اليه، وفى ميادين القتال علم
الخاص والعام ان
عليا يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله، وعلموا
ان اللّه انتجاه،
ويوم بناء المسجد علموا ان الناقه ماموره، وعلموا
ان الكتاب
والعتره لا يفترقا حتى يردا على الحوض، وان العتره
فى صلب
على وفاطمه(ع)، لقول النبى(ص): (.. على اصلى..)((57)).
وبين اشراق منزله على من النبى(ص) وبين منزله هارون
من
موسى(ع)، يمتد ظلال الدعوه الال-هيه، وتحت هذا
الظلال
تسير الامه الخاتمه بمنهجها المهيمن على جميع
المناهج،
وقد حذرهم اللّه -تعالى- من السلوك فى طريق
الفراعنه، بعد
ان جعل قياس النبى(ص) الى موسى، وقياس الامه الى
فرعون
وقومه((58))،
وبعد ان حذرهم من ان يكونوا كالذين آذوا
موسى((59))،
وبعد ان علموا ان اللّه يزكى من يشاء، ويجعل
بعض الناس لبعض فتنه يمتحنون بها.وعلى طريق المنزله
رويت احاديث صحيحه، يرى فيها موقع الذروه الذى
يستقيم
مع موقع المنزله، وسنذكر بعض هذه الاحاديث فى
موضعها.
ثانيا: اضواء على المنزله العاليه
قامت الدعوه الال-هيه على امتداد المسيره البشريه،
بمخاطبه
الانسان الذى يسلك طريقها، وارشاده الى ما فيه
سعادته،
وحذرت من التقادر الذى يتلبس بالدين، لان مهمه
النفاق فى
ديار الذين آمنوا لا تنفصل عن مهمه الشيطان الذى
اعتمد فى
برنامجه القعود على الصراط المستقيم: (قال فبما
اغويتنى
لاقعدن لهم صراطك المستقيم)«الاعراف: 16»، وتيار
الصد عن
سبيل اللّه اعتمد على المنافقين فى حفر الحفر
العديده على
امتداد مسيره الذين آمنوا، ومن خلال هذا الحفر رفعت
الاعلام
العديده، التيتقوم برامجها بالتعتيم على الفطره،
والقافله
الاسرائيليه لم تسقط فى مستنقع عباده العجول نتيجه
لغزوها
من الخارج، وانما سقطت اولا من الداخل، على ايدى
الذين
يجلسون تحت خيامها ويتلبسون بالدين.
والدعوه الال-هيه الخاتمه بينت ان المنافقين ينقون
الناس
بالايمان الكاذبه والحلفان الاثمه، ليصدقوا ما
يقولون، فيغتر
بهم من لا يعرف جليه امرهم، ويقتدى بهم فى ما
يفعلون،
ويصدقهم فى ما يقولون، فيحصل بهذا ضرر كبير، وبينت
الدعوه ان منهم اصحاب اشكال حسنه والسنه ذى فصاحه،
واذا
سمعهم السامع يصغى الى قولهم لبلاغتهم، ولهذا قال
تعالى:
(هم العدو فاحذرهم قاتلهم اللّه انى
يوفكون)«المنافقون: 4»،
وقال تعالى: (ان المنافقين فى الدرك الاسفل من النار
ولن
تجد لهم نصيرا)«النساء: 145».
ولقد وصفهم القرآن باوصاف، منها انهم رجس، قال
تعالى:
(انهم رجس وماواهم جهنم جزاء بما كانوا
يكسبون)«التوبه:
95»، فهم فى دائره الخبث والتنجس نتيجه لما تحتويه
بواطنهم واعتقاداتهم، والذين فى قلوبهم مرض
ويتلبسون
بالدين الخاتم ورثوا قلوب الذين سبقوهم من بنى
اسرائيل
وعقولهم، فاذا كان الذين كفروا من بنى اسرائيل لا
يقبلون الا
ما يوافق اهواءهم، فان المنافقين اذا سمعوا آيه من
كتاب اللّه
زادتهم رجسا الى رجسهم، قال تعالى: (واذا ما انزلت
سوره
فمنهم من يقول ايكم زادته هذه ايمانا فاما الذين
آمنوا فزادتهم
ايمانا وهم يستبشرون× واما الذين فى قلوبهم مرض
فزادتهم
رجسا الى رجسهم وماتوا وهم كافرون)«التوبه: 124-125»،
قال
المفسرون: (زادتهم رجسا الى رجسهم) اى: زادتهم شكا
الى
شكهم وريبا الى ريبهم، وهذا من جمله شقائهم، ان ما
يهدى
القلوب يكون سببا لضلالهم ودمارهم، كما ان سيى
المزاج لو
غذى بما غذى به لا يزيده الا خبالا ونقصا.
