«وجاء
الحق»
تاليف:سعيد ايوب كلمه المركز
يبحث المولف ، وهو الباحث الذى نذر حياته من اجل
تبيين
معالم خط الاسلام الاصيل، المتمثل بمذهب ائمه
اهلالبيت
(ع)، فى القسم الاول من بحثه قضيه (الدعوه الخاتمه
واهل
الكتاب)، ويخلص - استنادا الى النصوص
التىيستقرئها - الى
القول: ان الدعوه الخاتمه، فى الوقت الذى تفتح فيه
ابوابها
للباحثين عن الحقيقه، تحذر من اتباع اىمشروع يهدف
الى
الصد عن سبيل اللّه.
ويفضى البحث فى هذه القضيه، الى بحث القضيه
الثانيه، فى
القسم الثانى، بالاعتماد على استقراء مجموعه (من
وصاياالدعوه الخاتمه). ويفيد هذا الاستقراء ان
الامه الخاتمه لم
تستثن من الاختبار بالانبياء والرسل وباوصيائهم.
فقد
قابلتدائره هارون وبنيه فى الشريعه الموسويه
دائره الامام
على بن ابى طالب وبنيه (ع) فى الشريعه المحمديه. فقد
جاء
فىالحديث الصحيح ان النبى (ص) قال لعلى (انت منى
بمنزله
هارون من موسى الا انه لا نبى بعدى).
ينطلق المولف، فى بحثه، من النصوص، فيستقرئها،
ويخلص
الى نتائج لا يلبث ان يويدها بالشواهد، ورائده فى
ذلك ماامر اللّه
تعالى به رسوله (ص) ان يدعو الخلق الى اللّه، عزوجل،
بالحكمه
والموعظه الحسنه، وبذلك تشرع ابواب الحقامام
الذين
يريدون الاستبصار فى الدين.رحم اللّه المولف، وعسى
ان تكون
قد وفقنا الى تحقيق الهدف الذى كان يرجوه، واللّه
تعالى
الموفق والهادى الى سواءالسبيل.
مركز الغدير للدراسات الاسلاميه
الفصل الاول:
وسارت القافله البشريه تحت هذه الاعلام التى لا
تحقق
السعاده فى الدنيا، لان حمله الاعلام الماديه
ابطلوا النتيجه
بالوقوف على سببها والجمود عليه، وحمله اعلام
الروح ابطلوا
النتيجه بابطال سببها.
كانت المسيره البشريه فى حاجه وسط يقف بين الطرفين،
ويقودهما الى الهدف الذى من اجله خلق اللّه
الانسان، وسط لا
الى هذا الطرف ولا الى ذاك، وانما يقف بين
الجانبين، جانب
الجسم وجانب الروح، وبه يقاس ويوزن كل من طرفى
الافراط
والتفريط، ليكون شهيدا على سائر الناس الواقعه فى
الاطراف.ومن لطف اللّه -تعالى- ورحمته بالعباد، بعث
-سبحانه- النبى الخاتم، النبى الامى العربى
محمدا(ص)،
ليقود امه تحمل للبشريه دينا يهدى الناس الى وسط
الطرفين،
لا الى هولاء ولا الى هولاء.
دعوه اهل الكتاب
اولا: الدعوه الى التوحيد الحق
ونظرا لان مسيره اليهود رشحت عليها عقائد الامم
الوثنيه،
وحمل التوحيد على امتداد مسيرتهم بصمات الالهه
المتعدده،
حتى صار الال-ه -فى نهايه المطاف- ال-ها خاصا ببنى
اسرائيل دون غيرهم من الامم، ونظرا لان الاحبار
والرهبان
بدلوا الدين الذى بعث به عيسى(ع)، ونسبوا الى المسيح
ما لا
يجوز وقالوا بالوهيته، واطاعتهم القافله
النصرانيه من غير قيد
ولا شرط، فان الدعوه الخاتمه صححت هذه المفاهيم فى
اكثر
من آيه، ومنها قوله تعالى لرسوله(ص): (قل يا اهل
الكتاب تعالوا
الى كلمه سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا اللّه ولا
نشرك به شيئا
ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون اللّه فان تولوا
فقولوا اشهدوا
بانا مسلمون)«آل عمران: 64»، والمعنى: تعالوا الى
كلمه عدل
نستوى نحن وانتم فيها، ثم فسر هذه الكلمه بقوله:
(الا نعبد الا
اللّه ولا نشرك به شيئا)، لا وثنا ولا صليبا ولا
صنما ولا طاغوتا
ولا نارا ولا اى شىء آخر، بل نفرد العباده للّه
وحده لا شريك له،
وهذه دعوه كل الرسل منذ ذرا اللّه ذريه آدم، ثم قال:
(ولا يتخذ
بعضنا بعضا اربابا من دون اللّه)، اى: لا يسجد بعضنا
لبعض، او
يطيع بعضنا بعضا فى معصيه اللّه، او نحرم الحلال
ونحل
الحرام، فنحن وانتم ما امرنا الا لنعبد اللّه وحده،
الذى اذا حرم
شيئا فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه
اتبع، وما
حكم بهد نفذ، تعالى اللّه سبحانه وتقدس وتنزه عن
الشركاء،
والنظراء، والاعوان، والاضداد، لا ال-ه الا هو، ولا
رب سواه، فان
تولوا عن هذه الدعوه، فاشهدوا انتم على استمراركم
على
الاسلام الذى شرعه اللّه لكم.
ثانيا: الدعوه الى اتباع قبله الرساله الخاتمه
(اما انتم الذين تركوا الرب ونسوا جبلا قدسيا فانى
اعينكم
للسيف)((1)).
