وفى المدرستين كلتيهما ظهر مجتهدون معروفون مثل محمد باقر البهبانى ولد سنه 1208ه وقد برز فى الطرف الاصولى، او الشيخ يوسف البحرانى المتوفى فى كربلاء 1186ه والذى وصف باعتداله ووضعه للحدود بين المدرستين، او كما يمكن توصيفه بالتيار الثالث، وقبل ذلك بزمن ظهر المجتهد محمد امين الاسترآبادى المتوفى سنه 1623 م كاخبارى من طليعه المنادين بالغاء دور المجتهد كفقيه ولى لامور المسلمين.

على ايه حال لا يمكن توصيف ذلك الانقسام بانه ولد صراعا عنيفا داخل الموسسه، بل على العكس فقد اغنى حركه الاجتهاد واستنباط الاحكام والتدقيق فى الاحاديث المنقوله عن الائمه عن النبى(ص). وهو كما عبر عنه السيد جعفر كاشف الغطاء بانه مجرد خلاف لفظ‏ى. واستمرت الموسسه كما اعتادت ان تكون على نهجها واعتقادها بان الخلاف بين العلماء رحمه للمسلمين ومحرض على البحث العلمى، ولم يود ذلك مطلقا الى فتاوى تكفيريه من طرف للطرف المواجه.. وظلت الموسسه الشيعيه كما كانت تنهج التعدديه فى اطار الوحده، وحاربت الغلو والغلاه وافرزت مئات العلماء والمجتهدين الكبار.

 - الدوله القاجاريه والموسسه:

فى الفتره الواقعه ما بين نهايه الدوله الصفويه وبدايه العهد القاجارى وبين نهايه هذا العهد 1925 م شاهدنا مرحله تصاعد نفوذ الموسسه فى ايران والعراق، وترافق ذلك ايضا مع بدايه انهيار الامبراطوريه الاسلاميه وبدء التدخل الاجنبى والاحتلالات للاطراف.. واخيرا سقوط الدوله العثمانيه نهائيا عند نهايه الحرب العالميه الاولى 1918.

كان ابرز الملوك القاجاريين نادرشاه الذى كان من اهم ما حاول القيام به تحجيم دور الموسسه، عندما دعا الى عقد موتمر اسلامى شامل فى طهران، مما ادى الى ان يواجهه العلماء باتهام انه يريد اضعاف المذهب الامامى عندما اعتبره احد المذاهب الخمسه الاسلاميه باطلاق تسميه المذهب الجعفرى عليه، ليتساوى بذلك مع بقيه مذاهب السنه، بينما يعتبر الاماميون انهم يمثلون جوهر الايديولوجيا الاسلاميه وان المذاهب الاخرى ما هى الا تفرعات لمذهب الاشاعره فى الاصول.

تم اغتيال نادرشاه عام 1747 م بما اعتبر ذروه انتصار الموسسه الاسلاميه فى مواجهه ملك اراد تحديها، ورغم الاضطراب السياسى الحاصل والمتمثل بالهجمه الروسيه القيصريه على شمال الوطن الاسلامى واحتلالها قسما كبيرا من ديار الاسلام فى آسيا وزحفها باتجاه ايران، فان العلماء قاموا بدور بالغ الاهميه فى الحفاظ على تماسك البلاد ووحدتها الداخليه ومحاربه الفساد ومقاومه المطامع الاجنبيه((96)). وكان واضحا ان الموسسه حملت على عاتقها عب‏ء المجابهه امام اعداء يتحركون فى الشرق (احتلال شمال افريقيا من قبل فرنسا) وفى الشمال (روسيا) فى ظل سلطه ضعيفه استبداديه.

وكما اشرنا فقد اخذ الخلاف بين الاصوليون والاخباريين دوره فى مساله شكل التعامل مع السلطه. فقد رفض الشيخ احمد الاحسائى الذى يصنف فى الجانب الاخبارى الاقامه فى طهران عند ما قدم اليها من النجف((97)) قائلا (ما دام جميع الملوك والحكام يفرضون اوامرهم على الرعيه بالعسف والقهر فاننى امام امرين، اما التدخل فى شوون الدوله وهذا يصرفنى عن مسوولياتى الدينيه واما الكف عن التدخل وهذا يضعف سمعتى لدى الناس).

كان قدوم الشيخ الاحسائى فى عهد الملك فتح على الذى تولى السلطه عام 1834، ولعل قوله هذا يبرز بجلاء جدليه الموسسه والسلطه، فقد اراد الاخباريون عمليا الحد من تدخل المجتهدين السافر فى شوون الدوله وترك ذلك الى الحكام، وهذا يخالف فى الواقع اسس المذهب الامامى الذى يدعو الى ولايه الفقيه، او على اقل تقدير عدم الفصل بين الدين والسياسه وضروره تدخل الفقهاء بامور الحكم ومرافقته مما يضمن عدم ارتكاسهم الى السلبيه الاجتماعيه، كما نظر المتصوفون فى ازمان سابقه، عندما اقروا ان وظيفه المومن هى مجرد الاتجاه ءلى اللّه وترك امور الدنيا لاهلها والساعين اليها او بمعنى آخر فانهم لجاوا الى الاعتكاف والزهد احتجاجا على ما ينكرون من حكومه ونظام((98)).

هكذا وقف المجتهدون بصلابه ضد ما قامت به روسيا من اضطهاد للمسلمين فى القفقاس عام 1813 بعد سيطرتها عليه قبل ذلك بزمن قصير.. وكان للموسسه ان اصدرت مجموعه من الفتاوى بضروره الجهاد ضد روسيا. ويذكر على سبيل المثال فتاوى كل من العلماء ميرزا عيسى فراهانى (الميرزا الكبير).. ميرزا ابو القاسم كيلانى (القمى).. واقا سيد على طباطبائى اصفهانى (الكربلائى) وايضا جعفر كاشف الغطاء النجفى الذى سبق باصدار هذه الفتوى عام 1809((99)).

ادت هذه الفتاوى الى دفع الحكومه نحو حشد جيش لقتال الروس.. وبسبب اختلال موازين القوى والتقنيه والتفاوت الحضارى، هزم جيش المسلمين الايرانيين واصبحت المملكه تحت التهديد المباشر للقوات الروسيه المسيحيه.

وبالنتيجه المنطقيه اصبحت الموسسه تواجه خصمين كبيرين احدهما عدو ايديولوجى، واعنى المسيحيه الروسيه وهيمنتها على دار الاسلام، اما العدو المباشر فهو الملك الذى اصبح مسايرا للنفوذ الاجنبى ومتواطئا مع املاءاته الايديولوجيه ايضا (التبشير والالحاد) ومحاوله اختراق الاسلام بمذاهب مشبوهه كالبهائيه والبابيه.. كل ذلك ادى الى تحول الموسسه الى قياده وطنيه للشارع الاسلامى فى ايران والعراق.

