الشيخ ابن عاشور يجتهد كما توقعت فى مساله (وقت نزول الايه، مع انه يحدد فى مقدماته ان اسباب النزول هى مجرد اشارات فقط، وان القرآن صالح لكل زمان ومكان.. واستنتاجا من مقدماته فانه يستثنى هذه الايه من الامتداد الزمنى، ويعنى بان الموالاه هى ضلال عظيم فقط وليست خروجا على الاسلام، مع ان ظاهر الايه بالغ الوضوح (فانه منهم) بخروج المتولى لهم عن الاسلام كليا.

ولان هذا الموضوع سيجرى التطرق اليه فى نهايه البحث فان المولف لا يبدو حسن النوايا وهو يمهد لمساله الصلح مع اليهود بوضع اختلاف احوال المسلمين وقوه الموالاه موضع الاعتبار متناسيا او متجاهلا ظاهر الايه.

لننظر الى ما جاء حول تفسير الايه التاليه فى مساله تزوير التوراه (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسيه يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا خطا مما ذكروا به..).

يقول الشيخ (وكذلك ما هنا: اى يعدلون بالكلم النبويه عن مواضعها فيسيرون بها فى غير مسالكها وهو تبديل معانى كتبهم السماويه وهذا التحريف يكون لسوء التاويل اتباعا للهوى، ويكون بكتمان احكام كثيره مجاراه لاهواء العامه.. قيل: يكون بتبديل الفاظ كتبهم، وعن ابن عياض ما يدل على ان التحريف فساد التاويل، وقد تقدم القول فى ذلك عند قوله تعالى (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه) فى سوره النساء وجى‏ء بالمضارع للدلاله على استمرارهم..).

ومن الواضح ان ما ياخذ به المولف ويحبذه من الاقوال هو قول فساد التاويل اى التفسير.. وهذا يعنى اقراره الضمنى بصحه ما ورد فى العهد القديم الموجود بين ايدى اليهود وقت نزول الايه باعتباره من عند اللّه كتابا منزلا على انبيائهم..

وبما اننا نرجح ان النصوص لم تتغير كثيرا منذ 1400 سنه استنادا الى الدراسات التى قدمناها حول الكتاب القديم، فان ترجيح فساد التاويل للمفسر يعط‏ى دلالات لا تبعث على الثقه.

فى المثال التالى يصل المولف من خلال مويداته من النقل عن السيره النبويه الى درجه التشكيك بالقرآن عندما يفسر الايه (قالوا يا موسى انا لن ندخلها ابدا ما داموا فيها فاذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون).

يقول: وعن عبداللّه بن مسعود قال: اتى المقداد بن الاسود النبى وهو يدعو على المشركين يوم بدر فقال: يا رسول اللّه لا نقول كما قالت بنو اسرائيل (اذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون) الى آخر الحديث. فلا تظنن ان هذه الايه كانت مقروءه بينهم يوم بدر لان سوره المائده من آخر ما نزل، وانما تكلم المقداد بخبر كانوا يسمعونه من رسول اللّه فيما يحدثهم به عن بنى اسرائيل ثم نزلت الايه بعد ذلك بهذا اللفظ) ص 164.

يثير هذا القول اسئله متعدده. فهل كانت اخبار بنى اسرائيل متداوله بين المسلمين عن النبى او غيره بنفس الفاظ القرآن وآياته التى تحدى بها اللّه العرب ان ياتوا ب‏ايه من مثلها؟ فما الذى يمنع المشككين من اطلاق الاتهام بان الكتاب بكامله من تاليف الرسول.. ونشير هنا الى ادعاء اميه بن ابى الصلت الشاعر المشهور بان الرسول قد اخذ عن شعره رغم ان ذلك لم يثبت ابدا.. فما بال الشيخ يثير تلك الشكوك حول القرآن خاصه عندما يتعلق الامر باليهود؟ ان قارى‏ء التفسير متمعنا يلمس الكثير من الاضطراب والتشوش خاصه عندما يرى تناول المولف لشكل العلاقه بين الرسول واليهود فى المدينه المنوره من خلال العديد من الايات ومنها. (يا ايها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالوا آمنا بافواههم ولم تومن قلوبهم من الذين هادوا سماعون للكذب، سماعون لقوم آخرين، لم ياتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون ان اوتيتم هذا فخذوه وان لم توتوه فاحذروا...) ص 194 «المائده‏42».

هنا يستخدم المولف اسباب النزول وهذا حقه ويروى من السيره الحادثه التاليه.. يقول (وسبب نزول هذه الايات حدث اثناء مده نزول هذه السوره فعقبت الايات النازله مثلها بها، وسبب نزول هذه الايات وما اشارت اليه هو ما رواه ابو داود والواحدى فى اسباب النزول، والطبرى فى تفسيره ما محصله ان اليهود اختلفوا فى جلد الزانى بين ان يرجم وان يجلد، اختلافا الجاهم الى ان يرسلوا الى يهود المدينه ان يحكموا رسول اللّه بذلك، وان الرسول قال لاحبارهم بالمدينه اما تجدون فى التوراه على من زنى اذا احصن (...) فانكروا الرجم، فامر بالتوراه ان تنشر وجعل بعضهم يقراها ويضع يده على آيه الرجم (اى يقراها للذين يفهمونها بلغتهم) فقال الرسول ارفع يدك، فرفع يده فاذا تحتها آيه الرجم فقال رسول اللّه: (لاكونن اول من يحيى حكم التوراه..).

هذا النص الذى رجحه المولف عن اسباب النزول لتفسير الايه يقودنا الى سوال وجيه.

هل كان الرسول الكريم مطلعا على التوراه نصا مفصلا بغير ما جاءت به نصوص القرآن الكريم فى تحذيره من تزويرها والحسم بان القرآن قد نسخها كليه؟ المولف يعترف بانها كتبت بعد نزول التوراه الاصليه بزمن طويل، فكيف يستقيم ان يطلب الرسول(ص) نشر التوراه.. وايه توراه هذه.. هل هى التى نزلت على موسى فقط او بحمل العهد القديم الذى يضم كتبا اخرى نزلت على انبياء مثل داود الذى آتاه اللّه زبورا لقد جاء النص غامضا ومثيرا للشكوك متنا وسندا.

الاستخدام المباشر للعهد القديم:

يقول اللّه تعالى: (واذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمه اللّه عليكم اذ جعل منكم انبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يوت احدا من العالمين، يا قوم ادخلوا الارض المقدسه التى كتب اللّه لكم، لا ترتدوا على ادباركم فتقلبوا خاسرين..) «المائده‏22».