وهذا النسيان ترى معالمه على التوراتين:
السامريه والعبريه، فبينما تقول التوراه السامريه:
ان القبله فى
اتجاه جبل جرزيم، تقول التوراه العبرانيه: انها فى
اتجاه جبل
عيبال، والمسيح(ع) شهد بوجود هذا الاختلاف فى عهد
بعثته،
وبشرهم بان العباده لن تكون فى المستقبل لا فى
اتجاه هذا
الجبل ولا فى اتجاه اورشاليم، وذلك لان اللّه سينزع
من ايديهم
القياده ويسلمها الى شعب آخر((2)). وما ذكره المسيح(ع)
بخصوص القبله، جاء عندما كان متوجها الى اورشاليم،
فقالت
له امراه سامريه: (يا سيدى، ارى انك نبى، آباونا
سجدوا فى هذا
الجبل، وانتم تقولون: ان فى اورشاليم الموضع الذى
ينبغى ان
يسجد فيه، فاجابها يسوع: صدقينى يا امراه ستاتى
الساعه التى
فيها تعبدون الاب لا فى هذا الجبل ولا فى اورشاليم)((3)).
وقبل البعثه الخاتمه، لم يكن فى اورشاليم هيكل بعد
ان دمر
الامبراطور تيطس آخر هيكل عام 70م، ولم يكن فى
اورشاليم
$حاخاميه لليهود بعد ان الغى
الامبراطور ثيودوسيوس الحاخاميه عام 435م، وترتب
على
ذلك تفرق اليهود فى الارض.
ولما كانت الدعوه الال-هيه المتوجهه الى بنى
اسرائيل قد نزل
عليها الستار بعد بعثه عيسى(ع)، لانه آخر انبياء بنى
اسرائيل(ع)، ولما كان عيسى(ع) يسجد للّه فى اتجاه
اورشاليم،
ولما كانت الدعوه الال-هيه اللاحقه تبدا من حيث
انتهت
الدعوه الال-هيه التى سبقتها، باعتبار ان الدعوه
الال-هيه
للناس -
منذ ذرا اللّه ذريه آدم- دعوه واحده، صراطها
واحد،
وغاياتها واحده، فتبدا دعوه اللاحق من الرسل من حيث
انتهت
دعوه السابق منهم، ثم يفعل اللّه ما يشاء ويحكم ما
يريد، ويكلف
عباده بما شاء وينسخ ما يشاء، لانه -تعالى- له
الحكمه التامه
والحجه البالغه فى جميع ذلك، ولما كان اهل الكتاب
يعلمون
من كتب انبيائهم ان الدعوه الخاتمه لها صفات خاصه
بها، وانها
ستبين لهم ولغيرهم الاتجاه الذى يجب ان يسجد الناس
نحوه،
فان اللّه -تعالى- عندما بعث رسوله الخاتم(ص)، امره
بالتوجه
الى قبله بيت المقدس، والمعنى الذى يستشف من هذا
الحدث
هو ان الدعوه الال-هيه دعوه واحده، وان الحلقات
فيها ترتبط
بعضها ببعض، وتحت هذا السقف تقام الحجه على الذين
اختلفوا فى الدين والذين جعلوا الدين دينا خاصا
بهم، وتحت
هذا السقف ينظر اللّه الى عباده كيف يعملون، ومن
يتبع
الرسول ممن ينقلب على عقبيه.
وعندما كانت القبله فى اتجاه بيت المقدس، تدبر فى
الاحداث
الذين يعرفون الحق ومعارف الدين، والزهاد من اهل
الكتاب،
واصغوا لصوت الحق، وتكاتم البعض ذلك بينهم حسدا
وكفرا
وعنادا، وانطلقوا يصدون عن سبيل اللّه، وبعد ان
اقامت الدعوه
حجتها على بنى اسرائيل فى هذا الامر، امر -تعالى-
رسوله(ص) بان يولى وجهه شطر المسجد الحرام بمكه،
واخبره بان اهل الكتاب يعلمون انه الحق من ربهم،
قال تعالى:
(سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى
كانوا
عليها قل للّه المشرق والمغرب يهدى من يشاء الى
صراط
مستقيم× وكذلك جعلناكم امه وسطا لتكونوا شهداء على
الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبله
التى كنت
عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على
عقبيه) الى
قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك
قبله
ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم
فولوا
وجوهكم شطره وان الذين اوتوا الكتاب ليعلمون انه
الحق من
ربهم وما اللّه بغافل عما يعملون× ولئن اتيت الذين
اوتوا الكتاب
بكل آيه ما تبعوا قبلتك وما انت بتابع قبلتهم وما
بعضهم بتابع
قبله بعض)«البقره: 142-145»، قال المفسرون: والمعنى:
انما
شرعنا لك يا محمد اولا التوجه الى بيت المقدس، ثم
صرفناك
عنه الى الكعبه ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل
معك حيثما توجهت، ممن ينقلب على عقبيه، وان كان صرف
التوجه عن بيت المقدس الى الكعبه لامرا عظيما فى
النفوس،
الا على الذين هدى اللّه قلوبهم، فايقنوا بتصديق
الرسول، وبان
كل ما جاء به هو الحق الذى لا مريه فيه، وبان اللّه
يفعل ما يشاء
ويحكم ما يريد، وله -تعالى- ان يكلف عباده بما شاء
وينسخ ما
يشاء، وهذا بخلاف ما يقوله الذين فى قلوبهم مرض،
فانه كلما
حدث امر احدث لهم شكا، ثم اخبره -تعالى- بان صلاتهم
الى
بيت المقدس لن يضيع ثوابها عند اللّه، وامره -تعالى-
بان يولى
وجهه شطر المسجد الحرام، واخبره ان الذين اوتوا
الكتاب
يعلمون ان اللّه سيوجهه الى هذه القبله، مما فى
كتبهم عن
انبيائهم من النعت والصفه لرسوله الخاتم(ص)، وما
خصه اللّه
-تعالى- به وشرفه من الشريعه الكامله العظيمه، ولكن
اهل
الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا،
واخبر
-تعالى- ان الرسول لو اقام عليهم كل دليل على صحه ما
جاءهم به، لما اتبعوا قبلته كفرا وعنادا، وانه لن
يتبع قبلتهم
لان ذلك عن امر اللّه تعالى، له الحكمه التامه
والحجه البالغه،
ثم اشار -تعالى- الى اختلافهم فى ما بينهم فى تحديد
قبلتهم
القديمه، وهو قوله: (وما بعضهم بتابع قبله بعض)،
وامره
-تعالى- ان يستمسك بامر اللّه ولا يتبع اهواءهم فى
جميع
احواله، وقال -جل شانه-: (ولئن اتبعت اهواءهم من بعد
ما
جاءك من العلم انك اذا لمن الظالمين× الذين آتيناهم
الكتاب
يعرفونه كما يعرفون ابناءهم وان فريقا منهم
ليكتمون الحق
وهم يعلمون)«البقره: 145-146»، والمعنى: ان علماء اهل
الكتاب يعرفون صحه ما جاء به الرسول، ومن ذلك توجهه
شطر
المسجد الحرام، كما يعرف احدهم ولده.
