«مقالات فقهيه‏»

السيد محمود الهاشمى

تقديم:

بسمه تعالى

الحمد للّه حمدا يليق بجلاله وآلائه ، والصلاه والسلام على صفوه رسله وخاتم انبيائه، وعلى آله ائمه الهدى خلفائه فى امته وامنائه على شريعته، وبعد: فهذه بحوث فقهيه معمقه كتبها الفقيه المحقق سماحه آيه اللّه السيد محمود الهاشمى (دام ظله)، وهو من ابرز اساتذه الحوزه العلميه فى النجف الاشرف وقم المقدسه وعضو مجلس صيانه الدستور فى الجمهوريه الاسلاميه الايرانيه، وذلك فى اوقات متقاربه، وقد نشر قسم منها فى مجله فقه اهل البيت الصادره عن موسسه دائره معارف الفقه الاسلامى طبقا لمذهب اهل البيت (عليهم-السلام) فى قم المقدسه، وهى تتناول مشكلات ومسائل فقهيه مختلفه يجمعها صفتان: احداهما:العمق فى البحث والافاضه فى الاستدلال والتحليل الفقهى على منهج وطريقه مذهب اهل البيت (عليهم-السلام).والاخرى:انها تبحث فى مشكلات وقضايا فقهيه جديده فرضتها المدنيه الحديثه ولم يستقر الفقهاء على حل او تخريج لها بعد.

ومركز الغدير للدراسات الاسلاميه فى بيروت اذ يسره ان ينشر هذه البحوث -باذن من سماحته- مجموعه فى كتاب، لتعم فائدتها، ويسهل الاطلاع عليها، يامل من اللّه عز وجل ان يوفق سماحته وسائر علمائنا المجتهدين للتوفر على خدمه الشريعه السمحاء، واستنباط الحلول المناسبه منها لقضايا ومشكلات حياتناالمعاصره، واللّه الهادى لكل خير وبه التوفيق.

مركز الغدير للدراسات الاسلاميه بيروت‏غره ربيع الاول 1417ه السيد محمود الهاشمى مقالات فقهيه بحوث استدلاليه فى قضايا فقهيه معاصره الذبح بالمكائن الحديثه.

ضمان انخفاض قيمه النقد.

شمول حكم المفسد فى الارض لغير من شهر السلاح وسلب الامن من سائر انواع الفساد.

مقدار ما يضمنه الجانى من خسائر المجنى عليه.

اصناف الديه السته وما يجب ان يدفع منها فى العصر الحاضر.

مدى سلطه الحاكم على العفو فى العقوبات.

الذبح بالمكائن الحديثه

من الواضح ان البحث ليس عن حكم هذا العنوان بنحو الشبهه الحكميه، بان يتوهم حرمه استخدام الماكنه فى الذبح، وانما المقصود البحث عن مدى تحقق الشرائط المعتبره فى حليه الذبيحه شرعا، فى ما يذبح اليوم بهذه المكائن المتطوره السريعه الذبح، حيث وقع الاشكال فيه من قبل بعض الاعلام.

وما يمكن ان يكون منشا للاشكال احد امور: الامر الاول:

انتساب الذبح لغير الانسان:

فقد يرد الاشكال من ناحيه عدم انتساب الذبح الى الانسان، بل الى الاله، ويشترط فى حليه الذبيحه ان تكون ذبيحه الانسان، بمقتضى قوله تعالى: (حرمت عليكم الميته. الا ما ذكيتم)((1)). الظاهر فى اشتراط ان تكون التذكيه وهى الذبح الشرعى، كما يدل عليه قوله تعالى: (وما ذبح على النصب)((2)) تذكيه الانسان، والذبيحه ذبيحته، لان مقتضى اضافتها الى الانسان، خصوصا مع كونها استثناء عن المنخنقه والموقوذه والمترديه والنطيحه وما اكل السبع، مما يكون زهاق الروح فيه لا بفعل الانسان -
سواء كان استثناء عنها جميعا او عن خصوص ما اكل السبع- فانه يدل على ان ذلك ليس حلالا ما لم تصدر التذكيه عن الانسان، ولو بان يدرك الحيوان حيا فيذكيه.

ولعله المراد ايضا بقوله تعالى: (فكلوا مما امسكن عليكم)((3)) الظاهر فى ان يكون امساك الكلب للصيد من جهه تعليمه وارساله -لا لنفسه- فيكون الصيد مستندا اليكم.

وقد دلت على ذلك ايضا جمله من الروايات الداله على انه لا يكفى زهاق روح الحيوان من نفسه او بفعل حيوان آخر -ولو بخروج دمه او قطع مذبحه- ما لم يدركه الانسان فيذكيه((4)).

بل لعل اشتراط كون الذبح، او الصيد، بفعل الانسان ومستندا اليه مما لا يقبل الشك، فان التذكيه لا تكون الا بفعله.

فاذا قيل ان الذبح بالماكنه فعل الاله لا فعل الانسان كان المذبوح بها ميته كالنطيحه والمترديه.

الجواب: يدفع هذا الاشكال بالقول: يكفى فى انتساب فعل، او نتيجته، الى الفاعل المختار الا تتخلل اراده اخرى بين عمله وبين حصول تلك النتيجه، بحيث يكون حصول تلك النتيجه بفعله قهريا وترتبه عليه طبيعيا، وان تاخر عنه زمانا او كان بينه وبين تلك النتيجه وسائط تكوينيه. ومن هنا لا يستشكل احد فى صدق القتل وانتسابه الى الانسان اذا ما قتل شخصا آخر بالاله، فحكم الاله الحديثه المتطوره من هذه الناحيه حكم الاله البسيطه، كالسكين والمديه من حيث صدق عنوان (ذبيحه الانسان) على المذبوح بها، فلا تكون ميته.

ودعوى: التفكيك بين عنوان (القتل وزهاق الروح) وعنوان (الذبح)، بان الاول يكفى فيه مطلق الاله بخلاف الثانى، لان عنوان الذبح يتقوم بفرى الاوداج وامرار السكين على مذبح الحيوان، فلابد فيه من مباشره الانسان ذلك بيده.

مدفوعه: بان الذبح ليس الا عباره عن ازهاق روح الحيوان عن طريق قطع مذبحه -وهو الحلقوم- وفرى الاوداج، سواء كان ذلك باله بسيطه كالسكين او بالماكنه والاله المتطوره التى تودى الى النتيجه نفسها، اى تفرى اوداج الحيوان من مذبحه، فيكون الذبح مستندا الى الانسان، وتكون الذبيحه ذبيحته بلا اشكال.

وقد يقال: بانصراف الاطلاق الى الذبح باليد ونحوه، لعدم وجود غيره حين صدور الادله، او يقال: بعدم الاطلاق فى الادله، واحتمال دخل المباشره باليد ونحوه فى التذكيه.

