ونجد المنحى نفسه عند (سنوك) حينما نسب فكره المهدى
-فى العقيده الشيعيه- الى اصل مسيحى. وقد رد على ذلك
ماسينيون، الذى اعاد فكره المهدى الى اصولها الاسلاميه،
الناشئه عن تعاليم القرآن وعرف المسلمين. فكان هذا الاسلوب
طاغى على مستشرقين قدامى، اعتادوا على تقريب الفرق
الاسلاميه بارجاعها الى اصول منحوله فى الديانات او الملل
السابقه.
لا شك فى ان مرد هذا الاختلاف، الى تاثير تلك المصادر التى
سهلت عليهم القيام بمقارنات سريعه سطحيه، للخروج بنتائج
تركيبيه غير دقيقه من الناحيه العلميه. وقد كانت مصادر فى
اغلبها سلفيه مثل كتاب(كتاب الشرح والابانه على اصول السنه
والديانه) لابن بطه العبكرى، وكتاب (الرد على الجهميه) لابى
سعيد الدرامى او اشعريه، مثل كتاب (التبصير فى الدين وتمييز
الفرقه الناجيه عن فرق الهالكين) لابى المظفرالاسفرائينى
وكتاب (اللمع فى الرد على اهل الزيغ والبدع) للاشعرى نفسه.
او معتزليه مخاصمه، مثل كتاب (فضيله المعتزله) للجاحظ
وكتاب (الانتصار) للخياط المعتزلى.
لقد اهتم فلهوزن بتاريخ الاسلام والعصر الجاهلى -ما قبل
الاسلامى- وهو فى عرضه ذاك ظل متاثرا بوجهه النظر
التاريخيه المتصالحه مع العصر الاموى، والمدافعه عن الاسلام
المركزى ضد التيارات المعارضه.وهو فى الاصل، لا يكاد
يختلف عن وجهه النظر العنيفه، التى مثلها اليسوعى
(لامانس) الذى اظهر انحيازا عجيبا الى الامويين، معربا عن
استهتار واسلوب قدحى فى تناول الاشخاص الهاشميين،
وتحديدا على بن ابى طالب، لهذا سمى، (مطرب الامويين).
وبعيدا عن القراءه المتوثبه للاحداث، كما فعل فلهوزن، حيث
كان يقرا الوقائع على هواه، وبالكيفيه التى تتيحها له مواقفه
وميوله الواضحه فى الدفاع عن الكيان الاموى، بعيدا عن ذلك
نجد نظرته بهذا الخصوص،
تعانى نوعا من الاضطراب والتعمل.
اذ سوف يعمل على تلفيق صوره وشائجيه، تتداخل فيها عناصر
الثالوث الخطير: التشيع والسبئيه وفارس. فلان كان اهل
فارس، بدافع من العداء للعرب، ونظرا لوضعهم كموالى، انضووا
تحت لواء التشيع للهاشميين، فان السبئيه التى تسمى ايضا
الكيسانيه، سوف تدفع بالتشيع الى مزيد من الحده، تجاه
الاسلام السنى. ونلاحظ الاضطراب باديا فى ذلك الربط الذى
اقامه، حيث لما (ارتبطت الشيعه بالعناصر المضطهده، تخلت
عن تربه القوميه العربيه. وكانت حلقه الارتباط هى الاسلام.
ولكنه لم يكن ذلك الاسلام القديم، بل نوعا جديدا من الدين..
واتخذ نقطه ابتداءه من بدعه غريبه غامضه اختلطت بها
المختاريه وهى (السبئيه). والسبئيه كانت قد اتخذت اتجاها
انشا يسيطر على طبقات واسعه بحيث اضطرت الشيعه بوجه
عام الى اتخاذ موقف اشد حده بازاء الاسلام السنى، وازداد ابراز
الخلافات بين الشيعه والسنه)
((58)).
وفلهوزن بلا شك، يجهل الكثير من الابعاد التى تثوى وراء
حقيقه التيارات المعارضه. فقد تبنى وجهه النظر الرسميه،
التى عاده ما تكون فى متناول باحث لم يكلف نفسه اكثر من
الاقتباس السريع من كتاب الملل والنحل، وسرد الوقائع على
وفقها. هكذا، نجده يستعرض وجهه النظر الشائعه، بخصوص
التصور الامامى، للامامه، وانتقالها من النبى الى احفاده على
اساس الارث الاسرى. ونلاحظ فى هذا العرض نوعا من التساهل
يبديه فلهوزن، حينما يكون المركز متهما، فى حين يبالغ فى
تهوين المورخ المنحاز الى فرقته. والنظره الكليه فيما كتبه
فلهوزن تثبت هذا التحيز، ابتداءا باستصحاب الرويه اللامانسيه
فى مجال تحليل المعتقدات وهى نفسها الرويه التى تظهر فى
مجال تحليل الاحداث السياسيه.
وهكذا، فان كان (دوزى) يرى فى فكره الامام الشيعى، امتدادا
لعقيده فارس فى الملوك -الالهه، فان (فلهوزن) لا يكاد يخرج
عن الاطار نفسه فى الاحالات على النظائر، فيرى ان فكره
النبى -الملك، بدعه يهوديه، (ان الفكره القائله بان النبى ملك
يمثل سلطان اللّه على الارض، قد انتقلت من اليهوديه الى
الاسلام)((60)).
