ولكن التجسيد المذكور ادى فى نفس الوقت الى مواقف سلبيه تجاه فكره المهدى نفسها((60)) لدى عدد من الناس، الذين صعب عليهم ان يتصوروا ذلك ويفترضوه.

فهم يتساءلون! اذا كان المهدى يعبر عن انسان حى، عاصر كل هذه الاجيال المتعاقبه منذ اكثر من عشره قرون، وسيظل يعاصر امتداداتها الى ان يظهر على الساحه، فكيف تاتى لهذا الانسان ان يعيش هذا العمر الطويل، وينجو من قوانين الطبيعه التى تفرض على كل انسان ان يمر بمرحله الشيخوخه والهرم، فى وقت سابق على ذلك جدا، وتودى به تلك المرحله طبيعيا الى الموت؟ اوليس ذلك مستحيلا من الناحيه الواقعيه؟((61)) ويتساءلون ايضا! لماذا كل هذا الحرص من اللّه - سبحانه وتعالى - على هذا الانسان بالذات؟ فتعطل من اجله القوانين الطبيعيه((62))، ويفعل المستحيل لاطاله عمره والاحتفاظ به لليوم الموعود، فهل عقمت البشريه عن انتاج القاده الاكفاء؟ ولماذا لا يترك اليوم الموعود لقائد يولد((63)) مع فجر ذلك اليوم، وينمو كما ينمو الناس، ويمارس دوره بالتدريج حتى يملا الارض قسطا وعدلا بعد ان ملئت ظلما وجورا؟ ويتساءلون ايضا! اذا كان المهدى اسما لشخص محدد هو ابن الامام الحادى عشر((64)) من ائمه اهل البيت(ع) الذى ولد سنه (256 ه) ((65))وتوفى ابوه سنه (260 ه)، فهذا يعنى انه كان طفلا صغيرا عند موت ابيه، لا يتجاوز خمس سنوات، وهى سن لا تكفى للمرور بمرحله اعداد فكرى ودينى كامل على يد ابيه، فكيف وباى طريقه يكتمل اعداد هذا الشخص((66)) لممارسه دوره الكبير، دينيا وفكريا وعلميا؟ ويتساءلون ايضا! اذا كان القائد جاهزا، فلماذا كل هذا الانتظار الطويل مئات السنين؟ اوليس فى ما شهده العالم من المحن والكوارث الاجتماعيه ما يبرر بروزه((67)) على الساحه واقامه العدل على الارض؟ ويتساءلون ايضا! كيف نستطيع ان نومن بوجود المهدى، حتى لو افترضنا ان هذا ممكن؟ وهل يسوغ لانسان ان يعتقد بصحه فرضيه من هذا القبيل دون ان يقوم عليها دليل علمى اوشرعى قاطع؟((68)) وهل تكفى بضع روايات تنقل عن النبى(ص) لا نعلم مدى صحتها((69)) للتسليم بالفرضيه المذكوره؟ ويتساءلون ايضا بالنسبه الى ما اعد له هذا الفرد ((70)) من دور فى اليوم الموعود! كيف يمكن ان يكون للفرد هذا الدور العظيم الحاسم فى حياه العالم؟! مع ان الفرد مهما كان عظيما لا يمكنه ان يصنع بنفسه التاريخ، ويدخل به مرحله جديده، وانما تختمر بذور الحركه التاريخيه وجذوتها فى الظروف الموضوعيه وتناقضاتها، وعظمه الفرد هى التى ترشحه لكى يشكل الواجهه لتلك الظروف الموضوعيه، والتعبير العملى عما تتطلبه من حلول؟ ويتساءلون ايضا! ما هى الطريقه التى يمكن ان نتصور من خلالها ما سيتم على يد ذلك الفرد من تحول هائل وانتصار حاسم للعدل ورساله العدل على كل كيانات الظلم والجور والطغيان، على الرغم مما تملك من سلطان ونفوذ، وما يتواجد لديها من وسائل الدمار والتدمير، وما وصلت اليه من المستوى الهائل فى الامكانات العلميه والقدره السياسيه والاجتماعيه والعسكريه؟((71)) هذه اسئله قد تتردد فى هذا المجال وتقال بشكل وآخر، وليست البواعث الحقيقيه لهذه الاسئله فكريه فحسب، بل هناك مصدر نفسى لها ايضا، وهو الشعور بهيبه الواقع المسيطر عالميا، وضاله اى فرصه لتغييره من الجذور، وبقدر ما يبعثه الواقع الذى يسود العالم على مر الزمن من هذا الشعور، تتعمق الشكوك وتترادف التساولات. وهكذا تودى الهزيمه والضاله والشعور بالضعف لدى الانسان الى ان يحس نفسيا بارهاق شديد، لمجرد تصور عمليه التغيير الكبرى للعالم التى تفرغه من كل تناقضاته ومظالمه التاريخيه، وتعطيه محتوى جديدا قائما على اساس الحق والعدل، وهذا الارهاق يدعوه الى التشكك فى هذه الصوره ومحاوله رفضها لسبب وآخر.((72)) ونحن الان ناخذ التساولات السابقه تباعا، لنقف عند كل واحد منها وقفه قصيره بالقدر الذى تتسع له هذه الوريقات.

المبحث الاول كيف تاتى للمهدى هذا العمر الطويل ؟

هل بالامكان ان يعيش الانسان قرونا كثيره كما هو المفترض فى هذا القائد المنتظر لتغيير العالم، الذى يبلغ عمره الشريف فعلا اكثر من الف ومائه واربعين سنه، اى حوالى(14) مره بقدر عمر الانسان الاعتيادى الذى يمر بكل المراحل الاعتياديه من الطفوله الى الشيخوخه؟ كلمه الامكان هنا تعنى احد ثلاثه معان: الامكان العملى، والامكان العلمى، والامكان المنطقى او الفلسفى.

واقصد بالامكان العملى: ان يكون الشىء ممكنا على نحو يتاح لى او لك، او لانسان آخر فعلا ان يحققه، فالسفر عبر المحيط، والوصول الى قاع البحر، والصعود الى القمر، اشياء اصبح لها امكان عملى فعلا. فهناك من يمارس هذه الاشياء فعلا بشكل وآخر.

واقصد بالامكان العلمى: ان هناك اشياء قد لا يكون بالامكان عمليا لى او لك، ان نمارسها فعلا بوسائل المدنيه المعاصره، ولكن لا يوجد لدى العلم ولا تشير اتجاهاته المتحركه الى ما يبرر رفض امكان هذه الاشياء ووقوعها وفقا لظروف ووسائل خاصه، فصعود الانسان الى كوكب الزهره لا يوجد فى العلم ما يرفض وقوعه، بل ان اتجاهاته القائمه فعلا تشير الى امكان ذلك، وان لم يكن الصعود فعلا ميسورا لى او لك، لان الفارق بين الصعود الى الزهره والصعود الى القمر ليس الا فارق درجه، ولا يمثل الصعود الى الزهره الا مرحله تذليل الصعاب الاضافيه التى تنشا من كون المسافه ابعد، فالصعود الى الزهره ممكن علميا وان لم يكن ممكنا عمليا فعلا((73)). وعلى العكس من ذلك الصعود الى قرص الشمس فى كبد السماء فانه غير ممكن علميا، بمعنى ان العلم لا امل له فى وقوع ذلك، اذ لا يتصور علميا، وتجريبيا امكانيه صنع ذلك الدرع الواقى من الاحتراق بحراره الشمس، التى تمثل اتونا هائلا مستعرا باعلى درجه تخطر على بال انسان.

واقصد بالامكان المنطقى او الفلسفى: ان لا يوجد لدى العقل وفق ما يدركه من قوانين قبليه - اى سابقه على التجربه - ما يبرر رفض الشىء والحكم باستحالته.

فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوى وبدون كسر الى نصفين ليس له امكان منطقى، لان العقل يدرك - قبل ان يمارس اى تجربه - ان الثلاثه عدد فردى وليس زوجا، فلا يمكن ان تنقسم بالتساوى، لان انقسامها بالتساوى يعنى كونها زوجا، فتكون فردا وزوجا فى وقت واحد، وهذا تناقض، والتناقض مستحيل منطقيا. ولكن دخول الانسان فى النار دون ان يحترق، وصعوده للشمس دون ان تحرقه الشمس بحرارتها ليس مستحيلا من الناحيه المنطقيه، اذ لا تناقض فى افتراض ان الحراره لا تتسرب من الجسم الاكثر حراره الى الجسم الاقل حراره، وانما هو مخالف للتجربه التى اثبتت تسرب الحراره من الجسم الاكثر حراره الى الجسم الاقل حراره الى ان يتساوى الجسمان فى الحراره.

وهكذا نعرف ان الامكان المنطقى اوسع دائره من الامكان العلمى، وهذا اوسع دائره من الامكان العملى.