والجواب: اما عن الانصراف، فان غلبه الوجود لا توجب الانصراف على ما حقق فى محله، واما على الثانى، فان الاطلاق ثابت فى كثير من الروايات التى رتبت الحكم على عنوان الذبح او ذبيحه المسلم، بل وفى الايه المباركه (الا ما ذكيتم.) اذا كانت بمعنى ذبحتم.

نعم، لو قيل، بان الماخوذ فى ماده التذكيه او هيئه (ذكيتم) ان يكون ايجاد صفه المذبوحيه والذكاه فى الحيوان بيد الذابح المذكى مباشره وبلا واسطه مهمه كالماكنه، او تسخير حيوان او اراده انسان آخر يذبح بلا اراده حره بل بامر او بسلطه شخص آخر، لم يتم الاطلاق عندئذ.

الا ان استفاده هذا القيد من ماده او هيئه (الا ما ذكيتم) خلاف الاطلاق المتبادر منها.

الامر الثانى: عدم تحقق التسميه:

الاشكال من ناحيه التسميه، بان يقال: ان الذبح بالماكنه يودى الى حصول الفاصل بين ذبح الحيوان وفرى اوداجه الاربعه وبين زمان تشغيل الماكنه او ربط الحيوان بها من قبل الانسان المستخدم للماكنه، فلا تكون تسميته -حين التشغيل او حين ربط الحيوان بها- مجزيه فى التذكيه: 1- اما لان حال هذه التسميه حال تسميه الواقف على الذبيحه التى يذبحها الغير، فكما انه لا تجزى تسميته ما لم يسم الذابح نفسه، فكذلك الحال فى المقام، فيقع الاشكال فى حليه الذبيحه من ناحيه التسميه المعتبره فيها.

2- واما لوجود الفاصل بينها وبين زمان تحقق الذبح وفرى الاوداج.

الجواب: اما عن الاول: فبمنع كون تسميته كتسميه الاجنبى عن الذبح، كيف! وهو الذابح بالاله، ومجرد كونه حين تحقق فرى الاوداج ساكنا لا يجعله اجنبيا عن الذبح بعد ان كان فرى الاله للاوداج بحركته وبسببه وفعله، وقد اشرنا الى ان كون الاله معقده او متطوره لا يمنع عن استناد الفعل الى الانسان، فهو الذابح وتكون تسميته تسميه الذابح، الا ان طريقه الذبح بالاله تكون بتحريك الاله وربط الحيوان بها للذبح، فيشمله اطلاق (فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه)((5))، لا من جهه كفايه ذكر الاسم -ولو من غير الذابح- ليمنع عنه بظهور الايه فى اراده ذكر الاسم على الذبيحه بما هى ذبيحه تذبح، الظاهر فى ان من يذبح لابد وان يذكر اسم اللّه، وكذلك ظهور الروايات الكثيره فى اشتراط تسميه الذابح، كصحيح محمدبن مسلم((6)) وصحيح سليمان‏بن خالد((7)) وموثق ابن قيس((8)) وموثق الحلبى((9)) وفحوى صحيح محمدبن مسلم((10))، وغيرها من الروايات.

بل من جهه كون المحرك للاله ذابحا بها حقيقه، فيشمله العنوان المذكور فى الايه والروايات.

واما عن الثانى، وهو تحقق الفاصل الزمانى بين زمانى التسميه والذبح، فهذا ما يمكن تلافيه: اولا: بافتراض تكرار الذابح وهو المحرك للاله او الذى يربط الحيوانات بها للذبح للتسميه الى زمان حصول الذبح بها. وثانيا: بان الفاصل الزمانى، اذا كان قصيرا بحيث يعد عرفا بحكم المتصل بزمان الذبح، شمله اطلاق ذكر اسم اللّه فى الايه والروايات.

وثالثا: ان زمان الذبح بكل شى‏ء يكون بحسبه، فاذا كان الذبح باليد فزمانه مثلا زمان وضع السكين على مذبح الحيوان للفرى، واما اذا كان بالاله فزمانه زمان تشغيلها وتوجيهها على الحيوان بحيث يتحقق الذبح ويترتب عليه قهرا.

وان شئت قلت: انه فى المسببات التوليديه ينطبق عنوان المسبب على فعل السبب التوليدى من حينه، وان كان بينهما فاصل زمنى.

او يقال: بان المستظهر من ادله شرطيه التسميه اشتراطها حين الشروع فى الذبح والعمل الاختيارى المستند الى الفاعل المختار، وان فرض تحقق الذبح فى الحيوان بحيث يتصف به فعلا متاخرا عن ذلك زمانا.

وهذا نظير التسميه فى الصيد، حيث يتحقق عنوان الصيد من حين رمى السهم او ارسال الكلب، ولهذا يجب التسميه عنده، وان كانت اصابه الحيوان الذى يراد صيده بالسهم او بالكلب المعلم متاخرا زمانا.

بل لعل ظاهر روايات اشتراط التسميه فى الصيد لزوم التسميه عند ارسال الكلب او تسديد السهم ورميه. ومن هنا افتى بعضهم بعدم الاجتزاء بالتسميه بعد ذلك اذا لم يسم حين الارسال عمدا وان كان قبل اصابه الصيد.

ففى صحيح سليمان بن خالد: (سالت ابا عبد اللّه عليه السلام عن كلب المجوسى ياخذه الرجل المسلم فيسمى حين يرسله اياكل مما امسك عليه؟ قال: نعم، لانه مكلب وذكر اسم اللّه عليه)((11)). وظاهر جواب الامام بيان التعليل والضابطه وانطباقها على ما فرضه السائل من التسميه حين الارسال، والذى يكون عاده قبل امساك الكلب للصيد.

وموثق الحلبى عن ابى عبد اللّه عليه السلام (قال: سالته عن الصيد يرميه الرجل بسهم فيصيبه معترضا فيقتله، وقد كان سمى حين رمى ولم تصبه الحديده قال: ان كان السهم الذى اصابه هو الذى قتله فاذا رآه فلياكل)((12)).

واوضح منه دلاله موثقه الاخر (قال: سالت ابا عبد اللّه عليه السلام عن الصيد يصيبه السهم معترضا ولم يصبه بحديده وقد سمى حين رمى، قال: ياكل اذا اصابه وهو يراه. وعن صيد المعراض، قال: ان لم يكن له نبل غيره وكان قد سمى حين رمى فلياكل منه، وان كان له نبل غيره فلا)((13))، لانه قد ورد فيه قيد التسميه حين الرمى فى كلام الامام عليه السلام بخلاف الاول، حيث ورد ذلك فى كلام السائل فيحتاج فيه الى دعوى ظهور الجواب فى امضاء ارتكاز السائل شرطيه التسميه حين الرمى. فلا اشكال من هاتين الناحيتين.

3- وانما الاشكال فى امكان الاكتفاء بتسميه واحده حين تشغيل الماكنه مثلا.

