الموسسات الدينيه الاسلاميه والكيان الصهيونى

الدكتور زهير غزاوى

كلمه الناشر

بسم اللّه الرحمن الرحيم

عقيب حرب الخليج الثانيه تسارعت الخط‏ى نحو ما يعرف بالسلام، ومحاوله تصفيه الصراع العربى- الصهيونى برعايه القطب الامريكى المتفرد بزعامه النظام العالمى الجديد، وانما وصفنا هذه الخط‏ى بالتسارع لانها لم تغب بالفعل عن التحرك السياسى العربى تجاه تسويه الصراع مع العدو الصهيونى، ولكنها بقيت محاولات فرديه وخجوله وان تجاوز البعض اشكالياتها.

وفى جميع هذه المحاولات الضروريه منها والجماعيه الان، مارست الانظمه العربيه -ولا تزال- تغطيه محاولتها الاستسلاميه بما هو مقدس وما هو قيمى، وليس ثمه اكثر قدسيه وقيمه من الدين.

وفى هذا الاطار سعت الانظمه العربيه الى استصدار فتاوى من (الطواقم) الدينيه التابعه لها لتضليل الناس ومحاوله اقناعهم، وكان آخر هذه الفتاوى، فتوى لاكبر عالم فى الموسسه الدينيه السعوديه! التابعه والمتماهيه مع النظام السعودى، اجاز فيها الصلح مع اسرائيل.

وقد اثارت هذه الفتوى حفيظه الغيارى من ابناء الاسلام من علماء ومثقفين للدفاع عن الاسلام ومقدساته والحوول دون تشويهه والقفز على مبادئه.

وفى هذا الاطار يقدم مركز الغدير للدراسات الاسلاميه كتاب (الموسسات الدينيه الاسلاميه والكيان الصهيونى بين الدين والتاريخ- نظره الى فتوى ابن باز) للدكتور زهير غزاوى، عالج فيه فتوى ابن باز الاخيره وموقف العلماء المسلمين منها.

وللوقوف على طبيعه الموقف الصحيح من الكيان الصهيونى وخلفيه هذه الفتاوى الشاذه، استنطق الدكتور غزاوى التاريخ الاسلامى، للكشف عن العلاقات الاسلاميه- اليهوديه ابتداء من عهد الرسول الكريم(ص) الى عهدنا اليوم. ثم ركز الحديث على فتوى ابن باز تحديدا والموقف الاسلامى العام المضاد، ومرتكزاته الشرعيه والواقعيه.

وانما يقدم المركز كتاب الدكتور غزاوى فانه يقدم احد الباحثين الفلسطينيين ممن واكب حركه الثقافه والسياسه معا، آملا ان يودى جزءا من مسوولياته تجاه مقدسات الاسلام وفى مقدمتها القضيه الفلسطينيه والقدس تحديدا، وان ينال هذا الكتاب رضا الجماهيره الاسلاميه الواعيه.

مركز الغدير للدراسات الاسلاميه الاهداء الى الاحد عشر .. الذى احبهم

والصديقين الشيخ حامد ابو راس الشيخ عبد العزيز جحجاح تنويه

اتقدم بالتقدير الى العاملين فى المكتبه الوطنيه بدمشق (مكتبه الاسد) واخص: الانسه منى الصالح العبادى مديره الاعاره الانسه رائده الخيمى امينه القاعه الثانيه نظرا لما قدمتاه من مساعده قيمه.

بسم اللّه الرحمن الرحيم

مقدمه

ليس ممكنا او منطقيا ان نتعامل مع الفتاوى التى صدرت وستصدر حول مساله جواز الصلح مع الكيان الصهيونى الا من خلال نظره شموليه، كما انه يستحيل فى الان ذاته فصل تلك الفتاوى المستنده الى الاسلام وحتى الايديولوجيا الاسلاميه، عن السياسه والتاريخ والظروف الموضوعيه، والمفتى، تماما كاستحاله فصل الاغنيه عن المغنى.

لكل ذى عينين تبدو المساله بجلاء.. ان رجال دين قد ادلوا ب‏اراء استقوها من الدين الاسلامى تويد الصلح مع العدو، وفى الان ذاته قام آخرون بالرد عليهم وتسفيه آرائهم باعتبارها لا تمت الى الدين بصله، او على اقل تقدير انها تتعسف بتحميل مويداتهم من الايات والاحاديث ما لا تحتمل، ولعل بعضهم وهو يقوم بالرد مدليا بدلوه، شكك فى صحه نسبه الفتوى الى المفتى وطالب ان ثبت ذلك بان يعيد ذاك المفتى النظر بفتواه او سحبها من التداول. واذا جاز لنا القول، ونحن ندلى بدلونا ايضا، فان الحاله السائده تبدى تشوشا واضطرابا عرفته الامه الاسلاميه ومنها العرب فى فترات متعدده من التاريخ القريب والبعيد، ومما تثبته بوضوح ايضا ان الاسلام العظيم لا زال يحتل كايديولوجيا نفس الاهميه التى كانت له منذ البعثه النبويه الشريفه قبل اربعه عشر قرنا من الزمن، وهذا ما يبعث على الامل والبهجه، ذلك ان الجهات التى تقف وراء اصدار الفتاوى سلبا او ايجابا تدرك ان الاسلام رغم العلمانيه الطاغيه لا زال المحرك الاهم للجماهير المسلمه التى تجاوزت المليار ونصف من البشر فى ارجاء الكون بدليل ان الطغاه الذين يتولون السلطه فى معظم الدول الاسلاميه يدركون حاجتهم الماسه لغطاء اسلامى لتصرفاتهم الهزيله واستسلامهم المذل امام العدو الصهيونى وغيره من الاعداء.

فى الوقت ذاته تعود الموسسه الدينيه الاسلاميه، خاصه الرسمى منها، الى الواجهه، والمولم فى موضوع مواقف هذه الموسسه راهنا انها تظهر للقوى المعاديه ان الاسلام اصبح اسلامات وليس مذاهب تتفق على هدف واحد، كما عبر احد رجال الدين الاجلاء ممن عارض فتوى الموافقه على جواز الصلح مع العدو الصهيونى.

تنحو هذه الدراسه الى استكناه مستقبل الامه فى ظل الاسلام على ضوء الماضى خاصه فى موضوعه الصلح مع العدو الصهيونى. الحياه حركه دائمه التقدم مكونه ابعاد الزمن الثلاثه، الماضى والحاضر والمستقبل. فان الايديولوجيا الاسلاميه تبدو باستمرار الثابت الوحيد ضمن مجموعه من المتحولات. ان حركه الحياه فى كل مظاهرها وحتى مسائل العلوم والرياضيات تتضمن ثابتا ومتحولات او بالاحرى ثوابت ومتحولات، ويتم من خلالها قياس او تقويم المتحول بالرجوع الى الثابت. وفى مقابل الذين يهاجمون الايديولوجيات باتهامها بالثابت الجامد فى خضم حركه الحياه الدائمه الازل يمكن القول ان الدين لم يكن ابدا عقبه فى وجه التطور. لقد كان ولا يزال ناظما اساسيا للتطور، يعط‏ى الحياه التوازن الذى لا يمكن الاستغناء عنه.