وبالجمله، كان التوجه الى بيت المقدس، ثم صرف عنه
الى
الكعبه، امتحانا لاهل الكتاب الذين علموا من
ابنائهم ان قياده
الدعوه الال-هيه ستنتقل من بنى اسرائيل الى بنى
اسماعيل،
وان عنوان هذه الدعوه ورسولها هو النبى الخاتم
محمد(ص)،
وكان امتحانا ايضا للذين اتبعوا النبى(ص) من العرب
وغيرهم،
لان صرف التوجه عن بيت المقدس سيثير شكوك البعض،
وسيغذى اهل الكتاب والذين فى قلوبهم مرض هذه الشكوك
وهم يصدون عن سبيل اللّه، وتحت سقف هذا الامتحان
ينظر
اللّه الى عباده كيف يعملون.
ثالثا: اتباع ابراهيم(ع)
وعندما بعث النبى الخاتم(ص)، تحدث اهل الكتاب
بعقيدتهم
الخاصه بالميراث، وعملوا على نشر الثقافه التى تصب
فى وعاء
هذه العقيده، واليهود فى مصادر الاسلام اعلنوا
انهم فى انتظار
المسيح الذى يملكون به الارض، والنصارى تحدثوا بما
وضعه
بولس فى عقولهم، وهو ان الامم شركاء لليهود فى
الميراث،
ووفقا لهذا الاعتقاد بداوا بالتحرك لوقف تحرك
الدعوه الخاتمه
فى اتجاه الامم، وشيد اليهود والنصارى صروحهم على
ابراهيم(ع)، فبينما زعم الحى اليهودى ان ابراهيم
كان يهوديا،
زعم الحى النصرانى ان ابراهيم كان نصرانيا، وفى
زحمه هذه
الثقافات، قالت اليهود: ليست النصارى على شىء،
وقالت
النصارى: ليست اليهود على شىء، وهذه الاقوال
والاعتقادات
شهد بها القرآن الكريم، ورد عليها، واقام على هولاء
وهولاء
الحجه الدامغه، ومن هذه الايات قوله تعالى: (وقالت
اليهود
والنصارى نحن ابناء اللّه واحباوه قل فلم يعذبكم
بذنوبكم بل
انتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من
يشاء)«المائده:
18»، والمعنى: لو كنتم -كما تدعون- ابناءه واحباءه،
فلم اعدت
لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم (بل انتم
بشر
ممن خلق)، اى لكم اسوه بامثالكم من بنى آدم، وهو
-سبحانه-
الحاكم فى جميع عباده، فعال لما يريد، لا معقب
لحكمه، وهو
سريع الحساب.
وقال تعالى: (وقالوا كونوا هودا او نصارى تهتدوا قل
بل مله
ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين× قولوا آمنا
باللّه وما انزل
الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق
ويعقوب والاسباط
وما اوتى موسى وعيسى وما اوتى النبيون من ربهم لا
نفرق بين
احد منهم ونحن له مسلمون× فان آمنوا بمثل ما آمنتم
به فقد
اهتدوا وان تولوا فانما هم فى شقاق)«البقره: 135-137»،
وقبل
هذه الايات بين -تعالى- ان الدين الحق الذى كان عليه
اولاد
ابراهيم من اسماعيل واسحاق ويعقوب واولاده، كان هو
الاسلام
الذى كان عليه ابراهيم حنيفا، ويستنتج من ذلك ان
اهل
الكتاب على عهد البعثه الخاتمه، كانوا قد انتهى بهم
المطاف
الى ارضيه الاختلافات والانشعابات، التى افرزتها
اختراعاتهم
وهوسهم، بعد ان صبغوا دين اللّه بصبغه الاهواء
والاغراض
والمطامع، وروى ان اليهودى عبداللّهبن صوريا قال
للرسول(ص): ما الهدى الا ما نحن عليه، فاتبعنا يا
محمد تهتد،
وقالت النصارى مثل ذلك((7))، فقال اللّه لرسوله: (قل بل
مله
ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين)، اى: قل بل نتبع
مله
ابراهيم حنيفا، فانها المله الواحده التى كان
عليها جميع
انبيائكم، وما كان صاحب هذه المله -وهو ابراهيم- من
المشركين.
ثم ذكر لهم ان الدعوه الخاتمه تومن باللّه وما انزل
اليها، وهو
القرآن، وما انزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق
ويعقوب، ثم
ذكر ما اوتى موسى وعيسى، وخصهما بالذكر، لان
المخاطبه
مع اليهود والنصارى، ثم ذكر ما اوتى النبيون من
ربهم، لتشمل
الشهاده جميع الانبياء، فيستقيم قوله بعد ذلك: (لا
نفرق بين
احد منهم)، ثم قال تعالى: (فان آمنوا بمثل ما آمنتم
به فقد
اهتدوا)، اى: فان آمنوا بما آمنتم به من الايمان
بجميع كتب
اللّه ورسله ولم يفرقوا بين احد منهم، فقد اصابوا
الحق وارشدوا
اليه.
