لم تكن الخطوره فى النصوص ابدا، بل انها
تكمن عمليا فى
القطاعات الفاعله التى تومن بها وتعمل من اجلها،
فالافكار
تصبح قوى ماديه عندما تتبناها الجماهير. ومعلوم ان
العهد
القديم يولف مع العهد الجديد كتابا مقدسا واحدا
يومن به
المسيحيون فى العالم.. وان هولاء يمتلكون التقنيه
والحضاره
الحديثه والتقدم. وان بعضهم متعصب لكل الخرافات
التى
وردت فى العهد القديم وخاصه فى مراكز القرار
الامريكيه ((255)).
اذن ما هو شكل السلام الممكن تحت ظلال الايمان
بالحق فى
ارض الغير بحدودها المرنه القابله للتمدد، وبحق
الاستيطان
فيها وانها لهم الى الابد. يقول مناحيم بيغن (رئيس
وزراء سابق
مواليد بولندا 1913 والذى وقع معاهده كامب ديفيد مع
السادات): لن يكون هناك سلام لشعب اسرائيل ولا فى
ارض
اسرائيل ولن يكون سلام للعرب ايضا ما دمنا لم نحرر
وطننا
بكامله حتى لو وقعنا معاهده صلح..)((256)). ويقول
جابونتسكى (يهودى روسى من زعماء الحركه الصهيونيه)
(هل
حدث ان تخلى شعب ما عن ارضه برغبته الخالصه اذن فلن
يقبل العرب ذلك الا تحت ضغط الاجبار والقهر..) ويضيف
مستندا الى فصل من سفر الخروج يبرر القتل ومعلوم ان
هذه
النصوص تملا العهد القديم (فانى ارفع الى يديك سكان
الارض
(يقصد فلسطين) فتطردهم من امامكم ولا تقطع مع آلهتهم
عهدا ولا يسكنوا فى ارضك لئلا يجعلوك تخطىء).
يقول المذكور سالفا ايضا (ان الهجوم على العرب ليس
عدوانا
بل دفاع عن النفس). وعلى ضوء هذا الاعتقاد العجيب
يتساءل
الباحث عن اى سلام ممكن قادم وشكل هذا السلام.
ولم يقصر زعماء الصهيونيه فى شرح هذا المفهوم
للسلام، وربما
ظل مناحيم بيغن اكثرهم صراحه فهو فى مذكراته
المعنونه
قصه الارجون (وهى عصابه للقتل كان يراسها مسووله عن
مجزره (ديرياسين) يقول (ان الاسلحه العبريه هى التى
ستقرر
حدود الدوله العبريه، هكذا كان الحال فى هذه
المعركه وهكذا
سيكون فى المسقبل، ان الارض التى وعدنا بها اللّه
ارض
موحده وان ايه محاوله لتمزيق اوصالها ليست جريمه
فحسب
بل انها كفر وضلال(...) لا يمكن ان نشترى السلام من
اعدائنا
بالمصالحه: ان هناك نوعا واحدا من السلام يمكن ان
يشترى
انه سلام المقبره).
اما عن القدس فهى العاصمه الموحده الى الابد، (ولا
بد ان
تعود ارض اسرائيل، الى شعب اسرائيل كلها والى
الابد).والواقع
ان مساله الابد هذه تتكرر كثيرا فى عباراتهم، فلا
بد انهم يرون
الى التحالف القائم مع مصادر القرار من الذين
يومنون نفس
ايمانهم، وبصرف النظر عن الايمان، فانهم يتلاقون
بذات
المصالح على اقل تقدير.
هذه الثقه جعلتهم يحددون خمسين سنه منذ بدايه
الموتمر
الاول عام 1897 لاعلان الدوله على ارض فلسطين،
واضافوا
اليها خمسين عاما لقيام اسرائيل الكبرى وفرض الصلح
على
العرب((257)).
بل انهم رسموا على القطعه النقديه من فئه 10
آغوار خريطه تحدد تماما مساحه اسرائيل الكبرى وهى
تشمل
فيما تشمل: فلسطين، لبنان، الاردن، نصف مساحه سوريا
بما
فى ذلك دمشق، ثلثى مساحه العراق، نصف جزيره سيناء،
شمال الجزيره العربيه حتى المدينه المنوره.. وهناك
تعديل
جديد يجعل حدودها تتصل بالحدود الايرانيه العراقيه
فى
الوسط تماما.
وهناك خارطه منشوره مشابهه توجد فى دائره معارف
الكتاب
المقدس، وكذلك المجله الجغرافيه تضم فى اطهار،
بغداد
والمدينه المنوره حتى خيبر((258)).
هى اذن حدود مرنه تفرضها القوه القاهره والاستسلام
والضعف
المقابلين فى اقطار عربيه جرى ترتيب الانظمه فيها
لقبول
هذا المخطط بعد تحويل شعوبها الى ارانب، (بالقمع
والقهر)
وكما راينا فان المخطط يشمل تعديلا بسيطا حسب مشروع
النظام الشرق اوسطى الجديد، فبدلا من الاحتلال
المباشر
ياتى البديل عبر النفوذ الاقتصادى والسياسى على
المنطقه
الاسلاميه بالشراكه مع الولايات المتحده
الامريكيه (الحليف
الايديولوجى عبر الكتاب المقدس وحليف المصالح
المستقبليه) واعطاء حصه ما لاوروبا الغربيه.
يقول بعض دعاه السلام العرب ان اليهود فى (اسرائيل)
يقبلون
بالسلام على اساس الاتفاقات الحاليه وان السلام
يساعد على
تحجيم الدوله وفى المدى البعيد يودى الى نهايتها..
ويطالب
اليهود مقابل السلام بالتطبيع وهذا يعنى غسل ادمغه
الامه
العربيه من خلال وسائل الاعلام الملتزمه بعدم
اثاره العداء
لاسرائيل وبالحديث عن محبتها وصداقتها وكذلك
بتعديل
المناهج الدراسيه التى تتحدث عن دوله اسرائيل
والصهيونيه
كعدو. وبالمقابل ماذا يجرى عندهم؟
جرى فى الكيان الصهيونى استفتاء على سفر يوشع بن
نون عام
1968((259))
ومقوله ذبح جميع سكان اريحا والقرى
المجاوره. وزعت الاستماره فى مدارس تل ابيب وفى
مدينه
شارون ومستعمرات اخرى بسوال محدد: هل توافق على ما
فعله يوشع بن نون؟ وجاءت الاجوبه معبره فعلا عن
التربيه
الصهيونيه تعبيرا جليا.. فلم يتحدث التلاميذ عن
السلام مطلقا،
فقد قال احدهم (لم يكن لدى يوشع ابن نون وقت لاضاعته
مع
الاسرى، وليس من المرغوب فيه ان يكون فى اسرائيل
عنصر
غريب) هذه الاجوبه تشكل حتى 95% من الاجابات.. وحول
سوال آخر اكثر تطرفا يقول: هل يمكن فى عصرنا الراهن
تصفيه
جميع سكان مدينه عربيه محتله: اجاب 30% من التلاميذ
بشكل قطعى: نعم.