فوق هذا وذاك كان للموسسه عدو غير مباشر تحتك به فى العراق تحديدا واعنى الحكومه العثمانيه التركيه.. ومما يجدر ذكره ان تلك الفتره تميزت فيما اضيف الى عوامل الصراع المستجده ما يمكن ان نسميه بروز الفكره القوميه فى اوروبا وزحفها باتجاه الشرق الاسلامى..

ومعلوم ان الاتراك كانوا يحقدون، او بالاحرى لا يحبون المجتهدين الشيعه عربا وفرسا ولا يثقون بهم لاسباب مذهبيه، اضيف اليها بعد ذلك النزعه القوميه المتسلله من اوروبا المسيحيه. واذا اضفنا عاملا آخر مستجدا ايضا هو بدء النفوذ البريطانى، لادركنا مدى المهام الكبيره التى اضطلعت الموسسه الاسلاميه الشيعيه بمواجهتها فى نهايه القرن التاسع عشر، وتحديدا فى زمن الملك ناصر شاه الذى توفى عام 1896.

يذكر فى هذا المجال فتوى الشيخ الشيرازى بتحريم التبع والتنباك عام 1892 فى مسعى لتحجيم النفوذ الانكليزى فى ايران.. وقد تولى المجتهد الشيرازى المرجعيه بعيد وفاه الشيخ مرتضى الانصارى عام 1281ه 1882 م. وبعكس ما كان عليه السلف من حياد وعدم تدخل ظاهر بالسياسه فان الشيرازى باشر الهجوم بطريقه تركت بصماته على تاريخ تلك المرحله..

وادت الفتوى الى حركه حاده للشارع فى طهران (ضد الشاه) بما فى ذلك اغلاق البازار((100))، والحصول اخيرا على وعد من الشاه بالغاء الامتياز الذى حملته شركه بريطانيه. وقد وجه القيصر تهنئه للشيخ الشيرازى على ذلك. يوثر عن الشيخ حسن الشيرازى قولته الشهيره التى توصف بطريقه وضاءه جوهر الموسسه ورجل الدين بعامه فى الاسلام (لئن رايت العلماء يقفون على ابواب الملوك فقل بئس العلماء وبئس الملوك، ولئن رايت الملوك على ابواب العلماء فقل نعم العلماء الصالحون ونعم الملوك.. اطاعه اللّه قبل اطاعه الملوك).

- الموسسه من الثوره الدستوريه الى الثوره

الاسلاميه: يوثر عن الفقهاء الشيعه انهم الطليعيون فى الموسسات الدينيه الاسلاميه فى سعيهم الى تحديث الدوله الملكيه بالدستور.

يختلف الباحثون فى تعليل الاسباب التى دفعت الى مطالبه الموسسه الشيعيه الملوك القاجاريين بوضع دستور للدوله..

ينحو بعضهم الى القول ان ذلك لم يتم بسبب تاثير النهضه الغربيه نحو تكوين الملكيات الدستوريه او الجمهوريات، بل انهم يوكدون ان الدافع الرئيسى كان مسوقا بالسعى الى تحجيم الدور الغربى المتزايد فى بلاد المسلمين((101))، وخاصه فى عهد الملك ناصر شاه الاستبدادى والممالى‏ء او المستعين بالنفوذ الاجنبى ضد المعارضه الدينيه فى ايران.

طالب المجتهدون وخاصه السيد محمد الطباطبائى احد تلامذه الميرزا محمد حسين شيرازى لتشكيل مجلس شورى شعبى لاقامه العدل فى البلاد. وعلى ايه حال فقد اغتيل ناصر شاه عام 1896 م على يد احد تلامذه السيد جمال الدين الافغانى، ولم يكن ابنه الذى خلفه باحسن حال منه، خاصه انه وقع تحت سيطره رئيس وزرائه المعارض لهذا الاتجاه لخوفه من نهايه الدوله القاجاريه.

ورغم الخلافات بين العلماء فقد تم تحالف بين كبارهم وهم السيد محمد الطباطبائى والشيخ فضل اللّه النورى والسيد عبداللّه البهبهانى:((102)) تلا ذلك اضطراب شديد فى الشارع الايرانى واعتصامات فى حرم مسجد شاه عبد العظيم الى ان استجاب للمطالب عام 1906- (13 كانون اول)، وبسبب من مخاطبه رئيس الوزراء عادت الاضطرابات والمظاهرات والقتل فى الشوارع، بما فى ذلك اللجوء الى السفاره البريطانيه والاعتصام بها حتى تتحقق مطالبهم..

يختلف المورخون فى تعليل اسباب اللجوء الى سفاره بريطانيا، او بمعنى آخر الاستعانه بالنفوذ الانكليزى ولماذا لم يتم اللجوء الى السفاره العثمانيه الاسلاميه مثلا؟!! يعتقد بعضهم ان السفاره البريطانيه استغلت لجوء العلماء الى قم لدفع الجماهير اليها((103)) ويوكد آخرون ان رساله السيد بهبهانى الى السفير البريطانى التى يطالب فيها التوسط لدى الشاه كانت بمثابه فتوى للجماهير للاتجاه نحو السفاره((104))، مشيرا الى النشاط الكبير للعملاء الانكليز فى ايران للدفع بهذا الاتجاه.

ومهما كانت الاسباب ونظرا لنجاح الفقهاء فى الحصول على الدستور بصدور المرسوم الملكى المسمى (فرمان متمم مشروطت)((105))والذى ينص على انتخاب مجلس الشورى الاسلامى، فان السوال الذى يطرح نفسه هو: لماذا لم يدفع الفقهاء باتجاه تكوين جمهوريه اسلاميه كما فعلوا بعد ذلك بثلاثه وسبعين عاما (اعلن الدستور فى 12 ايلول 1906 23 رجب 1324 واعلنت الجمهوريه الاسلاميه فى ايران فى 12 شباط 1979؟؟ غنى عن القول ان الانتخابات التى تلت لم تحقق آمال الاسلاميين بمملكه اسلاميه، وظل العلماء فى خشيه من اعلان الجمهوريه بل عارضوا ذلك بسبب اعتقادهم ان ذلك يودى الى زياده النفوذ البريطانى فى البلاد.

انتهت الدوله القاجاريه كما كان متوقعا وتسلم الجنرال رضا بهلوى السلطه واعلن نفسه ملكا عام 1924، ولانه يعلم تماما اهميه الموسسه الدينيه فى حياه البلاد فقد حاول يائسا رفع يدها عن الاوقاف وتطويق نفوذها.. وقام باجراءات تحديثيه لادخال البلاد الى رحاب القرن العشرين المتسم بالتقدم العلمى والتقنى الهائل.. ويبدو ان العلماء بسبب عدم ثقتهم به، وبالرغم من محاولاته التصالح معهم والتودد اليهم بما فى ذلك منحهم 5 مقاعد فى البرلمان وحقهم فى نقض التشريعات اذا كانت تتناقض وروح القرآن الكريم، فانهم وقفوا ضد كل محاولاته التحديثيه، وقتل فى سبيل ذلك الكثير((106)).

