الصفحة السابقة

 

لكن الاشكال سيبقى على حاله، اذا كان المسور قد ذكر القصه ليعلم زين العابدين انه يحب رفاهيه خاطره، او ليعلم بمحبته فى فاطمه ونسلها.. فاى خصوصيه للسيف؟! وهل كانت الرفاهيه لخاطره حاصله من جميع الجهات، وهو قادم من العراق مع تلك النسوه والاطفال بتلك الحال ولم يبق مما يشوش خاطره الا وجود السيف معه، فاراد المسور رفاهيه خاطره، او اعلامه بمحبته له، كى يعطيه السيف ويريح باله؟!.

3 - وهل من المعقول ان يذكر الانسان لمن يريد ان يعلم بمحبته له ورفاهيه خاطره ما يكدر خاطره ويجرح عواطفه؟! فالحديث قادح بابيه وان كان فيه مكرمه لامه! وهذا هو الاشكال الذى اشار اليه ابن حجر فى عبارته الانفه. ثم قال فى كتاب المناقب: (ولا ازال اتعجب من المسور كيف بالغ فى تعصبه لعلى بن الحسين، حتى قال: انه لو اودع عنده السيف لا يمكن احدا منه حتى تزهق روحه، رعايه لكونه ابن فاطمه، ولم يراع خاطره فى ان فى ظاهر سياق الحديث غضاضه على على بن الحسين، لما فيه من ايهام غض من جده على بن ابى طالب، حيث اقدم على خطبه بنت ابى جهل على فاطمه، حتى اقتضى ان يقع من النبى(ص) فى ذلك من الانكار ما وقع؟! بل اتعجب من المسور تعجبا آخر ابلغ من ذلك، وهو ان يبذل نفسه دون السيف رعايه لخاطر ولد ابن فاطمه، وما بذل نفسه دون ابن فاطمه نفسه - اعنى الحسين ولد على الذى وقعت معه القصه - حتى قتل بايدى ظلمه الولاه؟!!).

ثم ان ثمه شيئا آخر.. وهو ان المسور بن مخرمه لما خطب الحسن بن الحسن ابنته: (حمد اللّه عز وجل واثنى عليه وقال:

اما بعد، فما من نسب ولا سبب ولا صهر احب الى من نسبكم وصهركم، ولكن رسول اللّه(ص) قال: فاطمه بضعه منى، يقبضنى ما يقبضها، ويبسطنى ما يبسطها، وان الانساب يوم القيامه تنقطع الا نسبى وسببى وصهرى، وعندك ابنته ولو زوجتك لقبضها ذلك) فانطلق الحسن عاذرا اليه.

ولو كان مسور يروى قصه خطبه بنت ابى جهل لاستشهد بها وحكى الحديث كاملا، لشده المناسبه بين خطبه على ابنه ابى جهل وعنده فاطمه وخطبه الحسن بن الحسن ابنه المسور وعنده بنت عمه! فهذه اشكالات حار القوم فى ايجاد حل معقول لها...

تاملات فى الفاظ الحديث:

وهنا اسئله:

الاول: هل خطب على ابنه ابى جهل حقا؟ الملاحظ ان فى حديث الليث، عن ابن ابى مليكه، عن المسور:

(سمعت النبى(ص) يقول: ان بنى المغيره استاذنونى فى ان ينكح على ابنتهم...).

وفى اغلب طرق حديث الزهرى - وبعض الاحاديث الاخرى - عن على بن الحسين، عن المسور: (ان على بن ابى طالب خطب...).

وفى حديث عبداللّه بن الزبير: (ان عليا ذكر بنت ابى جهل...).

وهذا ليس اختلافا فى التعبير فحسب، بل هو تعارض فى الدلاله ايضا..

الثانى: هل وعد على النكاح؟ صريح بعض الاحاديث عن الزهرى: (وعد النكاح) وهو ظاهر الاحاديث الاخرى - عن الزهرى ايضا - التى فيها قول فاطمه(عليهاالسلام) للنبى(ص): (هذا على ناكحا) او (نكح) فانه بعد رفع اليد عن ظهوره فى تحقق النكاح فلابد من وقوع الخطبه والوعد بالنكاح.