ببساطه ووضوح تظهر الخطط المعلنه للاقتصاد
الاسرائيلى
والاستيطان والهجره ان الحركه الصهيونيه تخطط
لتجميع
اكبر عدد ممكن من اليهود فى فلسطين.. واذا نظرنا الى
هجره
اليهود السوفييت مثلا فان مقدماتها تبدى تجمعا
يسعى لخلق
دوله عظمى ليست حدود فلسطين الحاليه بمن فيها العرب
قادره على استيعابهم.. ويكفى ان نعلم ان موازنه
الاستيطان
وتطور الاستيعاب تصل الى حدود 18 مليار دولار حتى
عام
(2000) لاستيعاب كل المهاجرين الجدد (علما ان موازنه
سوريا
السنويه هى مليارا دولار) قدمت الولايات المتحده
منها قرضا
بمقدار 10 مليارات دولار مقابل تطوير محادثات
السلام مع
الفلسطينيين والاردن فقط.. ومعلوم ان القروض
المدفوعه
لاسرائيل غالبا ما لا تسدد وتعتبر هبات ومساعدات.
فى هذا الكيان يتجمع بالهجره عاده نخب مثقفى
الطائفه
اليهوديه الملتزمه صهيونيا من كل انحاء العالم.
واذا اخذنا مثالا
احصائيا عن مهن اليهود الروس المهاجرين الى فلسطين
من
شريحه مقدارها 20 الفا منهم فاننا نجدها كما يلى:2700
مهندس مدنى 2837 مهندس ميكانيك 2735 مهندس
معمارى 1713 خبير كمبيوتر 1520 مهندس كهرباء 1319
مهندس الكترون 15 مهندس مواصلات 110 علماء وبحاثه من
مستويات عالميه 2270 طبيب 2000 اكاديمى (مدرسو جامعات
وخبراء) 114 بيولوجى 2780 متخصص بالمكتبات 64 صحفى
75 مترجم 30 طبيب نفسى 19 محامى 2642 معلم مدرسه
294 متخصصه فى رياضه الاطفال 1265 اقتصادى 1399
محاسب 1849 فنان((260)).
يبلغ عدد اليهود فى الكيان الصهيونى 5،6 مليون نسمه
حسب
ما هو متوقع عام 1994، وما هو متوقع عام 1996 يصل الى 5،8
مليون والى عشره ملايين فى العام 2000، وهذه الاعداد
مع ما
يبدو من تطور الهجره ونوعيتها التقنيه الطاغيه،
واذا علمنا ان
الجميع من الشباب غالبا، لامكننا ان نتخيل ماهيه
مسار
الاحداث القادمه ومدى حاجه الانظمه العربيه
المشموله
بالخارطه المعلنه الى الحمايه الامريكيه حتى لا
يبتلعوا من
قبل الحركه الصهيونيه.
اما بالنسبه للاتفاقات مع الفلسطينيين فان
مستقبلها معروف
باوضح صوره من خلال نظره الى الخرائط الموزعه على
اليهود
السوفييت الذاهبين الى فلسطين: فهى تحمل عنوان
اسرائيل
الكامله.. وفى هذ الخريطه تختفى تماما معظم معالم
الضفه
الغربيه وقطاع غزه ببقع ملونه تمثل المستوطنات
المزمع
انشاوها.. مشيرا فى الوقت ذاته ءلى ما عودتنا عليه
الاحداث ان
ما خطط له لا يمكن التراجع عنه وان الاستيعاب لا بد
ان يتم
حتى لو ادى ذلك الى طرد الفلسطينيين جميعا من الضفه
والقطاع((261)).
وعلى هذه القاعده نشير الى ان بعض الدول
العربيه خاصه دول الطوق تضع مخططات حدوديه لمنع
دخول الفلسطينيى المطرودين اليها وتدفع باتجاه
عودتهم
الى فلسطين((262))، ولكن فى ظل تفكك عربى
واسلامى هو
احد سمات المرحله.. وصولا الى ان الاوضاع العسكريه
والاقتصاديه والاجتماعيه وانعدام الديمقراطيه
والقمع، توشر
الى استطاعه الكيان الصهيونى منفردا بعيد امتلاكه
لهذا العدد
من المهاجرين، ان يحطم حدود دول الطوق جميعا ويفرض
التهجير.
نظره الى المسيحيه اليهوديه الحديثه:
اما قطاعات واسعه من المسيحيه الاوروبيه
والامريكيه فهى
تتخذ من هذه المقولات عن عوده المسيح وقيام اسرائيل
شعارا لها. ناهيك عن الدوافع الاقتصاديه
والايديولوجيه
المعاديه للاسلام فى اذهان بعض اقطاب الكنائس
المرتبطين
بالسلطات وتفرعاتها من احتكارات اقتصاديه عالميه.
على هذه القاعده عقد فى القدس عام 1988 الموتمر
المسيحى
اليهودى فى نيسان وقد دعا من ضمن ما دعا اليه (دعم
اسرائيل استنادا الى فكرتين هما: علاقه اسرائيل
الخاصه باللّه
كشعب، والثانيه ان عوده اليهود الى فلسطين وتاسيس
الدوله
يعجل بالمجىء الثانى للمسيح والذى احد شروط مجيئه
تاسيس اسرائيل لتحكم من اورشليم العالم ولمده الف
عام)((263)).
يقول احد اقطاب هذه الفكره وهو جون وليم (بخراب
اورشليم
عام 70 ميلاديه اتجه اللّه الى كل الامم ليقيم معها
علاقه
(نقصد عبر المسيح والرسل) وبعد ان انهى زمن الامم
الان عاد
اللّه مره ثانيه ليلتفت الى اسرائيل، وعلامه
انتهاء زمن الامم هى
عوده اليهود الى فلسطين وتاسيس الدوله، ولذلك
فمستقبل
المسيحيين فى العالم يتحدد بدعم اسرائيل ماديا لكى
يعود
المسيح ثانيه).
اما المفكر درهوفن فكان اكثر تحديدا عندما اوضح ان
الكنيسه
التى لا تتبع هذا الطريق سوف تنتهى مثل الدخان، وان
المسيحيه طائفه يهوديه خرجت من اصلها والان يعود
الفرع
الى الاصل ويجب ان يتخلى المسيحيون عن جنسياتهم
ويعودون اسرائيل اللّه... كان من مقررات هذا
الموتمر:
هذا التيار شكل وسائل اعلامه الخاصه ورصدت من اجل
ذلك
مئات الملايين من الدولارات ومن هذه الوسائل: 1-
اذاعه الشرق
الاقصى من كاليفورنيا، شعارها لنذهب الى الصين من
اجل
المسيح (يقصد امريكا). 2- الفتره المخصصه للقس جيمس
سواجارت فى التلفزيونات الامريكيه البارزه حول
استحاله
السلام على الارض، وهو ينادى بالحرب النوويه
ومعركه
مجدون وملك المسيح القادم((266)).
