ولان المنافقين فى كل عصر يعملون من اجل تدمير الدعوه من داخلها، فان الدعوه الال-هيه الخاتمه فتحت بين حركه النفاق وبين حركه الايمان، لتصحيح الساحه بعد هذا الفتح من طرفين، لكل طرف اعلامه ومذاقه، لتسير القافله وهى على بينه من امرها، لينظر اللّه الى عباده كيف يعملون، وهذا الفتح يرى بوضوح اذا تدبر الباحث فى الاحاديث المرويه عن رسول اللّه(ص)، ومنها ما روى عن على‏بن ابى طالب انه قال: (والذى خلق الحبه وبرا النسمه، انه لعهد النبى(ص) الى ان لا يحبنى الا مومن ولا يبغضنى الا منافق)((101))، وما روى عن ابى ذر انه قال: (قال رسول اللّه(ص) لعلى: يا على من فارقنى فارق اللّه، ومن فارقك يا علي فارقنى)((102))، وما روى عن عبيداللّهبن عباس قال: (نظر النبى(ص) الى على فقال: يا على، انت سيد فى الدنيا، وسيد فى الاخره، حبيبك حبيبى، وحبيبى حبيب اللّه، وعدوك عدوى، وعدوى عدو اللّه، الويل لمن ابغضك بعدى)((103)).

وما روى عن اسره عمار بن ياسر، فعن ابى عبيده‏بن محمد ابن عماربن ياسر عن ابيه عن جده انه قال: قال رسول اللّه(ص):

(اوصى من آمن بى وصدقنى بولايه على‏بن ابى طالب، فمن تولاه فقد تولانى، ومن تولانى فقد تولى اللّه، ومن احبه فقد احبنى ومن احبنى فقد احب اللّه، ومن ابغضه فقد ابغضنى ومن ابغضنى فقد ابغض اللّه عز وجل)((104))، وعنه ايضا قال: قال رسول اللّه(ص): (اللهم من آمن بى وصدقنى فليتولى على‏بن ابى طالب، فان ولايته ولايتى وولايتى ولايه اللّه)((105))، وقيل لسلمان الفارسى: (ما اشد حبك لعلى! قال: سمعت رسول اللّه(ص) يقول: من احب عليا فقد احبنى، ومن ابغض عليا فقد ابغضنى)((106))، وقيل لعماربن ياسر: (ما اشد حبك لعلى! فقال: قال رسول اللّه(ص): يا عمار ان رايت عليا قد سلك واديا وسلك الناس واديا غيره، فاسلك مع على ودع الناس)((107)). وما روى عن اسره ابى رافع، فعن محمد بن عبيداللّهبن ابى رافع عن ابيه عن جده قال: قال النبى(ص): (يا ابا رافع، سيكون بعدى قوم يقاتلون عليا، حق على اللّه جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، ومن لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك شى‏ء)((108))، وعن عماربن ياسر قال: (قال رسول اللّه(ص): يا على، ستقاتلك الفئه الباغيه وانت على الحق، فمن لم ينصرك يومئذ فليس منى)((109))، وعمار راوى هذا الحديث، قاتل مع الامام على، وقتل فى صفين، وكان النبى قد اخبر بقتله وهو يخبر بالغيب عن ربه جل وعلا، روى البخارى ان النبى(ص) قال: (ويح عمار، تقتله الفئه الباغيه، يدعوهم الى الجنه ويدعونه الى النار)((110)).

وبالجمله، عن ابى سعيد الخدرى قال: قال رسول اللّه(ص): (لا يبغضنا -اهل البيت- احد الا ادخله اللّه النار)((111))، وعن ابى هريره قال: (نظر النبى(ص) الى على وابنيه وفاطمه، وقال: انا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم)((112)).