لكن فى حديث ابى حنظله: (فقال له اهلها: لا نزوجك على ابنه رسول اللّه(ص)) فاين هو الوعد اذن؟ الثالث: هل وقع الاستئذان من النبى(ص)؟ صريح الحديث عن الليث عن المسور انه سمع النبى(ص) يعلن انه قد استوذن فى ذلك وانه لا ياذن. لكن صريح الحديث عن الزهرى عن المسور: انه سمعه تشهد ثم قال: (اما بعد، انكحت ابا العاص بن الربيع، فحدثنى وصدقنى...) او نحو ذلك مما فيه التعريض بعلى وليس فيه تعرض للمشوره والاستئذان منه! وكذا الحديث عن ايوب عن ابن الزبير، لا تعرض فيه للاستئذان، لكن بلا تعريض، فجاء فيه: (فبلغ ذلك النبى(ص) فقال: انما فاطمه بضعه منى...).

الرابع: من الذى استاذن؟ قد عرفت خلو حديث الزهرى عن الاستئذان مطلقا.

ثم ان كثيرا من الاحاديث تنص على استئذان اهل المراه. وفى بعضها ان عليا(ع) قد استاذن بنفسه، وقال للنبى(ص): اتامرنى بها؟) فقال: (لا، فاطمه مضغه منى... فقال: لا آتى شيئا تكرهه)! الخامس: من الذى ابلغ النبى؟ فى حديث ايوب عن ابن الزبير: (فبلغ ذلك...).

وفى حديث الليث عن ابن ابى مليكه عن المسور: انهم اهل المراه حيث جاءوا اليه ليستاذنوه...

وفى حديث سويد بن غفله: انه على نفسه، حيث جاء ليستاذنه...

ولكن فى حديث الزهرى: انها فاطمه!.. انها لما سمعت بذلك خرجت من بيتها واتت النبى(ص) وجعلت تخاطبه بما لايليق! يقول الزهرى: (ان عليا خطب بنت ابى جهل، فسمعت بذلك فاطمه، فاتت رسول اللّه(ص) فقالت: يزعم قومك انك لا تغضب لبناتك، وهذا على ناكح بنت ابى جهل! فقام رسول اللّه(ص)...).

بل فى حديث يرويه مفاده شيوع الخبر بين الناس!! يقول:

(فقال الناس: اترون ان رسول اللّه(ص) يجد من ذلك؟! فقال ناس... وقال ناس...).

وهناك اسئله اخرى..

فالفاظ الحديث متناقضه جدا، والقضيه واحده، وقد تحير الشراح هنا ايضا واضطربت كلماتهم ولم يوفقوا للجمع بينها وان حاولوا وتمحلوا!!

تاملات فى مدلوله:


ثم انه يجب النظر فى هذه الاحاديث من الناحيه الفقهيه والناحيه الاخلاقيه والعاطفيه، بعد فرض ثبوت القضيه..

فماذا صنع على؟ وما فعلت فاطمه؟ واى شى‏ء صدر من النبى؟ لقد خطب على ابنه ابى جهل، فتاذت الزهراء، فصعد النبى المنبر وقال...

هل كان يحرم على على التزوج على فاطمه، ام لا؟ وعلى الاول: فهل كان على على علم بذلك، ام لا؟ لا ريب فى ان عليا لا يقدم على هذا الامر المحرم عليه مع علمه بالحرمه، فاما ان لا تكون حرمه، واما ان لا يكون له علم بها.

لكن الثانى لا يجوز نسبته الى سائر الناس، فكيف بباب مدينه علم النبى(ص)؟! فهو اذن حين فعل ذلك لم يكن فاعلا لمحرم فى الشريعه، لان حاله حال سائر المسلمين الجائز عليهم نكاح الاربع، ولو كان - بالنسبه اليه خاصه - حكم دون رجال المسلمين لعلمه! وحينئذ فهل من الجائز خروج الصديقه الطاهره - بمجرد سماعها الخبر - الى رسول اللّه(ص) لتشكو بعلها وتخاطب اباها بتلك الكلمات القارصه؟! انه لم يفعل محرما حتى تكون قد ارادت النهى عن المنكر، فهل ان شانها شان غيرها من النساء ويكون لها من الغيره ما يكون لسواها؟! وهل كانت غيرتها لاقدام على على النكاح، لكون المخطوبه بنت ابى جهل؟! والنبى يصعد المنبر بعد ان يرى فاطمه منزعجه.. او بعد ان يستاذنه القوم فى ان ينكحوا ابنتهم.. فيخاطب الناس؟! وماذا قال؟ قد اشتملت الخطبه المنسوبه اليه على ما يلى:

1 - الثناء على صهر له من بنى عبدشمس! 2 - الخوف من ان تفتن فاطمه فى دينها! انه ليس يحرم حلالا ولا يحل حراما، ولكن لا ياذن! 4 - انه لا تجتمع بنت رسول اللّه وبنت عدو اللّه! وفى لفظ: انه ليس لاحد ان يتزوج ابنه عدو اللّه على ابنه رسول اللّه! وفى ثالث: لم يكن ذلك له ان يجمع...! 5 - الا ان يريد ابن ابى طالب ان يطلق ابنته(ص) وينكح ابنتهم! وفى لفظ: ان كنت تزوجتها فرد علينا ابنتنا!! اترى من الجائز كل هذا؟! لقد حار الشراح - وهو يقولون بان عليا خطب ولم يكن بمحرم عليه، وبان فاطمه تعتريها الغيره كسائر النساء! - فى توجيه ما جاءت به الاحاديث عن رسول اللّه(ص) فى هذه الواقعه..

ان عليا كان قد اخذ بعموم الجواز.

وفاطمه الزهراء ليست بالتى تفتن عن دينها او يعتريها ما يعترى النسوه وقد نزلت فيها آيه التطهير من السماء، وكانت لعصمتها وكمالاتها سيده النساء، وعلى فرض ذلك - كما تقول هذه الاحاديث - فلا خصوصيه لابنه ابى جهل.

والنبى يعترف فى خطبته بان عليا ما فعل حراما، ولكن لا ياذن.

فهل اذنه شرط؟! وهل يجوز حمل الصهر على طلاق زوجته ان تزوج باخرى عليها؟! كل هذا غير جائز ولا كائن...

سلمنا ان فاطمه اخذتها الغيره، والنبى اخذته الغيره لابنته، فلماذا صعد المنبر واعلن القصه وشهر؟! يقول ابن حجر: (وانما خطب النبى ليشيع الحكم المذكور بين الناس وياخذوا به، اما على سبيل الايجاب، واما على سبيل الاولويه).

وتبعه العينى.

والمراد بالحكم: حكم (الجمع بين بنت رسول اللّه وبنت عدو اللّه) لكن الفاظ الحديث مختلفه، ففى لفظ: (لا تجتمع) وفى آخر: (ليس لاحد) وفى ثالث: (لم يكن ذلك له). ولذا اختلفت كلمات العلماء فى الحكم! قال النووى: (قال العلماء: فى هذا الحديث تحريم ايذاء النبى(ص) بكل حال وعلى كل وجه، وان تولد ذلك الايذاء مما كان اصله مباحا وهو حى. وهذا بخلاف غيره. قالوا: وقد اعلم باباحه نكاح بنت ابى جهل لعلى بقوله: لست احرم حلالا، ولكن نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين، احداهما: ان ذلك يودى الى اذى فاطمه فيتاذى حينئذ النبى(ص) فيهلك من آذاه. فنهى عن ذلك لكمال شفقته على على وعلى فاطمه.

والثانيه: خوف الفتنه عليها بسبب الغيره.

وقيل: ليس المراد به النهى عن جمعهما، بل معناه: اعلم من فضل اللّه انهما لا تجتمعان، كما قال انس بن النضر: واللّه لا تكسر ثنيه الربيع.

ويحتمل ان المراد: تحريم جمعهما، ويكون معنى لا احرم حلالا، اى: لا اقول شيئا يخالف حكم اللّه، فاذا احل شيئا لم احرمه، واذا حرمه لم احلله ولم اسكت عن تحريمه، لان سكوتى تحليل له، ويكون من جمله محرمات النكاح الجمع بين بنتى عدو اللّه وبنت نبى اللّه).

وقال العينى: (نهى عن الجمع بينها وبين فاطمه ابنته لعلتين منصوصتين...).

اقول: اما (لا تجتمع...) فليس صريحا فى التحريم، ولذا قيل:

(ليس المراد به النهى عن جمعهما، بل معناه: اعلم من فضل اللّه انهما لا تجتمعان).