ان الطابع التبريرى فى كتابات فلهوزن، يتجلى باوضح صوره فى اسلوبه السردى للاحداث،
حيث لم يكن ينحو بعيدا عن النصوص التقليديه، لتلك المصادرات التى اعتمدها فى مشروعه
التاريخى. والنزعه التى قرا بها الاحداث، لم تكن تقدميه او تحرريه كما هو المتوقع
من قارىء اوروبى
ديمقراط ى، تستثيره المظالم والمقاتل، ليبحث فى ملفاتها
الممنوعه او الممتنعه، عن القراءه. هكذا يحاول (فلهاوزن)
وعلى طول المشوار، تعزيز الموقف السياسى الاموى، مهونا من
بشاعه جرائمه. اما نكبه كربلاء، فهى -وكما سوف نلاحظ تقريبا
مع جولدزهير- مجرد (ميلودراما)، فى حين يمثل مقتل
عثمان، ماساه -تراجيديا((61)).وهكذا، اتفق ان غطت الواقعه
كل عيوب الحسين، لينطلق التاريخ الانفعالى على اساس علقه
الدم النبوى، الذى يجرى فى عروقه. ففلهاوزن، الذى عبر فى
تاريخه عن ميزاجيته الحاده تجاه التراث الاخر، تراه هنا،يهون
من جريمه قتل الحسين، وسلوك شمربن ذى الجوشن،
المتمرس فى الاجرام. فيقول -مثلا-: (ومن هنا يسود شعور
سابق ضده، لا نرانا ملزمين بالمشاركه فيه)
((62)). فهو يمعن
النظر حتى فى وصف ابى مخنف لشمر، مبررا ذلك، باحترامه
لقداسه المعسكر (الذى فيه الحسين والنساء)((63)). ويوكد
على ذلك مره اخرى: (وكان بنو اميه يدللونهم (اى احفاد
النبى))
((64)).
اما (جولدزهير)، وهو المستشرق المجرى، الذى بحث فى تاريخ
الفرق، وافكارهم، فانه ينقلنا الى موقف آخر، بقدر ما هو يتسع
للرغبه فى البحث الموضوعى والانصاف، فانه يظل اسير ما تقرر
عند (فلهوزن). ففى الجمله، يتبدى موقف جولدزهير، كمناصر
للاسلام الرسمى، تاريخا وعقيده، فى اطار نزعه تهوينيه، تحول
تاريخ المعارضات، الى ماوى للمروق والانحراف. وهى النزعه
التى ساهم فى نشاتها، ذلك الفيض من المعطيات المعرفيه،
للمصادر الاسلاميه، الاكثر تحيزا وتعصبا فى تعرضها للوقائع.
و-(جولدزهير) لا ينفى كونه اعتمد فى ذلك على كتاب الفرق
والملل والنحل، يقول: (وانا نصادف فى الفرق الاسلاميه، كابن
حزم والشهرستانى وغيرهما، صورا متعدده لهذه العقائد، لا يزال
فريق من الناس فى بعض البقاع يومن بها الى اليوم..)((65)).
وهو بذلك يكشف عن انه اكتفى بوجهه النظر الرسميه فى
قراءه الاحداث ودراسه الافكار الاخرى. ويعزز جولدزهير موقف
نظيره فلهوزن بخصوص الاصل العربى للتشيع -فالتشيع
كالاسلام عربى فى نشاته وفى اصوله التى نبت منها((66))- بناء
على المعطيات نفسها كما حللها فلهوزن. الا انه لا يجد مانعا
من نسبه التشدد الطارى على التشيع -خصوصا فى مجال
النظر الفقهى- الى الموروث الزرادشتى. اى ان التاثيرالايرانى،
تاثير تاريخى، وظاهره لاحقه على التشيع ذى الجذور العربيه،
حيث يحسن الحاقه بالافكار اليهوديه والمسيحيه. والحق، ان
جولدزهير لم يقع فى المنحى ذاته لفلهوزن، فيما يتعلق
بالنزعه (اللامانسيه)، لوصح التعبير، تلك التى تقيم دفاعاتها
وتبريراتها للجرائم الامويه على اساس من التهوين فى ما لحق
المعارضه من اضطهاد وتقتيل.
ويقف جولدزهير من التاريخ السياسى العلوى، موقفا لا يكاد
يتحرر فيه من تلك التقريرات السابقه لفلهوزن، على الرغم من
حرصه على ان يظهر عرضه فى صوره منصفه وموضوعيه،
وذلك باعتبار ان اخفاق المشروع العلوى، ناتج عن سوء تدبير،
وضعف فى الناحيه السياسيه. هذا الاخفاق الذى سوف ينتهى
الى نوع من التراجع والياس والتعويض، برجعه الامام العادل،
والتغيير المتوقع، على الرغم من انه يجعل من العقيده
المهدويه، تاثيرا مسيحانيا ويهوديا، ولعل ايضا ثمه ما يوحى
بوجود شراكه فى هذا الاعتقاد من قبل خصومهم السنه. وهو ما
يوكد على ان تحليلا او فهما مستوعبا للمعط ى العقدى
والتاريخى، لم يكن حاضرا،بقدر ما كانت الاليه المتحكمه فى
هذه القراءات، نزعه متوثبه، تستند الى منهج الاشباه والنظائر.
فهو على الرغم من ذلك الحرص الذى ابداه فى بدايه حديثه او
الذى كان يظهر بين الفينه والاخرى، ظل حريصاعلى موقفه
من الاسلام المركزى، حيث اعتبره معطا يمثل الاجماع. لذلك
فان ضعف النظر السياسى هو ما جعل العلويين (يسيئون اختيار
الفرص الملائمه للقيام بالثوره، كانت ثوراتهم تمنى دائما
بهزائم لا مفرمنها..)((68)).