ولان تيار النفاق لا يزداد الا رجسا، ولانهم اصحاب
السنه، واذا
سمعهم السامع اصغى الى قولهم لبلاغتهم، ولان
برنامج الصد
عن سبيل اللّه اذا تلبس بالدين كان اشد خطرا على
الدعوه، فان
الدعوه الخاتمه قامت بعزل هذا التيار عن ساحتها،
واقامت
حجتها بطائفه الحق، وتحت سقف الامتحان والابتلاء
تسير
القافله، فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا.
وطائفه الحق من خصائصها ان اللّه اذهب عنهم الرجس
وطهرهم تطهيرا، وبهذه الصفه كانوا مع كتاب اللّه،
ولن ينفصلا
حتى يردا على حوض النبى(ص)، ومعنى انهم مع كتاب
اللّه
انهم اعلم الناس بكتابه، وهم امان للامه من الوقوع
فى دائره
التاويل الخاطى له، وخاصه الايات المتشابهه،
وذلك لان تيار
الذين فى قلوبهم زيغ يتخذ من المتشابه حقلا له
ابتغاء الفتنه،
قال تعالى: (هو الذى انزل عليك الكتاب منه آيات
محكمات
هن ام الكتاب واخر متشابهات فاما الذين فى قلوبهم
زيغ
فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنه وابتغاء
تاويله وما يعلم تاويله
الا اللّه والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من
عند ربنا وما
يذكر الا اولوا الالباب)«آل عمران: 7»، قال
المفسرون: (فاما
الذين فى قلوبهم زيغ) اى: ضلال وخروج عن الحق الى
الباطل
(فيتبعون ما تشابه منه) اى: انما ياخذون منه
بالمتشابه الذى
يمكنهم ان يحرفوه الى مقاصدهم الفاسده، وينزلوه
عليها
لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فاما المحكم فلا نصيب
لهم فيه،
لانه رافع لهم وحجه عليهم، ولهذا قال تعالى: (ابتغاء
الفتنه)
اى: الاضلال لاتباعهم ايهاما لهم انهم يحتجون على
بدعتهم
بالقرآن، وهو حجه عليهم لا لهم، وقوله تعالى:
(وابتغاء تاويله)
اى: تحريفه على ما يريدون.
لان تيار الذين فى قلوبهم زيغ والذين فى قلوبهم مرض
يتلبس
بالدين ويجلس فى خيام القافله، اقام اللّه الحجه
بالكتاب
وبالعتره التى لا يضرها من عاداها او من خذلها او من
خالفها،
لانها شعاع يهدى، واللّه -تعالى- ينظر الى عباده كيف
يعملون،
وتطهير اهل البيت والشهاده لهم بالعلم والعمل،
والتحذير من
مخالفتهم، وغير ذلك، وردت فيه احاديث صحيحه،
سنقدمها
ونقابلها بما فى منزله هارون من موسى(ع).