واما (ليس لاحد) فالظاهر فى الحرمه لعموم المسلمين، فيكون حكما مخصصا لعموم ادله الجواز. لكن لا يفتى به احد.. بل يكذبه عمل عمر بن الخطاب، حيث خطب - فيما يروون - ابنه امير المومنين الامام على(ع) وعنده غير واحده من بنات اعداء اللّه كما لا يخفى على من راجع تراجمه.

واما (لم يكن ذلك له) فصريح فى اختصاص الحكم بعلى، فهل هو نهى تنزيهى او تحريمى؟ ان الثانى فلابد ان يفرض مع جهل على به، لكن المستفاد من النووى وغيره هو الاول، فهو(ص) نهى عن الجمع للعلتين المذكورتين.

اما الثانيه فلا تتصور فى حق كثير من النساء المومنات، فكيف بالزهراء الطاهره المعصومه!! واما الاولى فيردها: ان صعود المنبر، والثناء على صهر آخر، ثم القول بانه (الا ان يريد ابن ابى طالب ان يطلق...) ينافى كمال شفقته على على وفاطمه..

ولعل ما ذكرناه هو وجه الاقوال الاخرى فى المقام.

وقال ابن حجر فى شرح صحيح البخارى: (الا ان يريد ابن ابى طالب...): (هذا محمول على ان بعض من يبغض عليا وشى به انه مصمم على ذلك، والا فلا يظن به انه يستمر على الخطبه بعد ان استشار النبى(ص) فمنعه. وسياق سويد بن غفله يدل على ان ذلك وقع قبل ان تعلم به فاطمه، فكانه لما قيل لها ذلك وشكت الى النبى(ص) بعد ان اعلمه على انه ترك، انكر عليه ذلك.

وزاد فى روايه الزهرى: (وانى لست احرم حلالا ولا احلل حراما، ولكن - واللّه - لا تجمع بنت رسول اللّه وبنت عدو اللّه عند رجل ابدا). وفى روايه مسلم: (مكانا واحدا ابدا). وفى روايه شعيب:

(عند رجل واحد ابدا).

قال ابن التين: اصح ما تحمل عليه هذه القصه: ان النبى(ص) حرم على على ان يجمع بين ابنته وبين ابنه ابى جهل، لانه علل بان ذلك يوذيه، واذيته حرام بالاتفاق. ومعنى قوله: لا احرم حلالا، اى: هى له حلال لو لم تكن عنده فاطمه. واما الجمع بينهما الذى لا يستلزم تاذى النبى(ص) لتاذى فاطمه به فلا.

وزعم غيره: ان السياق يشعر بان ذلك مباح لعلى، لكنه منعه النبى(ص) رعايه لخاطر فاطمه، وقبل هو ذلك امتثالا لامر النبى(ص).

والذى يظهر لى: انه لا يبعد ان يعد فى خصائص النبى(ص) ان لا يتزوج على بناته.

ويحتمل ان يكون ذلك خاصا بفاطمه (عليها السلام).

اقول: لا يخفى الاضطراب فى كلماتهم، ولا يخفى ما فى كل وجه من هذه الوجوه..

ولو ذكرنا التناقضات الاخرى الموجوده بينهم لطال بنا المقام..

ومن طرائف الامور جعل البخارى كلام النبى خلعا، ولذا ذكر الحديث فى باب الشقاق من كتاب الطلاق!! لكن القوم لم يرتضوا ذلك فحاروا فيه:

قال العينى: (قال ابن التين: ليس فى الحديث دلاله على ما ترجم.

اراد: انه لا مطابقه بين الحديث والترجمه، اى وضعه فى هذا الباب.

وعن المهلب: حاول البخارى بايراده ان يجعل قول النبى(ص):

(فلا آذن) خلعا.

ولا يقوى ذلك. لانه قال فى الخبر: (الا ان يريد ابن ابى طالب ان يطلق ابنتى) فدل على الطلاق. فان اراد ان يستدل بالطلاق على الخلع فهو ضعيف..

وقيل: فى بيان المطابقه بين الحديث والترجمه بقوله: يمكن ان توخذ من كونه(ص) اشار بقوله: (فلا آذن) الى ان عليا(رضى‏اللّه) يترك الخطبه. فاذا ساغ جواز الاشاره بعدم النكاح التحق به جواز الاشاره بقطع النكاح.