وعلى الرغم من التاريخ الماساوى للعلويين المضطهدين، فان
جولدزهير، يعتبر ذلك، وعلى غرار -فلهوزن- مجرد نزعه
مسرحيه نزعوا اليها، حيث صوروا (تاريخ آل البيت تصويرا
اخاذا)((69)). فالتشيع الذى ظل ماوى للمضطهدين
والناقمين على الاوضاع السياسيه والاجتماعيه، هو من ناحيه
اخرى، وخلافا -للاسلام السنى- كان قد تشبع (بالروح
الاستبداديه المطلقه)((70)). يقه مورخى الفرق
الاسلاميه،تواجه محنه تاريخ المضطهدين، نوعا من التهوين
والقراءه المعكوسه بما يعمق هامشيتها، ويدعم سياسه النسيان
تجاه مقاتلها.
وقد نقف من خلال استشفافنا لما تقرر فى هذه العروض، على
ان قسما لا باس به من المستشرقين، لم ياخذوا بوجهه النظر
(الماسينيونيه)، فى التداخل والمعايشه، لتراث المهمشين.
فجولدزهير كدوسى وفلهوزن ولامانس... يستندون على
المعطيات ذاتها، كما يعتمدون الخطه نفسها مع بقاء الفارق
الضئيل فى اسلوب عرضهم، وطريقه تناولهم للموضوعات.
استطيع تمييز فريق من المستشرقين، استطاعوا ان يثبتوا
جداره يقل لها مثيل من بين نظرائهم.. واعنى بذلك كل من
ماسينيون وايفانوف، واخص بالذكر، برنار لويس وهنرى
كوربان، الميزه الاساسيه التى توفرت لهولاء، تتجلى فى انهم
انفتحوا اكثر من نظرائهم واساتذتهم فى المدارس
الاستشراقيه، واحتضنوا التاريخ العربى والاسلامى فى شموليته
التى لا تسمح باهمال الوجه الاخر منه، والاستناد فقط، الى
الراى السنى.فقد تجاوزوا تلك التقريرات التى تشكلت بفعل
التاثير التقليدى للمصادر الاولى، بل استطاعوا النفاذ، بنباهه
وحميميه، للامساك بتاريخ المعارضه.
كان (لوى ماسينيون) على الرغم من صلته التى ظلت وثيقه
الى حد ما بالاستشراق التقليدى، الموسوم معظمه، بالنزعه
الروحانيه.. وعلى الرغم مما اتهم به من صلات -من بعيد او
قريب((71)) مع الموسسه الاستعماريه، باحثا جريئا ومتميزا
بذكائه واستيعابه، حيث تجلت فرادته فى نبذ اساليب الربط
المالوفه لدى نظرائه، بين الفرق الاسلاميه المهمشه
كالمتصوفه وبين اصول الديانات والفلسفات الاخرى، كما هو
واضح لدى اتين بلاتيوس وجولدسهير ورينان
((72)). وقد اهتم
بالمنابع المستقله للتجربه الروحيه، كما تجلت فى الاسلام
الصوفى والشيعى، بتقرير ان (هناك فى القرآن بذورا صوفيه
حقيقيه، وهى بذور قابله لنمو مستقل لا يحتاج الى اخصاب
خارجى)
((73)). وقد تراءت تجربه الحلاج، لماسينيون على
انهار رحله الايمان الحقيقيه كما جسدتها حياه رمز للتصوف
الاسلامى، وهى ماده خصبه لما سيقوم به من اعمال، تركت
آثارها نافذه، على صفحه الاستشراق. حيث قدم اطروحتيه:
(عشق الحسين بن منصور الحلاج شهيد الصوفيه فى الاسلام
الذى اعدم فى بغداد فى 26 آذار سنه 922). و-(بحث فى اصول
المعجم التقنى للتصوف الاسلامى)((74)).
يتحرر ماسينيون من سلطه تمركز الاسلام السنى، ومن نسقه
المرجعى فى تكوين رويه حول التراث العربى الاسلامى، ليس
فقط، تعيد الاعتبار لهذا الجانب المغمور، والهامشى، بل
ستبعث منه تجربه رائده،وفعاله. ويعبر عن ذلك التحول الذى
طبع خبرته فى الدراسه الاسلاميه، بما يعكس ميلا جديدا،
يورخ له ب: (ربيع 1908)، حيث قيامه برحله بعيده فى صحراء
كربلاء والنجف، بالعراق، وهو ما يمدنا بحقيقه الاختيار
الماسينيونى، ومدى علاقته الحيويه بالتجربه الشيعيه، نظرا
واحتكاكا، يقول: (كونى بدات فى الدراسات الاسلاميه عند
اصدقاء سنيين (سلفيين) فى القاهره وفى بغداد، تعلمت
(فلسفيا) ان اعط ى الحق للامويين على العلويين، وليزيد على
الحسين الذى قتل (بسيف جده) (تعبير عميق لم افهم فحواه
وحقيقته الا بعد حين، فيما يتعلق بهذا المتمرد البرومثيوسى).
وكان ينبغى لى ذلك الانعزال عن القافله، فى صحراءكربلاء
والنجف (فى ربيع 1908) حيث كانت تختمر لدى المبعدين
الموامره (الماسونيه) ضد الاستبداد الحميدى، لكى اشارك
(و(اعانى) فى حياه ونذور وامانى الحجاج الى زياره المقامات
الشيعيه فى العراق(وادى السلام والامام الحر و(لعنه نار على)
التعويذه الماساويه قرب ضريح سلمان نفسه)((75)).
