بحث‏ حول الامام المهدى (ع)

الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر

تاليف و
تحقيق: الدكتورعبد الجبار شراره

مقدمه المحقق

الاعتقاد بالامام المهدى المنتظر(ع) قضيه اساسيه فى عقيده المسلمين وقد شغلتهم وما تزال منذ بشر خاتم المرسلين(ص) به، واكد ظهوره فى آخر الزمان فى احاديث جمه، وفى موارد ومناسبات لا تحصى كثره بلغت حد التواتر، فصار الاعتقاد به من ضروريات الاسلام. ومع ذلك كله فقد نجم فى القرو الماضيه وفى قرننا الحالى من انكر وشكك فيه اما تاثرا بمناهج ماديه او بسبب عصبيه مذهبيه او لجهل بما اودع فى الصحاح والمسانيد والسنن من مئات الروايات ((1)) عن طريق الفريقين السنه والشيعه، ولقد الف العلماء المتقدمون والمتاخرون عشرات الكتب كما كتبت فصول او دراسات تضمنت ادله معتبره واحتجاجات سليمه وقويه على وجود المهدى وصدق القضيه بما لا ينبغى معه ان يرتاب فيه مسلم صحيح العقيده يومن بما يخبر به الرسول(ص).

ولقد بلغ من رسوخ هذه العقيده فى الامه المسلمه ان استغلها بعض الادعياء، وادعوا المهدويه، ولكن سرعان ما انكشفوا وافتضحوا، كما افتضح ادعياء النبوه، وقد حاول الدكتور احمد امين فى كتابه (المهدويه فى الاسلام) ان يجعل من ادعاء المهدويه سببا للطعن على فكره المهدى واصالتها، ولكن العكس هو الصحيح. فالادعاء يدل على ان المدعين يستغلون حقيقيه موضوعيه، واعتقادا راسخا عند الناس، ثم لو صح ان الادعاء مبطل لاصل القضيه، فلازم ذلك ابطال النبوات لكثره المدعين بها.

والامر المثير للعجب ان يتصدى بعض ادعياء العلم والمعرفه قديما وحديثا للتشكيك والتشويش على الامه المسلمه، لا لشى‏ء الا بسبب قصور فهمهم عن ادراك اسرار هذه العقيده، ومقاصدها الساميه، او بسبب غرض آخر، ومن هولاء فى عصرنا الحديث المستشرقون وتلامذتهم من امثال گولدزيهر، وفلهاوزن، وفان فلوتن، ومكدونالد، وبرنارد لويس، ومونتغمرى وات، وماسنيون وغيرهم ممن تبعهم من تلامذتهم من ابناء الاسلام، وسار على منهجهم فى اثاره الشبهات والتشكيك بعقائد الاسلام ومقولاته وفى القرآن الكريم والسنه المطهره، ثم سلك هذا المسلك الوهابيه ومن سار فى ركابهم من ابناء الشيعه والسنه فى التشكيك بعقيده المهدى المنتظر، وليس لدى جميع هولاء ما يدعم انكارهم من الادله والمستمسكات الموثوقه، بل الدليل قائم على خلاف مذاهبهم والبرهان ساطع وقاطع على صحه العقيده فى المهدى، لثبوت التواتر كما حكاه غير واحد، ومنهم البرزنجى فى الاشاعه لاشراط الساعه، والشوكانى فى التوضيح كما سياتى.

والغريب ان هولاء يتوسلون بنفس الذرائع، ويتعللون بنفس التعللات التى توسل بها منكرو ما جاء من انباء الغيب التى احتواها القرآن الكريم، او التى نطق بها الرسول الكريم نبينا محمد(ص) كانكارهم الاسراء والمعراج((2)).

ان قراءه متانيه لما اثاره المشككون من اشكالات، وما يطرحونه هذه الايام من تشويشات، كما فى مزاعم وادعاءات السائح، والقصيمى، وغيرهم من المشوشين -وهى لا تختلف عما طرحه الخصوم من قبلهم الذين هم عن العلم بعيدون، وبمعرفه علم الحديث روايه ودرايه ابعد ما يكونون، وبحقائق التاريخ ووثائقه على اتم الجهل او العناد، ان هذه القراءه ستوقفنا على سذاجه تفكيرهم وسقم واختلال مناهجهم فى التعامل مع هذه القضيه الخطيره.((3)) ومن هنا كان تصدى الامام الشهيد الصدر(رضى‏اللّه) لها بالبحث والدراسه وفق منهج علمى جديد، يعتمد النقل الصحيح، والدليل العقلى السليم، ومناقشه القضيه مناقشه هادئه رصينه متعرضا لكل الاشكالات المثاره فى المقام.

والواقع اننا ازاء ما اثاره الخصوم قديما وحديثا لم نجد -فى حدود تتبعنا القاصر من درسها وناقشها بمثل هذا المنهج والاسلوب الذى اتبعه الامام الشهيد الصدر(رضى‏اللّه)، كما سيتضح للقارى العزيز.

ولعل من المناسب فى هذه المقدمه ان نتعرف على جمله حقائق او ملاحظات يمكن ان تشكل مدخلا مناسبا لبحث السيد الشهيد(رضى‏اللّه) الذى وفقنا والحمد للّه الى تحقيقه تحقيقا علميا حديثا.

ويتضمن المدخل الالمام بالامور الاتيه:

اولا : منهج المشككين قديما وحديثا.

ثانيا : منهج المثبتين:

1 - المنهج الروائى.

2 - المنهج العقلى (منهج الشهيد الصدر(رضى‏اللّه)).

اولا : منهج المشككين

ينطلق المنكرون للامام المهدى المنتظر(ع) من دوافع ومنطلقات لا تنسجم مع منهج الاسلام العام فى طرح العقائد والدعوه الى الايمان بها. فمنهج الاسلام الذى يعتمد على العقل والمنطق والفطره، يقوم فى جانب مهم منه على ضروره الايمان بالغيب. وتتكرر الدعوه فى القرآن الكريم الى ذلك، اذ هناك عشرات الايات ((4))التى تتحدث عن الغيب والدعوه الى الايمان به، والمدحه عليه كما فى قوله تعالى: (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين × الذين يومنون بالغيب) البقره:2 - 3، وفى الحديث النبوى الشريف ((5))كذلك، اذ هناك مئات الروايات وبصور متنوعه وعديده وكلها توكد الايمان بالغيب وعلى انه جزء لا يتجزا من العقيده، وان هذا الغيب سواء تعقله الانسان وادرك جوانبه او لم يستطع ادراك شى‏ء منه وخفيت عليه اسراره، فانه مامور بالايمان، غير معذور بالانكار، بلحاظ ان مثل هذا الايمان هو من لوازم الاعتقاد باللّه تعالى، وبصدق سفرائه وانبيائه الذين ينبئون ويخبرون بما يوحى اليهم، كما هو الامر فى الايمان بالملائكه وبالجن وبعذاب القبر وبسوال الملكين (منكر ونكير) وبالبرزخ ((6)) وبغير ذلك من المغيبات التى جاء بها القرآن الكريم او نطق بها الرسول الامين ونقلها الينا الثقات الموتمنون. واذن فكل تشكيك بشانها -اى قضيه المهدى انما يتعلق باصل التصديق بالغيب، والكلام فيه يرجع الى هذا الاصل.

ومن هنا حاول المنكرون لعقيده المهدى(ع) ان يهربوا، ويناوا بانفسهم عن طائله ذلك الاعتقاد، فلجاوا الى التشكيك بالاخبار الوارده بشانه او تضعيف اسانيدها كما فعل ابن خلدون فى تاريخه فى الفصل الثانى والخمسين الذى عقده فى امر الفاطمى، حيث ضعف الاحاديث المرويه فى المهدى مع اعترافه بظهور المهدى آخر الزمان، وبصحه بعض الاحاديث المرويه بشانه. وتبعه عدد من المقلدين امثال على حسين السائح استاذ كليه الدعوه الاسلاميه فى ليبيا فى بحثه (تراثنا وموازين النقد)((7)) اذ تعرض فيه لموضوع المهدى المنتظر، وتعلق بالخيوط العنكبوتيه التى نسجها ابن خلدون حول عقيده المهدى، وحسب انه لجا الى ركن شديد، وانه سيرقى عليها الى السماء، غافلا عن انه تشبث باوهن البيوت.