يقول المولف (فقد كانت اخت موسى نبيه كما هو صريح التوراه (اصحاح 15 من الخروج) وكذلك الداد وميداد كانا نبيين فى زمن موسى كما فى التوراه (الاصحاح 11 سفر العدد) (...) والارض المقدسه يعنى المطهره المباركه اى التى بارك اللّه فيها او لانها قدست بدفن ابراهيم عليه السلام فى اول قريه من قراها وهى (حبرون)، وهى هنا ارض كنعان من بريه (جنين) الى مدخل حماه شمالا والى غزه وحبرون. وهذه الارض هى فلسطين وهى الواقعه بين البحر المتوسط وبين نهر الاردن والبحر الميت فتنتهى الى حماه شمالا والى غزه وحبرون جنوبا وفى وصفها بالتى كتب اللّه التحريص على الاقدام لدخولها).

ويتابع القول (وقد اشارت هذه الايه الى ما فى الاصحاح الثالث عشر والرابع عشر من سفر العدد ان اللّه امر موسى ان يرسل اثنى عشر رجلا جواسيس يتجسسون ارض كنعان التى وعد اللّه بنى اسرائيل من كل سبط رجلا، فعين موسى اثنى عشر رجلا منهم: يوشع بن نون من سبط افرايم ومنهم كالب بن يقنه من سبط يهوذا ولم يسموا بقيه الجواسيس فجاسوا خلال الارض من بريه جنين الى حماه فوجدوا الارض ذات ثمار واعناب ولبن وعسل ووجدوا سكانها معتزين طوال القامات(...) فابى القوم دخول الارض وغضب اللّه عليهم..).

على ضوء ما تقدم نرى المفتى الشيخ يرغب فى تاكيد القرآن بالعهد القديم بما فى ذلك الحدود الجغرافيه التى حددها لفلسطين او ارض كنعان عندما يقول: وقد اشارت هذه الايه الى ما فى الاصحاح الثالث عشر. وليس من شك فى ان هناك وقائع فى العهد القديم اثبتها القرآن، ولكنه بالمقابل لم يتحدث عن حدود جغرافيه ولم يثبت اسماء للاماكن التى اشار اليها فلماذا يتطوع المولف باعاده المشروعيه الكامله الى نصوص العهد القديم المشكوك فيه حتى من قبل اصحاب الديانتين السالفتين على الاسلام؟ التفاسير الاقدم لم تتحدث مطلقا عن التوراه بل هى اوردت الاشياء نقلا عن الصحابه والتابعين وخاصه عبداللّه بن عباس برغم مما نقلوه من اقوال متناقضه لحبر الامه فى شان تفسير القرآن، ومن اراد التوسع فليراجع تلك التفاسير. اما الشيخ المولف فقد اخذ من تلك التفاسير وادخل الاسرائيليات مانحا اياها المشروعيه المطلقه بعد ان تعامل معها القدماء بكثير من التحفظ كما نجد لدى ابن كثير. ولعل النادر ان نرى اشاره الى التوراه فى تفسير الطبرى مثلا بينما نجدها اكبر لدى ابن كثير.

كل ذلك يمنحنا مشروعيه التاكيد بعمق تسلل التاثير اليهودى فى الثقافه العربيه الدينيه وخاصه ما يتعلق بالقرآن ذاته بعد ان عجزوا عن ادخال نصوص موضوعه فى صلبه بسبب تواتره الذى لم يرق اليه الشك. وكما نرى فان هذا الاختراق بدا تدريجيا وتعمق بعيد احتلال التتر لبغداد وضاع الكثير من المراجع بعد احراق مكتبه بغداد العظيمه او مكتبات فارس وما وراء النهر الاسلاميه.

مساله الوعد الالهى:

هل قدم اللّه سبحانه وعدا لبنى اسرائيل باعطائهم فلسطين لهم ولنسلهم الى الابد؟ لقد ورد الوعد فى التوراه لابراهيم كما هو مشهور عند الناس اليوم، واستخدم موسى هذا الوعد بعد ذلك عندما اخرج بنى اسرائيل من مصر للعوده الى الاصول كما يقولون..

هذا السوال يشكل ماده لحوار عجيب اليوم بين اتباع الديانات، ولكن الاجابه عليه بنعم لدى اليهوديه والمسيحيه كانت غطاء فى الغرب المسيحى يمنح وعد بلفور عام 1917 والذى تضمن احياء مشروع اسرائيل القديمه فى فلسطين ونقل يهود العالم اليها ليشكلوا الدوله الحلم على مساحه ما تصل اليه مدافعهم.

فهل صادقت آيات القرآن الكريم على هذا الوعد كما يحلو للسيد ابن عاشور ان يفتى فى تفسيره؟ لقد فسر الشيخ جمله (التى كتب اللّه لكم) بانها حض على دخول الارض للاستقرار فيها هربا من فرعون ولم يحدد اى ارض هى باى نص من النصوص القرآنيه.

ان المولف ابن عاشور فى تفسيره لايات اخرى يوكد هذا الوعد بمنحه المشروعيه الالهيه وذلك فى تفسيره لسوره الاسراء الوارده فى الجزء 13 و 14و 15 ص 228.

(فاراد ان يستفزهم من الارض فاغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبنى اسرائيل اسكنوا الارض فاذا جاء وعد الاخره جئنا بكم لفيفا).

يقول الكاتب مفسرا (والارض الاولى هى الارض المعهوده وهى ارض مصر والارض الثانيه ارض الشام وهى المعهوده لبنى اسرائيل بوعد اللّه ابراهيم اياها) ان الجزم بتلك الحقائق فى تفسير كتاب مقدس متواتر كالقرآن يومن به ثلث سكان الارض يبدو مثيرا للاستغراب. فهل تحتمل نصوص الايه السالفه هذا التفسير المثير للاستفزاز؟ الايه تتحدث عن الارض، بينما يتبرع شيوخنا ومعهم ابن عاشور بالقول انها الشام. وبالاشاره الى ابراهيم الرسول فان وعده يصل بالارض الى نهر النيل فلماذا يصرون على انها الشام فقط.. واحيانا يحصرونها بفلسطين واحيانا يوسع بن عاشور فلسطين لتاخذ لبنان وقسما من سوريا حتى مدينه حماه فى وسط سوريا. لماذا يقدم للمسلمين نصا مقدسا بتفسير لا يتحمله ظاهره بايه حال من الاحوال؟ واستطرادا فى متابعه النوايا وعمق التاثير اليهودى ناخذ مثالا عن وعد آخر ولكن بشكل مضاد ورد فى سوره آل عمران، وفى المولف فكان فى الاجزاء 3 4 5 ص 257 وما بعد.

(واذ قال اللّه يا عيسى انى متوفيك ورافعك الى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا..) (فاما الذين كفروا فاعذبهم عذابا شديدا فى الدنيا والاخره وما لهم من ناصرين..).

ربما ان الذين كفروا هنا يقصد بهم اليهود فى زمن المسيح الذين رفضوا دعوته ورفضوا نبوته وعملوا على تقديمه للصلب بتحريض الحكومه الرومانيه، نجد ان المولف يتابع من خلال التفسير اثاره تساولات هذه المره عم يريد اللّه بعذابهم فى الدنيا والاخره فيقول (اعذبهم عذابا شديدا فى الدنيا والاخره اى لا يجدون ناصرين ينصرونهم علينا فى تعذيبهم الذى قدره اللّه تعالى..).