1- مقام التطهير
قال تعالى: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل
البيت
ويطهركم تطهيرا)«الاحزاب: 33»، قال ابن عباس: (يذهب
عنكم الرجس) اى عمل الشيطان وما ليس للّه فيه رضا،
وقال
الازهرى: الرجس: اسم لكل مستقذر من كل عمل، وقال ابن
حجر: والمعنى: التطهير من الارجاس والادناس ونجاسه
الاثام((60)).وروى
مسلم عن عائشه -رضى اللّه عنها- قالت:
(خرج النبى(ص) غداه، وعليه مرط مرحل من شعر اسود،
فجاء
الحسنبن على فادخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم
جاءت
فاطمه فادخلها، ثم جاء على فادخله، ثم قال: (انما
يريد اللّه
ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم
تطهيرا)«الاحزاب:
33»)((61))،
وروى عن عمربن ابى سلمه انه قال: لما نزلت
هذه الايه: (انما يريد اللّه...) دعا رسول اللّه(ص)
فاطمه وحسنا
وحسينا، فجللهم بكساء وعلى خلف ظهره فجلله بكساء،
ثم
قال: (اللهم هولاء اهل بيتى فاذهب عنهم الرجس وطهرهم
تطهيرا، قالت ام سلمه رضى اللّه عنها: وانا معهم يا
نبى اللّه،
قال: انت على مكانك وانت على خير) ((62))، وعن شدادبن
عمار قال: (دخلت على واثلهبن الاسقع وعنده قوم،
فذكروا
عليا -رضى اللّه عنه- فشتموه، فشتمته معهم، فلما
قاموا، قال
لى: شتمت هذا الرجل؟ قلت: قد شتموه فشتمته معهم، قال:
الا اخبرك بما رايت من رسول اللّه(ص)؟ قلت: بلى، قال:
اتيت
فاطمه -رضى اللّه عنها- اسالها عن على -رضى اللّه
عنه-،
فقالت: توجه الى رسول اللّه(ص)، فجلست انتظره حتى
جاء
رسول اللّه(ص) ومعه على وحسن وحسين -رضى اللّه عنهم-
آخذا كل واحد منهما بيده حتى دخل، فادنى عليا
وفاطمه
-رضى اللّه عنهما- واجلسهما بين يديه، واجلس حسنا
وحسينا،
كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم كساءه، ثم
تلا(ص)
هذه الايه: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل
البيت
ويطهركم تطهيرا)«الاحزاب: 33»، وقال: اللهم هولاء
اهل بيتى
واهل بيتى احور)((63))، وعن ابى الحمراء قال: رابطت
المدينه سبعه اشهر على عهد رسول اللّه(ص)، رايت رسول
اللّه(ص) اذا طلع الفجر جاء الى باب على وفاطمه -رضى
اللّه
عنهما- فقال: (الصلاه الصلاه، انما يريد اللّه ليذهب
عنكم
الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)((64))، وعن انسبن
مالك قال: ان رسول اللّه(ص) كان يمر بباب فاطمه -رضى
اللّه
عنها- سته اشهر اذا خرج الى صلاه الفجر، يقول:
(الصلاه يا اهل
البيت، انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت
ويطهركم
تطهيرا)((65)).
وحديث الكساء وردت فيه روايات جمه تزيد على سبعين
حديثا
رواها: ام سلمه، وعائشه، وابو سعيد الخدرى، وسعدبن
ابى
وقاص، وواثله، وابو الحمراء، وابن عباس، وثوبان،
وعبداللّهبن
جعفر، وعلى، والحسينبن على.
والمتدبر فى حديث الكساء يجد ان احداثه وقعت فى
اكثر من
مكان، وقعت فى بيت ام سلمه، وفى بيت عائشه، وفى بيت
فاطمه، وامام اكثر من واحد، ويجد ايضا ان النبى(ص)
كان
ينادى عند بيت فاطمه وقت صلاه الفجر لمده سته اشهر،
وفى
روايه سبعه اشهر، وتكرار المشهد واستمرار النداء
طيله هذه
المده، يعطى ان النبى(ص) كان يقيم بهذا الحجه على
كل من
سمع وراى وصلى فى مسجده، بان هولاء هم اهل البيت،
وكان
-عليه الصلاه والسلام- اذا اراد ان يثبت امرا من
الامور فى
ذاكره من حوله، يكرر هذا الامر من ثلاث الى عشر
مرات،
ووضح ذلك فى روايات عديده حملت تحذيرات مما يستقبل
الناس من احداث، ينتج عنها ما ليس للّه فيه رضا.
واذا كان دعاء الرسول لمن تحت الكساء وتلاوته(ص)
لايه
التطهير، يعطى للناس مفهوم اذهاب الرجس والتطهير
لمن
تحت الكساء -عليهم السلام-، فان الدعوه الال-هيه
لبنى
اسرائيل اعطت لهم المفهوم نفسه، ولكن بطريقه
تستقيم مع
الشريعه فى هذا الوقت، جاء فى العهد القديم: (قال
الرب
لموسى: وتقدم هارون وبنيه الى باب خيمه الاجتماع،
وتغسلهم بماء، وتلبس هارون الثياب المقدسه، وتمسحه
وتقدسه ليكهن لى، وتقدم بنيه وتلبسهم اقمصه،
وتمسحهم
كما مسحت اباهم ليكهنوا لى)((66)).
2- حكام العلم
ان العلم باللّه هو ذروه كل العلوم وهو اشرف
العلوم، لان اللّه هو
اشرف معلوم على الاطلاق، ولان العلم باللّه من اشق
العلوم
وابعدها منالا، لطف اللّه بعباده وباح -سبحانه-
بالعلم الشريف
لانبيائه ورسله ومن ارتضاه من عباده، ليسوقوا
الناس الى
صراط اللّه العزيز الحميد، ويقيموا الحجه على كل
سمع وكل
بصر وكل فواد، ليهلك من هلك عن بينه ويحيا من حى عن
بينه.
