وطائفه اخرى من الروايات: تقيد ذلك بصوره العمد وتنفى
الباس عن اكل ذبيحه لم يستقبل بها القبله اذا لم يكن عن
عمد، كصحيح محمد بن مسلم ايضا (قال: سالت ابا عبد اللّه
عليه السلام عن ذبيحه ذبحت لغير القبله فقال: كل ولا باس
بذلك ما لم يتعمده)((54)). ومثله صحيح الحلبى ومعتبره
على بن جعفر فى كتابه((55)).
وطائفه ثالثه: جمع فيها الامر والنهى معا، وهى صحيح محمد
بن مسلم (قال: سالت ابا جعفر عليه السلام عن رجل ذبح
ذبيحه فجهل ان يوجهها الى القبله قال: كل منها. فقلت له:
فانه لم يوجهها؟ قال: فلا تاكل منها، ولا تاكل من ذبيحه ما لم
يذكر اسم اللّه عليها)((56)).
والمشهور قيدوا اطلاق الطائفه الاولى بالثانيه، وحملوا الروايه
الثالثه على ان المراد بالنهى فيها صوره عدم توجيه الذبيحه
الى القبله عمدا، بينما المراد بالاباحه والامر بالاكل فى صدرها
صوره الجهل، كما هو فرض السائل فيها. فتكون النتيجه
اشتراط الاستقبال فى صوره العلم وامكان الاستقبال، فلو جهل
بالقبله او جهل بالشرطيه او كان لا يمكن ذلك ولو من جهه
خوف موت الذبيحه لم يقدح فى التذكيه، لعدم تحقق العمد
فى تمام هذه الموارد، والمدار على صدقه بمقتضى الجمع بين
الروايات المذكوره.
مناقشه النراقى قدس سره للمشهور:
رد هذه المناقشه:
وثانيا: وجود قرائن فى السنه الروايات تجعلها كالصريح فى
النظر الى حكم الذبيحه لا فعل الذبح، منها ورود السوال عن
الذبيحه حيث قيل فى اكثرها (سالت عن الذبيحه تذبح لغير
القبله) مما يدل على ان النظر الى حكم الذبيحه لا حكم الذبح
تكليفا.
ومنها ورود الامر بالاكل فى جواب الامام فى اكثرها مما يعنى
ان النظر الى حليه الذبيحه لا الحكم التكليفى للاستقبال. وما
ذكره المحقق النراقى قدس سره من احتمال رجوع اسم
الاشاره الى الذبح خلاف الظاهر جدا، لان لازمه ان ذيل جواب
الامام اجنبى عن صدره، وان المراد من الامر بالاكل حليه
الذبيحه، بينما المراد من نفى الباس عن ذلك جواز فعل الذبح
لغير القبله فى نفسه، وهذا ليس عرفيا، اذ العرف يرى ان
الجملتين فى قوله عليه السلام (كل، ولا باس بذلك) لبيان
مطلب واحد وان الثانى تعليل للاول، لا مطلبان مستقلان
احدهما غير الاخر.
وفى صحيح على بن جعفر ورد الامر بالاكل بعد التعبير بنفى
الباس. وفى صحيح محمد بن مسلم الاخر ورد التصريح بالنهى
عن الاكل.
ومنها التعبير بقوله عليه السلام (اذا لم يتعمد) او (ما لم
يتعمد) فانه ايضا يناسب النظر الى حكم الذبيحه لا فعل الذبح،
اذ لو كان النظر الى فعل الذبح لغير القبله وحرمته تكليفا كان
ما فيه باس قد وقع، غايه الامر قد يكون معذورا مع عدم العمد،
فلا يناسب التعبير عنه ب-(لا باس اذا لم يتعمد)، كما يظهر
بملاحظه ادله المحرمات النفسيه التكليفيه. وان شئت قلت:
ان هذا القيد يناسب النظر الى ما يترتب على الفعل من الاثار
والنتائج الوضعيه الاخرى لا حكم الفعل نفسه، الذى فرض
وقوعه كذلك.
وثالثا: لو سلمنا اجمال الروايات الوارده فى الاستقبال مع ذلك
كانت النتيجه حرمه اكل الذبيحه التى لم يستقبل بها القبله،
وذلك لتشكل علم اجمالى اما بحرمه اكلها لكونها غير مذكاه
-بناء على استفاده الشرطيه- او حرمه عمل الذبح الى غير
القبله -بناء على النفسيه- وهذا علم اجمالى منجز يوجب
الاحتياط باجتناب طرفيه، بل تكفى اصاله عدم التذكيه حينئذ
لاثبات الحرمه، بناء على ما هو الصحيح من جريانها لاثبات
الحرمه والمانعيه وان قلنا بعدم جريانها لاثبات النجاسه.
ولا يتوهم محكوميتها للعمومات المتقدمه، اذ المفروض
اجمالها باجمال المخصص لها، وهو الروايات المذكوره، لان
تلك العمومات كما تنفى الوجوب الشرطى للاستقبال حين
الذبح كذلك تنفى -ولو باطلاق مقامى فيها- الوجوب النفسى
التكليفى له، والا لكان ينبغى ذكره، لانه تكليف تعبدى يغفل
عنه العرف، فيكون المقام من موارد اجمال المخصص ودورانه
بين المتباينين، الذى يسرى اجماله الى العام اذا كان متصلا به،
ويوجب تعارض اطلاقيه اذا كان منفصلا. وعلى كلا التقديرين
لا يصح الرجوع الى العام لنفى شرطيه الاستقبال فى حليه
الذبيحه، كما هو مقرر فى سائر موارد المخصص للمجمل الدائر
بين المتباينين.
نعم، لا يتم الاطلاق المقامى فى بعض الايات من قبيل قوله
تعالى: (قل لا اجد فيما اوحى الى)((58)).
وهكذا يتضح ان ما استشكل به المحقق النراقى قدس سره على
المشهور قابل للدفع.