ويتابع قائلا (واعلم.. ان قوله فاعذبهم عذابا شديدا فى الدنيا والاخره قضيه جزئيه لا تقتضى استمرار العذابين، فاما عذاب الدنيا فهو يجرى على نظام احوال الدنيا من شده وضعف وعدم استمرار، فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه يعنى انتفاء الناصرين فى المده التى قدرها اللّه لتعذيبهم فى الدنيا، وهذا متفاوت.

وقد وجد اليهود ناصرين فى بعض الازمان.. مثل قصه استير فى الماضى و.. قضيه فلسطين فى هذا العصر..) ص 259.

ان المفتى الشيخ كباحث فى علوم الدين والقرآن يجد نفسه مقسورا كما يبدو لتقديم تفسير لسبب نشوء (اسرائيل) بدعم من الغرب ما دام اللّه قد وعد عيسى بتعذيبهم فى الدنيا ومنع الناصرين عنهم.. انه مشكل محير فعلا ولكن سوالنا المشروع متوجه الى الشيخ ذاته قائلين: لماذا يضع نفسه فى مازق التفسير اليهودى لحركه التاريخ، وهم الذين صنعوا من تاريخ العالم مجرد خادم لطموحاتهم فى السيطره على هذا العالم كشعب اللّه المختار ابدا؟ ان فلسطين كما نرى تشكل مازقا ادى بالشيخ الى التشوش والحيره مما اضطره الى الاشاره الى قصه استير فى العهد القديم، مما يدل على ايمانه بان قصه استير حقيقيه حتما، يصح الاستشهاد بها لدعم تفسير آيه قرآنيه.. اما استشهاده بالمساله الفلسطينيه فجاء نشازا حقيقيا يدل على جهله بحقيقه هذه القضيه ومجرياتها بما فى ذلك المساله اليهوديه وتفرعاتها وجمعياتها السريه، وكذلك «اليهوديه المسيحيه‏» التى يراد لها ان تصبح اليهوديه المسيحيه الاسلاميه من خلال ربط كل النصوص الدينيه فى القرآن او الاناجيل بالعهد القديم، وغنى عن القول ان هذا الربط هو احد ابرز اهداف الحركه الصهيونيه كما سنرى.

من ناحيه فنيه بحته نستغرب ان يصدر عن باحث كبير كابن عاشور(رحمه اللّه) فى الديانات اخطاء فى المصطلح.. التوراه هى ما يشمل اسفار موسى الخمسه.. اما استير فقد كتبت بعد السبى البابلى بزمن طويل.

الوعد الالهى الثالث الذى نناقشه فى هذا البحث هو ما ورد فى آل عمران المشار اليها فى التفسير ج‏4 ص 56.. تقول الايه (ضربت عليهم الذله اين ما ثقفوا الا بحبل من اللّه وحبل من الناس وباءوا بغضب من اللّه وضربت عليهم المسكنه..).

يقول الشيخ (والمعنى، لا يسلمون من الذله الا اذا تلبسوا بعهد اللّه، اى ذمه الاسلام او اذا استنصروا بقبائل اولى باسى شديد واما هم انفسهم فلا نصير لهم، وهذا من دلائل النبوه، فان اليهود كانوا اعزه بيثرب وخيبر والنضير وقريظه فاصبحوا اذله..

وعمتهم الذله فى سائر اقطار الدنيا).

وهنا يخامرنا سوال آخر.. هل يجوز منطقيا ربط اليهود العرب فى ذلك الوقت والمتواجدين فى رحاب المسلمين ايام البعثه النبويه بيهود اليوم المنتشرين فى ارجاء الكون؟ ومن اجل تاويل آيه كهذه نطلق حكما شموليا (عمتهم الذله فى سائر اقطار الدنيا) وها نحن نراهم عكس ذلك.. اى انهم ساده المنطقه العربيه ويسعون لقياده الشرق الاوسط الاسلامى برمته.

وبعد الا يقدم هذا التفسير خدمه مجانيه لهم تويد حقهم فى العوده وتكوين دوله فى الارض الموعوده تنقذهم من هذا الاذلال اللاانسانى رغم انه مقرر من اللّه سبحانه؟.

تفسير التاريخ بين القرآن والعهد القديم:

المحنا فى الفصل الاول الى تناقض حساب التاريخ العبرى لبدء خلق آدم مع ما هو متوفر علميا.. يبدا الحساب العبرى لبدء الخليقه منذ ما يقارب السته آلاف سنه الا قليلا، وهو ما يرفضه علماء التاريخ ومعهم الشيخ المولف.. ورغم ذلك نجده يستخدم هذا التاريخ فى تحديد ازمنه الانبياء الذين جاووا قبل المسيح دون وجه حق، ولم اجد فى ذلك حكمه تذكر الا ايمانه بالعهد القديم فعلا انه كتاب سماوى.

لقد اصبح التاريخ المستند الى التوراه عند الشيخ مسلمات لا يناقشها وهذا ما نلاحظه جليا فى تفسير سوره الاسراء.. ولعل ابرز ما فى هذه السوره البالغه الاهميه فى الدعوه الاسلاميه حامله فى مقدمتها هذه النبوءه (واوحينا الى بنى اسرائيل فى الكتاب لتفسدن فى الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا، فاذا جاء وعد اولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا اولى باسى شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكره عليهم وامددناكم باموال وبنين وجعلناكم اكثر نفيرا، فاذا جاء وعد الاخره ليسووا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه اول مره وليتبروا ما علو تتبيرا..) مجلد 12 ص 28.

فى تفسير الايات يقول المولف: (فيجوز ان يكون المراد بالكتاب كتاب التوراه، ويوجد فى مواضع منها ما هو قريب مما فى هذه الايه ولكن باجمال (انظر الاصحاح 26 والاصحاح ح‏28 والاصحاح 30.. ويجوز ان يكون الكتاب بعض كتبهم الدينيه اذ ليس هو الكتاب المذكور آنفا من قوله (وآتينا موسى الكتاب، لانه لما ظهر اسم الكتاب اشعر بانه كتاب آخر من كتبهم وهو الاسفار المسماه اشعيا وارميا وحزقيال ودانيال وهى فى الدرجه الثانيه من التوراه وكذلك كتاب النبى ملاحى) والافساد مرتين ذكر فى كتاب اشعياء وكتاب ارمياء ففى كتاب اشعيا انذارات فى الاصحاح الخامس والعاشر واولى المرتين مذكوره فى الاصحاح الثانى والاصحاح الحادى والعشرين وغيرهما).

