ويبدو ان استحداث منصب كهذا فتح مجالا للصراع على تسنمه بين المشايخ المنتسبين الى المذاهب الثلاثه السائده: الشافعى، الحنفى، المالكى، وجرت العاده فيما بعد ان تتوزع المناورات خارج حدود الهيئه التدريسيه التى خولتها السلطات اختيار الشيخ بالانتخاب او بالتوافق بالاحرى، فقد كان المتدخلون كثيرين ومنهم: الباشا العثمانى، الامراء المماليك، نقيب الاشراف، الطلبه المتقدمون. وكانت اكبر حادثه شغب تحدث فى معركه الاختيار عام 1777 1192ه ادت الى تعطيل الاختيار ما يزيد على العام، الى ان ادى التوافق الى اختيار الشيخ احمد العروسى الشافعى 1778 م. وقد استمرت تلك العاده حتى عام 1961 عند حسمت الدوله المساله بالقانون رقم 103 بان يكون الشيخ ممن تتوافر فيه شروط مجمع البحوث الاسلاميه ويعين بقرار من رئيس الجمهوريه، وهكذا اصبح شيخ اكبر موسسه اسلاميه سنيه موظفا لدى الدوله((55)).

وغنى عن القول ان المذهب الاكبر فى مصر هو الشافعى، وعندما جاء العثمانيون حاولوا فرض المذهب الحنفى ولكنهم اخفقوا.

يصف المورخ الجبرتى علماء الازهر فى تاريخه بانهم كانوا شريحه غنيه ممن يمكن ان نصنفهم بالارستقراطيه الفكريه.

لقد جمعوا ثروات كبيره وعاشوا حياه مترفه وسكنوا القصور الفخمه، واقتنوا الجوارى والخدم وكنزوا الذهب والفضه. كل ذلك اضافه الى الامتيازات الاخرى التى حصلوا عليها خاصه فى العهد المملوكى فقد ظلوا بمناى من بطش اشرس سلطه فى تاريخ مصر منذ عهد الفراعنه.. سايرهم المماليك من اجل ابقاء الشارع ساكنا مطيعا، وساهم اولئك العلماء حفاظا على مكاسبهم فى تهدئه الجماهير وامتصاص غضبها ضد ظلم الحكام. كان المماليك عمليا طوال عهدهم مثالا للارستقراطيه العسكريه المعزوله تماما عن الشعب، وهم كما اسلفنا لم يعنوا حتى بتعلم لغه الناس والتفاهم معهم، وهذا ما استطاع المشايخ استغلاله الى درجه بعيده فظلوا على اتصال بالناس بحكم انهم يقومون بالتدريس والافتاء وامانه المساجد((56)). ولكنهم، وقد استطاع محمد على بعد ذلك انهاء دورهم وتحقيرهم، لم يحرك الشارع ساكنا لدعمهم، فكما يبدو طفح الكيل بهذا الشعب المعذب بعد قرون من استغلاله وخداعه.

ومع كل ذلك فلم يعدم مسار الزمن فى تاريخ تلك الموسسه الدينيه من مشايخ فقراء ناوا بانفسهم عن استجداء السلطه وظلوا اكثر التحاما بالناس الفقراء وعاشوا عيشتهم، مثل عبداللّه الشرقاوى وعبد الرحمن العريشى وغيرهما.

عندما تولى الشيخ العروسى مشيخه الازهر كانت باكوره اعماله اصدار فتواه بجواز قتال المماليك الذين التجاوا الى صعيد مصر وقاتلوا الدوله العثمانيه. وجه الوالى العثمانى حسن الجزائرى فى عام 1781 السوال التالى((57)): ما قولكم دام فضلكم فى جماعه امراء وكشاف تغلبوا على البلاد المصريه وحصل منهم الفساد والافساد ومنعوا خراج السلطان واكلوا حقوق الفقراء والحرمين الشريفين، ومنعوا زياره النبى(ص) وقطعوا علومات الفقراء وجماكى المستحقين والانيار، وارسل لهم السلطان من يامرهم وينهاهم فلم يصغوا ولم يمتثلوا، وكرر عليهم اوامره فلم ينتهوا فعين عليهم عساكره واخرجهم من البلاد، ثم ان نائبه صالحهم وفرض لهم اماكن وعاهدهم الا يتعدوها حقنا للدماء، وقطعا للنزاع وسكوتا للفتن واخذ منهم رهائن على ذلك ورجع لخدومه، وعند ذلك تحركوا ثانيا وزحفوا على البلاد وسعوا فى ايقاع الفساد وقطعوا الطرق ونقضوا العهد، فهل يجوز لنائب السلطان دفعهم وقتالهم بشرط عدم ازاله الضرر بالضرر.. دام كيف الحال؟ الجواب الفتوى: (يجوز قتلهم ودفعهم ويجب على كل مسلم المساعده) ان نظره الى تلك الفتوى والفتاوى العديده التى سبقتها او تلتها تعط‏ى انطباعا بطبيعه قياده تلك الموسسه واتجاهاتها.. فهى لم تنفصل عن السلطه حتى فى ظل الاحتلال الاجنبى لمصر.

الازهر والاحتلال الفرنسى:

يقول نابليون بونابرت مقيما علماء الازهر قبيل دخوله مصر((85)) (انهم زعماء الشعب المصرى وانهم ظفروا بثقه وموده سكان مصر على بكره ابيهم(...) ان مشاعر الحقد قد افتعلت فى نفوس الاتراك العثمانيين والمماليك على زعماء الازهر فجعلتهم يقصون هولاء العلماء عن المشاركه فى تصريف الشوون العامه فعلينا ان نجعلهم وسطاء بيننا وبين الشعب المصرى لان اكبر العقبات التى سوف تواجهنا انما تنبثق من الافكار الدينيه. ثم لان هولاء العلماء ذوو طباع هادئه ويحبون العداله وعلى درجه من الثراء واصحاب مبادى‏ء خلقيه عاليه وهم اكثر الناس امانه ولا يركبون الخيل ولا يمارسون اعمالا عسكريه ولا ينتظر منهم تزعم حركه مسلحه..).

ان نظره فاحصه الى هذا التقييم يدل على دراسه مستفيضه للوضع الاجتماعى فى مصر قبيل الحمله الفرنسيه.. ولعل المدهش فيها انها تمتلك معاصره يكاد ما ورد فى نصوصها ينطبق تماما على منظمه الموتمر الاسلامى اليوم فى ظل النظام العالمى. ورغم اخطاء بسيطه فى التقييم مثل توصيف علاقتهم بالعثمانيين والمماليك فان معظم ما فيها صحيح..

فهم كانوا فعلا مجرد وسطاء، وهادئين وفوق كل ذلك اغنياء ويمتلكون تاثيرا لا ينكر على الجماهير باسم الدين.

دخل الجيش الفرنسى مصر دون مقاومه تذكر من قبل الجيش المملوكى الحاكم وتم ذلك عام 1798 فى منتصفها تقريبا.

