6 - ابن شهاب الزهرى (124 ه ): له كتاب
المغازى، حفظت
اجزاء منه فى كتاب (المصنف) لعبدالرزاق الصنعانى.
وكان
الزهرى صاحب شرطه بنى اميه، ولم يزل مع عبدالملك بن
مروان واولاده: هشام وسليمان ويزيد، ثم استعمله
يزيد بن
عبدالملك على القضاء((60)).
7 - يزيد بن رومان الاسدى المدنى (130 ه ): له كتاب
المغازى، منه قطعفى طبقات ابن سعد، وجل اعتماده
على
عروه والزهرى، وروى عنه ابن اسحاق((61)).
8 - ابو الاسود الاسدى (131 ه ): ربيب عروه بن الزبير،
ومعظم
روايته عنه، له كتاب المغازى، منه قطع فى (الاصابه)((62)).
9 - عبداللّه بن ابى بكر بن حزم (135 ه ): صاحب المغازى،
اخذ
عن ابيه وعروه بن الزبير، وحدث عنه الزهرى وابن
اسحاق((63)).
11 - موسى بن عقبه (141 ه ): هو مولى آل الزبير بن العوام،
له
كتاب المغازى، اعتمد فيه روايه الزهرى بالدرجه
الاولى((65))، وله احاديث عن نافع مولى ابن
عمر، وسالم بن
عبداللّه بن عمر، واخذ عن مغازيه الطبرى فى تاريخه
والبلاذرى فى انساب الاشراف وغيرهما((66)).
12 - محمد بن اسحاق بن يسار (151 ه ) : صاحب كتاب
السيره، وهو اتم ما كتب فى هذا القسم واحسنه
ترتيبا، وبه صار
ابن اسحاق شيخ كتاب السيره، وصار من جاء بعده عيالا
عليه.
ولم يصلنا كتاب ابن اسحاق كاملا بل وصلت منه اجزاء
فقط،
واما الكتاب بتمامه فقد اختصره ابن هشام فى (السيره
النبويه)
فحذف منه اشياء كثيره، وقد اشار ابن هشام الى هذا
الحذف،
وسياتى ذكره لاحقا.
13 - معمر بن راشد (154 ه ): له كتاب (المغازى) اكثر
مروياته
عن الزهرى، ويبدو ان الطبرى قد نقل ماده هذا الكتاب
فى
تاريخه((67)).
14 - يحيى بن سعيد الاموى (194 ه ): روى عن هشام بن
عروه بن الزبير، ومحمد بن اسحاق وغيرهما، له كتاب
(المغازى) اورد منه البخارى قطعا كثيره فى قسم
المغازى
من صحيحه، وافاد منه الطبرى ايضا((68)).
15 - ابو العباس الوليد بن مسلم الاموى (195 ه ): كان
يلقب
بعالم الشام، له كتاب(المغازى) قطع منه فى صحيح
البخارى
- كتابالمغازى - وتاريخ الطبرى((69)).
16 - محمد بن عمر الواقدى (207 ه ): صاحب (المغازى) وقد
عمل الواقدى قاضيا بشرقى بغداد لهارون الرشيد، ثم
للمامون
من بعده اربع سنين، كان عالما بالمغازى والسير
والفتوح
والاحكام واختلاف الناس. واكثر اعتماده فى مغازيه
على
موسى بن عقبه ومعمر بن راشد وهما تلميذا الزهرى،
واخذ
كثيرا من كتاب ابن اسحاق دون ان يذكر اسمه((70)).
وهناك اعلام آخرون كانوا اقل اثرا فى التاريخ
المحفوظ،
وسياتى ذكر بعضهم اثناء البحث.
مصادر القسم الثانى :
1 - تاريخ محمد بن جرير الطبرى (310 ه ): ويعد اكبر
موسوعه
تاريخيه جمعت احداث القرون الثلاثه الاولى من
تاريخ الاسلام،
اذ ختم الطبرى تاريخه بذكر احداث سنه 302 ه .
فكان تاريخ الطبرى المصدر الاول والاساس لمن جاء
بعده،
ومنهم من توقف عنده فى اخبار القرون الثلاثه ولم
يتعداه الى
غيره، كما فعل ابن الاثير فى كتابه (الكامل فى
التاريخ) وابن
خلدون فى تاريخه، وغيرهما.
هذا مع انه لم تخل تلك الفتره من كتابات مهمه جديره
بالعنايه، وربما كانت اكثر دقه واصدق نقلا لكثير من
الاحداث
على الرغم من ايجازها بالنسبه الى تاريخ الطبرى،
ومن تلك
المصادر:
2 - مصنفات المدائنى، على بن محمد بن عبداللّه (135 - 225
او 228 ه )، وهى مولفات كثيره اهمها كتاب (تاريخ
الخلفاء)
وكتاب (الاحداث) وله كتب اخرى فى السيره النبويه
وايام
الرسول(ص).
يقول فيه الذهبى: كان عجبا فى معرفه السير والمغازى
والانساب وايام العرب، مصدقا فيما ينقله، عالى
الاسناد.
كان اهم شيوخه: عوانه بن الحكم، واشهر الرواه عنه:
خليفه بن
خياط، والزبير بن بكار.
تكرر ذكره فى تاريخ الطبرى نحو 290 مره، اولها فى
احداث
سنه 11 ه فى اخبار (الرده)، وآخرها فى احداث سنه 198 ه
فى
اخبار الدوله العباسيه، ثم ذكر وفاته فى احداث سنه
228 ه .
3 - الامامه والسياسه - او تاريخ الخلفاء: لابن قتيبه
الدينورى
المتوفى سنه276 ه .
4 - تاريخ اليعقوبى: لاحمد بن ابى يعقوب الكاتب، من
اعلام
القرن الثالث الهجرى.
5 - فتوح البلدان: للبلاذرى المتوفى سنه 279 ه .
6 - الفتوح: لابن اعثم الكوفى المتوفى سنه 304 ه .
7 - مروج الذهب: للمسعودى المتوفى سنه 346 ه .
8 - اخبار الزمان: للمسعودى ايضا، وهو كتاب كبير كما
وصفه
صاحبه فى (مروج الذهب) غير انه مفقود، وهو الكتاب
الوحيد
المفقود من هذه المجموعه.
اما كتب التاريخ الاخرى فقد اضافت احداث السنين
اللاحقه
التى لم يدركها الطبرى ولم يدونها.
