ولكننا ندرك الدوافع التى جعلت الطبرى يتصرف فى خبر
الانذار، مع انه لا يحتوى على اى مساس مباشر باحد الخلفاء ولا
يتعرض بالتشنيع لاحد من السلف.. كل ما فى الامر ان حديث
الدار -كما عرف عندالمحدثين- يعكس موقفا حاسما، قد يمثل
احراجا للطبرى الذى كتب تفسيره لكافه المسلمين. فلجا الى
اخفاء لفظ (الوصى) للاسباب ذاتها. هكذا حاول الطبرى ارضاء
الجميع -وتقليم اظافر كل الفرق- مع تعزيزموقف العباسيين
-الموقف الرسمى- سعيا الى تحقيق مشروعه التاريخى
الوحدوى لارجاع التوازن المفقود. ولا ندع ان طريقه الطبرى
فى التصرف فى الاخبار كانت بزياده او نقيصه، بل بترجيح
بعضها على البعض ولو على حساب الوثاقه وقوه السند، والعمل على اخفاء وحذف بعض
العبارات من الخبر، بخلاف ما عرف عن بعض المورخين، حيث ذهبوا الى اكثر من ذلك
بالزياده فى الاخبار وتخيل بعض الوقائع التى لم تتحقق على ارضيه الواقع
التاريخى العربى. لكننا لا نبرىء الطبرى من حيث انه اورد
اخبارا تخييليه لوضاعين كان يدرك ضعف وثاقتهم، والقى
مسووليه ما اوردوه عليهم. تاركا ما حفلت به مدونات سابقه
لعهده،رغم اعترافه باهميتها واعتماده عليها فى اكثر من مورد.
فقد كان معياره يقوم على صيانه التوازن المفقود داخل الامه،
فى اطار مشروع يستهسل اهميه اليقين والصحه فى الاخبار.
ان اكبر مازق وقع فيه شيخ المورخين العرب، وقاده اليه
مشروعه التاريخى القائم على ايديولوجيا الوفاق والتوازن
والوسط، هو ما قام به من اشاعه لاخبار سيف بن عمر التميمى،
الذى لم يكن يمثل قبل الطبرى مصدرا موثوقا. فعلى الرغم مما
نعت به هذا الاخير من كذب ودس فى الاخبار من قبل
الجمهور، الى حد الاجماع، نجد الطبرى يعتمد رواياته كمصدر
اساسى ووحيد لتدوين اخبار عصر الخلفاء الاوائل. وبفضل تالق
تاريخ الطبرى، راجت روايات سيف بن عمر، وتقبلوها دونما
تمحيص. لقد اعتمد الطبرى -ايضا- روايات سيف بن عمر فى
احداث الخليفه عثمان. وعلى الرغم من انه كره ذكر الكثير من
التفاصيل بهذا الشان حرجا من ذكر ما من شانه
التشنيع بالخليفه، فقد اعتمد فريه سيف بن عمر، حول الدور
المشبوه لعبداللّهبن سبا فى كل هذه الاحداث التى انتهت الى
اغتيال الخليفه عثمان. يقول: (وفى هذه السنه كان ما ذكر من
امر ابى ذر، واشخاص معاويه اياه من الشام الى المدينه، وقد ذكر
فى سبب اشخاصه اياه من الشام الى المدينه امور كثيره كرهت
ذكر اكثرها، فاما العاذرون معاويه فى ذلك فانهم ذكروا فى
ذلك قصه كتب بها الى السرى يذكر ان شعيبا حدثه عن
سيف،عن عطيه عن يزيد الفقعسى قال: لما ورد ابن السوداء
الشام لقى ابا ذر.. الخ)((21)).
ان الطبرى هنا يكره التعرض لتلك التفاصيل، تفاديا للاحراج.