فالدين مجموعه من القيم الاخلاقيه والاسس التى تنظم الحياه وتسمو بها عن طبيعه الغابه وقوانينها الى سده الانسانيه.

ولقد اعترف الماديون المفرطون فى ماديتهم بوجوبيه القيم وثباتها وانها اعمده نشوء المجتمعات والمصدر الوحيد للتقييم والقياس وبزوغ المدنيات والحضارات، ذلك، رغم انهم اعتبروها من مفرزات الانسانيه ذاتها، ولا فرق فى هذا كما اظن اذا اجيز لنا ان نهمل المصدر موقتا فى سبيل الحديث عن ان القيم ثوابت، كانت وستبقى، والحياه حركه.

اذن لا غناء عن الثابت الذى يمثله الدين بكل مضامينه التى يوافق عليها مجمل الناس او يرفضها بعضهم. فهو مصدر القيم التى هى مصادر للقوانين والتشريعات الناظمه لحياه الناس على مر العصور، وظلت القيم الاخلاقيه تحديدا تمتلك صفه الاطلاق وترتبط بالمطلق، حتى والناس يختلفون على تعريفها ونسبيتها لهذا المجتمع فى مقابل ذاك.

والدين الاسلامى يرتبط بالتاريخ برغم اتصافه بالثبات وتضمنه للثوابت. فهو يلتحم بشخصيه الرسول محمد(ص) قولا وعملا وصمتا، والرسول الكريم صار جزءا من التاريخ رغم انه حى بحضوره المستمر فى قلوب المومنين. السنه النبويه جزء اساسى من الدين، وهى كما نعلم ما قال او فعل او صمت عن فعل ما. لقد اخذنا الرساله عن الرسول، فهى هو، وهو هى، شئنا ام ابينا، والسيره تاريخ مسجل فى الكتب تبذل الجهود المريره لفصل الصحيح منها عن المزيف، ورغم ذلك فهى جزء من الدين وبنى عليها قياس ما يجب ان يتم السلوك على اساسه فى المستقبل، وكانما يبدو التاريخ البعيد حاكما او ناظما للقادم من الزمن، وفى ذلك اشكاليه كما يبدو للعيان، ومع ذلك فالامر اشد بساطه مما هو عليه من مظاهر التعقيد. الفتوى الاسلاميه فى الامور التى تتعلق بالسياسه غالبا هى قياس للحاضر على ضوء الماضى، فالزمن واحداثه لا تتكرر ابدا رغم تشابهها فى احيان، والسياسه فعل الراهن وحركيته البالغه السرعه والتعقيد. ولقد كان الرسول الكريم، رجل دوله بالدرجه الاولى، مارس القياده الشامله فى خضم جهده كرسول من اللّه، وبلغت شفافيته ذروتها كقائد ورسول معا. ولان الاغنيه لا تنفصل عن المغنى ولان المغنى يظل فى كثير من الظروف اهم من الاغنيه ذاتها بما لا يقاس، جاء القرآن الكريم مدعما لشخصيه الرسول الى درجه دفعت كثيرا من الباحثين والمستشرقين الى التساول عن السبب الكامن وراء ذلك. ولنتصور مثلا مصير الاسلام بكل ما فيه من جلال اذا ثبت ان فى الرسول مطعنا ما يمس شرفه او مكانته اخلاقيا او سلوكيا، وماذا يبقى من هذا الدين اذا فصلنا عنه رسول اللّه كما يحاول بعضهم ان يفعل الان بزعمه ان القرآن هو المصدر الاوحد للاسلام لا ينظر الى غيره.

وبالعوده الى التاريخ فان رسول اللّه(ص) خاض صراعا لنشر الاسلام مع قوى متعدده لم يكن المشركون اشرسها. لقد كانت الجزيره العربيه رغم جاهليتها تتكون من فسيفساء من الاديان، وظل اليهود الذين كانوا من اقدم الموحدين بين الاديان المتواجده اكبر القوى المناهضه للدين. وهنا لا بد من التنويه ان اكبر معجزه للرسول ظلت استطاعته نشر الاسلام فى ظروف تعتبر بالقياس من اصعب الظروف التى تواجه داعيه الى اللّه فى تاريخ البشريه. صحيح انه كان مويدا من اللّه ولكنه اكتسب صفه كونه من اولى العزم بحق لانه اتسم بالصبر والجلد والمثابره على الدعوه بين قوم تبدو صفه الجاهليه غير كافيه حقا لوصفهم، ناهيك عن الظروف الموضوعيه التى تمثلها الصحراء القاحله وقانون الغاب السائد، وانعدام العلم والثقافه، ونوعيه الامم الناهضه الحضاريه المحيطه بهم كالفرس والروم.

ناهض اليهود الدين الجديد باعتباره العدو الاول، وخاض النبى محمد(ص) صراعا ايديولوجيا وحربيا معهم حتى اجلاهم عن المنطقه الفسيحه الممتده حتى اليمن. وان نظره على راهن الصراع مع اليهود تثبت انهم لم يتخلوا عن الصراع ضد الاسلام وشخصيه الرسول رغم مضى اربعه عشر قرنا، كانما يتصل الحاضر بالماضى بشكل وثيق الى حد الغرابه، ولا توجد شخصيه ممتده موصوله الذاكره بالماضى السحيق كالشخصيه اليهوديه.

ولعل هذا ما دعانى الى ايلاء هذه المساله المعقده ما تستحقه فى اطار هذه الدراسه، وبالتحديد ما تلا وفاه الرسول الكريم من تشويش مارسه اليهود باشكال متعدده باطنيه، فى محاوله لوصل القرآن الكريم بالتوراه، ومما يجدر بنا قوله (وسياخذ مكانه فى هذا الكتاب) انهم حققوا بعض النجاحات الهامه على هذا الصعيد، وهناك امثله عديده كان ابرزها معاصره بعض التفاسير التى توثق الربط بين القرآن والعهد القديم بشكل لم يسبق له مثيل. ان الصراع مع اليهود تاريخيا اتيح له فى هذا العصر الذى نعيشه ان ياخذ الشكل الذى خططت له الحركه الصهيونيه بعد بروز الامبرياليه كاعلى مرحله من مراحل الاستعمار القديم، وهو ان يضع اليهود اقدامهم فى الارض المقدسه فلسطين وفى القدس الشريف تحديدا، فهل حقق هولاء نصرهم الاخير ضد الاسلام والرسول العظيم كما لا يخفون فى كتاباتهم واحاديثهم؟؟ ان ما يجرى الان يتعدى النصر العسكرى العابر والمرحلى الذى يمكن للامه ان تتجاوزه، انهم مستفيدين من دروس الماضى يسعون لتحقيق نصر اكبر من خلال السيطره على قناعات المسلمين واخضاعهم وتحطيم القلعه من الداخل، ولم يكن ذلك ممكنا الا من خلال الموسسه الدينيه الاسلاميه الرسميه المرتبطه بالحاكم الطاغيه. ويمكننى الجزم بحق انهم فى طريقهم الى تدمير الايديولوجيا ذاتها، وسيكون هذا ان تغاضى المسلمون وخاصتهم المثقفه هو نصرهم الاخير فعلا.