ولا شك فى ان امتداد عمر الانسان آلاف السنين ممكن منطقيا، لان ذلك ليس مستحيلا من وجهه نظر عقليه تجريديه، ولا يوجد فى افتراض من هذا القبيل اى تناقض،لان الحياه كمفهوم لاتستبطن الموت السريع، ولانقاش فى ذلك.

كما لا شك ايضا ولا نقاش فى ان هذا العمر الطويل ليس ممكنا امكانا عمليا، على نحو الامكانات العمليه للنزول الى قاع البحر او الصعود الى القمر، ذلك لان العلم بوسائله وادواته الحاضره فعلا، والمتاحه من خلال التجربه البشريه المعاصره، لا تستطيع ان تمدد عمر الانسان مئات السنين، ولهذا نجد ان اكثر الناس حرصا على الحياه وقدره على تسخير امكانات العلم، لا يتاح لهم من العمر الا بقدر ما هو مالوف.

واما الامكان العلمى فلا يوجد علميا اليوم ما يبرر رفض ذلك من الناحيه النظريه((74)). وهذا بحث يتصل فى الحقيقه بنوعيه التفسير الفسلجى لظاهره الشيخوخه والهرم لدى الانسان، فهل تعبر هذه الظاهره عن قانون طبيعى يفرض على انسجه جسم الانسان وخلاياه - بعد ان تبلغ قمه نموها ان تتصلب بالتدريج وتصبح اقل كفاءه للاستمرار فى العمل، الى ان تتعطل فى لحظه معينه، حتى لو عزلناها عن تاثير اى عامل خارجى؟ او ان هذا التصلب وهذا التناقص فى كفاءه الانسجه والخلايا الجسميه للقيام بادوارها الفسيولوجيه، نتيجه صراع مع عوامل خارجيه كالميكروبات او التسمم الذى يتسرب الى الجسم من خلال ما يتناوله من غذاء مكثف؟ او ما يقوم به من عمل مكثف او اى عامل آخر؟ وهذا سوال يطرحه العلم اليوم على نفسه، وهو جاد فى الاجابه عنه، ولا يزال للسوال اكثر من جواب على الصعيد العلمى.

فاذا اخذنا بوجهه النظر العلميه التى تتجه الى تفسير الشيخوخه والضعف الهرمى، بوصفه نتيجه صراع واحتكاك مع موثرات خارجيه معينه، فهذا يعنى ان بالامكان نظريا، اذا عزلت الانسجه التى يتكون منها جسم الانسان عن تلك الموثرات المعينه، ان تمتد بها الحياه وتتجاوز ظاهره الشيخوخه وتتغلب عليها نهائيا.

واذا اخذنا بوجهه النظر الاخرى، التى تميل الى افتراض الشيخوخه قانونا طبيعيا للخلايا والانسجه الحيه نفسها، بمعنى انها تحمل فى احشائها بذره فنائها المحتوم، مرورا بمرحله الهرم والشيخوخه وانتهاء بالموت.

اقول :

اذا اخذنا بوجهه النظر هذه، فليس معنى هذا عدم افتراض اى مرونه فى هذا القانون الطبيعى، بل هو - على افتراض وجوده - قانون مرن، لاننا نجد فى حياتنا الاعتياديه، ولان العلماء يشاهدون فى مختبراتهم العلميه، ان الشيخوخه كظاهره فسيولوجيه لا زمنيه، قد تاتى مبكره، وقد تتاخر ولا تظهر الا فى فتره متاخره، حتى ان الرجل قد يكون طاعنا فى السن ولكنه يملك اعضاء لينه، ولا تبدو عليه اعراض الشيخوخه كما نص على ذلك الاطباء((75)). بل ان العلماء استطاعوا عمليا ان يستفيدوا من مرونه ذلك القانون الطبيعى المفترض، فاطالوا عمر بعض الحيوانات مئات المرات بالنسبه الى اعمارها الطبيعيه، وذلك بخلق ظروف وعوامل توجل فاعليه قانون الشيخوخه.

وبهذا يثبت علميا ان تاجيل هذا القانون بخلق ظروف وعوامل معينه امر ممكن علميا، ولئن لم يتح للعلم ان يمارس فعلا هذا التاجيل بالنسبه الى كائن معقد معين كالانسان، فليس ذلك الا لفارق درجه بين صعوبه هذه الممارسه بالنسبه الى الانسان وصعوبتها بالنسبه الى احياء اخرى. وهذا يعنى ان العلم من الناحيه النظريه وبقدر ما تشير اليه اتجاهاته المتحركه لا يوجد فيه ابدا ما يرفض امكانيه اطاله عمر الانسان، سواء فسرنا الشيخوخه بوصفها نتاج صراع واحتكاك مع موثرات خارجيه او نتاج قانون طبيعى للخليه الحيه نفسها يسير بها نحو الفناء.

ويتلخص من ذلك: ان طول عمر الانسان وبقاءه قرونا متعدده امر ممكن منطقيا وممكن علميا، ولكنه لا يزال غير ممكن عمليا، الا ان اتجاه العلم سائر فى طريق تحقيق هذا الامكان عبر طريق طويل.

وعلى هذا الضوء نتناول عمر المهدى عليه الصلاه والسلام وما احيط به من استفهام او استغراب، ونلاحظ:

انه بعد ان ثبت امكان هذا العمر الطويل منطقيا وعلميا، وثبت ان العلم سائر فى طريق تحويل الامكان النظرى الى امكان عملى تدريجا، لا يبقى للاستغراب محتوى الا استبعاد ان يسبق المهدى العلم نفسه، فيتحول الامكان النظرى الى امكان عملى فى شخصه قبل ان يصل العلم فى تطوره الى مستوى القدره الفعليه على هذا التحويل، فهو نظير من يسبق العلم فى اكتشاف دواء ذات السحايا او دواء السرطان.

واذا كانت المساله هى انه كيف سبق الاسلام - الذى صمم عمر هذا القائد المنتظر - حركه العلم فى مجال هذا التحويل؟ فالجواب : انه ليس ذلك هوالمجال الوحيدالذى سبق فيه الاسلام حركه العلم.

اوليست الشريعه الاسلاميه ككل قد سبقت حركه العلم والتطور الطبيعى للفكر الانسانى قرونا عديده؟((76)) اولم تناد بشعارات طرحت خططا للتطبيق لم ينضج الانسان للتوصل اليها فى حركته المستقله الا بعد مئات السنين؟ اولم تات بتشريعات فى غايه الحكمه، لم يستطع الانسان ان يدرك اسرارها ووجه الحكمه فيها الا قبل برهه وجيزه من الزمن؟ اولم تكشف رساله السماء اسرارا من الكون لم تكن تخطر على بال انسان، ثم جاء العلم ليثبتها ويدعمها؟ فاذا كنا نومن بهذا كله، فلماذا نستكثر على مرسل هذه الرساله - سبحانه وتعالى - ان يسبق العلم فى تصميم عمر المهدى؟((77)) وانا هنا لم اتكلم الا عن مظاهر السبق التى نستطيع ان نحسها نحن بصوره مباشره، ويمكن ان نضيف الى ذلك مظاهر السبق التى تحدثنا بها رساله السماء نفسها.

ومثال ذلك انها تخبرنا بان النبى(ص) قد اسرى به ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى، وهذا الاسراء((78))اذا اردنا ان نفهمه فى اطار القوانين الطبيعيه، فهو يعبر عن الاستفاده من القوانين الطبيعيه بشكل لم يتح للعلم ان يحققه((79)) الا بعد مئات السنين، فنفس الخبره الربانيه التى اتاحت للرسول(ص) التحرك السريع قبل ان يتاح للعلم تحقيق ذلك، اتاحت لاخر خلفائه المنصوصين العمر المديد، قبل ان يتاح للعلم تحقيق ذلك.

ح- نعم، هذا العمر المديد الذى منحه اللّه تعالى للمنقذ المنتظر يبدو غريبا فى حدود المالوف حتى اليوم فى حياه الناس، وفى ما انجز فعلا من تجارب العلماء.

ولكن! اوليس الدور التغييرى الحاسم الذى اعد له هذا المنقذ غريبا فى حدود المالوف فى حياه الناس، وما مرت بهم من تطورات التاريخ؟ اوليس قد انيط به تغيير العالم، واعاده بنائه الحضارى من جديد على اساس الحق والعدل؟ فلماذا نستغرب اذا اتسم التحضير لهذا الدور الكبير ببعض الظواهر الغريبه والخارجه عن المالوف كطول عمر المنقذ المنتظر؟ فان غرابه هذه الظواهر وخروجها عن المالوف مهما كان شديدا، لا يفوق بحال غرابه نفس الدور العظيم الذى يجب على اليوم الموعود انجازه. فاذا كنا نستسيغ ذلك الدور الفري((80)) تاريخيا على الرغم من انه لا يوجد دور مناظر له فى تاريخ الانسان، فلماذا لا نستسيغ ذلك العمر المديد الذى لا نجد عمرا مناظرا له فى حياتنا المالوفه؟ ولا ادرى! هل هى صدفه ان يقوم شخصان فقط بتفريغ الحضاره الانسانيه من محتواها الفاسد وبنائها من جديد، فيكون لكل منهما عمر مديد يزيد على اعمارنا الاعتياديه اضعافا مضاعفه؟ احدهما مارس دوره فى ماضى البشريه وهو النبى نوح، الذى نص القرآن الكريم ((81))على انه مكث فى قومه الف سنه الا خمسين عاما، وقدر له من خلال الطوفان ان يبنى العالم من جديد.