غير انه لم يلتفت الى اخبار من قبله كالبلاذرى او اليعقوبى
مثلا، من اولئك الذين لم يجعلوا مسووليه كل احداث ما عرف
بالفتنه الكبرى، على كاهل رجل مجهول كعبداللّه بن السوداء
(ابن سبا). لكنه يتحدث عن ان العاذرين لمعاويه ساقوا اخبارا
من ذلك القبيل، وذكر سندها. وهنا -وكما سبق وذكر- يفترض
من الباحث التحقيق فى صحه الخبر. ان خبر ابن سبا، مما انفرد
به سيف بن عمر. وراجت تلك الروايه بعد ان اعتمدها الطبرى
فى سياق سرده لاحداث كره ذكر تفاصيلها، وانتقى من بين
عشرات الاخبار، خبر سيف بن عمر المعروف بميوله الامويه
وتبريره لهفوات الخلفاء. وقد ذاع هذا الخبر وتناقله المورخون
الذين جاووا من بعده، خصوصا ذوى الميول الرسميه او
السلفيه، كما اخبروا بذلك انفسهم. مع ذلك نرى ان سند الخبر
فيه رجال عرفوا جميعا بالكذب والاختلاف فى الروايه. فالسرى
هذا الذى ذكره الطبرى، شخصيه مجهوله، لان ثمه اكثر من
(سرى) كلهم غير معاصر للطبرى، ما عدا السرى بن عاصم ابن
سهل، وهو ممن عرف عند المحدثين بالوضع والكذب.اما
شعيب الذى اخبر عنه السرى هذا، فهو مجهول ايضا. وقد روى
عنه سيف بن عمر التميمى واسند له اخبارا غريبه.. مع ان
سيف بن عمر هذا، من اشهر الوضاعين والمتعصبين للنزاريه،
المتحاملين على اليمانيه((22)).
ابن كثير
الاولى، ظاهر المعنى وحرفيه النصوص، والثانيه، تمثل تجربه
السلف بشكل عام دون تاويل او انتقاء. وهذا ما يعنى ان
الكتابه التاريخيه حينما يتولاها نصير السلفيه، سوف تكون
محاوله ارتجاعيه دووبه، وتبرير متواصل للاخطاء والانحرافات.
وهو ما يعيد تسطيح التاريخ ونصب التابوهات المنهجيه فى
طريق تقصى الاثر، وهو ما يوسس لظاهره العموم والاجمال فى
التحقيق التاريخى عند العرب.
انه من الصعوبه فهم حقيقه هذه المنهجيه التاريخيه اذا لم
نقاربها فى ضوء منظومتها العقديه. فالسلفى حينما يكتب فى
اى مجال من المجالات، فهو ليس وفيا لمجاله، كما لا يتناول
موضوعاته بروح التخصص والصنعه.. بل يمارس نوعا من الجدل
التغالبى، يهدف الى تطويق الاخر، الذى عاده ما يعنى عند
السلفى، زنديقا او بدعيا. ولانه يقف من العقل موقفا سلبيا، فانه
يجد نفسه مرغما للدخول الى هذه التجربه بعقلانيه رثه تمثل
اسوا نموذج للايدلوجيا. فابن كثير، يمثل محاوله من هذا
القبيل، على غرار محاوله ابن تيميه فى ردوده على
المنطقيين. انهم بالدرجه الاساس محدثون او حشويون،
ينطلقون من الخبر، وينتهون اليه. وماهو اخطر من ذلك، هو
طريقتهم فى التسليم بتفسير ظاهرى كما تقدمه الالفاظ.
نجد من الجانب الاخر، ان اهميه تاريخ ابن كثير -البدايه
والنهايه- تفوق عند قطاع كبير من المسلمين، اهميه تاريخ
الطبرى نفسه. وهذا اذا ما اخذنا بعين الاعتبار، سلفيه المورخ،
وهى صفه جديره بان تجعل قطاعامهما من المسلمين يقربونه
اكثر من غيره. ربما كان جمهور العامه قد تعاطف مع تاريخ
الطبرى فى بدايه الامر، مقارنه مع من سبقه. لكن سرعان ما
سيتغير الموقف منه.