ولمعرفه نابليون بطبيعه العلاقه بين السلطه العثمانيه والمماليك والشعب المصرى المعزول.. دعا بعيد دخوله القاهره وحتى بعد معركه الاهرام التى هرب منها المماليك الى الصعيد، دعا للسلطان العثمانى وانه انما جاء لتخليص المصريين من المماليك وانه يشهد ان لا اله الا اللّه، وشكل ديوان حكم مولفا من سبعه اعضاء مهمته الحفاظ على الامن العام اشرك فيه معظم علماء الازهر بما فيهم نقيب الاشراف عمر مكرم وبالاتفاق مع الوالى العثمانى مصطفى بك كتخدا..

ومما يذكر ان الوالى ونقيب الاشراف غادرا مصر بعد ذلك ولم يساهما بينما استمر الازهريون الكبار وهم: السادات، الشرقاوى، الصاوى، البكرى، الفيومى العريشى.

يقول الجبرتى.. كان العلماء يخرجون من عند نابليون وهم يلهجون بالثناء والشكر ويحدثون الناس عما شاهدوا.. ويقول نابليون فى مذكراته التى كتبها فى منفاه بان علماء الازهر قد ادوا خدمات جليله للجيش الفرنسى، وكم اشاد بخضالهم وطباعهم وعراقه اصولهم وثراءهم((59)).

وبعيد رحيل نقيب الاشراف عمر مكرم عين بدلا عنه نقيبا اسمه خليل البكرى الذى احيا احتفالا مهيبا بعبد المولد النبوى الشريف فى 19 آب 1798.

على ايه حال لم يكتب لشهر العسل هذا بين الازهر ونابليون ان يدوم طويلا فقد اشتعلت ثوره بقياده احد كبار مشايخ الازهر وهو محمد السادات بعد ذلك بشهرين كان من اهم اسبابها البارزه ان السلطان العثمانى رفع غطاءه السياسى عن الاحتلال الفرنسى بالاتفاق مع انكلترا((60)). وعندها تذكر المصريون ان الفرنسيين مسيحيون وانهم متعالون وانهم يشجعون سفور النساء واستولوا على الاوقاف الاسلاميه، وبداوا بخلع بوابات الاحياء لتسهيل عبور جيشهم ضمن احياء القاهره الضيقه وانهم فرضوا رسوما وضرائب وانهم اعدموا محمد كريم حاكم القاهره الوطنى الذى قاومهم. وبالمحصله تذكروا ان الفرنسيين يختلفون عنهم بكل شى‏ء وانهم ملحدون لا يجب ان يتخذوا اولياء من دون المومنين.

كانت طاعه السلطان العثمانى تلقى استجابه لدى الشارع المصرى المومن، ادت الى تفجر ثوره فاجات الفرنسيين فعلا، ومع ذلك ظل علماء الازهر الكبار يشاركون الفرنسيين السلطه فى الديوان المذكور سالفا.

وكما هو متوقع ومعروف قصف الفرنسيون المسجد بالمدفعيه وارتكبوا فظائع وتحدوا المشاعر الدينيه باقتحام المسجد وتدنيسه (وكل ذلك وصفه الجبرتى بدقه رائعه). واخيرا قاموا باعدام خمسه من علماء الازهر المشاركين فى قياده الثوره ما عدا الشيخ محمد السادات. مما يجدر ذكره هنا ان علماء الازهر فى السلطه حاولوا التوسط لدى نابليون لمنع اعدام العلماء الخمسه ولكنه رفض طلبهم، الا فى مساله خروج الجنود الفرنسيين من الازهر ولكنهم استمروا يرابطون حوله وينهبون ويقتلون((61)). رحل نابليون عن مصر وبدات محاولات العثمانيين استعادتها حتى وصلت جيوشهم قريبا من القاهره ولكن خليفه نابليون الجنرال كليبر هزم الحمله بكفاءه منقطعه النظير، لكن المصريين حالوا استغلال الاحداث فقاموا بثورتهم الثانيه التى ادت الى قصف القاهره بالمدفعيه مره ثانيه عام 1800 فى شهر نيسان، وتوسط علماء الازهر مره اخرى وقبلها كليبر بشروط على راس قائمتها جلاء العثمانيين والمماليك عن القاهره ومصر وهذا ما حدث فعلا.

تم اغتيال الجنرال كليبر على يد سليمان الحلبى فقام الازهريون والشعب بمحاوله ثوره ثالثه. فتم اغلاق الازهر واعتقال كل علمائه مائه يوم((62)). واغلق المسجد حتى رحيل الفرنسيين.

لقد ظلت مشاركه علماء الازهر فى السلطه تحت ظل الاحتلال الفرنسى تورق ضمائر هولاء وظلوا يحاولون تبريرها. ولكن مصر كتب لها ان تدخل مرحله جديده غيرت مسار التاريخ المصرى زمنا طويلا.. وبدات بعيد دخول الجيش العثمانى مصر بمساعده بريطانيا وظهور ضابط شهير اسمه محمد على باشا.

الازهر والوالى محمد على واولاده:

من العجيب ان مصر دخلت بعد رحيل الفرنسيين مرحله جديده داميه اتسمت بالفوضى والعنف وانعدام النظام مما جعل علماء الازهر يترحمون على ايام نابليون.. وفى رسائله الى وزاره الخارجيه يقول نائب القنصل البريطانى (المستر تابرنا) ان وفد العلماء طلبا منه التوسط لارسال قوات بريطانيه الى مصر لانقاذهم من بطش الجنود الالبان الوافدين وانقاذ شعب مصر من الفناء، ويدل استعمال كلمه (فناء) على الوضع المذهل الذى مرت به مصر رغم ان بعض المورخين يشككون بذلك الطلب((63)). وتتضمن الرساله تهديد هولاء العلماء بانه فى حاله عدم استجابه انكلترا فانهم سيتوجهون بالطلب الى فرنسا.

ربما اننى اميل الى تصديق قيام العلماء بمهمه كهذه، فان اكبر دليل على ذلك تلك الموده التى استقبل بها العلماء وفد نابليون الى مصر بعد ان تولى زعامه فرنسا، وكم ابدوا فى اللقاء من مشاعر الموده للزعيم الفرنسى مستعيدين ذكرياتهم الطيبه معه، والجدير ذكره ان السيد عمر مكرم رفض حضور هذا اللقاء.

اتسم محمد على بالدهاء والمكر والمناوره وهكذا تمكن بواسطه علماء الازهر من الوصول الى السلطه. فقد وقف مترقبا صراع الشعب مع الوالى العثمانى احمد خورشيد من جهه ومع المماليك الراغبين فى استعاده سلطانهم بمباركه السلطان العثمانى من جهه اخرى، وقاد مناوراته ببراعه مذهله قادت هولاء العلماء السذج الى رفع التماس من السلطان بتوليته امور مصر بعد ان قدم تعهدات كثيره منها (استمراره فى مشوره العلماء). وغنى عن الذكر انه نقض كل تعهداته بعد ان استتبت له الاوضاع 1805 ميلاديه.