وعندما اصطدم هولاء بعدم امكانيه رد تلك الروايات او تضعيفها لكثرتها، وتعدد طرقها، وصحه اسانيد عدد كبير منها كما اثبتها ائمه الحديث((8))، لجاوا مره اخرى الى احاطه امر المهدى بالاساطير التى اخترعوها، كاختراعهم اكذوبه السرداب التى لا اصل لها عند المعتقدين به، وقد ناقشها الشيخ العلامه الامينى مناقشه وافيه ابان فيها تخبط الخصوم فى الاساطير التى نسجوها تاره فى موقع السرداب -اذ اختلفوا فيه اختلافا مضحكا وتاره اخرى فى مواقف الشيعه وطقوسهم المزعومه حول السرداب((9)). ولجا اخرون الى انكار ولادته((10)) الميمونه باغراء ذوى المطامع ((11))او الطموح السياسى والاجتماعى لتبنى هذا الانكار والافاده منه، الى غير ذلك من التعلقات الواهنه التى تسقط لدى عرضها على الحقائق الوفيره، فضلا عن مقتضيات الاحاديث الصريحه الصحيحه. وبالجمله فان منهج المشككين لم يخرج عن مثل تلك المنطلقات والتوهمات او المغالطات المنكره، فضلا عن تعارضه مع الاصول المعتبره الدينيه والروائيه.

ولعل من المناسب ان نورد ضمن هذا المنهج ما ذهب اليه بعض المعاصرين من امثال احسان الهى ظهير((12)) والبندارى ((13)) والسائح، ومن احتذى حذوهم، وقلدهم تقليدا اعمى من المنسوبين الى الشيعه.

وملخص ما اثاروه واستندوا اليه امور نذكرها كما وردت على السنتهم، ثم نناقش اسس مدعياتهم ومنهجهم، وذلك كما ياتى:

1 - قالوا: ان الشيعه وقعوا فى حيره واضطراب بعد وفاه الامام العسكرى، وخاصه فيما يتعلق بولاده الامام المهدى (محمد بن الحسن)، لوجود الغموض فيما ورد عنه من طريق الائمه(ع) عندما سئلوا عنه.

2 - قالوا: ان الشيعه انقسموا وتفرقوا الى اربع عشره فرقه فى مساله الامام بعد وفاه الامام الحسن العسكرى، وان امر الامام المهدى لو كان واضحا ومهما وجزءا من المذهب الجعفرى لما جاز الاختلاف فيه، ولما امكن ان يبقى امره سرا غامضا.

3 - زعموا ان الروايات التى تتحدث عن هويه الامام المهدى ضعيفه وموضوعه ومختلفه، سواء منها ما يتعلق باسم امه، ام بتاريخ ولادته، ام بما لابس ولادته، ام بغيبته وسفرائه.

وقد ختم احدهم تخرصاته زاعما بانه لم يرفض اماما ثبت وجوده من اهل البيت، انما حصل عنده شك بولاده الامام الثانى عشر، لعدم توفر الادله الكافيه - بحسب زعمه - او لعدم قناعته بها اى بالادله المذكوره، وذكر انه لايستبعد ان يطيل اللّه عمر انسان كما اطال عمر النبى نوح(ع)، بالرغم من عدم الحاجه والضروره الى ذلك. وانه يبحث عن الادله التى تثبت ان اللّه تعالى قد فعل هذا بشخص آخر، لانه لا يمكن ان يعتقد بحدوث هذا عن طريق القياس والتشبيه، ثم قال: (وقد كان سيدنا الصادق يرفض القياس بالامور الفرعيه الجزئيه فكيف فى الامور التاريخيه والعقائديه).

هذا ملخص ما اوردوه وانفتقت به عبقرياتهم وهم يحسبون انهم جاءوا بما لم يتنبه اليه الاوائل.

وردا على هذه الاشكالات، وجوابا عن هذه الاثارات، نقول:

اولا - ان وجود الغموض فى تحديد هويه الامام المهدى، ووقوع الحيره لدى الشيعه -لو صح كما صوره الخصم وضخمه‏هو دليل على الخصوم وليس لهم ، اذ عدم تحديد الهويه والاصرار على بقاء الامر سرا دليل على وجود الامام والخوف عليه من الاعداء لا على عدم وجوده، كما توهموا.

فالائمه(ع) -كما وردت الروايات((14))- لم يريدوا الكشف عن التفاصيل المتعلقه بحياه الامام المهدى وولادته الميمونه، لمعرفتهم بتكالب الاعداء فى طلبه، وجدهم وتربصهم به، وقد كانوا يبثون العيون ويترصدون كل حركه للعثور على الامام والتخلص منه، بعد ان ايقنوا بالامر وشاهدوا ترقب الامه وتطلعها لمقدمه الشريف ليملا الارض قسطا وعدلا بعد ان ملئت ظلما وجورا.

وكيف لا يحرص الائمه(ع) على حياته العزيزه، وقد فعل سلاطين الجور الافاعيل، وارتكبوا الحماقات والشناعات بحق اهل البيت وذريه الرسول الاكرم(ص)، اذ طاردوهم وسجنوهم واذاقوهم التشريد والقتل اخذا بالظنه والتهمه والوشايه المغرضه، ودونك التاريخ فاقرا فى (مقاتل الطالبيين) للاصفهانى العجب العجاب.

واذن فكيف يكون الحال وقد اطلع هولاء السلاطين على الروايات فى صحاح المسلمين ومسانيدهم عن المهدى من العتره الطاهره، ومن ذريه فاطمه ومن اولاد الحسين تحديدا، وانه سيظهر ليملاها قسطا وعدلا، فهذه المعرفه اليقينيه قد خلقت شعورا قويا لدى الحكام الظلمه بان عروشهم ستنهار.

وكان هذا الهاجس هو الذى يفسر لنا تلك الاجراءات الغريبه وغير الاعتياديه التى اتخذتها السلطه الحاكمه عند سماع نبا وفاه الامام الحسن العسكرى(ع) مباشره، وليس هناك من تفسير معقول سوى اعتقادهم بوجود الامام الثانى عشر الحجه ابن الحسن، وانه الامام الموعود كما نطقت به الاخبار المتواتره لدى السنه والشيعه، ولذا اسرعوا الى دار الامام(ع) واتخذوا مثل تلك الاجراءات الاستثنائيه بدءا من التفتيش الواسع والدقيق، الى حبس جوارى الامام واخضاعهن للفحص((15))، كل ذلك فى محاوله يائسه للقبض على الامام. ولا عجب فقد حصل ذلك من نظرائهم، وحدثنا القرآن الكريم عن فعل فرعون للقبض على النبى موسى(ع) فنجاه اللّه من الكيد.

ومن هنا نفهم السبب فى اخفاء الامام الصادق(ع) هويه المهدى والتفاصيل المتعلقه بهذا الامر.

وليست الحيره بعد ذلك والاضطراب الا حاله طبيعيه فى ظل مثل تلك الظروف والملابسات الخاصه التى رافقت قضيه المهدى(ع) فى وجوده وولادته، وشغب السلطه وتمويهاتهم واعلامهم الزائف. واذن فليست (الحيره) الا بسبب تلك الظروف والملابسات، فضلا عن ان الروايات الوارده عن الائمه(ع) قد اشارت الى وقوع مثل هذه الحيره والفتنه والتفرق، كما نقل ذلك ابن بابويه القمى فى (التبصره)، والشيخ النعمانى فى (الغيبه) الباب الثانى عشر.

ثانيا - قولهم بضعف الروايات واختلاقها، ولا ندرى هل انهم يفرقون بين الضعيف والموضوع ام هما عندهم سواء؟ ثم لماذا هذا الخلط المقصود بين مساله وجود الامام الحجه الثابته بالطرق الصحيحه وبين بعض الروايات التى تلابس (حدث الولاده)؟ والعجب من ركوب هولاء جميعا هذه الجراه المفضوحه اذ ان روايات (المهدى) لم تروها كتب الشيعه فحسب، ولم ترد عن طرقهم فقط، وانما روتها الصحاح والمسانيد والجوامع الحديثيه المعتبره كصحيح ابى داود، وصحيح البخارى وشروحه، ومسند احمد بن حنبل، وجامع الطبرانى، وجمعها السيوط‏ى فى العرف الوردى ((16))من عده طرق، وحكى تواترها البرزنجى فى الاشاعه((17))، وكذا الشوكانى فى التوضيح((18))، ونقل ذلك اخيرا الشيخ منصور على ناصف فى غايه المامول.((19)) فانظر الى جهل المشككين كيف رموا ما صح وتواتر عند جمهور المسلمين من السنه والشيعه بالوضع والاختلاق واعجب لجراتهم وشغبهم! اذ لايصح بعد ذلك شى‏ء مما تناقله الرواه من حوادث التاريخ، واسماء الاعلام، وآراء المذاهب المختلفه.

ثالثا - استدل بعضهم على نفى وجود الامام المهدى وولادته بقوله: ان الشيعه اختلفوا فى المهدى وانقسموا - على حد زعمه الى سبع عشره فرقه بعد وفاه الحسن العسكرى(ع)، وهذا يدل -بحسب زعمه على عدم وجود الامام!! ولعل من المناسب ان ننبه الى ان الاختلاف حول موضوع او قضيه او شخص لا يستلزم العدم، اذ لو جرينا على هذا المنطق لما قامت عقيده، ولا ثبت دين، ولا استقام شان من الشوون، فالاختلاف قائم دائم فى العقائد، وفى التواريخ، وفى الشخصيات، وفى الحوادث الواقعه، وفى الفروع، وفى سائر الامور. وقد تفرق ابناء الفرقه الواحده الى فرق وطوائف واتجاهات وآراء كما حدث عند المعتزله والخوارج والاشاعره ((20)) وغيرهم.. ثم الم تسمع بما تناقله اهل الحديث من الروايه المشهوره وهى قوله(ص) (... وتفترق امتى على ثلاث وسبعين فرقه) ((21)).