ثم.. وحتى نلجا الى الاختصار يستعرض المولف مجمل الاحداث الوارده فى التاريخ لتفسير هذه الايه.. مستعرضا الغزو البابلى الذى سمى بالاسر 606 ق.م، ثم الغزو الثانى بختنصر 598 ق.م، والاسر الثالث 588 ق.م. مع احراق الهيكل..اما المره الثانيه التى تبروا فيها ما علوا تتبيرا فهى الغزو الرومانى لبلاد اورشليم.. ويقول ان عباد اللّه هم الاشوريون اهل بابل والديار هى ديار اورشليم ثم يقول مستطردا مفسرا تاريخ السبى اليهودى حتى افرج عنهم كورش وعادوا وجددوا دولتهم..

والغريب ان الشيخ يروى القصه كامله كما وردت فى الاسفار لعده صفحات مختتما الموضوع بان اللّه عاقبهم بواسطه الرومان لقتلهم الانبياء بغير حق وقتل الامبراطور الرومانى منهم نحو مليون شخص سنه 135 بعد المسيح وهكذا انقرض اليهود من المنطقه.

اما رايه فى آيه وان عدتم عدنا فيقول (بعد ان يرحمكم اللّه ويومنكم فى البلاد التى تلجاون اليها ان عدتم الى الافساد عدنا الى عقابكم اى عدنا الى ما تقدم من عقاب الدنيا).

حول ما تقدم يمكن تكرار القول ان المولف حسم امر تاويل آيات القرآن المتعلقه باليهود وبنى اسرائيل بوجوب دراستنا للعهد القديم.. بمعنى آخر.. لكى نفهم القرآن علينا ان ندرس العهد القديم، فهل يحتمل تفسير القرآن هذا الطلب الغريب؟ لم يكن القرآن كتابا فى التاريخ.. لهذا تجنب بحث تاريخ العرب انفسهم وهم الذين نزل الكتاب اليهم وبلغتهم لكى ينقلوه الى البشر.. هو كتاب للتوحيد بالدرجه الاولى كما يقول هيجل.

يحمل القيم الاخلاقيه واصول التعامل بين الناس لبناء عالم سعيد، فكيف بنا اذا سعينا الى تفسيره ان نحمله كل ذاك الهراء الوارد فى العهد القديم.. علما ان المعلومات التاريخيه الوارده لديه فى تفسير التحرير والتنوير لم تكن ممحصه علميا، والا فما معنى قوله اباد الرومان مليون اسرائيلى وهل كان عدد سكان فلسطين كلها بما فى ذلك الاقوام الاخرى يتجاوز المليون.

وهل تاريخ فلسطين حتى سنه 153 ميلاديه هو تاريخ بنى اسرائيل على اراضيها؟ واين اصبح سكانها الاصليون؟ لكن العهد الجديد مكننا من تلمس اشارات عابره اليهم كما ورد فى انجيل متى عن المراه الكنعانيه التى طلبت من السيد المسيح ان يعلمها فرفض قائلا: انما بعثت الى خراف بنى اسرائيل الضاله، فقالت له: حتى الكلاب تاكل من فتات موائد الساده.. ورد عليها: ايمانك عظيم يا امراه. هل يجوز لمفسر ان يواجهنا بالهذر الموجود فى العهد القديم بما فى ذلك الفولكلور القبلى للذين اعتنقوا الديانه اليهوديه على اساس انه مقدس ويجب ربطه بالقرآن؟ ثم انه هل يمكن الجزم بان يهود اوروبا فعلا هم الذين جاووا من فلسطين واستقروا هناك؟ الا يعلم هو ان صلب المساله الفلسطينيه ودمار المنطقه وسلبها خيراتها هو مجرد القول بان هولاء اليهود المستقرين فى اوروبا وامريكا وآسيا هم الذين جاووا من فلسطين ومن حقهم العوده اليها ليشكلوا دولتهم، فهل من خلال القرآن الكريم نقدم لهم المويدات التى تسمح لهم بالقول ان اللّه يويدهم من خلال كتاب المسلمين فما بال المسلمين يعترضون؟.

الفصل الثالث:الموسسه الدينيه الاسلاميه والانظمه الحاكمه ‏دراسه مقارنه

 مدخل:

ان اطلاق اسم الموسسه الدينيه الاسلاميه، هو مجرد توصيف لواقع قائم، وليس لان الاسلام يشرع وجود موسسات كهذه.

ليس من رجال دين فى الشرع الاسلامى، لكن وجود الفقهاء فى الدين ظل امرا حتميا بحكم التخصص، وتولى القضاء الشرعى، وخطابه المساجد، والافتاء، وارشاد الناس الى آخر قائمه المهمات التى ادت الى بروز رجال الدين وبزوغ الموسسه الدينيه.

كان ظهور الموسسه تاليا لرحيل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله والا ماذا يمكن ان نطلق على صحابه يعلمون القرآن ويولونه، وتابعيهم المنتشرين فى الاقطار الاسلاميه، اولئك الذين اصبحت اسماوهم اشهر من ان تعرف.. عبداللّه بن مسعود.. الحسن البصرى عبداللّه ابن عباس، عبداللّه بن عمر وغيرهم، ثم ماذا يمكن ان نوصف ابا هريره الذى روى الحديث واصبح اكبر التقاه عند المجتهدين السنه عند بدء تاليف الصحاح. وماذا يقال فى الامام على بن ابى طالب الذى صار شعارا لافقه المسلمين على الاطلاق استنادا الى حديث الرسول (انا مدينه العلم وعلى بابها). وبالتاكيد فان راس العلوم فى ذاك الوقت هو فقه الدين، او كما قال الرسول(ص) (من يرد اللّه به خيرا يفقهه فى الدين).

وحتى لا نتعسف، فان بروز الموسسه كما هى عليه الان بحدود صلاحياتها وترابط رجالها، بما فى ذلك نشوء المدارس الدينيه وشيوخ الدين والفقهاء وموسسات الاوقاف المرتبطه بالانفاق عليهم، لم يكن فى صدر الاسلام.. فقد مرت الموسسه بمراحل عديده وتبلورت عند بدء ظهور المجتهدين الكبار ومذاهبهم: مالك بن انس، الشافعى، ابو حنيفه احمد بن حنبل، جعفر الصادق(رض). وقد رافقهم ظهور الاشعرى الذى ارتبط به علم الكلام السنه كاملا وكل ذلك تم فى القرن الثانى الهجرى.

تبلورت الموسسه بشكل اكثر بروزا عند ظهور مفسرى القرآن القدامى وعلى راسهم الطبرى، ثم ابن كثير والزمخشرى وغيرهم. ثم كتاب الصحاح الكبار: البخارى ومسلم والحاكم وابو داود والترمذى وابن ماجه والبيهقى وكان قد سبقهم فى كتابه الحديث، احمد بن حنبل فى المسند، ومالك بن انس فى الموطا. هذا فى الجانب السنى اما فى الجانب الشيعى فقد برز الشيخ الكلينى فى الكافى (والقمى) فى تفسير القرآن وغيرهما.