ورغم ان السلطات العثمانيه حاولت عزل محمد على الا انها فشلت بسبب من دعم علماء الازهر ومن ورائهم المشايخ لظنهم انه خشبه خلاصهم من العثمانيين والمماليك معا.. اما لماذا لم يقترحوا على السلطان وكان ذلك باستطاعتهم تعيين وال عربى (من صفوفهم هم على الاقل) لمصر فقد ظل ذلك غامضا ذلك الغموض الذى دفع ابا الطيب المتنبى يوما لكتابه قصيدته الشهيره فى زمن كافور الاخشيدى.

وكم ذا بمصر من المضحكات‏آ ولكنه ضحك كالبكاآ فى تلك الفتره جرت حادثه طريفه حقا رغم دمويتها: فقد حاولت بريطانيا احتلال مصر عام 1807، وكان الوالى الجديد منشغلا بمحاربه المماليك فى الجنوب.. يقول الجبرتى ان موقف الازهر بدا سلبيا امام هذا الغزو فلم يحرض ضده انتظارا لمن تكون الغلبه، ولكن تطور الامور وبوادر هزيمه الغزو وعوده الوالى بجيوشه بعد هدنه مع المماليك، كان لكل هذا ان يغير موقف زعامه الازهر فبدات بحشد الناس لصد الغزو بعد فوات الاوان، ذلك ان محمد على لم يعترف بفضلهم فى رسالته التى ارسلها الى السلطان. بل على العكس فقد سجل تعاون علماء من الازهر والقوات البريطانيه الغازيه التى نزلت الاسكندريه وصل الى درجه الخيانه.

كان موقف مشيخه الازهر انتهازيا بكل مقاييس الانتهازيه، بل ربما يمكن اعتباره بعيدا عن روح الدين الاسلامى.. وظل هذا الموقف نقطه سوداء فى تاريخ الازهر مما ادى فى النهايه الى انحدار عصر علمائه الذهبى كوسطاء سياسيين وذوى مكانه بارزه، وذلك عندما قام محمد على بحركته النهائيه فالغى امتيازاتهم ونفى عمر مكرم الى دمياط مع كل ما يحمله على كاهله من تاريخ فى النضال والنفوذ والتاثير على الجماهير، فلم يحرك مواطن ساكنا وظلت القاهره هادئه امام انتهاء آخر رموز النضال الدينى فيها((64)).

مما يجدر ذكره ان محمد على ثابر على هجومه لتوطيد اركان حكمه فقام بذبح المماليك بعمليه غدر قل نظيرها فى التاريخ (2 آذار 1811) وتخلص من باقى الزعامه الازهريه وصادر اموال محمد السادات نقيب الاشراف الجديد، حتى ان ابنه ابراهيم تعمد اهانه اولئك العلماء بطريقه لم يشهدوها فى كل تاريخ الازهر فقد دعاهم اليه ولم يقم لهم احتراما بل هددهم وطردهم((65)). وهكذا انتهى الامر بهذه الموسسه الى ان تحولت الى مسجد لاداء الصلوات((66)) وحلقات الدروس البسيطه، خاصه وان موجه الحداثه الاوروبيه زحفت على مصر، بما فى ذلك انتاج كليات عصريه لتدريس العلوم المعروفه كالطب والهندسه وغيرها. وبذكاء قام محمد على بدفع طلاب الازهر نحو هذه المدارس وارسلهم بعثات الى اوروبا. وغنى عن القول ان الصراع الكلامى نشب بين بقايا الموسسه الازهريه وتلاميذها السابقين المتعلمين فى اوروبا باتهامهم بانهم اصبحوا مسيحيين ومنبوذين يستحقون طلب الرحمه لهم ولكنهم لم يصدروا فتوى بتحريم التعليم العصرى على ايه حال.

الازهر فى القرن العشرين:

باختصار يمكن القول ان الازهر لم يستطع فى العهد التى تلت محمد على ان يساير حركه الاصلاح والتطور وثابر على التمسك بنظامه القديم حتى تم تحويله الى الجامعه الازهريه.

فى هذا المجال لا بد من الاشاره الى محاولات الشيخ جمال الدين الافغانى التحديثيه وتلميذه الشيخ محمد عبدو 1870 1879، لكن هذه المحاولات بما فى ذلك طرح مساله العلمنه وتجديد الاسلام ظل محاطا بالشكوك الكثيره((67))، فقد ثبت دخول الشيخين تحث مظله الحركه الماسونيه((68))، المعروفه بارتباطها بالصهيونيه. ويدافع المورخون المسلمون عن ذلك بانهما لم يكونا يعرفان بخفايا تلك الحركه التى لم تظهر الا بعد تاسيس الحركه الصهيونيه 1897 بعيد موتمرها الاول فى بال.

توفى الشيخ جمال الدين فى الاستانه 1897 ويقال ان السلطان عبد الحميد قام باغتياله. اما الشيخ محمد عبده فقد ثابر على تدريسه فى الازهر فتره من الزمن ثم اعتزال التدريس بامر الخديوى. واصبح له مريدون ويعتبر رمزا للحركه التجديديه النهضويه الحديثه فى مصر. وقد عارض الشيخ محمد عبده فى ذلك الزمن شيخ الازهر المشهور سليم البشرى الذى اعتزل عام 1920، ومصدر شهرته تلك هو اجراوه اول احتكاك بالمرجعيه الدينيه للشيعيه عن طريق مراسلاته مع السيد عبد الحسين شرف الدين التى جمعها فى كتابه (المراجعات)((69)).

اصبحت الموسسه الازهريه عمليا جزءا من السلطه التى تنفق عليها. وهكذا جرت العاده ان يقوم الملوك بتعيين المشايخ.

فعلى سبيل المثال قام الملك فاروق بتعيين الشيخ مصطفى عبد الرزاق شيخا للجامع الازهر رغم انه لم يكن من هيئه كبار العلماء. ومن المعروف ان تلك المرحله حملت سمه ضغط السلطه على المشايخ ودفعهم الى الاعتزال لاسباب عديده ياتى على راسها الاتجاهات السياسيه المضطربه للدوله فى ظل الاحتلال البريطانى الذى اناخ على مصر منذ العام 1882 م.

توفى الشيخ عبد الرزاق عام 1947 بنوبه قلبيه اثناء مظاهرات الطلبه ضده باتهامه بانه عميل الملك((70)) وخلقه الشيخ مامون الشناوى واعتزل، ثم تولى المشيخه عبد المجيد سليم ثم اعتزل سريعا فى ايلول 1951، ثم ابراهيم حمروش الذى اعتزل فى شباط 1952 ثم عبد الحميد سليم الذى اعتزل فى ايلول 1952، ومحمد الخضر حسن اعتزل فى كانون ثانى 1954 ثم عبد الرحمن تاج ثم الشيخ محمود شلتوت الذى توفى عام 1963.