روى عن الامام على انه قال: (ان اولى الناس
بالانبياء اعلمهم
بما جاووا به)، ثم تلا قوله تعالى: (ان اولى الناس
بابراهيم للذين
اتبعوه وهذا النبى والذين آمنوا واللّه ولى
المومنين)«آل عمران:
68»((67))،
وروى عن مكحول، قال: (لما نزل على رسول
اللّه(ص) قوله تعالى: (وتعيها اذن واعيه)«الحاقه: 12»،
قال
رسول اللّه(ص): (سالت ربى ان يجعلها اذن على)، فكان
على
يقول: ما سمعت من رسول اللّه(ص) شيئا قط فنسيته)((68))،
وعن ابن مره الاسلمى قال: (قال رسول اللّه(ص) لعلى:
(انى
امرت ان ادنيك ولا اقصيك وان اعلمك وان تعى، وحق لك
ان
تعى)، فنزلت هذه الايه: (وتعيها اذن واعيه)«الحاقه:
12»)((69))،
وعن ابى الطفيل قال: (قال على: سلونى عن
كتاب اللّه، فانه ليس من آيه الا وقد عرفت بليل نزلت
ام بنهار،
فى سهل ام فى جبل)((70))، وعن سليمان الاحمس، قال:
(قال على: ان ربى وهب لى قلبا عقولا ولسانا ناطقا)((71)).
وفى قوله تعالى: (افمن كان على بينه من ربه ويتلوه
شاهد منه
ومن قبله كتاب موسى اماما ورحمه اولئك يومنون به
ومن
يكفر به من الاحزاب فالنار موعده فلا تك فى مريه منه
انه
الحق من ربك ولكن اكثر الناس لا يومنون× ومن اظلم
ممن
افترى على اللّه كذبا اولئك يعرضون على ربهم ويقول
الاشهاد
هولاء الذين كذبوا على ربهم الا لعنه اللّه على
الظالمين)«هود:
17-18»، روى عن علىبن ابى طالب انه قال: (قال رسول
اللّه(ص): (افمن كان على بينه من ربه) انا، (ويتلوه
شاهد منه)
على)((72))،
وعن على انه قال: (ما من رجل من قريش الا
نزلت فيه طائفه من القرآن، فقال له رجل: ما نزل فيك؟
قال:
اما تقرا سوره هود: (افمن كان على بينه من ربه ويتلوه
شاهد
منه) رسول اللّه(ص) على بينه من ربه، وانا شاهد منه)((73))،
وقال صاحب الميزان: (والظاهر ان المراد بهذا الشاهد
بعض من
ايقن بحقيه القرآن، وكان على بصيره ال-هيه من امره،
فامن
به عن بصيره، وشهد بانه حق منزل من عند اللّه تعالى،
كما
يشهد بالتوحيد والرساله، فان شهاده الموقن البصير
على امر
تدفع عن الانسان مريه الاستيحاش وريب التفرد، فان
الانسان
اذا اذعن بامر وتفرد فيه، ربما اوحش التفرد فيه اذا
لم يويده
احد فى القول به، اما اذا قال به غيره من الناس وايد
نظره
فى ذلك، زالت عنه الوحشه
وقوى قلبه وارتبط جاشه، وقد احتج -تعالى- بما يماثل
هذا
المعنى فى قوله: (قل ارايتم ان كان من عند اللّه
وكفرتم به
وشهد شاهد من بنى اسرائيل على مثله فامن
واستكبرتم)«الاحقاف: 10»، وعلى هذا فقوله: (يتلوه) من
التلو
لا من التلاوه، والضمير فيه راجع الى (من) او الى
(بينه)
باعتبار انه نور او دليل، ومال الوجهين واحد، فان
الشاهد الذى
يلى صاحب البينه يلى بينته كما يلى نفسه، والضمير
فى قوله
(منه) راجع الى (من) دون قوله: (ربه) وعدم رجوعه الى
البينه
ظاهر، ومحصل المعنى: من كان على بصيره ال-هيه من
امر،
ولحق به من هو من نفسه، فشهد على صحه امره
واستقامته.