نتيجه :
1 - السيره النبويه لابن هشام، وهى مجموع ما انتخبه
ابن هشام
من سيره ابن اسحاق.
2 - تاريخ الطبرى.
مورخون تجزيئيون شكلوا اهم مصادر الطبرى
هولاء مورخون ارخوا لحدث او احداث، او واقعه او
وقائع، او ايام
محدده من تاريخ الدوله الاسلاميه بعد الرسول(ص)،
ولم
يكتبوا كتابا جامعا لتاريخ هذه المرحله كلها، ثم
كان هولاء
المورخون اهم المصادر التى يعتمدها من ياتى بعدهم،
فدخلوا
كلهم فى تاريخ الطبرى، وفى غيره ايضا من كتب
التاريخ
الجامعه، وهولاء هم :
1 - عوانه بن الحكم (147 ه ) : كتب (سيره معاويه وبنى
اميه)
و(كتاب التاريخ) يتناول فيه احداث القرن الهجرى
الاول.
وصلت كتبه واخباره عن طريق ابن الكلبى والمدائنى
والهيثم
بن عدى.
وهو يقدم الروايه الامويه دائما، واحيانا يورد الى
جانبها الروايه
العراقيه او المدنيه التى تقابلها((71)).
وفى تاريخ الطبرى يرد اسمه 47 مره، اولها فى احداث
سنه 11
ه ، وآخرها فى احداث سنه 86 ه ، لا يبدو فى اكثر
مروياته
منحازا، لكن بعضها، وهو الاقل، فيه نزعه امويه، او
ميل ما الى
بنى اميه.
2 - ابو مخنف، لوط بن يحيى (157 ه) له كتب فى (الرده)
و(وقعه الجمل) و( وقعه صفين) و(اخبار الخوارج) و(مقتل
الحسين(ع)) وعن الحوادث الاخرى فى العراق حتى نهايه
العصر الاموى. وهو يقدم الروايه العراقيه، قال
عبدالعزيز
الدورى: (اخباره على العموم ليست متحزبه) وهكذا رآها
فواد
سزگين((72)).
ورد اسمه فى تاريخ الطبرى اكثر من 230 مره، اولها فى
مرض
النبى(ص) سنه 11 ه ، وآخرها فى احداث سنه 132 ه .
3 - سيف بن عمر (170 ه ) : له كتاب (الفتوح الكبير والرده)
اعتمده الطبرى بالدرجه الاولى فى اخبار الرده
واخبار الخلفاء
حتى معركه الجمل فى نحو 230 موردا تنتهى عند سنه 36 ه .
وسيف اكثر من وقع عليه الطعن من اصحاب التاريخ،
فوصف
بالكذب، والوضع، واوجبوا ترك رواياته، ورموه
بالزندقه((73)).
لذا يعد ترجيح الطبرى لروايه سيف امرا مستغربا، لقد
رجحه
دائما فى اخبار (الرده) ومقتل عثمان، رغم وجود
مورخين
احسن منه حالا قد ارخوا لهذه الاحداث! وكذا مع معركه
الجمل! ومن هولاء المورخين الذين تركهم الطبرى :
المدائنى،
وهو من اوثق اصحاب التاريخ عند الطبرى وغيره من
المورخين، والواقدى، وابى مخنف، وهما وان ضعفهما
كثير من
اهل الجرح والتعديل الا ان كل ما قيل فيهما هو دون
ما قيل فى
سيف بن عمر، فاذا لم يترجحا عليه فلا ينبغى ان يكونا
دونه.
ويتفرد سيف فى ما يذكره من قصه عبداللّه بن سبا،
يرويها عن
يزيد الفقعسى، فيعتمدها الطبرى رغم ان يزيد
الفقعسى هو
الاخر رجل مطعون، وكذا الراوى الوحيد عن سيف، وهو
شعيب،
ومثله الراوى الوحيد عن شعيب وهو السرى!
4 - ابو مجاهد، على بن مجاهد (182ه ) : له كتاب (المغازى)
وكتاب (اخبار الامويين) ولا تعد رواياته موضع ثقه
كامله((74))،
قال فيه بعضهم : (كان يضع الحديث) وقال
آخرون : (كذاب)((75))، وقد اخذ عنه الطبرى فى نحو
خمسه
وثلاثين وضعا، آخرها فى احداث 158ه .
5 - هشام بن محمد بن السائب الكلبى (204ه ) : له كتب
كثيره منها : (فتوح الشام) و (الجمل) و(اخبار صفين)
و(الجمهره) فى الانساب، وقد جمع الروايات المدنيه
والعراقيه
والشاميه، جرحه بعض اصحاب الحديث، واثنى عليه
ياقوت
الحموى.
ومن كتبه اخذ الطبرى روايات عوانه بن الحكم وابى
مخنف،
وتكرر ذكره فى تاريخ الطبرى نحو (250) مره، وافاد ابن
حجر
فى (الاصابه) من كتابه (فتوح الشام)، وافاد ابن ابى
الحديد فى
(شرح نهج البلاغه) من كتابيه (الجمل) و(اخبار صفين)،
ومن
كتابه فى (الالقاب) افاد ابن ماكولا فى كتاب
(الاكمال)((76)).
6 - نصر بن مزاحم (212ه ) : له كتاب (وقعه صفين) ميوله
عراقيه علويه، لكنه لا يخفى بعض ما وجهه خصوم
العلويين
للعلويين من انتقادات((77)).
لم ياخذ عنه الطبرى الا فى اربعه مواضع، كلها فى
معركه
الجمل((78))،
فى اثنين منها كان نصر يحدث عن سيف بن
عمر! وفى الحديثين ينقل نصر عن سيف من اخبار عائشه
مثل
ما ينقله غيره من المورخين دون ان تظهر نزعه
الانحياز
الغالبه على سيف ضد على(ع).
7 - الزبير بن بكار (256ه ) : له كتاب (الموفقيات) جمع
احداثا
متفرقه من التاريخ، كتبه للموفق ابن المتوكل
العباسى، وكان
الزبير قد عمل قاضيا للمتوكل على مكه، وقد اشتهر
الزبير بن
بكار بعدائه للعلويين، ومع ذلك فقد نقل فى
(الموفقيات)
كثيرا من الاخبار التى يبدو فيها بعيدا عن
الانحياز.
وقد اثنوا عليه كثيرا، ولم يرد ذكره فى تاريخ
الطبرى الا فى
ثمانيه مواضع((79))، لكن اعتمده ابن ابى الحديد
كثيرا فى
كتابه (شرح نهج البلاغه).