مناقشه المشهور:
واما ما صنعه المشهور فى فهم الروايات -حيث فسروا العمد
فيها بما يقابل السهو وما يقابل الجهل ولو بالحكم ولو عن
تقصير- فهذا خلاف الظاهر ومغاير مع ما مشوا عليه فى سائر
الابواب، اذ العمد معناه القصد، والعمد الى فعل لا يتوقف على
العلم بحكمه، فلو قصد الاكل -مثلا- كان متعمدا سواء علم
بحرمته ام لا، ومن قصد الذبح لغير القبله كان متعمدا سواء علم
بشرطيه الاستقبال ام لا. نعم، الجاهل بالموضوع، اى بعنوان
الفعل لا يكون متعمدا، لان القصد والعمد الى فعل فرع
الالتفات والعلم او الاحتمال له على الاقل، كما ان الماخوذ لو
كان عنوان تعمد مخالفه السنه او المعصيه لم يصدق مع الجهل
بالحكم، لان عنوان المخالفه والمعصيه يكون مجهولا عندئذ،
فيكون من الجهل بالموضوع، الا ان العمد اضيف فى هذه
الروايات الى الذبح لغير القبله نفسه. نعم، ورد فى مرسله
الدعائم عنوان مخالفه السنه على ما سنشير اليه.
وهذا يعنى ان مقتضى الصناعه تقييد الطائفه الاولى بالثانيه
التى ورد فيها ان الباس ثابت فى صوره العمد، ويراد به صوره
القصد الى الفعل وهو الذبح لغير القبله، سواء علم بحكمه ام لا.
الا ان هذا على خلاف ما هو المسلم من حليه ذبائح المسلمين
من سائر المذاهب مع صدق العمد الى الفعل فى حقهم، بل
وعلى خلاف صحيحه محمدبن مسلم الاخيره فانها صريحه
بصدرها فى جواز الاكل مع الجهل بالحكم، لان السوال فيها
عن حكم الجاهل بالحكم لا بالموضوع، حيث ذكر (فجهل ان
يوجهها الى القبله)، ولم يقل (وجهل القبله).
وما صنعه المشهور فى تفسيرها من حمل صدرها على صوره
عدم العمد وذيلها على صوره العمد واضح البطلان، اذ مضافا
الى ما تقدم من ان الجهل بالحكم لا يرفع العمد، صريح الروايه
ان الفقرتين فيهما تسال عن فرضيه واحده لا فرضيتين.
وعليه، فلو حملنا ذيلها على النهى عن الاكل لا الاخبار كان
المتعين حمله على الكراهه والتنزه، لان الامر بالاكل فى
صدرها صريح فى الحليه، بينما النهى ظاهر فى الحرمه،
فيحمل على التنزه لا محاله، فيكون مفاد الصحيحه الكراهه
وعدم الحرمه، وعندئذ لا بد اما من تقييد روايات الطائفه
الاولى والثانيه بصوره العلم بالحكم، او حمل الامر فيها على
الاستحباب.
ونحن لو لم نقل بتعين النحو الثانى للجمع اما لاستحاله
التقييد بذلك، لانه يلزم اخذ العلم بالحكم فى موضوعه، او
لاستبعاده فى نفسه وعدم عرفيته، او لانه يوجب الغاء عنوان
العمد واراده العلم منه، وهو ليس من التقييد بل مخالفه
لظهور وضعى فلا اقل من تساوى الاحتمالين من حيث الموونه
العرفيه، بحيث لا مرجح لاحدهما على الاخر فيكون مجملا.
هذا، ويمكن ان يقال: ان عنوان تعمد الذبح لغير القبله يساوق
عرفا التعمد لحيثيه الذبح لغير القبله، وذلك بان يكون الذابح
قاصدا مجانبه القبله فى الذبح، نظير ما ورد فى مساله خلود
من قتل مومنا متعمدا فى النار من ان المراد منه من تعمد قتله
بما هو مومن لحيثيه ايمانه.
وان شئت قلت: ان عنوان العمد قد يضاف الى ذات المقيد
بقيد، وقد يضاف الى المقيد بما هو مقيد، اى الى حيثيه التقيد،
وتشخيص ذلك يكون بالقرائن والمناسبات.
وفى المقام الظاهر هو الثانى، فليس المقصود اضافه العمد الى
ذات الذبح لغير القبله، بل المقصود من يتعمد مجانبه القبله
فى الذبح بان يتقصد ان لا يذبح اليها، بل يذبح الى غيرها، وهذا
لا يكون الا ممن فى قلبه مرض كالكفار والمنافقين، اى من
ليس بمسلم لبا وواقعا، كالكفار الذين يتعمدون الاهلال
بذبائحهم لغير اللّه من الاصنام ونحوها، والا فهو لا يصدر عن
المسلم الواقعى.
فخروج ذبائح المسلمين من ابناء المذاهب الاخرى عن عنوان
العمد فى الروايات ليس بملاك ان جهلهم بشرطيه الاستقبال
يجعلهم غير عامدين للذبح الى غير القبله، ليقال بان الجهل
بالحكم لا يرفع عنوان العمد الى الموضوع، بل لعدم قصدهم
مجانبه القبله، اى عدم عمدهم لحيثيه القيد، فان هذا لا يكون
عاده الا فيمن لا يعتقد باصل القبله، لا المسلم فانه اذا ذبح
لغير القبله فلغرض له فى ذات المقيد لا حيثيه القيد، فلا
يصدق عليه العمد بالمعنى المذكور.
وهذا يعنى ان هذه الروايات ليست بحسب الحقيقيه داله على
شرطيه الاستقبال، بل على الا يكون الذابح متعمدا مجانبه
القبله فى ذبحه، والذى قد يكشف عن عدم صحه اعتقاده
وعدم اسلامه.
وبهذا لا يكون مفاد هذه الروايات شرطا زائدا على اشتراط
اسلام الذابح وحسن اعتقاده.
وقد يويده ما نجده فى ذيل صحيح محمد بن مسلم الاخير،
حيث عطف على النهى عن اكل ذلك بقوله عليه السلام: (ولا
تاكل من ذبيحه ما لم يذكر اسم اللّه عليها) فان بيان هذه
الكبرى الكليه عقيب ذلك مع انه لم يرد سوال عنه لعله لبيان
نكته ذلك النهى، وان من يتعمد ان لا يوجه الذبيحه الى القبله
بالمعنى المتقدم حيث يشك فى اعتقاده واسلامه يشك فى
تسميته واهلاله بالذبيحه للّه ايضا.