4- بل الاشكال ايضا فى تشخيص من هو الذابح الذى تجب تسميته، اذا افترض وجود عمال عديدين لتشغيل الماكنه.والتحقيق: ان الذابح هو الشخص الذى يتحقق على يده الجزء الاخير من سبب الذبح، فاذا فرض ان الماكنه كانت فى حاله التشغيل، وياخذ العامل الحيوانات ويربطها بها الواحد تلو الاخر، ليذبح اتوماتيكيا، كان الذابح من يقوم بربط الحيوان لا محاله، لانه المحقق للجزء الاخير، ويكون الذبح بعد ذلك بمثابه الفعل التوليدى الصادر منه فيجب التسميه عليه.

وعندئذ يمكن ان يقال: بكفايه التسميه عند ربط كل حيوان بالاله او وضعه على المذبح، لانه شروع فى الذبح بها، ويكفى التسميه عنده، لصدق عنوان (فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه)((14)). نعم، لو كان ربطه لاجل ان يذبح فيما بعد بالاله لا الان لم يجزى‏ء التسميه عنده.

وقد ينعكس الامر بان يفرض ربط الحيوان بالاله اولا ثم تشغيلها، او يكون المسوول عن تشغيلها شخص آخر غير من يربط الحيوان بها، كما لعله كذلك فى ذبح الدجاج بالماكنه حيث يربط بشريط دائرى ثم يجعل الشريط على الماكنه لتدور بها على المذبح سريعا، ففى مثل ذلك يكون تشغيل الماكنه او وضع الشريط عليها هو الجزء الاخير من السبب، فيكون المسوول والمتصدى لذلك هو الذابح فيجب تسميته. ولو كان بفعل اكثر من واحد كفت تسميه واحد منهم فى صدق ذكر اسم اللّه على الذبيحه، وما تقدم من عدم كفايه تسميه غير الذابح لا يخرج الا ما اذا كانت التسميه من الاجنبى لا المشارك فى الذبح الذى يكون ذابحا ايضا.

وهل يمكن الاكتفاء بتسميه واحده حين تشغيل الماكنه على الشريط، او يجب تكرارها الى حين انتهاء الشريط وذبح جميع الذبائح المربوطه به؟ يمكن تقريب جواز الاكتفاء بالتسميه الواحده بان تشغيل الماكنه على الشريط شروع فى ذبح جميع ما هو مربوط به عرفا، فيصدق على الجميع انه مما ذكر اسم اللّه عليه، وما اهل به للّه.

ويويده كفايه التسميه فى الصيد حين الارسال وعدم الحاجه الى تكرارها حتى اصابه الصيد مهما طال الفاصل بينهما. فاذ قصد الذابح بالاله ذبح جميع ما على الشريط من الدجاج مثلا بحركه تشغيل الاله وذكر اسم اللّه بهذا القصد والنيه، فقد ذكر اسم اللّه عليها جميعا وان كان ترتب الذبح تدريجيا، لان السبب والفعل الاختيارى الصادر من الذابح فى ذبحها جميعها كان بتشغيل الاله لا غير، ويكفى هذا المقدار فى صدق التسميه بمعنى ذكر اسم اللّه عليه، ولا يشترط الذكر حين تحقق فرى الاوداج، وقد طبق هذا العنوان على الصيد وارسال الكلب المعلم الذى يكون التسميه والذكر فيه متقدما زمانا على تحقق امساك الصيد عاده.

وعلى هذا، قد يقال فى المقام: بكفايه التسميه حين تشغيل الاله بالنسبه لما ربط بها من الحيوانات من اجل الذبح. بل يمكن ان يقال: بعدم الاجتزاء بالتسميه حين الذبح اذا تركها عمدا حين التشغيل، نظير ما قيل فى الصيد، لان فعل الذبح انما يصدر عنه بذلك، ولا فعل آخر له بعد ذلك لتكون التسميه عنده تسميه عند ذبحه.

الا ان هذا انما يصح فيما اذا كان مجرد تشغيل الاله او ربط الحيوان بها عله تامه لترتب الذبح، بحيث لا يمكنه الحيلوله دونه بايقاف الاله، كما فى الاسباب التوليديه كالالقاء فى النار او رمى السهم للصيد.

واما اذا كان بحيث يمكنه ايقاف العمل والحيلوله دون تحقق الذبح فى مرحله البقاء، فليس الفعل سببا توليديا الا بضم عدم المنع بقاء، فيكون الاستناد فى ذلك الزمان لا قبله، فقد لا تكفى التسميه عند تشغيل الاله فى مثل ذلك اذا كان الفاصل طويلا، بل لابد منها حين تحقق الذبح.

وعلى كل تقدير، فلا اشكال فى الحليه اذا فرض تكرار الذابح بالاله لاسم اللّه تعالى حتى تحقق الذبح بها.

ولا ينبغى توهم الاجتزاء بكتابه اسم اللّه على الاله او وضع مسجله تردد اسم اللّه حين تشغيلها، فانه -مضافا لما تقدم من اشتراط تسميه الانسان الذابح- ان عنوان ذكر اللّه او التسميه متقوم بقصد المعنى والالتفات اليه، ولهذا لو تلفظ به الذابح غير قاصد لمعناه اصلا لم يكن مجزيا، لعدم كونه ذكرا لاسم اللّه، وهذا واضح.

الامر الثالث: (عدم تحقق الاستقبال):

كما انه قد يرد الاشكال من ناحيه الاخلال بشرطيه الاستقبال، حيث يقال: ان المستظهر من الروايات والذى عليه الفتوى فى مذهبنا اشتراط الاستقبال بالذبيحه، بان توجه مقاديمها حين الذبح للقبله او وضعها على الجهه اليمنى او اليسرى الى القبله، وهذا لا يتحقق بالذبح مع المكائن الحديثه عاده.

الجواب: انه لا باس ببحث كبرى هذه الشرطيه اولا، ثم البحث عن كيفيه تطبيقها فى المقام ثانيا.

اولا، البحث الكبروى:

dفنقول: لقد استدل على شرطيه الاستقبال فى الجمله بدليلين: (اولهما) الاجماع بقسميه، كما فى الجواهر وغيره من الكتب.

و(ثانيهما) الاخبار الخاصه.

وقبل البحث عن هذين الدليلين لابد من تشخيص ما هو مقتضى القاعده اذا لم يثبت شى‏ء منهما، فهل هو الحليه او الحرمه؟ ظاهر بعض القدماء، كالسيد المرتضى قدس سره فى الانتصار الثانى، وانه ما لم يثبت دليل على التذكيه فى فرض عدم الاستقبال يحكم بكونه ميته، ويقتصر فى المذكى على المتيقن وهو ما اذا استقبل بذبيحته القبله.

فقد ذكر فى الانتصار (وايضا فان الذكاه حكم شرعى وقد علمنا انه اذا استقبل القبله، وسمى اسم اللّه تعالى يكون مذكيا باتفاق، واذا خالف ذلك لم يتيقن كونه مذكيا، فيجب الاستقبال والتسميه ليكون بيقين مذكيا)((15)). وتابعه على هذا الاستدلال جمله من الفقهاء.