ونتساءل هنا، حول اى شى‏ء كان الافتراق؟ وهل يستلزم ذلك نفى ما تفرقوا (فيه) لهذا السبب؟! واذن لا تبقى عقيده، ولا تسلم حقيقه، ولا يستقيم امر بسبب وقوع الافتراق والانقسام فى ذلك بحسب هذا المنطق.

والسوال الاهم، ما هى هذه الفرق التى انقسم اليها الشيعه بعد وفاه الامام العسكرى؟ وما هى تسمياتهم؟ ومن هم زعماء ورجال هذه الفرق المزعومه؟ لقد قال الشهرستانى فى الملل والنحل: (واما الذين قالوا بامامه الحسن - العسكرى: فافترقوا بعد موته احدى عشره فرقه، وليست لهم القاب مشهوره، ولكنا نذكر اقاويلهم..)((22)).

واذن فهو لا يعرف اسماءهم ولا رجالهم، وهم حسب زعمه احدى عشره فرقه، اما هولاء المقلدون الكذابون من امثال احسان الهى ومن تابعه اخيرا فقد زادوا العدد فرقا اخرى ليس لها اسم ولا رسم، حتى اوصلها احد هولاء المفضوحين الى سبع عشره فرقه!! وانى لهم بمعرفتها وهى من مختلقاتهم؟ ولذا لم يذكر احد منهم زعيما او رجلا معروفا فى التاريخ من هذه (السبع عشره) فرقه، بل ولم يجرا احد هولاء المفترين على الشيعه ان يشير الى مكان او زمان وجودهم.

ويحسن ان ننقل تعليقه العلامه عبدالحسين شرف الدين فى الفصول المهمه حول هذه الكذبه التى اطلقها الشهرستانى فى ملله، قال العلامه معقبا: (وليته اسند شيئا من الاقاويل التى نقلها عن تلك الفرق الى كتاب يتلى او شخص خلقه اللّه تعالى! وليته اخبرنا عن بلاد واحده من تلك الفرق او زمانها او اسمها! فباللّه عليك، هل سمعت بفرق متخاصمه، ونحل اراوها متعاركه لا يعرف لهم فى الاحياء والاموات رجل ولا امراه؟! ولا يوجد فى الخارج لهم مسمى ولا اسم؟!!) ((23)) والظاهر ان احدهم قد ادرك خطاه واشتباهه فقال اخيرا: انى لم ارفض اماما ثبت وجوده من اهل البيت(ع)، وانما حصل عندى شك بولاده الامام الثانى عشر. زاعما ان السبب هو عدم توفر الادله الكافيه، او عدم قناعته بالادله!! والسوال الذى نثيره هنا هو، عن اى نوع من الادله يبحث هولاء؟ وهل هناك ادله اقوى من اطباق الطائفه وعلماء الامه ورواتها الثقات على مثل هذا الامر، اعنى ولاده الامام الحجه ابن الحسن؟ اذ ليس هناك من سبيل الى ثبوت مثل هذه الامور الا الخبر الصحيح، وتوفر الشواهد، وقيام القرائن والمويدات من العقل والمنطق، وقد ثبت من كل هذه الجهات.

ولعل من المناسب الاشاره الى ما حققه السيد ثامر العميدى فى كتابه (دفاع عن الكافى) الجزء الاول، واثبت ولاده الامام واستمرار وجوده الشريف بالروايات والاحاديث الصحيحه، ثم بالنقل التاريخى المتواتر، كما اورد اعترافات وشهادات الفقهاء والمحدثين والمفسرين والمورخين واهل التحقيق والادباء والكتاب، وكلهم من اهل السنه بولاده المهدى محمد بن الحسن العسكرى، ونقل ذلك عنهم بدءا من بدايه القرن الرابع الهجرى كالرويانى فى المسند، وسهل بن عبداللّه البخارى (ت/ 341 ه) فى سر السلسله العلويه، والخوارزمى (ت/ 387 ه) فى مفاتيح العلوم طبعه ليدن 1895م.

كما اورد اعترافات من رجال القرن الخامس الى القرن الرابع عشر، ومنهم: ابو نعيم الاصفهانى (ت/ 430 ه) فى الاربعين حديثا، ويحيى بن سلامه الخصفكى الشافعى (ت/ 568 ه) كما فى تذكره الخواص لابن الجوزى، ومحيى الدين بن عربى (ت/ 638 ه) فى الفتوحات المكيه على مانقله الشعرانى فى اليواقيت والملك المويد ابى الفداء اسماعيل بن على (ت/ 732 ه) فى المختصر فى اخبار البشر، وابن الصباغ المالكى (ت/855ه) فى الفصول المهمه، وجلال الدين السيوط‏ى (ت/911ه) فى احياء الميت، وابن طولون الحنفى مورخ دمشق (ت/ 953 ه) فى كتابه الائمه الاثنا عشر، واحمد بن يوسف ابوالعباس القرمانى الحنفى (ت/ 1019 ه) فى كتابه اخبار الدول، والشبراوى الشافعى (ت/ 1171 ه) فى الاتحاف بحب الاشراف، ومحمد امين السويدى (ت/ 1246هـ) فى سبائك الذهب، واخيرا الزركلى (ت/ 1396 ه) فى الاعلام، وهذا الكم الكبير من الروايات والنقول والشواهد والشهود الا تكفى للاقتناع بوجود شخص وولادته؟ واذا لم يكن ذلك كله كافيا ودليلا، فلازمه بالضروره الشك فى كل الحوادث الماضيه والشخصيات العلميه والتاريخيه وما جرى فى غابر الزمن البعيد والقريب، وعند ذاك لا يصح شى‏ء، ولا يثبت شى‏ء، فهل هذا يرضى مثل هولاء المتطفلين على البحث والتحقيق؟! واما اذا كان الامر من جهه تعقل الموضوع، فدونك (بحث حول المهدى) للشهيد الصدر(رضى‏اللّه) -وهو هذا الكتاب الذى بين يديك فهو الشافى الكافى، والحجه الدامغه والبرهان القاطع لمن يفكر بعقله، ولا يتعبد بما نقله وحكاه ذوو الاغراض المعروفه، والمغالطات المفضوحه امثال ظهير والبندارى وغيرهم.

ولعل من الامور التى تدلك على المغالطه المفضوحه هو قولهم: (لا نستبعد ان يطيل اللّه عمر انسان... ولكن لا يمكن الاعتقاد بحدوث هذا عن طريق القياس، وقد كان سيدنا الصادق يرفض القياس فى الفروع، فكيف فى الامور التاريخيه والعقائديه؟!).

وقد فاتهم ان القياس هنا امر وارد، ودليل معتبر عند اهل المنطق واهل النظر فى مثل هذه الموارد التى قد لا يدركها الانسان الا عن طريق التشبيه والقياس، وهو اسلوب علمى، ومنهج قرآنى (ويضرب اللّه الامثال للناس) ابراهيم : 25، وقال تعالى حاكيا قول المنكرين لبعض الامور الاعتقاديه كالمعاد كما فى الايه المباركه: (وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحيى العظام وهى رميم× قل يحييها الذى انشاها اول مره..) يس 78 - 79.

فانظر كيف يتنكب المتطفلون عن المنهج القرآنى والعلمى؟ وانظر الى عدم تفرقتهم بين القياس فى احكام الشريعه المنهى عنه، لعدم احراز عله الحكم التى بنى الشارع عليها حكمه، وبين القياس فى مجال المعقولات الذى لا شبهه فيه.

وهكذا نخلص الى القول ان اصحاب هذا المنهج التشكيكى ليس بايديهم حجه ولا برهان، ولا يملكون سندا علميا او تاريخيا مقبولا ومنطقيا فى نفيهم وتشكيكاتهم، وانما هى مجرد ظنون واوهام، او افتراضات وحدوس تتهاوى امام الادله والبراهين المتينه، الروائيه والتاريخيه والعقليه كما سطرها وحققها المثبتون لولاده الامام المهدى(ع) واستمرار وجوده الشريف المبارك.