وكسلفى، فهو يحمل فهما معينا للبدعه. فالتاريخ ليس ساحه
للتفاعل الاجتماعى وحصيله فعل وممارسه بشريه، بل هو تاريخ
التزام او خروج عن السنه. وهنا يتم ابعاد جميع العوامل الاخرى
السياسيه والاقتصاديه والاجتماعيه، التى تمثل ابعادا اساسيه
ومقومه للتاريخ الانسانى. هكذا نجد ابن كثير لا يتوانى عن
اتهام اصحابه الذين قاوموا البدعه بالبدعه، بكونهم جهله
ومبتدعه ايضا. لذا نجده يقول بخصوص احداث سنه 389ه (..
ولما كانت الشيعه يصنعون فى يوم عاشوراء ماتما، يظهرون فيه
الحزن على الحسين بن على، قابلتهم طائفه اخرى من جهله
السنه. فادعوا ان فى اليوم الثانى عشر من المحرم قتل
مصعب بن الزبير، فعملوا له ماتما، كما تعمل الشيعه للحسين،
وزاروا قبره، كما يزار قبر الحسين، وهذا من باب مقابله البدعه
ببدعه مثلها. ولا يرفع البدعه الا السنه الصحيحه. ودامت السنه
على هذا الشعار القبيح مده سنين)
((25)).
ويتضح ذلك اكثر فيما ذكره عن احداث 375 قائلا: (فيها فى
عاشوراء عملت البدعه الشنعاء على عاده الروافض، ووقعت فتنه
عظيمه ببغداد بين اهل السنه والرافضه، وكلا الفريقين قليل
عقل او عديمه، بعيد عن السداد. وذلك ان جماعه من اهل
السنه اركبوا امراه وسموها عائشه، وتسمى بعضهم بطلحه
وبعضهم بالزبير. وقالوا: نقاتل اصحاب على، فقتل بسبب ذلك
من الفريقين خلق كثير)((26)).
طبعا، ابن كثير هنا يقصد ب-(اهل السنه)، جماعه من متطرفى
الحنابله. لهذا فهو يستشنع عليهم مواجهه البدعه، باخرى
تماثلها. وهذا يعنى، انه -مبدئيا- لم يكن من الممانعين فى
تقتيل هولاء الحنابله للشيعه، على ان يتم ذلك وفق شريعه
الجهاد. هكذا يخفف ابن كثير من لهجته، حينما يصف تلك
المجزره الرهيبه التى شهدها مسجد برتا، حيث راح ضحيتها
عدد كبير من الشيعه.. (ثم تسلطت اهل السنه على
الروافض،فكبسوا مسجدهم، مسجد برتا الذى هو عش الروافض،
وقتلوا بعض من كان فيه من القومه)((27)).
لقد تبين ان الذهنيه التى ارخ بها الطبرى للوقائع، كانت
مشبعه الى حد ما بوعى سياسى، مستقل عن اى جهه من
الجهات. يمكننا اعتباره تاريخا ايديولوجيا لمورخ منتمى الى
عصره، وممثلا لجهه الوسط. غير ان تاريخ ابن كثير، هو تاريخ
ايديولوجى ذو غايه مذهبيه خالصه. وحتى وان ظهر احيانا
معارضا لسياسه عصره، فهو نمط من التاريخ المحافظ، يرمى
الى تفقيه الحدث وتفسيره وفق منظور شرعى. او هو تاريخ
يمثل مسرحا لصراع دائم ومحتدم بين اهل السنه وممثلى
التيارات البدعيه. فلا مجال لاى عامل آخر فى الفعل التاريخى
العربى.
ابن خلدون
لا شك فى ان الحديث عن ابن خلدون، يفيدنا فى ابراز
ظاهرتين ميزتا الكتابه التاريخيه عند العرب. الاولى، تتعلق
بموقف المورخ من الفرق والتيارات المعارضه. وهو موقف يفسر
بانتماء المورخ الى دائره السلطه. فيتحول بذلك التاريخ الى
ممارسه للتهميش من جهه، وتعزيز كيان سياسى ما من جهه
اخرى.
فقد كان ابن خلدون فى الجزء الاخير من المقدمه -خصوصا ما
يتعلق بالفلسفه- اقرب الى ابى حامد الغزالى منه الى ابن رشد.