ومما يمكن ان يستدل او يستانس به على الاقل لما ذكرناه عدم
ورود هذا الشرط فى شىء من عمومات الكتاب والسنه، حتى
المتعرضه لتفاصيل الذبح وآدابه، كقوله عليه السلام: (ولا
ينخع ولا يكسر الرقبه حتى تبرد الذبيحه)((59)) فلو كان
الاستقبال شرطا ايضا فلماذا لم يذكر؟! وهذه وان كانت
عمومات قابله للتقييد فى نفسها، الا ان خلو مجموعها عن ذكر
هذا الشرط -خصوصا ما يتعرض فيها لذكر الشروط والاداب
المستحبه او غير الموجبه لحرمه الذبيحه- قد يشكل دلاله
قويه على نفى الشرطيه بحيث تجعلها كالمعارض مع الروايات
الداله على الشرطيه.
وان شئت قلت: ان التقييد فى مثل المقام قد يكون اكثر موونه
من حمل الروايات الامره بالاستقبال على الاستحباب، وانه
سنه وادب اسلامى فى مقام الذبح والاهلال بالذبيحه للّه عز
وجل -كما صرحت بذلك روايه الدعائم (عن ابى جعفر وابى
عبد اللّه عليهما السلام: انهما قالا فيمن ذبح لغير القبله ان كان
اخطا او نسى او جهل فلا شىء عليه وتوكل ذبيحته، وان تعمد
ذلك فقد اساء ولا يجب «ولا نحب» ان توكل ذبيحته تلك اذا
تعمد خلاف السنه)((60)). وظاهرها عدم الوجوب كما لا
يخفى، كما انها اضافت التعمد الى مخالفه السنه، وهو الحكم
الشرعى، لا مجرد الفعل الخارجى.
هذا كله مضافا الى استبعاد مثل هذه الشرطيه اللزوميه فى
نفسها بان يكون الاستقبال شرطا فى التذكيه ولكن ترتفع
شرطيته بالجهل ولو بالحكم ولو عن تقصير، بحيث تكون
شرطيته خاصه بالشيعى العالم بالحكم، فان هذا يناسب
الاحكام التكليفيه لا الوضعيه كالطهاره والتذكيه ونحو ذلك.
وهذه المناسبه قد تشكل قرينه لبيه ايضا لصرف مفاد الروايات
الى التكليف النفسى فى مقام الذبح او الى ما ذكرناه من
الكاشفيه عن حسن اسلام الذابح واهلاله بالذبيحه للّه حقيقه
وجدا.
ثم ان عباره الشيخ قدس سره فى الخلاف((61)) فى مساله
الاستقبال قد تدل على عدم اجماع فى المساله، والا كان يصرح
به ويستدل به، فقد ذكر فى المساله(11) من كتاب الاضحيه
(لا يجوز اكل ذبيحه تذبح لغير القبله مع العمد والامكان، وقال
جميع الفقهاء: ان ذلك مستحب، وروى عن ابن عمر انه قال:
اكره ذبيحه تذبح لغير القبله. دليلنا: ان ما اعتبرناه مجمع على
جواز التذكيه به، وليس على ما قالوه دليل، وايضا روى جابر
قال: ضحى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بكبشين
اقرنين فلما وجههما قرا وجهت وجهى، الايتين).
ومما قد يدل على ذلك ايضا انه لم يذكره فى كتاب الصيد
والذباحه وشرائطهما، بل ذكره فى كتاب الضحايا
ومستحباتها.كما ان عبارات السيد المرتضى قدس سره فى
الانتصار((62)) قد توحى بعدم وجود اجماع واضح فى المساله،
حيث انه استدل على ذلك بالاصل العملى، فراجع كلماته.
واما كلام المفيد قدس سره فى المقنعه((63)) فقد ذكر فيه
الاستقبال فى سياق غيره من الشروط المستحبه او الواجبه
نفسيا اى غير الموجبه لحرمه الذبيحه، كعدم قطع راس
الذبيحه وعدم سلخها حتى تبرد، فراجع وتامل.
هذا كله فى اصل شرطيه الاستقبال كبرويا.
ثانيا، البحث الصغروى:
ولكن الظاهر ان الباء فى مثل هذه الموارد وان افادت التعديه،
الا ان ذلك ليس بمعنى سلخ الفاعل عن اسناد الفعل اليه، بل
هو مع بقاء الفعل مسندا الى فاعله، فقولنا: (ذهبت بزيد) معناه
اننى ذهبت واذهبت معى زيدا، وكذلك معنى (استقبل
بذبيحتك القبله) ان تستقبل انت القبله وتجعل ذبيحتك
كذلك معك، فيكون ظاهر هذا اللسان اشتراط استقبال الذابح
ايضا حين الذبح وعدم كفايه استقبال الذبيحه وحدها.
الا ان هذا الظهور يمكن رفع اليد عنه بما ورد فى سائر الروايات
من التعبير بقوله (لم يوجهها)((67)) او التعبير بقوله: (تذبح
لغير القبله)((68)) مما ظاهره ان ما هو شرط ان تكون الذبيحه
الى جهه القبله، وظاهر هذا العنوان كفايه ان يكون مذبحها
حين الذبح مواجها للقبله، فانه ذبح لجهه القبله، فلا يشترط ان
تكون جميع مقاديمها الى القبله، فضلا عن ان تكون مضطجعه
على يمينها او شمالها، فان كل هذا منفى بالاطلاق.
لا يقال: ظاهر الامر بالاستقبال بالذبيحه الى القبله وكذلك
توجيه الذبيحه اليها حين الذبح ان تكون مقاديم الذبيحه
اليها.فانه يقال: بل ظاهره توجيه الذبيحه والاستقبال بها بما
هى ذبيحه، اى بلحاظ حيثيه ذبحها، والا فوجه الذبيحه لا
يمكن ان يكون الى القبله حال الذبح فتكون المواجهه
والاستقبال بلحاظ محل الذبح، وهو مذبحها، لا الامور الاخرى.
ثم لو فرض لزوم توجيه مقاديمها الى القبله حين الذبح، فلا
ينبغى الاشكال فى عدم اشتراط ان يكون ذلك فى حال
الاضطجاع.