ولعل هذه الاسطوره تلاقى قبولا عند كثير من
المسيحين فى
الولايات المتحده والغرب وتنتشر كالنار فى الهشيم
فى اذهان
الشباب. وما اختيار العام 1999 لنقل السفاره
الامريكيه الى
القدس الا رمزا لنزول المسيح قبيل نهايه القرن. فى
تقريرها
السنوى اعلنت منظمه حقوق الانسان من قبرص عام 1990 ان
جماعات اصوليه مسيحيه توازرها الكنيسه، تسعى الى
تشجيع
الاصوليه المسيحيه المتطرفه والهدف: هو ايجاد عدو
بديل
يفسر على انه موجود الان بعد نهايه الاتحاد
السوفييتى فى
الدين الاسلامى المنتشر فى العالم الثالث. وتتضمن
تلك
الاصوليه الايمان بالالفيه المسيحيه وموقعه
هرمجدون التى
يسيطر فى نهايتها اليهود على العالم تحت وصايه
المسيح
العائد) هذا التقرير يلخص الثغرات التى استطاعت
الصهيونيه
النفاذ منها الى العقيده المسيحيه قديما وحديثا.
ولكن خطوره
المساله تنبع من اقتراب الموعد المحدد فى رايهم
لنزول
المسيح.
والجدير ذكره فى هذا المجال بان ذلك الاعتقاد (اى
عوده
المسيح) ايضا فى التراث الاسلامى فى اوثق الصحاح
المعتمده
وقد وردت فى احاديث متعدده للرسول محمد(ص) مرفوعه
اليه، (اعتقد ان لا اساس لها من الصحه كاحاديث
نبويه) فهى
تتحدث عن مجىء مسيح دجال ينخدع به العالم قبيل
نزول
المسيح الحقيقى، ويتم ذلك قبل يوم القيامه
((267))،
ولم
تحدد الاحاديث زمن النزول الا من خلال علامات يعرف
بها.
وفى التلمود اليهودى((268)) حديث عن المسيا (ويفسرونه
بانه المسيح العائد) الذى يقود ثوره تحرير ضد
الرومان ويحرر
الارض ويعيد المشتتين من اقصى الارض الى اورشليم،
وينسب بن غوريون (زعيم صهيونى تولى رئاسه وزراء
اسرائيل
عن حزب العمل عند تاسيس الدوله، الى رويا الخلاص
المسيائى، ذلك الدور الرئيسى فى توجيه الشوون
والمصائر
اليهوديه نحو وجهتها المعروفه، ومنها نبعت فكره
العوده الى
اسرائيل، كما ينسب الى موسى بن ميمون الفكره
القائله
باسترجاع الكيان السياسى اليهودى فى فلسطين
باعتباره امرا
وثيق الصله لمجىء العصر المسيائى((269)).
ولا يمكن ان ياتى
المسيح او المسيا الا بعد اقامه المجمع الدينى
الاكبر او
السنهدرين فى فلسطين.
هذه النظره التاريخيه المنسحبه نحو الحاضر ترتبط
ببناء
الهيكل او المجمع الدينى الاكبر، وكما هو واضح لا
يمكن ان
يتم ذلك الا على انقاض المسجد الاقصى المبارك.
يقول الشاعر شاليش يفيش (عندما نتمشى فنحن ثلاثه..
انا
وانت والحرب القادمه انا وانت والحرب القادمه
الحرب التى
سنشنها عندما يريد اللّه انا وانت والحرب القادمه
التى ستجلب
السلام لنا جميعا وعندما نبتسم ونحن نمارس الحب
تبتسم
الحرب القادمه معنا).
الفصل الخامس:الموسسات الدينيه الاسلاميه
والفتاوىحول
الصراع مع الصهيونيه
الفتوى
تمهيد:
تجد الموسسه، كما عبر عنها السيد محمد حسين فضل
اللّه،
نفسها مسبوقه بالاحداث فتلاحقها بفتاواها..
المسلمون
يسبقون موسساتهم الدينيه بالتصرف ثم يرجعون اليها
لتقدم
رايها حتى تريح ضمائرهم.
غالبا ما تتهم هذه الموسسات بالرجعيه والتخلف من
قبل
النخب المثقفه، وحتى من قبل بعض اعضائها، ولم يكن
موقف
الشيخ محمد عبده، فى اوائل هذا القرن، وحملاته
الكلاميه
بعيدا عنا، وهو من صلب هذه الموسسه.
بعض القضايا بلغت حدا كبيرا من الاهميه، ولم يكن
ممكنا
التعامل معها بقياس الشاهد على الغائب، ولا بقاعده
لا اجتهاد
مع وجود النص، ولكن باستخدام العقل مع النقل مما
اثار الكثير
من الخلافات بين الموسسات المختلفه وبين عناصرها
فى ما
بينها ايضا. ولم يكن ذلك سلبا دائما (اعنى الخلاف) بل
انه فى
تصورى افاد جهود التبشير الاسلامى، ان لم نقل انه
اغنى
الدين، فالايديولوجيا لا تغتنى لان فيها الكثير من
الثوابت التى
لا يمكن تطويرها او الاضافه اليها، بل يمكن التعامل
معها من
خلال مرونه التاويل والتفسير لا اكثر.
تحتل المصالح المرسله مكانه بارزه فى التاويل
والفتاوى لتبرير
المستجدات. اما من يمكنه تقدير المصلحه، عاده، فهو
حركه
الجماهير باتجاهها، وغالبا ما رضخ المجتهدون
لدواعى هذه
المصالح وضغطها الملح، كما جرى مع تشريع جواز
التعامل مع
البنوك والاعمال المصرفيه الحديثه، فقد اطلقت
العديد من
الفتاوى للتحايل على المساله الربويه((270)).
ومع ذلك، فان
ضمائر المسلمين لم يثقلها كثيرا استمرار التعامل
مع
المصارف بشروطها هى، بل ربما ان الفتاوى بربوبيتها
افادتها
اكثر، فقد اصبح تقليدا خبيثا، مثلا، ان يسال المودع
عن رغبته
فى تقاضى الفوائد ام تركها للمصرف كيما تضاف الى
ارباحه!تلك المفارقه، وامثالها، اطلقت العقل من
عقاله فشهد
العصر الحديث عودا جديدا للتيار المعتزلى فى
مواجهه
(الحنابله) كما يطلق عاده على المتشددين، حتى ان
الذين
اخضعوا التراث للعقل على سبيل المثال، زادوا من حيث
لا
يشعرون من هالته الطقسيه، وهم يسعون لتحرره منها،
فهم
عمقوا اشكاليه احتوائه للانسان المسلم وهم يطمحون
لتحرره
من هذا الاحتواء، واعطوا قوه ودفعا لحضوره
المعاصر، فجعلوا
منه الاشكاليه الاساسيه للفكر العربى المعاصر، فما
كان وسيله
غدا غايه((271)).