نقد التاريخ الاسلامى
المحور الاول - الخصائص العامه :
وقد لا نجد بين سائر الامم من سبق مورخى الاسلام فى
طبيعه التدوين التاريخى، اصاله، وعمقا، وسعه،
وتطورا.
لقد امتاز التاريخ عند المسلمين، فى المرتبه
الاولى: برساليته،
فلم يكن دافع المورخ نحو التدوين هوايه ورغبه شخصيه
وحبا
للشهره ونحوها، انما كان استلهاما من دروس القرآن
الكريم
وهو يسلط الاضواء على حقب من تواريخ الامم السالفه،
فيبرز
اهم الاحداث فيها واسباب نموها وتدهورها، ثم بدافع
الحب
لتدوين وحفظ سير الرسول(ص) ودعوته وجهاده
وانتصاراته،
فكان من هذا وذاك تاريخا اسلاميا فى منطلقه، وفى
اهدافه،
وفى مضامينه.
ذلك حين نستثنى، ولا بد ان نستثنى، فصيلتين اقحمتا
نفسيهما فى هذا الميدان اقحاما:
اولاهما: فصيله اهل الكتاب الذين اسلموا فاهتموا
بتاريخ ما قبل
الاسلام، فكانوا مصدر الاسرائيليات فى التاريخ.
والثانيه: فصيله القصاصين والوضاعين الذين دفعتهم
الشهوات
او الاهواء والعصبيات، او الكيد للاسلام، دفعتهم
الى الوضع
والدس، اما لتزيين الاخبار، او لتشويش الحقائق، او
قلبها اظهارا
للباطل.
-وحين كان تاريخ الرسول (ص) والرساله هو اهم واول ما
اولاه
المورخون عنايتهم، فقد سلكوا فيه مسلكا فريدا فى
التعمق
والتتبع، فاثبتوا كل شىء يتصل بالرسول الاعظم(ص)
منذ
ارهاصات ولادته، ثم مولده ونشاته، ثم سيرته فى اهله
وفى
بيته، ولم تشغلهم الاحداث الكبرى عن تتبع سيرته
الشخصيه
وآدابه وسجاياه، بل وصفاته البدنيه، وصفه سلاحه،
واسماء ما
كان عنده مده حياته من سلاح ودواب، وحين تابعوا
غزواته لم
يتركوا حتى اسماء من اصيب فيها من اصحابه جرحا او
قتلا،
ومن اصابه من المشركين، واسماء من اصيب من المشركين
ومن اصابه من المسلمين، كل ذلك محفوظ.
كما نقلوا من مواقف الصحابه واحوالهم ما يعطيك صوره
واضحه عن المجتمع الاسلامى ومستوى الوعى الدينى
والحضارى فيه، اضافه الى السيره الفرديه لكثير من
الصحابه،
مما يقلل من مساحه التكهنات والتحميلات التى قد تشط
بعيدا عن الصواب.
ثم توسع التدوين التاريخى، فدخلت فتره ما بعد
الرسول(ص)،
فسلكوا فيها المنهاج ذاته عمقا وتفصيلا، فنقلت
الاحداث
الجزئيه، والمساجلات بين رجلين او امراتين او رجل
وامراه،
الى جنب الاحداث الكبرى فى التغيرات السياسيه
والفتوح،
وتناولوا سير الخلفاء بتتبع شديد، فلم يرحموا احدا
منهم،
فدونوا خصالهموسجاياهم ومدى عزوفهم عنالدنيا
او
اقبالهمعليها، وحظوظهم من العلم والاجتهاد فى
امور الدين
والسياسه، فوضعوا بين ايدينا لوحه بيانيه دقيقه
الى حد كبير،
تجد عليها منحنى السلوك والسيره الشخصيه والعلم
والفضيله
وسائر الموهلات لقاده الدوله والامه الاسلاميه،
ابتداء بالرسول
الاعظم(ص) وانتهاء باخر خلفاء بنى العباس وامراء
الطوائف
وسلاطين بنى عثمان.
وان هذا النهج الذى لا يرحم احدا خصوصا من الحكام
والولاه
لهو النهج الاسلامى القويم، وليس كما يراه بعض
المتاخرين
نهجا قاسيا على الخلفاء عامه حين يضعهم الى جنب
النبى
المعصوم(ص)، وقاسيا على المتاخرين منهم مره اخرى
حين
يضعهم امام الخلفاء الاولين.. فهذه رويه تنم عن
انعطاف خطير
يريد ان يبرر للحاكم سقطاته بل وانحرافاته ايضا
لانه لم يكن
نبيا، ويعتذر للمتاخرين اذا انحدروا فى السلم
لانهم لم يكونوا
كالذين صحبوا النبى وعاشوا ايام نزول الوحى، فى
الايمان
والاستقامه سواء!
هذه رويه تجاوبت مع الواقع، لا مع ميزان الاسلام
وضوابطه،
فالاسلام الذى يقول: (لقد كان لكم فى رسول اللّه
اسوه حسنه
لمن كان يرجو اللّه واليوم الاخر)((80)) لم يعذر متاخرا من
هذا
التاسى لتاخره، ولا ميز فيه متقدما لتقدمه!
والاسلام الذى قال: (ان اللّه يامركم ان تودوا
الامانات الى اهلها
واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل)((81)) لم
يخاطب
جيلا من الاجيال، ويعفو عن اللاحقين.
وثمه رويه مستحدثه اخرى قريبه من هذه، وجهت الادانه
للتاريخ لانه لم يستر عيوب واخطاء الحكام وما شجر
بين الكبار
وما وقع من فتن ونزاعات.. رويه تريد ان تختزل
التاريخ،
وترتضى بكل ما سوف يصحب هذا الاختزال من تشويه
وتحريف
للحقيقه، لا دفاعا عن الاسلام فكرا وعقيده
ومنهاجا، ولكن
دفاعا عن رجال حكموا وسياسات انتهجت، بغض النظر عن
مدى قربهم وقربها او بعدهم وبعدها عن الاسلام فى
منهاجه
ورواه.
وفى ذلك كله كان التدوين التاريخى هو الموفق، وما
هذه
الادانات الاروى مصلحيه قاصره.