ولعل الموسسه الشيعيه ظلت اسبق فى الظهور من خلال الائمه الذين تلوا الامام جعفر الصادق وهم: موسى الكاظم، على الرضا، محمد الجواد، على الهادى، الحسن العسكرى، محمد المهدى رضوان اللّه عليهم، فقد كان كل منهم (واستثنى الامام المهدى) موسسه دينيه ومرجعا للمسلمين فى حياته رغم الحصار وملاحقه السلطات الحاكمه، بحيث تبلور الفقه الاسلامى عن طريقهم مما اصطلح على تسميته بالموسسه الشيعيه.

فى الجانب الاخر لم تكن الموسسه السنيه موحده، وكان الصراع الفقهى احد سماتها الرئيسيه حتى كاد يصل فى بعض المراحل الى الصدام المسلح. وقد تعرض المجتهدون الكبار الى الصدام مع السلطه العباسيه خاصه فى زمن المامون بما سمى بمحنه خلق القرآن. وهكذا كتب على بعض هولاء التشرد الى مصر كالشافعى رحمه اللّه سنه 199ه، 815 م، واستمر احمد بن حنبل فى بغداد وعندما توفى كانت له جنازه مهيبه بسبب صموده فى وجه السلطه وسيطره المعتزله على قراراتها الدينيه. وكان هولاى (اعنى المعتزله) موسسه دينيه بحد ذاتها وسموا انفسهم اهل العدل والتوحيد وكانت لهم امجاد عظيمه فى نشر الاسلام فى شرق الوطن الاسلامى.

فى مغرب الوطن ظهرت الموسسه الدينيه الفاطميه كفرع للشيعه المتسم بالغلو سنه 297ه 909 م، ويقال انهم تبنوا الذهب الاسماعيلى المنشق عن الاماميه. وبما يجدر ذكره ان تلك الموسسه تلاشت بعد انتشارها مع القرامطه حتى البحرين، وساد المذهب المالكى مغرب الوطن وانتهى القرامطه تماما.

وفى زمن الدوله العثمانيه سادت الموسسه الحنفيه لدرجه كبيره، علما ان الدوله التى تبنت هذا المذهب لم تقسر الناس على اتباعه، ولكنها عملت على نشره بالاقناع وخاصه فى مصر موطن الازهر الذى برز كموسسه عند بدء تاسيسه فى زمن الفاطميين، لكن هذا لم يوثر على الشافعيه والمالكيه وان ظل الافتاء فى مصر على المذهب الحنفى حتى فى عقود الزواج.

اما موسسه الازهر فقد ظلت تحت سيطره الشافعيه رغم الصراع المرير (كما سنرى) على زعامه هذا الصرح السنى الابرز.

لم تبرز الموسسه الحنبليه فى الاجتهاد الا فى وقت متاخر، ولعل ابرز رموزها المتاخرين كان تقى الدين بن تيميه وتلاميذه الكبار منهم ابن القيم الجوزيه. لكن التطبيق الاكبر لهذه الموسسه ظهورا وانتشارا كان على يد الحنبلى محمد بن عبد الوهاب من المتاخرين والذى استطاع انشاء موسسه دينيه كبيره وغنيه التحمت بالدوله السعوديه واستمرت حتى اليوم بالغه التاثير، رغم انكار هذه الموسسه وجود رجال دين يقلدهم الناس الا اضطرارا وللتعليم فقط، ومع ذلك فان فتاوى هذه الموسسه تملا مجلدات.

وبعد.. من هو رجل الدين؟ فى زمننا هذا يعتبر العامه كل من يلبس الجبه والعمه ويرخى لحيته ويعمل فى التدريس او امامه المساجد، رجل دين.

عاده يتميز رجال الدين بلباسهم وطبيعه عملهم، فعندما يرتضى الرجل لباسا محددا بما فى ذلك العمه التى اصبحت الفارق الواضح بين المذاهب، فانه يرسم نفسه لطريق محدده بما فى ذلك سلوكا محددا لا بد ان يتسم بالصلاح والانصراف الى العلم وهدايه المسلمين وارشادهم الى الطريق الاسلامى الصحيح. فى زمننا الحاضر لا يستطيع كل عارف بالدين الاسلامى مهما بلغ من سعه الاطلاع ان يعتبر نفسه رجل دين..

وهكذا اصبح رجل الدين معروفا ومرموقا وجزءا من موسسه تقترب فى نظامها وانضباطها من الموسسه العسكريه ونادرا ما نجد رجل دين لا يكتب رزقه من علمه الدينى فى مجالات هذا العلم التطبيقيه. ونادرا ما نجد رجل الدين يعمل فى الاسواق.

اما فى الماضى فلم يكن الامر كذلك لسبب ربما كان من المفارقات وهو وحده لباس الناس.. وبما اننا لا يمكن ان نحدد بدقه زمن ظهور (العمه) وهى الشعار الابرز للمتصدى لحمل رساله الارشاد الدينى والاشتغال به، فان العصور الحديثه ابرزت هولاء بكل وضوح ليصبحوا من البروز شكلا ومضمونا على غرار الموسسات الدينيه المسيحيه واليهوديه والبوذيه الخ..

والمشتغلين فى صفوفها من مبشرين.

لا بد من الاقرار ان الموسسه الدينيه تمتلك نفوذا كبيرا فى شعوبها.. والموسسه الاسلاميه اليوم اشد نفوذا من مثيلاتها بسبب استمرار استقرار الاسلام الاعمق فى وجدان اتباع الدين.

لقد ضعفت الموسسه المسيحيه الى حد كبير فى مستقرها الابرز وهو اوروبا لاسباب معروفه ومشهوره تتعلق بالثورات الصناعيه والاجتماعيه المتعاقبه واتهام الثوريين للكنيسه بممالاه السلطه وداعميها الاقطاعيين، اضافه لاسباب جزئيه اخرى متعدده.

اما الموسسه اليهوديه فقد ربطت نفسها بالحركه الصهيونيه واصبحت فى خدمتها وجزءا من قراراتها، ورغم ذلك لا زالت تتمتع بنفوذ كبير ضمن حاله من الصراع المستمر فى اطار تلك الحركه.