بل لو كان يذبح بشكل عمودى الى القبله، كما فى ذبح
الدجاجه بالماكنه حيث تعلق من رجليها ايضا كان الاستقبال
محفوظا، فلا ينبغى الاشكال من هذه الناحيه.
وبالامكان فى الذبح بالماكنه التخلص عن مشكله الاستقبال
بجعل من لا يرى وجوب الاستقبال عليها من سائر المذاهب
الاسلاميه، فتكون الذبيحه محلله، لما تقدم من عدم الشك فى
حليه ذبيحتهم لنا، وقد استفدناه من صحيح ابن مسلم،
واستفاده المشهور ايضا من روايات عدم التعمد، فمن ناحيه
الاستقبال لا مشكله فى الذبح بالمكائن.
الامر الرابع كون آله الذبح حديدا
وذكر الشيخ قدس سره فى الخلاف (كتاب الصيد والذباحه): لا
تحل التذكيه بالسن ولا بالظفر، سواء كان متصلا او منفصلا بلا
خلاف، وان خالف وذبح به لم يحل اكله، وبه قال الشافعى،
وقال ابو حنيفه: ان كان الظفر والسن متصلين كما قلناه، وان
كانا منفصلين حل اكله. دليلنا: اجماع الفرقه واخبارهم
وطريقه الاحتياط، وروى رافع بن خديج ان النبى صلى اللّه
عليه وآله وسلم قال: (ما انهر الدم وذكر اسم اللّه عليه فكلوا الا
ما كان من سن او ظفر وساحدثكم عن ذلك: اما السن فعظم
من الانسان واما الظفر فمدى الحبشيه). ولم يفصل بين ان
يكون متصلا او منفصلا)((70)).
وذكر فى المبسوط (كل محدد يتاتى الذبح به ينظر فيه، فان
كان من حديد او صفر او خشب او ليطه -وهو القصب- او مروه
وهى الحجاره الحاده حلت الذكاه بكل هذا، الا ما كان من سن
او ظفر، فانه لا يحل الذكاه بواحد منهما، فان خالف وفعل به لم
يحل اكلهما، سواء كان متصلا او منفصلا. وقال بعضهم فى السن
والظفر المنفصلين ان خالف وفعل حل اكله وان كان متصلا لم
يحل، والاول مذهبنا، غير انه لا يجوز عندنا ان يعدل عن
الحديد الى غيره مع القدره عليه)((71)).
وقال القاضى فى مهذبه: (والذباحه لا يجوز الا بالحديد فمن
خاف من موت الذبيحه ولم يقدر على الحديد جاز ان يذبح
بشىء له حده مثل الزجاجه والحجر الحاد او القصب، والحديد
افضل واولى من جميع ذلك)((72)).
وفى الغنيه: (مع التمكن من ذلك بالحديد او ما يقوم مقامه فى
القطع عند فقده من زجاج او حجر او قصب)((73)).
وفى الوسيله: (والذبح يجب ان يكون حاله الاختيار بالحديده
ويجوز حاله الضروره بما يفرى الاوداج من الليطه والمروه
والخشبه)
((74)).
وفى الشرائع: (واما الاله فلا يصح التذكيه الا بالحديد، ولو لم
يوجد وخيف فوت الذبيحه جاز بما يفرى اعضاء الذبح ولو كان
ليطه او خشبه او مروه حاده او زجاجه)((75)).
وفى المختصر النافع: (ولا تصح الا بالحديد مع القدره، ويجوز
بغيره مما يفرى الاوداج عند الضروره ولو مروه او ليطه او
زجاجه، وفى الظفر والسن مع الضروره تردد)((76)).
وفى الجامع للشرائع: (ويحل الذكاه بكل محدد من حديد او
صفر او خشب او مرو او زجاج مع تعذر الحديد، ويكره بالسن
والظفر.)((77)).
وفى القواعد: (ولا يصح التذكيه الا بالحديد، فان تعذر وخيف
فوت الذبيحه جاز بكل ما يفرى الاعضاء كالزجاجه والليطه
والخشبه والمروه الحاده)((78)).
وفى اللمعه: (ان يكون بالحديد، فان خيف فوت الذبيحه وتعذر
الحديد جاز بما يفرى الاعضاء من ليطه او مروه حاده او زجاجه،
وفى السن والظفر للضروره قول بالجواز)((79)).
وفى الجواهر: (واما الاله فلا تصح التذكيه ذبحا او نحرا الا
بالحديد مع القدره عليه، وان كان من المعادن المنطبعه
كالنحاس والصفر والرصاص والذهب وغيرها، بلا خلاف فيه
بيننا كما فى الرياض، بل فى المسالك (عندنا) مشعرا بدعوى
الاجماع عليه كما عن غيره، بل فى كشف اللثام اتفاقا كما
يظهر)((80)).
وقد جرى على الفتوى ذاتها الاعلام المتاخرون فى رسائلهم
العمليه.
واستدلوا عليه بانه مقتضى الاصل وبالاجماع وبالروايات
الخاصه، كصحيح محمد بن مسلم (سالت ابا جعفر عليه السلام
عن الذبيحه بالليطه والمروه فقال: لا ذكاه الا بحديده)((81)).
وصحيح الحلبى عن ابى عبد اللّه عليه السلام (سالته عن
ذبيحه العود والحجر والقصبه فقال: قال على عليه السلام: لا
يصلح الا بالحديده)((82)).
ومعتبره الحضرمى عن ابى عبد اللّه عليه السلام انه قال: (لا
يوكل ما لم يذبح بحديده)((83)).
ومعتبره سماعه قال: (سالته عن الذكاه فقال: لا تذك الا
بحديده، نهى عن ذلك امير المومنين عليه السلام)((84)).
ويخرج عن اطلاق هذه الروايات خصوص صوره الضروره، لما
دل على حصول التذكيه بغير الحديد فيها، وهى روايات عديده
ومعتبره.
اما الاصل: فان اريد به اصاله عدم التذكيه فهو صحيح فى
نفسه، ولكنه محكوم للمطلقات فى بعض الروايات المتقدمه
وروايات قادمه سنشير اليها.