وفى اعتقادى ان تراثنا الاسلامى يملك، من الغنى
والابهار، ما
جعل من اولئك الباحثين اسارى له فى واقع حضارى شرقى
لم
يتح له مشروعه النهضوى المستمر فى جو التحديات
الغربيه
الامبرياليه المرعبه((272)). وهكذا تبدو الامه، فى
مواجهه
مازقها الراهن، مقسوره على العوده للتراث لاستقاء
منه وحل
قضاياها المعاصره على ضوئه.
الشخصيه العربيه تتصل بشكل يتراكم جيلا بعد جيل
بالماضى،
تحاول ان تستعين بالثابت للقتال فى مواجهه واقع
متغير
بشكل لاهث متسارع، فى مواجهه الشخصيه الصهيونيه
المتصله هى ايضا بالاف السنين البعيده، مدعومه
بتواصل
العهد القديم، بالعهد الجديد اللذين يشكلان
(الكتاب المقدس)
بما يومن لها تحالفات اكثر متانه مما يملكه الشرق
الاسلامى
الكثيف العدد والمتخلف تقنيا، والذى يرفض
الاستسلام
ويفتش عن ادوات افضل لمتابعه خوض الصراع، (فى اطار)
واقع سلطوى بائس يبحث عن تبرير لاستسلام رتب له منذ
عقود هى ما احتاجه الغرب، لترتيب اوضاع السلطات
المواليه له
حتى يضمن نضج الظروف التى تومن له النصر النهائى،
او ما
يسمونه نهايه التاريخ.
هنا تبرز اهميه الموسسه الدينيه لكى تقدم غطاءها
الجاهز لهذه
السلطات، او من جهه اخرى لكى تقدم مبررات التصدى
بمظله
من ذات الغطاء، واعنى الايديولوجيا الاسلاميه،
وبذرائع تستقى
من ذات المنبع، ولكنها تستخدم العقل لكى يوفر
التبرير
البراغماتى تحت شعار المصالح العامه.
والا.. اليس من الغريب ان يتواجه الطرفان باسلحه
مشحوذه من
ذات المنبع، وهو السنه النبويه والتاويل لايات
القرآن الكريم.
يحضر الباحث مثال مثير للعجب يتمثل فى مواقف هذه
الموسسات من اكبر حشد امبريالى على الارض المقدسه
معززبتحالف اسلامى فى مواجهه المسلمين على الطرف
الاخر
من ارض المعركه، وهو ما جرى فى فتره التحضير لحرب
الخليج الثانيه. يومها قدمت الموسستان الدينيتان،
السعوديه
والازهريه فتاوى تبيح التحالف مع السىء، وهو
الامبرياليه فى
سبيل دفع الاسوا، وهو الجيش العراقى تحت غطاء سلطه
عراقيه يتخذ زعيمها قرار الحرب كما يذهب الى مائده
الطعام
(بافتراض حسن النوايا).
وكانت فتوى الجانب الاول تستند على قاعده فقهيه
تقول
بوجوب (دفع اعظم الفسادين بالتزام ادناهما)((273))
بمعنى
الجواز الاسلامى للاستعانه بالسىء لدفع الاسوا.
اما الجانب
الاخر، فكانت حجته اقوى لان هذه القاعده يمكن ان
تطبق
على كل شىء فى الحياه الا على ما يجرى فى تلك
الظروف،
وبخاصه التحالف مع الغرب) الصليبى الطامع فى ابتلاع
كل
المسلمين واملاكهم. وقد حافظت الموسسه الشيعيه
بالرغم
من جروحها العميقه، على ثباتها كعادتها، وافتت
بحرمه
التحالف مع قوات التدخل الغربيه فى مواجهه بلد مسلم
كالعراق، حتى ان بعض رموز المرجعيه الشيعيه فى
ايران
طالبت بالقتال الى جانب العراق، وكان هذا مستحيلا
طبعا
لاسباب ليس من مجال لذكرها.
فى الموضوع الذى نحن بصدده، وهو فتاوى جواز الصلح
مع
اليهود الذين يحتلون فلسطين، فان الامر يختلف
قليلا
بالدرجه، فهو موضوع معاصر، ولكن له سوابق فى الغائب
الاسلامى البعيد. ذلك ان الرسول محمد(ص) خاض معارك
مع اليهود فى ظروف وان لم تكن متطابقه تماما فانها
تحمل
ذات عناصر الصراع، وربما اسبابه وعلله الظاهره
والخفيه. ومع
غرابه المساله فان الموضوع برمته يشكل تحديا للعقل
والنقل
معا فى الموسسه الدينيه الاسلاميه.. وقد تصرفت معه
كما نعلم
وبالشكل الذى يستوحيه مسارها التاريخى.. مع السلطه
او مع
الايديولوجيا.. مع الدين او مع الخليفه او السلطان.
1- الفتوى: النص والتبرير
واستشهد الشيخ ابن باز بما قام به رسول اللّه (ص)
حينما صالح
اهل مكه المشركين على ترك الحرب عشر سنين.. واجاز
مفتى
السعوديه زياره المسلمين للمسجد الاقصى، واعتبر
ذلك سنه
من السنن التى اقرها رسول اللّه وقال: فى ظل حاله
التفاهم
الحاليه بين العرب واليهود، ان زياره المسجد
الاقصى والصلاه
فيه سنه، اذا تيسر ذلك لقول النبى(ص): لا تشد الرحال
الا الى
ثلاثه مساجد: المسجد الحرام، ومسجدى هذا، والمسجد
الاقصى((274)).
ومن اجل تعليل هذا الحديث الذى يعتبر بمثابه فتوى
لمفتى
الديار السعوديه، تابع الشيخ ابن باز تفسير العلل
الكامنه وراء
هذه الفتوى بانها ما تقتضيه مصلحه الفلسطينيين
ليامنوا فى
بلادهم، ويتمكنوا من اقامه دينهم((275)). لقد جاء هذا
التعليل بعد الفتوى بثلاثه اشهر، وقد اثارت ضجيجا
صاخبا فى
ديار الاسلام، ووقف ضدها عدد كبير من العلماء
المسلمين فى
الموسسات الدينيه الاسلاميه.