ولا يضير ذلك ما احيطت به روايات ولادته التى اختلفت من بعض الوجوه، ومحاوله هذا النفر استغلالها بصوره غير امينه ولا دقيقه للتشويش على اصل الموضوع، وهو ولاده الحجه ابن الحسن محمد المهدى(ع)، وقد ثبت من الطريق الاعتيادى الذى تثبت به الولادات، وهو شهاده القابله حكيمه بنت الامام الجواد، وعمه الامام العسكرى، وصحه الروايه عنها باسانيد معتبره صحيحه.((24)) واذا كان هناك من نقل روايات اخرى سواء فى زواج الامام ابى محمد الحسن العسكرى من (نرجس) ام الامام المهدى(ع) ام فى اسمها، ام فى ولاده المهدى وما جرى ولابس تلك الولاده المباركه، ام فى الاختلاف فى تاريخ الولاده (فان المشهور على ما نقله الثقات من الشيعه والسنه، هو ولادته سنه 255 ه فى الخامس عشر من شعبان، وان امه هى (نرجس) وكانت جاريه عند احدى اخوات الامام على الهادى(ع)، فطلبها الامام العسكرى وتزوجها، وولدت منه الامام المهدى، كما صرح به الامام العسكرى بسند صحيح لا خدشه فيه)((25)). وقد بشر الامام العسكرى اصحابه وشيعته خاصه بالمولود المبارك، وانه الخلف الحجه الموعود والامام من بعده.((26)) واخيرا لا بد من التنبيه ايضا الى ان منهج هولاء المنكرين فى قضيه الامام المهدى(ع) يقوم على اسلوب كان قد اتبعه المستشرقون من قبل فى معالجاتهم ومناقشاتهم لعقائد الاسلام، ونبوه النبى محمد(ص) خاتم الانبياء، ولما جاء فى القرآن الكريم من المفاهيم والافكار والاحكام، وهذا الاسلوب يتمثل - كما يرى المستشرق المنصف آربرى ((27))(باقتطاع النصوص من سياقها، وبالتحليل السطحى..) هذا فضلا عن المغالطات والمفارقات المنهجيه كالاحاله الى المصادر بصوره غير دقيقه وغير امينه((28))، وكالتدليس والكذب فى نسبه الاراء، اذ يوردون نصوصا ثم يذكرون المصادر جمله، على سبيل التمويه، والانكى والاعجب انهم -وبحسب تحليلهم السطحى - يطرحون فهمهم لبعض المطالب على انه المفهوم والراى عند المذهب او الطائفه وهو فهم غير دقيق، ثم يحاولون ان يحشدوا النصوص ويقسروها لتتلائم مع تصوراتهم وافهامهم هم، وليس مع ما ذهب اليه المذهب او مع ما كان مقبولا ومعتمدا.

وارى لزاما على التنبيه ايضا الى امر مهم، ذكره العلامه محمد تقى الحكيم فى كتابه الاصول العامه للفقه المقارن قائلا: (ان مجتهدى الشيعه لا يسوغون نسبه اى راى يكون وليد الاجتهاد الى المذهب ككل، سواء كان فى الفقه ام الاصول ام الحديث، بل يتحمل كل مجتهد مسووليه رايه الخاص. نعم ما كان من ضروريات المذهب يصح نسبته).((29)) ومن هنا يكون من المجازفه فى القول تعميم الراى الاجتهادى ما لم يحظ بالقبول والشهره. وكذلك الامر فى المجالات الاخرى فانه لو ذهب احد المفسرين او الاخباريين الى راى، او اخذ بروايه، او ابدى وجهه نظر معينه، وحتى لو اعتمد نظريه او فكره، فانه لايصح تحميل المذهب او الطائفه ذلك، بل يكون من المنطقى نسبه الراى اليه، وتحميله هو اعتماده على هذه الروايه او تلك، مع ضروره الاخذ بنظر الاعتبار منهجه الروائى الخاص. ويكون حينئذ على الباحث العلمى ان يحصل راى المذهب من مجموع آراء الفقهاء والعلماء، واستنادا الى المنهج العام لديهم بما فى ذلك منهجهم فى قبول الاخبار والروايات والاسانيد، وكذلك يشترط الرجوع الى ما اصلوه من المفاهيم والاراء بالرجوع الى المصادر الاصليه والاساسيه لديهم.

وعليه فبدون ذلك، اعنى بدون الالتفات الى هذه الملاحظات المهمه، فان الباحثين سيقعون بلا ادنى شك فى الخلط والمجازفه والاشتباه، ولايعفون حينئذ من سوء القصد ومحاوله المشاغبه والتشويش وهو ما داب عليه اسلافهم من المستشرقين وخصوم الاسلام او الحاقدين على اهل البيت(ع)، وعلى مدرستهم الاصيله فى الاسلام الحنيف، كما هو شان احسان الهى ظهير والجبهان والبندارى وغيرهم فى القديم والحديث.

وتبقى كلمه اخيره فيما يتعلق بالمهدى الموعود(ع) بعد ثبوت ولادته الميمونه ووجوده المبارك، وهى مساله تعقل او عقلانيه استمرار وجوده الشريف وثبوت ذلك منذ الغيبه الصغرى، وحتى انقطاع السفاره ثم وقوع الغيبه الكبرى. وهنا سيجد القارى الكريم والباحث الطالب للحقيقه سيجد فيما كتبه السيد الشهيد، ووضحه من هذه المطالب، وما ساقه من الادله العقليه والمنطقيه والعلميه ما يشفى الغليل، ويزيل اوهام وتعلقات المشككين.

ثانيا : منهج المثبتين

1 - المنهج الروائى ان الذين كتبوا فى قضيه


المهدى كثيرون جدا، قديما وحديثا، ومنهم من افرده بكتاب مستقل ومنهم من كتب فصلا او فصولا، وقد احصى عبد المحسن العباد فى بحثه المنشور فى مجله الجامعه الاسلاميه الصادره بالمدينه المنوره اكثر من عشره مولفين من اجلاء علماء اهل السنه، منهم: الحافظ ابو نعيم والسيوط‏ى الشافعى، والحافظ ابن كثير، وعلى المتقى الهندى صاحب كنز العمال، وابن حجر المكى فى مولفه:

(القول المختصر فى علامات المهدى المنتظر)، ومرعى بن يوسف الحنبلى (ت/ 1033 ه)، ومولفه الذى سماه (فوائد الفكر فى ظهور المهدى المنتظر)، ذكره السفارينى فى لوامع الانوار البهيه، ومنهم: القاضى محمد بن على الشوكانى (ت/ 1250 ه) الذى سمى مولفه: (التوضيح فى تواتر ما جاء فى المهدى المنتظر والدجال والمسيح) الى غيرهم.

اما عند الشيعه فهناك عشرات الكتب والرسائل التى كتبت ونشرت قديما وحديثا منها اخيرا: منتخب الاثر فى الامام الثانى عشر للشيخ لطف اللّه الصافى الگلبايگانى، والزام الناصب فى اثبات الحجه الغائب للشيخ على اليزدى الحائرى، والمهدى الموعود المنتظر عند علماء اهل السنه والاماميه للشيخ نجم الدين العسكرى، نشر موسسه الامام المهدى - طهران، والامام المهدى لعلى محمد على دخيل طبع بيروت، وهو جليل ومهم جدا.

وقد اعتمد هولاء العلماء وغيرهم فى مناقشاتهم لدعاوى المنكرين على الادله النقليه غالبا، فاثبتوا صحه احاديث المهدى من طرق اهل السنه والشيعه((30))، وتعدد طرق الروايه، وكثره الرواه من الصحابه والتابعين وتابعى التابعين من سائر الفرق والمذاهب الاسلاميه.

فقد نقل الشيخ العباد ان رواه حديث المهدى من الصحابه سته وعشرون راويا، اما الائمه الذين خرجوا الاحاديث والاثار الوارده فى المهدى فيبلغ عددهم ثمانيه وثلاثين، ذكر اسماءهم وفى مقدمتهم ابو داود فى سننه، والترمذى فى جامعه، والنسائى فى سننه، واحمد فى مسنده، وابو بكر بن شيبه فى المصنف، والحافظ ابو نعيم فى الحليه وفى كتاب المهدى، والطبرانى فى المعجم الكبير والاوسط، وابن عساكر فى تاريخه، وابو يعلى الموصلى فى مسنده، وابن جرير فى تهذيب الاثار، والبيهقى فى دلائله، وابن سعد فى الطبقات وغيرهم.

ونريد ان نسال (احمد امين) ومن عزف على نغمته هنا: هل ان مثل هولاء الائمه من علماء الحديث والرواه المعتبرين الذين تلقتهم الامه بالقبول، واعتمدت عليهم فيما نقلوه من صحيح الاثار او صححوه، كلهم يتواطون على نقل (اسطوره)؟ وكيف يعقل ان تهتم الامه، واجله العلماء والمحققين واصحاب الصحاح والمسانيد (باسطوره) الى هذا الحد؟! ولماذا هذه الجراه المنافيه لابسط قواعد الذوق والمنطق والعلم والاخلاق؟ اوليس تدل مثل هذه التشويشات على ركوب الهوى او الانسياق واللهاث وراء تلويحات الوهابيه، (ورنين اغراءاتها)؟بل ان العلماء المتقدمين منهم والمتاخرين اثبتوا تواتر احاديث المهدى ليقطعوا الطريق والعذر على المتشككين والمتاولين، كما فعل الشوكانى (ت/1250ه) فى رسالته المسماه ب (التوضيح فى تواتر ما جاء فى المهدى والدجال والمسيح)، والبزرنجى (ت/ 1103 ه) فى (الاشاعه لاشراط الساعه)، ثم ذكر الشيخ عبد المحسن العباد فى بحثه المنشور فى مجله الجامعه الاسلاميه آخرين، منهم: الحافظ الابرى السجزى (ت/ 363 ه)، والشيخ محمد السفارينى (ت/ 1188 ه) فى كتابه لوامع الانوار البهيه، ومنهم: الشيخ صديق حسن القنوچى (ت/ 1307 ه)، ومن المتاخرين الذين حكوا تواتر احاديث المهدى الشيخ محمد بن جعفر الكتانى (ت/ 1345 ه) فى كتابه نظم المتناثر من الحديث المتواتر.