ان استعراضا سريعا لدراما، التغييرات السريعه فى المشيخه من قبل السلطه، واذا علمنا ان تعيين الشيخ يتم بقرار الملك او الرئيس استنادا الى القرار رقم 15 سنه 1927 وانه مسوول امام السلطه التنفيذيه، لادركنا مدى استجابه الموسسه لتلك السلطه وصولا الى اصدار الفتاوى لدعمها، ولعل آخر هذه الفتاوى العجيبه فتوى شرعيه اتفاقيه كامب ديفيد 1978 بعد زياره الرئيس الراحل انور السادات للقدس قبل ذلك بسنه والتى اصدرها الشيخ الحالى جاد الحق جاد الحق. ثم تصريحه الاخير لجريده الوفد 13 تشرين اول 1995 بضروره التعامل مع اسرائيل كامر واقع والذى يمكن اعتباره بمثابه فتوى كل ذلك يضع هذه الموسسه فى المكان المحزن الذى انقادت اليه بتفاعلات تاريخها الطويل الممتد الى ما يزيد عن الف عام، فالامر لمن غلب وطاعته واجبه.

الموسسه الاسلاميه الشيعيه فى النجف وقم:

مدخل الى التشيع.

ربما لم يوضع تعريف محدد لمفهوم السنه فى العالم الاسلامى((71)). ولكن مفهوم التشيع والشيعه امتلك حدوده الواضحه التى يمكن تعريفها وشرحها، منذ تعمق هذا المفهوم بدايه قبيل رحيل الرسول(ص) عن هذه الدنيا وبعيد رحيله بقليل. لم يكن التشيع مفهوما طارئا على الاسلام ففى عهد الرسول كان بعض كبار الصحابه يتشيعون او يناصرون الامام على(رض) «على ايه حال لم يعرف لاحد من الخلفاء الاربعه بعد النبى شيعه او انصارا فى حياتهم الا الامام على‏» مثل: ابو ذر الغفارى، المقداد بن الاسود، بلال موذن الرسول، والعباس بن عبد المطلب وبنوه، عمار بن ياسر، جابر بن عبداللّه، ابو الطفيل عامر بن وائله، ابو ايوب الانصارى.. وسلمان الفارسى وغيرهم كثير((72)). اما وضع تعريف محدد للتشيع فهو امر ممكن، ولكن تعريفا كهذا يجب التفريق فيه اولا بين التشيع والشيعه، لان كثيرا من الشيعه خرجوا عن التشيع كالغلاه منهم على سبيل المثال، ويظل التعريف مهما حاولنا فيه الاختصار والتكثيف واسعا لا بد ان يشمل كافه مفاهيم التشيع وليس بمفهوم مناصره الامام على وبنيه كما ورد لدى بعضهم((73)): وقبل ان نحاول تكثيف مفهوم التشيع يجدر بنا الاشاره الى ان التشيع فى صدر الاسلام كان السمه الغالبه على الامه ودليلنا من سير الشعراء العرب فى العصر الاموى الاول ان غالبيتهم بداوا شيعه ثم ناصروا السلطه لاسباب معروفه كما فعل جرير والفرزدق مثلا (راجع الاغانى).

(الشيعه من شايع عليا اى اتبعه وقدمه على غيره فى الامامه وان لم يوافق على امامه باقى الائمه فيدخل منهم الاماميه والجاروديه من الزيديه والاسماعيليه غير الملاحده منهم، والواقفيه والفطحيه) عن شرح اللمعه((74)).

(الشيعه هم من شايع عليا وقدمه على اصحاب رسول اللّه واعتقد انه الامام بوصيه من رسول اللّه وباراده من اللّه نصا كما يروى الاماميه او وصفا كما يروى الجاروديه). عن الشيخ المفيد: (الشيعه هم الذين شايعوا عليا وقالوا بامامته وخلافته نصا ووصايه اما جليا واما خفيا واعتقدوا ان الامامه لا تخرج من اولاده وان خرجت فبظلم يكون من غيره او بتقيه من عنده) الشهرستانى فى الملل والنحل.

نشاه التشيع وتحديدها اثارت ايضا كثيرا من الاختلافات: 1- بعضهم يرى انها نشات كحركه سياسيه دينيه بعد وفاه الرسول مباشره: بعد حادثه ان اهل بيته احق بخلافته (احمد امين). ه: طلب الامام على للخلافه بعد رحيل النبى مباشره (محمد ابو ريان) د: بعد حادثه السقيفه (جولدتسيهر).

2- ولد التشيع فى عصر عثمان نتيجه احداث وتناقضات فى العالم الاسلامى (ابن حزم) والنديم فى الفهرست، او بعد معركه صفين (عبداللّه نعمه «روح التشيع‏»).

3- نشا التشيع بعد كربلاء (كامل الشيبى (بين التصوف والتشيع)، كارل بروكلمان (تاريخ الشعوب الاسلاميه).

4- نشا التشيع بسبب اليهود ومنهم عبداللّه بن سبا (الطبرى فى تاريخه) (ومحمد فريد وجدى دائره المعارف الاسلاميه).

5- نشا التشيع فى زمن الامام جعفر الصادق (على عبد الرزاق الاسلام وفلسفه الحكم)((75)).

اما التشيع كما يحدده الشهيد محمد باقر الصدر((76)) فهو الاعتقاد الجازم بان رسول اللّه لم يترك الامه دون تحديد الخليفه ونظام الحكم وانه امر الامام على بكتابه جميع سننه فى كتاب وانه اعده اى الامام على لتولى امر الامه بالنص.

الولايه بالنصوص:

مهما يكن من امر فان الاعتقاد بالامر الالهى لولايه الامام على(رض) لامور المسلمين وتوريثها لولديه الحسن والحسين لنزول آيه التطهير بشمولهما، والقول بعصمه الائمه، ثم الاعتقاد بعصمه الاثنى عشر اماما، بما فى ذلك الاعتقاد بعوده الامام المهدى المنتظر.. كل ذلك بشكل بعض بنيه التشيع حقا. يمكن النظر الى الحديث التالى فى حوار جرى‏ء مع الامام جعفر الصادق (يا ابن رسول اللّه ان الحسن البصرى حدثنا عن رسول اللّه قال: ان اللّه ارسلنى برساله ضاق بها صدرى وخشيت ان يكذبنى الناس فتواعدنى ان لم ابلغها ان يعذبنى، فقال: هل حدثك بالرساله قال: لا، (...) قال الامام جعفر: وامر اللّه بالولايه وفرض ولايه الامر مصداقا لنص الايه الكريمه: انما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاه ويوتون الزكاه وهم راكعون، ففرض ولايه الامر، فضاق رسول اللّه ذرعا فنزلت الايه: (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته واللّه يعصمك من الناس) فصدع رسول اللّه بذلك وبلغهم فى غدير خم بعد العوده من حجه الوداع((77)).