ويتابع ابن باز قياس الشاهد على الغائب فى موضوع
قريش
والرسول، فيقول: (رغم ان قريشا اخذت اموال
المهاجرين
ودورهم، كما قال اللّه سبحانه فى سوره الحشر:
(للفقراء
المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم واموالهم يبتغون
فضلا
من اللّه ورضوانا وينصرون اللّه ورسوله اولئك هم
الصادقون)،
ومع ذلك صالح النبى قريشا يوم الحديبيه سنه ست من
الهجره
ولم يمنع هذا الصلح ما فعلته قريش من ظلم المهاجرين
فى
دورهم مراعاه للمصلحه العامه التى رآها النبى
لجميع
المسلمين من المهاجرين وغيرهم، ولمن يرغب فى
الدخول
بالاسلام)((276)).
وهنا يستخدم الشيخ المصلحه العامه مره اخرى فى
تبرير
فتواه، وبما ان تقليد الرسول واجب فان ايه خطوه
مماثله يمكن
ان تقاس على خطوه الرسول هذه، فى اى حرب يخوضها
المسلمون او اى صلح يعقدونه، وكما يبدو فان تقدير
المصلحه
يعود لولى الامر، كما يقول الشيخ.
فى موضوع حساس كهذا فان تقدير المصلحه العامه،
بالنسبه
للرسول، موكد لانه معصوم وملهم من اللّه.. اما ولى
الامر فليس
كذلك، ويحق للرعيه مناقشته فى مساله المصلحه هذه بل
والتشكيك بمقدرته ونواياه وارتباطاته ودينه ايضا..
هذا اذا كان
منتخبا بطريقه الشورى مثلا، ومع ذلك فقد ناقش
المسلمون
الرسول، كما هو مدون، وبعضهم كعمر بن الخطاب اعترض
بلهجه قاسيه، كما تقول كتب التاريخ المعتمده.
ورغم وضوح موقف الشيخ بانه لا يرغب فى الدخول الى
عمق
السياسه العربيه الرسميه، او مناقشه الحركه
الصهيونيه التى قد
لا يكون لديه اطلاع على تاريخها، وله العذر فهو لا
يمكن ان
يحيط بكل العلوم، اقدم على تقديم عله اخرى للفتوى،
فهو
يضيف:
لو ان انسانا غصب دار انسان، واخرجه الى العراء، ثم
صالحه على
بعضها، ورضى ببعض حقه واصطلح مع الظالم فى ذلك، فلا
حرج لعجزه عن اخذ حقه كله، (وما لا يدرك كله لا يترك
جله)، وقال اللّه عز وجل: (فاتقوا اللّه ما استطعتم)
اى على قدر
استطاعتكم وقال سبحانه (والصلح خير) ولا شك ان رضا
المظلوم بحجره من داره او حجرتين او اكثر يسكن فيها
هو
واهله خير من بقائه فى العراء ((277)).
ما يثير الانتباه، فى هذا التعليل، مسالتان هما:
الصلح خير،
والرضا بالحل المرحلى ما دامت القدره غير متوفره
للحل
الشامل او نيل كل الحقوق. ومما يبدو جليا ان ابن باز
لم يطلع
على الاتفاقات، او انه لم يكن لديه وقت لقراءتها،
او انه لم يتابع
نشرات الاخبار واستطلاعات الراى بما فى ذلك ان
الفلسطينيين ليس لهم ولى امر مجمع عليه ليقدر
المصلحه
العامه.. ولكن الاشد خطوره فى التعليل هو استخدام
الايه
الكريمه (الصلح خير). والقارىء يتصور عندما تمر فى
خاطره
تلك الايه التى نزلت فى الخلاف بين الازواج، ان
الشيخ يلخص
القضيه الفلسطينيه برمتها كانها خلاف بين زوجين..
ويصل
الامر هنا، فى القياس، استخدام المنقول ودمجه
بالمعقول على
طريقته الى مستوى الكوميديا السوداء((278)).
ومع ذلك فالمفتى الاكبر ليس ساذجا بكل تاكيد رغم
استطراده قائلا: (اما قوله عز وجل: (فلا تهنوا وتدعوا
الى السلم
وانتم الاعلون واللّه معكم ولن يتركم اعمالكم).
فهذه الايه فيما
اذا كان المظلوم اقوى من الظالم واقدر على اخذ حقه.
اما اذا كان ليس هو الاعلى فى القوه الحسيه فلا باس
ان يدعو
الى السلم كما صرح بذلك الحافظ بن كثير فى تفسير هذه
الايه).
جدليه صلح الحديبيه:
يخلط الشيخ، فى القول السالف مره اخرى، بين العقل
والنقل
عندما يناقش آيه كريمه ليفسرها تفسيرا اقرب الى قسر
النص
لمصلحه الغايه الكامنه فى النفس، فمن قال ان القوى
يمكن ان
يتعرض لظلم ممن هو اضعف منه اصلا.. هل يقدر الضعيف
مثلا
على اغتصاب ارض قوى.. وهل يمكن لضعيف ان يدعو الى
السلم.. فى هذه الحاله تقول علوم السياسه ان السلم
يفرض
فرضا ويصبح شكلا ومضمونا مدرجا تحت مصطلح
(الاستسلام)، فهل يدعو الشيخ المسلمين الى
الاستسلام؟
اعتقد انه لو قرا نصوص الاتفاقيات الموقعه بين
الانظمه
واليهود لما استنتج غير ذلك. ولكنه لم يقراها
مطلقا..
ثم انه يسند قوله للحافظ بن كثير. فهو ملتزم بالنقل
الى درجه
عجيبه، وحتى لو قدرنا ان ابن كثير معصوم وملهم فى
تفسيره((279)). لكن الشيخ الجليل لجا الى المنطق
الصورى
فى تعليله، ولم يجرو على اكمال مشواره الى آخره
فاستغاث
بابن كثير، فلماذا يفعل ذلك بالمسلمين وبعقولنا؟!
هل كان المسلمون اذا لجانا الى معاصره النص فى
الايه
الكريمه. (يقصد بان المسلمين خصوا بلفظه الاعلون) هم
الاقوى عسكريا؟ بالتاكيد لا.. وليس هذا تفسيرا
بالعقل انما هو
بالنقل.. لقد كانوا الاعلين بدعم اللّه وبايمانهم
رغم هزيمتهم
فى احد وتعادلهم فى الخندق ووقوعهم فى بحر من
الاعداء،
خاصه من يهود المدينه وخيبر.. ومع هذا فان اللّه
يطلب اليهم
الا يدعوا الى السلم لانهم ليسوا الاقوى عسكريا..