والاخر يمارس دوره فى مستقبل البشريه وهو المهدى الذى مكث فى قومه حتى الان اكثر من الف عام وسيقدر له فى اليوم الموعود ان يبنى العالم من جديد.

فلماذا نقبل نوح الذى ناهز الف عام على اقل تقدير ولا نقبل المهدى؟((82))

المبحث الثانى المعجزه والعمر الطويل

وقد عرفنا حتى الان ان العمر الطويل ممكن علميا، ولكن لنفترض انه غير ممكن علميا، وان قانون الشيخوخه والهرم قانون صارم لا يمكن للبشريه اليوم، ولا على خطها الطويل ان تتغلب عليه، وتغير من ظروفه وشروطه، فماذا يعنى ذلك؟ انه يعنى ان اطاله عمر الانسان - كنوح او كالمهدى - قرونا متعدده، هى على خلاف القوانين الطبيعيه التى اثبتها العلم بوسائل التجربه والاستقراء الحديثه، وبذلك تصبح هذه الحاله معجزه عطلت قانونا طبيعيا فى حاله معينه للحفاظ على حياه الشخص الذى انيط به الحفاظ على رساله السماء، وليست هذه المعجزه فريده من نوعها، او غريبه على عقيده المسلم المستمده من نص القرآن والسنه((83))، فليس قانون الشيخوخه والهرم اشد صرامه من قانون انتقال الحراره من الجسم الاكثر حراره الى الجسم الاقل حراره حتى يتساويا، وقد عطل هذا القانون لحمايه حياه ابراهيم(ع) حين كان الاسلوب الوحيد للحفاظ عليه تعطيل ذلك القانون. فقيل للنار حين القى فيها ابراهيم (قلنا يا ناركونى بردا وسلاما على ابراهيم) الانبياء:69، فخرج منها كما دخل سليما لم يصبه اذى، الى كثير من القوانين الطبيعيه التى عطلت لحمايه اشخاص من الانبياء وحجج اللّه على الارض، ففلق البحر لموسى((84))، وشبه للرومان انهم قبضوا على عيسى((85)) ولم يكونوا قد قبضوا عليه، وخرج النبى محمد(ص) من داره وهى محفوفه بحشود قريش التى ظلت ساعات تتربص به لتهجم عليه، فستره اللّه تعالى عن عيونهم وهو يمشى بينهم((86)). كل هذه الحالات تمثل قوانين طبيعيه عطلت لحمايه شخص، كانت الحكمه الربانيه تقتضى الحفاظ على حياته، فليكن قانون الشيخوخه والهرم من تلك القوانين.

وقد يمكن ان نخرج من ذلك بمفهوم عام وهو انه كلما توقف الحفاظ على حياه حجه للّه فى الارض على تعطيل قانون طبيعى، وكانت ادامه حياه ذلك الشخص ضروريه لانجاز مهمته التى اعد لها، تدخلت العنايه الربانيه فى تعطيل ذلك القانون لانجاز ذلك، وعلى العكس اذا كان الشخص قد انتهت مهمته التى اعد لها ربانيا فانه سيلقى حتفه ويموت او يستشهد وفقا لما تقرره القوانين الطبيعيه.

ونواجه عاده بمناسبه هذا المفهوم العام السوال التالى: كيف يمكن ان يتعطل القانون((87))؟ وكيف تنفصم العلاقه الضروريه التى تقوم بين الظواهر الطبيعيه؟ وهل هذه الا مناقضه للعلم الذى اكتشف ذلك القانون الطبيعى، وحدد هذه العلاقه الضروريه على اسس تجريبيه واستقرائيه؟! والجواب : ان العلم نفسه قد اجاب عن هذا السوال بالتنازل عن فكره الضروره فى القانون الطبيعى، وتوضيح ذلك: ان القوانين الطبيعيه يكتشفها العلم على اساس التجربه والملاحظه المنتظمه، فحين يطرد وقوع ظاهره طبيعيه عقيب ظاهره اخرى يستدل بهذا الاطراد على قانون طبيعى، وهو انه كلما وجدت الظاهره الاولى وجدت الظاهره الثانيه عقيبها، غير ان العلم لايفترض فى هذا القانون الطبيعى علاقه ضروريه بين الظاهرتين نابعه من صميم هذه الظاهره وذاتها، وصميم تلك وذاتها، لان الضروره حاله غيبيه، لا يمكن للتجربه ووسائل البحث الاستقرائى والعلمى اثباتها، ولهذا فان منطق العلم الحديث يوكد ان القانون الطبيعى - كما يعرفه العلم - لا يتحدث عن علاقه ضروريه، بل عن اقتران مستمر بين ظاهرتين((88))، فاذا جاءت المعجزه وفصلت احدى الظاهرتين عن الاخرى فى قانون طبيعى لم يكن ذلك فصما لعلاقه ضروريه بين الظاهرتين.

والحقيقه ان المعجزه بمفهومها الدينى، قد اصبحت فى ضوء المنطق العلمى الحديث مفهومه بدرجه اكبر مما كانت عليه فى ظل وجهه النظر الكلاسيكيه الى علاقات السببيه.

فقدكانت وجهه النظر القديمه تفترض ان كل ظاهرتين اطرد اقتران احداهما بالاخرى فالعلاقه بينهما علاقه ضروره، والضروره تعنى ان من المستحيل ان تنفصل احدى الظاهرتين عن الاخرى، ولكن هذه العلاقه تحولت فى منطق العلم الحديث الى قانون الاقتران او التتابع المطرد ((89))بين الظاهرتين دون افتراض تلك الضروره الغيبيه.

وبهذا تصبح المعجزه حاله استثنائيه لهذا الاطراد فى الاقتران اوالتتابع دون ان تصطدم بضروره او تودى الى استحاله.

واما على ضوء الاسس المنطقيه للاستقراء((90)) فنحن نتفق مع وجهه النظر العلميه الحديثه، فى ان الاستقراء لا يبرهن على علاقه الضروره بين الظاهرتين، ولكنا نرى انه يدل على وجود تفسير مشترك لاطراد التقارن او التعاقب بين الظاهرتين باستمرار، وهذا التفسير المشترك كما يمكن صياغته على اساس افتراض الضروره الذاتيه، كذلك يمكن صياغته على اساس افتراض حكمه دعت منظم الكون الى ربط ظواهر معينه بظواهر اخرى باستمرار، وهذه الحكمه نفسها تدعو احيانا الى الاستثناء فتحدث المعجزه.

المبحث الثالث لماذا كل هذا الحرص على اطاله عمره ؟

ونتناول الان السوال الثانى، وهو يقول:

لماذا كل هذا الحرص من اللّه سبحانه وتعالى على هذا الانسان بالذات، فتعطل من اجله القوانين الطبيعيه لاطاله عمره؟ ولماذا لا تترك قياده اليوم الموعود لشخص يتمخض عنه المستقبل، وتنضجه ارهاصات اليوم الموعود فيبرز على الساحه ويمارس دوره المنتظر.

وبكلمه اخرى : ما هى فائده هذه الغيبه الطويله وما المبرر لها؟ وكثير من الناس يسالون هذا السوال وهم لا يريدون ان يسمعوا جوابا غيبيا، فنحن نومن بان الائمه الاثنى عشر مجموعه فريده ((91))لا يمكن التعويض عن اى واحد منهم، غيران هولاء المتسائلين يطالبون بتفسيراجتماعى للموقف، على ضوء الحقائق المحسوسه لعمليه التغييرالكبرى نفسها والمتطلبات المفهومه لليوم الموعود.

وعلى هذا الاساس نقطع النظر موقتا عن الخصائص التى نومن بتوفرها فى هولاء الائمه المعصومين ((92))ونطرح السوال التالى:

اننا بالنسبه الى عمليه التغيير المرتقبه فى اليوم الموعود، بقدر ما تكون مفهومه على ضوء سنن الحياه وتجاربها، هل يمكن ان نعتبر هذاالعمر الطويل لقائدها المدخر عاملا من عوامل انجاحها، وتمكنه من ممارستها وقيادتها بدرجه اكبر؟ ونجيب عن ذلك بالايجاب، وذلك لعده اسباب منها ما يلى:

ان عمليه التغيير الكبرى تتطلب وضعا نفسيا فريدا فى القائد الممارس لها، مشحونا بالشعور.. بالتفوق والاحساس بضاله الكيانات الشامخه التى اعد للقضاء عليها، وتحويلها حضاريا الى عالم جديد.