اما نص حديث الغدير فهو مشهور لدرجه انه متوفر فى كل كتب الحديث بشكل او ب‏اخر وكذلك فى كتب التاريخ، وربما نجد موسوعه ضخمه كرست لهذا الحديث نصا وسندا وتاريخا وشعرا او نثرا((78)). يقول الحديث نقلا عن مسند احمد بن حنبل لانه اورده بعده روايات وهذه اكثرها تفصيلا (كنا مع رسول اللّه فى سفر فنزلنا بغدير خم فنودى فينا الصلاه جامعه وكسح لرسول اللّه تحت شجرتين فصلى الظهر واخذ بيد على فقال: الستم تعلمون انى اولى بالمومنين من انفسهم، قالوا بلى، قال: الستم تعلمون انى اولى بكل مومن من نفسه قالوا بلى، فاخذ بيد على فقال: من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال له هنيئا يا ابن ابى طالب اصبحت وامسيت مولى كل مومن ومومنه((79)).

ويعتبر حديث الغدير بحكم تواتره اشهر ما يستند اليه فى احقيه الامام على بخلافه الرسول.. ولكن هناك نصوصا اخرى ايضا من القرآن والاحاديث يشار اليها يمكن مراجعتها فى الكتب المعتمده. اما مضمون تفسير الايه والحديث الواردين آنفا رغم اعتقاد المسلمين بصحه ورود النص الثانى عن النبى وتاويل النص القرآنى بانه نزل فى الامام على فهو ما ميز السنه عن الشيعه خلال التاريخ.

اضافه لا بد منها:

ظل التشيع عبر تاريخ الاسلام حافزا كبيرا للبحث العلمى الفقهى والفلسفى، وبسببه نشاهد هذا الكم الهائل من الافكار والدراسات فى مختلف مناحى العلوم الانسانيه. لقد اغنى نظريه المعرفه بشموليتها.. اجاب على الاسئله العديده والهامه التى طرحت.. اعط‏ى لكل ذى حق حقه من الشخصيات والمواقف والامكنه. شكل او صاغ ايديولوجيا اسلاميه، فتح المجال لاعمال العقل فى الطبيعه وما وراءها، اغنى نظريات علم الكلام ووضع نظريات فى فن الحكم والسياسه، واسس للمذهب النقدى فى علم الادب والتاريخ سابقا ظهور مثيلاتها فى الحضاره الاوروبيه، خاصه لدى هيجل وكانت.

فتح التشيع المجال واسعا لمناقشه واستخدام معطيات الفلسفه اليونانيه فى صلب علم الكلام الاسلامى ضمن مناقشه الدين ومشكلاته امام ما استجد من ظروف.. وكان المعتزله ونتاجهم جزء بسيط من مفرزات حركه التشيع الاسلامى، اضافه الى الكم الثر من الاجتهادات التى اتسمت بالغلو كالاسماعيليه (اخوان الصفا) والقرامطه وغيرهما. لقد وضع وبحق اسس فن المعارضه السياسيه فى اقدم صورها المعروفه..

وضع نظريات فى الاقتصاد السياسى المتضمنه بذور الحداثه فيما نراه من ارهاصات الايديولوجيات التى تتحدث عن العداله الاجتماعيه.

ان نظره شامله على ابرز مفكرى الاسلام فى قرونه المزدهره كحضاره ونظام تعطينا انطباعا بانه ايا منهم كان لا بد ان يعبر من بوابه التشيع قبل ان يتخذ لذاته مسارب اخرى.. واذا اردنا التخصيص اكثر قلنا ان ساحه التشيع الفسيحه ابرزت اعظم شاعر فى العربيه، واعنى ابو الطيب المتنبى وغيره كثير.

التشيع فى جوهره العاطفى هو ذلك الحزن الساطع والحب العميق اللذين ليس لهما حدود، متجها الى المثل الاعلى المتمثل ب‏ال بيت النبى الشهداء. انه حاله نضاليه فى مسار التاريخ الاسلامى.. لقد اتيح لتلك العصبه من آل بيت النبى من يرفع راياتهم الى الابد.. من يحبهم عشقا من يضحى تحت ظلال شعاراتهم دون ان يطلب اجرا مومنا انهم ظلموا.

وفى اعتقادى انه لولا هذا المنهج الذى قاده اقطاب الموسسه الشيعيه من الائمه ونوابهم وممثليهم (الفقهاء) وانصارهم، ان على الصعيد الفكرى او فى الصعيد التطبيقى الكفاحى لما كان للحضاره الاسلاميه ان تزدهر تبعا لنظريتى التحدى، والفعل ورد الفعل، بحيث انها صارت بنيانا شامخا.

الا يثير العجب فينا ان المسلمين شيعه وسنه لا زال غالبيتهم يبكون مصرع الامام الحسين واهله بعد الف واربعمائه من السنين كانهم رحلوا البارحه؟ ان جوهر التشيع لم يكن مطلقا مجرد انتقاد لبعض الصحابه لانهم غصبوا حقا للامام على وبنيه كما حاول بعض المفكرين المسلمين مدفوعين بردود افعال آنيه ان يعبروا.. فهو فى حقيقته بلوره لايديولوجيا اسلاميه مبنيه على معطيات البحث العلمى المتطور والمرن والحديث.

نشوء الموسسه:

ازدهرت الموسسه الاسلاميه الشيعيه فى ظل المعارضه السياسيه حتى فى الدول التى كان حكامها من الشيعه مذهبيا (دوله بنى حمدان، ايران) ويستبعد المفكرون الفاطميين من اطار الشيعه ويحصرونها عاده فى الاماميه.

برزت الموسسه عمليا فى العصر الاموى فى ظل الاستقطاب الذى كونه الامام الرابع (على زين العابدين) بعد مجزره كربلاء سنه 68 للهجره واستشهاد الامام الثالث الحسين بن على، توفى زين العابدين عام 95 للهجره وكان مركز استقطاب اسلامى واسع فى عصور الاقطاب الامويين يزيد بن معاويه وحتى الوليد بن عبد الملك((80)).

يتحدث المورخون عن صفاته بكثير من الاستفاضه واعتبره الجميع اشرف وافضل اهل زمانه، ولعل قصيده الفرزدق الشهيره تعطينا مثالا على ذلك: هذا ابن خير عباد اللّه كلهم هذا النقى التقى الطاهر العلم اذا راته قريش قال قائلها الى مكارم هذا ينتهى الكرم يغض حياء ويغضى من مهابته فلا يكلم الا حين يبتسم((81)) قال عبد الملك بن مروان لما دخل عليه، واللّه لقد امتلا قلبى خشيه منه..

لم يعرف او ينقل عنه اجتهادات فقهيه محدده او اشتغالا بقياده معارضه سياسيه ضد السلطه الامويه، بل ان ما نقل عنه من حكم ماثوره او رسالته فى الحقوق، او تحف العقول وغيرها فانها تدل على انه كان حاله استقطاب مهدت لبلوره المذهب على يد الامام جعفر الصادق(رض) والذى سمى المذهب باسمه لدى الدارسين. ولعل ابرز واجمل ما اثر عن زين العابدين (الصحيفه السجاديه) التى تضم ادعيته الماثوره.

ليس من شك فى ان واضع اسس البنيان الايديولوجى للموسسه هو الامام على بن ابى طالب، لكن ما نقل عن الامام ليس بالكثير لاسباب عديده جدا، اهمها ما يتعلق بمحاربه السلطه الامويه لانصاره واحراق الكتب وخلق وتحريض الاعداء على ذمهم وتاليف الاحاديث النبويه التى تعارض ما اثر منها عن حقهم فى الخلافه، وتويد وجهه نظر السلطه، وفى تشكيل احزاب مضاده للشيعه وتكوين راى عام يحاربهم، وهذا ما حصل فعلا.