واما الاجماع: فالمنقول منه ليس بحجه، والمحصل منه غير
حاصل، فانه لا يظهر من كلمات القدماء وجود اجماع فى
المساله، بل لا نجد ذكر هذه الخصوصيه حتى فى مثل كتاب
الانتصار بعنوان ما انفرد به الاماميه، واما الفتاوى التى ذكرناها
ونقلناها عن الكتب فهى متطابقه مع تعابير الروايات مما يوجب
الاطمئنان بان الافتاء بها باعتبار ورودها فى الروايات لا على
اساس اجماع تعبدى فى المساله، ومن هنا يحتمل فى اكثرها
خصوصا كلمات القدماء منها ما سياتى فى معنى الروايات.
واما الروايات الخاصه التى استدل بها على شرطيه الحديد، فلا
دلاله لها على ذلك، وذلك:
اما اولا: فلان الوارد فى لسانها عنوان الحديده، والحديده هى
القطعه من الفلز الصعب الذى غالبا يكون من جنس الحديد،
والذى يحدد ويعد للقطع والذبح، فيكون المراد من الحديده
السكين والمديه والسيف والشفره ونحوها، ويكون الملحوظ
فيها كونها قطعه حاده معده لذلك، لا جنسها وكونها من فلز
الحديد فى قبال سائر الفلزات المنطبعه كالنحاس والصفر،
فيكون قوله عليه السلام: (لا ذكاه الا بحديده) بمعنى لا ذكاه
الا بالسكين والسيف ونحوهما فى قبال الذبح بالليطه والحجر
والعود والقصبه مما ليس معدا لذلك.
وليس المراد اشتراط كون آله الذبح من جنس الحديد لا من
جنس آخر، فلو كان الحديد على شكل عصا او هراوه ايضا لا
يصلح الذكاه به لانها ليست بحديده بالمعنى المتقدم.
ومما يشهد على اراده هذا المعنى ما نجده فى هذه الروايات
وغيرها من جعل المقابله بين الحديده وبين العود والحجر
والقصبه والليطه، مع انه لو كان النظر الى خصوصيه الجنس
كان اللازم ان يجعل المقابله بين الحديد وبين النحاس والصفر
والذهب ونحوها من الاجناس الاخرى، فى حين انه لم يرد
ذلك فى شىء من الروايات ولا اسئله الرواه.
وايضا قد ورد فى روايات اخرى التعبير بدلا عن الحديده
بالسكين، ففى صحيح عبد الرحمان بن الحجاج قال: (سالت ابا
ابراهيم عليه السلام عن المروه والقصبه والعود يذبح بهن
الانسان اذا لم يجد سكينا، فقال: .) الخ((85)).
ومعتبره زيد الشحام، قال: (سالت ابا عبد اللّه عليه السلام عن
رجل لم يكن بحضرته سكين ايذبح بقصبه؟ فقال: اذبح بالحجر
وبالعظم وبالقصبه والعود اذا لم تصب الحديده)((86)).
مع وضوح ان السوال واحد فى جميع هذه الروايات، فالمراد
بالحديده السكين ونحوه مما هو معد للقطع والذبح والقتل فى
قبال ما لم يعد لذلك كالحجر والعصا والقصبه مما قد يمكن
الذبح بها مع العنايه والمشقه للمذبوح.
لا يقال: لا مانع من اخذ كلتا الخصوصيتين شرطا فى آله الذبح،
اى كونها من جنس الحديد وان تكون محدده معده للقطع
والذبح كالسكين ونحوه، فيراد بالحديده ما يكون سكينا من
جنس الحديد.
فانه يقال: بين المعنيين تباين فى المفهوم، فلا يصح اخذهما
معا فى ماده الحديد، اذ الحديد بمعنى الفلز المعروف غير
الحديد بمعنى الحاد القاطع، كما ان بينهما عموم من وجه فى
الصدق، فالحديده اما ان يراد بها القطعه الحاده المعده للقطع
والذبح كالسكين والمديه وان كان من غير جنس الحديد، واما
ان يراد بها القطعه من الفلز المخصوص وان لم تكن حاده
وقاطعه للحم.
اما الجمع بينهما فهو اشبه باستعمال الماده المشتق منها
الكلمه فى كلا المعنيين، وحيث ان الحيثيه الثانيه اعنى
المحدديه والقاطعيه ملحوظه هنا جزما -بل هو المعنى
الاصلى للماده- فيتعين اراده المعنى الثانى، بل قد عرفت
تعين اراده ذلك ايضا بالقرائن الداخليه والخارجيه فى لسان
الروايات، فيتمسك باطلاقه من حيث كونه من جنس الحديد
ام لا، فيكون مفاد الروايات اشتراط كون الذبح بالاله المحدده
المعده للذبح والقطع بحدها، فيكون الذبح بها بسهوله ويسر
واراحه للمذبوح وان لم يكن من جنس الفلز المخصوص، فى
قبال ما لا يكون كذلك وان كان من جنس ذاك الفلز كالحجر
والقصب والعصا.
ومما يشهد على ما ذكرناه مراجعه روايات الجمهور المنقوله
عن النبى صلى اللّه عليه وآله وسلم وفتاواهم((87))، فانه لم
يرد فيها التعبير بالحديد، بل الذبح بالمديه والسكين فى قبال
الذبح بالعصا والقصب والليطه مما يكون ظهوره فيما ذكرناه
اوضح، كما ان عنوان الحديد الوارد فى كلمات فقهائهم ارادوا
به ما يكون محددا يقطع ويخرق لا الفلز المخصوص، حيث
ذكروا انه يشترط فى آله الذبح شرطان: ان تكون محدده تقطع
او تخرق بحدها لا بثقلها، وان لا تكون سنا ولا ظفرا.
ولا شك ان رواياتنا الصادره عن الائمه المعصومين عليهم
السلام، وكذلك كلمات فقهائنا القدامى لا بد وان نفهمها فى
ضوء الجو الفقهى السائد عند الجمهور والوارد فى رواياتهم لا
مفصوله عن ذلك، وهذه نكته مهمه لا بد من مراعاتها فى فهم
الاخبار وكلمات الفقهاء.