من الايات السابقه يمكن ان نستشف الثقافه التى كان
اليهود
والنصارى يبثونها على عهد الرساله الخاتمه، فلقد
ادعوا بانهم
ابناء اللّه واحباوه، وقالوا: كونوا هودا او نصارى
تهتدوا، ويبدو ان
القرآن عندما ضرب العمود الفقرى لثقافتهم هذه،
قرروا بان
يعمل كل حى من احيائهم على انفراد، ويمكن ان نستشف
ذلك من قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على
شىء
وقالت النصارى ليست اليهود على شىء وهم يتلون
الكتاب)«البقره: 113»، قال المفسرون: (هولاء اهل
الكتاب الذين
كانوا على عهد رسول اللّه(ص)، وهذا القول يقتضى ان
كلا من
الطائفتين صدقت فى ما رمت به الطائفه الاخرى، ولكن
ظاهر
سياق الايه يقتضى ذمهم فى ما قالوه مع علمهم بخلاف
ذلك،
ولهذا قال تعالى: (وهم يتلون الكتاب)، اى: وهم يعلمون
شريعه
التوراه والانجيل، كل منهما قد كانت مشروعه فى وقت،
ولكنهم تجاحدوا فيما بينهم عنادا وكفرا ومقابله
للفاسد
بالفاسد)((288))،
وبالجمله، قد كان اوائل اليهود والنصارى على
شىء، وهذا لا تخلو منه كتبهم لاقامه الحجه عليهم
على امتداد
المسيره، ثم ابتدع الذين من بعدهم وتفرقوا، ثم جاء
العلماء
الذين وضعوا التفسير الشفهى للتوراه (التلمود)،
وعندها انقسم
اليهود الى فرق واحزاب، وانتهى الامر بان وقف الحى
اليهودى
داخل دائره حددها الاحبار، ووقف الحى النصرانى
داخل دائره
حددها بولس لخدمه اصحاب الدائره الاولى، فالثقافه
التى
تخرج من مدونات خدمه النصارى لليهود تقول بان
اليهود
والنصارى ابناء اللّه واحباوه، اما الثقافه التى
تدفع اصحابها الى
ان يقول كل منهم ان الاخر ليس على شىء، فهى نتيجه
لحجه
البعثه الخاتمه ومواجهتها للاطراف مجتمعين،
فالدعوه
الخاتمه ارشدتهم الى الحق ليتفكروا ويتدبروا،
وبدلا من ان
يرجعوا الى كتبهم التى لا تخلو من حق، ويعرضوها على
منهج
البعثه الخاتمه، انطلقوا من التفسير الشفهى، وهذا
التفسير لا
يقيم حقا لا الى هولاء ولا الى هولاء، لانه مقابله
للفاسد بالفاسد.
وفى مجال عمل كل حى منفردا عن الاخر، قام كل منهما
بوضع جميع الانبياء داخل الحى الخاص به، ورد القرآن
عليهم
قولهم، قال تعالى: (ام تقولون ان ابراهيم واسماعيل
واسحاق
ويعقوب والاسباط كانوا هودا او نصارى قل اانتم اعلم
ام اللّه
ومن اظلم ممن كتم شهاده عنده من اللّه وما اللّه
بغافل عما
تعملون)«البقره: 140»، والمعنى: قال كل من الفريقين:
ان
ابراهيم ومن ذكر بعده منهم، فقال تعالى: (قل اانتم
اعلم ام
اللّه)، اى: فان اللّه اخبرنا واخبركم فى الكتاب ان
موسى وعيسى
وكتابيهما بعد ابراهيم، فاذا كان تشريع اليهوديه
او النصرانيه
بعد ابراهيم ومن ذكر معه، فكيف يكون ابراهيم والذين
ذكروا
معه هودا او نصارى؟ وقال تعالى: (يا اهل الكتاب لم
تحاجون
فى ابراهيم وما انزلت التوراه والانجيل الا من بعده
افلا
تعقلون× ها انتم هولاء حاججتم فيما لكم به علم فلم
تحاجون
فيما ليس لكم به علم واللّه يعلم وانتم لا تعلمون×
ما كان
ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما
وما كان من
المشركين× ان اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه
وهذا النبى
والذين آمنوا واللّه ولى المومنين× ودت طائفه من
اهل الكتاب
لو يضلونكم وما يضلون الا انفسهم وما يشعرون× يا
اهل الكتاب
لم تكفرون بايات اللّه وانتم تشهدون× يا اهل
الكتاب لم تلبسون الحق
بالباطل وتكتمون الحق وانتم تعلمون)«آل عمران: 65-71».
لقد انكر اللّه عليهم قولهم ذلك، وامرهم برد ما لا
علم لهم به
الى عالم الغيب والشهاده الذى يعلم الامور على
حقائقها،
وشهد -سبحانه- بان ابراهيم كان متحنفا عن الشرك،
قاصدا
الى الايمان، وما كان من المشركين، واخبر -سبحانه-
بان احق
الناس بمتابعه ابراهيم، الذين اتبعوه على دينه،
وهذا النبى،
يعنى محمدا(ص) والذين آمنوا، لانهم على الاسلام
الذى
اصطفى اللّه به ابراهيم، وكذا كل من اتبعه دون ان
يكفر بايات
اللّه ويلبس الحق بالباطل، ثم اخبر -تعالى- بان
طائفه من اهل
الكتاب تود ان تضل الذين آمنوا بالقاء الشبهات
بينهم، وانهم
يضلون انفسهم اولا، لان الانسان لا يفعل شيئا -من
خير او شر-
الا لنفسه، كما قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن
اساء
فعليها وما ربك بظلام للعبيد)«فصلت: 46»، ثم قال
سبحانه:
(يا اهل الكتاب لم تكفرون بايات اللّه وانتم
تشهدون)«آل
عمران: 70»، واهل الكتاب لا ينكرون ان للعالم ال-ها،
وانما
ينكرون امورا من الحقائق بينتها لهم الكتب
السماويه المنزله
عليهم وعلى غيرهم، كنبوه النبى(ص)، وكون عيسى عبد
اللّه
ورسوله، وان ابراهيم ليس بيهودى ولا نصرانى، وان يد
اللّه
مبسوطه، وان اللّه غنى، وان الدجال فتنه فيه تصب
جميع
الفتن، الى غير ذلك. وقوله تعالى: (وانتم تشهدون)،
والشهاده
هى الحضور والعلم عن حس، دلاله على ان المراد
بكفرهم
بايات اللّه، انكارهم كون النبى(ص) هو النبى
الموعود الذى
بشر به التوراه والانجيل، مع مشاهدتهم انطباق
الايات والعلائم
المذكوره فيهما عليه، وايضا انكارهم ما يبينه لهم
النبى
الخاتم(ص) من آيات ربهم التى تنطق بها كتبهم التى
بين
ايديهم، ويشهد القرآن بها، ثم قال تعالى: (يا اهل
الكتاب لم
تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وانتم
تعلمون)«آل
عمران: 71»، والمعنى: لم تظهرون الحق فى صوره الباطل؟
وقوله: (وانتم تعلمون) دلاله او تلويح على ان المراد
باللبس
والكتمان ما هو فى المعارف الدينيه، غير ما يشاهد
من الايات
التى حرفوها او كتموها او فسروها بغير ما يراد منها.