وعلى هذا الوجه ينطبق ما ورد فى الروايات ان المراد
بالشاهد
علىبن ابى طالب، ان اريد به انه المراد بحسب
انطباق المورد،
لا بمعنى الاراده الاستعماليه، وقوله تعالى: (ومن
قبله كتاب
موسى اماما ورحمه) راجع الى الموصول او الى البينه
على حد
ما ذكرناه فى ضمير (يتلوه)، والجمله حال بعد حال، اى:
افمن
كان على بصيره ال-هيه ينكشف له بها ان القرآن حق
منزل من
عند اللّه، والحال ان معه شاهدا منه يشهد بذلك عن
بصيره،
والحال ان هذا الذى هو على بينه سبقه كتاب موسى
اماما
ورحمه، فليس ما عنده من البينه ببدع من الامر غير
مسبوق
بمثل ونظير، بل هناك طريق مسلوك من قبل يهدى اليه
كتاب موسى، وقد ذكر اللّه -تعالى- كتاب موسى بالامام
والرحمه فى موضع آخر، وهو قوله تعالى: (ومن قبله
كتاب
موسى اماما ورحمه وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر
الذين
ظلموا وبشرى للمحسنين)«الاحقاف: 12».
واذا كان صدر الايه، وهو قوله تعالى: (ويتلوه شاهد
منه)، قد
ورد فى تفسيره ان المراد بالشاهد علىبن ابى طالب،
فان قوله
تعالى: (ومن قبله كتاب موسى اماما) يرى فى ظلاله
منزله
هارون من موسى(ع)، لان موسى سال ربه -جل وعلا- ان
يويده بهارون ليشهد له شهاده الموقن البصير على ان
الذى
جاء به هو من عند اللّه، وهو قوله -تعالى- حاكيا عن
موسى قوله:
(واخى هارون هو افصح منى لسانا فارسله معى ردءا
يصدقنى
انى اخاف ان يكذبون)«القصص: 34»، قال ابن كثير: (سال
ربه
ان يرسل معه هارون وزيرا ومعينا ومقويا لامره،
يصدقه فى ما
يقول ويخبر به عن اللّه تعالى، لان خبر الاثنين
انجح فى
النفوس من خبر الواحد)((74))، ويمكن القول: ان الايه
الكريمه يرى فى ظلالها المنزلتان، منزله علىبن
ابى طالب
وهو من الرسول(ص)، ومنزله هارون وهو من موسى(ع).
ومن الايات التى تلقى بظلالها على منزله على من
رسول اللّه
قوله تعالى: (انما انت منذر ولكل قوم هاد)«الرعد: 7»،
روى عن
على انه قال: (رسول اللّه(ص) المنذر، وانا الهادى)((75))،
وفى لفظ: (والهادى رجل من بنى هاشم يعنى نفسه)، وروى
لما نزلت الايه، وضع رسول اللّه(ص) يده على صدر على
وقال:
(انا المنذر، واوما بيده الى منكب على وقال: انت
الهادى يا
على، بك يهتدى المهتدون من بعدى)((76))، وروى عن
الجنيد انه قال: (الهادى هو علىبن ابى طالب)((77)).
وبالجمله، روى فى حديث صحيح ان النبى(ص) قال لفاطمه
رضى اللّه عنها: (انى زوجتك اقدم امتى سلما، واكثرهم
علما،
واعظمهم حلما)((78))، وروى عن ابن عباس انه قال:
(اقضانا
على)((79))،
وعن ابن مسعود انه قال: (كنا نتحدث ان اقضى
اهل المدينه على)((80)).
بعد وضوح منزله على بن ابى طالب من رسول اللّه(ص) على
امتداد عهد البعثه، بدا النبى(ص) يمهد الساحه
لاعلان ولايه
علىبن ابى طالب، ومن ذلك قوله لعلى: (انت ولى فى كل
مومن بعدى)((81))، وقوله لبريده الاسلمى
عندما جاءه يشكو
عليا: (فانه منى وانا منه، وهو وليكم بعدى، وانه منى
وانا منه،
وهو وليكم بعدى)((82))، وراوى هذا الحديث هو ابن
بريده،
قال فى الفتح الربانى: (اقسم ابن بريده انه تلقى هذا
الحديث
من والده بريده مباشره ليس بينه وبينه واسطه، وهو
يفيد ان
والده تلقاه من النبى(ص) مباشره بغير واسطه، يشير
بذلك الى
علو السند)((83)).