وقد انجذب ماسينيون الى الحلاج((76))، حينما وجد عنده،
رغبته الملحه فى الحصول على ذلك المزيج، ذى المغزى
الروحى بين الحب والشهاده. فى لحظه يعبر فيها عن هذه
التجربه: (اذكر باننى اقتربت من الاسلام ومن دراسه التصوف
الاسلامى، وفى جحودى وتشكيكى وعيشى خلافا لما ينبغى،
صفعتنى كلمه الحلاج اثارت بجمالها مفارقه كبيره عندى:
(فى صلاه الحب، تكفى ركعتان، ولكن الوضوء الذى
يجعلهمامقبولتين ينبغى ان يكون بالدم). انها مفارقه ظاهريه:
الدم العادى نجس، خصوصا عند المسلمين، حسنا، ولكن دم
الشهيد.. الشهيد عند المسلمين يدفن كما هو دون غسل،
الشهيد لا يغسل، فدمه طاهر لانه دم الروح. ان شهاده الدم لدى
المتصوفه ولدى السنه هى شهاده الحياه، حياه الروح..)((77)).
ان تجربه الحلاج، الروحيه، التى انتهت به الى حدود الشهاده،
مشهد يرسم تلك العلاقه الحميمه بين تجربه المسيح وموقف
الحلاج.. لكنها فى منشاها الاول، تعود الى صدمه مستشرق
انتهت به الحيره والمحنه،الى الانقطاع الى تراث المعارضه وما
يختزنه من اسرار، ربما غرائبيه، زاد فى تركيزها التعليم السنى،
هو بمثابه رصيد روحى مهمل، ومضطهد.
لقد شغلت فاطمه حيزا مهما فى هذه الخبره العرفانيه التى قد
تصل مع ماسينيون الى حدود الشطح الصوفى. لكنه يجد
مضامينه حقيقيه فى تراث (الممنوع)! ففاطمه، هذا الطراز
النموذجى لشخص يحمل ابعاداتتسع الى التشكل المستحيل،
(فاطمه ام ابيها)، والى حقائق كبرى تجعلها حقا مثال المراه
الكامله وينبوع (الرافه الكونيه)، انها اخيرا، رهينه (كلام) ابيها،
فى محك عرض الاحتكام للّه الى مسيحيى نجران فى
حادثه المباهله.. ففى (الادعيه الشيعيه، فاطمه التى هى نموذج
المراه الكامله، ترمز الى منبع الرافه الكونيه، ونجد ذلك فى
الخطبه الشهيره المنسوبه لنصير الدين الطوسى سنه 1278
(ذات الاحزان): وانها لكذلك بواقع كنيتها (ام ابيها) خلعها
عليها ابوها (نعرف ان كل مسلم يحمل اسمه العلم واسما آخر
هو الكنيه). وفاطمه موضوعه مكان آمنه، تتحمل آلام المخاض
فى كل ذكور سلالتها. لقد تحقت على هذا النحو، فى
الزمن التاريخى. بشكل لا واع، فهى فى يوم المباهله، يوم عرض
الاحتكام للّه الذى قدمه محمد لمسيحيى نجران، كانت احدى
الرهائن الخمسه لكلام ابيها. الرهينه الاساسيه، كونها فى الوقت
نفسه الابنه والام والزوجه،الصله الجسديه الواحده للاربعه
الاخرين: بديلتهم)((79)).
هذا السر النافذ فى قضيه فاطمه، يتجسد بصوره رمزيه تنطوى
على مغزى تاويلى عميق، هو المغزى الذى يتجاوز فى نجاحه
واهميته تجارب الانبياء السابقين، كما تحقق فى محك
(المباهله).. انها، بالتالى، تجربه المراه التى مثلت، بهذه الكيفيه
العجيبه، نموذج الرحمه، وحاضنه المستضعفين، والمتمرده
على الولات، وصاحبه السر الخفى.. وهى فوق كل هذا بديل عن
خديجه امها، بدل زوجات النبى العاقرات، وهو سرتعلق
العلويين بها.. فصوره (فاطمه التاريخيه كما يقدمها (لامنس)
فى مهاتراته، حيث يحاول (مطرب الامويين) ان يقنع قراء
(انسكلوبيديا الاسلام) باشاعات عدائيه، كانت قد اشيعت ضدها
خلال فتره الخلافه الامويه، عندما كان الفقهاء والمشرعون
الموالون لعلى خلال فتره الخلافه الامويه، يلاحقون ويقتلون
من قبل ابناء الاعداء اللدودين لفاطمه وابيها، انها شخصيه
تعيسه غاطسه بالحداد بشكل مستمر، انها (ظل امراه..ندابه،
تعانى من فقر الدم)، زوجه رجل (اقرع، مكرش واعمش).
والحقيقه ان فاطمه بالنسبه للنبى، كان بديلا لامها خديجه.
احاديه الزواج مثلها، (ربه البيت) ملجا (المستضعفين)، حيث
كانت تلجا صحابه النبى الخاصه والغرباء الذين اسلموا ولم
تقبلهم القبيله العربيه كصحبه. واليها يعود الفضل فى تعلق
العلويين عبر القرون بالمومنين الفقراء والمحرومين واصحاب
الصنعه والفلاحين. ودفاعا عنهم وليس من اجل الحصول على
اقطاعه (حصه) بالميراث: (انها) صدقه اهل البيت (مثل
حفيدها حسن بن حسن (ت: 97ه) منذ 61ه) انها طلبت من
ابيها، بطفوليه، بستان نخيل بفدك، وابوها نسى الامر ومات
بدون ان يوصى بالارث، وجاء ابوبكر لفرط عدالته ليرفض اعطاء
فدك لفاطمه((80))، ناسيا ان المراه مثال النعمه (المثل
الاعلى) لا يمكن ان تتقبل ابدا الصد والخيبه. كان ينبغى
لفاطمه، رهينه الضيافه العربيه، التى كانت تصلى ليس من
اجلها وانمامن اجل الاخرين، ان تموت بشعور التخلى الربانى،
مصلوبه فى ثكلها، حامله بيدها لابيها الميت (البيعه) يمين
الولاء، (شباك الرسول)، رهن وعده بالعوده لاصطحابها اولا بعد
موتها. فى الواقع، توفيت فاطمه بعده ب-(75) يوما، اذ انها ولدت
قبل الاوان طفلا ميتا، محسن، (صاحب السر الخفى). ثم
اسيئت معاملتها كمتمرده، لانها رفضت الخروج من (بيت
الاحزان) والذهاب لتقديم الولاء. فقد (حلت شعرها) وهو
التعبيرالنبيل عن الحزن الاقصى لامراه حره، حزن ستجدده
يوم الانبعاث: استنكار المراه)((81)).