لقد كانت القضيه الفلسطينيه (وهو ما سيعالجه هذا الكتاب بايجاز) مجرد مدخلهم للسيطره على الوطن الاسلامى.

وتدمير الاسلام وكم يبدو ذلك مذهلا وغير قابل للتصديق احيانا.. فهل من المعقول انه يطمح هذا العدد القليل من البشر الى هدف هائل الحجم والصعوبات كهذا.. ولكننا اذا راجعنا ادبياتهم بدءا من بروتوكولات حكماء صهيون التى فضحتها روسيا القيصريه قبل ما يزيد عن قرن من الزمان، مرورا بادبيات الماسونيه المنتشره بين ايدينا وغيرها كثير، تتعزز قناعاتنا بانهم يعملون وعملوا بداب وصبر رغم قله عددهم ليصلوا الى كونهم الشريك الذى لا غنى عنه للاستعمار وتتويجه الامبريالى المتمثل بالولايات المتحده، وامتداده الفرعى الذى تبرزه روسيا الجديده بعد سقوط الاتحاد السوفيتى، وانهم فى نهايات القرن العشرين على اعتاب تحقيق النصر الذى خططوا له، فها هو الاسلام المقاوم الممتد فى قلوب المليار ونصف يبدو محاصرا بتهمه الارهاب والاصوليه، وها هو الشيخ الضرير العالم (ابن باز) مفتى السعوديه يفتى بجواز الصلح معهم وصولا الى صداقتهم ما دمنا غير قادرين على مقارعتهم (وهو ما سنتعرض له بالتفصيل لانه هدف الكتاب).

ان الفتوى كما قلنا لا يمكن النظر اليها كمجرد فتوى تستند الى نصوص اسلاميه وخاصه الى القرآن الكريم بما يعنى انها مجرد اجتهاد او وجهه نظر رجل دين حسب فهمه للنصوص (وله اجر واحد عند اللّه) كما نسب الى الرسول الكريم فى حديثه المعروف، ان المساله اكبر من ذلك بكثير. فظاهر الفتوى بالغ البراءه والسذاجه كما يبدو، لكن الحقيقه المريره تتحدث عن اختراق لقلعه الايديولوجيا الاسلاميه متمثله باكبر موسسه دينيه رسميه فى الاسلام السنى تتوضع فى السعوديه بما تمثله هذه الدوله من هيمنه وامتداد وموسسات ودعم يشمل العالم.

العلماء ورثه الانبياء ونوابهم فى الارض، ورغم انه الاسلام لم يتحدث عن موسسه دينيه او رجال دين، الا ان الحاجه الى بروز الموسسه افرزتها الظروف المتجدده وتعقد الحياه المتطوره فى سيرورتها، بما دفع الى تخصص رجال بالتشريع والتبشير ورعايه شوون المسلمين بما يخص دينهم ودنياهم، ذلك ان الاسلام لم ينفصل عن نظريه الحكم مطلقا، وظل تشريعا شاملا قابلا للتطور والاضافه والاجتهاد والاشراف على سير حركه النظام الحاكم حتى فى المراحل العلمانيه الحديثه والمعاصره.

لهذا نشات الموسسه وكان لا بد لها ان تنشا خاصه ان قسما كبيرا من المسلمين يعتقدون (بولايه الفقيه)، وهذا يعنى ببساطه الحكومه الاسلاميه الفاضله التى يتولاها الحكماء والفقهاء والمثقفون والصالحون والاتقياء، وهو هدف الدين الاسلامى لصلاح الدنيا والدول، وكذلك بالمحصله الاخيره هدف الانسانيه كما عبر عن ذلك فيلسوف اليونان الاشهر افلاطون عندما كتب عن جمهوريته الفاضله التى يحكمها الفلاسفه (الحكماء الصالحون).

لقد كان للموسسات الدينيه الاسلاميه ان تنشا باشكال متفاوته، ولعل اكثرها مدعاه للتدقيق والدراسه هى موسسه الافتاء فى المملكه السعوديه فهى ترتبط حكما بنشوء الدوله التى دعمت بشكل متبادل حركه كان ظاهرها الاصلاحيه، واعنى الحركه الوهابيه، وامتلكت المملكه قوه اقتصاديه كبرى ارتبطت منذ بدايتها مع ظهور النفط سيطره مباشره على مساحه كبيره من العالم العربى الاسلامى ناهيك عن صلات وثيقه بالنظام العالمى القديم منه والجديد، وهكذا اهلت لكى تصبح مصدر جذب ليكون للاراء التى تبديها قوه اكبر.

ونحن لا نعفى موسسه الازهر، تلك التى مرت باطوار مختلفه صعودا وهبوطا مع السلطه وضدها احيانا لتصبح فى النهايه ذراعا لتنفيذ رغبات هذه السلطه خاصه ضد اعدائها ثم بفتوى تتعلق بشرعيه اتفاقيه كامب ديفيد 1979. وفى المقابل تبدو الموسسه الشيعيه نقيضا بحكم مسار المعارضه السياسيه والاستقلال الاقتصادى الذى تمتعت به عبر التاريخ، ولعل من بعض اهداف هذه الدراسه عقد مقارنه بين الموسسات الدينيه الاسلاميه يمكن ان تساهم فى القاء اضواء على جوانب من نشاطاتها السياسيه تحديدا فى مراحل مختلفه من التاريخ الاسلامى.

ليس من شك فى ان السلطه الروحيه التى يمثلها رجال الدين لم ترق الى ان تكون فى قوه السلطه الزمنيه التى مثلها الحكام فى كل حقب التاريخ الاسلامى، لكنها ساهمت بشكل او ب‏اخر، قوه او ضعفاواستسلاما، ساهمت فى مقارعه او تغطيه وتبرير تصرفات الحكام باسم الاسلام واتكاء على النصوص وتاويلاتها.