وعندما جاء العام العاشر الهجرى، خرج النبى(ص) الى
حجه
الوداع، روى عن جابربن عبداللّه انه قال: (رايت رسول
اللّه(ص)
فى حجته يوم عرفه، وهو على ناقته القصواء يخطب،
فسمعته
يقول: ايها الناس، انى تركت فيكم ما ان اخذتم به لن
تضلوا،
كتاب اللّه وعترتى اهل بيتى)((84))، وروى عن يحيىبن
آدم،
وكان قد شهد حجه الوداع، ان رسول اللّه(ص) قال: (على
منى
وانا منه، ولا يودى عنى الا انا او على)((85)).
وبعد ان ادى رسول اللّه(ص) المناسك، وعند عودته الى
المدينه، وقف فى غدير خم، وهو مكان يقع على الطريق
بين
مكه والمدينه، على بعد ثلاثه اميال من الجحفه، وروى
عن
زيدبن ارقم انه قال: (لما رجع رسول اللّه(ص) من حجه
الوداع،
فنزل غدير خم امر بدوحات فقممن، ثم قام فقال: كانى
قد
دعيت فاجيب، انى قد تركت فيكم الثقلين، احدهما اكبر
من
الاخر، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض،
وعترتى
اهل بيتى، فانظروا كيف تخلفونى فيهما، فانهما لن
يتفرقا حتى
يردا على الحوض، ثم قال: ان اللّه مولاى، وانا مولى
كل مومن،
ثم اخذ بيد على فقال: من كنت مولاه فعلى مولاه،
اللهم وال
من والاه، وعاد من عاداه)، قيل لزيدبن ارقم: اانت
سمعته من
رسول اللّه(ص)؟ فقال: ما كان فى الدوحات احد الا قد
رآه
بعينه وسمعه باذنه)((86)).وعن عائشه بنت سعد قالت:
(سمعت ابى يقول: سمعت رسول اللّه(ص) واخذ بيد على
فخطب ثم قال: ايها الناس، انى وليكم، قالوا: صدقت،
فرفع يد
على فقال: هذا وليى والمودى عنى، وان اللّه مولى من
والاه
ومعادى من عاداه)((87)).
وعندما نوزع على بن ابى طالب ايام خلافته، ذكر
الناس بهذا
الحديث، فعن ابى الطفيل قال: (جمع على الناس فى
الرحبه،
ثم قال: انشد باللّه كل امرى مسلم سمع رسول اللّه(ص)
يقول
يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام اليه ثلاثون من
الناس، قال ابو
نعيم: فقام اليه ناس كثير، فشهدوا حين اخذ النبى(ص)
بيده
فقال: اتعلمون انى اولى بالمومنين من انفسهم،
قالوا: بلى يا
رسول اللّه، قال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم
وال من والاه
وعاد من عاداه)((88))، وزاد فى روايه: (واحب من
احبه
وابغض من ابغضه وانصر من نصره واخذل من خذله)((89)).
وقال فى الفتح الربانى: (قال السيوطى فى الازهار
المتناثره
فى الاحاديث المتواتره: حديث من كنت مولاه، اخرجه
الترمذى عن زيد ابن ارقم، والامام احمد عن على وابى
ايوب
الانصارى، والبزار عن عمرو ذى مر، وابى هريره،
وطلحه،
وعمار، وابن عباس، وبريده، والطبرانى عن ابن عمر،
ومالكبن
الحويرث، وحبشىبن جناده، وجرير، وسعدبن ابى
وقاص، وابى
سعيد الخدرى، وابو نعيم عن جندع الانصارى، وقد خصص
له
الهيثمى سبع صفحات)((90)).
وقال الحافظ الكتانى: (حديث من كنت مولاه فى روايه
لاحمد
انه سمعه من النبى(ص) ثلاثون صحابيا، وشهدوا به لعلى
لما
نوزع ايام خلافته، وصرح المناوى بتواتره، وقال ابن
حجر:
حديث من كنت مولاه اخرجه الترمذى والنسائى، وهو
كثير
الطرق، وقد استوعبها ابن عقده فى مولف مفرد، واكثر
اسانيدها صحيح او حسن)((91)).
وقال ابن كثير: (حديث من كنت مولاه رواه الامام احمد
عن
زيدبن ارقم، وقد رواه عن زيدبن ارقم جماعه، ورواه
معروفبن
جرموز عن ابى الطفيل عن حذيفهبن اسيد، ورواه ابن
ماجه
من حديث حمادبن سلمه عن علىبن زيد، ورواه عن
عدىبن
ثابتبن البراء، وعن ابى اسحاق عن البراء، ورواه
عن سعد
وطلحهبن عبداللّه وجابربن عبداللّه، وله طرق عنه)((92)).