ولان النبى(ص) جعل الكتاب والعتبره فى حبل واحد، واخبر بالغيب عن ربه بانهما لن ينفصلا حتى يردا على الحوض، ولانه(ص) حث الامه فى اكثر من مكان بان تتمسك بهذا الحبل لانه واق لها من الضلال، وقال: (فانظروا كيف تخلفونى فيهما)، فانه اخبر بالغيب عن ربه بان اهل بيته سيلقون بعده من الامه قتلا وتشريدا، وكما حذر موسى(ع) بنى اسرائيل من الاختلاف فى الوقت الذى خبر فيه بانهم سيختلفون وهو يخبر بالغيب عن ربه، كذلك فعل النبى الخاتم(ص)، كان يحذر من الاختلاف ويقول: (لا تختلفوا فان من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)((113))، وفى الوقتنفسه يخبر بالغيب عن ربه ويقول:

(ان بنى اسرائيل تفرقت احدى وسبعين فرقه فهلك سبعون فرقه، وخلصت فرقه واحده، وان امتى ستفترق على اثنتين وسبعين فرقه، تهلك احدى وسبعون وتخلص فرقه، قيل: يا رسول اللّه، من تلك الفرقه؟ قال: الجماعه الجماعه)((114)).

لقد كان الاخبار بالغيب فى ما يستقبل الناس من احداث، لطفا من اللّه، ليعلم -سبحانه- من يخافه بالغيب، فلا ياخذوا بالاسباب التى عليها التحذير، وياخذوا بالاسباب التى فيها للّه ولرسوله رضا، والنبى(ص) امر الامه بان تاخذ بطرف الحبل الذى عليه الكتاب والعتره، ثم يخبر بالغيب عن ربه فيقول: (ان اهل بيتى سيلقون بعدى من امتى قتلا وتشريدا)((115))، وعن على‏بن ابى طالب انه قال: (ان مما عهد الى رسول اللّه(ص): ان الامه ستغدر بك بعدى)((116))، وكل طريق له اسبابه، واللّه -تعالى- ينظر الى عباده كيف يعملون.

ولان الطريق عليه اختلاف وافتراق وغدر ونفى وقتل وتشريد، ظهرت النتيجه عند الحوض فى اخبار الرسول(ص) بالغيب عن ربه، فعن سهل قال: (سمعت رسول اللّه(ص) يقول: انا فرطكم على الحوض، من ورد شرب ومن شرب لم يظما ابدا، وليردن على اقوام اعرفهم ويعرفوننى، ثم يحال بينى وبينهم)((117))، وعن عبداللّه قال: (قال رسول اللّه(ص): انا فرطكم على الحوض، ولانازعن اقواما، ثم لاغلبن عليهم، فاقول: يا رب، اصحابى اصحابى، فيقال: انك لا تدرى ما احدثوا بعدك)((118))، وفى روايه عن ابى هريره بزياده: (انك لا علم لك بما احدثوا بعدك، انهم ارتدوا على ادبارهم القهقرى)((119))، وفى روايه عن ابن عباس: (فيقال: ان هولاء لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم)((120))، وفى روايه عن ام سلمه: (فنادانى مناد من بعدى، فقال: انهم قد بدلوا من بعدك، فاقول: سحقا سحقا لمن بدل عبدى)((121)).

لقد حذر النبى الخاتم(ص) من النتيجه التى لا تستقيم مع المقدمه، ولم تجامل الدعوه الال-هيه الخاتمه احدا بعد ان اقامت حجتها، يقول النبى(ص): (ليردن على الحوض رجال ممن صحبنى ورآنى...)((122))، ولم تغن عنهم الصحبه من اللّه شيئا، وقال: (ان من اصحابى من لا يرانى بعد ان اموت ابدا)((123))، ومعنى ان تعط‏ى النتيجه قطع صلتهم بالنبى فى الاخره، انهم قطعوا الصله يوم ان سارت القافله تحت سقف الامتحان والابتلاء لينظر اللّه الى عباده كيف يعملون، قال تعالى: (احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون× ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن اللّه الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)«العنكبوت: 302».

واذا كانت الدعوه الال-هيه الخاتمه قد حذرت كل من يقترب من سبيل رسول اللّه(ص) باى اذى، فان الدعوه الال-هيه الى بنى اسرائيل حذرت كل من يقترب من هارون وبنيه باذى، جاء فى العهد القديم ان اللّه كلم موسى(ع)، وامره بان يقدم سبط لاوى امام هارون ليخدموه ويحفظوا شعائره، ويخدموا خيمه الاجتماع ويحرسوا امتعتها، وقال له: (وتوكل هارون وبنيه فيحرسون كهنوتهم والاجنبى الذى يقترب يقتل)((124)).