ولسنا ندرى فى اى الظروف، حقا، كتبت (المقدمه)، التى
جاءت منفرده عن (التاريخ)((29)). بل اننا لا نملك حقيقه
الوثيقه الاولى للمقدمه التى اهداهاالسلطان ابى
العباس((30))، حتى يتسنى لنا معرفه اى من تلك الاجزاء،
طالتها مراجعته. فلا نستبعد ان يكون ابن خلدون، الذى قضى
فتره طويله كقاضى القضاه، بمصر -التى ظلت حتى حين
تتمتع بوضع علمى متميز- افاد من بعض الاثار العلميه، التى ما
كان له ان يتعرف عليها فى مثل بيئه الشمال الافريقى الغارق
عصرئذ فى غمر من التصوف الشديد السلبيه.
وقد لا نجد فى تعصب المعاصرين، لما فى المقدمه -وهو عظيم
بلا شك- سوى تخوفا من التمادى فى هذا التساول الذى هو
بمثابه لغز حقيقى فى هذه التجربه الخلدونيه الغامضه! لانه اذا
ما اثبتنا بان المقدمه لم تكن سوى تجميع لما اقتبس من
روادسابقين، كابن سينا، واخوان الصفا. فان ذلك حتما
سينتهى بنا الى ما قرره د. محمد اسماعيل، عن نهايه اسطوره
ابن خلدون! وبما اننا لا نتساهل فى راى كهذا، مفتقر الى
الوضوح الكافى((31))، فاننا نكتفى هنا بالقول، ان ثمه عوامل
منعت الباحثين من المضى الى الزوايا الاخرى غير المقدمه،
كتلك التى جعلت باحثا فى مستوى (هاملتون جيب)، لا يرى
فيه اكثر من فقيه مالكى، طالما سعى الى تبرير السلطه.
ان سيره ابن خلدون، تحيلنا بدورها الى نموذج آخر للتاريخ
العربى، وهو ذلك الذى تزاوله شخصيه سياسيه، كان التاريخ
بالنسبه اليها محطه اخيره اودعت فيها ثمره خبرتها الطويله
فى الرهان السياسى. وما دام ان هذه المدونه -وخلافا لما
سبقها- كتبت برعايه البلاط، ودعم من السلطان ابى
العباس((32))، فلا مجال -اذن- للحديث عن تاريخ موضوعى،
وقطيعه فعليه مع الكتابه التاريخيه السابقه. فلم يكن منتظرا
من ابن خلدون، رائد هذه القطيعه المعرفيه، ان يستصحب
الحقائق ذاتها، ووجهه النظر التقليديه، بشان الحركات
المناهضه للعباسيين. اذ لم يكن ثمه من مبرر، على من جعل
طبيعه العمران، معيارا للنظر التاريخى، ان تغيب عنه الاسباب
الموضوعيه التى ادت الى ثوره الزنج وقيام حركه القرامطه..
هذا فى الوقت الذى بدل فيه جهدا كبيرا -بدى فيه اكثر انحيازا
من اسلافه- للدفاع عن موقف خلفاء بنى اميه وبنى العباس،
وتبرير
سلوكهم السياسى((33)).
هناك بالنتيجه، ازمه خطاب تاريخى لدى العرب، نستطيع
تلخيصها فى كون التاريخ العربى ظل وثيق الصله بفن كتابه
(الملل والنحل)، حيث غدى صناعه ايديولوجيه محض. فلم
نستطع حتى مع ابن خلدون، الظفربتاريخ موضوعى يتقصى
الاحداث من منطلق بحثى خالص وبروح علمى، ياخذ
بالحسبان، قانون تطور العمران وجدل البنيات الاجتماعيه
وسنن التاريخ العامه((34)). ولسنا ننكر هاهنا، ان العرب، بقدر
ما هم روادهذه التجربه التاريخيه، لم يتمكنوا من تحريرها من
الرواسب الايديولوجيه السائده. نعم، ليس ذلك يعزى الى قصور
فى صميم الكتابه التاريخيه العربيه، ما دامت هذه الاخيره
رهينه بالحاله الثقافيه لعصر، قدر له الخضوع لرقابه سلطانيه
ومذهبيه شديده، وشهد تماهيا عجيبا بين المعرفه والسلطه.