وقال الالبانى: (حديث من كنت مولاه فعلى مولاه،
اللهم وال
من والاه وعاد من عاداه، حديث صحيح جاء من طرق جماعه
من الصحابه، خرجت احاديث سبعه منهم، ولبعضهم اكثر
من
طريق واحد، وقد خرجتها كلها، وتكلمت على اسانيدها
فى
سلسله الاحاديث الصحيحه)((93)).
ولما كنا قد قابلنا بعض الاحداث التى جرت فى عهد
البعثه
الخاتمه بمثيلاتها على عهد انبياء بنى اسرائيل،
ونحن نرصد
منزله هارون من موسى، فاننا نجد فى مقام التطهير
والعلم:
(وكلم الرب هارون قائلا: خمر ومسكر لا تشرب انت
وبنوك
معك.. فرضا دهريا فى اجيالكم، وللتمييز بين المقدس
والمحلل، وبين النجس والطاهر، ولتعليم بنى اسرائيل
جميع
الفرائض التى كلم الرب بها بيد موسى)((94)).
ولقد علمنا ان النبى(ص) بعد ان ادى المناسك، اعلن
ولايه
على ابن ابى طالب، وفى مقابل هذا الحدث، نجد العهد
القديم
يذكر انه فى اليوم الثامن من الشهر الذى تودى فيه
المناسك،
امر موسى هارون ان ياخذ له عجلا ليذبحه فى اليوم
الذى
يفيض اللّه برحمته على العباد، وفعل هارون ما امر
به موسى،
(ثم رفع هارون يده نحو الشعب وباركهم.. ودخل موسى
وهارون خيمه الاجتماع ثم خرجا وباركا الشعب)((95)).
ان الدعوه الال-هيه للناس دعوه واحده، والتوحيد هو
عماد
هذه الدعوه، والاخلاص فى العباده يجعل شجره
التوحيد داخل
النفس الانسانيه شجره مورقه، لهذا كان الاخلاص فى
العباده
افضل الامور الدينيه ومن اوجب الواجبات الشرعيه،
ولكى
يتحقق الاخلاص، فلا بد من حفظ الصله باللّه عز وجل،
والمدخل الى حفظ الصله باللّه هو حفظ الصله
بالرسول، لان
النور المحمدى هو البرزخ الذى بين الناس وبين النور
الال-هى الذى تندك له الجبال، وحفظ الصله بالرسول
له
قواعد وله علامات، وقديما قالت العرب:
اذا لم يكن صدر المجالس سيدا
فلا خير فيمن صدرته المجالس
ثالثا: الترغيب والترهيب
ان حفظ الصله بالرسول(ص) حثت عليه الدعوه الخاتمه فى
اكثر من آيه، منها قوله تعالى: (قل ان كنتم تحبون
اللّه
فاتبعونى يحببكم اللّه)«آل عمران: 31»، والمعنى: ان
كنتم
تريدون ان تخلصوا للّه فى عبوديتكم، فاتبعوا هذه
الشريعه التى
هى مبنيه على الحب، والتى ترفع اعلام الاخلاص
والاسلام،
وتسير باتباعها نحو صراط اللّه المستقيم، فان
اتبعتمونى فى
سبيلى احبكم اللّه، ومنها قوله تعالى: (قل هذه سبيلى
ادعو الى
اللّه على بصيره انا ومن اتبعنى وسبحان اللّه وما
انا من
المشركين)«يوسف: 108»، والايه تشير الى سبيل رسول
اللّه(ص)، وفيها يامره -تعالى- ان يخبر الناس ان هذه
سبيله،
اى طريقته ومسلكه وسنته، وان هذا السبيل هو الذى
يصل
بمن يسلكه الى سعاده الدارين، لان النبى يدعو الى
اللّه على
بصيره ويقين وبرهان، وكل من اتبعه يدعو الى ما دعا
اليه
النبى(ص)، ومنها قوله تعالى: (قل لا اسالكم عليه اجرا
الا
الموده فى القربى ومن يقترف حسنه نزد له فيها حسنا
ان اللّه
غفور شكور)«الشورى: 23»، فى هذه الايه جعل اللّه
-تعالى- اجر
رساله النبى الموده فى القربى، فاى قربى؟ ان موده
الاقرباء
على الاطلاق ليست مما يندب اليه فى الاسلام، قال
تعالى: (لا
تجد قوما يومنون باللّه واليوم الاخر يوادون من حاد
اللّه ورسوله
ولو كانوا آباءهم او ابناءهم او
اخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب فى قلوبهم الايمان
وايدهم
بروح منه)«المجادله: 22»، والذى يندب اليه الاسلام
هو الحب
فى اللّه، وبما ان لكل شىء ذروه، فان الحب فى
اللّه ذروته حب
النبى(ص)، ولهذا قيل: ان المراد بالموده فى القربى،
هو موده
قرابه النبى(ص)، وهم عترته من اهل بيته، ومن يتامل
فى
الروايات المتواتره عن النبى(ص)، كحديث الثقلين
وغيره، يجد
ان النبى(ص) دفع الناس فى اتجاه اهل البيت لفهم كتاب
اللّه
بما فيه من اصول معارف الدين وفروعها وبيان حقائقه،
وهذا لا
يدع ريبا فى ان ايجاب مودتهم وجعلها اجرا للرساله،
انما كان
ذريعه الى ارجاع الناس الى اهل البيت، على اعتبار
ان لهم
المرجعيه العلميه.