استمر النضال متصلا فى عهد ابنه الشاه محمد رضا بهلوى الذى استلم السلطه بعد ابيه ولكن الصراع كان اشد مراره..

وكانت الاتهامات الموجهه اليه بالغه الخطوره منها، ان بلاطه اصبح ماوى للبهائيين والماسونيين وانه احيى الطقوس الفارسيه القديمه واعترف باسرائيل وآوى اليه افرادا من قياده الحركه الصهيونيه. فى هذا الخضم كان للموسسه الدينيه ان تتخذ اتجاها اكثر جذريه وعمليه بظهور الامام روح اللّه الخمينى((107)).

الامام الخمينى ونظريه الحكم:

ولد الامام الخمينى عام 1900 وكان والده من كبار العلماء.

تتلمذ على يد آيه اللّه شيرازى درس فى مدينه النجف وبعد مجيئه الى ايران قام بالتدريس فى مدينه قم((108)).

استعادت هذه المدينه دورها عندما عاد اليها السيد عبد الكريم حائرى يزدى عام 1920 عندما اندلعت ثوره العراق ضد الانكليز.

وبرز بعد تلك الفتره عدد كبير من العلماء المشاهير منهم السيد البروجردى: والسيد الكلبايكانى، والسيد الخنسارى ومرعشى وشريعتمدارى والسيد صدر الدين صدر، وكلهم اصبحوا من كبار المجتهدين عام 1935.

تزوج الامام الخمينى 1927، وكان يلقى بعض دروسه فى المدرسه الفيضيه فى قم وبدا معارضته للشاه بشكل سافر وشرس، ومما يذكر ان تلك المعارضه بلغت ذروتها عام 1963 ضد النفوذ الامريكى والاسرائيلى فى ايران. اعتقل ثم نفى من ايران عام 1964 حتى وصل الى مدينه النجف التى بقى فيها 13 عاما.. اغتيل ابنه مصطفى فى العراق 1978 م، وتوفى ابنه الثانى احمد بالسكته الدماغيه فى ايران 1995.

شملت الثوره كل ايران احتجاجا على اعتقاله ونفيه حتى عاد الى البلاد منتصرا ليوسس الجمهوريه الاسلاميه 1979.

يقول الامام الراحل بولايه الفقيه. اما فى زمن الغيبه الكبرى فلا بد من وجود نظام يجب ان يكون عادلا سلاطين هذا الزمان ليسو ولاه الامر ولكن هذا لا يمنع من دعم النظام لان وجود نظام خير من اللانظام (مستندا الى فتاوى الائمه الطوسى والمجلسى والميرداداماد)، ولا باس من التعاون مع الحكومه اذا دعت الحاجه.

ويهاجم الامام حكومه الشاه بانها بعيده عن العداله بسبب وجود مستشاريين كفارا ومشبوهين((109)).

ايد الامام الخمينى فى آرائه السيد شريعتمدارى بتعديل بسيط وهو ضروره العمل على قيام الحكومه الصالحه (لم يقل حكومه اسلاميه دينيه) والحل الوسط فى زمن الغيبه الكبرى هو قيام جمهوريه اسلاميه مقترنه بالاقتراع الحر والبرلمان الذى يراقب اعمال السلطه التنفيذيه.

ربما كان اجتماع قم عام 1964 من ابرز الانشطه التى قامت بها الموسسه هادفه الى تحديد شكل نظام المستقبل على ضوء الاسلام (مباحث فى المرجعيه الروحانيه) ولعل اهم ما فيها: النص على ان يكون المجتهد على اتصال مباشر ومستمر بمشكلات الحياه المعاصره وان ينصرف الى دراستها على مستوى التخصيص، كما يقرر السيد عبد الكريم يزدى.

وكان الاهتمام من جانب آخر منصبا على مساله الحديث النبوى، فقد اقر المجتمعون ضروره التحقق من صحه الاحاديث.. وابراز وتثمين دور العلامه الحر العاملى فى كتابه (وسائل الشيعه) كمرجع فى هذا المجال((110)).

يمكن القول ان الموسسه سعت للمره الاولى الى خلق التنظيم الثورى السرى للاطاحه بالنظام القائم((111)).. وكان لتاثير الامام الخمينى وجاذبيته دور كبير فى استقطابه معظم المرجعيات فى الموسسه الدينيه، وتمت مرحله العمل، بدءا من وعاظ وخطباء الجمعه، ومراقبه السلطه وملاحقتها وكشفها وصولا الى شن الحرب على عملائها وعلى راسهم البهائيين الذين دعم بروزهم الاستعمار البريطانى. وهكذا تم تدمير محفلهم فى ايار 1965 وملاحقتهم واعدام قادتهم.. حتى هذه الايام.

نظره فى موسسه النجف:

تمكنت الموسسه الاسلاميه الشيعيه من الاستمرار موحده رغم كل العقبات، لكن موسسه النجف فى مطلع القرن تميزت بمهمات مختلفه جاء على راسها النضال ضد الاستعمار البريطانى وقياده اكبر ثوره فى تاريخ العراق الحديث وهى ثوره 1920 التى اندلعت بدءا من جنوب العراق.

قبيل الغزو البريطانى للعراق فى الحرب العالميه الاولى وانهاء الوجود العثمانى فيه، صب علماء النجف جهودهم للدفاع عن ايران ضد الغزو الروسى، فقد اصدر السيد كاظم اليزدى المرجع الاكبر فى النجف عام 1911 فتوى بالجهاد الشامل ضد الهجمه الاوروبيه على دار الاسلام مما جاء فيها((112)). (اليوم هجمت الدول الاوروبيه على الممالك الاسلاميه من كل جهه فمن جهه هجمت ايطاليا على طرابلس الغرب، ومن جهه اخرى روسيا بتوسط عساكرها احتلت شمال ايران، وبريطانيا تدخلت جنوبها وهذا موجب لاضمحلال الاسلام فلهذا يجب على عموم المسلمين من عرب وعجم ان يهيئوا انفسهم لدفع الكفر عن الممالك الاسلاميه(...) حتى تبقى المملكتان العثمانيه والايرانيه مصونتين محفوظتين..) فلم تكن الموسسه الشيعيه تفرق بين قطر وآخر رغم عداء الدوله العثمانيه الشديد لها، فقد قتل مراد على سبيل المثال خمسين الف شيعى عند احتلاله للعراق عام 1638 م. وغنى عن القول ان الموسسه بكاملها عملت على استنفار مسلمى العراق وتهيئهم للتصدى وتجهيز المال والسلاح فى سبيل ذلك.

وكان نشوب الحرب العالميه الاولى دافعا جديدا لاستمرار التعبئه فى صفوف الموسسه فى العراق، فقد تم احتلال الفاو عام 1914، 14 تشرين الثانى. وكانت المفاجاه الكبيره للحكومه العثمانيه ان يبادر علماء النجف الى اصدار الفتاوى بالجهاد ضد الانكليز((113)).