ومضى التدوين التاريخى عند المسلمين صعدا، فى تطور
ظاهر وسريع، فظهرت تباعا المدونات التاريخيه
المتكامله قبل
منتصف القرن الثانى، اى بعد ما يقرب من نصف قرن فقط
من
بدايات التدوين التاريخى، فكانت سيره ابن اسحاق،
المتوفى
سنه 151 ه ، انموذجا فريدا للعمل التاريخى الموسوعى،
ثم
ظهر التطور بعد المئه الثانيه فى مناهج جديده
ومتنوعه على
ايدى مورخين عمالقه، كابن سعد الزهرى فى (الطبقات
الكبرى)، واليعقوبى فى تاريخه، وابن قتيبه فى
(المعارف)
و(عيون الاخبار) و(الامامه والسياسه)((82))،
وابى حنيفه
الدينورى فى(الاخبار الطوال) وآخرين، ثم كان القرن
الرابع،
قرن الطبرى((83)) والمسعودى، الذى ترك اهم
واوسع
دواوين التاريخ، لياخذ التاريخ فى ما بعد ميدانه
الجديد:علما
وفلسفه، عند ابن الطقطقى (709 ه ) وابن خلدون (808 ه )
والسخاوى (902 ه ) ونظرائهم.
-ومما ميز التدوين التاريخى عند المسلمين: اعتماد
اسلوب
المحدثين فى الروايه واسانيدها، وهذا الاسلوب قد
اغنى التاريخ
بلا شك بعنصر هام من عناصر القوه والتوثيق. لكن هذا
الاسلوب نفسه قد ساعد فى الوقت ذاته على تشتت
الحقيقه
التاريخيه وتوزعها، اذ ظهرت روايات كثيره موضوعه،
لا اصل
لها، تحت تاثير اغراض متعدده، بعضها بحسن نيه،
وبعضها
بعكس ذلك، فلما كان هم المورخ ان يجمع كل ما روى او
ما
بلغه فى الحادثه الواحده، فقد جمع الروايات
المختلفه
والمتناقضه والمتنافره فى القضيه الواحده التى لا
بد وانها قد
وقعت بصوره واحده فى حينها، ولم تقع بهذه الصور
المتعدده،
فاصبح تمييز الصوره الصادقه من بين هذه الصور مشكله
عسيره امام المورخ وامام الناقد والقارى..
فاذا كان المورخون قد سلكوا سلوك المحدثين، فحفظوا
للروايات اسانيدها، فينبغى ان يبقى قبولها او ردها
رهن بهذه
الاسانيد وبالقرائن الصادقه التى لا ينازع فيها،
ولكن المشكله
تصبح اكثر تعقيدا حين تكون الاهواء والميول هى
قانون
الترجيح الاول، بل الاوحد! والذى زاد فى تعزيز هذا
القانون: ان
هذه الاهواء والتحزبات ذاتها هى دائما الاصل الاول
فى توثيق
الرواه وجرحهم، لا سيما فى ما يخص التاريخ
والعقائد!!
فحين دخلت هذه الروايات المكذوبه دواوين التاريخ،
وصارت
اساسا لمتبنيات ومواقف قرائها، بحكم وجودها فى
مصادر
التاريخ المهمه، فتمسك كل بما يلائم ميوله وتحزبه
المذهبى،
ثم وصف سائر ما يخالف ذلك بانه مكذوب موضوع، حتى ولو
كان العكس هو الصحيح، ودون ادنى رجوع الى الاسانيد
والى
القرائن الصادقه، الا فى ما يوفر المصلحه فى
الانتصار للمذهب!
نشات اثر ذلك بيننا هذه الاتجاهات المختلفه
والمتنافره، وكل
يتسلح بطائفه من تلك المرويات ويرد بها على
الاخرين!
وهذه الاخبار ايضا كانت اساسا لتحميلات المستشرقين
وتمحلاتهم التى جاء اكثرها فاسدا ومفسدا، لكنه لم
يات من
الهواء، انما اتى من الاهواء التى وجدت ما يوفر لها
مادتها فى
هذه المرويات.
اننا نجد الكثير من النقاد من مسلمين ومستشرقين
ياخذون
بهذه الروايه ويطرحون الاخرى، ويوثقون هذا الراوى
ويطعنون
الاخر، لا اعتمادا على الاسس العلميه الصحيحه فى
القبول
والرد، بل تحت تاثير الاتجاهات المسبقه من التاريخ
واحداثه،
فكم قبلوا روايات الوضاعين والمتروكين، واعرضوا
عما هو
احسن منها واولى بالقبول!
والى اكثر من ذلك يذهبون: (فتحت تاثير عواطف الحب
يجعلون كل ما ليس بحسن حسنا، ويجتهدون فى تاويل
الحوادث بوجه ليس فيه غضاضه، حتى ما ادى منها الى
سقوط
فاعله وخيبته!
وعاطفه الكراهه تدعو الى ضد ذلك فتجعل الحسن قبيحا،
وتستنبط من الخير شرا!
ولم يخلص من هذا الشر العظيم، الذى يطمس معالم
التاريخ
ويضيع الفائده من تجارب الامم، الا نفر قليل جدا)((84)).
كل هذا الشطط كان من جراء وجود الاخبار الكاذبه فى
التاريخ..
المحور الثانى - الدوافع نحو الكذب فى التاريخ :
ويدخل تحت هذا العنوان الاسرائيليات التى بثها بعض
من اسلم
من اهل الكتاب خدمه لاصولهم وانتماءاتهم الاولى،
كما يدخل
تحته ايضا احاديث الزنادقه الذين ارادوا كيدا
للاسلام انتصارا
لمذاهبهم الفاسده ايا كانت هويتها.
هذا هو اول واهم الدوافع نحو الكذب فى التاريخ، وفى
الحديث
ايضا.
2 - وغير (الدوافع الذاتيه) هناك دافع من نوع آخر يخضع
له
المورخ فيغض عن الحقيقه التاريخيه ويعرض عنها،
وربما
انساق الى ذكر ما يخالفها مما ينبغى ان يترك ويرد
على
اصحابه، انه (سلطان الراى العام)((85)) .. ومهما احسنا الظن
بالقائمين على الروايه والتدوين، فان شيئا فوق
طاقتهم من
الموثرات السياسيه والاجتماعيه لا بد ان يتدخل من
قريب او
بعيد (لان عاملى الرهبه القاهره والرهبه المغريه
كانا يسودان
الحياه فى تلك العصور)((86)).
× ولقد وقف كبار علماء وفلاسفه التاريخ عند هذا
العنوان
(الدوافع نحو الكذب فى التاريخ) فذكروا لذلك تفاسير
فيها
دقه وفوائد جليله، واهم من كتب من المسلمين فى ذلك
رجلان: التاج السبكى، وابن خلدون.