وروى عن ابن عباس انه قال: (لما نزلت هذه الايه: (قل
لا
اسالكم عليه اجرا الا الموده فى القربى)«الشورى:
23»، قالوا: يا
رسول اللّه، من قرابتك هولاء الذين وجبت مودتهم؟
قال: على
وفاطمه وولداها)((96))، وعن ابى الديلم قال: (لما
جىء
بعلىبن الحسين اسيرا، فاقيم على درج دمشق، قام
رجل من
اهل الشام فقال: الحمد للّه الذى قتلكم واستاصلكم،
فقال له
علىبن الحسين: اقرات القرآن؟ قال: نعم، قال: اقرات
آل حم؟
قال: نعم، قال: اما قرات: (قل لا اسالكم عليه اجرا الا
الموده فى
القربى)؟ قال: فانكم لانتم هم؟ قال: نعم)((97)).
ومما يثبت ان المقصود بذى القربى: على وفاطمه
وولداهما،
تحذير النبى(ص) من الاقتراب منهم باذى، لان من
يوذيهم
يكون فى الحقيقه قد آذى رسول اللّه(ص)، ويقع تحت
عقوبه لا
يدفعها دافع، قال تعالى: (ان الذين يوذون اللّه
ورسوله لعنهم
اللّه فى الدنيا والاخره واعد لهم عذابا
مهينا)«الاحزاب: 57»،
ومن المعلوم انه لا يوجد مخلوق يمكن ان يتقدم باذى
للّه
تعالى، ولكن الايه تتوعد كل من آذى النبى بشىء،
لان من آذاه
فقد آذى اللّه، كما ان من اطاعه فقد اطاع اللّه.
وتحذيرات النبى(ص) من الاقتراب باى اذى لعترته،
وردت فى
احاديث كثيره، منها ما روى عن سعدبن ابى وقاص قال:
(كنت
جالسا فى المسجد انا ورجلين معى، فنلنا من على،
فاقبل
رسول اللّه(ص) غضبان يعرف فى وجهه الغضب، فتعوذت
باللّه
من غضبه، فقال: ما لكم وما لى؟ من آذى عليا فقد
آذانى)((98))،
ومنها ما روى عن عمروبن شاس الاسلمى، قال:
(خرجت مع على الى اليمن، فجفانى فى سفرى ذل، حتى
وجدت فى نفسى عليه، فلما قدمت اظهرت شكايته فى
المسجد، حتى بلغ رسول اللّه(ص)، فلما رآنى ابدى
عينيه (اى:
حدد الى النظر)، حتى اذا جلست قال: يا عمرو، واللّه
لقد
آذيتنى، قلت: اعوذ باللّه ان اوذيك يا رسول اللّه،
قال: بلى من
آذى عليا فقد آذانى)((99))، ومنها ما روى عن المسوربن
مخرمه قال: قال النبى(ص): (انما فاطمه بضعه منى
يوذينى ما
آذاها)((100)).
وبالجمله، ان الدعوه الال-هيه الخاتمه بينت ان
الاخلاص فى
العباده افضل الامور الدينيه، ومن اوجب الواجبات
الشرعيه،
وبينت ان حفظ الصله بالرسول هو صراط حفظ الصله
باللّه،
فمن آذى الرسول فقد آذى اللّه، ومن اطاع الرسول فقد
اطاع
اللّه.
|