والصحيح هو الاول اى الحكم بالحليه وعدم اشتراط الاستقبال اذا شك فى الدليل على شرطيته.

وذلك لان مقتضى الاصل العملى، وان كان هو استصحاب عدم التذكيه عند الشك فى حصولها - بناء على جريان الاستصحاب فى الشبهه الحكميه وجريان اصاله عدم التذكيه على ما حقق فى محله من علم الاصول- الا ان مقتضى الدليل الاجتهادى حصول التذكيه بغير الاستقبال ايضا اذا تحققت سائر الشرائط المعتبره، وذلك بالرجوع الى عمومات التذكيه فى الكتاب الكريم والروايات.

اما الاطلاق فى الكتاب الكريم فيمكن استفادته من آيات عديده منها: 1- قوله تعالى فى سوره الانعام: (فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه ان كنتم ب‏اياته مومنين- وما لكم الا تاكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم اليه وان كثيرا ليضلون باهوائهم بغير علم ان ربك هو اعلم بالمعتدين)((16)).

وتقريب الدلاله: ان الامر بالاكل فى الايه الاولى ارشاد الى الاباحه او حليه الذبيحه وذكاتها، وذلك لمقام توهم الحظر، وبداهه عدم وجوب الاكل، والايه الثانيه قرينه على ذلك ايضا.

ومقتضى اطلاقها كفايه ذكر اسم اللّه فى الحليه والتذكيه، بلا حاجه الى شرط آخر من الاستقبال او طهاره الذابح او غير ذلك، بل الايه الثانيه - بقرينه قوله تعالى فيها: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم)- كالصريحه فى العموم، وان غير ما فصله وحكم بحرمته بالايات الاخرى -وهو الميته والمنخنقه والمترديه ونحوها وما اهل لغير اللّه وما ذبح على النصب- يكون حلالا.

لا يقال: ان الايه ليست فى مقام بيان اكثر من شرطيه ذكر اسم اللّه، وان ما لم يذكر عليه اسم اللّه يكون حراما، كما اكد ذلك بعد آيتين بقوله تعالى: (ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه وانه لفسق)((17)) فلا يمكن ان يستفاد منها نفى الشروط الاخرى، ومن هنا لم تذكر فى الايه الشرائط المعتبره فى الذبح، بل لم يذكر فيها اصل الذبح، مع انه لا اشكال فى عدم كفايه مجرد ذكر الاسم فى حليه ما زهقت روحه بغير الذبح كالنطيحه والمترديه او كان الحيوان مما لا يقبل التذكيه اصلا.

فانه يقال: فرق واضح بين الايتين، فتاره يقال: لا تاكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه فهذا ظاهر فى الشرطيه، واخرى يقال: كلوا مما ذكر اسم اللّه عليه فهذا ظاهر فى ان ما ذكر عليه اسم اللّه حلال مذكى، فيصح التمسك باطلاقه لنفى شرط آخر فى الحليه، خصوصا مع القرينه التى ذكرناها من تفصيل ما حرم عليكم. والايه المذكوره بعد آيتين ايضا قرينه على ان المراد من الامر بالاكل مما ذكر اسم اللّه عليه حليه كل ما يذكر اسم اللّه عليه وجواز اكله، لا مجرد شرطيه ذكر اسم اللّه والا كان تكرارا محضا وركيكا.

نعم، لا اطلاق فى الايه لغير المذبوح والمنحور، لان ذلك مذكور تقديرا، لانصراف عنوان ما ذكر اسم اللّه عليه على المذبوح ونحوه، لان ما ذكر اسم اللّه عليه عنوان مقابل لما كان يصنعه المشركون من الذبح للاصنام والالهه، فاصل الذبح مفروغ عنه فى الكلام، كما ذكره المفسرون، لان ذكر الاسم انما يكون فيه لا فى النطيحه والمترديه والموت حتف الانف.فلا اطلاق فى الايه من هذه الناحيه، كيف! والميته باقسامها المذكوره فى الايات الاخرى من المتيقن والواضح دخولها فيما فصل القرآن تحريمه، والذى اخرجته الايه الثانيه.

كما لا اطلاق فى الايه من ناحيه قابليه المحل -وهو الحيوان- للتذكيه كما اذا شك فى قبول السباع او الحيوان الجلال للتذكيه، لعدم النظر فيها الى الحليه والحرمه النفسيه فى الحيوانات، وانما النظر الى الحليه والحرمه الناشئه من التذكيه والذبح بعد الفراغ عن حليه الحيوان فى نفسه.

وان شئت قلت: ان تلك الحليه او الحرمه تضاف الى الحيوان نفسه بقطع النظر عن ذبحه، بينما هذه الايه ناظره الى حليه الاكل من ناحيه الذبح، ولهذا نجد ذلك فى آيه اخرى، وهى قوله تعالى فى سوره الحج: (واحلت لكم الانعام الا ما يتلى عليكم)((18)).

بل يمكن دعوى عدم اطلاق الايه ايضا بالنسبه للشرائط الماديه المحتمل اعتبارها فى الذبح من حيث هو ذبح، كشروط آله الذبح او مذبح الحيوان، لان كل ذلك مفروض مفروغا عنه فى الايه، وليست الايه بصدد بيانه، وانما هى بصدد بيان ما يشترط زائدا على اصل الذبح -الذى هو فعل تكوينى خاص- من الشروط المعنويه المربوطه بالذبح بما هو نسك كالتسميه او الاستقبال او ان يكون الذابح مسلما او متطهرا ونحو ذلك. وان كان قد وقع التمسك باطلاق الكتاب فى كلمات الاصحاب من كلتا الجهتين، فهذا صاحب الجواهر قدس سره يتمسك فى مساله عدم حرمه الذبيحه بابانه راسها عمدا باطلاق الايات، حيث قال: (وعلى كل حال، فالظاهر عدم حرمه الذبيحه بذلك، كما صرح به كثير، ومنهم جمله من القائلين بالحرمه، بل عن بعض نفى الخلاف فيه، لاطلاق الادله كتابا وسنه)((19)).

وايا ما كان، فالاطلاق فى الايه بالنسبه لما نحن بصدده تام، ولا وجه لدعوى كونها فى مقام البيان من ناحيه شرطيه التسميه فقط، وان المراد الامر بالاكل اذا تحققت سائر شروط التذكيه، فان هذا لازمه ان الامر بالاكل لا يكون ارشادا الى التذكيه والحليه من ناحيتها، وهذا خلاف الظاهر جدا، بل غير محتمل فى نفسه، اذ لا يحتمل التكليف النفسى بالاكل، فاذا كان ارشادا الى الحليه من ناحيه التذكيه، فلا محاله تكون الايه فى مقام البيان من ناحيه الحليه بملاك التذكيه، فيصح التمسك باطلاقها، اذ لا يشترط فى الاطلاق اكثر من هذا المقدار.