وقد تصدى العلماء ايضا الى ما تعلق به الخصوم من دعاوى، وما اثاروه من اشكالات وطعون فى الروايات واجابوا((31)) عن ذلك بجوابات سديده ومتينه، ولعل من اهم هذه الدراسات الحديثه:

الف - دراسه عبد المحسن العباد((32))

- وهو استاذ جامعى

ومن علماء اهل السنه وهى على ما فيها من زلات واشتباهات، الاانه عرض فيها بالتفصيل لذكر اسماء الصحابه الذين رووا احاديث المهدى عن رسول اللّه(ص) واحصى منهم سته وعشرين صحابيا، ثم ذكر اسماء الائمه الذين خرجوا احاديث المهدى، واحصى منهم - اى من ائمه الحديث - ثمانيه وثلاثين، ثم اورد بعد ذلك اسماء العلماء الذين افردوا مساله المهدى بالتاليف، وذكر عشره منهم، ثم ذكر بعض الذين حكوا تواتر احاديث المهدى، ثم انتقل الى ذكر ما ورد فى الصحيحين مما له تعلق بالمهدى، ثم انتقل الى ذكر بعض الاحاديث فى غير الصحيحين من السنن والمسانيد، ثم ذكر بعض العلماء الذين احتجوا باحاديث المهدى واعتقدوا موجبها، ثم تعرض بالمناقشه القويه للمنكرين لاحاديث المهدى او المترددين فى شانه، وذكر منهم ابن خلدون، وسجل عليه ملاحظات وايرادات اظهر فيها تهافته وعدم تبصره بالامور، ونقل عن الشيخ المحقق احمد شاكر الذى حقق مسند الامام احمد وخرج احاديثه قوله عن ابن خلدون رادا عليه تشكيكاته: (اما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم واقتحم قحما لم يكن من رجالها، وانه تهافت تهافتا عجيبا فى الفصل الذى عقده فى مقدمته للمهدى وغلط اغلاطا واضحه..)


وانتهى آخر الامر الى ان المهدى حقيقه ثابته لا تقبل الشك.

ب - اما الدراسه الثانيه فكانت للباحث والمحقق ثامر العميدى، الذى جرى على منهج علماء الاماميه الاجلا ء الذين عالجوا هذه المساله، واشبعوها بحثا واستقصاء، واستطاع هذا الباحث الفاضل ان يلخص تلك المطالب، ويستوفى تلك المضامين ويستوعبها، ويضفى على ذلك كله من بيانه وتحقيقاته، ويخرجه على منهج علمى رصين، وقد استغرقت هذه الدراسه الصفحات من 171 الى 611 من الجزء الاول من كتابه القيم (دفاع عن الكافى) الذى نشره مركز الغدير للدراسات الاسلاميه سنه 1995 م.

ومن اهم الامور التى عرض لها باسلوب علمى: تحليل فكره الاعتقاد بالمهدى((33))، ومناقشاته لتضعيفات ابن خلدون((43))، ونقله اكثر من ثمان وخمسين((35)) شهاده وتصريح بصحه احاديث المهدى او تواترها، ثم مناقشته لمن انكر ولاده المهدى، وايراده ادله وافيه متينه واعترافات من اهل السنه بدءا من القرن الرابع الهجرى وحتى قرننا الحالى بولاده الامام المهدى ووجوده الشريف((36))، واخيرا مناقشته الطريفه لفريه السرداب((37)) وغيرها.

لقد اوردت هاتين الدراستين بصفتهما نموذجين حديثين للدراسات التى التزمت بمسلك العلماء المتقدمين والافاده منهم واتباع منهجهم، والا فهناك عشرات الدراسات لافاضل العلماء والمحققين ممن برع فى مناقشه تلك القضيه.((38))

2 - المنهج العقلى (منهج الشهيد


ا
لصدر(رضى‏اللّه)):

لم ينطلق الشهيد الصدر فى بحثه (قضيه المهدى) من بديهيات ومقدمات مسلم بها عند الاطراف، ولم يعتمد تتبع القضيه فى كتب التفسير والروايه، او مناقشه ما ورد بشانها من اسانيد، وانما سلك مسلكا آخر، فبدا بطرح الاثارات حول القضيه وعرض التساولات والاشكالات المنتزعه مما قيل ويقال حول القضيه، ثم بدا بالمناقشه العميقه والدقيقه معتمدا الدليل العقلى،

ومستندا الى معطيات العلم والحضاره

المعاصره، ونعرض معالم هذا المنهج كما ياتى:

الف - لقد مهد السيد الشهيد لبحثه باعطاء تصور واضح لفكره المهدى ((30))فى جذورها الممتده الى التراث الدينى والانسانى، ثم انتقل الى تاصيلها فى الفكر الاسلامى، ثم عرضها فى التصور الاسلامى على انها ليست مجرد فكره وامل يداعب الشعور، ويجد عنده الانسان المسلم استراحه تخلصه من حاله التوتر النفسى عندما تشتد وتتعاظم المحنه -كما هو زعم بعض الباحثين وانما (المهدى) يتجسد فى انسان معين ((40))حى يعيش مع الناس ويشاركهم همومهم وآلامهم، ويترقب مثلهم

اليوم الموعود.

ب - ان هناك صعوبه فى استيعاب هذا التصور الاصيل، فقد اثار اشكالات وتساولات هى فى عقول الناس، وفى حواراتهم المعلنه او الحبيسه، ومن هنا بدا الشهيد الصدر(رضى‏اللّه) يطرح هذه التساولات والاثارات بكل صراحه ووضوح، ثم يشرع فى معالجتها باسلوبه الخاص، وذلك ليضع القضيه فى محلها الطبيعى ضمن اطار العقيده الاسلاميه التى تقوم اساسا على العقلانيه والواقعيه والبرهان .

ا - والتساول الاول الذى يطرحه السيد الشهيد هو:

(اذا كان المهدى يعبر عن انسان حى عاصر كل تلك الاجيال المتعاقبه منذ اكثر من عشره قرون، وسيظل يعاصر امتداداتها، فكيف تاتى له هذا العمر الطويل؟!وكيف نجا من القوانين الطبيعيه التى تحتم مروره بمرحله الشيخوخه والهرم؟!) ثم اخذ ينتقل من سوال الى سوال، ومن اثاره الى اثاره بترتيب منطقى يمهد الجواب السابق للاحق، وتترابط المضامين والمباحث ترابطا منهجيا محكما.

وبالنسبه الى السوال الاول اعاد طرحه كالاتى: هل بالامكان ان يعيش الانسان قرونا متطاوله، كما هو المفترض فى المهدى الذى طوى من العمر اكثر من الف ومئه واربعين سنه((41))؟ وهذه الصياغه للسوال لا تختلف بشى‏ء عن السابق، وتمهيدا للجواب اعطى ايضاحا لانواع الامكان المتصوره او المعروفه وهى الامكان العملى، والامكان العلمى، والامكان المنطقى او الفلسفى، وبعد ان بين المقصود بها خلص الى القول: (ان امتداد عمر الانسان آلاف السنين ممكن منطقيا، لان ذلك ليس مستحيلا من وجهه نظر عقليه تجريديه)، وان الامكان العملى بالنسبه الى نوع الانسان ليس متاحا الان، والتجربه المعاصره لا تساعد عليه.

اما الامكان العلمى فلا يوجد ما يبرر رفض ذلك من الناحيه النظريه، لان التجارب آخذه بالازدياد لتحويل الامكان العلمى الى امكان عملى، وهى سائره بهذا الاتجاه من زاويه محاولاتها لتعطيل قانون الشيخوخه. وفى ضوء هذا لا يبقى مبرر منطقى للاستغراب والانكار اللهم الا من جهه ان يسبق (المهدى) العلم نفسه فيتحول الامكان النظرى الى امكان عملى فى شخصه قبل ان يصل العلم فى تطوره الى مستوى القدره الفعليه. وهذا ايضا لا يوجد مبرر عقلائى لاستبعاده وانكاره، اذ هو نظير من يسبق العلم فى اكتشاف دواء السرطان او غيره مثلا.