فبقدر ما يعمر قلب القائد المغير من شعور بتفاهه الحضاره التى يصارعها، واحساس واضح بانها مجرد نقطه على الخط الطويل لحضاره الانسان، يصبح اكثر قدره من الناحيه النفسيه ((93))على مواجهتها والصمود فى وجهها ومواصله العمل ضدها حتى النصر.

ومن الواضح ان الحجم المطلوب من هذا الشعور النفسى يتناسب مع حجم التغيير نفسه، ومايراد القضاء عليه من حضاره وكيان، فكلما كانت المواجهه لكيان اكبر ولحضاره ارسخ واشمخ تطلبت زخما اكبر من هذا الشعور النفسى المفعم.

ولما كانت رساله اليوم الموعود تغيير عالم ملىء بالظلم وبالجور، تغييرا شاملا بكل قيمه الحضاريه وكياناته المتنوعه، فمن الطبيعى ان تفتش هذه الرساله عن شخص اكبر فى شعوره النفسى من ذلك العالم كله، عن شخص ليس من مواليد ذلك العالم الذين نشاوا فى ظل تلك الحضاره التى يراد تقويضها واستبدال حضاره العدل والحق بها، لان من ينشا فى ظل حضاره راسخه، تعمر الدنيا بسلطانها وقيمها وافكارها، يعيش فى نفسه الشعور بالهيبه تجاهها، لانه ولد وهى قائمه، ونشا صغيرا وهى جباره، وفتح عينيه على الدنيا فلم يجد سوى اوجهها المختلفه.

وخلافا لذلك، شخص يتوغل فى التاريخ عاش الدنيا قبل ان ترى تلك الحضاره النور، وراى الحضارات الكبيره سادت العالم الواحده تلو الاخرى ثم تداعت وانهارت((94))، راى ذلك بعينيه ولم يقراه فى كتاب تاريخ..

ثم راى الحضاره التى يقدر لها ان تكون الفصل الاخير من قصه الانسان قبل اليوم الموعود، رآها وهى بذور صغيره لا تكاد تتبين..

ثم شاهدها وقد اتخذت مواقعها فى احشاء المجتمع البشرى تتربص الفرصه لكى تنمو وتظهر..

ثم عاصرها وقد بدات تنمو وتزحف وتصاب بالنكسه تاره ويحالفها التوفيق تاره اخرى..

ثم واكبها وهى تزدهر وتتعملق وتسيطر بالتدريج على مقدرات عالم بكامله، فان شخصا من هذا القبيل عاش كل هذه المراحل بفطنه وانتباه كاملين ينظر الى هذا العملاق - الذى يريد ان يصارعه - من زاويه ذلك الامتداد التاريخى الطويل الذى عاشه بحسه لا فى بطون كتب التاريخ فحسب، ينظر اليه لا بوصفه قدرا محتوما، ولا كما كان ينظر (جان جاك روسو) ((95))الى الملكيه فى فرنسا، فقد جاء عنه انه كان يرعبه مجرد ان يتصور فرنسا بدون ملك، على الرغم من كونه من الدعاه الكبار فكريا وفلسفيا الى تطوير الوضع السياسى القائم وقتئذ، لان (روسو) هذا نشا فى ظل الملكيه، وتنفس هواءها طيله حياته، واما هذا الشخص المتوغل فى التاريخ، فله هيبه التاريخ، وقوه التاريخ، والشعور المفعم بان ما حوله من كيان وحضاره وليد يوم من ايام التاريخ، تهيات له الاسباب فوجد، وستتهيا الاسباب فيزول، فلا يبقى منه شىء كما لم يكن يوجد منه شىء بالامس القريب او البعيد، وان الاعمار التاريخيه للحضارات والكيانات مهما طالت فهى ليست الا اياما قصيره فى عمر التاريخ الطويل.

هل قرات سوره الكهف؟ وهل قرات عن اولئك الفتيه الذين آمنوا بربهم وزادهم اللّه هدى ((96))؟ وواجهوا كيانا وثنيا حاكما، لا يرحم ولا يتردد فى خنق اى بذره من بذور التوحيد والارتفاع عن وحده الشرك، فضاقت نفوسهم ودب اليها الياس وسدت منافذ الامل امام اعينهم، ولجاوا الى الكهف يطلبون من اللّه حلا لمشكلتهم بعد ان اعيتهم الحلول، وكبر فى نفوسهم ان يظل الباطل يحكم ويظلم ويقهر الحق ويصفى كل من يخفق قلبه للحق.

هل تعلم ماذا صنع اللّه تعالى بهم؟ انه انامهم ثلاثمائه سنه وتسع سنين ((97))فى ذلك الكهف، ثم بعثهم من نومهم ودفع بهم الى مسرح الحياه، بعد ان كان ذلك الكيان الذى بهرهم بقوته وظلمه قد تداعى وسقط، واصبح تاريخا لا يرعب احدا ولا يحرك ساكنا، كل ذلك لكى يشهد هولاء الفتيه مصرع ذلك الباطل الذى كبر عليهم امتداده وقوته واستمراره، ويروا انتهاء امره باعينهم ويتصاغر الباطل فى نفوسهم.

ولئن تحققت لاصحاب الكهف هذه الرويه الواضحه بكل ما تحمل من زخم وشموخ نفسيين من خلال ذلك الحدث الفريد الذى مدد حياتهم ثلاثمائه سنه، فان الشىء نفسه يتحقق للقائد المنتظر من خلال عمره المديد الذى يتيح له ان يشهد العملاق وهو قزم والشجره الباسقه وهى بذره، والاعصار وهو مجرد نسمه.((98)) اضف الى ذلك، ان التجربه التى تتيحها مواكبه تلك الحضارات المتعاقبه، والمواجهه المباشره لحركتها وتطوراتها لها اثر كبير فى الاعداد الفكرى وتعميق الخبره القياديه لليوم الموعود، لانها تضع الشخص المدخر امام ممارسات كثيره للاخرين بكل ما فيها من نقاط الضعف والقوه، ومن الوان الخطا والصواب، وتعط ى لهذا الشخص قدره اكبر على تقييم الظواهر الاجتماعيه بالوعى الكامل على اسبابها، وكل ملابساتها التاريخيه.

ثم ان عمليه التغيير المدخره للقائد المنتظر تقوم على اساس رساله معينه هى رساله الاسلام، ومن الطبيعى ان تتطلب العمليه فى هذه الحاله قائدا قريبا من مصادر الاسلام الاولى، قد بنيت شخصيته بناء كاملا بصوره مستقله ومنفصله عن موثرات الحضاره التى يقدر لليوم الموعود ان يحاربها.

وخلافا لذلك، الشخص الذى يولد وينشا فى كنف هذه الحضاره وتتفتح افكاره ومشاعره فى اطارها، فانه لا يتخلص غالبا من رواسب تلك الحضاره ومرتكزاتها، وان قاد حمله تغييريه ضدها.

فلكى يضمن عدم تاثر القائد المدخر بالحضاره التى اعد لاستبدالها، لا بد ان تكون شخصيته قد بنيت بناء كاملا فى مرحله حضاريه سابقه هى اقرب ما تكون فى الروح العامه ومن ناحيه المبدا الى الحاله الحضاريه التى يتجه اليوم الموعود الى تحقيقها بقيادته.((99))

المبحث الرابع له كيف اكتمل اعداد القائد المنتظر ؟

وناتى الان على السوال الثالث القائل: كيف اكتمل اعداد القائد المنتظر مع انه لم يعاصر اباه الامام العسكرى الا خمس سنوات تقريبا؟ وهى فتره الطفوله التى لا تكفى لانضاج شخصيه القائد، فما هى الظروف التى تكامل من خلالها؟ والجواب : ان المهدى(ع) خلف اباه فى امامه المسلمين، وهذا يعنى انه كان اماما بكل ما فى الامامه من محتوى فكرى وروحى فى وقت مبكر جدا من حياته الشريفه.