الامام جعفر الصادق:

ان وجود الامام جعفر وجهوده الفقهيه فى تصورى كانت سببا مهد لخلق ظروف علميه مناسبه ادت الى بروز المجتهدين المسلمين الكبار امثال مالك وابى حنيفه ثم الشافعى وابن حنبل فيما بعد وليس العكس.

لقد ساهم الامام جعفر فى خلق الظروف لتلك النهضه ولم يكن هو نتاجا لهذه الظروف.. كان تاثيره طاغيا.. ورغم انه لم يتدخل فى مساله السلطه كانسان عاش فى مرحله اتسمت بالفتن وانهيار عهد ونشوء آخر، فانه نظر للمرحله القادمه وحفظ للتشيع بل للاسلام ميزه الابتكار والتسجيل والتاليف والتلمذه. لهذا كان فى زمانه وتلاميذه موسسه مكتمله الملامح وظل بمناى عن الاضطهاد بما تمتع به من ثاقب النظر والعلم الغزير والشخصيه المبهره.

ولد عام 83ه وتوفى سنه 148ه فى زمن جعفر المنصور قال فيه الشهرستانى((82)). هو ذو علم غزير فى الدين وادب كامل فى الحكمه، وزهد بالغ فى الدنيا، وورع تام عن الشهوات وقد اقام بالمدينه مده يفيد الشيعه المنتمين اليه ويفيض على الموالين له اسرار العلوم ثم دخل العراق فاقام بها مده وما تعرض للامامه قط ولا نازع احدا فى الخلافه ومن عرفه فى بحر العلم والمعرفه لم يطمح فى شط ومن تعلى الى ذروه الحقيقه لم يخف من حط..).

ورد فى اعيان الشيعه (ولم يرو عن احد من اهل بيته ما روى عنه حتى قال الحسن بن على الوشاء، من اصحاب الرضا، ادركت فى هذا المسجد (يعنى مسجد الكوفه) تسعمائه شيخ كل يقول حدثنى جعفر بن محمد)((83)).

وفى مروج الذهب عن الامام جعفر الصادق قوله (ثم انتقل النور من بيننا الى غرائزنا ولمع فى ائمتنا فنحن انوار السماء وانوار الارض فينا النجاه ومنا مكنون العلم، والينا مصير الامور وبمهدينا تقطع الحجج، خاتمه الائمه ومنقذ الامه وغايه النور ومصدر الامور، فنحن افضل المخلوقين واشرف الموحدين وحجج رب العالمين فليهنا بالنعمه من تمسك بولايتنا وقبض عروتنا).

يقول عنه ابن حبان فى تهذيب التهذيب لابن حجر (كان من سادات اهل البيت فقها وعلما وفضلا يحتج بحديثه من غير روايه اولاده عنه وقد اعتبرت احاديث الثقاه عنه فرايت احاديث مستقيمه ليس فيها شى‏ء يخالف حديث الاثبات ومن المحال ان يلصق به ما جناه غيره).

ان نظره فيما اوردناه آنفا تجعل الباحث محرضا على طرح اسئله مورقه عن سبب اهمال اهل الحديث من السنه الاخذ عن امام هذه صفاته التى تكاد تصل الى الكمال والعصمه فى السلوك الانسانى.

يقول احمد امين (ويظهر ان كثره ما نسب اليه، وصعوبه التمييز بين ما هو صحيح وغير صحيح حملت البخارى على الا يروى شيئا من حديثه، ورجال الحديث من اهل السنه يختلفون فيه فان سعد صاحب الطبقات يضعفه ويحيى بن سعيد يقول فى نفسى منه شى‏ء)((84)).

هذا الحكم الغريب يحرص القارى‏ء على مناقشه موقف الموسسه السنيه برمتها من الشيعه منذ الامام جعفر الصادق..

وهذا النقاش لا بد ان يشمل الاستاذ احمد امين ذاته، ذلك ان ما كتبه عن الامام جعفر تحفل بالمتناقضات التى لا يجد الدارس مندوحه من ابرازها..

الكل يقران الامام جعفر الصادق من افضل اهل زمانه واصدقهم ومع ذلك تجد من يقول مثل يحيى بن سعيد وابن سعد والبخارى وغيرهم ان فى نفوسهم شى‏ء منه او يضعفونه، وهذا يعنى ببساطه انه ليس ثقه وياتى فى آخر مرتبه اصناف الرجال الذين روى عنهم اهل الحديث من الصحابه والتابعين وتابعيهم.

بل ان احمد امين رغم اعترافه بعظمه الامام وعلمه ينفى ان يكون واصل بن عطاء زعيم المعتزله تلميذا للامام، بل هو على العكس يرجح ان يكون جعفر بن محمد تلميذا لواصل بن عطاء لان الامام زيد بن على عم جعفر الصادق تتلمذ على واصل بن عطاء تبعا لروايه ابى الفرح الاصفهانى((85)). الاصل فى اطلاق هذا الحكم ان المعتزله يقولون فى كثير من عقائدهم بما يقوله الشيعه.. وهكذا يرجح الباحث احمد امين رحمه اللّه ان التشيع تاثر بالاعتزال وليس العكس.. والحقيقه ان حكما كهذا يتسم بالغرابه والادهاش. يتطابق التشيع والاعتزال فى امور يلخصها احمد امين فيما يلى: ان صفات اللّه هى عين ذاته وبان القرآن مخلوق، وبانكار الكلام النفسى وانكار رويه اللّه بالبصر فى الدنيا والاخره، القول بالحسن والقبح العقليين (عكس ما قال الاشاعره) وبقدره العبد واختياره وانه تعالى لا يصدر عنه قبيح وان افعاله معلله.. الخ).

فلماذا يرجح الاستاذ احمد امين ان الشيعه اخذوا من المعتزله وليس العكس؟ التشيع فى عهد الامام جعفر موسسه متصله بدقه حتى رسول اللّه(ص) تبلورت مقولاتها واخذت هيكلها عندما نضجت او انضجت الظروف الموضوعيه. ولم يكن المعتزله الا افرادا عقلانيين برزوا كرد فعل على جمود تلامذه منهج الاشعرى الذين وضعوا العقل فى مرتبه ادنى من النقل (مع كل ما دخل على النقل من تحريف فى ذلك الزمان). فى القرن الثامن الهجرى بفعل الصراع السياسى، وهذا ما يقر به غالبيه الباحثين. الا يثير الشكوك حقا ان تكون الموسسه تبعا لافراد ولا يكون الافراد تبعا للموسسه مع اعتراف السيد امين بان كثيرا من المعتزله تشيعوا..؟ الا يدل هذا على عوده الفرع للاصل الذى اخذ عنه وهو الموسسه(؟). على ايه حال تلك كانت مجرد تساولات تحاول توصيف الانحياز من الحياد والموضوعيه فى البحث العلمى.