ورغم الاضطراب فى المصادر فليس من شك فى ان المسلمين العراقيين قاتلوا القوات الانكليزيه فى معارك متواصله انتهت اخيرا الى الهزيمه. وتحاول المصادر التركيه اتهام العرب بالخيانه وخذلان الجيش العثمانى التركى فى قتاله، ولكن لم يثبت ذلك فى اى مصدر محايد علما ان الثوره العربيه بقياده الشريف حسين لم تكن قد اعلنت بعد.. وقد اتهم السيد كاظم اليزدى بالتراخى فى الحشد بحيث اصبحت التهم تمثل نقطه حساسه فى التاريخ المعاصر للعراق((114)).

ويحاول بعض المورخين التشكيك بهذا الحكم حول السيد اليزدى مقارنين ذلك بذات الشكوك التى اثيرت حول السيد جمال الدين الافغانى. هذه الشكوك اثيرت ايضا حول دور السيد اليزدى فى ثوره النجف عام 1918. وفى تصورى ان تلك الشكوك تحيط دائما بالمرجع الاول فى الظروف المصيريه..

تماما كما قيل عن السيد الخوئى فى انتفاضه جنوب العراق الاخيره ابان حرب الخليج الثانيه، تماما كما اثير حوله من تقولات بعيد انتفاضه الجنوب فى صفر 1976. لقد تداخلت امور كثيره ومعقده فى مساله التصدى للاستعمار البريطانى فى هجومه على العراق، فليس من شك فى ان قسما من الموسسه الشيعيه كان يرغب فى التخلص من الاتراك الذين اضطهدوا الشيعه بوسائل اثبتها التاريخ. وعندما حدثت ثوره النجف على الاتراك عام 1915 ابان الحرب، وتمكن اهل النجف من تحرير مدينتهم وحكمها، كان المرجع الاول يقف ومعه العلماء ازاء معادله بالغه الحساسيه، فاحتفظوا بموقفهم من الاستعمار البريطانى ولكنهم ثمنوا ايضا طرد الاتراك من النجف((115)).

ليس من شك فى ان الحكومه العثمانيه لم تحسن التعامل مع العرب المسلمين وهى تواجه الانكليز.. وياتى ذلك مصداقا للفوضى والعنصريه وسيطره العناصر الصهيونيه على راس السلطه فى اسطنبول.. لهذا لا يمكن الحكم ابدا بان العرب خانوا دينهم عندما خذلوا الاتراك.. فقد خسر الاتراك معركتهم فى الجنوب الاسلامى منذ زمن بعيد وعليهم وحدهم تقع المسووليه.. لقد كانوا السبب الرئيسى فى التخلف الذى ادى الى وقوع المسلمين العرب فريسه سهله بيد الصليبيه الغربيه الجديده.

وقد اصبح معروفا بعد ذلك دور الموسسه فى ثوره العشرين خاصه بعد تولى الميرزا محمد تقى الشيرازى المرجعيه الكبرى عام 1919((116)). ومما يذكر فى هذا المجال دور جمعيه النهضه الاسلاميه التى عكست اسلوب علماء الشيعه فى التفكير السياسى بمداه الواسع((117)). فقد كانت الجمعيه تفكر بالوحده الاسلاميه الشامله والاستقلال وقد اسسها السيدان احمد على بحر العلوم والشيخ محمد جواد الجزائرى.. وقد ساهمت هذه الجمعيه باكبر نشاطا ثورى ضد الاستعمار البريطانى للعراق، ولكنها تعرضت لضربه قاسيه انهت دورها الذى لم يستمر طويلا.

ولعل دور هذه الجمعيه يشابه دور حزب الدعوه الاسلامى الذى تاسس بعد ذلك بزمن طويل وكان للسيد محمد باقر الصدر رحمه اللّه الدور الاكبر فى تاسيسه، هذا الحزب الذى ضم فى صفوفه ولدى السيد محسن الحكيم، محمد باقر، ومهدى الذى اغتالته المخابرات العراقيه فى الخرطوم.

السيد محمد باقر الصدر:

تنبع اهميه هذا المرجع الدينى البارز وخطورته على السلطه الاستبداديه فى العراق من كونه مشروعا متكاملا اسلاميا وليس مجرد مرجع وثقف اسلامى وحسب.

تداولت الجماعات الاسلاميه كتبه منذ الستينات برنامجا ثقافيا فى حياتها الحزبيه الداخليه.. فقد وضع فى بدايه النهضه العربيه الحديثه وخاصه القوميه منها مجموعه من الدراسات التى تحدد اطار دوله اسلاميه متكامله. كتب فى الاقتصاد الاسلامى والفلسفه الاسلاميه ووضع دستورا لدوله اسلاميه وقواعد لبنك اسلامى.. بل انه صار ابا روحيا لحزب اسلامى كبير.. رغم انسحابه منه بطلب من السيد محسن الحكيم((118)) المرجع الاكبر فى العراق حتى عام 1972. كان السيد الصدر للجميع رغم كونه شيعيا بارزا يقترب من المرجعيه فى زمن المرجعيين الكبار امثال الخوئى والخمينى وغيرهما.

ومع ذلك فقد رفض ان يغادر العراق وصار رمزا لموسستها الدينيه الناهضه. لكل هذه الاسباب ولانه كان مشروعا ربما يكتمل ويشكل الخطوره الاكبر التى توقعها النظام ومن وراءه فكان لا بد ان يتم اغتياله وهذا ما حدث عام 1980 فى نيسان حيث اعدم فى سجن بغداد وشقيقته بنت الهدى.

قام الشهيد بدور بارز فى التنسيق بين المرجعيات ان فى العراق او خارجه. ورغم ما كان يبدو من سلبيه المرجع الاكبر السيد الخوئى فانه ظل يتعاون معه بشكل سرى، خاصه تجاه حملات التسفير التى طالت بشكل رئيسى طلبه العلوم الدينيه فى النجف من حمله الجنسيات الاجنبيه بهدف الضغط على مرجعيتها بعد رحيل السيد الحكيم والتى استمرت من 1970 1975. قاوم السيد الصدر سلبيه المرجعيه العليا، الا انه اتفق مع السيد الخوئى على اصدار فتوى او حكم فقهى يحرم بمقتضاه سفر الطلبه خارج العراق، بما يعنى ذلك (اى السفر) من تفريغ النجف من هيمنتها الدينيه فى العالم الشيعى((119)).