والامامه المبكره ظاهره سبقه اليها عدد من آبائه(ع)، فالامام محمد بن على الجواد(ع) تولى الامامه وهو فى الثامنه من عمر ((100))، والامام على بن محمد الهادى تولى الامامه وهو فى التاسعه ((101))من عمره، والامام ابو محمد الحسن العسكرى((101)) والد القائد المنتظر تولى الامامه وهو فى الثانيه والعشرين من عمره، ويلاحظ ان ظاهره الامامه المبكره بلغت ذروتها فى الامام المهدى والامام الجواد، ونحن نسميها ظاهره لانها كانت بالنسبه الى عدد من آباء المهدى(ع) تشكل مدلولا حسيا عمليا عاشه المسلمون، ووعوه فى تجربتهم مع الامام بشكل وآخر، ولا يمكن ان نطالب باثبات لظاهره من الظواهر اوضح واقوى من تجربه امه((102)). ونوضح ذلك ضمن النقاط التاليه:

ا - لم تكن امامه الامام من اهل البيت مركزا من مراكز السلطان والنفوذ التى تنتقل بالوراثه من الاب الى الابن، ويدعمها النظام الحاكم كامامه الخلفاء الفاطميين، وخلافه الخلفاء العباسيين، وانما كانت تكتسب ولاء قواعدها الشعبيه الواسعه عن طريق التغلغل الروحى، والاقناع الفكرى لتلك القواعد بجداره هذه الامامه لزعامه الاسلام، وقيادته على اسس روحيه وفكريه.

ب - ان هذه القواعد الشعبيه بنيت منذ صدر الاسلام، وازدهرت واتسعت على عهد الامامين الباقر والصادق(ع)، واصبحت المدرسه التى رعاها هذان الامامان فى داخل هذه القواعد تشكل تيارا فكريا واسعا فى العالم الاسلامى، يضم المئات من الفقهاء والمتكلمين والمفسرين والعلماء فى مختلف ضروب المعرفه الاسلاميه والبشريه المعروفه وقتئذ، حتى قال الحسن بن على الوشا: انى دخلت مسجد الكوفه فرايت فيه تسعمائه شيخ((103)) كلهم يقولون حدثنا جعفر بن محمد.

ج- ان الشروط التى كانت هذه المدرسه وما تمثله من قواعد شعبيه فى المجتمع الاسلامى، تومن بها وتتقيد بموجبها فى تعيين الامام والتعرف على كفاءته للامامه، شروط شديده، لانها تومن بان الامام لا يكون اماما الا اذا كان اعلم علماء عصره((104)). د - ان المدرسه وقواعدها الشعبيه كانت تقدم تضحيات كبيره فى سبيل الصمود على عقيدتها فى الامامه، لانها كانت فى نظر الخلافه المعاصره لها تشكل خطا عدائيا، ولو من الناحيه الفكريه على الاقل، الامر الذى ادى الى قيام السلطات وقتئذ وباستمرار تقريبا حملات من التصفيه والتعذيب، فقتل من قتل، وسجن من سجن، ومات فى ظلمات المعتقلات المئات.

وهذا يعنى ان الاعتقاد بامامه ائمه اهل البيت كان يكلفهم غاليا((105))، ولم يكن له من الاغراءات سوى ما يحس به المعتقد او يفترضه من التقرب الى اللّه تعالى والزلفى عنده.

ه - ان الائمه الذين دانت هذه القواعد لهم بالامامه لم يكونوا معزولين عنها، ولا متقوقعين فى بروج عاليه شان السلاطين مع شعوبهم، ولم يكونوا يحتجبون عنهم الا ان تحجبهم السلطه الحاكمه بسجن او نفى، وهذا ما نعرفه من خلال العدد الكبير من الرواه والمحدثين عن كل واحد من الائمه الاحد عشر، ومن خلال ما نقل من المكاتبات التى كانت تحصل بين الامام ومعاصريه، وما كان الامام يقوم به من اسفار من ناحيه، وما كان يبثه من وكلاء فى مختلف انحاء العالم الاسلامى من ناحيه اخرى، وما كان قد اعتاده الشيعه من تفقد ائمتهم وزيارتهم فى المدينه المنوره عندما يومون الديار المقدسه من كل مكان لاداء فريضه الحج((106))، كل ذلك يفرض تفاعلا مستمرا بدرجه واضحه بين الامام وقواعده الممتده فى ارجاء العالم الاسلامى بمختلف طبقاتها من العلماء وغيرهم.

و - ان الخلافه المعاصره للائمه(ع) كانت تنظر اليهم والى زعامتهم الروحيه والاماميه بوصفها مصدر خطر كبير على كيانها ومقدراتها، وعلى هذا الاساس بذلت كل جهودها فى سبيل تفتيت هذه الزعامه، وتحملت فى سبيل ذلك كثيرا من السلبيات، وظهرت احيانا بمظاهر القسوه والطغيان حينما اضطرها تامين مواقعها الى ذلك، وكانت حملات الاعتقال والمطارده مستمره للائمه((107)) انفسهم على الرغم مما يخلفه ذلك من شعور بالالم او الاشمئزاز عند المسلمين وللناس الموالين على اختلاف درجاتهم.

اذا اخذنا هذه النقاط الست بعين الاعتبار، وهى حقائق تاريخيه لا تقبل الشك، امكن ان نخرج بنتيجه وهى: ان ظاهره الامامه المبكره كانت ظاهره واقعيه ولم تكن وهما من الاوهام، لان الامام الذى يبرز على المسرح وهو صغير فيعلن عن نفسه اماما روحيا وفكريا للمسلمين، ويدين له بالولاء والامامه كل ذلك التيار الواسع، لا بد ان يكون على قدر واضح وملحوظ بل وكبير من العلم والمعرفه وسعه الافق والتمكن من الفقه والتفسير والعقائد، لانه لو لم يكن كذلك لما امكن ان تقتنع تلك القواعد الشعبيه بامامته، مع ما تقدم من ان الائمه كانوا فى مواقع تتيح لقواعدهم التفاعل معهم وللاضواء المختلفه ان تسلط على حياتهم وموازين شخصيتهم. فهل ترى ان صبيا يدعو الى امامه نفسه وينصب منها علما للاسلام وهو على مراى ومسمع من جماهير قواعده الشعبيه، فتومن به وتبذل فى سبيل ذلك الغالى من امنها وحياتها بدون ان تكلف نفسها اكتشاف حاله، وبدون ان تهزها ظاهره هذه الامامه المبكره لاستطلاع حقيقه الموقف وتقييم هذا الصبى الامام((108))؟ وهب ان الناس لم يتحركوا لاستطلاع المواقف، فهل يمكن ان تمر المساله اياما وشهورا بل اعواما دون ان تتكشف الحقيقه على الرغم من التفاعل الطبيعى المستمر بين الصبى الامام وسائر الناس؟ وهل من المعقول ان يكون صبيا فى فكره وعلمه حقا ثم لا يبدو ذلك من خلال هذا التفاعل الطويل؟ واذا افترضنا ان القواعد الشعبيه لامامه اهل البيت لم يتح لها ان تكتشف واقع الامر، فلماذا سكتت الخلافه القائمه ولم تعمل لكشف الحقيقه اذا كانت فى صالحها؟ وما كان ايسر ذلك على السلطه القائمه لو كان الامام الصبى صبيا فى فكره وثقافته كما هو المعهود فى الصبيان، وما كان انجحه من اسلوب ان تقدم هذا الصبى الى شيعته وغير شيعته على حقيقته، وتبرهن على عدم كفاءته للامامه والزعامه الروحيه والفكريه. فلئن كان من الصعب الاقناع بعدم كفاءه شخص فى الاربعين او الخمسين قد احاط بقدر كبير من ثقافه عصره لتسلم الامامه، فليس هناك صعوبه فى الاقناع بعدم كفاءه صبى اعتيادى مهما كان ذكيا وفطنا للامامه بمعناها الذى يعرفه الشيعه الاماميون((109))، وكان هذا اسهل وايسر من الطرق المعقده واساليب القمع والمجازفه التى انتهجتها السلطات وقتئذ.

ان التفسير الوحيد لسكوت الخلافه المعاصره عن اللعب بهذه الورقه((110))، هو انها ادركت ان الامامه المبكره ظاهره حقيقيه وليست شيئا مصطنعا.

والحقيقه انها ادركت ذلك بالفعل بعد ان حاولت ان تلعب بتلك الورقه فلم تستطع، والتاريخ يحدثنا عن محاولات من هذا القبيل وفشلها((111))، بينما لم يحدثنا اطلاقا عن موقف تزعزعت فيه ظاهره الامامه المبكره او واجه فيه الصبى الامام احراجا يفوق قدرته او يزعزع ثقه الناس فيه.

وهذا معنى ما قلناه من ان الامامه المبكره ظاهره واقعيه فى حياه اهل البيت وليست مجرد افتراض، كما ان هذه الظاهره الواقعيه لها جذورها وحالاتها المماثله فى تراث السماء الذى امتد عبر الرسالات والزعامات الربانيه.

ويكفى مثالا لظاهره الامامه المبكره فى التراث الربانى لاهل البيت(ع) يحيى(ع) اذ قال اللّه سبحانه وتعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوه و آتيناه الحكم صبيا) سوره مريم : 12.