ان رجل الدين عندما يدلى برايه فهو يمثل مباشره لدى المسلمين موقف رسول اللّه (ص) اذا اصدر حكما فى قضيه مشابهه، بل ربما بدا راى رجل الدين اشد جراه وقداسه لانه يتصرف فى ظروف مستجده تقتضى منه حكمه واطلاعا واسعين فى الفقه الاسلامى ونظريه الحكم السائده فى زمنه، ويظل لفتواه القول الفصل فى تسويغ سلوك الجماهير تجاه المشكلات المتجدده والبالغه التعقيد. واذا نظرنا مثلا الى فتاوى حاسمه كفتوى الشيخ محمد شلتوت شيخ الجامع الازهر بجواز التعامل مع البنوك والنظام المصرفى القائم بكل ما فيه او الى فتوى هيئه الافتاء السعوديه بضروره تولى الملك فيصل بدلا عن اخيه الملك سعود لسده الحكم فى المملكه وغيرهما كثير، لادركنا المدى الذى يشغله والاهميه التى يمثلها راى الموسسه الدينيه فى توجيه سلوك المسلمين وتهدئتهم وارضاء ضمائرهم.

هذا معاصرا، اما فى الماضى الابعد قليلا فان الاستعمارين القديم والحديث واجها هذه الموسسه وقارعتهما هى بدورها باشكال متفاوته تبعا لنوعيتها وشكل ارتباطها بالسلطات والمصالح المتضاربه.

وعندما نستعرض نماذج من الفتاوى العديده كم يبدو الامر بالغ التعقيد، فهناك فى ايران (وبسبب من الاستقلاليه الماليه للفقهاء) تمكن هولاء من اقلاق النفوذ البريطانى بفتوى كتحريم التبغ مثلا عام 1892 مما ادى الى هز ركيزته الاقتصاديه المتمثله بشركه التبغ.. وصولا الى اسقاط نظام الشاه اخيرا من قبل الامام الخمينى رضى اللّه عنه عام 1979 بقياده الجماهير وتنظيمها وتعبئتها بالايديولوجيا الاسلاميه المقاومه. واختلف الامر فى اندونيسيا عندما اسهمت فتاوى الموسسه فى انهاء عهد سوكارنو وتكريس الهيمنه الامريكيه عام 1961، وبدا الوضع فى افغانستان اكثر تعقيدا عندما خيض الصراع برعايه الموسسه الدينيه(رغم التحالفات المتناقضه) ضد الاتحاد السوفياتى المحتل حتى انسحابه عام 1989، واليوم وقد صار معلوما للجميع شكل الدعم الذى قدمته الولايات المتحده الامبرياليه لقسم من المجاهدين الافغان، بما فى ذلك دور باكستان الخاضعه للهيمنه، والذى ساهم فى حسم الصراع لصالح المجاهدين، يمكن القول ان التحالفات فى هذا المجال بدت اكر من متناقضه الاهداف.

وبعد.. الا يبدو النزال ضد الموسسه الدينيه الاسلاميه، الممالئه للسلطه الظالمه، يودى فى المحصله الاخيره الى الاساءه للاسلام والتبشير الاسلامى ذاته؟! انه سوال مشروع يطرح فى وجوه الساعين الى تقويم مسار هذه الموسسات اشكاليات احلاها مر. هذا الفعل بالتاكيد يصب فى خانه العلمنه الفجه ويخلق حاله من اللاعقلانيه والتطرف احيانا فى التعامل مع رجال الدين موازره او رفضا، ضدا او تاييدا لكل ما يقولون حتى ولو كان فى صالح الاعداء.

ومع ذلك وبالرغم من كل العقبات، فان دراسه كهذه، ونحن نسير على الشوك، لا غنى عنها فى مرحله بالغه الصعوبه، تتعامل بشكل كامل مع توقعات المستقبل. فلا غنى عن ابراز الحقائق للناس والنخب المثقفه من المسلمين الذين يمكن ان يساهموا مستقبلا فى صياغه القرار باشكال مختلفه قد يكون من ضمنها الثوره وتحطيم القائم الفاسد المستسلم، وصنع المستقبل الافضل.

الحركه الصهيونيه باوراقها المكشوفه عبر مئات المولفات تبدى تهديدا مصيريا للامه العربيه من جهه وللاسلام من جهه اخرى.. ومن خلال النصوص المتوافره وايضا باستكناه الاحداث القائمه لا يمكننا اكتشاف ثغره واحده، بل ربما بريق امل واحد فى امكانيه جنوحا ومويديها الى السلم. الصراع معها تناحرى لا مجال فيه للبقاء الا لطرف واحد.. وعلينا ان نعمل ليكون هذا الطرف هو اصحاب الحق والعداله، اى نحن.. والا فان دعاه السلام معها (ولو مرحليا) لا يعدون عن كونهم مجرد احد فريقين.. اما سذجا، وهذا ما اشك فيه، او انهم عملاء للصهيونيه او تفرعاتها الاوروبيه والامريكيه والماسونيه.. (يجب كشفهم) او انهم اذا حسنت النوايا مجرد طغمه همها الحفاظ على مناصبها ومكتسباتها الدينويه على حساب الارض والدين والمصلحه الوطنيه. وكل هذه التفرعات عميقه المراره بمقدار عمق هيمنتها على الوطن العربى الاسلامى.. وبالمحصله فان الطرف الذى يسعى للتغطيه بالفتاوى وزج الاسلام فى تبرير الاستسلام مع علمه بالماضى والحاضر والمستقبل هو ببساطه لا يمت الى الاسلام بصله حتى فى مجال الاجتهاد المجافى للصواب. وكم هى طريق جهنم معبره بذوى النوايا الحسنه..وهو ما يحاول هذا الكتاب قوله..

د. زهير غزاوى الفصل الاول:رسول اللّه(ص) ويهود الجزيره العربيه

مدخل الرسول والرساله:

لعل ابرز ما يواجه الدارس للاسلام (مسلما كان ام غير مسلم) اشكاليه لا يمكن تجاوزها، تتمثل بسوال مفصلى، هل يمكن فصل الاسلام عن الرسول؟. القرآن عن الناطق به ومبلغه للناس؟ هل انتهت مهمه الرسول محمد(ص) بعد ان بلغ الرساله وادى الامانه ونصح الامه واصبح فى رحاب الرفيق الاعلى؟ هل انتهى دوره حقا وقد غاب عن العالم منذ ما يزيد على اربعه عشر قرنا من الزمان؟ واخيرا.. هل تمتلك هذه الاسئله مشروعيه طرحها وضرورته ومصداقتيه الان معا؟ اذا كان اسم رسول اللّه لم يذكر سوى مرتين فى نص آيات القرآن الكريم، فان الكتاب ابرز الكثير من الحياه الخاصه للرسول فى ثناياه، بما فى ذلك الاشاره الى نضال كبار المجاهدين فى سبيل الاسلام، خاصه آل بيته عندما اعلن طهارتهم الكامله بكل وضوح قائلا: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) «التحريم‏».