ولما كان اللّه -تعالى- قد انكر عليهم كفرهم بايات
اللّه وهم
يشهدون، فانه -تعالى- بين فى آيه اخرى من آيات
القرآن
الكريم، ان جدالهم فى آيات اللّه بغير سلطان اتاهم،
رغبه منهم
فى ادحاض الحق الصريح بهذا الجدال، قد اوقعهم فى
فتنه
المسيح الدجال، ففى قوله تعالى: (ان الذين يجادلون
فى آيات
اللّه بغير سلطان اتاهم ان فى صدورهم الا كبر ما هم
ببالغيه
فاستعذ باللّه انه هو السميع البصير)«غافر: 56»،
اخرج ابن ابى
حاتم عن كعب، ان هذه الايه نزلت فى اليهود فى ما
ينتظرونه
من امر الدجال، واخرج ابن المنذر عن ابن جريج، قال:
قال
اليهود: يكون منا ملك آخر الزمان، البحر الى
ركبتيه، والسحاب
دون راسه، ياخذ الطير بين السماء والارض، معه جبل
خبز
ونهر، وقال ابو العاليه: نزلت هذه الايه فى اليهود،
وذلك انهم
ادعوا ان المسيح (الدجال) منهم، وانهم يملكون به
الارض،
فامر اللّه نبيه(ص) ان يستعذ من فتنه الدجال((9)).
وبالجمله، بينت الدعوه الال-هيه الخاتمه ان الرقعه
التى يقف
عليها اهل الكتاب ويطالبون من فوقها بالميراث الذى
كتبه اللّه
لابراهيم، رقعه لا علاقه لها بابراهيم ولا
بالانبياء الذين جاووا
من بعده، لانها رقعه اوجدتها الاختلافات
والانشعابات، وهذا لا
يستقيم مع الدين الال-هى، لان الدين واحد، كما ان
الال-ه
المعبود بالدين واحد، وهو دين ابراهيم(ع)، وهذا
الدين هو
الذى تتمسك به الدعوه الال-هيه الخاتمه، ولما كان
القوم لا
علاقه لهم بابراهيم، وشهد بذلك حزقيال واشعيا
ويوحنا
والمسيح(ع)، وشهد بذلك القرآن الكريم الذى انزل على
محمد(ص)، فالنتيجه هى ان القوم لا علاقه لهم بميراث
ابراهيم فى الدنيا والاخره، ولما كان القوم ما
زالوا يعتقدون بان
القدر يخبى لهم اميرا سيخرج آخر الزمان يمتلكون به
الارض،
فان الدعوه الخاتمه اخبرت بان المسيح الدجال سيخرج
آخر
الزمان، وانه سيرفع شعار ارض الميعاد، وان اكثر
اتباعه من
اليهود، ويلحق بهم الذين اخذوا بذيول اليهود، ثم
الذين اتبعوا
سنن اهل الكتاب شبرا بشبر، وذراعا بذراع..
رابعا: البيان والانذار
وبينت الدعوه الخاتمه بانها تومن بكل نبى ارسل،
واخبرت ان
كل من سلك طريقا سوى ما شرعه اللّه فلن يقبل منه وهو
فى
الاخره من الخاسرين، قال تعالى لرسوله(ص): (قل آمنا
باللّه وما
انزل علينا وما انزل على ابراهيم واسماعيل واسحاق
ويعقوب
والاسباط وما اوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا
نفرق
بين احد منهم ونحن له مسلمون× ومن يبتغ غير الاسلام
دينا
فلن يقبل منه وهو فى الاخره من الخاسرين)«آل عمران:
84-85»، واعلنت الدعوه من يومها الاول انها على مله
ابراهيم(ع)، قال تعالى: (ثم اوحينا اليك ان اتبع مله
ابراهيم
حنيفا)«النحل: 123»، وقال جل شانه لرسوله(ص): (قل اننى
هدانى ربى الى صراط مستقيم دينا قيما مله ابراهيم
حنيفا وما
كان من المشركين× قل ان صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى
للّه
رب العالمين× لا شريك له وبذلك امرت وانا اول
المسلمين)«الانعام: 161-163».
لقد بينت الدعوه الال-هيه الخاتمه للبشريه العقيده
الحقه،
واقامت الحجه على اهل الكتاب ليتفكروا وليتدبروا،
ليعلموا ان
دين ابراهيم برىء من جميع العقائد التى عليها
بصمات
العجول وآلهه الامم المتعدده، وان دين ابراهيم لا
علاقه له
بعقائد التثليث والوهيه المسيح، ولم تكن مهمه
ابراهيم(ع) فى
يوم من الايام هى البحث عن الميراث من النيل الى
الفرات،
وانما كان(ع) اماما للناس، يقتدون به ويتبعونه فى
اقواله
وافعاله، وهذه الامامه لا ينالها ظالم من ولده، لان
اللّه لا يجعل
الظالمين ائمه، ولا يعطى الامامه لعدوه، لان
هولاء ياتون
كنتيجه لاعمال الظالمين من الناس، واللّه -تعالى-
رووف
بالعباد، والناس تحت مظله الاختبار يمتحنون، فمن
سلك
طريقا على ذروته امام للرحمه والعدل، وصل الى
غايته، ومن
سلك طريقا على ذروته امام يدعو الى النار، دخل فيها.