ان هذا السبق - كما يقول السيد الشهيد - فى الاطروحه الاسلاميه عموما - التى صممت قضيه المهدى - قد وقع وحصل فى اكثر من مفرده وعنوان، وقد سجل القرآن الكريم نظائر ذلك حين اورد واشار الى حقائق علميه تتعلق بالكون والطبيعه وجاء العلم فازاح الستار عنها اخيرا، والاكثر صراحه ان القرآن قد دون امثال ذلك كما فى مساله عمر النبى نوح(ع)، قال تعالى: (فلبث فيهم الف سنه الا خمسين عاما) سوره العنكبوت: 14، ثم ينتقل السيد الشهيد الى افتراض آخر ينشا عن السابق وهو:

ماذا لو افترضنا ان قانون الشيخوخه قانون صارم، وان اطاله العمر اكثر من الحد الطبيعى والمعتاد خلاف القوانين الطبيعيه التى دلنا عليه الاستقراء؟! وجوابه : انه حينئذ يكون من قبيل المعجزه، وهى ليست حاله فريده فى تاريخ الانبياء والمرسلين، والامر بالنسبه للمسلم الذى يستمد عقيدته من القرآن والسنه المشرفه ليس امرا منكرا، اذ هو يجد ان القانون الذى هو اكثر صرامه قد عطل، كما حدث بالنسبه الى النبى ابراهيم الخليل(ع) فى نجاته من النار العظيمه بعد ان القى فيها، وقد اشار القرآن الكريم الى ذلك بقوله: (قلنا يا نار كونى بردا وسلاما على ابراهيم) سوره الانبياء:

69.

ثم يبين السيد الشهيد بعد ذلك ان مساله المعجزه بمفهومها الدينى قد اصبحت فى ضوء المنطق العلمى الحديث مفهومه بدرجه اكبر مما كانت عليه. وشرع فى تقديم المعالجه الفلسفيه المتينه مستندا الى النظريات الفلسفيه الحديثه.

ب - وينتقل السيد الشهيد الى سوال آخر وهو:

لماذا كل هذا الحرص على اطاله عمر المهدى الى هذا الحد، فتعطل القوانين لاجله؟ ولماذا لا نقبل الافتراض الاخر الذى يقول: ان قياده البشريه فى اليوم الموعود يمكن ان تترك لشخص آخر يتمخض عنه المستقبل وتنضجه ارهاصات ذلك اليوم؟ ويعيد صياغه السوال كالاتى:

ما هى فائده هذه الغيبه الطويله؟ وما هو المبرر لها؟ ويعقب هنا قائلا: ان الناس لا يريدون ان يسمعوا جوابا غيبيا اى انهم يطالبون بتفسير اجتماعى للموقف على ضوء الحقائق المحسوسه لعمليه التغيير الكبرى نفسها.

وللاجابه عن هذا السوال، يتقدم السيد الشهيد وهو متسلح بالمعرفه بقوانين الاجتماع، وبمتطلبات التغيير الاجتماعى وقوانينه، فيبدا بطرح سوال يمهد به للاجابه، وهو:

هل يمكن ان نعتبر هذا العمر الطويل للقائد المدخر عاملا من عوامل نجاحه فى عمليه التغيير المرتقب؟ ثم يجيب بالايجاب، ويقدم ادله تستند الى فهم عميق لحركه التاريخ، ومستلزمات التغيير الحضارى الشامل، واثر الحضارات التى ينشا الانسان فى ظلها على مستوى تفكيره ورواه ودوره الحضارى، ثم يكيف المساله فى ضوء رساله الاسلام والنقله الحضاريه التى يريدها.

وهكذا يحول السيد الشهيد البحث الى دراسه اجتماعيه تعتمد المقولات والمفاهيم الاجتماعيه، فضلا عن تاصيل مفاهيم ونظرات اجتماعيه مهمه.

ج - ينتقل الشهيد الصدر(رضى‏اللّه) بعد ذلك الى معالجه قضيه اكبر ترتبط بقضيه المهدى وهى:

(الامامه المبكره) او (كيفيه اعداد القائد الرسالى) فى نظريه الامامه عند الشيعه الاثنى عشريه، فيذكر ان هذه الظاهره (الامامه المبكره) عاشتها الامه فعلا((42))، وقد بلغت ذروتها فى الامام المهدى والامام الجواد من قبله.

وهذه الظاهره - كما يقول رضوان اللّه تعالى عليه (تشكل مدلولا حسيا عمليا عاشه المسلمون ووعوه فى تجربتهم مع الامام بشكل وآخر، ولا يمكن ان نطالب باثبات لظاهره من الظواهر هى اوضح واقوى من تجربه امه).((43)) ويورد السيد الشهيد كثيرا من الحقائق التاريخيه التى توكد هذه الظاهره، ثم يخلص الى القول: بانها اى الامامه المبكره فى ضوء ذلك كانت ظاهره واقعيه وليست وهما او مجرد افتراض، وان لها امثله فى القرآن الكريم، كما هو الامر بالنسبه الى النبى يحيى (ع)، فى قوله تعالى: (وآتيناه الحكم صبيا) سوره مريم:12.

وهذا ما لا يسع المسلم انكاره.

د - وينتقل السيد الشهيد الى البحث الروائى والى ما ردده واثاره المشككون والخصوم قديما وحديثا بقوله:

(كيف نومن فعلا بوجود المهدى؟ وهل تكفى بضع روايات تنقل فى بطون الكتب عن الرسول الاعظم(ص) للاقتناع الكامل بالامام الثانى عشر على الرغم مما فى هذا الافتراض من غرابه وخروج عن المالوف؟ بل كيف يمكن ان نثبت ان للمهدى وجودا تاريخيا حقا، وليس مجرد افتراض توفرت ظروف نفسيه لتثبيته؟) هكذا يطرح السيد الشهيد هذا السوال بكل تفرعاته الممكنه والمنتزع بعضها مما اثاره ويثيره بعض المتاثرين بمناهج الغرب فى دراسه تاريخنا الاسلامى وقضايانا الاسلاميه مثل احمد امين فى دراسته (المهدى والمهدويه) ومن سلك هذا المسلك من الخصوم.((44)) ويتصدى السيد الشهيد للاجابه عن هذا السوال متسلحا ومتوسلا بمنطق العقل والدليل العقلى، وعندما يعرض الدليل الروائى ايضا فى المقام نجده يعرضه مدعوما بالوثائق والواقع والتجربه التاريخيه، ولنسمعه يقول:

(ان فكره المهدى بوصفه القائد المنتظر لتغيير العالم الى الافضل قد جاءت فى احاديث الرسول الاعظم عموما، وفى روايات ائمه اهل البيت خصوصا، واكدت فى نصوص كثيره بدرجه لا يمكن ان يرقى اليها الشك، وقد احصى اربعمائه حديث عن النبى(ص) من طرق اخواننا اهل السنه، كما احصى مجموع الاخبار الوارده فى الامام المهدى من طرق الشيعه والسنه فكانت اكثر من (سته آلاف روايه)، وهذا - كما يقول السيد الشهيد - رقم احصائى كبير لا يتوفر نظيره فى كثير من قضايا الاسلام البديهيه التى لا يشك فيها مسلم عاده).((45)) ج - يتخذ السيد الشهيد(رضى‏اللّه) هنا مسلكا جديدا فى‏الاستدلال على (الخصوصيه المذهبيه) اى مساله تجسيد الفكره (فكره المهدى) فى انسان معين هو الامام الثانى عشر، مستفيدا من الروايات والبحث الروائى، وموظفا ذلك بصوره مبدعه فى اثبات (المهدى)، فيطرح اولا المبررات التى يراها كافيه للاقتناع ويلخصها فى دليلين احدهما اطلق عليه (الدليل الاسلامى) والاخر (العلمى) فيقول: (فبالدليل الاسلامى نثبت وجود القائد المنتظر، وبالدليل العلمى نبرهن على ان المهدى ليس مجرد اسطوره وافتراض بل هو حقيقه ثبت وجودها بالتجربه التاريخيه).

ويشرع بتقديم الدليل الاسلامى فيراه متمثلا بمئات الروايات الوارده عن الرسول الاكرم(ص)، والائمه من اهل البيت(ع) والتى تدل على تعيين المهدى وكونه من اهل البيت، ومن ولد فاطمه، ومن ذريه الحسين(ع) وليس من ذريه الحسن(ع)، وانه التاسع من ولد الحسين(ع)، وان الخلفاء اثنا عشر. فان هذه الروايات تحدد تلك الفكره العامه وتشخصها فى الامام الثانى عشر من ائمه اهل البيت (ع).

ثم يقول رضوان اللّه تعالى عليه بشان تلك الروايات: (وهى روايات بلغت درجه كبيره من الكثره والانتشار -كما ورد عن طرقنا على الرغم من تحفظ الائمه(ع) واحتياطهم فى طرح ذلك على المستوى العام وقايه للخلف الصالح من الاغتيال..).