كانت تلك باختصار، رويه مستشرق مهووس بتجربه العشق
الصوفى، والغوص فى تراث (الممنوع)، حيث تنتصب الحقيقه
الشيعيه بمشاهدها وتعاليمها، محطه رئيسه فى هذا المعبر
العرفانى، نحو الحلاج العاشق والمعشوق.. واحد من النماذج
الكبرى فى هذه المغامره الاستشراقيه!
كذلك وللوهله الاولى نلاحظ عناصر الشجاعه متوفره جميعا
فى المستشرق الفرنسى، برنار لويس، حينما رفض فريه الاصل
السبئى للتشيع كما قال بها، سابقوه، وهى الفريه التى ما ان
دخلت (تاريخ الطبرى) حتى اصبحت مفتاحا فعالا لفهم
النهوض الشيعى.. يقول: (وينسب كثير من المورخين
المسلمين بدايات التشيع الثورى الى رجل اسمه (عبداللّهبن
سبا) وهو يهودى يمانى عاصر عليا، وكان يدعو الى تاليهه فامر
على بحرقه لما دعا اليه. ومن هنا قيل: ان اصل التشيع ماخوذ
من اليهوديه)((82)).
ويزعم برنار لويس فى السياق نفسه، ان الصوره قد توضحت
لكثير من المستشرقين بعد ذلك: (ولكن التحقيق الحديث، قد
اظهر ان هذا استباق للحوادث وانه صوره مثل بها الماضى
وتخيلها محدثو القرن الثانى الهجرى من احوالهم وافكارهم
السائده حينئذ. واظهر فلهاوزن وفريد ليندر بعد دراسه
المصادر دراسه نقديه، بان الموامره والدعوه المنسوبتين الى
ابن سبا من اختلاق المتاخرين. وبين كايتانى ايضا فى
فصل حسن الحجه، ان موامره كهذه، بهذا التفكير وهذا
التنظيم، لا يمكن ان يتصورها العالم العربى المعروف عام 35هـ
بنظامه القبلى القائم على سلطان الابوه، واوضح انها تعكس
احوال العصر العباسى الاول بجلاء..)((83)).
ولا يجد لويس اى حرج فى ان ينعت مصادر السنه فى التعريف
بالحركه الباطنيه، بالقصور والضعف، ما دام ان اقدم كتاب
يعرف بهذه الحركه (الطبرى)، الذى لم يخف استياءه من
اسلوبه الغير الدقيق، خصوصافيما يتعلق بعجزه عن الربط بين
زعماء القرامطه فى سوريه المنحذرين من ذريه محمدبن
اسماعيل بن جعفر وبين المدعى الفاطمى فى شمال افريقيا،
كما اعتبر وجهه نظره عن هذه الحركه، لا تتجاوز
النظره العاديه لاى شخص بغدادى فى زمانه.. واهم من ذلك
انه (لم يحاول ان يبحث عقائد الفرقه اذا استثنينا لمحته
الخاطفه عن كتاب قرمط ى منسوب الى القرامطه)((84)).
والامر هنا، حسب اعتقاد، برنار لويس، لا يتوقف عند الطبرى،
بل هو يكشف ايضا عن ذلك الطابع المسرف لكتاب الملل
والنحل بشكل عام، حيث بالغوا فى احصاء الفرق واختلاقها
بسهوله، خصوصا، وان كثيرامنهم فقهاء، يصعب الاعتماد عليهم
فى تحصيل الاخبار الدقيقه.. يقول: (نعم، للفقهاء عيوب تقلل
الاعتماد عليهم، فهم يتحاملون تحاملا شديدا على الفرق التى
يصفونها ولا يرون فى صالحهم ان يرسموا صوره واضحه صحيحه عن تطورها، وكثيرا ما كانت
معلوماتهم عنها خاطئه فنسبوا اليها مبادىء انكرها اصحابها باشمئزاز واستغراب «...»
فكيف نتوقع منهم اذا ان يميزوا تمييزا صحيحا بين
الجماعات المارقه المتخالفه؟ زد على ذلك ان كثيرا منهم
يتقيدون بحديث منسوب الى النبى يقول: (ستفترق امتى ثلاثا
وسبعين فرقه كلها فى النار الا واحده) فكانوا يزيدون فى عدد
الفرق المارقه او ينقصون منها بمقدار مايلائم هذا
العدد)((85)).
وهكذا بات صعبا على الباحث التساهل فى بحث تاريخ الفرق
الموسومه بالضلال، وايا كانت طبيعه البحث، فلن تكون له
سوى تلك القيمه الموقته. خصوصا ما يتعلق بتاريخ التشيع فى
القرن الاول، فهو (لا يزال يتطلب تمحيصا كثيرا. ويجب اعتبار
ما يلى من البحث محاوله ذات قيمه موقوته)((86)).