رابعا: رحيل النبى الخاتم(ص)

لقد جاء النبى(ص) بالادله المقبوله، والمعجزات التى هى بلسان التواتر منقوله، وقد قال المسيح(ع): من قبل ثمارهم تعرفونهم، وقد علم المخالف والموالف ان محمدا رسول اللّه لم تثمر شجرته عباده غير اللّه ولم يشرك مع اللّه غيره، ولا جعل له ندا من خلقه ولا ولدا، ولا قال لامته: اعبدوا ال-هين اثنين، ولا ثالث ثلاثه، ولا عبد رجلا ولا عجلا ولا كوكبا، بل دعا الى مله ابراهيم، ال-ه واحد لا ال-ه الا هو، واخلص للّه وحده، ونزهه عن النقائض والافات، وجاء بكتاب من عند اللّه امر فيه بطاعه اللّه، ونهى عن معصيته، وزهد فى الدنيا ورغب فى الاخره، وامر بالمعروف ونهى عن المنكبر، وامر ببر الوالدين، وصله الرحم، وحفظ الجار، وفرض الصدقات، وامر بالصوم والصلاه، وحث على مكارم الاخلاق ومحاسن العادات، ثم كسر الاصنام وعطل الاوثان، واخمد النيران، واعلن الاذان، فهذه هى ثمار النبى(ص) الذى بعثه اللّه، والناس فى ظلمه الجهل والانحراف، فانار الطريق واقام الحجه، وبين منهجه للبشريه الطريق الذى يحقق السعاده فى الدنيا بما يوافق الكمال الاخروى، لانه يمد الانسان بالوقود الذى يميز به بين الحلال وبين الحرام، وينطلق بالانسان نحو الاهداف التى من اجلها خلقه اللّه، بالوسائل التى للّه فيها رضا، ومن خلال المنهج الاسلامى يحفظ الانسان صلته باللّه ورسوله، لان المنهج يقوم على اوامر اللّه، فهو -سبحانه- مصدر جميع السلطات، واليه تنتهى جميع القرارات، لانه -تعالى- مصدر الخلق والتكوين، وواهب الحياه ومقوماتها، فكما ان له -سبحانه- الخلق والابداع، كذلك له الامر والنهى.

وبعد ان اقام النبى(ص) الحجه، حانت الساعه التى يدعى فيها فيجيب، وعلى فراش المرض اخذ النبى(ص) بالاسباب حتى لا تختلف الامه من بعده، وهو يعلم ان الاختلاف واقع لا محاله، ونظام العالم هو نظام الاسباب والمسببات، والانسان مطالب بان يكون اعتماده على اللّه عند اخذه بالاسباب وفى كل حال، وعلى هذا سار الانبياء والرسل(ع)، كانوا يخبرون بالغيب عن اللّه بما يستقبل الناس من فتن واهوال، ثم ياخذون بالاسباب فيحذرون الناس من مخاطر الطريق.

عن ابن عباس قال: (لما حضر رسول اللّه(ص) الموت، وفى البيت رجال فيهم عمربن الخطاب، قال النبى(ص): هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال عمر: ان النبى(ص) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه، فاختلف اهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبى(ص) كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قاله عمر، فلما اكثروا اللغو والاختلاف عند النبى(ص)، قال النبى(ص): قوموا!) فكان ابن عباس يقول: (ان الرزيه كل الرزيه، ما حال بين النبى(ص) وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم!)((125))، وفى روايه: قال النبى(ص): (قوموا عنى، ولا ينبغى عندى التنازع)((126))، وروى عن جابر ابن عبداللّه:

(ان النبى(ص) دعا عند موته بصحيفه ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده، فخالف عليها عمربن الخطاب حتى رفضها)((127))، وعن سعيدبن جبير عن ابن عباس انه قال:

يوم الخميس وما يوم الخميس! ثم جعل تسيل دموعه، حتى رئيت على خديه كانها نظام اللولو، قال: قال رسول اللّه(ص):