لقد احيا الشهيد اول تنسيق بين مرجعيات النجف بغيه تحقيق الاهداف المشتركه. وفى سبيل ذلك تعرض لحمله من الاتهامات والتشكيك من قبل عناصر من الموسسه الدينيه فى النجف. فهو يومن بعدم فصل الدين عن السياسه وبولايه الفقيه، وهذا يعنى نشاطا علميا وسياسيا متزايدا، كان له ان يثير غضب السلطات الحاكمه فتعمل على اعتقاله مرتين وحصاره فى منزله بعد فرض الاقامه الجبريه عليه حتى اعتقاله الاخير فى 8 نيسان 1980 حيث نفذ فيه حكم الاعدام فورا دون محاكمه((201)) مع اخته بنت الهدى (رحمهما اللّه)((121)).

ومما يجدر ذكره ان الامام الخمينى ارسل له رساله يطلب منه فيها عدم مغادره العراق موجهه من اذاعه طهران عام 1979 فى الشهر الخامس، وقد قام الشهيد بالرد عليها مهنئا بقيام الثوره الاسلاميه فى ايران. ويبدو ان تلك الرسائل جعلت موقف السيد الصدر اشد حراجه امام السلطات((122)).

كان رحيله فاجعا لدى العالم الاسلامى بكامله. ولدى المسلمين الشيعه وصل الى درجه الفجيعه كما رحيل الحسين رضى اللّه عنه قبل ذلك بالف واربعمائه من السنين((123)).

المرجعيه الشيعيه المعاصره:

بعيد الرحيل المتوالى لكل من الامام الخمينى قائد الثوره الاسلاميه فى ايران والامام ابو القاسم الخوئى المرجع الاكبر فى النجف الاشرف، تولى السيد على خامنئى مرشدا للثوره فى ايران مالئا اى فراغ يمكن ان يثير اضطرابا فى الجمهوريه الاسلاميه بينما بقى النجف يعانى من هذا الفراغ الكبير وقد هجر كبار المراجع والمجتهدين خارج وطنهم بسبب اضطهاد النظام وانتفاضات النجف والجنوب العراقى المتواليه.

بهذا اصبح مركز الثقل للموسسه الشيعيه مستقرا فى ايران الاسلاميه. لقد كان الامام الخمينى وليا فقيها بكل ما فى هذه الكلمه من معنى، فهو قائد الدوله وملهم الثوره الاسلاميه المعاصره فى كل ارجاء العالم وليس لدى الشيعه فحسب. فى ظروف كهذه ثار جدل صحفى حول المرجعيه الشيعيه، وساهم كتاب فى ابداء افكار، وكان ذلك نابعا من اهميه دور الموسسه الشيعيه الثورى فى مناطق متعدده فى العالم بما فى ذلك تصدى الجمهوريه الاسلاميه فى ايران للامبرياليه الامريكيه منذ نشوئها عام 1979.

يعتبر بعضهم على سبيل المثال ان هناك تنافسا يجرى بين المرجعيات وخاصه بعد رحيل عدد كبير منهم: السيد الخوئى والسبزوارى فى العراق والسيد كلبايكانى والسيد اراكى. وفى رايهم (تنبع اهميه المرجعيه فى مسووليتها على البت فى الامور المستحدثه والقرارات المصيريه التى تمس وجود الامه وسيادتها. وما يجرى من الاجتهادات حول المرجعيه لا يمكن ان يوصف بانه صراع قوى، واذا وجد فهو ليس داخل الحوزات الشيعيه بل ان الصحيح المسموع مئات من خارجها.

ويبدو ان السيد محمد حسين فضل اللّه لا يبتعد كثيرا عن هذا الراى بان على المرجعيه الدينيه ان تتولى انطلاقه جديده تتجاوز الاطر التى وضعت نفسها فيها او التى فرضت عليها..

وان تمارس دورا ايجابيا فى كل نواحى الحياه على طريقه الامام الخمينى((124)).

(فالعالم الاسلامى يسبق المرجعيه بالتطور.. فالمرجع عاده يستجيب لنداء الواعين من الامه فيصدر عنه موقف مويد.. لقد كانت الحوزه العلميه فى النجف الاشرف والتى تمثل مركز المرجعيه الشيعيه فى العالم الاسلامى حتى الخمسينات يرفض جوها العام مجرد التفكير فى الشوون السياسيه)((125)).

ان محتوى هذه الاقوال تبدى توجها ايجابيا نحو دور جديده للموسسه الشيعيه بعامه تتولى فيه الهجوم وليس وقوفها فى ميزانها مدافعه عن مواقعها باتخاذها مواقف سلبيه. وباعتقادى فى ضوء ما اوردناه عن هذه الموسسه فانها لم تكن سلبيه الا فى فترات محدوده.. وقدمت سواقى من الدماء، قديما وحديثا، ولكن ما يبدو واضحا ان تحسس المراجع بعنف الهجمه الجديده للامبرياليه والانظمه المواليه لها على القوى الاسلاميه (والشيعه فى راس داعميها) والمشاركين فيها، فان الهجوم هو افضل وسائل الدفاع.

يتطلب الامر اذن توفر شروط جديده فى المراجع بما فى ذلك القبول باتحادهم وتشاورهم بما يخلق موسسه يصعب اختراقها، مع اطلالتهم الشامله على كافه جوانب الحياه المعاصره ومتابعه المستجدات والمرونه تجاهها وتشجيع الشباب مع الحفاظ على جوهر المذهب الامامى فى مساله تعدد المرجعيات والتقليد، ومتابعه الاجتهاد المنفتح على الحياه وتطورات السياسه العالميه. ولعل اهم ما يميز هذه الموسسه باستمرار (ثباتها فى القضايا الاساسيه فى مواجهه ايه عناصر ضاغطه من ايه جهه كانت.. وانها كانت فى اعلى مستوى من التقوى والفقه والوعى الاجتماعى)((126)).

الموسسه الوهابيه السعوديه:

مدخل:

تنبع اهميه دراسه هذه الموسسه من اهميه الموقع الذى تحتله المملكه العربيه السعوديه فى العصر الحديث، استطرادا الى كبر المهام المنوطه بهامن قبل الامبرياليه الامريكيه فى ظل النظام العالمى ومخططاته المعلنه للسيطره على العالم الاسلامى. فهى تمتلك حوالى ثلث موارد البترول المكتشفه فى بلدان العالم، وقد غدت اكبر منتج للبترول بعد روسيا واول مصدر له فى العالم، وصارت اكبر مصدر للراسمال السائل، وامراوها من اغنى اغنياء العالم((127)). زياده على ذلك فقد تولت المملكه العديد من المهام نيابه عن الولايات المتحده الامريكيه خاصه فى افغانستان فى مواجهه الاتحاد السوفيتى السابق، وانفقت فى سبيل ذلك مليارات الدولارات، وكانت النتيجه النهائيه دمار ذاك البلد المسلم.

مولت السعوديه الحرب المعلنه من قبل النظام العراقى على جمهوريه ايران الاسلاميه باوامر مباشره من امريكا 1980 1988.