لقد تناول القرآن فى سوره التحريم مثلا بعض اخص خصوصياته بقوله بعد البسمله: (يا ايها النبى لم تحرم ما احل اللّه لك تبتغى مرضاه ازواجك..). هذا التناول دفع الكثير من المستشرقين الى الطعن بقداسه النص باعتبار ان الحديث عن حياه الرسول الخاصه بهذا الشكل لا يعبر عن ايه غايه او هدف تعبدى ذى قيمه. وربما كان اشد ما استفزهم ما نزل بعيد حادثه الافك المشهوره من دفاع عن السيده عائشه زوجه رسول اللّه واتهام الذين خاضوا فى عرضها بسوء النيه او بالضلال على اعتبار ان الاهداف التى دفعتهم الى ذلك كانت متباينه بين اطراف متعدده، من منافقين او مضللين او اعداء مباشرين كاليهود والمشركين.

وقد كان لزواج الرسول من زينب بنت جحش وما نزل فيه من الذكر (ولما قضى منها زيد وطرا زوجناكها..) الكثير من الاستفزاز للدارسين الاجانب، ساعد فى اثاره ذلك ما ورد فى التفاسير المعتمده من روايات حول تلك الحادثه، بما فى ذلك اسباب النزول المتضاربه فى هذا التفسير او ذاك.

تلقى المسلمون القرآن بلسان الرسول مباشره منذ بدء البعثه وحتى لحاقه بالرفيق الاعلى. وجاءت الايات باللغه العربيه المعتمده فى قبيله قريش بما فى ذلك استخدام كلمات معربه دارجه على لسان العرب فى اطار هذه القبيله مثل كلمه الاستبرق وجهنم وغيرهما. وكان مصدر الادهاش فى هذا الكتاب اعجازه اللغوى بيانا وبديعا اضافه الى العديد من القضايا الاخرى خاصه ما يتعلق منها ببعض المسائل العلميه التى كانت جديده، ليس فى محيط النبى فى الصحراء العربيه، وانما فى العالم القديم كله فى ذلك الوقت. كان الكتاب جديدا حقا فى كل شى‏ء مما دفع عرب الجاهليه فى ذاك الوقت ودارسيه القدماء والمحدثين على حد سواء الى القول بان الرسول لا يمكن ان يكون مولفا للقرآن لانه يفترض من المولف ان يكون سيدا للادب العربى على الاطلاق، وان فيه حقائق ذات طابع علمى لم يكن فى مقدور اى انسان فى ذلك العصر ان يكونها((1))، بما فى ذلك اساطين الفلسفه اليونانيه السابقين له بالف سنه.

فوق هذا وذاك رفعت نصوص الكتاب الرسول الى مصاف القداسه المطلقه رغم اصرارها على بشريته (وانك لعلى خلق عظيم) (ان اللّه وملائكته يصلون على النبى يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (يا ايها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبى...) وامثله كثيره مشابهه.

وهكذا يكون الكتاب وقائله متلازمين متحدين لا ينفصلان، بحيث يبدو اى تشكيك فى قدسيه الرسول تشكيكا فى مصداقيه القرآن، حتى والايات تتابع الالحاح المستمر فى ثنايا الكتاب على بشريته المطلقه.

من هنا انطلقت مقوله تمتع الرسول(ص) بالعصمه التى تعنى استحاله وقوعه فى اى خطا من اى نوع كان بما فى ذلك، ما يستوجب منطقيا التشكيك بالروايات التى وردت حول خطاه فى التخطيط لمعركه بدر الكبرى، والذى استلزم تدخل احدهم لتصحيح الخطا، او ما ورد حول نصيحته للمزارعين فى مساله تلقيح النخيل فى المدينه المنوره وما تلاها من قوله المنسوب اليه: انتم اعلم بامور دنياكم.

ان عظمه الرسول تاتى من خلال عظمه الرساله، ويظل العكس صحيحا ايضا.. بمعنى ان عظمه الرساله وجلالها واهميه الاهداف التى تسعى اليها تستوجب عظمه الرسول وقداسته.

لهذا لم تكن نشازا تلك الايات التى مجدت رسول اللّه فى القرآن وهى كثيره فعلا.. وكل ذاك يستوجب حكما امتداد حياته قوه فاعله انطلاقا من اعماق الماضى السحيق نحو اعماق المستقبل الممتد ابدا، تماما كعظمه التراث الاسلامى ومنجزاته وابهاره.

الرسول محمد(ص) قدوه اخلاقيه لاتباعه، وعندما نتحدث عن عالم متغير بشكل متسارع حتى اللهات فان للقيم الاخلاقيه ثباتها العجيب فى هذا العالم المتغير بما فى ذلك قيمه الوحده الامميه حول قيم الحق والخير التى دعا اليها الاسلام، والتى شاركه فيها المفكرون الوضعيون، وحتى العلمانيون ماضيا وحاضرا ومستقبلا. فلا احد يجرو على الخوض فى نسبيه الاخلاق وقيمها فى خضم اللهاث وراء التراكم التقنى والتغيرات الهائله فى عالم اليوم. الكل يتحدث عن ميثاق عالمى لحقوق الانسان مثلا يتوحد تحت لوائه الجميع.. وفى القرن الماضى وربما قبله نادى المفكرون بضروره اتحاد عمال العالم جميعا فى وجه الظلم والاجحاف والطغيان.. وظل تصاعد القوميه اخلاقيا باتجاه الامميه سمه الثقافه الانسانيه عبر العصور وستظل كذلك فى ظلال التراكم العلمى. هكذا تبدو حياه الرسول حاله من الاقتداء فى اطار القداسه الضروره للقدوه المعصومه الخالده.. والا فهل تبقى من قيمه للنسبى والعادى حتى يستحق ان يكون قدوه للبشر؟ وفى الدين الاسلامى تحديدا كانت حياه الرسول فى بعض جوانبها ركنا اساسيا من اركان السنه النبويه بحيث ارتقت لتصبح احيانا اهم من النص القرآنى ذاته. ذلك انها (اى السنه: فعل الرسول وقوله وتقريره لفعل الاخرين) ظلت المصدر الاساسى لتفسير القرآن وتوضيحه ووضع بعض نصوصه موضع التفصيل والتطبيق. وعندما ناخذ عمود الدين مثالا (الصلاه) فان الرسول قال (صلوا كما رايتمونى اصلى). اذا نحينا جانبا آل بيت النبى وتطهيرهم الذى يفسر بالعصمه ايضا من قبل مجتهدى الشيعه، فقد غالى مجتهدو صدر الاسلام فى اطار الصراع السياسى القائم ليمنحوا الكثير من الصحابه والتابعين ذات العصمه عندما قرروا ان جميع الصحابه عدول((2)).

هذه الكلمه التى تعنى فى بعض جوانب تفسيرها انهم لا يخطئون.. او على الاقل ان سلوكهم قولا وعملا فوق مستوى الشبهات.. اليست تلك العصمه بعينها؟((3)).

ومع ذلك فان حركه كل هولاء ظلت فى اطار الاقتداء بشخصيه الرسول ونقل اقواله بما فى ذلك ما قدمه من تاويل لايات القرآن الكريم..