ان الروايات الكثيره جدا التى تشكل رقما احصائيا كبيرا - اى بلوغها حد التواتر كما حكى غير واحد من العلماء - يرى السيد الشهيد ان الاساس فى قبولها ليس مجرد الكثره العدديه على الرغم من انه قد استقر فى الاوساط العلميه الروائيه اعتبار مثل هذه الكثره، بل هناك اضافه الى ذلك مزايا وقرائن تبرهن على صحتها.

فالحديث الشريف عن الائمه او الخلفاء او الامراء بعده(ص)، وانهم اثنا عشر اماما او خليفه او اميرا على اختلاف متن الحديث فى طرقه المختلفه، قد احصى بعض المولفين رواياته فبلغت اكثر من مئتين وسبعين روايه ماخوذه من اشهر كتب الحديث عند الشيعه والسنه بما فى ذلك البخارى ومسلم والترمذى وابى داود ومسند احمد ومستدرك الحاكم، وقد لاحظ الشهيد الصدر(رضى‏اللّه) هنا ان البخارى (المولود 194، والمتوفى 256 ه)، الذى نقل الحديث كان معاصرا للامام الجواد والامامين الهادى والعسكرى وفى ذلك مغزى كبير، لانه يبرهن على ان الحديث قد سجل عن النبى(ص) قبل ان يتحقق مضمونه، وهذا يعنى ان نقل الحديث لم يكن متاثرا بالواقع الامامى الاثنى عشرى او يكون انعكاسا له، لان الروايات المزيفه التى تنسب الى النبى(ص) وهى انعكاسات او تبريرات لواقع متاخر زمنيا لا تسبق فى ظهورها وتسجيلها كتب الحديث، ولقد جاء الواقع الامامى الاثنا عشرى ابتداء بالامام على وانتهاء بالمهدى، ليكون التطبيق الوحيد المعقول لذلك الحديث النبوى الشريف.

هذا هو الدليل الاسلامى، كما اصطلح عليه السيد الشهيد، اى الدليل الروائى فى اثبات المهدى.

اما الدليل الاخر الذى اصطلح عليه ب (العلمى) والذى يسوقه السيد الشهيد لاثبات الوجود التاريخى للمهدى، وانه انسان بعينه ولد وعاش واتصل بقواعده الشعبيه وبخاصته، فان هذا الدليل يتكون كما يرى السيد الشهيد من التجربه التى عاشتها امه من الناس فتره امتدت سبعين سنه تقريبا وهى فتره الغيبه الصغرى. ويعط‏ى السيدالشهيد هنافكره عن هذه الغيبه، ويفلسفها، مبينا دور القائد المهدى، ودورسفرائه الاربعه، وماصدرعنه من (توقيعات) اى‏رسائل‏واجابات‏كلها جرت على‏اسلوب واحد، وبخط واحد وسليقه واحده طيله نيابه النواب الاربعه المختلفين اسلوبا وسليقه وذوقا وخطا وبيانا، ومثل هذا كاشف بالضروره عن وجود (الرجل)، لانه قد ثبت واستقر فى الاوساط الادبيه وبما لا يقبل الشك ان الاسلوب هو الرجل، وكل الدارسين والمتذوقين للادب يدركون هذه الحقيقه بوضوح.

وبعد هذه القرينه والشواهد القويه على وجود الامام المهدى كما يوكدها السيد الشهيد يتجه الى منطق الاستقراء ونظريه الاحتمال لتعزيز ذلك فيقول: (لقد قيل قديما: ان حبل الكذب قصير، ومنطق الحياه يثبت ايضا ان من المستحيل عمليا بحساب الاحتمالات ان تعيش اكذوبه بهذا الشكل، وكل هذه المده، وضمن كل تلك العلاقات والاخذ والعطاء ثم تكسب ثقه جميع من حولها).

وهكذا يخلص السيد الشهيد الى القول اخيرا: (ان ظاهره الغيبه الصغرى يمكن ان تعتبر بمثابه تجربه علميه لاثبات ما لها من واقع موضوعى، والتسليم بالامام القائد، بولادته وحياته وغيبته واعلانه العام عن الغيبه الكبرى التى استتر بموجبها عن‏المسرح ولم يكشف نفسه لاحد)((46)) اى حتى ياذن اللّهتعالى له بالظهور لتاديه دوره ووظيفته التغييريه الكبرى، كما بشر بذلك خاتم الانبياء والمرسلين نبينا محمد(ص)، وهذا هو ما عليه اعتقاد الاماميه، ومقتضى توقيع الامام الثانى عشر باعلانه الغيبه الكبرى.

واخيرا واستكمالا للبحث، ربما يثير بعضهم سوالا حول المنهج الذى اتبعه الامام الشهيد -كما حددناه، وكما هو فى واقعه والسوال هو:

لماذا لم يسلك السيد الشهيد منهج المتقدمين فى البحث الروائى، ويضفى عليه من ابداعاته والتفاتاته ما يزيل الشكوك والتقولات التى تثار حول اسانيد الروايات، وتضعيف بعضهم لها؟ وفى الجواب عن ذلك نسجل الملاحظات الاتيه:

اولا : لقد ذكر السيد الشهيد ان هناك عددا هائلا من الروايات بلغت رقما احصائيا لم يتوفر لايه قضيه مشابهه من قضايا الاسلام، بل ان بعضهم حكى التواتر فيها، وعليه فليس بوسع مسلم انكار ذلك او عدم الاعتقاد بموجبه اللهم الا لجهه اخرى، وليس هى الا جهه تعقل المساله، وقد حظيت باهتمامه وبالتركيز عليها.

ثانيا : ان اكثر المنكرين المعاصرين انما انكروها من زاويه عدم تعقل الفكره او تشخيصها وتجسيدها فى انسان ولد قبل قرون، وما يزال ذا وجود حى حقيقى. ومن هنا اتجه السيد الشهيد - بلحاظ ان القضيه فى حقيقتها اسلاميه وليست مذهبيه فحسب الى (عقلنتها) من جميع جهاتها او ما يلابسها، تصورا وقبولا وواقعا.

ثالثا : ان شان الايمان بالمهدى شان الايمان بمطلق ما ورد من المغيبات مما ثبت عن طريق الروايه كسوال منكر ونكير فى القبر ونحو ذلك مما لم يرد فى البخارى ومسلم((47))، ومع ذلك فان احدا من ابناء الاسلام لا يسعه انكاره.

رابعا : ان الاختلاف بين المتعبدين بحجيه الخبر الصحيح والايمان بموجبه، وعدم جواز تكذيبه، انما كان فى مصداق القضيه المتجسد فى انسان لا فى اصل قضيه المهدى، وهو مما احتاج الى تقديم المبررات المنطقيه والعلميه لقبوله.

خامسا : ان الذين انكروا او شككوا بالروايات الوارده فى المهدى، وحاولوا تضعيفها ليسوا من اهل الفن والعلم بالروايه وبالاسانيد ((48))، ولذلك فليس ما يدعو الى اتعاب النفس معهم كثيرا، بل لا بد من الاتجاه الى تثبيت العقيده فى نفوس المومنين وذلك (بعقلنتها) وتوظيفها لاصلاح شانهم وشوونهم. ولقد تعامل السيد الشهيد مع قضيه المهدى على انها تجربه امه، وقضيه امه، وكحقيقه ثابته تاريخيه تعيشها الامه شعورا واملا وترقبا وانتظارا ايجابيا فاعلا وموثرا فى حياتها وجهادها المستمر بلا هواده فى مواجهه الظلم والظالمين والطغاه والجبارين، هذا فضلا على ان العلماء المتقدمين والمتاخرين قد اشبعوا هذا الموضوع بحثا وتحقيقا وناقشوا مناقشات وافيه شافيه كل الطعون والاقوال والتضعيفات المزعومه، وقد اشرنا الى ذلك آنفا.

سادسا : ان من التهافت، والخطل فى الراى بالنسبه الى من يومن بموجب الخبر الصحيح، ويوجب تصديقه لمجرد وروده فى البخارى حتى لو كان مصادما لبعض الحقائق الطبيعيه او منافيا للعقل او للذوق اذ يوجب تاويله حينئذ،((49)) حيث وردت مجموعه من الاحاديث والروايات مما يتنافى مع العقل والذوق فى صحيح البخارى. ثم عندما تصل النوبه الى مساله (المهدى المنتظر) على تعدد طرقها، وصحه اسانيدها فى السنن والمسانيد، وعلى شرط البخارى ومسلم، نراه يتوقف او يتحفظ او يتردد، وليس لديه حجه الا ان المساله -حسب تصوره القاصر - من معتقدات الشيعه ((50))، مع انها كما ثبت عقيده السلف والخلف من جمهور الامه على امتداد القرون، كما نبه الى ذلك الشيخ منصور على ناصف فى غايه المامول على التاج الجامع للاصول فى الجزء الخامس وفى الصحيفه ثلاثمئه واحدى وستين.