نعم، لو كان لسان الخطاب ان التسميه شرط فى حليه الاكل كان غير ناف لوجود شرائط اخرى له الا ان هذا لم يرد فيه، بل الوارد الامر بالاكل الذى هو ارشاد الى الحليه لا الشرطيه، ومقتضى اطلاقه لا محاله نفى دخاله غيره فى الحليه والا لم تكن متحققه بذكر الاسم ولم يكن يجوز الاكل، وهذا نظير قوله تعالى: (فكلوا مما امسكن عليكم)((20)). فى اثبات حصول التذكيه بالامساك مع ذكر اسم اللّه بلا احتياج الى شرط آخر، وقد ورد التمسك به فى صحيح جميل قال: (سالت ابا عبد اللّه عليه السلام عن الرجل يرسل الكلب على الصيد فياخذه ولا يكون معه سكين فيذكيه بها، افيدعه حتى يقتله وياكل منه؟ قال: لا باس. قال اللّه عز وجل: (فكلوا مما امسكن عليكم)((21)).

ومما يشهد على صحه التمسك باطلاق الايه فى المقام تمسك الامام عليه السلام فى بعض الروايات بذلك، كروايه الورد «ابى الورد» بن زيد قال: (قلت لابى جعفر عليه السلام: حدثنى حديثا وامله على حتى اكتبه فقال: اين حفظكم يا اهل الكوفه؟ قال: قلت: حتى لا يرده على احد. ما تقول فى مجوسى قال بسم اللّه ثم ذبح؟ فقال: كل. قلت: مسلم ذبح ولم يسم؟ فقال: لا تاكله. ان اللّه يقول: (فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه) و(ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه)((22)) فقد استدل الامام عليه السلام على نفى شرطيه اسلام الذابح - مع فرض تسميته- باطلاق الامر بالاكل مما ذكر اسم اللّه عليه.

وقد استدل المفيد فى المقنعه((23)) على حليه ذبيحه الكتابى اذا سمى باطلاق الايات، كما استدل العلامه فى المختلف باطلاق الايات لاثبات حليه ما يذبحه كل منتحل للاسلام ولو لم يكن من اهل الحق، كما استدل الشيخ فى الخلاف((24)) باطلاقها لاثبات الحليه والتذكيه اذا قطع راسها بالذبح، كما استدل بها ابن ادريس((25)) -ووافقه العلامه فى المختلف((26))- على عدم حرمه الذبيحه بسلخها قبل بردها او قبل موتها. فراجع كلماتهم ليظهر لك ثبوت الاطلاق فى الكتاب من هذه الناحيه جزما، وان شككنا فيه من ناحيه كيفيه فعل الذبح الخارجى.

2- قوله تعالى فى سوره المائده: (فكلوا مما امسكن عليكم واذكروا اسم اللّه عليه واتقوا اللّه ان اللّه سريع الحساب)((27)).

وهى وان كانت متعرضه بصدرها للصيد لا للذباحه، ولا يشترط فيه الاستقبال جزما، الا انه يمكن دعوى اطلاق قوله تعالى: (واذكروا اسم اللّه عليه) فى الذيل وشموله للصيد ولما يذبح منه اذا ادركه الصياد حيا ولما يذبح ابتداء المبين فى الايه السابقه لها (حرمت عليكم الميته. الا ما ذكيتم)((28)) فالذيل جمله مستقله مطلقه ترجع الى كل ما يراد تذكيته سواء فى ذلك ما يذبح او ما يصاد من دون ادراكه حيا او مع ادراكه حيا.

ولعل القرينه على هذا الاطلاق تاخير ذكره، فانه لو كان النظر الى التسميه فى الصيد خاصه كان المناسب ذكره حين ارسال الجوارح، والذى هو قبل تحقق الامساك منهن عاده، فالحاصل ظاهر هذه الجمله فى ذيل هذه الايه النظر الى مجموع ما بين فى الايتين: الايه الاولى المتعرضه للذبح والايه الثانيه المتعرضه للصيد، وان التذكيه منهما معا يكون بذكر اسم اللّه عليه كل بحسبه وما عداه حرام، فيمكن التمسك باطلاقه لنفى شرطيه الاستقبال زائدا على ذلك، والا كان يلزم ذكره ايضا.

3- قوله تعالى فى سوره البقره: (يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا للّه ان كنتم اياه تعبدون-# انما حرم عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير اللّه فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ان اللّه غفور رحيم)((29)).

وجه الدلاله: انها وان ذكرت بالمطابقه حرمه ما اهل به لغير اللّه -اى نودى عليه لغير اللّه- ولكن حيث ذكرت ذلك بادوات الحصر المستفاد من صدر الايه وذيلها ومن السياق والامر باكل الطيبات فى الايه الاولى، فلا محاله يستفاد منها حليه ما عدا ذلك مما لم يذكر، ومنه ما اهل به للّه من الذبائح ولو لم يستقبل به القبله، لانه ليس مما اهل به لغير اللّه ولا الميته ولا لحم الخنزير. وما اهل به لغير اللّه يراد به الذبيحه التى لم يذكر اسم اللّه عليها، اما لانه ما لم يذكر اسم اللّه عليها فقد اهل بها لغير اللّه، او من باب التقييد او القرينه القرآنيه المنفصله على ارادته حيث ورد فى آيه اخرى: ان ما لم يذكر اسم اللّه عليه فسق((30)).

ودعوى: ان الايه ليست فى مقام الحصر الحقيقى، كيف! والا لزم التخصيص الكثير او الاكثر المستهجن.

مدفوعه: بالمنع عن ذلك، لان ما ثبتت حرمته يمكن ان يكون خروجه عن اطلاق الحصر بعنوان كلى كالمسوخ او السباع، بل يحتمل ان ما ثبت حرمته لم يكن محرما بعد عند نزول الايه، وانما شرع تحريمه فيما بعد، او شرع النبى صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك باذن من اللّه سبحانه، فلا خلل فى الاطلاق القرآنى المذكور كما لا يخفى.

نعم، قد يقال: بعدم النظر فيها الى ما يتحقق به الذبح، لانه مفروض فيما يهل به، كما ذكرنا فى الايات السابقه.

4- قوله تعالى فى سوره الحج: (ليشهدوا منافع لهم ويذكرا اسم اللّه فى ايام معلومات على ما رزقهم من بهيمه الانعام فكلوا منها واطعموا البائس الفقير)((31)).

واوضح منها قوله تعالى فى السوره نفسها: (والبدن جعلناها لكم من شعائر اللّه لكم فيها خير فاذكروا اسم اللّه عليها صواف فاذا وجبت جنوبها فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون)((32)).

وجه الدلاله: انهما دلتا على اشتراط ذكر اسم اللّه على البهيمه، وفرعتا الاكل والاطعام على ذلك، ولم تذكرا الاستقبال، فيكون مقتضى اطلاقهما كفايه التسميه فى حصول التذكيه فيما يذبح من بهيمه الانعام، وعدم اشتراط شى‏ء آخر من القيود المعنويه التعبديه كالاستقبال.