هناك مجموعه من مراكز الاستقطاب الدينى الاسلاميه، سنتولى بالتحليل فى هذه الدراسه ثلاثه اساسيه منها وهى الجامع الازهر فى مصر.. الموسسه الدينيه الشيعيه (النجف وقم) الموسسه الدينيه الوهابيه فى السعوديه اما لماذا وقع الاختيار عليها فلانها فى الواقع، الاكثر ملامسه للصراع الاسلامى الصهيونى ولها فى مجاله فتاوى (صحت او اخطات فى مضمونها) فتلك مساله هى فى واقع الامر مشكله البحث فى هذه الدراسه. اما بوره النظر فستظل تنصب على علاقه الموسسه بالسلطه، ذلك ان الواقع السياسى الاسلامى يتحدث عن سلطات ليست اسلاميه.. والاسلامى منها ليس ملتزما بالدين بدقه، فى عصر تسود فيه العلمنه والبراجماتيه لتصبح من سمات السلوك السياسى فى عالم اليوم.. هذا العالم الذى يقوده عمليا نظام عالمى اقتصادى تصوغ قراراته مجموعه من البروتستانت البيض فى الولايات المتحده الامريكيه تقود رابطه الاحتكارات الاقتصاديه الهائله من نفط وفولاذ وبنوك بتحالف مع الحركه الصهيونيه ذات النفوذ الابرز فى عالم المال الذهب والدولار والبورصات الكبرى والذى يدعم الكيان الصهيونى فى فلسطين بلا حدود.. هذا النظام ساهم فى تشكيل معظم السلطات العربيه والاسلاميه ليكون حكامها فى وضع لا يسمح بمقاومه القرارات القادمه من وراء البحار والخاضعه لاملاءات ساده هذا النظام العالمى.

اما دور الموسسه الدينيه الاسلاميه((36)) البالغ الاهميه فسيظل صياغه وجدان الجماهير التى تواجه بطبيعتها سلطاتها المفروضه عليها والتى لم يصل اى منها الى الحكم بايه وسيله ديمقراطيه. مستقبل تطور الاحداث مع كل الغيوم المدلهمه فى الافق وسياده الياس من مواجهه نظام رهيب عالمى لا يبعث على الياس على ايه حال، وسيكون القلم والمثقف المخلص لشعبه ودينه قادرا على مقاومه حملات التزييف التى تقودها موسسات دينيه تخرج من مشروعيتها بالخروج عن الدين حتى دون ان تقصد، عندما تعمل على ان تكون غطاء اسلاميا للاستسلام والانحدار الواضحين فى سلوك السلطات.

الجامع الازهر القاهره:

ارتبط تاسيس هذا المسجد بالدوله الفاطميه، ولكن بزوغه كموسسه دينيه شهيره ارتبط بالمماليك ثم بالعثمانيين. اما لماذا صمد هذا الزمن الطويل واكتسب تلك الشهره العالميه، فذلك لان مساجد المشرق تعرضت للدمار، اما على يد المغول او الصليبيين الغزاه، وظل الازهر فى مصر فى مناى عن التدمير المباشر((37)).

تاسست الدوله الفاطميه فى المغرب عام 297ه 909م وكانت عاصمتها القيروان، اطلق عليهم هذا الاسم فى عهد خليفتهم الاول (المهدى) سعيد بن الحسين بسبب تشيعهم نسبه الى فاطمه الزهراء ابنه الرسول محمد(ص). كان الفاطميون من الغلاه فى التشيع وينسبون الى المذهب او المنهج الاسماعيلى((38)) وهو من المذاهب التى تعتقد ان للاسلام ظاهرا وباطنا.

هذه الموسسه التى بدات شيعيه وانتهت سنيه متعصبه اتيح لها ان تفرز المذهب الدرزى المشهور الذى انتقل من مصر بعد غياب الحاكم المنسوب اليه المذهب ومريديه الكثر. ثم اسسوا دوله فى جبل لبنان كان من ابرز زعمائها الامير فخر الدين المعنى الثانى المشهور فى النصف الاول من القرن السابع عشر ميلادى((39)). ومثل كل الدعاه واصحاب الافكار التى يعتبرونها الاصح وان فيها خلاص العالم، ابتدا الاسماعيليون بعد تاسيس الدوله الفاطميه فى المغرب بنشر مذهبهم نحو الغرب مره اخرى.

لهذا جهزوا جيشا للزحف على مصر من اجل احتلالها لقربها من قلب العالم الاسلامى كما يرجح. لقد تم الهجوم الاول فى عهد الخليفه المهدى سنه 301ه((40)). هذه الحمله لم يكتب لها النجاح بسبب قوه الدوله الاخشيديه فى مصر، لكن المهدى لم يياس فجهز حمله اخرى وهاجم مصر سنه 307ه 1989 م لكنها فشلت ايضا.

عندما تولى الخليفه الفاطمى الثانى القائم بامر اللّه (ابى القاسم نزار) جهز حمله اخرى سنه 321 واستمر على محاولاته هزيمه الدوله الاخشيديه مده ثلاث سنوات حتى عام 324، 936 م لكنه لم يكتب له النجاح. وبسبب من ثوره قامت فى المغرب ضد الحكم الفاطمى توقف هولاء عن حملاتهم للقضاء على الثوره، واستمر هذا التوقف حتى تولى الخلافه المعز لدين اللّه (معد الحكم ابو تميم) فى ذى القعده 341ه 20 آذار 953م، قام هذا الخليفه الشهير بترتيب الوضع الداخلى اولا، فروض البربر وقضى على دوله الادارسه وانهى استقلالهم، وكانت له دوله كبرى تمتد من طرابلس الغرب حتى المحيط الاطلسى غربا.

وفى عهده توفى كافور الاخشيدى الذى اشتهر بوجود الشاعر المتنبى فى بلاطه، فساءت احوال مصر اقتصاديا واجتماعيا، وانهار الاقتصاد وانتشرت الامراض والغلاء الفاحش. تولى السلطه هناك الوزير ابو الفضل بن الفرات الذى لقب ب (خنزابه) والذى يعود اليه السبب فى كل هذا الانهيار.

فى الشرق بدا القرامطه هجومهم فى محاوله لاحتلال مصر، فتهددوا حدود مصر الشرقيه وكانوا يدينون بالولاء للفاطميين ثم خرجوا عن ولايتهم وقرروا العمل لانفسهم عندما قرروا الاستيلاء على مصر.. فى هذه الفتره انتشر الدعاه الفاطميون فى الاراضى المصريه، وعملوا كعاده الدعاه الفاطميين الاسماعيليين سرا للتمهيد للحكم الجديد((41))، وعندما استنجد الوالى المصرى بالعباسيين لم يكونوا على ايه مقدره عسكريه لتقديم النجده.

وهكذا قاد المملوك جوهر الصقلى الجيوش الفاطميه متجها نحو مصر((42)) ويعتبر هذا القائد من خيره القاده العسكريين فى تاريخ الدوله، اتصف بالذكاء والشجاعه، وتمكن من احتلال مصر 358ه 6 تموز 969 م، ثم كانت قيادته فى مدينه الفسطاط والعسكر، تلك المدينه المطله على النيل والتى بناها عمرو بن العاص عندما فتح مصر قبل ذلك بثلاثمائه سنه ويزيد. وبهذا النصر كتب للدوله العباسيه ان تنتهى من مصر الى الابد، حتى بالنفوذ الاسمى والدعوه للخليفه على المنابر.