ان رسول اللّه محمد(ص) شخصيه طاغيه كان لها من التاثير فى حركه التاريخ انها قسمت البشر الى قسمين لا ثالث لهما: فهو خاتم الانبياء، والناس بهذا الاعتبار يتوضعون على الضفتين، اما معه او ضده، مع الايديولوجيا الاسلاميه او ضدها..

وقد نجح فى ذلك حتى الان وفى المستقبل المنظور الى حد بعيد. لقد كان الرسول فى موقع الممكن لجماعه المومنين من هذا الحبل (حبل اللّه المتين والقرآن)، موقع المموضع للمقدس فى غير المقدس (اى التاريخ)((4))، وظل ابداعه كقدوه فى سلوكه وقوله وتقريره انه مكن للاسلام من الانتشار كدين ليس بسبب القبضه الاسلاميه على الدول المفتوحه فقط بل لان تلك القبضه كانت ترتخى كثيرا وقليلا عند مواجهه المقدس، فليعتقد الناس بالاسلام دون شكليه طقسيه قسريه واحده، على الناس ان يختاروا طقوسهم ما داموا قد اعلنوا الشهاده((5)). فمن قال لا اله الا اللّه محمدا رسول اللّه فقد حقن دمه واستحق المواطنه الاسلاميه.

لكن ما يجدر تاكيده ان الخلافات الطقسيه بين المذاهب الاسلاميه الكبرى فى التعبد للّه سبحانه ليس فيها كبير اختلاف على ايه حال.. اما التاويل للقرآن فان فيه اختلافات على درجه كبيره من الاهميه.

الرساله:

الناظر الى اوضاع الجزيره العربيه فى عصر ظهور رسول اللّه..

ولادته وبعثته ثم هجرته حتى التحاقه بالرفيق الاعلى يتحقق بما لا يدع مجالا للشك ان معجزه بكل ما تحمله هذه الكلمه من معنى قد حدثت هناك فى غضون ثلاثه وعشرين عاما هى عمر بعثه النبى. فالوضع القائم اجتماعيا واقتصاديا لا يبدى ايه ارهاصات لايه حاله تقدم ممكن الى حضاره ما. كان العالم يتحرك حول تلك الصحراء وتتشكل حضارات وامبراطوريات بينما يسود سكون عجيب ذلك الوضع الذى يلف قبائل الجزيره بما فى ذلك اكثرها تحضرا، واعنى قريشا، وهى التى تحيط بالكعبه المقدسه وتمتلك شكلا قياديا نظريا وليس فعليا.. ولم يكن ممكنا الحديث عن امكانيه نشوء نظام حضارى حتى فى اليمن التى ترزح تحت نير الاستعمار الحبشى.

لقد اسهب المورخون فى تحليل الاوضاع فى تلك المرحله بما يمكن الرجوع اليه فى مراجعه الكثيره، وهو بالتاكيد ليس موضوع هذا التمهيد، ولكن الواضح الجلى ان محمدا(ص) استطاع ان يجترح المستحيل، ليس بابداعه الخارق فى دفع اولئك الرعاه الاجلاف الوثنيين المغرقين فى التخلف نحو الايمان بالتوحيد المطلق للّه فحسب، بل لانه تمكن من تاسيس دوله مركزيه فعلا، والاكثر من كل ذلك انه فى حياته وقبيل رحيله بقليل وضع الاسس الدقيقه والمتينه للسيطره ايديولوجيا على العالم القديم برمته، وهذا ما حدث بالتاكيد فى مدى خمسين عاما بعيد رحيله عن هذه الدنيا.

كانت الرساله من اصعب الرسالات فى التاريخ. ذلك انه لم يكن امامه الا احتمال واحد هو ان ينجح، وان يقود هولاء الوثنيين الرعاه الغزاه البدو الى تحد ليس له مثيل، ادى الى خلق حضاره مبهره ظلت حتى الان عصيه على التحطيم، تمتلك ايحاءاتها العجيبه للتحدى والمقاومه والعصرنه فى مواجهه امم امتلكت من وسائل التقدم ما مكنها من اعاده السيطره على موطن الدعوه الاسلاميه، ولكنها ابدا لم تتمكن من خلخله الايديولوجيا، بل على العكس. فلا زال الرسول والرساله كقدوه ومثل اعلى ينازلهم فى عقر دارهم ويحقق انتصارات مذهله على صعيد اوروبا المسيحيه والملحده فى آن معا.

ان هذا ليس بالتاكيد كلاما انشائيا، فالتبشير الاسلامى يحقق تقدما مذهلا فى كل مكان فى هذا العالم، حتى ان عدد اتباع الرسول(ص) لم يعد ممكنا تقديم بيان احصائى بهم، وان كان بعضهم يرجح انهم يشكلون ثلث البشريه جميعا، وكم من الذين حاولوا تحدى الاسلام صاروا مسلمين بما فى ذلك الوثنيون المغول واعداد هائله من اليهود والمسيحيين، وبعض كبار المستشرقين والمفكرين.

لقد منحت الرساله ذاتها كدعوه للتامل العميق فى الكون والذات.. تقدمت دون معجزات مسجله.. اعتمدت الدعوه على الصبر والصلاه والتامل والنفس الطويل حتى قيل ان عشر سنوات من الجهد المضنى لم تكتسب للرساله الجديده الا اقل من مائه مومن (90 شخصا) ذلك انها كانت نقضا للسكون السائد فى الجزيره آلاف السنين حتى بوجود جزر مسيحيه ويهوديه هنا او هناك فيها الرساله التى حملها محمد بن عبداللّه(ص) فى بحر الرمال هذا، ظل تبليغها الى الناس فى مستوى قسوه حياه الصحراء وصعوبتها.. لهذا جاء القرآن الكريم (كلام اللّه القديم) يحمل انعكاسات لهذه الحياه القاسيه، خاصه فى تصويره للنعيم والجحيم.. الجنه الجزاء ونقيضها المتمثل بالعذاب ومعاناه العطش وشواظ النار.. وكل ذلك يفهمه ويستوعبه الاعراب الى ابعد حد.. واذا تخيلنا هولاء الاعراب الاميين المتخلفين على اعتبارهم القاعده الصلبه التى تشكلت لنشر الاسلام، لادركنا مدى عظمه النجاح الذى حققته الرساله وطبيعه هذه الرساله فى آن معا.

جاء القرآن مرنا قابلا للتاويل حمالا للاوجه، وهذا بحد ذاته كان جانبا مفصليا وبالغ الاهميه من جوانب الرساله.. فلولا هذه المرونه لما تمكن هذا الكتاب من التعامل والتجاوب بسرعه مع المتغيرات ومواكبتها وتفسيرها. فاذا نظرنا الى الجانب الموسيقى من الكتاب مثلا، ذلك الجانب الذى يمثل مخاطبه اعماق النفس الانسانيه فى طرفها الذى يتناغم مع الجناح الروحى المحلق من الحياه محققا عالميه التعامل مع النص كبناء له طابع الخلود وشعرى موسيقى، يحفز على الخشوع، لادركنا الجانب الاخر من جوانب عديده وكبيره.