لقد ناظر الشيعه المعتزله فى زمن الرشيد بواسطه هشام بن الحكم (احد كبار تلاميذ الصادق) وهذا يدل على ان بينهما اختلافات كثيره رغم التطابق فى مسائل محدده تمت الاشاره اليها.

ان الاعتراف بان جعفر الصادق كان موسسه ومدرسه لا يستقيم مع القول بانه تتلمذ الا على والده محمد الباقر(رض) ولم يعرف عن احد من الائمه على ايه حال تتلمذه غير على امام زمانه وهو والده مباشره.

الامام المهدى والولايه النائبه:

يمكن القول ان الموسسه الشيعيه بشكلها الحالى نشات بعد غياب الامام محمد المهدى فى سامراء عام 255 للهجره والتى تسمى الغيبه الصغرى حتى 329ه. كان الامام يقود الموسسه بواسطه سفراءهم: الاول عثمان بن سعيد العمرى: 260 265 الثانى محمد بن عثمان العمرى 265 305، الثالث الحسين بن روح النوبختى 305 326 الرابع على بن محمد السمرى 326 329 وهى سنه وفاته، وبهذا انقطعت الصلات بالامام كما يجمع على ذلك فقهاء الشيعه (وحتى رجوع المهدى الى العالم ليملا الارض عدلا كما ملئت جورا فان الفقهاء هم الذين يقودون المراحل بتخويل عام صادر عن الامام المهدى)((86)).

ما هى موهلات الفقيه الذى يقود، ويقلد المومنون ويتبعون فتاواه((87)).. 1- الموهل العلمى: بمعنى امتلاك القدره الشموليه التى تستوعب كل المجالات العباديه والاخلاقيه والاقتصاديه والاجتماعيه والسياسيه وشتى النواحى الحياتيه (ويسمى صاحب هذه المقدره بالفقيه المطلق).

2- الموهل النفسى والسلوكى: اى ان يكون عدلا، وتتمثل العداله بما يلى: ا- ان يحصل على ملكه ملازمه التقوى.. ترك المحرمات وفعل الواجبات.

ب- الاستقامه فى جاده الشريعه.

ج- ان تكون الاستقامه طبيعيه للعادل وليس شيئا طارئا.

3- الموهل القيادى: ويتمثل فى الوعى القيادى والممارسه القياديه فى توجيه حركه الامه فى كل امورها ومواجهه حالات التحدى الطارئه.

ما هى وظيفه الفقهيه القائد نائب الامام الغائب المناطه به فى مرحله الغيبه الكبرى: 1- الافتاء وبيان الاحكام الشرعيه: واذا كان الافتاء من مهام الفقهاء والموهلين فان التقليد من مسووليات الامه التى لا تملك المقدره العمليه على الاستنباط((88)).

القضاء: ويستوجب شروطا: كالبلوغ والعقل والايمان والعداله والفقاهه (والذكوره) وطهاره المولد.

3- الولايه العامه: وهى مستمده من نصوص الولايه فى القرآن والحديث وتشمل ما يلى:

ا-
القضاء، رعايه القاصرين، اداره الاوقاف، الامور الحسبيه.

ب- اقامه الحدود الشرعيه.

ج- الولايه الشرعيه سياسيا واجتماعيا وتربويا واقتصاديا (اى بمعنى واضح تسلم السلطه الدنيويه بكل ما فى ذلك من معنى تطبيقى.. ويظل هذ الاجتهاد مصدر خلاف بين فقهاء الشيعه ويدور حوله نقاش مستفيض).

ان ما تقدم يوضح ماهيه الموسسه الشيعيه، وبما انها فى مرحله المعارضه السياسيه حتى وهى فى السلطه كما هو الحال فى دوله مثل (ايران الاسلاميه) فان الفقهاء عمليا هم الحاكمون على الشعب.. او بالاحرى هم القاده الحقيقيون للجماهير.

اذن يمكن اعتبار الموسسه الاسلاميه الشيعيه اقدم فى الظهور والتبلور والوضوح من الموسسه السنيه واكثر نفوذا وجذريه ايضا، وهى موسسه تتمتع باستقلال مالى بسبب مواردها الواسعه من المسلمين المقلدين وكذلك الاوقاف. وهى بالمحصله مركز استقطاب وتوجيه حركه الشارع الاسلامى ومرجعيته ومركز الهامه.

الموسسه الشيعيه فى اطار الفعل..

وصف الكاتب البريطانى (لوريمر) فى كتابه دليل الخليج الجزء السادس ص 3386((89)) وضع الموسسه الدينيه فى ايران القرن التاسع عشر بقوله: (يقوم العالم الشيعى المجتهد بعده وظائف، فهو محاضر فى اللاهوت وهو قاضى شرع وهو مدرس شريعه اسلاميه(...) كلمته بين اتباعه قانون، ويتلقى مبالغ كبيره من المال من اخوانه فى الدين الذين يدفعونها زكاه اموالهم او صدقه او لاغراض اخرى فى سبيل الدين، ولرجال الدين نفوذ سياسى واسع فى ايران والعراق، رغم ان ذلك يتصادم مع السلطات الحاكمه فى كثير من الاحيان.

يختار الجمهور من يجب تقليده واتباعه ومن هو المجتهد الحائز على شروط الفقيه. وذلك عمليا يمثل الحاله الديمقراطيه الابرز فى الموسسه، سادت منذ غياب الامام المهدى وحتى اليوم، ورغم الخلاف الاجتهادى الحاصل (وهو امر ايجابى ومحرض على الافضل بما فى ذلك تصعيد البحث العلمى الفقهى) فان الموسسه فى النجف وقم لم تشهد صراعا ذى قيمه تذكر طوال تاريخها).

يحدد الامام الخمينى رحمه اللّه وجوه انفاق سهم الامام او خمس اهل البيت التى تعود لولى الامر فى الدوله كما يلى (سهم للّه تعالى، سهم للنبى، سهم للامام وهى لولى الامر (بمعنى ان الاسهم الثلاثه تعود للمرجع الدينى المدفوعه له) اما الاسهم الثلاثه الاخرى فتصرف للذين يتصل نسبهم بعبد المطلب من جهه الاب).

واذا اضفنا موارد الاوقاف الواسعه للحوزات العلميه فان الموارد تمنح الموسسه استقلاليه ماليه كامله لا يمكن من النفاذ اليها واذلالها.

من وجوه الانفاق لهذه الاموال: ياتى طلاب العلم فى المرتبه الاولى ثم تتراوح الوجوه فى تعددها حتى تتقاطع احيانا مع مهمات الانفاق للدوله ذاتها كالمدارس والجامعات والمعاهد والانديه والمستشفيات وغيرها.

يتعين على كل مسلم شيعى ان يكون له مرجع جامع لكافه شروط المرجعيه والولايه، وغنى عن القول ان الجماهير تحمى مرجعها من انتقام السلطات او انها تحاول ذلك فى ظروف بالغه الصعوبه، وهذا يودى عمليا الى ان يكون المقلدون جبهه متراصبه وعلى اهبه الاستعداد للدفاع عن مرجعهم.. وبالمقابل تجرى السلطات الكثير من الحسابات قبل الاقدام على الصدام مع المرجع.