اما عن صلح
الحديبيه الذى يلجا الشيخ الى ضربه مثلا والموسسات
الدينيه
المرتبطه بالسلطه على غراره، فقد كان المسلمون فيه
الاقوى
عسكريا فعلا فى لحظه توقيعه.. واحيل الشيخ الى كتب
التاريخ
المعتمده جميعا، خاصه عند تحديدهم عدد المسلمين
ومعنوياتهم العاليه الذين رافقوا الرسول الى الحج،
مقارنه
بالذين خاضوا معركه الخندق قبل ذلك بسنه فى المدينه
المنوره((280))،
وبكل حسابات موازين القوى، مضافا اليها
تصفيه اعداء المسلمين من اليهود فيها، واسلام خالد
بن الوليد
وعمرو بن العاص.
ويتابع الشيخ مكملا مناقشه حجته حول صلح الحديبيه
قائلا:
(ولما نقضوا العهد وقدر على مقاتلتهم يوم الفتح
غزاهم فى
عقر دارهم وفتح اللّه عليه البلاد، ومكنه من رقاب
اهلها حتى
عفا عنهم وتم له الفتح والنصر وللّه الحمد والمنه)((281)).
المفتى الاكبر يجد نفسه مقسورا على اعمال عقله فى
تحليل
سيره النبى(ص)، فهو يدلى برايه هنا دون اسناد مقولته
بنقل
ما، وهذا ما لا يجوز فى مذهبه قطعا، وهو بهذا يفتح
المجال
واسعا لنا لاعمال عقلنا ايضا والادلاء بارائنا فى
هذه المساله.
ثم صلح الحديبيه سنه ست للهجره، وقد تلا ذلك تراجع
الكفار
فى غزوه الخندق وحصار المدينه. واثناء حفر المسلمين
للخندق بمشوره من سلمان الفارسى الذى قال((282)):
(ضربت فى ناحيه من الخندق فغلظت صخره(...) فضرب
الرسول ضربه لمعت تحت المعول برقه... الى ان يقول:
بابى انت
وامى، يا رسول اللّه، ما هذا الذى رايت لمع تحت
المعول وانت
تضرب؟ قال: اوقد رايت هذا يا سلمان؟ قال: قلت نعم.
قال: اما
الاولى فان اللّه فتح على بها اليمن. واما الثانيه
فان اللّه فتح بها
الشام والمغرب. واما الثالثه فان اللّه فتح على بها
المشرق.
اذن فان الرسول تحرك نحو مكه للحج بعد سنه من ذلك،
فى
جو نبوءته التى تحققت فعلا بعد وفاته. كان من معه
الف
واربعمائه مسلم من خلاصه المسلمين بمعنويات وقياده
لا
يمكن مقارنتها بقيادات اليوم، او بما دفعوا
المسلمين اليه من
انحدار فى المعنويات، وقد اشربوا الناس التسويه مع
العدو
الصهيونى منذ اثنين وعشرين عاما (اقصد بعد حرب
تشرين
1973).
عندما تراجع الكفار عن المدينه وعجزوا عن
اقتحامها.. اعتبر
ذلك هزيمه للكفار، ومع ذلك فان الرسول غزا بنى
قريظه
مباشره بدعم من اللّه وملائكته.. ساله جبريل: اوضعت
السلاح يا
رسول اللّه؟ قال: نعم. فقال جبريل ما وضعت الملائكه
السلاح
بعد(...) ان اللّه يامرك، يا محمد، بالمسير الى بنى
قريظه فانى
عامد اليهم فمزلزل بهم)((283)).
فهل كان يمكن ان يقوم الرسول بذلك فى ظل اختلال
موازين
قوى تجبره على طلب الصلح، كما يقول ابن باز((284)).
حتى ان الرسول(ص) لم يصالح بنى غطفان، ويطلب دعمهم
على ثلث تمر المدينه، كما طلبوا عندما هم بذلك، كما
يقول
مورخو سيرته (مع تحفظاتنا) باستناده الى رفض هذه
الفكره
على اهل المدينه انفسهم. يقول سعد بن معاذ مخاطبا
الرسول:
(يا رسول اللّه، قد كنا نحن وهولاء القوم على الشرك
باللّه
وعباده الاوثان، لا نعبد اللّه ولا نعرفه، وهم لا
يطمعون ان ياكلوا
منها تمره الا بيعا، فحين اكرمنا اللّه بالاسلام
واعزنا بك وبه
نعطيهم اموالنا(..) واللّه لا نعطيهم الا السيف..)((285)).
ان الباحث عندما يدقق، هنا، فى مجموعه تلك الاحداث
المتشابكه التى افضت الى المعاهده يلمس فى ما روى
امورا
تدعو للتامل. ذلك ان النبى يقترح المهادنه ويابى
المسلمون
ذلك ويصرون على القتال وكذلك جبريل. ورغم التحفظات
الكثيره، فانه من الجلى ان موازين القوى لم تكن كما
يشير
السيد المفتى.. فاذا كان ولى الامر، وهو نبى مرسل
مويد من
اللّه، يميل الى المهادنه، ثم يطيع المسلمين عندما
يطلبون
القتال ويتابع القتال حتى النصر، فكيف يمكن القياس
بالشاهد
الحالى على ما فعله رسول اللّه قبل الف واربعمائه
سنه بالشكل
الذى قام به ابن باز((286))، حين يقول: (ولما نقضوا
العهد
وقدر على مقاتلتهم..)، فهل لم يكن عندما زحف عليهم
قادرا
على مقاتلتهم وقد كان يدرى سلفا انهم ربما
يقاتلونه؟
قال ابن اسحاق.. (واستنفر العرب من حوله من اهل
البوادى
من الاعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذى
صنعوا
ان يعرضوا له بحرب او يصدوه عن البيت..)((287)).
وقياسا على ذلك، هل استشار الحكام الحاليون، ومنهم
ياسر
عرفات، اذا اعتبرناه ولى امر، والملك حسين، وهما
اللذان وقعا
آخر معاهدات الصلح مع العدو، ومن قبلهما انور
السادات عندما
وقع الصلح.. هل استشاروا المسلمين فى القتال او
الصلح من
خلال استفتاء شعبى واسع حتى يمكن الجزم بان لهم فى
رسول اللّه اسوه حسنه؟ بل يحق لنا التساول: هل اعد
اولياء
الامور هولاء للامر عدته واعطوا لشعوبهم امكانيات
التعبير عن
الراى والعداله والديمقراطيه، واعدوا لهم ما
استطاعوا من قوه
كما امر اللّه، حتى نجرو على القياس على ما فعله
رسول اللّه فى
ذلك الزمان البعيد؟.
وبما ان ايا من ذلك لم يحدث فهل يجوز للمفتى ان يقيس
ويقتدى ويبدى العلل، وهو اصلا ضد التفسير بالراى
والقياس
معا؟!