ومما يمكن ان يويد هذا الفهم ايضا، ما ورد فى رواياتنا
ورواياتهم من التاكيد على لزوم تحديد الشفره -وهى السكين
الحاد- واراحه الذبيحه وعدم تعذيبها فى مقام الذبح وعدم
نخعها او سلخها ونحو ذلك مما يويد ان المقصود من الامر
بالذكاه بالحديده المعنى الثانى لها لا الاول.
ثم ان روايه ابى بكر الحضرمى وارده فى الكافى والتهذيب بلفظ
(ما لم يذبح بحديده)((88)) ولكن الشيخ قدس سره نقلها فى
الاستبصار بلفظ (ما لم يذبح بالحديد)((89))، الا ان المراد به
نفس المعنى، على ان المطمان به صحه نسخه الكافى
والتهذيب. وكذلك روايه الشحام وارده فى الكافى بتعبير (اذا
لم تصب الحديده)((90)).، وفى التهذيب والاستبصار بتعبير:
(اذا لم تصب الحديد)((91)) وهو ايضا بنفس المعنى، خصوصا
مع وقوع السوال فيها عمن ليس بحضرته سكين، بل قد عرفت
ان المعنى الاصلى للحديد القطعه الحاده القاطعه، لا المعدن
المخصوص، ولعله انما سمى بذلك لكونه حادا وصلبا.
ايضاح:
وعلى الاول يدل قوله عليه السلام: (لا ذكاه الا بحديده) على
ان آله الذبح لا بد وان تكون سلاحا اى آله محدده معده للذبح
بحدها، ولا يكفى مطلق ما يمكن ان يقطع الحلقوم او تفرى به
الاوداج.
وعلى الثانى يدل على ان آله الذبح لا بد وان تكون قطعه من
الحديد اى من المعدن الخاص، فلا يصح الذبح بغير ذلك من
الاجناس، ولا يمكن الجمع بين المعنيين كما هو ظاهر كلمات
الاصحاب، الا اذا قلنا: بان الحديده صارت خاصه بالاله
المحدده المعده للقطع والفرى من جنس الحديد بالخصوص.
وهذه الدعوى -مضافا الى انه لا شاهد عليها- خلاف كلمات
جمله من اللغويين، حيث ذكروا للحديده معنيين، احدهما
القطعه من معدن الحديد، والاخر مونث حديد بمعنى الحاد، بل
من يراجع الاستعمالات يجد انه كان يطلق كثيرا على سيف
الرجل ومديته ونحوهما انه حديدته بلحاظ كونه سلاحا ومحددا
معدا للقتل والقطع، من دون فرق بين كونه من جنس معدن
الحديد بالخصوص او من جنس آخر او مجموع جنسين.
فلا بد من اراده احد المعنيين فى استعمال كلمه الحديده لا
كليهما ولا مجمعهما، اذ الاول من الاستعمال فى معنيين
والثانى ليس معنى اللفظ. وعندئذ يقال: يتعين اراده المعنى
الاول لا الثانى، لانه مضافا الى انه المعنى الاصلى للكلمه،
صراحه نظر الروايات الى حيثيه المحدديه، بقرينه المقابله -فى
الاسئله والاجوبه معا- بين الحديده وبين العصا والعود والحجر
مما ليس بحسب طبعه محددا ولا معدا للقطع والفرى وان
كان يمكن القطع بها ايضا مع العنايه والمشقه، وبقرينه ذكر
ذلك مقابل السكين والمديه -كما فى روايات الجمهور-
وبالقرائن الاخرى التى ذكرناها، بل قد عرفت ان الاصحاب ايضا
فهموا دلاله هذه الروايات، بل نظروا الى حيثيه المحدديه ولم
يستشكلوا فى ذلك، وانما حاولوا استفاده مجمع الحيثيتين،
والذى عرفت انه اما ممتنع او خلاف الظاهر.
لا يقال: يمكن استفاده اشتراط المحدديه من فرض الذبح فى
الروايات، والذى لا يكون عاده الا بالشىء المحدد الذى يفرى
الاوداج، والا لم يكن يذبح به بل يقطع، واما اشتراط معدن
الحديد وجنسه فيستفاد من قوله عليه السلام: (لا ذكاه الا
بحديده) باراده المعنى الجامد منها، فلا يلزم استعمال اللفظ
فى معنيين وتكون النتيجه ما ذهب اليه المشهور من الجمع
بين الحيثيتين.
فانه يقال: ليس مفهوم الذبح الا قطع الحلقوم والاوداج، كما
تشهد به معتبره الشحام، فلا يمكن ان يستفاد من مجرد ذكر
الذبح اشتراط المحدديه، على ان الوارد فى الروايات لا ذكاه الا
بحديده، ولم يرد لا ذبح الا بحديده لكى يتوهم استفاده
المحدديه من الذبح، على انه من المقطوع به الواضح جدا ان
الحديده فى الروايات قد لوحظ فيها جنبه المحدديه جزما ولو
بقرينه المقابله مع العصا والقصبه والعود التى لا تكون كذلك
عاده، بل لو كان المراد المعنى الجامد لجىء بالمذكر اى قيل:
الا بحديد، لا الحديده، اذ لا دخاله لكون الحديد قطعه عندئذ
فى التذكيه جزما، بخلاف الحديده بالمعنى المشتق فانها تشبه
اسم الاله، فحمل عنوان الحديده فى الروايات على اراده
القطعه من الحديد -اعنى المعدن المخصوص- غير ممكن.لا
يقال: اذا كان المقصود اشتراط المحدديه فى آله الذبح واراده
ذلك من عنوان الحديده، فلماذا وقع النهى عن الذبح بالعصا
والعود والحجر مطلقا، بل كان اللازم ان يقال: اذبح بها اذا كانت
محدده.
فانه يقال: ليست الحديده بمعنى كل محدد، بل خصوص
السلاح المحدد، اى ما يصنع من الفلزات الصعبه عاده على
شكل سيف او خنجر او سكين ليستعمل فى القطع والقتل
والفرى بحدته، فاذا كانت الروايات تدل على الخصوصيه،
فالخصوصيه فى الحديده بهذا المعنى، والتى تكون مقابل العصا
والعود والقصبه وان كانت محدده.