ومتى ثبت ان الامامه المبكره ظاهره واقعيه ومتواجده فعلا فى حياه اهل البيت لم يعد هناك اعتراض فيما يخص امامه المهدى(ع) وخلافته لابيه وهو صغير.((112))

المبحث الخامس كيف نومن بان المهدى قد وجد ؟

ونصل الان الى السوال الرابع وهو يقول: هب ان فرضيه القائد المنتظر ممكنه بكل ما تستبطنه من عمر طويل، وامامه مبكره، وغيبه صامته، فان الامكان لا يكفى للاقتناع بوجوده فعلا.

فكيف نومن فعلا بوجود المهدى؟ وهل تكفى بضع روايات تنقل فى بطون الكتب عن الرسول الاعظم(ص) للاقتناع الكامل بالامام الثانى عشر على الرغم مما فى هذا الافتراض من غرابه وخروج عن المالوف؟ بل كيف يمكن ان نثبت ان للمهدى وجودا تاريخيا حقا وليس مجرد افتراض توفرت ظروف نفسيه لتثبيته فى نفوس عدد كبير من الناس؟((113)) والجواب : ان فكره المهدى بوصفه القائد المنتظر لتغيير العالم الى الافضل قد جاءت فى احاديث الرسول الاعظم عموما، وفى روايات ائمه اهل البيت خصوصا، واكدت فى نصوص كثيره بدرجه لا يمكن ان يرقى اليها الشك. وقد احصى اربعمائه حديث عن النبى(ص) من طرق اخواننا اهل السنه((114))، كما احصى مجموع الاخبار الوارده فى الامام المهدى من طرق الشيعه والسنه فكان اكثر من سته آلاف روايه((115))، وهذا رقم احصائى كبير لا يتوفر نظيره فى كثير من قضايا الاسلام البديهيه التى لا يشك فيها مسلم عاده.

واما تجسيد هذه الفكره فى الامام الثانى عشر عليه الصلاه والسلام فهذا ما توجد مبررات كافيه وواضحه للاقتناع به.

ويمكن تلخيص هذه المبررات فى دليلين:

احدهما اسلامى.

والاخر علمى.

فبالدليل الاسلامى نثبت وجود القائد المنتظر.

وبالدليل العلمى نبرهن على ان المهدى ليس مجرد اسطوره وافتراض، بل هو حقيقه ثبت وجودها بالتجربه التاريخيه.

اما الدليل الاسلامى :

فيتمثل فى مئات الروايات الوارده عن رسول اللّه(ص) ((116))والائمه من اهل البيت(ع) والتى تدل على تعيين المهدى وكونه من اهل البيت..((117)) ومن ولد فاطمه..((118)) ومن ذريه الحسين..((119)) وانه التاسع من ولد الحسين..((120)) وان الخلفاء اثنا عشر((121)). فان هذه الروايات تحدد تلك الفكره العامه وتشخيصها فى الامام الثانى عشر من ائمه اهل البيت، وهى روايات بلغت درجه كبيره من الكثره والانتشار على الرغم من تحفظ الائمه(ع) واحتياطهم فى طرح ذلك على المستوى العام، وقايه للخلف الصالح من الاغتيال او الاجهاز السريع على حياته((122)). وليست الكثره العدديه للروايات هى الاساس الوحيد لقبولها، بل هناك اضافه الى ذلك مزايا وقرائن تبرهن على صحتها، فالحديث النبوى الشريف عن الائمه او الخلفاء او الامراء بعده وانهم اثنا عشر اماما او خليفه او اميرا - على اختلاف متن الحديث فى طرقه المختلفه - قد احصى بعض المولفين رواياته فبلغت اكثر من مائتين وسبعين روايه ((123))ماخوذه من اشهر كتب الحديث عند الشيعه والسنه بما فى ذلك البخارى((124)) ومسلم والترمذى وابى داود((125)) ومسند احمد((126)) ومستدرك الحاكم على الصحيحين((127))، ويلاحظ هنا ان البخارى الذى نقل هذا الحديث كان معاصرا للامام الجواد والامامين الهادى والعسكرى، وفى ذلك مغزى كبير، لانه يبرهن على ان هذا الحديث قد سجل عن النبى(ص) قبل ان يتحقق مضمونه وتكتمل فكره الائمه الاثنى عشر فعلا، وهذا يعنى انه لا يوجد اى مجال للشك فى ان يكون نقل الحديث متاثرا بالواقع الامامى الاثنى ى ى ى ى عشرى وانعكاسا له، لان الاحاديث المزيفه التى تنسب الى النبى(ص) وهى انعكاسات اوتبريرات لواقع متاخر زمنيا لا تسبق فى ظهورها وتسجيلها فى كتب الحديث ذلك الواقع الذى تشكل انعكاسا له، فما دمنا قد ملكنا الدليل المادى على ان الحديث المذكور سبق التسلسل التاريخى للائمه الاثنى عشر، وضبط فى كتب الحديث قبل تكامل الواقع الامامى الاثنى عشرى، امكننا ان نتاكد من ان هذا الحديث ليس انعكاسا لواقع وانما هو تعبير عن حقيقه ربانيه نطق بها من لا ينطق عن هوى((128))، فقال: (ان الخلفاء بعدى اثنا عشر)((129)). وجاء الواقع الامامى الاثنى عشرى ابتداء من الامام على وانتهاء بالمهدى، ليكون التطبيق الوحيد المعقول((130)) لذلك الحديث النبوى الشريف.

واما الدليل العلمى :

فهو يتكون من تجربه عاشتها امه من الناس فتره امتدت سبعين سنه تقريبا وهى فتره الغيبه الصغرى. ولتوضيح ذلك نمهد باعطاء فكره موجزه عن الغيبه الصغرى.((131)) ان الغيبه الصغرى تعبر عن المرحله الاولى من امامه القائد المنتظر عليه الصلاه والسلام فقد قدر لهذا الامام منذ تسلمه للامامه ان يستتر عن المسرح العام ويظل بعيدا باسمه عن الاحداث وان كان قريبا منها بقلبه وعقله، وقد لوحظ ان هذه الغيبه اذا جاءت مفاجئه حققت صدمه كبيره للقواعد الشعبيه للامامه فى الامه الاسلاميه، لان هذه القواعد كانت معتاده على الاتصال بالامام فى كل عصر، والتفاعل معه والرجوع اليه فى حل المشاكل المتنوعه، فاذا غاب الامام عن شيعته فجاه وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحيه والفكريه، سببت هذه الغيبه((132)) المفاجئه الاحساس بفراغ دفعى هائل قد يعصف بالكيان كله ويشتت شمله، فكان لابد من تمهيد لهذه الغيبه، لكى تالفها هذه القواعد بالتدريج، وتكيف نفسها شيئا فشيئا على اساسها، وكان هذا التمهيد هو الغيبه الصغرى التى اختفى فيها الامام المهدى عن المسرح العام، غير انه كان دائم الصله بقواعده وشيعته عن طريق وكلائه ونوابه والثقات من اصحابه الذين يشكلون همزه الوصل بينه وبين الناس المومنين بخطه الامامى((133)). وقد شغل مركز النيابه عن الامام فى هذه الفتره اربعه ممن اجمعت تلك القواعد على تقواهم وورعهم ونزاهتهم التى عاشوا ضمنها وهم كما يلى:

1 - عثمان بن سعيد العمرى.

2 - محمد بن عثمان بن سعيد العمرى.

3 - ابو القاسم الحسين بن روح.

4 - ابوالحسن على بن محمد السمرى.

وقد مارس هولاء الاربعه ((134)) مهام النيابه بالترتيب المذكور، وكلما مات احدهم خلفه الاخر الذى يليه بتعيين من الامام المهدى(ع).

وكان النائب يتصل بالشيعه ويحمل اسئلتهم الى الامام، ويعرض مشاكلهم عليه، ويحمل اليهم اجوبته شفهيه احيانا وتحريريه((135)) فى كثير من الاحيان، وقد وجدت الجماهير التى فقدت رويه امامها العزاء والسلوه فى هذه المراسلات والاتصالات غير المباشره. ولاحظت ان كل التوقيعات والرسائل كانت ترد من الامام المهدى(ع) بخط واحد وسليقه واحده ((136))طيله نيابه النواب الاربعه التى استمرت حوالى سبعين عاما، وكان السمرى هو آخر النواب، فقد اعلن عن انتهاء مرحله الغيبه الصغرى التى تتميز بنواب معينين، وابتداء الغيبه الكبرى التى لا يوجد فيها اشخاص معينون بالذات للوساطه بين الامام القائد والشيعه، وقد عبر التحول من الغيبه الصغرى الى الغيبه الكبرى عن تحقيق الغيبه الصغرى لاهدافها وانتهاء مهمتها، لانها حصنت الشيعه بهذه العمليه التدريجيه عن الصدمه والشعور بالفراغ الهائل بسبب غيبه الامام، واستطاعت ان تكيف وضع الشيعه على اساس الغيبه، وتعدهم بالتدريج لتقبل فكره النيابه العامه عن الامام، وبهذا تحولت النيابه من افراد منصوصين ((137))الى خط عام((138))، وهو خط المجتهد العادل البصير بامور الدنيا والدين تبعا لتحول الغيبه الصغرى الى غيبه كبرى.