تاسست القاهره فى ذات اليوم الذى تم فيه فتح مصر، وعندما بدا البناء ووضعت اللبنات الاولى للقصور الملكيه، سميت بالمنصوريه، لكن الخليفه المعز غير هذا الاسم فورا قائلا (ولنبنين مدينه تسمى القاهره تقهر الدنيا). بعد بناء القاهره وتوسعها اندثرت كافه المدن المحيطه كالفسطاط (العاصمه الاقتصاديه) وبزغت مدينه القاهره.

بدا العمل فى بناء الجامع الازهر 7 رمضان 361ه (23 حزيران 972 م) واستمر بناوه سنتين. اطلق عليه بدايه اسم المدينه لكنهم بدلوه الى اسمه الحالى نسبه الى السيده فاطمه الزهراء كما يعتقد المقريزى.

جاء المعز نهائيا ليستقر فى عاصمته الجديده سنه 362 973 م وبمجيئه انتهى نفوذ جوهر الصقلى على مصر واستقر فى بيته دون ان يتولى ايه مهمات رسميه. وعندما تفاقم خطر القرامطه شرقا كلفه الخليفه بقياده الجيش المكلف بتاديبهم، وبعد نجاحه بمهمته عاد الى الظل مره اخرى حتى توفى سنه 381 992 م وقد عمر طويلا. اما المعز لدين اللّه موسس القاهره والازهر معا فقد رحل عن الدنيا سنه 375ه 975 م تاركا مدينه تخلد ذكره ما دامت قائمه.

الازهر مسجدا:

بدا المسجد شيعيا كما اسلفنا زمنا طويلا حتى اعاده صلاح الدين الايوبى الى السنه كما يقولون.. كان الاذان فى المسجد شيعيا بمعنى ان فيه جمله حى على خير العمل، وكانت خطبه الجمعه تتضمن الدعاء التالى (اللهم صل على النبى المصطفى، وعلى على المرتضى وعلى فاطمه البتول وعلى الحسن والحسين سبط‏ى الرسول الذين اذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا، اللهم صل على الائمه الراشدين آباء امير المومنين الهادين المهديين)((43)).

فى ذاك الزمن تعود الازهر والقاهره على الاحتفال بعاشوراء (ذكرى استشهاد الامام الحسين فى كربلاء) حتى بنى المشهد الحسينى سنه 549ه (1154 م) فانتقل الاحتفال اليه، ويسمى اليوم مسجد الحسين. وكانت مظاهر الحزن تعم القاهره وتتوقف فيها الحياه الاقتصاديه ويحتجب الخليفه عن مقابله الناس((44)). لم يبدا الازهر مكانا للتدريس الا بعد تاسيسه ببضع سنوات اى سنه 365ه كان اول ما درس فيه كتاب (الاقتصار) فى حلقه تدريسيه عاديه كاى درس يعط‏ى فى مسجد عادى. وهذا الكتاب وضعه ابن حيون فى مبادى‏ء الفقه الشيعى (اسمه ابو حنيفه النعمان ابن حيون التميمى المغربى)، ظل الامر كذلك حتى جاء يعقوب بن كلس (ابو الفرج يعقوب بن يوسف) وكان يهوديا واعتنق الاسلام واصبح وزيرا للخليفه الفاطمى العزيز باللّه ابو منصور نزار (975 996 م)، فوضع نظاما تعليميا للمسجد وموازنه من قبل الدوله تصرف على طلاب العلم.

ويذكر المورخون انه بدا بتدريس كتاب فى الفقه من تاليفه سمى بالرساله الوزيريه.

ومنذ ذلك الوقت حتى وقت قريب تميز طلاب العلم فى الازهر بانهم يعيشون على نفقه المسجد واوقافه مما شجع الاقبال على المسجد بشكل لم يسبق له مثيل. وبالتوازى ثم استحداث فرع لتدريس النساء اصول الدين على المذهب الاسماعيلى((45)).

استمر صعود الازهر فى عهد الفاطميين كمدرسه للعلوم الدينيه الى ان جاء صلاح الدين الايوبى فبدا بانشاء كليات علميه اخرى بهدف الغاء هذا الدور وكما يرجح فان الحاكم الجديد اراد صرف الناس عن المسجد الذى اصبح رمزا لمذهب يقاومه حتى منع صلاه الجمعه فيه((46)). فادى ذلك الى انطفاء موقت لدور هذا الصرح الاسلامى حتى جاء المماليك البحريه والشراكسه وحكموا مصر.

فى هذا العهد الجديد وقد تلاشت الدوله الايوبيه التى لم تعمر طويلا وبسبب سيطره المماليك الذين استعان بهم الايوبيون فى جيوشهم فانقلبوا عليهم، برز دور الازهر من جديد ولكن بقالب متجدد واكثر فاعليه واستمر فى تطوره الى ان اصبح ما هو عليه اليوم.

الازهر جامعه ونفوذا سياسيا:

فى عهد المماليك ازدهر المسجد، ويعزو المورخون ذلك الى عدم معرفه الحكام الجدد باللغه العربيه وانتمائهم الاسلامى الفطرى مما اتاح للعلماء النهوض به وتحويله الى جامعه دينيه حتى ان ابن خلدون قام فيه باعطاء محاضرات فى التاريخ((47))، وصار الجامع يعط‏ى اجازات علميه باختصاصات عديده مثل: «(الفتيا تدريس الدين عراضه الكتب المرويات على الاستدعاءات (علم الحديث)» وغير ذلك من الاجازات. ومما يجدر ذكره ان الحكومات منحت المسجد اوقافا زراعيه مكنته من التطور والانفاق على الدارسين وعلى هيئته التدريسيه. ومع ذلك فقد ظلت منافسه مجموعه من المدارس التى انشاها المماليك او الايوبيون مثل المدرسه الصالحه وغيرها((48))، واصبح التدريس فيه يتم على اصول المذهب الشافعى خاصه والمذاهب الاربعه بشكل اشمل. اضافه الى ذلك اكتسب هذا الجامع قدسيه معينه جعلته ملجا للناس فى الازمات للدعاء او الاستعانه بهيئته العلميه فى مواجهه الولاه والظلم، والغلاء، كما حدث ايام الملك الظاهر برقوق.. وكان بعض المعارضين يلتجئون اليه للحمايه من بطش السلطات فيجدون بعض الحمايه والطعام((49)).

عند استيلاء السلطان سليم العثمانى على مصر سنه 923ه 1213 م لم يتدخل النظام الجديد فى شوون الازهر بل ان السلطان زاره للتبرك قبل مغادره مصر عائدا الى تركيا((50)). وبالمقابل فان الازهر لم يقاوم النظام او يحاول التدخل فى شوون الحكم الا عندما ادخله الخليفه العثمانى ذاته فى صلب السلطه وذلك بعد تشكيل (ديوان محروسه مصر). لقد اتيح لهذا الديوان الذى حكم القطر المصرى بكامله لحساب العثمانيين ان يضم فى بنيته اربعه من كبار علماء الازهر اضافه الى كبار الموظفين الذين يقف على راسهم والى مصر والباشا.