كان لها دور سلبى فى القضيه الفلسطينيه سجلته العديد من الدراسات، وبالخصوص رفضها التدخل لدى الولايات المتحده فى مساله التصويت على قرار التقسيم عام 1947((128))، ورفضها استخدام النفط كسلاح للحد من تاييد السلطه الامريكيه لليهود فى الامم المتحده.

وهى توثر بشكل مباشر على ميزان المدفوعات الامريكى وعلى سعر الدولار فى البورصات العالميه وعلى سير النزاع العربى الصهيونى وعلى استقرار الانظمه فى بعض الدول الناميه كالباكستان على سبيل المثال. وفوق هذا وذاك فان فيها قبله المسلمين فى مكه ومرقد رسول اللّه(ص) فى المدينه المنوره (يثرب) مما يجعلها مركز استقطاب المسلمين فى جميع انحاء المعموره.

جعلت من ارضها مركزا لاكبر حشد مسيحى فى التاريخ ضد بلد مسلم مجاور هو العراق (بصرف النظر عن طغيان النظام هناك) وبحيث يبدو من مظهر تطور الاحداث ان الهدف النهائى للسعوديه وحلفائها شعب العراق المسلم وليس النظام الحاكم فيها. وكانت الحرب المعلنه عام 1991 كانون اول 17 منعطفا حادا فى القرن العشرين ادى الى بروز ما سمى بالنظام العالمى الجديد، (وحيد القطب) ما مهد للخطوه التاليه فى التسويه الشرق اوسطيه وتثبيت دعائم الكيان الصهيونى المهتزه.

واخيرا جاءت فتوى الموسسه الدينيه فيها، من قبل الشيخ ابن باز خاتمه المطاف بايجاد تغطيه دينيه اسلاميه للاستسلام الجارى من قبل الانظمه الاسلاميه امام الامبرياليه الصليبيه الصهيونيه الجديده.

 - محمد بن عبد الوهاب:

لم يكن هذا الداعيه الاسلامى عمليا بمستوى الشهره الكبيره التى نالها فى حياته المديده. هناك فى اعماق نجد وتحديدا فى القريه التى ولد فيها وتلقى العلم على والده الشيخ عبد الوهاب، لا يمكن ان نتصور وجود مصادر متقدمه تتيح له ان ينهل منها بما يجعل منه عالما بارزا فى الدين.

ولد فى العيينه عام 1703 م 1115ه فى ظروف بالغه التخلف اتسمت بها المنطقه والظروف المحيطه. وحتى لا يظن ان التخلف متعلق بالدين الاسلامى فلا بد من الاشاره الى الوضع القبلى والاقتصادى والحضارى الذى يسم الواقع فى تلك المنطقه القابعه فى عمق الصحراء العربيه. ورغم كل الجهود التى بذلت وتبذل فى سبيل تحضير المجتمع البدوى فى الجزيره العربيه فلا يمكننا الجزم بان كبير تقدم قد احرز، ولا زالت الجزيره العربيه فيما يسمى بالمملكه العربيه السعوديه الان، من اكثر المناطق تخلفا فى العالم.. وهذا الوضع لا علاقه له اصلا بالدين الاسلامى.

على ايه حال فان الثقافه الدينيه تتاثر خصوصا فى مجال التربيه والتعليم بالوضع الاجتماعى السائد، ومع كل ما يقال عن عادات سادت حول قتل رجال الدين كما فعل اهم القصيم مثلا((129))، او ما اورده ابن غنام فى كتابه (روضه الافكار والافهام)((130)) عن تقاليد الاعتقاد الاجتماعى بقدسيه الاحجار والاشجار، وعن التفسخ السياسى والشرذمه الواقعيه بين الحكام والامراء، نجد ان المورخ الرسمى يعمد الى استثناء الحاكم السعودى حاكم الدرعيه من هذه الصفات ويصفه بناشر التعليم ومثبت الامن والنظام والاستقرار، فى حين يهاجم كل الاخرين.

وفى الواقع لا يمكننا نفى التحيز عن مورخى تلك المرحله، ويظل ما كتب عن تطور حياه محمد بن عبد الوهاب عرضه للتمحيص واعمال العقل. فقد تزوج الداعيه وعمره اثنا عشر سنه وتلقى عن ابيه من العلم ما اهله لكى يناظر ويحاجج علماء المدينه المنوره وعلماء قريته التى يعتقد انها لا تعدو مكانا لا يمتلك كبير اختلاف عن القرى المجاوره من ناحيه التقدم العلمى، مما يثير التساول حول مقدرته على القيام بهذا الدور العلمى فى تلك المرحله المبكره.

فى رحلته الى مدينه الرسول تلقى العلم عن الشيخ عبداللّه بن ابراهيم بن سيف((131))، وكان موضع حفاوه من علمائها وعمره عشرون عاما وهذا بحد ذاته مما يشك فيه حتى حاز على اجازه التدريس على المذهب الحنبلى فى الكتب التى تعلم منها.

واذا نظرنا الى ما كتبه طرف غير محايد ايضا هو البريطانى فيلبى((132))، نرى ان الصوره الدينيه للمجتمع القبلى فى نجد والحجاز لم تكن بتلك القتامه (كانت مراعاه احكام الاسلام صفه لجميع اولئك الذين يحترمون انفسهم فى كافه نجد وقراها، الا انهم كانوا يشفقون على الجهله ويعطفون عليهم بدلا من تسفيههم، وكان عليه القوم يترخصون (يتساهلون) فى تطبيق الشعائر الاسلاميه المفروضه بالنسبه للعلاقات الجنسيه ويهملونها او يتجاهلونها اما معتقداتهم الخرافيه فى تاثير السحر والنذور والاضاحى وقوه الاشجار والصخور وشفاعه بعض القبور واثرها فى الرغبات البشريه فكانت تدليلا كاذبا على مدى جهل السامريين من الناس وكان فى امكان الفريسيين ان يزدروهم او يتجاهلوهم بسبب ما كان هولاء يرتعون فيه من رفاهيه العيش وفرها لهم مركزهم الرفيع.. ولكن بن عبد الوهاب لم يكن يعتقد هذا..).

هل تختلف تلك الصوره المرسومه كثيرا عن الواقع الاسلامى اليوم وخاصه فى الجزيره العربيه بعد ثلاثه قرون من ولاده محمد عبد الوهاب؟.

ان المراقب المتفحص لا يرى كبير اختلاف.. فلا زال العوام (السامريون) والطبقه الغنيه المسيطره (الفريسيون) كما كانوا قبل ذلك مع اختلافات طفيفه طبعا بحكم تطور الزمن، ولا زالت النزعه الانسانيه للقداسه او الاعتقاد بالغامض والخوف منه امران متاصلان فى الذات الانسانيه الاسلاميه وغير الاسلاميه، تقديس الراحلين الصالحين والخوف من السحره والكوارث ومحاوله اتقائها بالنذور... شاهد ابن عبد الوهاب فى مكه والمدينه ما اثار حفيظته مما اعتبره مساسا بالاسلام فى جذوره الاصيله مما نقل عن السلف الصالح، وقد اثاره بالخصوص استغاثه المسلمين بالرسول(ص) والصحابه بمعنى اعتبارهم احياء فى مراقدهم وهذا بحد ذاته يمس عقيده التوحيد كما اعتقد الشيخ. لكل هذا غادر الجزيره كلها متجها الى البصره.