- تطور الموسسه نظره تاريخيه:

ربما لن يمكننا الحديث عن موسستين منفصلتين فى النجف او قم، فنحن نلاحظ مرحليا تبادل التاثير بين الطرفين، وظلت النجف دوما تحتل مكان القياده حتى زمن قريب فى النصف الثانى من القرن العشرين. واذا تناولنا الحركه الدستوريه فى ايران فى اوائل هذا القرن، فان قياده الحركه قدمت من النجف، خاصين بالذكر السيد محمد الطباطبائى احد تلامذه الميرزا محمد حسن الشيرازى((90)). المرجع الاكبر فى العتبات المقدسه، وكان من اقطاب الحركه الشيخ محمد مهدى الخالصى المهاجر من العراق ايضا.

انها موسسه عاشت تحت ظلال ستاره من الدماء بذلها الشيعه عبر تاريخ الاسلام، ليس من اجل السلطه قطعا، فالائمه بشهاده اعدائهم كانوا يعلمون انهم لن يصلوا اليها((91))، ولكن سواقى الدماء تلك ترقرقت لترفد بحر التصحيح.. من اجل الاسلام الذى تعلموه فى شخص الامام الاول عن النبى(ص) وصولا الى الدفاع عن الاسلام الذى اعتنقوه، فى مواجهه الصليبيات او صنائعها فى الوطن الاسلامى.

يعجب الباحث لهذه السلسله من المجازر التى تعرض لها الشيعه دفاعا عن معتقداتهم.. من اجل العقيده لا غير دون مطمع فى كسب. الموسسه عمليا سلسله من الشهداء والدم والدموع، ليس اولها اغتيال الامام على وبنيه الحسن والحسين.

وربما تخامرنا الدهشه بشكل اكبر عندما نعلم انه عدد الشيعه بالمسح الاحصائى فى العالم وصل الى ما يقارب ربع عدد المسلمين فى العالم ولن ينسى المسلمون عند احتفالهم بذكرى عاشوراء من كل عام. ما اشتهر عن الامام الحسين: ان كان دين محمد لم يستقم‏آ الا بقتلى يا سيوف خذينى‏آ منذ اوائل القرن السادس عشر للميلاد اصبح المذهب الامامى (الجعفرى) المذهب الامامى الرسمى لايران ايام الصفويين رغم وجود المذاهب الاخرى((92))، يقول بروكلمان فى كتابه تاريخ الشعوب الاسلاميه: ان الشاه اسماعيل الصفوى بعد انتصاره على (الوند) توجه نحو تبريز فاعلمه علماء الشيعه التبريزيون ان ثلثى سكان المدينه الذين يبلغ عددهم ثلثمائه الف هم من السنه).

تولى الشاه عباس السلطه عام 1628 بعد هزيمه العثمانيين.

ويقرر المورخون انه كان ملكا سيئا على الاقل من وجهه نظر علماء الشيعه، فقد عقد صلات مشبوهه مع الغرب ضد الدوله العثمانيه هذا التقييم من علماء الشيعه ضده رغم انه اقر المذهب الامامى ورغم ان الدوله العثمانيه لم تقصر فى اضطهاد الشيعه وقتلهم كما هو معروف‏». وقد راقب العلماء المجتهدون الوضع المتدهور فى ايران بقلق، وقاموا بمحاولات للاصلاح فى مواجهه السلطه.. وكان على راسهم محمد باقر المجلسى.. صاحب الكتاب الشهير (بحار الانوار)((93)).

لم يعمر الصفويون طويلا فقد هزموا امام عدوين رئيسيين تقليديين هما العثمانيون من الغرب والافغان من الشرق عام 1722 م. ولا يعنى انهيار حكم الصفويين ان البلاد خلت من القاده الكبار.. فقد ظهر اثنان منهما اتيح لهما ان يلعبا دورا كبيرا فى تحرير البلاد من الغزاه شرقا وغربا، وهما نادر خان وكريم خان زند.

فى تلك الفتره توحدت الموسسه الشيعيه فى ايران والعراق واصبحت النجف كعهدها دائما قبله الزوار الايرانيين ومكان استقرار كبار مراجعهم.

ومما يذكر قيام الدوله القاجاريه بديلا عن الصفويين.. فى ذلك العهد هوجمت كربلاء من قبل الوهابيين (مما سنتطرق له لاحقا) وقد تعهدت الدوله العثمانيه التى كانت تسيطر على العراق باصلاح الاضرار والتعويض على القتلى ولكنها لم تفعل.

كان القاجاريون اكثر اتصالا بالعلماء ومكنوا لهم من الرقابه على تصرفات ملوكهم، وهكذا وفى عهد (فتح على شاه) تم التوفيق بشكل ما بين متطلبات النظام وطريقه الرقابه التى مارسها العلماء عليه، علما ان الامر لم يخل من صراع خفى، ذلك ان الدوله الملكيه المستبده ترفض الرقابه عاده لاسباب لا مجال لذكرها، اذا علمنا شكل الرقابه الصارم الذى مورس خاصه فى مساله العداله وتطبيق للشريعه.

الانقسام فى الموسسه:

كان للموسسه الشيعيه ان تشهد تياريين يتبلوران فى داخلها فى مرحله الغيبه الكبرى من زمن ليس ببعيد. فقد ظهرت الى الوجود مدرستان فقهيتان تعمقتا بحده فى نهايه القرن الثامن عشر للميلاد وهما المدرسه الاصوليه والمدرسه الاخباريه.

لم تكن الحركه الاخباريه بجديده فى التشيع وهى بحسب تعريفها تهدف الى الحد من الاجتهاد والاعتماد على النقل بشكل مطلق، بما فى ذلك رفض الاعتماد على العقل فى استنباط الاحكام((94)). ويمكن تحديدها بشكل ادق على الشكل التالى (الاخبارى هو الفقيه المستنبط للاحكام الشرعيه الفرعيه من الكتاب والسنه فقط، وبعد ياسه من دليل الحكم يرجع الى اصاله البراءه من الشبهات الحكميه التحريميه) ويعرف الاصولى فى الجهه المقابله كما يلى (هو الفقيه المستنبط للاحكام الشرعيه الفرعيه من الكتاب والسنه والاجماع ودليل العقل ومن غيرها مما قامت الحجه عليه عنده)((95)). واذا دققنا فى تاريخ الموسسه الشيعيه يمكن ان نستنتج ان المحدثين الكبار فيها امثال محمد يعقوب الكلينى توفى ببغداد 329ه وصاحب كتاب (الكافى) فى الحديث، وكذلك محمد بن بابويه القمى توفى بالرى 381ه صاحب كتاب (من لا يحضره الفقيه)، او والده على بن الحسين الذى توفى فى قم 329ه، هولاء يمكن اعتبارهم بدايات ظهور الحركه الاخباريه.