ان التاريخ هو الصنعه الوحيده فى عالم المعرفه الاكثر تاثرا
بظاهره التزييف والتحريف وسلطه الايديولوجيا. ليس ذلك
-فحسب- من حيث هو مجال استقرائى محض، او انه اكثر
العلوم بعدا عن اليقين، ولكن لانه صناعه مقرره لمخاطبه
العامه، اكثر مما هو خطاب نخبوى. والحال، ان التيارات
العقلانيه -على الرغم من انها مثلت قوه معرفيه مهمه فى
التاريخ الاسلامى- عانت من تقلص كبير على مستواها
الاجتماعى والديمغرافى. فى حين ان التاريخ، هو ثقافه
جماهيريه، موجهه لاكبر قطاع ممكن من الناس((35)). فهل
معناه، انه آن الاوان لاعاده النظر فى هذا الموروث التاريخى؟
او هل ان تاريخنا العربى لم يكتب حتى الان((36))؟!
بالتاكيد، وما دام ان تاريخنا حتى الان لم ينزل من كبريائه
-وديكتاتوريته- لانصاف التراث الاخر، المهمش، والممنوع.. وما
دام ان وظيفته هى اقصاء صوت المعارضه التاريخيه من دائره
المشروعيه، مثلما ظلت وظيفه، كتابه (الملل والنحل)، هى
اقصاءه من دائره الفكر الاسلامى، وبالتالى من عالم الحقيقه.
فما دام هذا حال تاريخنا العربى، ووضعه الذى لا يزال يتخبط
فيه، فان الحاجه الى كتابته مجددا، تبقى ناجزه وملحه!
ازمه الخطاب التاريخى التاريخ كايديولوجيا
وبما ان الشيعه، مثلوا على طول الخط، تلك الفئه المضطهده،
الاكثر تضررا وانقهارا، وبالتالى الاكثر حركيه وتفاعلا مع
الاوضاع السياسيه، فان انتصارهم للفلسفه((38))، وهى
استجابه تنطوى على موقف عقلانى،اعمل الشيعه كامل
وسعهم لغايه تجذيره فى تراثهم المعرفى، انتهى الى الاستقلال
بها حتى عن حدود علم الكلام الذى كان قد استنفذ اغراضه
وامسى حبيس قيوده، حيث استطاع الاشاعره -فيما بعد-
استثمارهالصالح تدمير احدى اهم الاسس التى انبنى عليها
علم الكلام والفلسفه، الا وهو العقل.
ونواجه المشكله ذاتها فى الكتابه التاريخيه التى تولاها
مستشرقون محدثون، وايضا بعض المورخين والمفكرين
المعاصرين من العرب، الذين اتبعوا الطرائق التقليديه نفسها او
الاسلوب الانتقائى نفسه، مما جعلهم يميزون حتى بين مصادر
التحليل التاريخى عند المستشرقين..
غير ان التشيع استطاع النفاذ الى تلك المجالات التى كان اهل
السنه قد رفضوها وحاربوها، كالفلسفه والتصوف.. وتركوا آثارهم
واضحه عليها. بل حتى على صعيد الروايه، يتضح ذلك جليا فى
طرائق الجرح والتعديل كما تاصلت فى الدرايه السنيه وعلم
الرجال، فقد كان من داب بعض المحدثين -مع وجود
الاستثناء- ان يجرحوا فى الراوى الرافضى، لمجرد انتمائه.
ويذكر الجوزجانى فى شان سعيدبن كثير: (سعيدبن كثير فيه
غير لون من البدع، وكان مخلطا غير ثقه)((41)). وحينما
نستبين الاسباب الكامنه وراء هذا الحكم من خلال كلام لابن
حجر، نجده يقول: (سعيدبن كثيربن عفر رمى
بالتشيع)((42)).
لكننا نواجه نوعا آخر من مدونى الاخبار، حملوا حملات قاسيه
على الشيعه، واذكر منهم صاحب الصواعق المحرقه -ابن حجر
الهيثمى- المتوفى سنه 974ه، فقد اورد فى كتابه -الصواعق
المحرقه- اخباراغريبه، مثل حديثه المرفوع الذى يقول فيه:
يكون فى آخر الزمان قوم يسمون الرافضه، يرفضون الاسلام
فاقتلوهم فانهم مشركون)((43)).