والان بامكانك ان تقدر الموقف فى ضوء ما تقدم، لكى تدرك بوضوح ان المهدى حقيقه عاشتها امه من الناس، وعبر عنها السفراء والنواب طيله سبعين عاما من خلال تعاملهم مع الاخرين، ولم يلحظ عليهم احد كل هذه المده تلاعبا فى الكلام، او تحايلا فى التصرف، او تهافتا فى النقل. فهل تتصور - بربك - ان بامكان اكذوبه ان تعيش سبعين عاما، ويمارسها اربعه على سبيل الترتيب كلهم يتفقون عليها ، ويظلون يتعاملون على اساسها وكانها قضيه يعيشونها بانفسهم ويرونها باعينهم دون ان يبدر منهم اى شىء يثير الشك، ودون ان يكون بين الاربعه علاقه خاصه متميزه تتيح لهم نحوا من التواطو، ويكسبون من خلال ما يتصف به سلوكهم من واقعيه ثقه الجميع، وايمانهم بواقعيه القضيه التى يدعون انهم يحسونها ويعيشون معها؟! لقد قيل قديما: ان حبل الكذب قصير، ومنطق الحياه يثبت ايضا ان من المستحيل عمليا بحساب الاحتمالات ان تعيش اكذوبه بهذا الشكل، وكل هذه المده، وضمن كل تلك العلاقات والاخذ والعطاء، ثم تكسب ثقه جميع من حولها.

وهكذا نعرف ان ظاهره الغيبه الصغرى يمكن ان تعتبر بمثابه تجربه علميه لاثبات ما لها من واقع موضوعى، والتسليم بالامام القائد بولادته ((139))وحياته وغيبته، واعلانه العام عن الغيبه الكبرى التى استتر بموجبها عن المسرح ولم يكشف نفسه لاحد.((140))

المبحث السادس لماذا لم يظهر القائد اذن ؟

لماذا لم يظهر القائد اذن طيله هذه المده؟ واذا كان قد اعد نفسه للعمل الاجتماعى، فما الذى منعه عن الظهور على المسرح فى فتره الغيبه الصغرى او فى اعقابها بدلا عن تحويلها الى غيبه كبرى، حيث كانت ظروف العمل الاجتماعى والتغييرى وقتئذ ابسط وايسر، وكانت صلته الفعليه بالناس من خلال تنظيمات الغيبه الصغرى تتيح له ان يجمع صفوفه ويبدا عمله بدايه قويه، ولم تكن القوى الحاكمه من حوله قد بلغت الدرجه الهائله من القدره والقوه التى بلغتها الانسانيه بعد ذلك من خلال التطور العلمى والصناعى؟ والجواب : ان كل عمليه تغيير اجتماعى يرتبط نجاحها بشروط وظروف موضوعيه لا يتاتى لها ان تحقق هدفها الا عندما تتوفر تلك الشروط والظروف.

وتتميز عمليات التغيير الاجتماعى التى تفجرها السماء على الارض بانها لا ترتبط فى جانبها الرسالى بالظروف الموضوعيه((141))، لان الرساله التى تعتمدها عمليه التغيير هنا ربانيه، ومن صنع السماء لا من صنع الظروف الموضوعيه، ولكنها فى جانبها التنفيذى تعتمد الظروف الموضوعيه ويرتبط نجاحها وتوقيتها بتلك الظروف. ومن اجل ذلك انتظرت السماء مرور خمسه قرون من الجاهليه حتى انزلت آخررسالاتها على يدالنبى محمد(ص)، لان الارتباط بالظروف الموضوعيه للتنفيذ كان يفرض تاخرها على الرغم من حاجه العالم اليها منذ فتره طويله قبل ذلك.

والظروف الموضوعيه التى لها اثر فى الجانب التنفيذى من عمليه التغيير، منها ما يشكل المناخ المناسب والجو العام للتغيير المستهدف، ومنها ما يشكل بعض التفاصيل التى تتطلبها حركه التغيير من خلال منعطفاتها التفصيليه.

فبالنسبه الى عمليه التغيير التى قادها - مثلا - لينين فى روسيا بنجاح، كانت ترتبط بعامل من قبيل قيام الحرب العالميه الاولى وتضعضع القيصريه، وهذا ما يساهم فى ايجاد المناخ المناسب لعمليه التغيير، وكانت ترتبط بعوامل اخرى جزئيه ومحدوده من قبيل سلامه لينين مثلا فى سفره الذى تسلل فيه الى داخل روسيا وقاد الثوره، اذ لو كان قد اتفق له اى حادث يعيقه لكان من المحتمل ان تفقد الثوره بذلك قدرتها على الظهور السريع على المسرح.

وقد جرت سنه اللّه تعالى التى لا تجد لها تحويلا فى عمليات التغيير الربانى على التقيد من الناحيه التنفيذيه بالظروف الموضوعيه التى تحقق المناخ المناسب والجو العام لانجاج عمليه التغيير، ومن هنا لم يات الاسلام الا بعد فتره من الرسل وفراغ مرير استمر قرونا من الزمن.

فعلى الرغم من قدره اللّه - سبحانه وتعالى - على تذليل كل العقبات والصعاب فى وجه الرساله الربانيه وخلق المناخ المناسب لها خلقا بالاعجاز، لم يشا ان يستعمل هذا الاسلوب، لان الامتحان والابتلاء والمعاناه التى من خلالها يتكامل الانسان يفرض على العمل التغييرى الربانى ان يكون طبيعيا وموضوعيا من هذه الناحيه، وهذا لا يمنع من تدخل اللّه -سبحانه وتعالى احيانا فيما يخص بعض التفاصيل التى لا تكون المناخ المناسب وانما قد يتطلبها احيانا التحرك ضمن ذلك المناخ المناسب، ومن ذلك الامدادات والعنايات الغيبيه التى يمنحها اللّه تعالى لاوليائه فى لحظات حرجه فيحمى بها الرساله، واذا بنار نمرود تصبح بردا وسلاما على ابراهيم((142))، واذا بيد اليهودى الغادر التى ارتفعت بالسيف على راس النبى(ص) تشل وتفقد قدرتها على الحركه((143))، واذا بعاصفه قويه تجتاح مخيمات الكفار والمشركين الذين احدقوا بالمدينه فى يوم الخندق وتبعث فى نفوسهم الرعب((144))، الا ان هذا كله لا يعدو التفاصيل وتقديم العون فى لحظات حاسمه بعد ان كان الجو المناسب، والمناخ الملائم لعمليه التغيير على العموم قد تكون بالصوره الطبيعيه ووفقا للظروف الموضوعيه.

وعلى هذا الضوء ندرس موقف الامام المهدى(ع) لنجد ان عمليه التغيير التى اعد لها ترتبط من الناحيه التنفيذيه كاى عمليه تغيير اجتماعى اخرى بظروف موضوعيه تساهم فى توفير المناخ الملائم لها، ومن هنا كان من الطبيعى ان توقت وفقا لذلك. ومن المعلوم ان المهدى لم يكن قد اعد نفسه لعمل اجتماعى محدود، ولالعمليه تغيير تقتصر على هذا الجزء من العالم او ذاك، لان رسالته التى ادخر لها من قبل اللّه - سبحانه وتعالى - هى تغيير العالم تغييرا شاملا، واخراج البشريه كل البشريه من ظلمات الجور الى نور العدل((145))، وعمليه التغيير الكبرى هذه لا يكفى فى ممارستها مجرد وصول الرساله والقائد الصالح والا لتمت شروطها فى عصر النبوه بالذات، وانما تتطلب مناخا عالميا مناسبا، وجوا عاما مساعدا، يحقق الظروف الموضوعيه المطلوبه لعمليه التغيير العالميه.

فمن الناحيه البشريه يعتبر شعور انسان الحضاره بالنفاد عاملا اساسيا فى خلق ذلك المناخ المناسب لتقبل رساله العدل الجديده، وهذا الشعور بالنفاد يتكون ويترسخ من خلال التجارب الحضاريه المتنوعه التى يخرج منها انسان الحضاره مثقلا بسلبيات ما بنى، مدركا حاجته الى العون، متلفتا بفطرته الى الغيب او الى المجهول.

ومن الناحيه الماديه يمكن ان تكون شروط الحياه الماديه الحديثه اقدر من شروط الحياه القديمه فى عصر كعصر الغيبه الصغرى على انجاز الرساله على صعيد العالم كله، وذلك بما تحققه من تقريب المسافات، والقدره الكبيره على التفاعل بين شعوب الارض، وتوفير الادوات والوسائل التى يحتاجها جهاز مركزى لممارسه توعيه لشعوب العالم وتثقيفها على اساس الرساله الجديده.