غير اننا، نثمن فى برنار لويس، تلك الجراه والنباهه، التى
جعلته يقتفى طريق الاستاذ ماسينيون فى اختراق النسق
المرجعى للتاريخ العربى والاسلامى، وذلك من خلال اعتماده
على كتاب (الشيعه) للنوبختى،الذى اعتبره اغنى المصادر
واوثقها.. وهو ما لم يعهد على الباحثين الذين لم يتحرروا فى
المقام من ذلك التاثير السلبى للمصادر التقليديه، كما وضحنا
سابقا.. لكننا قد لا نتفق مع برنار لويس فى جمله من الاراء
حول الشيعه، وهى آراء بحثيه محض. لكن روح التحقيق
والنظر، التى تحلى بها الاستاذ برنار لويس، تشفع له فى كل
الاخطاء التى وقع فيها بهذا الخصوص((87)). وهذا ما يوكد
على انها اخطاء باحث منصف خانه التعليل.
ولا تفوتنا الاشاره هنا الى ان اهم ما توصلنا اليه هذه الابحاث،
ليس هو الدفاع او التحيز الى فرقه دون اخرى. لان هذا سوف
يكون تنويعه على تقاليد مضت، كان البحث ينطلق فيها من
دائره الى اخرى فى جو من التفاضل والتغالب، فضلا عما تتركه
هذه الطريقه من تزييف للحقيقه. ولكن ابحاثا كهذه، تنطلق
من خارج هذا الميل -وان وجدت لها ميول اخرى مع التحفظ-
لتعيد الاعتبار الى جزء من التاريخ ظل طيله حقبه من سيطره
الخطاب التاريخى العربى التقليدى يواجه النسيان الى الحدود
القصوى من الاهمال والتهميش.
وتفيدنا الخبره الطويله التى اثمرت نتائج محترمه لدى هنرى
كوربان، بان الدراسه التى تنطلق من داخل التراث العقدى
والفكرى لدى الجماعه موضوع الدرس، هى التى تمكننا من
احراز نتائج ايجابيه. وقد كان الاسلوب الظواهرى -رغم ما يمكن
اثارته حول هذا المفهوم- اداه فعاله، مكنت كوربان، من تجاوز
كل الشكوك التى غدتها ظروف القمع والحصار التاريخيين ضد
الشيعه.
ويتجلى هذا المنزع الظواهرى لدى كوربان فى عمليه رد
الاعتبار الى احدى اهم المصادر الحيه فى الفكر الشيعى، تلك
التى امدته بماده تامليه غنيه وارضيه فلسفيه خصبه. اعنى
بذلك كتاب (نهج البلاغه) الذى جمع خطبا واقوالا للامام
على بن ابى طالب، جمعها الشريف الرضى. وقد مال البعض الى
التشكيك فى نسبه هذا الكلام الى الامام. وليس سهلا على
كوربان ان يخالف رايا سائدا لدى الباحثين الذين صعب
عليهم ايجاد صله بين مضمون هذا الكلام المتضمن لكل
مفاهيم العصور اللاحقه وصاحبه الذى عاش فى حدود القرن
الاول. لكن كوربان لم يكلف نفسه عناء مناقشه هذا الراى، فقد
تبنى نهجا ظواهريا فى تقبل اسناده الى صاحبه.. (ولقد اثيرت
بعض الشكوك حول صحه بعض اجزاء هذه المجموعه. على ان
الكتاب يبقى، على كل حال، من مولفات المرحله المتقدمه فى
الاسلام. وان اضمن الامور لفهم محتواه، هو ان نفهمه بصوره
ظواهريه، نعنى كما يدل عليه القصد من وضعه: فكائن من كان
حامل القلم، الامام هو الذى يتكلم، ومن هنا تاثيره
البين)((89)).
والملاحظه الاخرى هاهنا تتعلق بتعاط ى كوربان مع التراث
الشيعى باهتمام فائق ربما صعب على كثيرين استيعاب تاويلاته
التى ظل فيها مدينا لهذا الفكر، الذى لم تتاسس باطنيته على
مرجعيات خارج هذا الاطارالمعرفى الذى اوجده الاسلام.
وليس سليل غنوصيه مستورده على النحو الذى يجرى عاده
فى اجواء المثاقفه التى يسعى مذهب ما الى استكمال نقائصه
بالاستعاره من عناصرها.. فباطنيه التشيع تقوم على
جوهرالاسلام ذاته، وهى اساس هذه الفلسفه النبويه. فالباطن
هو مستودع الحقيقه الغائبه، وفى انتظارها، يبقى الرهان على
ظهورها الكامل وليس على الجديد. ان الانتظار هنا، ليس
انتظارا للجديد، بل، بظهور وانكشاف شامل، للحقائق المستوره.
فالفلسفه النبويه، بهذا المعنى، تبقى (اذن اساسا علم
معاد)((90))
وهكذا تعود النزعه الباطنيه الى اصولها الماصوله
(ان يكون التشيع فى جوهره باطنيه الاسلام، فذلك ما يترتب
على النصوص نفسها وعلى تعاليم الائمه قبل اى شىء «...»
وبامكاننا ان نضاعف هذه الاستشهادات باحاديث مماثله، فهى
تشير بشكل يثير التقدير الى (وجود) التشيع وكيانه، ووعيه بانه
باطنيه الاسلام،وانه ليستحيل علينا تاريخيا ان نرجع الى ما هو
اقدم من تعاليم الائمه للوصول الى منابع الاسلام الباطنى.
ولذلك فان الشيعه الحقيقيين هم اولئك الذين يحملون اسرار
الائمه، بل، فى مقابل ذلك، ان الذين زعموااو يزعمون وقف
تعاليم الائمه على الظاهر، اى على بعض مسائل الفقه
والطقوس، يعرضون عما هو جوهر التشيع ويتجاهلونه)((91)).