وقد يناقش فى الاستدلال بالاولى منهما: بانها اجنبيه عن المقام، اذ الظاهر -او المحتمل على الاقل- ان يكون المراد من ذكر اسم اللّه فى ايام معدودات ذكر اللّه فى ايام منى، ويكون حينئذ المراد بقوله تعالى: (على ما رزقهم من بهيمه الانعام) المقابله، اى يكون ذكر اللّه فى مقابل ما رزقهم من الانعام فى تلك الايام، فلا ربط لها بالتسميه على الذبح.وفيه: انه خلاف الظاهر جدا، ولذلك لم يشر اليه اكثر المفسرين للايه، بل فسروها بذكر اسم اللّه على الذبيحه وارسلوا ذلك ارسال المسلم، والوجه فى ذلك -مضافا الى ان الذكر لاسم اللّه غير ذكر اللّه، فلو كان المقصود ما قيل كان ينبغى ان يقال: فاذكروا اللّه، كما ورد فى قوله تعالى: (واذكروا اللّه كذكركم آباءكم او اشد ذكرا)((33)) وقوله تعالى: (ويذكروا اسم اللّه فى ايام معلومات) ((34)) وغيرهما من الايات، بخلاف ذكر الاسم، فانه يناسب الاهلال والافتتاح، ومضافا الى ان الذكر لا يناسب ان يكون فى قبال شى‏ء، وعليه فلا يقال ذكر اللّه على ما اعطاه، وانما يقال شكره او حمده على ما اعطاه- ان سياق هذه الايات وما ورد بعد هذه الايه من قوله تعالى: (ولكل امه جعلنا منسكا ليذكروا اسم اللّه على ما رزقهم من بهيمه الانعام)((35)) والايه الثانيه قرينه قاطعه على ان النظر الى ذكر الاسم على الذبيحه.

وقد يناقش فى الاستدلال بالايتين معا: تاره: بما نسب الى الزمخشرى من ان الامر بذكر الاسم كنايه عن الذبح فكانه قيل فاذبحوها واطعموا البائس الفقير، فلا يكون النظر فيها الى التسميه نفسها واشتراطها فى التذكيه، فضلا عن غيرها من الشروط.

وفيه: ان الايات صريحه فى النظر الى حيثيه ذكر الاسم والعنايه به لا الذبح، وفى الكنايه تكون العنايه للمكنى عنه لا المكنى به. نعم، يستفاد بالملازمه من الامر بذكر الاسم فى مقام الذبح الامر بالذبح ايضا لمن ساق معه البدن، لا ان الامر بذكر الاسم كنايه عنه، ولعل هذا مقصود الزمخشرى ايضا.

واخرى: بان هذه الايات وان كانت ناظره الى حيثيه ذكر الاسم فى مقام الذبح، ولهذا يفهم منه اشتراط التسميه فى التذكيه، الا ان ذلك ورد فيها بعنوان انه منسك وشعار للمسلمين فى قبال الكفار ولو فى مقام الذبح بمنى فى الحج، كما فى قوله تعالى: (ولكل امه جعلنا منسكا ليذكروا اسم اللّه على ما رزقهم من بهيمه الانعام)، فيكون الامر بذكر الاسم فيها امرا باقامه هذا الشعار، لا لبيان ما تتحقق به التذكيه، وان كان يفهم منه بالالتزام شرطيه التسميه فى الذبح الا ان هذه دلاله التزاميه وليست الايه فى مقام بيانها ليتمسك باطلاقها لنفى شرطيه شرط آخر فى التذكيه.

وفيه: ان هذا، ان صح فى الايه الاولى، فلا يصح فى الثانيه، لانها ناظره الى حيثيه حليه اللحم وما يتوقف على جواز اكله واطعامه، بقرينه ما فيها من الترتيب والتفريع، وانه لا بد من ذكر الاسم عليها وهى صواف، فاذا وجبت جنوبها اكل منها واطعم، وهذا ظاهر فى التصدى لبيان ما تتوقف عليه حليه اللحم، فاذا سكت عن غير التسميه دل ذلك على عدم اشتراطه فيها، خصوصا وان الاستقبال لو كان واجبا فهو ايضا كالتسميه شعار آخر فى قبال الكفار كان ينبغى ذكره، بل لعل صدر الايه الثانيه يدل على ان الشعار الاضحيه نفسها وتقديم البدن، واما ذكر الاسم على البهيمه فهو مربوط بحليتها وجواز اكلها والاطعام، كما ان الايه الثلاثين من هذه الايات (ذلك ومن يعظم حرمات اللّه فهو خير له عند ربه واحلت لكم الانعام الا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس.)((36)) ظاهر. فى النظر الى حيثيه الحرمه والحليه فى اللحم.

وثالثه: بان حيثيه التذكيه وحليه اللحم حيث انه لم يتعرض لها مستقلا بل عرضا وضمنا، فلا يمكن اجراء الاطلاق ومقدمات الحكمه فيها لنفى وجود شرط آخر غير التسميه بمجرد السكوت عن ذكرها.

وفيه: انه لا يشترط فى تماميه مقدمات الحكمه اكثر من اصل التعرض والتصدى لبيان حيثيه، سواء كان ذلك مستقلا او فى ضمن جهات اخرى، كما اذا تعرض خطاب لبيان حكمين او اكثر.

وان شئت قلت: ان جمله (فاذكروا اسم اللّه عليها صواف فاذا وجبت جنوبها فكلوا.) فى مقام بيان ما تتوقف عليه حليه اللحم، وسائر الجمل فى مقام بيان المناسك والشعائر فى الحج، وكل منهما مستقل عن الاخر، وانما جمع بينهما لابتلاء المكلف بهما معا فى الحج.

ورابعه: بان الايه اساسا ليست فى مقام بيان اكثر من شرطيه التسميه دون سائر الشرائط فانها حيثيات اخرى مسكوت عنها.

وهذا اشكال عام فى هذه الايه وغيرها، وله جواب عام اشرنا اليه اجمالا فى ما سبق، وتفصيله: ان الخطاب لو كان بلسان الاخبار عن الشرطيه كما اذا قال: (التسميه شرط فى حليه الذبيحه)، او بلسان النهى عن اكل ما لم يذكر اسم اللّه عليه، فمن الواضح ان هذا لا ينافى ثبوت الف شرط آخر، الا ان هذا اللسان لم يرد هنا، وانما الوارد لسان الامر بالاكل او الاطعام الدال على الحليه ارشادا او بالملازمه، وحمل ذلك على النهى او الشرطيه خلاف ظاهر الامر جدا، وانما ظاهر الامر بالاكل او الاطعام حليه الذبيحه فعلا، فاذا علق ذلك على ذكر الاسم كان مفاد الايه حليه الذبيحه اذا ذكر اسم اللّه عليها، فكانه قال: اذا ذكر اسم اللّه عليها ووجبت جنوبها حل اكلها واطعامها، فيتم الاطلاق فيه عندئذ لنفى دخل قيد وشرط آخر فى ثبوت تلك الحليه وجواز الاكل، اذ ثبوت شرط آخر يستلزم اما تقييد اطلاق ترتب الحليه وجواز الاكل على التسميه بقيد من قبيل اذا تحققت سائر الشروط، او حمل الامر بالاكل والحليه على الحكم الحيثى لا الفعلى الحقيقى، وكلاهما خلاف الظاهر، اذ الاول خلاف اطلاق الترتب والتفريع، والثانى خلاف ظاهر ما يدل على الحكم وهو الامر، فان ظاهره الحليه الحقيقيه الفعليه، لا الحيثيه ومن ناحيه ذلك الشرط فقط، فانها ليست حليه حقيقيه لا جعلا ولا مجعولا، اذ الحكم لا ينحل ولا جعلا ولا مجعولا، اذ الحكم لا ينحل ولا يتعدد بتعدد قيود موضوعه.