وعلى امتداد عهد البعثه الخاتمه، بين الرسول
الاعظم
محمد(ص)، ان شريعته تنهى عن الفحشاء والمنكر وتامر
بالمعروف، وتحذر من البغى والاستكبار والاختلاف،
وتنادى
بالعدل والاحسان والاستقامه، وتدعو الى العمل
الصالح والتفكر
والتدبر والاصلاح والاخلاص، وان منهج الدعوه عموده
الفقرى
هو التوحيد، وشجرته الاخلاق الفاضله، الى غير ذلك
من الاوامر
والنواهى.
وعلم اهل الكتاب وغيرهم ان الارض للّه يورثها من
يشاء من
عباده، قال تعالى: (ان الارض للّه يورثها من يشاء من
عباده
والعاقبه للمتقين)«الاعراف: 128»، ولقد اختبر اللّه
-تعالى-
الفرع الاسرائيلى من الشجره الابراهيميه، وبعث
فيهم الانبياء
والرسل لينظر -سبحانه- كيف تعمل القافله، وعلم اهل
الكتاب
كيف سارت القافله، وبماذا حكم اللّه عليها، وهذا
الحكم يقراوه
فى ما بين ايديهم من التوراه الحاضره، ومنه قول
الرب لهم:
(ها انذا انساكم وارفضكم من امام وجهى، انتم
والمدينه التى
اعطيتكم وآباءكم اياها، واجعل عليكم عارا ابديا
وخزيا ابديا لا
ينسى)((10))،
وقال: (هوذا من اجل آثامكم بعتم، ومن اجل
ذنوبكم طلقت امكم)((11))، وبين هذا الحكم وبين
البعثه
الخاتمه، قتلوا الانبياء الذين بعثهم اللّه لاقامه
الحجه على
الاجيال المتعاقبه، وعندما جفت المسيره من الماء،
بعث النبى
الخاتم(ص) ليختبر اللّه -تعالى- بمنهجه امه جديده فى
مقدمه
عالم جديد.
وببعثه النبى الخاتم حكمت الدعوه الال-هيه حكمها
الفصل
على قصه الميراث، التى سهر عليها بنو اسرائيل ليلا
طويلا،
وذلك ببسط الدعوه يدها على المسجد الحرام والمسجد
الاقصى فى رحله واحده فى ليله واحده، قال تعالى:
(سبحان
الذى اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد
الاقصى الذى باركنا حوله)«الاسراء: 1»، فالميراث
بدات حدوده
من موضع سجود، وانتهت الى موضع سجود، وهو ممتد الى
كل
موضع سجود، وليس معنى هذا ان الدعوه الخاتمه تبحث
عن
الارض والطين، وانما معناه انها ترعى التقوى فى اى
مكان،
وتعمل من اجل الاصلاح فى كل مكان، ترعى التقوى لان
العاقبه للمتقين، وتعمل من اجل الاصلاح حتى يرث
الصالحون، قال تعالى: (ولقد كتبنا فى الزبور من بعد
الذكر ان
الارض يرثها عبادى الصالحون)«الانبياء: 105».
ولان الدعوه تقوم على التوحيد، ولان التوحيد هو
الحصن
الحصين الذى يحفظ الانسان من الزلل، قال رسول
اللّه(ص):
(والذى نفس محمد بيده، لا يسمع بى احد من هذه الامه،
يهودى ولا نصرانى، ثم يموت ولم يومن بالذى ارسلت
به، الا
كان من اصحاب النار)((12))، وروى انه(ص) ذهب الى يهود،
وقال لهم: (يا معشر اليهود، اسلموا تسلموا)، فقالوا:
قد بلغت يا
ابا القاسم، فقال: (اسلموا تسلموا)، فقالوا: قد بلغت
يا ابا القاسم،
فقال: (ذلك اريد)، (اى: اريد ان تعرفوا انى بلغت)، ثم
قال لهم:
(اعلموا انما الارض للّه ولرسوله، وانى اريد ان
اجليكم من هذه
الارض، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه، والا
فاعلموا ان
الارض للّه ورسوله)((13))، فالرسول(ص) بلغ بالاسلام،
ولكن
القوم كانت عيونهم على الارض والطين، لانهم من اجل
هذا
الميراث يعملون، فوقفوا بما يعتقدون امام القول
الفصل وهو:
(اعلموا ان الارض للّه ورسوله)، ولم يكن الجلاء من
جزيره
العرب عقابا وحيدا للذين يصدون عن سبيل اللّه،
وانما انذرهم
اللّه بعقاب اليم فى الحياه الدنيا والاخره، قال
تعالى: (يا ايها
الذين اوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم
من قبل ان
نطمس وجوها فنردها على ادبارها او نلعنهم كما لعنا
اصحاب
السبت وكان امر اللّه مفعولا)«النساء: 47»، قال فى
الميزان:
(دعاهم اللّه -تعالى- الى الايمان بالكتاب الذى نزله
مصدقا لما
معهم، واوعدهم بالسخط الذى يلحقهم لو تمردوا
واستكبروا
من طمس او لعن يتبعانهم اتباعا لا ريب فيه، وطمس
الوجوه:
محو هذه الوجوه التى يتوجه بها البشر نحو مقاصدهم
الحيويه
مما فيه سعاده الانسان المرتقبه والمرجوه، وهذا
المحو ليس
هو المحو الذى يوجب فناء الوجوه وزوالها، بل محو
يوجب
ارتداد تلك الوجوه على ادبارها، فاذا كانت الوجوه
تقصد
مقاصدها على الفطره التى فطر اللّه الناس عليها،
فان الوجوه
المطموسه لا تقصد الا ما خلفته وراءها، ولا تمشى
اليه الا
القهقرى، وهذا الانسان الذى يسير فى غير اتجاه
الفطره، كلما
توجه الى ما يراه خيرا لنفسه وصلاحا لدينه ودنياه
لم ينل الا
شرا وفسادا، وكلما بالغ فى التقدم زاد فى التاخر،
وليس بفالح
ابدا، وقوله تعالى: (نطمس وجوها) فيه انه -تعالى- اتى
بالجمع
المنكر، ولو كان المراد الجميع لم ينكر، ولتنكير
الوجوه وعدم
تعيينها هدف من ورائه حكمه، هى ان المقام لما كان
مقام
الابعاد والتهديد، وهو ابعاد للجماعه بشر لا يلحق
الا ببعضهم،
كان ابهام الافراد الذين يقع عليهم السخط الال-هى
اوقع فى
الانذار والتخويف، لان وصفهم على ابهامه يقبل
الانطباق على
كل واحد من القوم، فلا يامن احدهم ان يمسه هذا
العذاب)((14)).