واحسن من هذا واوجه ما قاله الكرمانى بقوله: اورد هذا الحديث هنا لان فاطمه ما كانت ترضى بذلك، وكان الشقاق‏بينها وبين على(رضى‏اللّه) متوقعا، فاراد(ص) دفع وقوعه.

وقيل: يحتمل ان يكون وجه المطابقه من باقى الحديث،وهو:

(الا ان يريد على ان يطلق ابنتى) فيكون من باب الاشاره بالخلع.. وفيه تامل).

وقال القسطلانى: (استشكل وجه المطابقه بين الحديث والترجمه، واجاب فى الكواكب فاجاد: بان كون فاطمه ما كانت‏ترضى بذلك، فكان الشقاق بينها وبين على متوقعا، فاراد النبى(ص) دفع وقوعه بمنع على من ذلك بطريق الايماءوالاشاره.

وقيل غير ذلك مما فيه تكلف وتعسف).

لكن اين الجديد؟ فهل ما ذكره الكرمانى فى الكواكب واستحسنه العينى والقسطلانى خال من التكلف والتعسف؟! انه يبتنى على احتمالين، احدهما: ان لا ترضى فاطمه بذلك.

والثانى: ان ينجر ذلك الى الشقاق بينهما!! وهل كان منعه(ص) عليا من ذلك - دفعا لوقوع الشقاق - بطريق الايماء والاشاره؟! ام كان بالخطبه والتنقيص والغض‏والتهديد؟!

نتيجه التاملات:

ونتيجه التاملات فى الفاظ هذا الحديث:

1 - ان قول المسور (وانا محتلم) يورث الشك فى سماعه الحديث من النبى(ص)، وكذا عدم المناسبه المعقوله بين طلبه‏للسيف من الامام زين العابدين(ع) واخباره بالقصه، ثم الحاحه فى طلب السيف، لان النبى(ص) قال: فاطمه بضعه‏منى..! 2 - ان الفاظ الحديث مختلفه ومعانيها متفاوته جدا، بحيث لم يتمكن شراحه من بيان وجه معقول للجمع بين تلك‏الالفاظ.

ولما كانت الحال هذه والقصه واحده فلا محاله يقع الشك فى اصل الحديث..

3 - ان مدلول الحديث لا يتناسب وشان امير المومنين والزهراء، وفوق ذلك لا يتناسب وشان النبى صاحب الشريعه‏الغراء، وحتى لو فعل على ما لا يجوز، لما ثبت من انه(ص) كان: (اذا بلغه عن الرجل الشى‏ء لم يقل: ما بال فلان يقول.ولكن يقول: ما بال اقوام يقولون: كذا وكذا).

و: (كان رسول اللّه(ص) قل ما يواجه رجلا فى وجهه بشى‏ء يكرهه).

وقال: (من راى عوره فسترها كان كمن احيا مووده).

وقد التفت ابن حجر الى هذه الناحيه حيث قال:

(وكان‏النبى(ص) قل ان يواجه احدا بما يعاب به) ثم اعتذر قائلا: (ولعله انما جهر بمعاتبه على مبالغه فى رضافاطمه(عليهاالسلام)...).

لكنه كما ترى، اما اولا: فلم يرتكب على عيبا. واما ثانيا: فان الذى صدر من النبى ما كان معاتبه. واما ثالثا: فان المبالغه فى‏رضا فاطمه(عليهاالسلام) انما تحسن مالم تستلزم هتكا لمومن، فكيف بعلى! وليس هو دونها عنده ان لم يكن اعزواحب.

4 - وكما ان هذا الحديث تكذبه احكام الشريعه الاسلاميه والسنن النبويه والاداب المحمديه.. فكذلك تكذبه الاخبارالصحيحه فى ان اللّه هو الذى اختار عليا لنكاح فاطمه، وان النبى(ص) رد كبار الصحابه وقد خطبوها ومن المعلوم ان اللّهلا يختار لها من يوذيها بشى‏ء مطلقا.

5 - وتكذبه ايضا سيره الامام على(ع) واحواله مع اخيه المصطفى منذ نعومه اظفاره حتى آخر لحظه من حياه النبى‏الكريمه، فلم ير منه شى‏ء يخالف الرسول او شيئا يكرهه الرسول.