اننا مع هنرى كوربان، نكون ازاء باحث بعيد المدى، محلل
قدير، ومدقق فى اكثر المتون الشيعيه غموضا، قارئا وموولا من
موقع الشيعه التاريخى او تعاليم ائمتهم. لكننا فضلا عن هذا،
نكون امام صديق حميم لهذه الفرقه، ومعايش لها فى مواطنها.
فهى خبره لا تقل عن سابقه، ماسينيون. مع تميزها بسعه
الاطلاع، وقوه الاستئناس بالمكونات الجوانيه حيث قضى اكثر
من عشرين سنه من تلك المعايشه.
ان اهم ما نخرج به، بعد هذا السفر الكوربانى
المضنى، هو التاكيد على النزعه التعادليه فيما
يخص مجال الحقيقه والشريعه داخل الموروث
الامامى. ولسنا نرى فى تركيز كوربان على الطابع
الباطنى، اى محاوله اختزاليه على طول ابحاثه، سواء
فيما يتعلق بالسهروردى او الشيخ الاوحد ابن زين
الدين او غيرهما. فقد ظلت نظره لا اقل تحمل
مظاهر الملاحظه الظواهريه التى ترفع عن الباحث
عناء سلطه المصادر المعاديه، ووجهه نظر الخصوم،
المتحيزه!
بالنتيجه، لم تكن هذه المحاولات لتاتى بجديد غير انها زادت
فى تازيم الصله بهذا التراث، الذى لم يعد الرهان يتجه
فيه ناحيه فهمه واستيعابه، بقدر ما اصبح فى محاولات الباحث
العربى المتطلع الى النموذج الاوروبى الموسوم بالعقلانيه
والمنزع العلمانى، مجالا سجاليا مثمرا، وميدانا لشحذ المناهج
المسخره بتوليفه يمليها الهاجس السياسى والترسيمه
الايديولوجيه. ومما يوسف له -فى اطار بحثنا- ان هذه المحنه
التى واجهها الاماميه، وجدت من يعمل باجتهاد، على تحيينها،
باساليب، لا تختلف -جوهريا- عن النقوض التقليديه وان
كانت تتخذ لها بين الفينه والاخرى تنويعا اصطلاحيا يتوسل
بمفاهيم اكثر حداثيه، واخص هنا تلك المحاولات التى دشنها
الباحث المغربى محمد عابد الجابرى خلال الثمانينات، فى
اطار مشروع نقد العقل العربى. الى جانب عدد آخر من الكتابات
العربيه، ذات الطابع الشمولى او التجزيئى.
الجابرى((92)).. واللامعقول الشيعى!
وحينما نعود الى جمله المصادر التى اعتمدها الجابرى فى
تناوله للفكر الشيعى، وهى العمليه التى ستكشف، ليس فقط،
عن عجز فى الاستيعاب، بل، وهو الاخطر من ذلك، عن عجز
فى الفرز بين مختلف الفرق الشيعيه، خصوصا الاسماعيليه منها
والاثنى عشريه. بل حتى على صعيد العرفان الشيعى، فى تلك
الصله التى اوجدها فيما بين تصوف ابن عربى او الجنيد وعموم
الباطنيه وبين التيار الغنوصى.. الخلط الذى يعود الى ذهنيه
البحث عن الاشباه والنظائر، كما تعكسها مجمل الابحاث
الكلاسيكيه، الناظره فى تلك العلاقات. لكننا، وبغض النظر عن
هذه الملاحظه، نعود للقول، اننا نعثر على مصادر هزيله جدا،
من الصعوبه بمكان تقبلها ك آثار مرجعيه كافيه، لتشكيل رويه
متكامله عن التشيع. نجد اعتمادا بسيطا على ما لا يتجاوز ثلاثه
او اربعه مصادر((96)).
ولا يخفى الجابرى -مثلما يفعل دائما((97))- هذه الحقيقه
التى عبر عنها فى كتابه (العقل السياسى العربى): (وان جميع
من له المام باحداث القرن الهجرى الاول يعرف كيف ان
مصادرنا التاريخيه او بعضها على الاقل- المصادر السنيه
عموما- تجعل (الفتنه) زمن عثمان، من تدبير شخص، اسمه
عبداللّهبن سبا (...) وقد اطلقت مصادرنا التاريخيه على حركه
المعارضه لمعاويه، اسم (السبئيه) نسبه الى عبداللّه بن سبا
هذا)((98)).
لقد وقع الجابرى بين قوى جذب مختلفه، بين نزعه تمركز
الاسلام السنى، التى تاثر فيها، لا اقول بهاملتون جيب فحسب،
بل بمجمل البيئه الثقافيه للباحث، وبين ذلك الجهل الكبير
بالتراث الاخر، بالاضافه الى جاذبيه المشروع النهضوى فى بيئه،
اقتضت الانتصار الى مجمل الفرقه الاندلسيه والمغربيه، حيث
يسير على مجدد الخطاب التاريخى العربى التقليدى، ان يجعل
فلاسفه الشرق، وفى مقدمتهم، الشيعه، يدفعون ثمن هذا
الصرح الايديولوجى الضخم! ولا يكلفه ذلك اى جهد معرفى
لاقامه الحد على جزء طليعى من التراث العربى والاسلامى، فى
محيط لا يوفر رايا جديدا. هاهنا، تستبد الايديولوجيا بالبحث،
ويستغنى الباحث المنتمى، عن الاليه الابستمولوجيه فى
استكشاف البنيه الحقيقيه، التى تستقر فى مكامن هذا الخطاب
التاريخى المتعصب لمعصوميته المزعومه، والمتسلح بعناصر
غير معرفيه: عناصر الغلبه، والتمركز،والامر الواقع!