التاج السبكى: يرى ان الجهل، واعتماد من لا يوثق به،
والتعصب، هى الامور التى يرجع اليها كل ما فى
التاريخ من
اوهام واباطيل، ويرى ان هذه الامور هى الغالبه على
التاريخ
(فالجهل فى المورخين اكثر منه فى اهل الجرح
والتعديل،
وكذلك التعصب، قل ان تجد تاريخا خاليا منه)!
(فلا بد ان يكون المورخ: عالما.. عدلا.. عارفا بحال من
يترجمه
.. ليس بينه وبينه من الصداقه ما قد يحمله على التعصب
له ،
ولا من العداوه ما قد يحمله على الغض منه..
وربما كان الباعث له على الضعه من اقوام: مخالفه
العقيده،
واعتقاد انهم على ضلال، فيقع فيهم، او يقصر فى
الثناء عليهم
لذلك)((87)).
ومثل السبكى على اثر هذا الباعث الاخير بشيخه
الحافظ
الذهبى، اذ (قد غلب عليه مذهب الاثبات -اثبات صفات
اللّه
تعالى بما يفيده ظاهر النص المجرد والغفله عن
التنزيه، حتى
اثر ذلك فى طبعه انحرافا شديدا عن اهل التنزيه،
وميلا قويا
الى اهل الاثبات).
(ولقد استطال بلسانه على كثير من ائمه الشافعيه
والحنفيين،
وقال وافرط على الاشاعره، ومدح وزاد فى المجسمه).
ثم حذر من تاريخه (فانه، على حسنه وجمعه، مشحون
بالتعصب المفرط، فلا يجوز الاعتماد على الذهبى فى
ذم
اشعرى، ولا شكر حنبلى..
وهو شيخنا ومعلمنا، غير ان الحق احق ان يتبع: لقد
وصل من
التعصب المفرط الى حد يسخر منه!! وانا اخشى عليه يوم
القيامه من غالب علماء المسلمين)((88))!
-ذلك حين كان السبكى شافعيا اشعريا له مع الحنبلى
خصومات مذهبيه حاده، فقد لحظ ما نال اصحابه من خصم
لهم فى بعض الروى العقيديه، فادرك ان مخالفه
العقيده
اساس لكثير من ظلمات التاريخ واباطيله!
لكن الا يوخذ هذا على السبكى نفسه، اذ وقف انتصاره
هذا على
الاشاعره الشوافع، وربما الاحناف ايضا، اما غيرهم
من الطوائف
- كالشيعه الاماميه، او الزيديه، او المعتزله - فليس
ثمه اشاره
الى نصيبهم عند الذهبى؟!
ربما لان السبكى نفسه، وهو الناقد هنا، يتفق مع
الذهبى
المورخ فى موقفه العقيدى ازاء هذه الطوائف! ولا
نحتاج الى
شىء من البرهان على ان ناقدا شيعيا لو مارس حقه فى
النقد
لبرز لنا بالدرجه الاولى ما خاض به المورخ من جور
بحق اعلام
الشيعه ومعتقداتهم على اساس من اختلاف العقيده
واعتماد
الاكاذيب والموضوعات!
وليس غريبا الا نجد للاشاعره حظا فى ذلك ولو يسيرا ..
اما
المعتزله فلا يعرفهم الا اخوهم المعتزلى الذى سوف
ينسى
لاجلهم سائر الناس!
فالدوافع الذاتيه اذن كانت اولا وراء وضع الاخبار
لدى
الروائيين، وثانيا وراء انتقائها من قبل المورخين،
وثالثا وراء
محاكمتها عند النقاد!
ذلك اهم ما افادنا به السبكى، وما افدناه نحن منه.
ابن خلدون: ابن خلدون له جوله واسعه فى نقد التاريخ
يخلص
منها الى نتائج هامه، فثمه مجموعه كبيره من العلوم
يجب ان
يتوفر عليها صاحب هذا الفن: العلم بقواعد السياسه،
وطبائع
الموجودات، واختلاف الامم والبقاع والاعصار فى
السير،
والاخلاق، والعوائد، والنحل، والمذاهب، وسائر
الاحوال،
والاحاطه بالحاضر من ذلك ومماثله ما بينه وبين
الغائب من
الوفاق او الخلاف، وتعليل المتفق منها والمختلف،
والقيام على
اصول الدول والملل، ومبادى ظهورها، واسباب حدوثها
واحوال
القائمين بها واخبارهم.. ليكون عندئذ مستوعبا
لاسباب كل
حادث، واقفا على اصول كل خبر.
ومن تلك العلوم سوف تتهيا بين يديه القواعد
والاصول،
وحينئذ يعرض الخبر المنقول على ما عنده من القواعد
والاصول، فان وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحا،
والا
زيفه واستغنى عنه((89)).
اذن فمن خلال وقوف المورخ على كل ما له صله بحركه
التاريخ وبالخبر التاريخى سوف تتضح له جمله من
الضوابط،
هى بمثابه (القواعد والاصول) التى يزن بها الاخبار
والتحليلات
والاراء، وما لم تتضح له تلك القواعد والاصول فسوف
يخفق
حتما..
(فكثيرا ما وقع للمورخين والمفسرين وائمه النقل من
المغالط
فى الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد
النقل، غثا او
سمينا، ولم يعرضوها على اصولها ، ولا قاسوها
باشباهها، ولا
سبروها بمعيار الحكمه والوقوف على طبائع الكائنات،
وتحكيم
النظر والبصيره فى الاخبار)((90)).
لكن تحديد هذه القواعد والاصول هو الاخر عرضه
للخطا، تحت
ضغط الدوافع الذاتيه للمورخين انفسهم!
اما الاسباب الداعيه الى الكذب فى الاخبار، فهى عند
ابن
خلدون اكثر تفصيلا، فمنها:
1 - التشيعات للاراء والمذاهب: وهذا ما عرفناه تحت
عنوان
(الدوافع الذاتيه).
2 - الذهول عن المقاصد: فكثير من الناقلين لا يعرف
القصد
بما عاين او سمع، فينقل الخبر على ما فى ظنه
وتخمينه، فيقع
فى الكذب.
3 - توهم الصدق: وانما يجىء فى الاكثر من جهه الثقه
بالناقلين، وهذا يرجع الى التعديل والجرح((91)).