واما ما اشير اليه فى السوال من تنامى القوى والاداه العسكريه التى يواجهها القائد فى اليوم الموعود كلما اجل ظهوره، فهذا صحيح، ولكن ماذا ينفع نمو الشكل المادى للقوه مع الهزيمه النفسيه من الداخل، وانهيار البناء الروحى للانسان الذى يملك كل تلك القوى والادوات؟ وكم من مره فى التاريخ انهار بناء حضارى شامخ باول لمسه غازيه، لانه كان منهارا قبل ذلك، وفاقدا الثقه بوجوده والقناعه بكيانه والاطمئنان الى واقعه.((146))

المبحث السابع وهل للفرد كل هذا الدور ؟ !

وناتى الى سوال آخر فى تسلسل الاسئله المتقدمه، وهو السوال الذى يقول: هل للفرد مهما كان عظيما القدره على انجاز هذا الدور العظيم؟ وهل الفرد العظيم الا ذلك الانسان الذى ترشحه الظروف ليكون واجهه لها فى تحقيق حركتها؟ والفكره فى هذا السوال ترتبط بوجهه نظر معينه للتاريخ تفسره على اساس ان الانسان عامل ثانوى ((147))فيه، والقوى الموضوعيه المحيطه به هى العامل الاساسى، وفى اطار ذلك لن يكون الفرد فى افضل الاحوال الا التعبير الذكى عن اتجاه هذا العامل الاساسى.

ونحن قد اوضحنا فى مواضع اخر من كتبنا المطبوعه ((148))ان التاريخ يحتوى على قطبين: احدهما الانسان، والاخر القوى الماديه المحيطه به. وكما توثر القوى الماديه وظروف الانتاج والطبيعه فى الانسان، يوثر الانسان ايضا فيما حوله من قوى وظروف، ولا يوجد مبرر لافتراض ان الحركه تبتدى من الماده وتنتهى بالانسان الا بقدر ما يوجد مبرر لافتراض العكس، فالانسان والماده يتفاعلان على مر الزمن، وفى هذا الاطار بامكان الفرد ان يكون اكبر من ببغاء فى تيار التاريخ، وبخاصه حين ندخل فى الحساب عامل الصله بين هذا الفرد والسماء((149)). فان هذه الصله تدخل حينئذ كقوه موجهه لحركه التاريخ. وهذا ما تحقق فى تاريخ النبوات، وفى تاريخ النبوه الخاتمه بوجه خاص، فان النبى محمدا(ص) بحكم صلته الرساليه بالسماء تسلم بنفسه زمام الحركه التاريخيه، وانشا مدا حضاريا لم يكن بامكان الظروف الموضوعيه التى كانت تحيط به ان تتمخض عنه بحال من الاحوال، كما اوضحنا ذلك فى المقدمه الثانيه للفتاوى الواضحه.((150)) وما امكن ان يقع على يد الرسول الاعظم يمكن ان يقع على يد القائد المنتظر من اهل بيته الذى بشر ((151))به ونوه عن دوره العظيم.

المبحث الثامن ما هى طريقه التغيير فى اليوم الموعود ؟

ونصل فى النهايه الى السوال الاخير من الاسئله التى عرضناها، وهو السوال عن الطريقه التى يمكن ان نتصور من خلالها ما سيتم على يد ذلك الفرد من انتصار حاسم للعدل، وقضاء على كيانات الظلم المواجهه له.

والجواب المحدد عن هذا السوال يرتبط بمعرفه الوقت والمرحله التى يقدر للامام المهدى(ع) ان يظهر فيها على المسرح، وامكان افتراض ما تتميز به تلك المرحله من خصائص وملابسات لكى ترسم فى ضوء ذلك الصوره التى قد تتخذها عمليه التغيير، والمسار الذى قد تتحرك ضمنه، وما دمنا نجهل المرحله ولا نعرف شيئا عن ملابساتها وظروفها فلا يمكن التنبو العلمى بما سيقع فى اليوم الموعود، وان امكنت الافتراضات والتصورات التى تقوم فى الغالب على اساس ذهنى لا على اسس واقعيه عينيه.

وهناك افتراض اساسى واحد بالامكان قبوله على ضوء الاحاديث التى تحدثت عنه((152)) والتجارب التى لوحظت لعمليات التغيير الكبرى فى التاريخ، وهو افتراض ظهور المهدى(ع) فى اعقاب فراغ كبير يحدث نتيجه نكسه وازمه حضاريه خانقه((153)). وذلك الفراغ يتيح المجال للرساله الجديده ان تمتد، وهذه النكسه تهىء الجو النفسى لقبولها، وليست هذه النكسه مجرد حادثه تقع صدفه فى تاريخ الحضاره الانسانيه، وانما هى نتيجه طبيعيه لتناقضات التاريخ المنقطع عن اللّه -سبحانه وتعالى التى لا تجد لها فى نهايه المطاف حلا حاسما فتشتعل النار التى لا تبقى ولاتذر، و يبرز النورفى تلك اللحظه،ليطفى النارويقيم على الارض عدل السماء.

والحمد للّه رب العالمين والصلاه والسلام على محمد وآله الطاهرين. وقد وقع الابتداء فى كتابه هذه الوريقات فى اليوم الثالث عشر من جمادى الثانيه سنه 1397ه ، ووقع الفراغ منها عصر اليوم السابع عشر من الشهر نفسه.

واللّه ولى التوفيق.

محمد باقر الصدر - النجف الاشرف تم الفراغ من تحقيق هذا الكتاب فى شهر رجب المرجب من سنه 1416 ه وذلك فى قم المقدسه.

الدكتور عبد الجبار شراره مصادر التحقيق

1- الاحتجاج ابو منصور احمد بن على بن ابى طالب الطبرسى، من علماء القرن السادس، تحقيق: الشيخ ابراهيم البهادرى والشيخ محمد هادى به،باشراف العلامه الشيخ جعفر السبحانى، نشر اسوه، التابعه لمنظمه الاوقاف والشوون الخيريه، الطبعه الاولى 1413 ه .

2- الارشاد الشيخ محمد بن النعمان المفيد (ت/ 413ه )، طبعه طهران/ 1377 ه .

3- الاصول العامه للفقه المقارن العلامه محمد تقى الحكيم، الطبعه الثانيه/ موسسه آل البيت:

لاحياء التراث - بيروت 1979 م.

4- اصول الكافى الشيخ محمد بن يعقوب الكلينى (ت/ 329ه )، نشر المكتبه الاسلاميه -طهران 1388ه .

5- الاشاعه لاشراط الساعه السيد الشريف محمد بن رسول الحسينى البرزنجى ثم المدنى(ت/1103ه )، الطبعه الاولى، نشر عبد الحميد احمد حنفى - القاهره 1370ه ، شارع المشهد الحسينى.

6- اقتصادنا الشهيد محمدباقر الصدر(رضى اللّه)، طبعه دار الفكر - بيروت.

7- بحار الانوار العلامه الشيخ محمد باقر المجلسى (ت/ 1111ه )، طبع دارالكتب الاسلاميه -طهران.

8- الباب الحادى عشر وشروحه العلامه ابومنصور حسن بن يوسف الحلى (ت/ 726ه )، تحقيق: الدكتورمهدى محقق، نشر موسسه استانه رضوى 1368 ه .

9- التاج الجامع للاصول فى احاديث الرسول الشيخ منصور على ناصف، من علماء الازهر الشريف، نشر مكتبه پاموق استانبول/ الطبعه الثالثه، دار احياء الكتب العربيه 1381 ه / 1961 م.

10- تاريخ الامم والملوك الامام ابو جعفر محمد بن جرير الطبرى (ت/ 310ه )، مطبعه الاستقامه بالقاهره 1939م.

11- تبصره الولى فيمن راى القائم المهدى السيد هاشم البحرانى، نشر موسسه المعارف الاسلاميه - قم.

12- التصوف والكرامات الشيخ محمد جواد مغنيه، طبعه بيروت.

13- تفسير القرآن العظيم ابن كثير الدمشقى (ت/ 774ه )، طبعه جديده، دار المعرفه - بيروت 1994م.

14- الجامعه الاسلاميه (مجله) السنه الاولى/ العدد الثالث/ المدينه المنوره 1969 م.

15- الحاوى للفتاوى جلال الدين السيوط ى (ت/ 911ه )، طبعه دار الكتاب العربى - بيروت.

16- حق اليقين فى معرفه اصول الدين السيد عبداللّه شبر (ت/ 1242 ه )، مطبعه العرفان - صيدا 1352 ه.

17- دفاع عن الكافى ثامر هاشم العميدى، نشر مركز الغدير للدراسات الاسلاميه - قم 1995م.

18- سنن ابن ماجه الحافظ ابو عبداللّه محمد بن يزيد القزوينى (ت/ 275 ه )، تحقيق محمدفواد عبدالباقى/ دار الفكر - بيروت.