لقد وضح، فى التاريخ الاسلامى، ان الجبهه المعاديه
انهارت
تماما بعد صلح الحديبيه بسنتين على ابعد تقدير، فهل
يمكن
لجبهه كهذه ان تنهار لو ان موازين القوى كانت
لصالحها يوم
توقيع المعاهده؟ وهل يتوقع المفتى انهيار الحركه
الصهيونيه
القريب، وهو غير متخصص بعلم السياسه، ولم يستشر من
علمائها احدا قبل اصدار فتواه؟ فهو ليس له المام
واسع
بشوونها (كما ارجح) لانه لم يوثر عنه ذلك من خلال
سيرته
المعلنه رغم امكانياته الماليه الواسعه واتصالاته
مع قوى
اسلاميه وغير اسلاميه.
لقد ظل جنديا مطيعا لموسسه حاكمه مقتنعا بطاعتها،
بحكم
بيعته للامام الاول الذى يتمثل بشخص الملك
ومستشاريه فى
السياسه وارتباطاته المعروفه بالاداره الامريكيه،
علما ان
المملكه غنيه عن التوضيح فى هذا المجال. والشيخ
عندما
شارك فى الفتوى مع مجموعه علماء الموسسه الدينيه
قبل
ذلك بثلاثين عاما((288)) لم يكن الا مطيعا لسلطه
الاقوى
والامر الواقع ممثله بشخص الملك فيصل عام 1964، كما
يقول
المورخون، وما رشح عن جدليه تفاعل الاحداث فى ذلك
الزمن((289)).
لكن ابن باز يضيف فى تعليلاته امرا آخر، فهو يقول:
(ان الواجب
يدعو الى جهاد المشركين من اليهود وغيرهم مع القدره
حتى
يسلموا او يودوا الجزيه ان كانوا من اهلها كما دلت
على ذلك
الايات القرآنيه والاحاديث النبويه. وعند العجز عن
ذلك لا حرج
فى الصلح مع العدو على وجه ينفع المسلمين ولا
يضرهم،
تاسيا بالنبى فى حربه وصلحه وتمسكا بالادله
الشرعيه العامه
والخاصه وقوفا عندها..)((290)).
فى ختام مناقشه هذه الفتوى يلفت نظرنا امران، وهما:
واجب
الجهاد مع القدره وضروره الصلح مع العجز. وبما انه
يعتقد ان
المسلمين عاجزون فعليهم ان يصالحوا، ولا حرج من
اتخاذ
قرار الصلح. ونتساءل بمراره عن مدى مصداقيه اقوال
الشيخ
قياسا على احداث قريبه جرت فى حرب الخليج الثانيه.
لماذا
لم يقم هو والموسسه الدينيه الوهابيه باصدار فتوى
الصلح مع
العراق المسلم عند عجز المملكه عن القتال بعد
اجتياح
الكويت؟ بل انه بديلا عن ذلك افتى بجواز الاستعانه
بالمشركين لدفع الاسوا وقتال اخوانه فى الدين.
فلماذا لم
يتريث، قبل فتواه الاخيره، للبحث عن حلفاء يمكن
للمسلمين
الاستغاثه بهم لدفع اليهود، او التزود منهم
بالاسلحه؟ وكيف
يمكنه الجزم الى هذه الدرجه من اليقينيه بان
المسلمين فى
حاله من العجز تجبرهم على طلب الصلح؟ لماذا لم يصدر
فتواه هذه لمسلمى البوسنه مثلا؟، وهو يسهم بدعمهم
كما
نعلم وتتحدث وكالات الانباء. لماذا لم يامر الافغان
المسلمين
بطلب الصلح مع السوفييت عند دخولهم افغانستان رغم
علمه
بعجز شعب الافعان وانقسامه بين مويد ومعارض؟ لكنه
كما
نعلم بدلا عن ذلك اسهم وحكومته بطلب من المركز
الامريكى
بدفع المليارات لدعم الثوره هناك. وها نحن نرى
النتائج: نهايه
بلد مسلم بانزلاقه نحو حرب اهليه لا يعلم نهايتها
الا اللّه!
يقول الشيخ محمد سعيد رمضان البوطى((291))،
فهو كاتب
تولى عماده كليه الشريعه فى جامعه دمشق ويشغل رئيس
قسم الاديان فيها اليوم: ان للصلح شروطا حددها
الشارع
بحالتين اثنتين:
اولاهما ان يكون العدو بعيدا عن دار الاسلام، يعيش
فى وطنه
وارضه، ولكن قامت بينه وبين المسلمين حرب، واراد
ولى امر
المسلمين ان يبرم صلحا بين المسلمين وبين هولاء
الاعداء
الذين يقيمون فى بلادهم، كما فعل رسول اللّه(ص) يوم
صلح
الحديبيه. يجوز ذلك اذا كان صلحا موقوتا لمده
معينه، اقصى
هذه المده عشره اعوام عند جمهور الفقهاء.
ثانيتهما: ان يكون هولاء الاعداء قد اقتحموا دار
الاسلام، واحتلوا
جزءا من ارض المسلمين التى افتتحوها فى ما مضى،
عنوه اى
بحرب، او صلحا، واحتلوا هذه البقعه. هذه الحاله
الثانيه، وهى
الحاله التى تنطبق على اسرائيل، هل يجوز لنا،
والحاله هذه ان
نبرم صلحا مع هذه الدوله؟ يجوز ولكن ابرام الصلح
بشرطين
اثنين:
الشرط الاول: ان يزول الاغتصاب، وان يعود الحق الى
اصحابه،
وان يخرج هولاء المغتصبون من دار الاسلام ويرجعوا
الى
اماكنهم، اى باختصار ان يعود كل حق الى صاحبه.
الشرط الثانى: ان يتم هذا الصلح بشكل شامل، اى ان
يتم باتفاق
سائر ائمه المسلمين وحكامهم عندما يكون حكام
المسلمين
كثيرا. واما اذا كان هناك خليفه واحد فلا اشكال. كل
المسلمين
ينصاعون لامره. ولكن عندما يتعدد الحكام، او روساء
الدول
الاسلاميه، فالشرط الثانى يقضى بان يتم هذا السلم
او هذا
الصلح باتفاق يصدر من جميع قاده المسلمين.
وهذا شرط نص عليه رسول اللّه (ص) بكلامه وبصياغه منه
فى
الوثيقه التى اكتتبها كدستور عندما استقر فى
المدينه المنوره،
وقال فيها:
(سلم المسلمين واحد لا يسالم مسلم على مسلم الا على
سواء
بينهم)، اى لا يجوز لرئيس دوله ان ينفرد بعقد صلح مع
عدو
الا بعد ان يتم اتفاق سائر حكام المسلمين على هذا
السلم،
وسبب ذلك ان هذا الاتفاق اذا لم يتم فان هذا الصلح
سيكون
سببا لتالب المسلمين على بعضهم، بعضهم صالحوا
وبعضهم
الاخر لم يصالحوا. الذين صالحوا اصبحوا اصدقاء
والذين لم
يصالحوا لا يزالون اعداء، اذن هاتان الشريحتان لا
بد ان يتحول
الوفاق بينهما الى خصام، فلكى لا يكون هذا، اعلن
الرسول: ان
السلم يمكن ان يتم بين المسلمين واعدائهم، اذا كان
سلما
شاملا(..) بشرط اول هو ان يرفع العدو يده عن ممتلكات
المسلمين.