4 - الجهل بتطبيق الاحوال على الوقائع لاجل ما
يداخلها من
التلبس والتصنع، فينقلها المخبر كما رآها، وهى
انما كانت
بالتصنع على غير الحق فى نفسه.
5 - تقرب الناس فى الاكثر لاصحاب التجله والمراتب
بالثناء
والمدح وتحسين الاحوال، واشاعه الذكر بذلك،
فيستفيض
الاخبار بها على غير حقيقه! وهذا هو دافع (المصلحه)
العائد
الى (الدوافع الذاتيه).
6 - الجهل بطبائع الاحوال فى العمران (الاجتماع
البشرى):
وهذا عند ابن خلدون مقدم على كل ما سبق، فالمعرفه
بطبائع
العمران هى احسن الوجوه واوثقها فى تمحيص الاخبار
وتمييز
صدقها من كذبها، وهو سابق على الجرح والتعديل، فلا
يرجع
الى تعديل الرواه حتى يعلم ان ذلك الخبر فى نفسه
ممكن او
ممتنع، اما اذا كان مستحيلا فلا فائده للنظر فى
التعديل
والجرح.
اثنتان فقط، الاولى والخامسه، من هذه النقاط الست
تدخل
مباشره فى الدوافع الى الكذب والوضع والتزوير
ابتداء،
التشيعات للاراء والمذاهب، والتقرب الى اصحاب
المراتب،
وتدخل معها بالدرجه الثانيه النقطه الثالثه (توهم
الصدق)
الصادر عن الثقه بالناقلين، اذ غالبا ما يخضع
التعديل والجرح
للتشيعات للاراء والمذاهب.
اما النقاط الاخرى فعائده الى سبب تطرق الكذب الى
التاريخ،
الكذب الصادر عن انواع شتى من الخطا، دون العمد.
فى الفكر الغربى الحديث :
والغربيون ايضا ادلوا بدلوهم هنا، فكتبوا فى
الدوافع نحو الكذب
فى التاريخ اشياء تتحد الى حد بعيد مع كل ما تقدم،
فقد عد
الفرنسيان (لانجلوا، وسنيوبوس) ست حالات تدفع
المولفين
عاده الى الكذب:
الاولى : ان يكون المولف له مصلحه فى الكذب، وتلك
حاله
معظم الوثائق الرسميه .. وهذه تتحد مع النقطه
الخامسه عند
ابن خلدون.
والثانيه : ان يكون المولف فى موقف ارغمه على الكذب
.. وهذا
ما تقدم سابقا بعنوان (سلطان الراى العام).
والثالثه : ان يستشعر المولف عطفا او كراهيه لجماعه
من
الناس (امه، حزب، فرقه، اقليم، مدينه، اسره) او
لمجموع من
المذاهب او الموسسات (دين، فلسفه، فرقه سياسيه)
وهذا
الشعور حمله على تشويه الوقائع ابتغاء ان يعطى
فكره حسنه
عن اصدقائه، وسيئه عن خصومه.. وهذا ما عرفناه
بالتشيع
للاراء والمذاهب، وان دخلت هنا محاور جديده يمكن ان
يتشيع
لها الكتاب.
والرابعه : ان يكون المولف قد انساق وراء غرور فردى
او جماعى،
فكذب ابتغاء تمجيد شخصه، او الجماعه التى ينتمى
اليها..
وهذه الحاله يمكن ان تلحق بالمصلحه، ويمكن ان تلحق
بالاهواء، وقد يجتمع فيها الامران.
والخامسه : ان يكون المولف قد اراد ان يتملق
الجمهور، فتراه
يعبر عن العواطف والافكار المتفقه مع اخلاق
جمهوره، او
البدع السائده عنده، وحتى لو كان هو شخصيا ذا عواطف
وافكار مخالفه، فانه يشوه الوقائع ابتغاء تكييفها
مع اهواء
جمهوره واحكامه السابقه.
والسادسه : ان يكون المولف قد حاول تملق الجمهور
بحيل
ادبيه، فشوه الوقائع ليجعلها اجمل حسب تصوره
للجمال((92)).
فهذه العناوين السته يمكن ان تندرج كلها تحت
العنوانين
الرئيسين اللذين اثبتناهما سلفا: (الدوافع الذاتيه)
و(الراى
العام) على تفصيل فيهما، فلننظر فى آثار كل منهما فى
اهم
مصادرنا التاريخيه.
المحور الثالث - الاتجاه واجواء التدوين :
لكن حين ينحصر الامر بتاريخ امه قد ظهرت فيها
الاختلافات،
وتوزعت ابناءها الفرق والطوائف، وتغلبت الاهواء
التى تفرض
هيمنتها فى صياغه افكار الناس ورواهم للاحداث..
عندئذ اين
سيقف التاريخ؟
هل سيكون بعيدا عن معترك الميول والاهواء، منفصلا
عن
قيود الزمان والمكان ليسجل الاحداث والاخبار كما
هى تماما،
وبكامل اسبابها ودواعيها المباشره وغير المباشره،
ثم بكامل
تفاصيلها وما خلفته من آثار كما هى قبل ان تنفعل
معها
الميول والاهواء؟
لا شكان هذا هوالاملا
لمنشود،وهو
الذى
تقتضيه
الامانه
للتاريخ
وللحقيقه.
ولكن لا شك ايضا ان التاريخ لم يكتب فى الفضاء، ولا
كان
المورخ يستقل بساطا سحريا يقله فوق آفاق زمانه
ومكانه..
انه يكتب من على الارض، وفى زمان ما ومكان ما..
وانه يكتب ما يسمع، لا ما يرى ..
وانما يحدثه
رجاللهم حيال
الاحداث مواقف
وميول، فهو
لميسمعفى
الحقيقه حدثا مجردا، وانما سمع الحدث
ممزوجا به
او مضافا اليه انفعالات الناقلين..
وايضا فان المورخ نفسه هو واحد من اولئك البشر،
يعيش فى
عصر من الاعصار..
وللبشر ميول، ولكل عصر لونه ونغماته التى ميزته عن
غيره من
العصور، فهو ينفر من كل لون ونغمه لا تنسجم معها.
وفرق بين رجل يعيش فكرته لنفسه ولاصحابه الذين
يتابعونه
ويوافقونه، وبين آخر يكتب فكرته لتكون بين ايدى
الناس، كل
الناس، علمائهم وعامتهم، فاذا كان الاول قد يجد
نفسه فى
مامن ومعزل عن الرقباء، فان الثانى يرى عيون الناس
وكانها
ترصد افكاره وتحصى عليه حتى ما لم يرد بحسبانه! فهى
لا
تكتفى بقراءه ما سطره على الورق، بل تتعدى الى ما
وراء ذلك
لتقرا دوافعه وميوله ايضا، لتصدر احكامها عليه بحق
وبغير حق.