حذرت الدعوه الخاتمه من سلوك سبيل الذين كفروا من
اهل
الكتاب، لان الدعوه تقيم وجهها للدين وتتجه
بالبشريه الى
الامام، وتمدها على امتداد الطريق بالزاد الفطرى
الذى يحقق
السعاده فى الدنيا بما يوافق الكمال الاخروى،
بينما تتقدم قافله
الذين كفروا الى الخلف بزاد عذاب الطمس الذى ضربه
اللّه
عليهم بما كسبت ايديهم، وعلى امتداد هذا الطريق،
كلما بالغ
اصحابه فى التقدم زادوا فى التاخر، ولن يحصلوا على
السعاده
الحقيقيه ابدا.
ومن الايات التى حذر فيها اللّه من الذين كفروا من
اهل الكتاب
قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود
والنصارى اولياء
بعضهم اولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه
منهم)«المائده: 51»،
قال فى الميزان: (نهى عن مودتهم الموجبه الى تجاذب
الارواح والنفوس، لان ذلك يقلب حال المجتمع من
السيره
الدينيه المبنيه على سعاده اتباع الحق، الى سيره
الكفر المبنيه
على اتباع الهوى وعباده الشيطان والخروج عن صراط
الحياه
الفطريه، وقوله تعالى: (بعضهم اولياء بعض)، اى:
لتضارب
نفوسهم وتجاذب ارواحهم، المستوجب لاجتماع آرائهم
على
اتباع الهوى والاستكبار عن الحق وقبوله، واتحادهم
على اطفاء
نور اللّه سبحانه، وتناصرهم على النبى(ص)
والمسلمين، كانهم
نفس واحده ذات مله واحده، وليسوا على وحده المليه،
لكن
يبعث القوم على الاتفاق ويجعلهم يدا واحده على
المسلمين ان
الاسلام يدعوهم الى الحق، ويخالف اعز المقاصد
عندهم، وهو
اتباع الهوى والاسترسال فى مشتهيات النفس وملاذ
الدنيا،
فهذا هو الذى جعل الطائفتين -اليهود والنصارى-، على
ما
بينهما من الشقاق والعداوه، مجتمعا واحدا، يقترب
بعضه من
بعض ويرتد بعضه الى بعض، يتولى اليهود النصارى
وبالعكس،
ويتولى بعض اليهود بعضا وبعض النصارى بعضا،
وبالجمله، لا
تتخذوهم اولياء لانهم على تفرقهم وشقاقهم فيما
بينهم يد
واحده عليكم، لا نفع لكم فى الاقتراب منهم بالموده
والمحبه،
وربما امكن ان يستفاد من قوله: (بعضهم اولياء بعض)
معنى
آخر وهو: ان لا تتخذوهم اولياء لانكم انما تتخذونهم
اولياء
لتنتصروا ببعضهم الذين هم اولياوكم على البعض
الاخر، ولا
ينفعكم ذلك، فان بعضهم اولياء بعض فليسوا ينصرونكم
على
انفسهم)((15)).
ومن آيات التحذير ايضا قوله تعالى: (الم تر الى
الذين اوتوا نصيبا
من الكتاب يشترون الضلاله ويريدون ان تضلوا
السبيل× واللّه
اعلم باعدائكم وكفى باللّه وليا وكفى باللّه
نصيرا)«النساء:
44-45»، قال فى الميزان: (اى انك ترى اليهود الذين
اوتوا
نصيبا من الكتاب، اى حظا منه، لا جميعه، كما يدعون
لانفسهم، يشترون الضلاله ويختارونها على الهدى،
ويريدون
ان تضلوا السبيل، فانهم وان لقوكم ببشر الوجه،
وظهروا لكم
فى زى الصلاح، واتصلوا بكم اتصال الاولياء
الناصرين، فذكروا
لكم ما ربما استحسنته طباعكم واستصوبته قلوبكم،
لكنهم لا
يريدون الا ضلالكم عن السبيل كما اختاروا لانفسهم
الضلاله،
واللّه اعلم منكم باعدائكم، وهم اعداوكم، فلا
يغرنكم ظاهر ما
تشاهدون من حالهم، فاياكم ان تطيعوا امرهم او تصغوا
الى
اقوالهم المزوقه والقاءاتهم المزخرفه وانتم
تقدرون انهم
اولياوكم وانصاركم، فانتم لا تحتاجون الى ولايتهم
الكاذبه
ونصرتهم المرجوه، وكفى باللّه وليا وكفى باللّه
نصيرا، فاى
حاجه مع ولايته ونصرته الى ولايتهم ونصرتهم)((16)).