فلا ينبغى الاشكال فى ان روايات الحديده تدل على اشتراط
الحديد بهذا المعنى لا بالمعنى الجامد، فيمكن التمسك
باطلاقها لما اذا كانت الحديده مصنوعه من معدن آخر غير
الحديد او من مجموع معدنين او اكثر، ويكفى الشك واحتمال
اراده هذا المعنى للاجمال والرجوع الى المطلقات.
واما ثانيا: ان مقتضى الصناعه حمل الروايات الناهيه على صوره
عدم خروج الدم او عدم فرى الاوداج الذى لا اشكال فى عدم
التذكيه فيه. وتوضيح ذلك: ان الروايات على طوائف اربع:
الطائفه الاولى: ما دل على النهى عن الذبح بغير الحديده
مطلقا، اى من غير تقييد بصوره الاختيار والاضطرار الى الذبح،
وهى الروايات التى ذكرناها.
الطائفه الثانيه: ما دل على الجواز مطلقا، وهى معتبره
الحسينبن علوان عن جعفربن محمد عليه السلام عن ابيه
عليه السلام عن على عليه السلام انه كان يقول: (لا باس
بذبيحه المروه والعود واشباههما ما خلا السن والعظم)((92)).
الطائفه الثالثه: ما دل على التفصيل بين صوره عدم وجدان
الحديده فيجوز الذبح بغيرها وصوره وجدانها فلا، من قبيل
صحيح ابن سنان عن ابى عبد اللّه عليه السلام قال: (لا باس ان
تاكل ما ذبح بحجر اذا لم تجد حديده)((93))، ومعتبره زيد
الشحام قال: (سالت ابا عبد اللّه عليه السلام عن رجل لم يكن
بحضرته سكين ايذبح بقصبه؟ فقال: اذبح بالحجر وبالعظم
وبالقصبه والعود اذا لم تصب الحديده.) الخ((94))، وصحيح
ابن الحجاج قال: (سالت ابا ابراهيم عليه السلام عن المروه
والقصبه والعود يذبح بهن الانسان اذا لم يجد سكينا فقال: اذا
فرى الاوداج فلا باس)((95)).
الطائفه الرابعه: ما دل على تقييد الجواز فى صوره عدم وجدان
السكين بما اذا كان مضطرا الى الذبح، وهى روايه محمد بن
مسلم عن ابى جعفر عليه السلام فى الذبيحه بغير حديده قال:
(اذا اضطررت اليها فان لم تجد حديده فاذبحها بحجر)((96)).
والطائفتان الاولى والثانيه وان كانتا متعارضتين فى نفسيهما،
الا ان الطائفتين الثالثه والرابعه تكونان شاهدى جمع وتفصيل
بينهما، والمشهور قد فصلوا بين صوره خوف موت الذبيحه
وصوره عدمه فاجازوا الذبح بغير الحديده فى الاولى دون
الثانيه. الا انه من الواضح عدم ورود عنوان خوف موت الذبيحه
فى شىء من هذه الروايات، ومن هنا افتى جمله من المحققين
بالتفصيل بين صوره القدره على الذبح بالحديده فلا يجوز
بغيرها وصوره عدم القدره فيجوز. والظاهر استفاده هذا القيد
من الطائفه الرابعه، فانها لكونها اخص من الثالثه تقيد جواز
الذبح فى صوره عدم وجود السكين بالاضطرار الى الذبيحه،
فمن يكون مضطرا الى الذبح ان لم يجد سكينا يذبح بغيره،
وهذا هو المقصود من عدم القدره على السكين، فانه انما
يصدق فيمن لا يجد سكينا مع لزوم اصل الذبح واضطراره اليه،
فيقال: ان مقتضى الصناعه هذا التفصيل. ولعل من عبر من
القدماء بفوت الذبيحه كالشيخ فى النهايه((97)) والمحقق فى
الشرائع((98))
والعلامه فى القواعد
((99)) اراد ذكر مصداق
الاضطرار، ولهذا عطف الشيخ على ذلك فى النهايه قوله: (او
اضطر الى ذباحتها).
ولكن اصل هذا النحو من الجمع بين الروايات محل تامل، اذ
توجد فى روايات الطائفه الثالثه ما يكون ظاهرا فى بيان ملاك
الحكم بالحليه وضابطته، حيث ورد فى معتبره الشحام قوله
عليه السلام: (اذبح بالحجر وبالعظم والقصبه والعود اذا لم
تصب الحديده اذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا باس).
ومن الواضح ان هذا الكلام مشتمل على شرطين مستقلين
(اذبح بالحجر. اذا لم تصب الحديده) و(اذا قطع الحلقوم وخرج
الدم فلا باس)، فلو لم تكن الشرطيه الثانيه موجوده او لم تكن
شرطيه مستقله، كما اذا لم تكن كلمه فلا باس موجوده وكانت
هكذا (اذبح بالحجر. اذا لم تصب الحديده اذا قطع الحلقوم
وخرج الدم) صح الاستظهار المذكور، لان ظاهرها عندئذ
تقييد الحكم بالجواز فى صوره عدم اصابه الحديده بما اذا قطع
الحلقوم وخرج الدم، واما حيث وردت هذه الشرطيه بشكل تام
وبنحو جمله مستقله فظاهرها عندئذ بيان الضابطه الكليه وان
الذبح بالحجر والعود او غيرهما لا خصوصيه فيه، وانما الميزان
ان يتحقق قطع الحلقوم وخروج الدم المتعارف، الامر الثابت
لزومه فى تحقق الذبح شرعا، ولعله عرفا ايضا.
والمعنى نفسه مستظهر من صحيح ابن الحجاج بدرجه اخف،
حيث ان جواب الامام عليه السلام فيه ظاهر فى اعطاء الضابطه
والكبرى الكليه، وهى انه اذا فريت الاوداج فلا باس، فيكون
ظاهر هاتين الروايتين ان الامر يدور مدار فرى الاوداج وخروج
الدم، وفى موارد الذبح بغير الحديده من القصب والحجر والعود
يخشى عدم تحقق ذلك، ويكون التقييد بالاضطرار الى
الذبيحه فى خبر محمد بن مسلم فى الطائفه الرابعه محمولا
على اراده التحذير من الوقوع فى محذور عدم فرى الاوداج
وعدم خروج الدم المتعارف، كما هو فى معرض ذلك اذا لم
تكن آله الذبح حاده كالسكين ونحوه، لا تقييد الحكم بالتذكيه
بذلك.