تنبيهان:

1 - لقد كانت فاطمه الزهراء سلام اللّه عليها بضعه النبى(ص)حقا، ولقد كرر النبى(ص) قوله: (فاطمه بضعه منى...) غير مره، تاكيدا على تحريم اذاها، وان سخطها وغضبها سخطه‏وغضبه، وسخطه سخط اللّه وغضبه... وبالفاظ مختلفه متقاربه فى المعنى.

وقد روى عنه(ص) هذا الحديث غير واحد من الصحابه، منهم امير المومنين(ع) نفسه... قال ابن حجر: (وعن على بن‏الحسين، عن ابيه، عن على، قال: قال رسول اللّه(ص) لفاطمه: ان اللّه تعالى يرضى لرضاك ويغضب لغضبك).

قال: (واخرج ابن ابى عاصم، عن عبداللّه بن عمرو بن سالم المفلوج، بسند من اهل البيت عن على ان النبى(ص) قال‏لفاطمه: ان اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك).

ولسنا - الان - بصدد ذكر رواه هذا الحديث واسانيده عن الصحابه وبيان قول النبى(ص) ذلك فى مناسبات متعدده،فذاك امر معلوم..

كما ان ترتيب المسلمين الاثر الفقهى عليه منذ عهد الصحابه واعطائهم فاطمه ما كان للنبى من حكم، معلوم ايضا.

فالسهيلى الحافظ حكم بكفر من سبها، وان من صلى عليها فقط صلى على ابيها، وكذا الحافظ البيهقى، وقال شراح‏الصحيحين بدلالته على حرمه اذاها.

وقال الزرقانى المالكى: (انها تغضب من سبها، وقد سوى بين غضبها وغضبه، ومن اغضبه كفر).

وقال المناوى: (استدل به السهيلى على ان من سبها كفر، لانه يغضبه، وانها افضل من الشيخين.. قال الشريف‏السمهودى:

ومعلوم ان اولادها بضعه منها فيكونون بواسطتها بضعه منه).

ومن قبلهم ابو لبابه الانصارى نزلها منزله النبى بامر من النبى، قال الحافظ السهيلى: (ان ابا لبابه رفاعه بن المنذر ربط نفسه فى توبه، وان فاطمه ارادت حله حين نزلت توبته، فقال: قد اقسمت الا يحلنى الا رسول اللّه(ص). فقال رسول‏اللّه(ص): ان فاطمه بضعه منى. فصلى اللّه عليه وعلى فاطمه. فهذا حديث يدل على ان من سبها فقد كفر، ومن صلى‏عليها فقد صلى على ابيها).

ليس المقصود ذلك.

بل المقصود هو ان هذا الحديث جاء فى الصحيحين وغيرهما عن (المسور بن مخرمه) - فى باب فضائل فاطمه - مجرداعن قصه خطبه على ابنه ابى جهل، قال ابن حجر:

(وفى‏الصحيحين عن المسور بن مخرمه: سمعت رسول اللّه(ص) على المنبر يقول: فاطمه بضعه منى، يوذينى ما آذاها،ويريبنى ما رابها)روياه عن سفيان بن عيينه، عن عمرو بن دينار، عن ابن ابى مليكه، عن المسور بن مخرمه.

بل لم نجده عند البيهقى والخطيب التبريزى الا مجردا كذلك ، وكذا فى الجامع الصغير، حيث لا تعرض للقصه لا فى‏المتن ولا فى الشرح.

والملاحظ انه لا يوجد فى هذا السند المجرد واحد من ابنى الزبير والزهرى والشعبى والليث... وامثالهم!! ونحن نحتج بهذا الحديث، كسائر الاحاديث، وان جرحنا (المسور) و (ابن ابى مليكه) لان (الفضل ما شهدت به‏الاعداء).

لكن اغلب الظن ان القوم وضعوا قصه الخطبه، والصقوها بالمسور وروايته لغرض فى نفوسهم، ومرض فى قلوبهم..حتى جاء ابن تيميه المجدد لاثار الخوارج، والمشيد للاباطيل على موضوعاتهم ليقول:

(ان هذا الحديث لم يرو بهذا اللفظ بل روى بغيره، كما ذكر فى حديث خطبه على لابنه ابى جهل لما قام النبى(ص)خطيبا، فقال: ان بنى هشام بن المغيره... رواه البخارى ومسلم فى الصحيحين من روايه على بن الحسين والمسور بن‏مخرمه، فسبب الحديث خطبه على لابنه ابى جهل...).