وليس غريبا، ان نقع مع الجابرى على صور من التلفيق، واخرى
من الوعى المفارق. فالجابرى عندى، لا يناقض نفسه. هو وفى
لعالمه الفكرى ومشاريعه الحالمه.
الرازى، اخوان الصفا، جابر بن حيان، الفارابى، ابن سينا، وبصوره
ضمنيه الامام جعفربن محمد الصادق.فالمعقول الدينى، لا
تجسده سلفيه الخطاب، بقدر ما تمثله معياريه القرب من دائره
السلطه او البعد عنها! ولذا الفينا ميلا شديدا، من الباحث، الى
تسويغ مواقف وانتماءات، تقع فى قلب ذلك اللامعقول
الدينى..ابن عربى، الذى كادت اندلسيته تشفع له للحاق
بالكتله المغربيه الاندلسيه رائده المعقول الدينى والعقلى،
شانه، شان ابن خلدون. اما الغزالى، فقد كان لذاكرته السياسيه
ودوره البارز فى خلق التوازن او التنكرالمعرفى، عاملا، ساهم
فى انتشاله، بقدره قادر، من ماواه الباطنى، ربما يعود ذلك الى
اشعريته التى كرس لها جهده اثناء توليه المسووليه فى
المدرسه النظاميه، او لمعاركه الضاريه التى خاضها ضد
الباطنيه الاسماعليه. بناء عليه، ليس الجابرى، فى ما اختلقه من
عوالم فانتازيه، متناقضا، انما كان مهووسا بعلم نهضوى
ومشروع سياسى، ومن شان مشروع كهذا ان يسحق فى طريقه
اشخاصا ويضحى بافكار!
التشيع، فى راى الجابرى، لا يحظ ى بجذور فكريه اصيله فى
تعاليم الاسلام. فهو، وان كان فى نشاته الاولى، تيارا سياسيا
محضا -وهو ما اكد عليه عدد من المستشرقين، نذكر منهم
برنار لويس- الا انه فى تكوينه المذهبى اللاحق، كان من وحى
اليهودى المتاسلم عبداللّهبن سبا، وهذه فكره اخذها -على
علتها- من المصادر السنيه، حسب تقريره السابق((99)). وهذا
التشيع الذى بدا سياسيا -نتيجه ظروف تاريخيه- سرعان ما
انتظم فى تعاليم دخيله، انتحلها، بشكل منتظم، هشام بن
الحكم، بالنسبه لعموم الشيعه الاماميه، وميمون القداح،
بالنسبه للاسماعيليه. ومن خلال هذه المماحكه، يحاول
الباحث لفت الانظار الى كون الازمه التى تفجر عنها ذلك
الصراع السياسى الاول، وبالتالى الموقف الشيعى من على بن
ابى طالب، يصعب الامساك بها.. فى حين، لم تعد الجماعه التى
ناصرت عليا، تملك اى مشروعيه، غير انها ضاله، وانتهى بها
الاخفاق السياسى الى مد الجسور مع القوى المتامره، ضد
السلطه السياسيه القائمه، وضد الاسلام بشكل عام. وهذا
اسلوب دشنه اصحاب الملل والنحل، يتجدد بكامل عناصره فى
هذا الخطاب. فالشرعيه التى يمكن ان يحتج بها الطرف
الشيعى، او الاصول التى تحدد هذه الهويه المتجذره فى
تاريخيه الاسلام نفسه، تكمن فى ذلك الموقف الاول من
على بن ابى طالب، موقف سياسى قام وانتهى، وبقيت امتداداته
تشهد نوعا من الخروج والمروق الى ان غير مجراها عبداللّهبن
سبا، واكتمل صرحها مع الامام الصادق وحاشيته الهرمسيه
الظلاميه! وهذا يعنى -بالتاكيد- ان الموقف الاخر فى هذا
المشهد السياسى الاول -المشروع نوعا ما-انتهى هو الاخر، ولم
تبق له اصداء فى دائره البيان او المعقول الدينى السائد. ليس
الا الشيعه، يحملون آثارا باهته، وضاله، عن ذلك الموقف
السياسى، ويستحضرونه فى بكائيه شبيهه، فى ميثولوجيتها
وضلالها،ايضا، ببكائيات اليهود. لقد انهى الجابرى هذا الصراع،
دون ان يخبرنا ان كان فعلا، انتهى، ومتى، ومن انهاه؟! فهذا
الطرف الذى تمركز، هو الراى الثالث المحايد هكذا يوحى
الجابرى- اى الاسلام الاصيل والمعقول الدينى!
من هنا تواجهنا صعوبه فى الاهتمام بهذا الراى. باعتباره عرضا
منقولا، لا جده فيه! وهو فوق هذا، مجرد استثمار، يتخذ منحى
تغليب جزء من التراث على آخر فى مغامره صعبه! هكذا يهيئنا
الجابرى لمواجهه منهج، لا يفرق من اى غرائبيه. فاذا كان ارجاع
التشيع الى عبداللّه بن سبا، قال بها مستشرقون والتزموها
-وبعضهم تخلى عنها حينما وقف على علاتها- فان الجابرى،
سيلتزم بكل الاراء التمثيليه التى قال بها المستشرقون.اى
بالاصل السبئى -اليهودى للتشيع، وايضا الفارسى الغنوصى.. والبوذى والمسيحى لمقاربه العرفان الشيعى وانتظاريته. ولعله فاته ان يرجع الطقس الماتمى الذى احياه بنو بويه فى القرن الرابع الهجرى، الى اصوله فى طقوسيات (البورورو) و(النامبغوارا) فى الامريكتين! |