يلف غموض كبير تلك المرحله التى غادر فيها الجزيره متجها نحو الشمال، ويوكد كثير من المورخين انه تجول فى اقطار كثيره كالهند وايران وزار دمشق والقاهره((133)) لم يعرف بالضبط متى غادر الى البصره ولا تاريخ عودته الدقيق الى بلاده، ولكن شكوكا كبيره احاطت بتلك المرحله خاصه اتصالاته بعملاء من المخابرات البريطانيه الناشطه جدا لفرص نفوذها على المنطقه الممتده من الهند نحو ايران والعراق وصولا الى الجزيره العربيه((134)). فى البصره تتلمذ على الشيخ (محمد الجموعى)، ثم طرد من البصره بسبب انتقاداته الشرسه لتصرفات المسلمين هناك ووصمهم بالكفر والخروج عن الاسلام((135)).

عاد الى الاحساء ثم حريملاء حيث كان يعيش والده الى ان توفى الوالد عام 1153ه 1742 م فذهب الى العيينه مسقط راسه ونال حظوه لدى اميرها عثمان بن معمر الذى زوجه اخته جوهره (الزوجه الثانيه)، وكان سبب الحظوه هو اعتقاد الحاكم بافكار محمد عبد الوهاب فى البدع وتنقيه الاسلام. وقد ساعد هذا الحاكم على ازاله ضريح احد احفاد عمر بن الخطاب وكان الناس يتبركون به وكذلك قطعت شجره لها نفس القداسه، مما استفز مشاعر مسلمى البلاد المجاوره وقد انتشر صيته بينهم، وتعرض بن معمر الى ضغط شديد ادى الى الايعاز باعدام الشيخ ولكن خارج المدينه، ولكن هذا الاعدام لم ينفذ لاسباب ظلت غامضه، ويعزوها بعضهم الى عدم رغبه الامير بذلك مكتفيا بابعاده((136)). واخيرا وصل الى الدرعيه التى كان يحكمها محمد بن سعود وكانت شهرته قد سبقته اليها وتوسطت له زوجه الامير فمنحه الحريه المطلقه فى الدعوه هناك. وهنا لا بد من نظره متانيه الى المساله برمتها ذلك ان الغموض يحيط بالاسباب التى جعلت الامير يثق بهذا الداعيه فان ما يرشح من النصوص وما تطرحه الاحداث التاليه من اسئله تجعلنا نرجح ان الطموحات السياسيه الواسعه للامير فى الاقدار نحو الحجاز وتوحيد نجد، مع ما تلقاه من اشارات عن دعم بريطانى واسع فى مرحله اضطراب العلاقات العثمانيه البريطانيه، ومع ما تردد عن تسرب عدد من العملاء البريطانيين الذى تظاهروا باعتناق الاسلام نحو المنطقه برفقه الشيخ عبد الوهاب((137))، اضافه الى بعد النظر الذى تمنع به موسس الدوله السعوديه الاولى، وخاصه فيما يتعلق بان ايه حركه توسعيه لا بد لها من غطاء دينى تحت اسم الجهاد لارساء قواعد الاسلام الصحيح، كل هذا جعل من التحالف الوثيق بين الشيخ والامير سمه مرحله من الانتصارات امتدت ثلاثه قرون من الزمن، ادت فى النهايه الى بروز المملكه العربيه السعوديه بشكلها الحالى.

والغريب فى الامر ان الاتفاق بين الطرفين شمل نصا لبيعه تقول (نبايع على دين اللّه ورسوله وعداء اهل الباطل كما نبايع على عداء كل من عاد الشيخ وموالاه من والاه..)((138)).

توطد التحالف مع محمد بن سعود عام 1745 م واشترط الامير شرطين اثنين قبلهما الشيخ: اولهما ان لا يتركه مطلقا، وثانيهما ان يسمح له بجبايه الضرائب، بمعنى ان تكون للجبايه تغطيه دينيه، ولكن عبد الوهاب رفض الثانيه موضحا ان الفتوحات القادمه سوف تعوض الامير بغنائمها الواسعه عن ايه ضرائب وانها سوف تجعل السكان يلتفون حوله، فبدل عن الاخذ منهم فانه سوف يعطيهم الكثير.. وتعاهد الاثنان على الاخلاص للدعوه، ثم تعاهدا على موضوع اكبر اهميه وهو، القتال فى سبيل نشرها.. وهكذا اصبح الشيخ والامير شخصيه واحده((139)) واتحدت بالنتيجه الموسسه الدينيه والسلطه السعوديه حتى اليوم.

القتال لنشر الدعوه:

لقد عاش الشيخ محمد عبد الوهاب حتى اتيح له ان يشهد سقوط مدينه الرياض بيد آل سعود عام 1187ه.. ومما يجدر ذكره انه عاش 92 عاما وتوفى عام 1206ه. وفى خلال ذلك جرى سفك الكثير من الدماء باسم وتحت شعار تصحيح وتجديد الاسلام، او ربما من اجل مقوله اعاده الاسلام الى اصوله التى كان عليها السلف الصالح (الرسول واصحابه).

ويتساءل دارسو تلك المرحله عن مشروعيه المبررات التى سفكت تلك الدماء من اجلها، وعن اهميه النتائج التى تم التوصل اليها، بما فى ذلك الاشاره الى ايجابيات تاسيس نظام قوى موحد لكامل الجزيره العربيه.. وهنا تجدر الاشاره الى ان غالبيتهم توكد ان الاسلام كايديولوجيا لم يكن له علاقه بكل ما جرى بل على العكس فان ما جرى اساء لهذا الدين ولم يقدم له على صعيد التجديد ايه اضافه تذكر، اما النظام القائم فهو اشهر من ان يعلق على صلاحه واسلاميته. كتب المورخون كثيرا عن مجريات القتال، مما لا بد ان يدفعنا لكى نشير هنا باختصار شديد الى بعضه.. فعلى سبيل المثال تلقى التحالف اول هزيمه كبيره له على يد امير نجران حسن بن هبه اللّه واضطر عبد العزيز بن سعود بعد ان تكبد ما يقارب ال 500 قتيل على دفع الجزيه حتى لا تسقط الدرعيه. وقد اثرت تلك الهزيمه على نفسيه الشيخ واهتزت قداسته فى نفوس اتباعه((140)). وتمت مفاوضات انسحب على اثرها المنتصرون الى نجران.