نعم، لو كانت هناك حليتان مستقلتان جعلا وموضوعا، كالحليه من ناحيه التذكيه والحليه من ناحيه الطهاره لم يكن الاطلاق من ناحيه احداهما نافيا للاخرى، وبهذا ظهر الفرق بين المقام وبين ما هو المقرر من عدم الاطلاق فى قوله تعالى: (فكلوا مما امسكن عليكم) لنفى نجاسه موضع الامساك والحليه من ناحيتها.

5- قوله تعالى فى سوره الانعام: (قل لا اجد فى ما اوحى الى محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميته او دما مسفوحا او لحم خنزير فانه رجس او فسقا اهل لغير اللّه به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم)((37)).

6- وقوله تعالى فى سوره النحل: (فكلوا مما رزقكم اللّه حلالا طيبا واشكروا نعمه اللّه ان كنتم اياه تعبدون- ×انما حرم عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير اللّه به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان اللّه غفور رحيم)((38)).

وهما كالايه المتقدمه من سوره البقره، فان هذه الايات الثلاث بمضمون واحد والفاظ واحده، وهى ظاهره فى الحصر، بل آيه الانعام صريحه فيه، لان عدم وجدان النبى للمحرم فى ما اوحى اليه مساوق لعدم وجوده، فتكون دلاله هذه الايات على عدم حرمه غير العناوين المذكوره فيها -ومنها ما ذبح واهل به للّه من الذبائح من غير استقبال للقبله- تامه. ودعوى لزوم تخصيص الاكثر قد عرفت جوابه.

هذا مضافا الى تمسك الفقهاء بهذه الايات وما فيها من الحصر، خصوصا آيه الانعام لاثبات حليه الاطعمه المحلله كثيرا، بل ورد ذلك فى جمله من الروايات الصحيحه، منها صحيح محمدبن مسلم((39)) المنقول فى العلل والتهذيب، مع شى‏ء من الاختلاف.

ويظهر من عده روايات ان جمله مما حرم بعد ذلك كان بنهى النبى صلى اللّه عليه وآله وسلم وتحريمه فلعله من تشريعاته، فلا ينافى دلاله الايه على الحصر، لان تشريع النبى صلى اللّه عليه وآله وسلم بعدها بمثابه الناسخ لتلك الحليه الثابته اولا بمقتضى الايه كما لا يخفى، فالاطلاق فى الايات تام فى نفسه.

واما الاطلاق فى الروايات فيمكن استفادته من عده طوائف منها: 1- معتبره محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام: (قال: قال امير المومنين عليه السلام: ذبيحه من دان بكلمه الاسلام وصام وصلى لكم حلال اذا ذكر اسم اللّه تعالى عليه)((40)).

فانها لم تشترط فى الذبح وحليه الذبيحه غير اسلام الذابح وذكر اسم اللّه تعالى عليه، فلو كان يجب ايضا الاستقبال مطلقا او فى صوره العلم والعمد للزم ذكره، فيدل السكوت عنه مع كونها فى مقام البيان على عدم الاشتراط.

ودعوى: ان الروايه ليست فى مقام البيان من هذه الناحيه، لكونها ناظره الى حيثيه اسلام الذابح فقط.

مدفوعه: بان نظر الروايه الى حيثيه اسلام الذابح لا ينافى اطلاقها من ناحيه سائر الشروط اذا كان فى مقام البيان من ناحيتها ايضا، وفى المقام بقرينه ذيل الروايه حيث تعرض لشرطيه التسميه يفهم انها ارادت ان تعط‏ى الكبرى الكليه للذبيحه المحلله لنا، فكانها قالت كلما كان الذابح مسلما وذكر اسم اللّه تعالى على الذبيحه فهى حلال، ومثل هذه الجمله لا اشكال فى اطلاقها.

نعم، لا تكون الروايه ناظره الى شرائط عمل الذبح وما به يتحقق، كما تقدم نظيره فى الايات الشريفه السابقه، لان تلك حيثيه اخرى لا نظر اليها، بل تحقق الذبح مفروغ عنه.

2- الروايات الوارده فى حليه ذبيحه المراه والغلام، كصحيح سليمان بن خالد قال: (سالت ابا عبد اللّه عليه السلام عن ذبيحه الغلام والمراه هل توكل؟ فقال: اذا كانت المراه مسلمه فذكرت اسم اللّه على ذبيحتها حلت ذبيحتها وكذلك الغلام اذا قوى على الذبيحه فذكر اسم اللّه وذلك اذا خيف فوت الذبيحه ولم يوجد من يذبح غيرهما)((41)).

وصحيح عمر بن اذينه عن غير واحد رواه عنهما عليهما السلام: (ان ذبيحه المراه، اذا اجادت الذبح وسمت فلا باس باكله، وكذلك الصبى، وكذلك الاعمى اذا سدد)((42)).

وصحيح محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّه عليه السلام فى حديث: (انه ساله عن ذبيحه المراه فقال: اذا كان نساء ليس معهن رجل فلتذبح اعقلهن ولتذكر اسم اللّه عليه)((43)).

وروايه مسعده بن صدقه عن ابى عبد اللّه عليه السلام فى حديث: (انه سئل عن ذبيحه المراه فقال: اذا كانت مسلمه فذكرت اسم اللّه عليها فكل)((44)).

وروايته الاخرى فى الغلام: (اذا قوى على الذبح وكان يحسن ان يذبح وذكر اسم اللّه عليها فكل)((45)).

وروايه ابن سنان عن ابى عبد اللّه عليه السلام قال: (سالت عن ذبيحه المراه والغلام هل توكل؟ قال: نعم، اذا كانت المراه مسلمه وذكرت اسم اللّه حلت ذبيحتها واذا كان الغلام قويا على الذبح وذكر اسم اللّه حلت ذبيحته)((46)).