وبذلك يصنفهم فى عداد المشركين، وما يعنى ذلك عند
محدث فقيه، من احلال دمهم واموالهم، بالاحرى ان يكونوا
موضع ثقه لروايه الاخبار. لكننا، وعلى الرغم من ذلك الحصار
الذى فرضه مدونوا الاخبار على الروايه الشيعيه، نجد مدوناتهم
غاصه بالكثير من هذه المرويات، كما نجد ضمن رجالهم، رجالا
عرفوا بالميل الى التشيع.. اذ لا مندوحه امامهم للاخذ بها، بل
لعله لم يكن فى وسعهم سوى ذلك، مخافه اندراس الخبر. فابن
الخطيب البغدادى، يفسر قول على بن المدينى: لو تركت اهل
الكوفه لذلك الراى، يعنى التشيع، خربت الكتب.. يقول(ابن
الخطيب): (قوله خربت الكتب يعنى لذهب الحديث)((44)).
لقد ظلت كلمه (رافضى) تحمل شحنه خاصه لدى الكثير من
المتحاملين على الشيعه، واكثر فى ذلك العوام، حتى غدت
كلمه (الرافضى) عباره قدحيه لا تحمل اى مضمون لدى
العامه، مما دعى على بن عيسى الى القول: (لو سئلوا عن معنى
الرفض لما عرفوا)، بل هذا ما دعى احد موسسى احدى
المذاهب الاربعه، الشافعى للقول:
(ان كان الرفض حب آل محمد
فليشهد الثقلان بانى رافضى)
وقد ذهب ضحيه هذه الحمله الكاسحه رواه اخبار من اهل
السنه انفسهم، مثل الطبرى والنسائى، هذا الاخير الذى اتهم
بالتشيع فى الشام، لما الف كتاب (خصائص الامام على) ورفضه
الكتابه عن معاويه، بل اتهم بالتشيع فى الحديث من قبل
البعض، كابن عبد البر. وقد تكرر ذلك فى كتابات المتقدمين
بشكل يوحى بان الشيعه اصبحوا يمثلون الوجه الاخر للكفر
والشرك.. على الرغم من ان بعض كتاب السير والفهارس،كانوا
قد كلفوا انفسهم بعض العناء فى سبيل التمييز بين انواعهم
وطبقاتهم كما نلاحظ ذلك عند ابن النديم وابن خلكان.. لقد
بلغ البغض -اذن- للشيعه حدا، حيث اصبح امرا مستساغا
للاعلان عنه وكافيا للقدح فيهم، فنجد صدر الدين بن على
الحسينى، حينما يصف السلطان ركن الدين ابى الظفر
بركيارق بن ملكشاه، فى كتابه (اخبار الدوله السلجوقيه) يقول:
(«...» وكان حسن السيره لما يصلح للسلطنه مواظبا على العدل
والعماره وحفظ بين المال والصدقه يرجع الى التدين والقول
حسن الاعتقاد كثير البغض للباطنيه والروافض «...»)((45)).
ولا يرى مورخ الدوله السلجوقيه اى نقيصه فى المقام، حينما
يتعرض لمسير ضياء الملك الى (الموت)، وما احدثه من تدمير
واباده للشيعه.. (وفى سنه احدى وخمس مائه سار ضياء الملك
احمدبن الوزير نظام الملك وزير السلطان ومعه الامير جاولى
الى الموت فهزموا الباطنيه وقتلوا منهم مقتله
عظيمه)((46)).
ولم يكتف خصوم الشيعه بهذا، بل نلاحظ ان لفظه (رافضى)
اصبحت تحمل مدلولا تهكميا باعثا على السخريه، كما تفنن
فى جمع اخبارها صاحب (العقد الفريد) ابن عبد ربه.. يقول:
(قال لى الشعبى -وذكرناالرافضه-: يا مالك انى درست الاهواء
كلها فلم ار قوما احمق من الرافضه، ثم قال: احذرك الاهواء
المضله شرها الرافضه، فانها يهود هذه الامه، يبغضون الاسلام
كما يبغض اليهود النصرانيه ولم يدخلوا فى الاسلام رغبه ولا
رهبه من اللّه ولكن مقتا باهل الاسلام وبغيا عليهم)((47)).