ومنها قوله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى
حتى
تتبع ملتهم قل ان هدى اللّه هو الهدى ولئن اتبعت
اهواءهم بعد
الذى جاءك من العلم ما لك من اللّه من ولى ولا
نصير)«البقره:
120»، قال فى الميزان: (اى ان هولاء ليسوا براضين عنك
حتى
تتبع ملتهم التى ابتدعوها باهوائهم ونظموها
بارائهم، ثم امر
اللّه رسوله بالرد عليهم بقوله: (قل ان هدى اللّه هو
الهدى)، اى
ان الاتباع انما هو لفرض الهدى، ولا هدى الا هدى
اللّه، اما
غيره، وهو ملتكم، ليس بالهدى، فهى اهواوكم
البستموها لباس
الدين وسميتموها باسم المله)((17))، وقال ابن كثير:
(وقوله
تعالى: (ولئن اتبعت اهواءهم بعد الذى جاءك من
العلم... الايه)
فيه تهديد ووعيد شديد للامه من اتباع طريق اليهود
والنصارى، بعد ما علموا من القرآن والسنه، والخطاب
مع
الرسول والامر لامته، وقد استدل كثير من الفقهاء
بقوله: (حتى
تتبع ملتهم)، حيث افرد المله على ان الكفر كله مله
واحده)((18)).
وبالجمله، حذر اللّه -تعالى- الامه من تنظيمات اهل
الكتاب،
التى لهااهداف قريبه واهداف بعيده، والتى يحمل
اعلامها
الفرق المتعدده والطوائف المختلفه، قال تعالى: (يا
ايها الذين
آمنوا ان تطيعوا فريقا من الذين اوتوا الكتاب
يردوكم بعد
ايمانكم كافرين)«آل عمران: 100»، قال المفسرون: يحذر
-تبارك وتعالى- عباده المومنين من ان يطيعوا فريقا
من اهل
الكتاب، الذين يحسدون المومنين على ما آتاهم اللّه
من فضله،
كما قال تعالى: (ود كثير من اهل الكتاب لو يردونكم من
بعد
ايمانكم كفارا حسدا من عند انفسهم)«البقره: 109»،
وهكذا قال
ه-هنا: (ان تطيعوا فريقا من الذين اوتوا الكتاب
يردوكم بعد
ايمانكم كافرين)«آل عمران: 100»، وفى آيه اخرى قال
تعالى:
(ودت طائفه من اهل الكتاب لو يضلونكم)«آل عمران: 69».
وباختصار، فالقاعده العريضه منهم ودوا لو يردون
الذين آمنوا
من بعد ايمانهم كفارا، وهناك فرق حملت اعلام هذه
القاعده
وانطلقت رجاء تنفيذ هذا الهدف، وهناك طائفه من اهل
الكتاب
مهمتها اطفاء الانوار رغبه منها فى ان تضل قافله
الذين آمنوا
عن الطريق، والمعنى: ان الطائفه فى خدمه الفريق،
والفريق
فى خدمه القاعده، وليس معنى هذا ان قاعده اهل
الكتاب
خاليه من العلماء الذين يبحثون عن الحقيقه، فهولاء
اثر
اقدامهم على الطريق، والاسلام لم يغلق ابوابه امام
الذين
يريدون الاستبصار منهم فى الدين، وقد امر اللّه
-تعالى-
بمجادلتهم بالتى هى احسن، فقال فى آيه محكمه: (ولا
تجادلوا اهل الكتاب الا بالتى هى احسن الا الذين
ظلموا
منهم)«العنكبوت: 46»، وقوله: (الا الذين ظلموا منهم)
يعنى
اهل الحرب، وذكر -تعالى- فى كتابه ان الذين قالوا
انهم من
اتباع عيسى(ع) وعلى منهاج انجيله، فيهم موده
للاسلام
واهله، وما ذاك الا لما فى قلوبهم من الرقه
والرحمه، ويوجد
فيهم قسيسون، وهم خطباوهم وعلماوهم، ورهبانا، من
صفتهم بان فيهم العلم والعباده والتواضع والانقياد
للحق
واتباعه والانصاف، واذا سمعوا ما انزل الرسول
الخاتم(ص)، ترى
اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، قال تعالى:
(لتجدن اقربهم موده للذين آمنوا
الذين قالوا انا نصارى ذلك بان
منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون× واذا
سمعوا ما انزل
الى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من
الحق
يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين× وما لنا لا
نومن باللّه وما
جاءنا من الحق ونطمع ان يدخلنا ربنا مع القوم
الصالحين)«المائده: 82-84»، فهذا الصنف من النصارى
كان
اول ظهوره بالحبشه كالنجاشى واصحابه، وهم
المذكورون فى
قوله تعالى: (وان من اهل الكتاب لمن يومن باللّه وما
انزل اليكم
وما انزل اليهم خاشعين للّه)«آل عمران: 199»، وهم
الذين قال
اللّه فيهم: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به
يومنون× واذا
يتلى عليهم قالوا آمنا به انه الحق من ربنا انا كنا
من قبله
مسلمين)«القصص: 52-53»، ومنذ ايام النجاشى وعلى
امتداد
المسيره الاسلاميه، لم تغلق الدعوه ابوابها فى
وجوه الذين
يريدون الاستبصار فى الدين، لان اللّه -تعالى- امر
رسوله
الخاتم(ص) ان يدعو الخلق الى اللّه بالحكمه
والموعظه
الحسنه، ليحذروا باس اللّه تعالى، وامره -تعالى- ان
من احتاج
من الناس الى مناظره وجدال، فليكن بالاسلوب الحسن
برفق
ولين وحسن خطاب.
فمن هذه النصوص ومن غيرها نعلم ان الدعوه الال-هيه
الخاتمه حذرت من اتباع اى مشروع تقدمه الطوائف او
الفرق
التى تهدف من وراء برامجها الصد عن سبيل اللّه، وفى
الوقت
نفسه فتحت الدعوه ابوابها للباحثين عن الحقيقه من
اهل
الكتاب لتقيم الحجه عليهم وعلى غيرهم فى كل مكان
وزمان..
الفصل الثانى:من وصايا الدعوه الخاتمه |