وقد وقع هذا التعبير ذاته وجاء هذا القيد نفسه فى روايات
ذبيحه الصبى والمراه وانه لا باس بها اذا اضطر الى ذلك او اذا
لم يكن غيرهما او خيف فوت الذبيحه((100)).، مع ان المشهور
لم يفهموا منها التقييد هناك، بل حملوا ذلك على الخشيه من
عدم قدره الصبى او المراه على الذبح الصحيح وتسديده،
فكذلك فى المقام، فان ما جاء فى روايتى الشحام وابن الحجاج
-مضافا الى مناسبه الحكم فى نفسه- يوجب ان يفهم العرف من
التقييد بالاضطرار او عدم وجدان السكين او الحديده هنا
الخشيه من عدم تحقق الذبح الصحيح، الذى يكون بخروج الدم
المتعارف وفرى الاوداج، لا ان ذلك تقييد زائد للذبح الصحيح.
وهذا المعنى ان استظهرناه من هذه الروايات المفصله كانت
دليلا على هذا التفصيل، اى حمل الطائفه الناهيه عن الذبح
بغير الحديده على صوره عدم تحقق فرى الاوداج او خروج الدم
او احتمال ذلك، فانها مطلقه من هذه الناحيه، كما تتقيد
الطائفه الثانيه المجوزه بما اذا حصل ذلك بالذبح بالقصبه
والعود ونحوها.
وان لم نجزم بالاستظهار المذكور فلا اقل من احتماله احتمالا
عرفيا لا يبقى معه ظهور فى الروايات المفصله فيما ذكره
المشهور، اى لا يثبت كون الاضطرار وعدم القدره على
الحديده قيدا فى الذبح الصحيح، فلعله من باب احراز ما هو
القيد الثابت فى الذبح، وهو خروج الدم المتعارف وفرى
الاوداج، فلا يمكن ان نثبت بها حرمه الذبيحه بغير الحديده اذا
خرج الدم المتعارف وفريت الاوداج.
نعم، فى فرض عدم تحقق ذلك تكون الذبيحه محرمه، وهو
ثابت فى نفسه بادله اخرى ايضا، فتبقى الطائفتان الاولى
والثانيه على حالهما من التعارض، وعندئذ يتعين الجمع
بينهما بتقييد الطائفه الثانيه الداله على نفى الباس بذبيحه
المروه والعود واشباههما بصوره خروج الدم وفرى الاوداج
بهما، لان هذا ثابت بادله اخرى وبنفس صحيح ابن الحجاج
ومعتبره الشحام، لانهما تدلان على كل حال على لزوم ذلك
فى حليه الذبيحه وشرطيته فى الذبح الصحيح، وانما الشك
والاجمال فى دلالتهما على قيد زائد على ذلك، وهو كون ذلك
بالحديده لا بغيرها، وبعد هذا التقييد تصبح الطائفه الثانيه
اخص مطلقا من الاولى، فتقيدها بصوره عدم احراز خروج الدم
وفرى الاوداج تطبيقا لمبنى انقلاب النسبه. هذا لو لم نقل بان
الطائفه الثانيه فى نفسها لا اطلاق لها لصوره عدم تحقق فرى
الاوداج وخروج الدم المتعارف، والا كانت اخص بلا حاجه الى
مبنى انقلاب النسبه، كما هو واضح.
والمتلخص من مجموع ما تقدم فى هذا الامر الرابع: ان ما ذهب
اليه المشهور من اشتراط كون الذبح بجنس الحديد لا يمكن
المساعده عليه، وذلك لامرين:
2 - ان اصل التفصيل بين فرض القدره على الحديده وغيره فى
آله الذبح لا يمكن اثباته بهذه الروايات، لان المستفاد منها ليس
باكثر مما هو ثابت بروايات اخرى من اشتراط ان تكون كيفيه
الذبح بفرى الاوداج وخروج الدم المتعارف، وان تقييد الذبح
بغير الحديده فيها بصوره الاضطرار الى الذبيحه او عدم وجدان
السكين للتحرز عن الوقوع فى خلاف ذلك، لان الذبح بمثل
العصا والعود والقصبه واشباهها فى معرض ذلك، نظير نفس
التقييد الوارد فى روايات ذبيحه الصبى والمراه، فراجع وتامل.
ويكفى لثبوت هذا التفصيل اجمال الروايات من هذه الناحيه
ايضا، بل مع سقوط روايه محمد بن مسلم سندا لا يبقى الا ما
دل على التفصيل بين من يكون بحضرته سكين ومن لا يكون
ولو لم يكن مضطرا الى اصل الذبح، ومن الواضح ان مثل هذا
التفصيل لا يكون بحسب مناسبات الحكم والموضوع دخيلا فى
التذكيه، وانما هو لتسهيل الذبح واجادته واتقانه.
ضمان انخفاض قيمه النقد
الفصل الثانى فيما يستفاد من بعض الروايات الخاصه.
الخاتمه فى بعض المسائل والفروع الفقهيه المرتبطه بهذه
المساله.
الفصل الاول:
ومدرك هذا الحكم هو السيره والارتكاز العقلائى الممضى
شرعا، ولم يرد ذلك فى لسان دليل شرعى.
نعم، حاول جمله من الفقهاء الاستدلال عليه بمثل قوله صلى
اللّه عليه وآله وسلم: (على اليد ما اخذت حتى تودى)((101))
بتقريب ان ظاهره اشتغال الذمه بنفس ما اخذ فتكون العين
الماخوذه بنفسها فى الذمه حتى بعد التلف، وهو يقتضى دفعها
بخصوصيتها العينيه الشخصيه عند وجودها، وبخصوصيتها
النوعيه والمثليه عند تلفها، مع وجود المثل وامكان دفعه،
وبماليتها وقيمتها عند عدم المثل، ولازمه ان يكون بقيمه يوم
الاداء عند تعذر المثل او كونه قيميا.
|