ان فلسطين ليست حقا للفلسطين وحدهم او لفئه من
المسلمين. فكل دار اسلام ملك لسائر المسلمين، ولو
اراد
الذين يمتلكونها ان يتنازلوا عنها للاعداء لا يحق
لهم ذلك.
اذا تحقق الشرطان يتم مصداق الايه (وان جنحوا للسلم
فاجنح
لها وتوكل على اللّه ×انه هو السميع العليم) (يا
ايها الذين آمنوا
ادخلوا فى السلم كافه)((292)).
ويتابع الدكتور البوطى فتواه قائلا: (كيف يصدر
مسلم فتوى
بجواز ابرام الصلح بين المسلمين واسرائيل بدون قيد
او شرط
الا واحد هو ان يرى ولى امر المسلمين ذلك. اين هو شرط
ازاله
الاغتصاب والاجماع؟).
وقبل متابعه تلخيص وجهه نظر الشيخ البوطى فى
المساله،
وهى كلها منطقيه وشرعيه، يجدر التوقف عند مساله
اجماع
حكام المسلمين على الصلح مع العدو الصهيونى. وبما
ان ما
يتواتر وما تم ترتيبه فى المركز الامبريالى ينص على
اجماعهم
على الصلح ما عدا ايران الاسلاميه، فان هذه المساله
يمكن
الالتفاف عليها فى المستقبل من قبل الانظمه تحت
شعار
اعاده الاراضى المحتله بعد 1967، والتفاوض حول القدس
وانتظار ما ستفسر عنه الايام عن مصير التطبيع مع
اسرائيل
ضمن اطار النظام الشرق اوسطى.
ان المتتبع لما يجرى يمكنه الجزم بان الموسسات
المرتبطه
بالسلطات سوف تقدم فتاوى جديده للالتفاف حول هذا
الموضوع تحت مظلات متعدده الالوان، وباسم الاسلام.
حتى ذلك الحين، وهو ليس ببعيد، فان الدكتور
البوطى يوكد
ما يلى: (اذا اتفق السلطان مع القرآن فيا حبذا، وهذا
ما نريده
وندعوا اليه، واذا اختلف السلطان مع القرآن فنحن مع
القرآن،
ينبغى ان تعلم السعوديه وغير السعوديه سواء ايا
كانت.. نحن مع
القرآن فى الدعوه فى البلاغ، وفى اللسان وفى الشرح
وفى
الحوار، لا نملك اكثر من ذلك وهذا هو شاننا)((293)).
انطلاقا من بوره الحديث فى نقد الفتوى يمكن ان
نتابع مع رد
الفعل لانه يستحق ان يسجل، فهو يدل على نضج سياسى
لرجل دين. وجهه نظر الشيخ توكد ان فتوى ابن باز
تعطى
انطباعا لدى الغرب بان الاسلام ليس واحدا وانه سهل
على
اليهود، ومن يلف لفهم الحصول على تنازلات مجانيه
بشعارات
مطروحه فى وسائل الاعلام يقف فى قمتها الاتهام
بالارهاب
لكل المناضلين ضد اليهود فى سبيل فلسطين. وبهذا
يحقق
الاعداء نتيجتين:
الاولى: (ان من الناس من يشمئز من هذا الاسلام الذى
تلونه
كل فئه باللون الذى تريد، والذى يجعل منه كل قوم
بوقا
لنشيده الخاص به ولسانا لهواه الذى يحلم به، اذن
اين هو
الاسلام؟).
الثانيه: (ان هناك مسلمين سيتصورون ان هذه الفتوى
سليمه
وانها صحيحه، وان هذا هو الحق الذى لا مريه فيه، من
هنا كان
لا بد من قول لا لسائر علماء المسلمين ان يوضحوا حكم
اللّه عز
وجل).
يميز الشيخ البوطى بين الخط السياسى والخط
الاسلامى، وهو
فى هذا يبتعد عن منطوق العصر فعلا، فلا انفصال عن
السياسه،
ولا يمكن فصل السياسه عن الايديولوجيا عبر العلم.
فقد ثبت
تاريخيا ان الايديولوجيا هى التى تقود العلم وليس
العكس،
وهناك العديد من الامثله التى تويد هذا الاتجاه((294)). ثم
ينطلق موكدا: نحن لا شان لنا بالسياسه، السياسه
تحير الالباب
فى هذا العصر وتحير العقول، قد تراه صاعدا وهو
هابط، قد تراه
هابطا وهو صاعد، قد تراه يمشى ذات اليمين وهو يخطط
للاتجاه الى اليسار. ثم ان السياسه ذات الوان
واطياف. عهد ياتى
بلون، وعهد آخر ياتى بلون ثان. هذا الشىء اعان
اللّه اصحابه
عليه.
اما الاسلام فامر آخر (كما يقول) هو عباره عن احكام
ثابته
مستقره. فهو يعتبر الاسلام الثابت الوحيد فى
متحولات الحياه
وسياسه الحكام. لهذا فان احاديث الرسول حول هذا
الموضوع
ثابته. ثم يستخدم الايه الكريمه: (ولا تهنوا وتدعوا
الى السلم
وانتم الاعلون) اى عندما يكون حقكم سلبا.
الشيخ يعود الى ربط السلم بالعدل. وهذا السلم
المدعو اليه
بعيد عن الشروط التى امر بها اللّه. ويضرب مثالا
بالاردن (رغم
ان النظام هناك لم يقم بتغطيه نفسه بفتوى). وهو
يعتقد ان
الاوضاع هناك ستودى الى سيطره اليهود وتدمير اخلاق
الناس.
ثم يوكد الشيخ البوطى ان موقف سوريا هو الموقف
الاقرب الى
الاسلام، ويقول: (اقل المراتب خروج اسرائيل من
المرتفعات
السوريه وخروجها من لبنان، اقول هو اقرب المراتب
على دين
اللّه سبحانه وتعالى)((295)). هكذا ورغم كل الحماس
للهجوم
على الفتوى، فان الشيخ يصل الى ان السلطه التى يعمل
فى
اطارها تسعى الى حل وسط. وقد وضع الدكتور نفسه من
دون
ان يدرى على خط العوده، ولم يدمر جسوره الممدوده
الى
هناك، نحو الموسسه الرسميه مطلقا، رغم انه يوكد ان
الحق لا
يتجزا.. وانه فى المحصله الاخيره لن يتدخل بالسياسه((296)).
2- وجهه نظر الموسسه الدينيه للازهر:
|