فى سنه 1216ه 1793 م جهز سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود جيشا من اعراب نجد وكما يقول السيد محسن الامين (وغزا به العراق، وحاصر كربلاء ثم دخلها عنوه واعمل فى اهلها السيف ولم ينج منهم الا من فر هاربا واختفى فى مخبا او تحت حطب وهم جيران قبر ابن بنت رسول اللّه السبط الشهيد ونهبت المدينه وهدم قبر الحسين ونهب جميع ما فى المشهد من الذخائر ولم يرع لرسول اللّه حرمه واعاد باعماله ذكرى فاجعه كربلاء ويوم الحره واعمال بنى اميه والمتوكل العباسى ويقول اهل العراق انه ربط خيله فى صحن المسجد وطبخ القهوه ودقها فى الحضره الشريفه ويقول السيد جواد العاملى: وفى الليله التاسعه من صفر سنه 1221ه قبل الصبح هجم علينا سعود الوهابى فى النجف ونحن فى غفله حتى ان بعض اصحابه صعد السور وكادوا ان ياخذوا البلد فظهرت لامير المومنين معجزات باهره فقتل من جيشه الكثير وعاد خائبا..)((141)).

وكما هو واضح فان مساله القتال لنشر الدعوه بدا حاله فيها من الغزو الجاهلى القديم الشى‏ء الكثير ولم يجد الباحثون فى ثناياها، مع تكرار الشواهد التى اقتبسنا بعضها، مما له ايه علاقه بنشر الدين او اصلاحه.. ولعل ما حدث عن احتلال مكه والمدينه مما سنشير له فى حينه ما يعط‏ى صوره فيها الكثير من سمات البداوه الشرسه التى ظل الرسول(ص) يحاول الحد منها فى زمانه.

اغتيل عبد العزيز بن سعود وعمره 82 عاما فى مسجد الدرعيه من قبل احد سكان كربلاء، ولا بد ان القائم بالاغتيال وهو احد سكان كربلاء كان يقصد ابنه سعود، وقد اقر بان ما دفعه هو الانتقام لذبح الابرياء فى كربلاء ومنهم زوجته واطفاله((142)). يعتبر مورخو المرحله كل من قاوم السعوديين بانه عدو للدعوه الوهابيه ويعددون بعضهم مثل (دهام بن دواس امير الرياض (وهو اكبرهم) ثم امير القطيف، ثم ابن توينى امير البصيره((143)).. وكل هولاء فى المنطقه الشماليه فى نجد.

اما فى منطقه الاحساء حيث الاغلبيه الشيعيه فقد كانت الحروب اشد شراسه، وحوصر على بن احمد صاحب بلاد الشرق حتى استسلم بشروط لكنه اعدم بيد سعود ذاته، اما قبائل الخوالد فى منطقه القطيف فقد انهيت قوتهم عمليا سنه 1204 فى موقعه غريميل التى خاضها سعود بن عبد العزيز((144)) على ضوء ما تقدم قسم المورخون تلك المرحله الى ثلاثه اقسام كان اشهرها القسم الاول الذى تميز بانه مرحله التاسيس وقد برز فيه كل من: محمد بن سعود ثم عبد العزيز بن محمد الذى وحد نجدا واستولى على الطائف ومكه والمدينه ومعظم الجزيره العربيه وبويع بالامامه عام 1765 م، ثم سعود بن عبد العزيز عام 1788 م وهو الذى هاجم كربلاء وقد امتد ملكه من مشارف الشام فى الشمال الى مجاهل الربع الخالى فى الجنوب ومن ساحل البحر الاحمر فى الغرب الى الخليج فى الشرق) وقد احتل مكه عام 1803 وهدم ما فيها من آثار للرسول والصحابه مما ذكره فى رسالته الى السلطان سليم الثالث، وفى عهده شن محمد على باشا والى مصر وعثمان باشا والى حلب الحرب المشهوره عام 1806. وقد توفى عام 1814 وتولى ابنه عبداللّه بن سعود الملك..

وفى عهده تمت هزيمه الدوله الاولى واعتقلوا واعدموا عام 1818 م((145)). بدات المرحله الثانيه فى عهد تركى بن عبداللّه بن محمد بن سعود الذى استعاد 1245ه توازن الاسره واستطاع بعد التفاف البدو حوله من استرداد الرياض عام 1820 م ثم جاء فيصل ابنه الذى ثابر على خوض القتال منذ سنه 1276ه حتى جاء عبداللّه بن الفيصل وهو المشهور بقتال قبائل العجمان والسيطره على الدرعيه 1286ه 1869 م ولكن العجمان تمكنوا من احتلال الرياض ولكنهم لم يغيروا النظام بل ابقوا السعوديين فى السلطه، خاصه سعود الفيصل، وخلفه عبد الرحمن والد السلاله الحاكمه من الاسره وابرز اولاده عبد العزيز آل سعود.

وقد تميزت تلك المرحله بانقسام الاسره وتحالفات جرت مع ابن رشيد امير حائل الذى تمكن من احتلال الرياض عام 1309ه مما الجا عبد الرحمن الى الهجره نحو بلاد اخواله فى الكويت.

كانت المرحله التاليه عمليا هى مرحله عبد العزيز الذى تعلم من مبارك الصباح حاكم الكويت درسا بليغا فى مساله السلطه..

فقد قام الصباح بقتل اخويه حتى يوطد حكمه((146)) وانتهت المرحله الاولى باستيلاء عبد العزيز على مدينه الرياض نهائيا عام 1903. وفى ختام معارك عديده وضاريه وطد عبد العزيز حكمه بمساعده بريطانيا، برز فيها مستشاران بريطانيان: شكسبير ثم تلاه جون فيلبى الذى اعتنق الاسلام واصبح اسمه عبداللّه فيلبى.

ومما يجدر ذكره ان عبد العزيز تمكن من انهاء حكم الاشراف فى الحجاز فى سنه 1925 بما فى ذلك مكه والمدينه والطائف، ثم حاول التحرش بالاردن والعراق ولكن الانكليز منعوه. وهكذا تم رسم الحدود الحاليه لما يسمى المملكه العربيه السعوديه.

وتبعا لذلك تكون الجزيره العربيه قد حملت اسم آل سعود لاول مره فى تاريخ دوله فى العصر الحديث او القديم تصبح فيها الدوله اقطاعيه كامله باسم اسره معينه. ومما لا شك فيه كما يظهر من مسار الاحداث والوقائع التى سجلها المعاصرون ان الاستعمار القديم كان له الدور الرئيسى فى تثبيت وابراز مجموعه كبيره من الانظمه فى المنطقه الاسلاميه: الجزيره، الاردن، العراق، مصر.. وغيرها.

 - الوهابيه:

اصبحت الوهابيه اصطلاحا لحركه دينيه تحمل طابعا اصلاحيا منسوبه الى اسم والد الشيخ عبد الوهاب، اطلقها الباحثون هكذا حتى لا تختلط بالاسلام تبعا لمصطلح المحمديه الذى اطلقه المستشرقون على المسلمين جميعا، نسبه الى الاسم الاول للداعيه المذكور.