كان النص القرآنى شكلا جديدا على العرب انفسهم.. كلمات تحمل موسيقاها الداخليه الرائعه ولم يكن شعرا. لكن دارسى القرآن وهو عماد الرساله (خاصه الاجانب منهم) كان لهم راى فى جانب آخر منها واعنى به ما تطابق مضمونا مع نصوص العهد القديم والاناجيل فى قصص الانبياء وبدء الخليقه، على سبيل المثال يقول المستشرق الايطالى ليونى كايتانى((6)) (ان محمدا لم يفهم نصوص الكتاب المقدس، فقد اخذ منها بشكل سى‏ء، لكن ابن عباس استطاع زمن الفتوحات الكبرى ان يتفهم بوضوح تفوق الحضاره المسيحيه وان يتعرف على العديد من العيوب والثغرات التاريخيه للعقيده الجديده التى حاول محمد خلق اساس لها فى تاريخ اليهود القديم ولكنه لم يوفق فى ذلك بشكل كلى، وربما كانت الاساطير المسيحيه اليهوديه التى وردت فى القرآن مع صعوبه القبول بها كافيه للعرب الجاهليين ولكنها لم تكن كافيه عند العالم المتحضر الذى يعيش خارج الجزيره حتى يصدق بالعقيده الجديده..

فقلد ابن عباس المسيحيين الاوائل الذين حاولوا بالطريقه نفسها تبرير عقيدتهم مستعينين فى ذلك بمحتوى العهد القديم ونبوءاته).

وفى الحقيقه.. ورغم ان العهد القديم لم يكن قد ترجم بعد الى اللغه العربيه حتى يمكن الادعاء بان الرسول قد اطلع عليه بواسطه من قراه له، فان المسيحيه واليهوديه بسبب من وجودهما فى الجزيره العربيه ولو بشكل محدود، تمكنا من نشر مقولات وقصصا بين الاعراب ظلت مرفوضه من قبلهم ولم تدفعهم للايمان بانها حقائق، بدليل انهم لم يومنوا بالوحدانيه ولا بالاناجيل التى تدعو لعقيده التثلث المعروفه.. ولكنهم كانوا يسمعون بها ويحفظون بعضها والا لما اتهموا القرآن بانه (اساطير الاولين).

فى حينها تناول القرآن تلك الاتهامات من العرب واصحاب الكتاب ورد عليها بكفاءه مقنعه الى حد بعيد بدليل انتشار الاسلام وانحسار المسيحيه واليهوديه من الجزيره وبلاد الشام..

اما فى العصر الحاضر فقد كان للمفكرين عربا واجانب ان يدلوا بدلوهم فى تحليل اتهامات المستشرقين.

النص القرآنى يختلف عن العهدين القديم والجديد الى حد بعيد، واذا اخذنا قصه يوسف فى السوره المعروفه باسمه فى القرآن فيمكن ايراد بعض اوجه الاختلاف وهى حاسمه((7)).

ان يوسف فى القرآن نبى مرسل. بينما هو فى العهد القديم (سفر التكوين) مجرد اب من آباء اسرائيل الذين ساهموا فى رحيل القبيله الى مصر والاستقرار فيها تحت ظل الحاكم الفرد الذى يدعى الالوهيه، واعنى به فرعون. فى القرآن بدا يوسف نموذجا للاقتداء وموحدا ودعوه للايمان بالاله الواحد، تماما كدعوه الرسول محمد(ص)، بينما كان فى العهد القديم مجرد تاريخ لا يحمل اى مضمون آخر غير تسجيل مرحله تاريخيه من مراحل حركه قبيله يعقوب نحو مصر.

يوسف فى القرآن تاييد للحكمه النبويه والوحى الالهى عن طريق الرويا الصادقه فى الحلم، بينما ظل فى التوراه مجرد خادم لفرعون وكهنته ممهدا الطريق لقبلته للعيش فى مصر..

حتى ان التوراه ابرزت حادثه اعاده جثمان يعقوب (اسرائيل) الى الارض التى قدموا منها لدفنه فيها كاظهار للولاء للعهد والعوده للاصل.

لقد ابرز القرآن النبى يوسف كرمز للصمود فى وجه المغريات الجنسيه والعداله بينما هو فى التوراه نموذج يهودى فاسد وملوث، خاصه عندما استغل شعب مصر فى اعوام المجاعه وساعد فرعون على شرائهم واراضيهم وتحويلهم الى مجرد عبيد فى سبيل ان يقدم لهم اللقمه.

كان خروج يوسف من السجن رمزا للخلاص والعداله بين الشعب فى عداله توزيع الانتاج وتوفير مخازن للغلال بينما هو فى التوراه غير ذلك تماما.. كل ذلك اضافه الى تزوير تاريخى واضح عندما تتحدث التوراه عن استعمال عشيره يوسف للحمير فى التنقل من والى مصر عبر الصحراء، علما ان الحمير مظهر ريفى متحضر لا تستطيع عبور الصحراء، فى حين تحدث القرآن عن الجمال وذلك منطقى وحقيقى وملائم للواقع. فى مساله بدء الخليقه تجانس القرآن مع العهد القديم بتحديد المده بسته ايام مع اختلاف كبير فى مفهوم اليوم. التوراه تحدده بليل ونهار بينما يتناوله القرآن بمفهوم المرحله، ذلك ان استخدام اليوم هو مجرد تجنب مواجهه اعتقاد منتشر بين الناس((8))، وجاء فى القرآن الكريم ب‏اماد متفاوته. فى سوره المعارج وردت آيه (فى يوم كان مقداره خمسين الف سنه) وفى سوره السجده (فى يوم كان مقداره الف سنه مما تعدون) وكذلك فى سوره (فصلت) تم تفصيل محتوى انجاز الخلق فى كل مرحله (الايات 9 12).

من ناحيه اخرى فان القرآن لا يحدد ترتيبا متواليا فى الخلق، فهناك آيات تشير الى الارض قبل السماوات، مثال سوره طه (ممن خلق الارض والسماوات)، وفى سور اخرى جاء الترتيب معكوسا: الاعراف، يونس، هود، الفرقان، السجده، ق، الحديد، النازعات)، اما بالنسبه للمطابقه العلميه فانها فى القرآن تتناسب بشكل مذهل مع النظريات الحديثه للكون كما راينا فى سوره فصلت (ثم استوى الى السماء وهى دخان..) وغيرها.