لكن الحقيقه لا تنطلى على اهلها، واللّه الموفق.

2 - قد اشرنا فى مقدمه البحث ان وجود الحديث - اى حديث كان - فى كتابى البخارى ومسلم وغيرهما من الكتب‏المعروفه بالصحاح لا يلزمنا القول بصحته، ولا يغنينا عن النظر فى سنده، فلا يغرنك اخراجهم الحديث فى تلك الكتب،ولا يهولنك الحكم ببطلان حديث مخرج فيها.. وهذا مما تنبه اليه المحققون من اهل السنه وبحث عنه غير واحد من‏علماء الحديث والكتاب المعاصرين.. ولنا فى هذا الموضوع بحث مشبع نشرناه ضمن كتابنا (التحقيق فى نفى التحريف‏عن القرآن الشريف).

تتمه:

وكان القوم لم يكفهم وضع حديث خطبه ابنه ابى جهل، فوضوعوا حديثا آخر، فيه ان امير المومنين(ع) خطب اسماءبنت‏عميس!.. لكنه واضح العوار جدا، فلذا لم يخرجه اصحاب صحاحهم، بل نص المحققون منهم على سقوطه:

قال ابن حجر: (اسماء بنت عميس قالت: خطبنى على بن ابى طالب، فبلغ ذلك فاطمه، فاتت النبى(ص) فقالت: ان‏اسماء متزوجه عليا! فقال لها: ماكان لها ان توذى اللّه ورسوله) وقال الهيثمى: (رواه الطبرانى فى الكبير والاوسط. وفيهما من لم اعرفه).

ونحن لا نتكلم على هذا الموضوع الاخر سوى ان نشير الى ان واضعه قال: (فاتت النبى فقالت: ان اسماء متزوجه عليا)وليس:

(هذا على ناكح ابنه ابى جهل). وقال عن النبى انه قال لفاطمه:

(ما كان لها ان توذى اللّه ورسوله) ولم يقل عنه انه‏صعد المنبر وخطب وقال: (ما كان له...)!!

كلمه الختام:


قد استعرضنا - بعون اللّه تعالى - جميع طرق هذا الحديث.

ودققنا النظر فى رجاله واسانيده، وفى الفاظه ومداليله..فوجدناه حديثا مختلقا من قبل آل الزبير، فان رواته:

(عبداللّه بن الزبير).

و (عروه بن الزبير).

و (المسور بن مخرمه) وكان من اعوان (عبداللّه) وانصاره والمقتولين معه فى الكعبه، وكان من الخوارج، وكان...

و (عبداللّه بن ابى مليكه) وهو قاضى الزبير وموذنه.

و (الزهرى) وهو الذى كان يجلس مع (عروه بن الزبير) وينالان من امير المومنين(ع).. وكان..

و (شعيب بن راشد) وهو راويه (الزهرى).

و (ابو اليمان) وهو راويه شعيب..

هولاء رووس الواضعين لهذه الاكذوبه البينه.. وقد عرفتهم واحدا واحدا.. وكل هولاء كانوا على مذهب امامهم (عبداللّهبن الزبير) الذى اشتهر بعدائه لاهل البيت(عليهم‏السلام)، وتلك اخباره فى واقعه الجمل وغيرها، ثم حصره بنى هاشم‏فى الشعب بمكه فاما البيعه له‏واما القتل، ثم اخراجه محمد بن الحنفيه من مكه والمدينه وابن عباس الى الطائف... وعدائه للنبى الاكرم(ص) نفسه.

وقد قال امير المومنين(ع) كلمته القصيره المعروفه: (ما زال الزبير رجلا منا اهل البيت حتى نشا ابنه المشووم عبداللّه).

واخيرا: اذا كان النبى(ص) قد خطب فى هذا الموضوع خطبه عامه يبلغ فيها اصحابه حكما جديدا، فما بال هذه الخطبه‏لم ينقلها عنه غير صبيين لم يحتلما بعد، احدهما - المسور - لم يجاوز السابعه، والاخر - ابن الزبير - لم يبلغ العاشره من‏عمره؟! فليهذب السنه الشريفه حماتها الغيارى من هذه الافتراءات القبيحه، واللّه اسال ان يوفق المخلصين للعلم والعمل، وان‏يجعل اعمالنا خالصه لوجهه الكريم، انه هو البر الرحيم.