كما يورد حكايه فى باب كتاب الياقوته فى العلم والادب من
كتابه الاخير: قال ابو عثمان عمروبن بحر الجاحظ: اخبرنى
رجل من روساء التجار قال: كان معنا فى السفينه شيخ شرس
الاخلاق، طويل الاطراق، وكان اذا ذكر له الشيعه غضب وارد
وجهه وروى من حاجبيه، فقلت له يوما: يرحمك اللّه، ما الذى
تكرهه من الشيعه، فانى رايتك اذا ذكروا غضبت وقبضت؟ قال:
ما اكره منهم الا هذه الشين فى اول اسمهم، فانى لم اجدها قط
الا فى كل شر وشوم وشيطان وشعب وشقاء وشنار وشرر وشين
وشوك وشكوى وشهره وشتم وشح، قال ابو عثمان: فما ثبت
لشيعى بعدها قائمه((48))!
ونستطيع تبين محنه الشيعه فى ظل هذه الحمله الواسعه
على كيانهم، فى ان الكذب الموجه ضد الشيعه كاد يجد له ما
يبرر مشروعيته. فقد كان ابو حيان التوحيد، وهو من قرن اسمه
بمن وصفوا بالميل الى الالحادوالزندقه، كابن الروندى وابى
العلاء المعرى، يحاول تبرير كذبه فى الروايه الذى شهد به
محدثون كثار، بانه انما كتبها ضد الرافضه.. ومن هناك يذكر
الذهبى قول جعفربن يحيى الكحال، قول ابو نصر الشجرى،
له،بانه (سمع المالينى يقول: قرات الرساله -يعنى المنسوبه الى
ابى بكر وعمر مع ابى عبيده الى على -رضى اللّه عنه- على ابى
حيان، وقال:
هذه الرساله عملتها ردا على الرافضه، وسببه انهم كانوا
يحضرون مجلس بعض الوزراء، وكانوا يغلون فى حال على،
فعملت هذه الرساله)((49)). لم تكن الرويه النافذه والاقتدار العلمى كافيين لازاله هذه الترسبات، التى تراكمت على الحقيقه الشيعيه. اذ ان الكتابه التاريخيه حتى ذلك الحين، لم تكن قد ظفرت بموضوعيتها، لذا كان المذهب يحدد وعى المورخ رغم كل محاولاته، للحرص على حياده. فلا عقلانيه المعتزله استطاعت ان تمنعهم من الوقوع فى شراك النقوض التقليديه لاهل الاهواء والتعصب، ولا حياديه الطبرى جعلته يقدم الاحداث دون التصرف فيها.
ولا
حاجه بعد ذلك الى ايراد مثال آخر عن ابى حامد الغزالى وعبد
الرحمن بن خلدون، هذان العالمان الاشعريان اللذان، على
الرغم من نبوغهما العلمى المشهود وسعه اطلاعهما وذكائهما
الكبير، وقعا فى الطرائق التقليديه نفسها، التى كان منشاها
اوساط السلفيه واهل الحديث، دون ان يفوتهما الاسهام فى
تزييف الكثير من الحقائق التاريخيه (ابن خلدون) او الدخول
فى مماحكات غير منصفه (الغزالى). لقد استطاع ابن خلدون،
ان يكشف عن مازق الخطاب التاريخى العربى، غير انه ما ان
تجاوز المقدمه حتى كان اكثر تعصبا من سابقيه، لطرائقهم
التاريخيه، على ان ابن خلدون كان اكثر جراه من اسلافه، فى
اعاده كتابه التاريخ بالصيغه التى تعاكس طموحه العلمى،
والمنهج النظرى الذى اجترحه فى المقدمه. وقد كشف
الاسلوب الذى اتبعه ابن خلدون فى سرد اخبار الشيعه -وهو
اسلوب قدحى غارق فى الطعون التقليديه- انه احدرموز
الاشعريه بامتياز. وهو الامر نفسه بخصوص ابى حامد الغزالى
الذى وضف كل امكانياته المعرفيه فى الانتصار الى مذهب
الفقهاء الاشعريين((50)). لا شك ان اقرب وصف يمكن نعت
العالمين به، هو نفسه ما وصف به ابو القاسم البلخى الكعبى، ابن
الراوندى، -كان علمهما اكثر من عقليهما.