ويظل فوق هذا وذاك ان اختلاف القرآن عن التوراه فيما اهمله من عقائد علميه انتشرت فى زمنه ان فى الفلك خاصه او غيره من العلوم، وليس فيما اثبته من آيات حول الكون، علما ان القرآن انزل لاثبات الوحدانيه اولا وليس كتابا علميا او تاريخيا كما يبدو العهد القديم من اوله الى آخره.

على ضوء ما قدمنا تبدو شكوك المستشرقين بعيده عن المشروعيه العلميه بافتراض حسن النوايا. من هذا المنطلق يجدر بنا القول ان الذين درسوا القرآن من غير المسلمين حتى بافتراض انحيازهم لعقائدهم الخاصه لا يجوز النظر اليهم الا على انهم مجرد دارسين يضعون الشك اولا فى البحث العلمى بدلا عن اليقين المطلق الذى يتمتع به المسلمون الذين قاموا بدراسات مماثله، وان كثيرا من اولئك قد عرفوا الحق واعتنقوا الاسلام.

فى هذا السياق مثال اخير يجدر ذكره فى توضيح الاختلاف بين القرآن والكتب التى سبقته ووصلتنا بالصوره التى هى عليها الان.. هناك مساله خروج موسى من مصر مصطحبا قومه باتجاه الصحراء عابرا خليج السويس. فالتوراه لم تشر الى نجاه فرعون الذى كان يطاردهم بجيشه. تشير المصادر التاريخيه الى اسم هذا الفرعون (منبتاح) وقد اغفلته النصوص تماما بينما ذكره القرآن فى سوره يونس مثلا فى الايه (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آيه وان كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون).

لقد نجا جسد فرعون وتم تحنيطه واكتشفت المومياء عام 1898 ووصفها العالم اليوت سميث فى كتابه المومياء الملكيه..

قام السيد موريس بوكاى برفقه اطباء مصريين بدراسه هذه المومياء بالاشعه، وقد ثبت له وللدارسين ان هذا الجسد قد مات بسبب الغرق او رضوض عنيفه سبقت الغرق او للسببين حقا((9)).

الرساله والسنه النبويه:

فى سنوات البعثه النبويه الممتده منذ بلوغ رسول اللّه الاربعين حتى الثالثه والستين، كانت حياته تحت مراقبه دقيقه من قبل اعدائه والمومنين به على حد سواء، وقد حفظ المسلمون اقواله وراقبوا سلوكه بكثير من الحب تماما كما راقبه الاعداء بصنوفهم المتعدده لايجاد ثغره ينفذون منها الى (الطعن بالرساله).

لا يمكن ان يتطرق الينا الشك لحظه فى ان بعض المسلمين القادرين على الكتابه دونوا قسما من احاديثه كما حفظها معظمهم سواء بسواء، لكن ذلك التدوين منع من الظهور بعيد مغادرته الدنيا من قبل خلفائه الثلاثه الاوائل لاسباب متعدده، قد يكون الصراع السياسى احد اسبابها الرئيسيه رغم تغليفه بحجه الحرص على عدم اختلاطها بالقرآن الذى سبق تدوينه بدقه فى حياه الرسول وتم طبعه فى كتاب موحد فى زمن الخليفه الاول، وجرى نشره فى الامصار الاسلاميه فى عهد الخليفه الثالث.

لقد انتبه المسلمون الى خطاهم ذاك فى خضم الصراعات الداميه التاليه وانتشار الوضع والتزوير على لسان النبى بسبب من الصراع ذاته تاييدا او دحضا لهذا الطرف او ذاك. وهكذا ترك لنا هذا الخطا شكوكا مقلقه فى صحه ما نقل عن الرسول الكريم لن تنتهى ما دام هناك بشر على وجه البسيطه.

وبما ان مشكله السيره النبويه ليست هى السوال الرئيسى فى هذا البحث، فلا بد من الاشاره الى بروز اهميه دراسه حياه الصحابه والتابعين ناقلى الحديث النبوى والسنه بحيث اصبحت جزءا اساسيا من الايديولوجيا الاسلاميه. تلك فى الواقع مساله اندماج حياتهم بالرساله.. واصبح تحرى الصدق فى السلوك قولا وعملا لاولئك الرجال متوضعه فى صميم الرساله. وللتدليل على مصيريه اقوال الصحابه والتابعين لاثبات السنه النبويه ما اورده الامام مالك فى ان اجماع الفقهاء السبعه من المدينه وهم (سعيد بن المسيب، عروه بن الزبير، القاسم بن ابى بكر، خارجه بن زيد بن ثابت، عبد الرحمن بن الحارث، سليمان بن يسار، عبداللّه بن عتبه بن مسعود) وكلهم من التابعين يمثل لب العقيده الاسلاميه((10))، مشيرين الى ان هذا الراى رفضته اطراف اخرى كالمعتزله والغزالى وغيرهما، مع ملاحظه جديره بالاعتبار هى استبعاد آل بيت النبى من المساله برمتها باعتبارهم متهمين لان لهم وجهه نظر اساسيه فى مساله الخلافه تختلف عن وجهه نظر من اطلقت عليهم تسميه (السنه) وذلك بعد ان تم تقسيم المسلمين الى طرفين رئيسيين: واحد فى السلطه ويويدها فى وجه الطرف الاخر الذى يمثله انصار آل بيت النبى وقد حمل لقب (الشيعه) وكانوا فى المعارضه على الدوام.

لقد ثبت بالاثر عن النبى(ص) وباحاديث متفق عليها انه كان يعلم بهذا المصير الذى آلت اليه الامور، ويمكن الرجوع الى تلك الاحاديث العديده فى مواضعها، لكن الواضح والثابت ان علمه بها شكل له مزيدا من الالم المرير حتى انه عليه الصلاه والسلام فى ايامه الاخيره لم ير ضاحكا قط كما ورد فى الاثر، وبخاصه حديث خروجه عند الفجر الى المقبره فى البقيع مخاطبا الراقدين ومتحدثا عن الفتن((11)) قبيل رحيله بايام.

كل ذلك اتاح للدارسين فى الاحاديث النبويه مجالا كبيرا للشكوك، وجاء اقتراح كثير من المجتهدين الشيعه وغيرهم ان يعرض اى حديث مهما كانت صحته على كتاب اللّه والعقل معا فان وافقهما فهو صحيح والا يجب رفضه((12)) قطعا من اى مصدر جاء ومهما كان رواته عدولا.

مئات الدراسات كان لها ان تعالج هذه المساله، وهى بالتاكيد اضافت الى الرساله غنى وتفسيرات ثره تستحقها. اما فى العصر الحديث فقد استخدمت وسائل جديده فى البحث حول مساله التراث سيكون لها ان تستمر الى مدى غير منظور فى عمق المستقبل وتضيف المزيد من الغنى الى تلك الرساله الحيه ابدا والموحيه ابدا، دليلا على اهميتها المتجدده فى حياه البشريه جميعا، والاسلام ينتشر ويتسع كل يوم.