(ائتونى بالكتف والدواه -او اللوح والدواه- اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا، فقالوا: ان رسول اللّه(ص) يهجر)((128)).قال ابن الاثير: (القائل هو عمربن الخطاب)((129))، ومعنى هجر، قال فى لسان العرب: (يهجر هجرا، اذا كثر الكلام فى ما لا ينبغى، وهجر يهجر هجرا، بالفتح: اذا خلط فى كلامه، واذا هدى)((130))، وقال فى المختار: (الهجر: الهذيان)((131))، وقال فى المعجم: (هجر المريض: هذى)((132)).

لقد اختلفوا واكثروا اللغط ولا ينبغى عند رسول اللّه التنازع، قال تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط اعمالكم وانتم لا تشعرون)«الحجرات: 2»، وقال جل شانه:

(فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنه او يصيبهم عذاب اليم)«النور: 63»، وقال: (يا ايها الذين آمنوا استجيبوا للّه وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ان اللّه يحول بين المرء وقلبه وانه اليه تحشرون× واتقوا فتنه لا يصيبن الذين ظلموا منكم خاصه واعلموا ان اللّه شديد العقاب)«الانفال: 24 25».

ومن يتدبر فى احداث يوم الصحيفه ويمسك باطرافها، يجد ان الرسول(ص) اراد ان يكتب لهم كتابا يكون سببا فى الامن من الضلال، وهذا السبب كان كافيا لتنفيذ الامر، ولكن بعض الذين حضروا قالوا: (هجر)، فكانت هذه الكلمه كافيه ليمسك الرسول عن كتابه الصحيفه، لانها ربما تكون مدخلا لتشكيك البعض فى كل ما كتب من وصايا وعهود، ويترتب على ذلك فتن عديده، ويشهد بذلك ما روى عن ابن عباس انه قال: (قالوا: ان نبى اللّه ليهجر، فقيل له: الا ناتيك بما طلبت؟ قال: او بعد ماذا؟!)((133))، وامر الرسول اليهم بان ياتوه بصحيفه ليكتب لهم الكتاب، هذا الامر فى حد ذاته كاف لاقامه الحجه عليهم، وان لم ياتوا اليه بالصحيفه، ومن المعلوم ان النبى(ص) قد اقام الحجه على الامه بالبلاغ فى حجه الوداع، وقبلها، وبعدها فى غدير خم.

وقد احتج البعض ان قولهم: (حسبنا كتاب اللّه)، يستند الى ان الكتاب جامع لكل شى‏ء، وقولهم هذا ينتج اشكالا، لان الكتاب الجامع لكل شى‏ء امر بطاعه الرسول، وعلى الرغم من ان الكتاب جامع الا انه ليس فى استطاعه كل واحد ان يستخرج منه ما يريده على وجه الصواب، لهذا فوض اللّه رسوله فى ان يبين للناس ما انزل اليهم من ربهم، ولان الناس فى حاجه الى السنه مع كون الكتاب جامعا، جعل النبى(ص) عترته مع الكتاب فى حبل واحد ولن يفترقا حتى يردا عليه الحوض.

وبالجمله، لما كان الكتاب فيه آيات متشابهات، وهذه الايات يتتبعها الذين فى قلوبهم زيغ لاثاره الفتن ولتاويل الكتاب، حتى ينتهى تاويلهم الى تعطيل الحكم به، ولما كان الكتاب مع كونه جامعا لكل شى‏ء لا يحقق دوام الهدايه وعدم الاختلاف، بدليل ان الضلال والتفريق وقعا فعلا، فان الامن من الضلال لا يكون الا بالكتاب، ومعه الطاهر الذى يتاوله. ويمكن للباحث ان يستنتج ذلك اذا ربط بين امر الرسول وهو على فراش المرض، وبين البلاغ الذى اقام به الحجه قبل ذلك، فيوم الصحيفه قال(ص): (آتونى بصحيفه ودواه اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا)((134))، وفى بلاغه، قال(ص): (انى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى، احدهما اعظم من الاخر، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتى اهل بيتى، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفونى فيهما)((135)).