الاماميه فى المقروئيات الاستشراقيه
وتجدر الاشاره الى ما تميز به هذا المولف من تعصب مخل
باهميته المصدريه، وقد اعتمده الشهرستانى (متوفى عام
548ه) فى كتابه الشهير (الملل والنحل)، ولهذا السبب
تحديدا، انتقده الرازى فى (مناظراته)،باعتباره استند الى
البغدادى، وقد كان هذا الاخير -حسب الرازى دائما- شديد
التعصب على المخالفين.
ونذكر، بالاضافه الى ذلك، كتاب (الفصل فى الملل والاهواء والنحل) لابى محمد على بن
احمدبن حزم الظاهرى (متوفى عام 456ه)، ترجمه الى اللغه الانكليزيه((I.FRIEDLANDE
((53، تحت
عنوان: -
The Heterodoxies of the SHITTES
. كما ترجم الى
الاسبانيه من قبل المستشرق الاسبانى (اسين
بلاتيوس)((54)) تحت عنوان
Aben Hazem Decoroobay
Su Historia Critica DeIasIdeas
religiusas
فقد اهتم به عدد من المستشرقين، وتولى طبع قسم منه
(غولدزهير). وهو كتاب بلغ فى طعونه ونقوضه على الباطنيه،
حدا، جعل الرازى فى رسالته التى انتقد فيها الشهرستانى
والبغدادى، متهما اياه بارتكاب اغلاط، وعدم معرفته بالمذهب
الاسماعيلى((56)).
لقد ظلت هذه الكتب وامثالها، مصدرا رئيسيا للتعريف بتاريخ
الفرق والمذاهب عند المسلمين، مما جعل الكثير من
المستشرقين، ذوى النزعه الاكاديميه، يعيدون النظر فى هذا
النسق المرجعى، حيث مارس تاثيراسلبيا ملحوظا على
الخطاب التاريخى الاسلامى، لفتره مديده من الزمان. ولا شك
فى ان اقدام هذا الرهط من المستشرقين، على اعاده نقد
الوثائق التاريخيه المتعلقه بالماضى العربى والاسلامى، كان قد
احدث-بالفعل- ثوره معرفيه جديره بالاحترام، على الرغم من
كل ما يمكن ملاحظته فى غمر هذه التجربه الاستكشافيه
الجباره! نستطيع ان نذكر (فلهوزن)، وهو من بين اولئك
المستشرقين، الذين وقعوا ضحيه هذاالنسق المرجعى، الذى
ركزته الترجمه. فقد قام (فلهوزن) بعرض الاحداث التاريخيه
التى شهدها القرن الاول، انطلاقا من الفريه الشهيره التى روج
لها كتاب الفرق الاسلاميه. وهى الفريه التى توحى
بالاصل السبئى للتشيع. منشئا بذلك صله موهومه بين التشيع
واليهوديه. وليس بعيدا عن هذا التسطيح، الراى الذى مثله
(جوبينو) و-(دوزى)، اذ ربطا كلاهما بين التشيع والثنويه
الفارسيه. وقد ظلت هذه، هى النظره السائده لدى
المستشرقين الذين ولعوا بالبحث والتنقيب عن الاشباه
والنظائر. فلا عجب ان كان (دوزى) قد ارجع التشيع الى
فارس، فقد علل من جانب آخر، تجربه ابن حزم الظاهرى، التى
كشف عنها فى طوق الحمامه-وهو افضل ما كتب عند العرب
فى موضوع (الحب)- بكونه راجعا الى الاصول المسيحيه. وكان
(بلاتيوس)، قد رد ببساطه على هذا الحكم السطحى، استنادا
الى ما رزح به التراث العربى من اشكال التعبير عن الحب
والغرام، كما تخبر بذلك اشعارهم فى الغزل.
|