والسوال، فى هذه الروايات، وان كان عن شرطيه البلوغ والرجوله، الا ان جواب الامام عليه السلام فيه تعرض للكبرى وما يعتبر فى الذابح والذبح -بقطع النظر عما يتحقق به فعل الذبح خارجا-، بقرينه ذكر التسميه واسلام الذابح ونحو ذلك، فينعقد فيه اطلاق يمكن الاستناد اليه فى نفى شرطيه شرط آخر كالاستقبال، والا كان يذكره ايضا.

3- بعض الروايات الوارده فى ذبائح اهل الكتاب والتى تنهى عنه معلله بان الذبيحه بالاسم ولا يومن عليها الا مسلم واهل التوحيد، ففى صحيح الحسين‏بن المنذر قال: (قلت لابى عبد اللّه عليه السلام: انا قوم نختلف الى الجبل والطريق بعيد بيننا وبين الجبل فراسخ، فنشترى القطيع والاثنين والثلاثه ويكون فى القطيع الف وخمسمائه شاه والف وستمائه شاه والف وسبعمائه شاه، فتقع الشاه والاثنان والثلاثه، فنسال الرعاه الذين يجيئون بها عن اديانهم، قال: فيقولون: نصارى، قال: فقلت: اى شى‏ء قولك فى ذبائح اليهود والنصارى؟ فقال: يا حسين الذبيحه بالاسم، ولا يومن عليها الا اهل التوحيد)((47)).

فقد جعل الميزان فى حليه الذبيحه بالاسم، اى التسميه، وان اسلام الذابح انما يشترط لكى يحرز به ذلك، حيث لا يومن عليه لو كان الذابح غير مسلم، اما لعدم ذكره وتسميته اصلا، او لانه حتى اذا سمى فهو غير قاصد لمعناه حقيقه.

والمستفاد من هذه الايه وغيرها ان شرطيه اسلام الذابح ليس فى عرض سائر الشروط وانما فى طولها، اى لاجل احراز التسميه التامه فلو احرز صدورها من الكتابى كان مذكى، وبه يقيد اطلاق ما دل على شرطيه اسلام الذابح، وهذا بحث آخر لا ندخل فيه فعلا.

وعندئذ يقال: ان مقتضى اطلاق ذلك عدم اشتراط شى‏ء آخر غير التسميه وما يحرزها، وهو اسلام الذابح زائدا على اصل الذبح بخصوصياته الراجعه الى تحقق الذبح، فلو كان الاستقبال شرطا ايضا كان ينبغى ذكره، خصوصا وان النصرانى واليهودى لا يذبح الى الكعبه يقينا حتى اذا سمى، بل التعبير بان الذبيحه بالاسم يفيد الحصر وعدم وجود شرط آخر فيه عدا ما يرتبط بالذبح كما اشرنا.

وقد يقال: بان شرطيه الاستقبال حيث انها خاصه بصوره العلم والعمد على ما سياتى، فلا يقدح عدمه من الجاهل حتى بالشبهه الحكميه كغير الشيعى واهل الكتاب، وحيث ان السوال فى هذه الروايات قد وقع عن ذبائحهم وهم جاهلون بذلك فلا يكون سكوت الروايه عن ذكر هذه الشرطيه دليلا على عدمها لتحقق الشرط فى حقهم وهو عدم التعمد، وهذا بخلاف الادله الاخرى المتعرضه لبيان شرائط التذكيه فى نفسها فى حق المسلم.

والجواب: ان هذا الاشكال قابل للدفع بان مساق هذه الروايات ايضا مساق غيرها من الروايات الظاهره فى التعرض لبيان شرائط التذكيه والسوال عن اشتراط اسلام الذابح وعدمه غايه الامر قد صيغ ذلك بفرض السوال عن ذبيحه النصرانى واليهودى، فيكون الاقتصار على شرطيه التسميه، بل حصر المطلب فيها دالا على نفى غيرها. وان شئت قلت: ان السوال والجواب فى هذه الروايات محمول ايضا على القضيه الحقيقيه لا الخارجيه، وبنحو القضيه الحقيقيه يمكن فرض تعمد مخالفه القبله حتى من اهل الكتاب، فلو كان شرطا كان ينبغى ذكره.

وهكذا يتضح ان مقتضى اطلاق الادله الاوليه كتابا وسنه نفى هذه الشرطيه فيكون هو المرجع عند الشك وعدم ثبوت دليل عليها مطلقا او فى حاله معينه. وينبغى حينئذ على مدعى الشرطيه اقامه الدليل، وقد ذكرنا انهم استدلوا على ذلك بالاجماع وبجمله من الروايات.

اما الاجماع: والذى جعله فى المستند هو العمده ففيه -مضافا الى انه فى مثل هذه المساله التى تتوفر فيها روايات عديده تامر بالاستقبال بالذبيحه لا يكون تعبديا، خصوصا اذا لاحظنا ان عبارات الفقهاء فى كتبهم هى تعبيرات الروايات نفسها- ان اصل حصول الاجماع غير ثابت، وانما الثابت عدم التصريح بالخلاف من قبل احد.

بل نلاحظ ان الشيخ المفيد فى المقنعه((48)) يذكر الاستقبال فى سياق عدم قطع راس الذبيحه قبل البرد ونحو ذلك مما لا يكون شرطا فى التذكيه، بل المشهور عدم حرمته، وانما هو ادب من آداب الذبح، فلعله كان يرى ان هذا ايضا من آدابه، او انه امر تكليفى وليس شرطا فى الحليه. كما ان الشيخ قدس سره لم يذكر الاستقبال اصلا فى مبسوطه ولا فى خلافه، مع انه الفه لبيان ما يخالف فيه مع الجمهور، وانما ذكره فى النهايه بعنوان وينبغى ان يستقبل بذبيحته القبله المشعر بعدم الوجوب، وان كان قد ذيله بعد ذلك بانه (فمن لم يستقبل بها القبله متعمدا لم يجز اكل ذبيحته)((49)).

كما ان عبارات السيد المرتضى قدس سره فى الانتصار((50)) ظاهرها عدم الاجماع فى المساله، لانه استدل على ذلك بالاصل والقاعده.

وايا ما كان فتحصيل اجماع تعبدى على شرطيه الاستقبال فى التذكيه وحليه الذبيحه من مثل هذه التعبيرات مشكل ايضا.واما الروايات الخاصه: فهى العمده والمهم فى الاستدلال على شرطيه الاستقبال، وهى على ثلاث طوائف: طائفه: تامر بالاستقبال بالذبيحه الى القبله مطلقا، كصحيح محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (قال: سالته عن الذبيحه فقال: استقبل بذبيحتك القبله). ومثله صحيحه الاخر: (اذا اردت ان تذبح فاستقبل بذبيحتك القبله)((51)).

وهناك روايتان معتبرتان ايضا دلتا على المضمون نفسه، هما صحيح الحلبى((52)) وموثق معاويه بن عمار((53)). الا انهما واردتان فى الاضحيه والذبح بمنى، فيحتمل فيهما ان يكون ذلك من آداب الاضحيه او شرائطها.