سابعا : ان بحث السيد الشهيد(رضى‏اللّه) هو مقدمه لموسوعه ضخمه تتناول بالبحث الروائى مساله المهدى الفها العلامه السيد محمد الصدر، والسيد الشهيد(رضى‏اللّه) عبر عن امله بالمولف وبانه اوفى المساله حقها ومن جميع جوانبها، ولذا فلا مبرر للبحث الروائى عنده.

عملى فى التحقيق

اولا : اعتمدت فى ضبط النص على عده طبعات، وهى وان كانت متقاربه، ولا يوجد بينها اختلاف مهم، الا اننا افدنا من مجموعها فى اخراج النص بصوره دقيقه، والطبعات هى:

1 - طبعه مكتبه النجاح طهران، نشرت سنه 1978 م، وفيها مقدمه قيمه للدكتور حامد حفنى داود.

2 - طبعه دار التعارف - بيروت/ الطبعه الثالثه 1981 م، وفيها اشاره الى ان البحث هو مقدمه كتبها الشهيد الصدر(رضى‏اللّه) لكتاب الحجه السيد الصدر الموسوم ب (موسوعه الامام المهدى)، والتى اشار اليها الشهيد الصدر فى آخر البحث.

3 - طبعه معاونيه العلاقات الدوليه فى منظمه الاعلام الاسلامى/ الطبعه الاولى - طهران 1986م، وفيها مقدمه قيمه للعلامه الشيخ محمد على التسخيرى.

ثانيا : قمت بتخريج الايات القرآنيه من المصحف الشريف.

ثالثا: خرجت الروايات من مظانها المعتبره ومن كتب الفريقين المعتمده.

رابعا : وثقت الاحالات والاقوال التى ذكرها الامام الشهيد بالرجوع الى مصادرها.

خامسا : كتبت تعليقات مناسبه فى الهامش ايضاحا للاشارات والتنبيهات التى وردت فى البحث.

سادسا : ذكرت بعض النكات المهمه حيثما اقتضى الامر ذلك فى الهامش.

سابعا : اضفنا بعض العناوين وحصرناها بين معقوفين .

ثامنا : هناك بعض‏الهوامش للشهيدالصدرعلمنا عليهابعلامه (الشهيد الصدر).

ولا يسعنى فى الختام الا ان احمد اللّه تعالى على ما وفقنى اليه، شاكرا لكل من اعاننى على انجاز هذا التحقيق ونشره، مع خالص الدعاء بالتوفيق لمركز الغدير للدراسات الاسلاميه لقيامه بنشر هذا الكتاب.

والحمد للّه اولا وآخرا

الدكتور عبد الجبار شراره قم المقدسه 1416 ه بسم اللّه الرحيم الرحيم ( و نريد ان نمن على الذين استضعفوا فى الارض ونجعلهم ائمه ونجعلهم الوارثين) القصص : 5

(مقدمه المولف)

ليس المهدى تجسيدا لعقيده اسلاميه ذات طابع دينى فحسب، بل هو عنوان لطموح اتجهت اليه البشريه بمختلف اديانها ومذاهبها، وصياغه لالهام فطرى((51))، ادرك الناس من خلاله - على الرغم من تنوع عقائدهم ووسائلهم الى الغيب - ان للانسانيه يوما موعودا على الارض، تحقق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير، وهدفها النهائى، وتجد فيه المسيره المكدوده للانسان على مر التاريخ استقرارها وطمانينتها، بعد عناء طويل. بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبى والمستقبل المنتظر على المومنين دينيا بالغيب، بل امتد الى غيرهم ايضا وانعكس حتى على اشد الايديولوجيات والاتجاهات العقائديه رفضا للغيب والغيبيات، كالماديه الجدليه التى فسرت التاريخ على اساس التناقضات، وآمنت بيوم موعود((52))، تصفى فيه كل تلك التناقضات ويسود فيه الوئام والسلام. وهكذا نجد ان التجربه النفسيه لهذا الشعور التى مارستها الانسانيه على مر الزمن، من اوسع التجارب النفسيه واكثرها عموما بين افراد الانسان.

وحينما يدعم الدين هذا الشعور النفسى العام، ويوكد ان الارض فى نهايه المطاف ستمتلى قسطا وعدلا بعد ان ملئت ظلما وجورا((53))، يعط‏ى لذلك الشعور قيمته الموضوعيه ويحوله الى ايمان حاسم بمستقبل المسيره الانسانيه، وهذا الايمان ليس مجرد مصدر للسلوه والعزاء فحسب، بل مصدر عطاء وقوه.

فهو مصدر عطاء، لان الايمان بالمهدى ايمان برفض الظلم والجور حتى وهو يسود الدنيا كلها، وهو مصدر قوه ودفع لا تنضب((54))، لانه بصيص نور يقاوم الياس فى نفس الانسان، ويحافظ على الامل المشتعل فى صدره مهما ادلهمت الخطوب وتعملق الظلم، لان اليوم الموعود يثبت ان بامكان العدل ان يواجه عالما مليئا بالظلم والجور فيزعزع ما فيه من اركان الظلم، ويقيم بناءه من جديد((55))، وان الظلم مهما تجبر وامتد فى ارجاء العالم وسيطر على مقدراته، فهو حاله غير طبيعيه، ولا بد ان ينهزم((56)). وتلك الهزيمه الكبرى المحتومه للظلم وهو فى قمه مجده، تضع الامل كبيرا امام كل فرد مظلوم، وكل امه مظلومه، فى القدره على تغيير الميزان واعاده البناء.

واذا كانت فكره المهدى اقدم من الاسلام واوسع منه، فان معالمها التفصيليه التى حددها الاسلام جاءت اكثر اشباعا لكل الطموحات التى انشدت الى هذه الفكره منذ فجر التاريخ الدينى، واغنى عطاء، واقوى اثاره لاحاسيس المظلومين والمعذبين على مر التاريخ. وذلك لان الاسلام حول الفكره من غيب الى واقع، ومن مستقبل الى حاضر، ومن التطلع الى منقذ تتمخض عنه الدنيا فى المستقبل البعيد المجهول الى الايمان بوجود المنقذ فعلا، وتطلعه مع المتطلعين الى اليوم الموعود، واكتمال كل الظروف التى تسمح له بممارسه دوره العظيم .

فلم يعد المهدى فكره ننتظر ولادتها، ونبوءه نتطلع الى مصداقها، بل واقعا قائما ننتظر فاعليته، وانسانا معينا يعيش بيننا بلحمه ودمه، نراه ويرانا، ويعيش مع آمالنا وآلامنا، ويشاركنا احزاننا وافراحنا، ويشهد كل ما تزخر به الساحه على وجه الارض من عذاب المعذبين وبوس البائسين وظلم الظالمين، ويكتوى بكل ذلك من قريب او بعيد، وينتظر بلهفه اللحظه التى يتاح له فيها ان يمد يده الى كل مظلوم، وكل محروم((57))، وكل بائس، ويقطع دابر الظالمين.

وقد قدر لهذا القائد المنتظر ان لا يعلن عن نفسه، ولا يكشف للاخرين حياته على الرغم من انه يعيش معهم انتظارا للحظه الموعوده.

ومن الواضح ان الفكره بهذه المعالم الاسلاميه، تقرب الهوه الغيبيه بين المظلومين كل المظلومين والمنقذ المنتظر، وتجعل الجسر بينهم وبينه فى شعورهم النفسى قصيرا مهما طال الانتظار.

ونحن حينما يراد منا ان نومن بفكره المهدى، بوصفها تعبيرا عن انسان حى محدد يعيش فعلا كما نعيش، ويترقب كما نترقب، يراد الايحاء الينا بان فكره الرفض المطلق لكل ظلم وجور التى يمثلها المهدى، تجسدت فعلا فى القائد الرافض المنتظر، الذى سيظهر وليس فى عنقه بيعه لظالم كما فى الحديث،((58)) وان الايمان به ايمان بهذا الرفض الحى القائم فعلا ومواكبه له.

وقد ورد فى الاحاديث الحث المتواصل على انتظار الفرج، ومطالبه المومنين بالمهدى ان يكونوا بانتظاره. وفى ذلك تحقيق لتلك الرابطه الروحيه، والصله الوجدانيه بينهم وبين القائد الرافض، وكل ما يرمز اليه من قيم، وهى رابطه وصله ليس بالامكان ايجادها ما لم يكن المهدى قد تجسد فعلا فى انسان حى معاصر.((59)) وهكذا نلاحظ ان هذا التجسيد اعط‏ى الفكره زخما جديدا، وجعل منها مصدر عطاء وقوه بدرجه اكبر، اضافه الى ما يجده اى انسان رافض من سلوه وعزاء وتخفيف لما يقاسيه من آلام الظلم والحرمان، حين يحس ان امامه وقائده يشاركه هذه الالام ويتحسس بها فعلا بحكم كونه انسانا معاصرا، يعيش معه وليس مجرد فكره مستقبليه.