وحين يكون عصر من العصور قاسيا فى مواجهه النغمات
التى
لا توافق نغماته فانما جاءت قسوته من اناسه، لا من
ارضه ولا
سمائه..
ففى حال كهذه هل يبعد ان يكون المورخ مسوقا من حيث
يدرى او لايدرى، ومن حيث يريد او لا يريد لمجاراه
تلك
النغمات، او مداراتها؟
انه عندئذ سوف يقتطع من الحقيقه التاريخيه اجزاء
مساويه
لمقدار ذلك الانسياق.
ولعل هذا هو اقل الاخطار الثلاثه التى قد تتعرض لها
الحقيقه
التاريخيه..
اما الخطر الثانى : فيتمثل فى الانسياق التام
لنغمات العصر
واهواء اهله، والسير مع تياره الجارف الذى سيجرف
معه اهم
الحقائق التاريخيه التى تعاكس اتجاه سيره.
واما الخطر الثالث : فهو ان يكون المورخ نفسه من
اصحاب
الاهواء الذين لا يقبلون الا ما وافق اهواءهم، ولا
ينظرون الى
الاحداث والحقائق الا بمنظار الهوى.
ثم ان هذا الكتاب او ذاك من كتب التاريخ سوف يصبح
مصدرا
لثقافه الاجيال،تستقى منه رويتها للتاريخالتى
ستساهم
مساهمه فعاله فىصياغه عقائدها.
فحين يجتمع الناس على مصدر من مصادر التاريخ التى
نسجت فيها الاحداث تحت احدى الموثرات الثلاثه
المتقدمه،
على حساب الحقيقه التاريخيه، فمن البديهى ان تحمل
اذهانهم بروى مغايره للحقيقه.
ومن هنا تتسرب العقائد الدخيله الى الاذهان،
فيعتقد الناس
باشياء ومفاهيم ليست هى من الاسلام ومفاهيمه
الحقه، وهم
يظنون انها الحق الذى لاتشوبه شائبه لكثره ما يرونه
من
تسطير المورخين لها وربما دفاعهم عنها.
وسوف لا يكون العوام وحدهم ضحيه هذه الخطيئه، بل
العلماء
ايضا يقعون فى ذلك حين يقفون علومهم على هذا النوع
من
المصادر، وحين يكونون هم ايضا منفعلين بتلك
الموثرات
الثلاثه او بعضها.
فكيف اجتازت عيون التاريخ الاسلامى تلك الاجواء
لتحفظ لنا
حقائقه؟
لا شك ان الوقوف على المشاهد الحيه لاثبات حقيقه ما
هو اهم
بكثير من البحوث النظريه والبراهين الفلسفيه.
مشاهد حيه من عيون التاريخ
قدم سليمان بن عبدالملك الى مكه حاجا سنه 82 ه ، فامر
ابان
بن عثمان ان يكتب له سير النبى(ص) ومغازيه. فقال له
ابان:
هى عندى، قد اخذتها مصححه ممن اثق به.
فامر سليمان عشره من الكتاب بنسخها، فكتبوها فى رق،
فلما
صارت اليه نظر فاذا فيها ذكر الانصار فى العقبتين((94)) وفى
بدر، فقال: ما كنت ارى لهولاء القوم هذا الفضل، فاما
ان يكون
اهل بيتى غمصوا عليهم، واما ان يكونوا ليس هكذا!
فقال ابان: ايها الامير، لا يمنعنا ما صنعوا
بالشهيد المظلوم من
خذلانه ان نقول بالحق، هم على ما وصفنا لك فى كتابنا
هذا.
فقال سليمان: ما حاجتى الى ان انسخ ذاك حتى اذكره
لامير
المومنين، لعله يخالفه، ثم امر بالكتاب فخرق، ورجع
فاخبر اباه
عبدالملك بن مروان بذلك الكتاب، فقال عبدالملك: وما
حاجتك ان تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل، تعرف اهل
الشام
امورا لا نريد ان يعرفوها؟!
قال سليمان: فلذلك امرت بتخريق ما نسخته((95)).
ومن هذه الواقعه تظهر عده ملاحظات مهمه:
لم يكن اهمها تخريق الكتاب..
ولا كلمه عبدالملك بن مروان - وهو الخليفه - التى تعد
دستورا نافذا فى تحديد المنهج الثقافى ابان الحكم
الاموى..
بل اهم من ذلك اختفاء اهم مناقب الانصار، وفى
الوقائع
الحاسمه فى تاريخ الاسلام: بيعه العقبه الاولى،
والعقبه الثانيه،
ومعركه بدر! غابت عن السواد الاعظم من المسلمين،
وحتى
عن سليمان بن عبدالملك الذى سيصبح عن قريب خليفه
المسلمين، هذا وما زال الناس فى القرن الاول من عمر
الاسلام!
لا شك ان جنايه الانصار الذين كانوا انصار رسول
اللّه
والمجاهدين معه وانصار دين اللّه، هى انهم لم
يكونوا فى ما بعد
انصارا لبنى اميه. وهذه وحدها حجه كافيه فى غلق
ابواب
الجدال فيهم، وفى تخريق الكتاب.. هذا ان لم نعطف
عليه ما
سيراه الامويون اذن فى الانصار من نظره عداء قديم
ثبت ظاهرا
بالفعل على مدى عشر سنين، ابتداء ببيعه العقبه
الاولى،
ومرورا بمعركه بدر واحد والخندق، وانتهاء بفتح مكه!
وثمه ملاحظه اخرى خفيه لم تتطرق اليها نصوص هذه
الواقعه،
لكن الناظر الفطن يراها ظاهره ظهور النصوص الجليه..
فماذا لو وقف سليمان بن عبدالملك فى تلك الصحف على
مواقف على بن ابى طالب وبنى هاشم ومناقبهم، الم يكن
سينكرها اشد من انكاره لمواقف الانصار؟
ان هذه الواقعه لتنطق بصوت خفى بان تلك الصحف التى
حفظت من حق الانصار ما اثار انتباه الامير ودهشته
ثم استنكار
الخليفه من بعده، لم تكن تحفظ شيئا من حق على وبنى
هاشم
الذين هم لبنى اميه خصوم العقيده والتاريخ.