لقد شكل الديوان بصلاحيات تتيح له اقتراح عزل الوالى الى الخليفه فى اسطنبول، اذا حاد هذا الوالى عن جاده الحق، وبذلك يتولى السلطان تعيين خلف جديد ولكن ليس باقتراح من عناصر الديوان.

هكذا برز دور الازهر كزعامه شعبيه لها تاثير فى رسم السياسه العامه لمصر وبدا ذلك اكثر وضوحا فى القرن الثامن الميلادى((51)). ولان علماء الازهر كانوا عربا من اهل البلاد فقد ازداد نفوذهم المزدوج.. مع الحكام لمساعدتهم فى السيطره، ومع الجماهير لمساعدتها عند الحكام المنفصلين عنها كليا لانهم لا يتقنون لغتها القوميه على اقل تقدير. اذن كانت هناك فجوه تمكن اولئك العلماء من ملئها بكفاء منقطعه النظير. لقد اصبح الازهر وهيئاته التعليميه جسرا بين الطرفين.

عند دراسه تلك المرحله من تاريخ مصر نلمس بجلاء ان الخلافه العثمانيه وقد ادركت اهميه موسسه الازهر قررت اشراكه فى سلطه اتخاذ القرار، وكان هذا التصرف فى صالحها، لان دمج العلماء فى موسسه السلطه يعنى ربطهم ب‏اليات عمل الجهاز الادارى وان كان فى اعلى المستويات، ولان العثمانيين اعلنوا الخلافه الاسلاميه ولانهم كانوا يحكمون باسم الدين، فليس اصلح من رجال الدين داعما لهم، بتوفير عنصر عربى من اهل البلاد ذى تاثير لا ينكر يومن لهم دعما باسم الدين.

عاصر المورخ المشهور (الجبرتى) تلك المرحله وكتب عنها بالتفصيل ونلمس من كتاباته ان مشيخه الازهر بدورها المزدوج ذاك ازدادت نفوذا لدى البلاط العثمانى حتى اصبحت ترجمانا للشعب المصرى لدى الحكام، ويذكر ان الشيخ عبداللّه الشبراوى الذى اصبح كبير علماء المسجد عام 1725 م حتى 1757 م ادى خدمات كبيره للمصريين بقضاء حوائجهم عند الحاكمين الذين لا يتقنون اللغه العربيه. ومن العجيب ان السلطه لم ترشح واليا عربيا على البلاد العربيه مما يدل على النزعه العنصريه لدى تلك الخلافه الاسلاميه وربما سوء ادارتها، فبرغم انها سيطرت على البلاد الا انها لم تستطع القضاء على نفوذ المماليك الذين ظلوا عمليا هم الحكام الحقيقيين للقطر المصرى.

على ايه حاله فقد تمكن بعض مشايخ الازهر من تعميق نفوذهم عند الناس فى مرحله قادمه الى درجه تحدى بعضهم اوامر السلطان العثمانى بحجه مخالفتها لروح الدين الاسلامى كما فعل الشيخ سليمان المنصورى((52)). ولا نفهم من هذا التحدى ان انفصالا قد حدث بين الخلافه والازهر.. بل على العكس فان ازدياد نفوذ هولاء بين الناس كما يبدو وبحسابات الخلافه كان عاملا مساعدا على التقليل من نفوذ الامراء المماليك المكروهين عمليا من عامه الشعب تبعا للتاريخ المرير من العلاقات المتناقضه ومن حاله الاستعلاء والابتزاز والظلم التى مارسوها ضدهم.

وليس من شك فى ان المماليك بدورهم حاولوا استماله هولاء العلماء للسبب ذاته، كما يروى عن التاثير الكبير للشيخ على العدوى (شيخ المشايخ) على اثنين من الولاه المماليك وهما على بك الكبير ومن خلفه فى الولايه محمد ابو الذهب. ويبدو ظاهر الامور موضحا ميل المشيخه الى الخلافه العثمانيه للاسباب التى ذكرت آنفا.

هذا الميل كان له ان يوضع فى التطبيق ترجمانا لدى الشارع المصرى عندما جردت الخلافه جيشا لتطويع المماليك عام 1786 م. فى تلك الفتره وقبيل دخول الجيش العثمانى القاهره، اصبح المشايخ حكاما للشارع ومحل وساطه لدى العثمانيين والوالى ابراهيم بك الكبير.

لهذا قام المشايخ (احمد العروسى محمد الامير محمد الحريرى) كوساطه لدى القائد العثمانى احمد الجزائرى حتى لا يتم سفك دماء اثناء الاحتلال، وبالمقابل طلب الوالى وساطتهم لمنع قيام ثوره شعبيه ضده، معترفا بزعامتهم المطلقه.

عندما دخل الجيش القاهره هرب المماليك الى صعيد مصر مخلفين وراءهم نساءهم واولادهم.. وفى محاوله لترويضهم قام القائد العثمانى ببيع النساء والاولاد فى سوق الرقيق، ويذكر الجبرتى اعتراض احد مشايخ الازهر على هذا التصرف باعتباره مخالفا للاسلام.

ان مما يدعم القول بتوصيف سياسه العثمانيين تجاه الازهر على النحو الذى ذكرناه هو تلك المناوره الشهيره((53)) عندما قام السلطان سليم بترحيل عدد من زعماء الازهر الى عاصمته، دعما لسياسته المعروفه باستجلاب الخبرات العربيه فى مختلف المجالات لتطوير مركز الخلافه حضاريا. ولكن السلطان سليمان القانونى اعادهم بعد توليه السلطه مباشره الى مناصبهم. ورغم انهم قاموا هناك بالتدريس فى كليات العاصمه وافادوا قطاعا واسعا من الطلبه ونشروا اللغه العربيه، الا ان الخطوه بحد ذاتها ظلت مثيره للجدل، فهى كما ارجح كانت تهدف الى ربط، ما ظنته السلطه العثمانيه مركز نفوذ موثر فى دوله مهمه فى الوطن الاسلامى، بموسسه الخلافه.

واعتقد ان ذلك الانحياز الى الخلافه العثمانيه كدوله اسلاميه تعيد امجاد الخلفاء العرب القدامى ظل سمه تفكير كل العلماء الازهريين التالين لتلك المرحله بما فيهم جمال الدين الافغانى والشيخ محمد عبده، مع انزياح بسيط فى التبريرات المعطاه لهذا الانحياز، فى عصر التلاقح مع الحضاره الاوروبيه الوافده فى نهايه القرن التاسع عشر وبدايه القرن العشرين.

نموذج من فتاوى الازهر:

لم يكن الازهر يعرف ما سمى فيما بعد بشيخ الجامع الازهر الا فى منتصف القرن السابع عشر. كان اول من شغل المنصب الشيخ الخرشى المتوفى سنه 1690 م((54)).