ولهذه الملاحظه ما يويدها من سيره ابان بن عثمان،
اذ كان
هواه على الدوام مع خصوم على، ففى مستهل شبابه فى
السادسه عشره من عمره خرج مع اصحاب الجمل لقتال
على،
ثم كان هواه مع الامويين وعمل لهم واليا على
المدينه المنوره
سبع سنين.
واذا كانت هذه الملاحظه قد جاءت هنا خفيه، فانها قد
استولت
بالكامل على المشهد الاتى:
2 - قال المدائنى :
اخبرنى ابن شهاب بن عبداللّه، قال: قال لى خالد
القسرى((96)):
اكتب لى السيره. فقلت له: فانه يمر بى الشىء
من سير على بن ابى طالب، فاذكره؟
قال: لا، الا ان تراه فى قعر الجحيم((97))!
فهذا القول الصريح لا يقصر عن ان يكون برهانا على ما
نسبناه
الى تاريخ ابان بن عثمان آنفا.
3 - من اصحاب التاريخ الذين عرفناهم فى القسم الاول :
عروه بن الزبير والزهرى وموسى بن عقبه، فكيف كان
موقفهم
من سير على بن ابى طالب(ع)؟
كان عروه بن الزبير واحدا من كبار علماء المدينه،
هذا حق،
وكان قد اعتزل السياسه ايام النزاع بين اخيه
عبداللّه وبين
الامويين، هذا ما حفظه له التاريخ، ولكن هل اعتزل
ايضا ازاء
النزاع الذى حصل حول الخلافه؟
الذى ثبت عنه يفيد القطع بانه لم يكن معتزلا ذلك
النزاع..
فالذى ثبت عنه ان اكثر حديثه كان عن ام المومنين
عائشه،
ولا شك انها كانت طرفا من اطراف النزاع فى مراحله
الاخيره،
كما كان لها ميل صريح الى احد طرفى النزاع منذ ايامه
الاولى،
بل ربما قبل ذلك ايضا.
ولقد ثبت عن عروه انه قد تاثر بهذا الميل تاثرا
كبيرا، بل
الارجح ان ميله هذا هو الذى دعاه الى الاختصاص
بعائشه دون
سواها، فهو ابن الزبير بن العوام الذى كان الى جانب
عائشه فى
طليعه الداعين الى نقض بيعه على بن ابى طالب واعلان
الحرب ضده، تلك الحرب التى كان الزبير من اول
ضحاياها.
وكان عروه قد حاول الخروج معهما فى تلك الحرب، لكن
ردوه
لصغره، اذ كان عمره ثلاث عشره سنه((98)).
فلم يكن اختصاصه بام المومنين عائشه لكونها خالته
اخت امه
اسماء اذن، فلقد كان بنو هاشم اخواله ايضا، فام
ابيه هى صفيه
بنت عبدالمطلب اخت ابى طالب.
ولقد كان هذا الميل ثابتا فى حديثه حتى عد فى
المنحرفين
عن على(ع)، نسبه الى ذلك من لا يتهم فيه:
قال معمر: كان عند الزهرى حديثان عن عروه عن عائشه
فى
على(ع)، فسالته عنهما يوما، فقال: ما تصنع بهما
وبحديثهما؟
اللّه اعلم بهما! انى لاتهمهما فى بنى هاشم((99))!
اذن فهذا المصدر متهم ايضا، متهم لا فى اخفاء بعض
حقائق
التاريخ وحسب، بل فى ادخال الاخبار المختلقه التى
نسجها
خصوم بنى هاشم للنيل منهم والتنقص من منزلتهم!
انه متهم بذلك حتى عند الزهرى الذى لم يكن له ميل
الى
على وبنى هاشم، بل على العكس كان قريبا من بنى اميه
مقربا
لديهم، كما سياتى ذكره.
4 - مغازى ابن شهاب الزهرى :
الفائده الاخرى التى تظهر من الخبر المتقدم هى ان
الزهرى
كان اكثر انصافا لحقائق التاريخ من عروه.
ومره اخرى يبدو الزهرى اكثر انصافا من آخرين ممن
عاصروه
حين يوجه الطعن للتاريخ الذى كان يكتب على عيون بنى
اميه.
قالمعمر: سالتالزهرى،
عنكاتبالكتابيومالحديبيه،
فضحك،وقال: هو على بن ابى طالب، ولو سالت هولاء -
يعنى
بنى اميه - لقالوا: عثمان
((100))!!
اذن لم يقتصر الامر هنا على كتمان مواقف على وسيره،
بل
تعدى الى سلبها منه واضافتها الى غيره!
لا شك ان الخبرين المذكورين قد حفظا للزهرى موقفا
فريدا،
اذ نزه قلمه فيهما عن لونين من الوان اغتصاب
الحقيقه
التاريخيه، فابى ان يسوق احاديث علم انها وضعت
للنيل من
على وبنى هاشم، كما ابى ان يسلبهم حقهم ليمنحه
آخرين من
غيرهم.
وللزهرى موقف ثالث يحفظه له التاريخ، موقف شجاع دون
شك، والخليفه الوليد بن عبدالملك يقرا، والزهرى
عنده: (ان
الذين جاءوا بالافك عصبه منكم - الى قوله تعالى -
والذى تولى
كبره منهم له عذاب عظيم)((101)) فالتفت الى الزهرى وقال:
الذى تولى كبره منهم على!
قال الزهرى: قلت: لا، لكنه عبداللّه بن ابى((102)).
وله مثل هذا ايضا مع هشام بن عبدالملك وقد سعى السعى
نفسه، اذ دخل عليه سليمان بن يسار، فقال له هشام:
الذى
تولى كبره من هو؟
قال: ابن ابى.
قال هشام: كذبت، هو على!
قال ابن يسار: امير المومنين اعلم بما يقول!
فدخل الزهرى، فاعاد عليه هشام السوال، فقال: هو ابن
ابى،
فزجره هشام ليقول هو على، او ينسل من الجواب انسلال
ابن
يسار، لكن الزهرى لم يرضخ ورفض ان يكذب لهشام((103)).
ويبقى السوال: هل استطاع الزهرى ان يكون امينا على
السير
فيثبتها فى محلها بلا زياده ولا نقصان، وحتى سير
على وبنى
هاشم والانصار، فى تلك الاجواء التى لم تتوقف عند
كتمان
سيرهم، بل تعدت ذلك فاثارت حولها سحبا كثيفه لتعكس
لهم
صوره اخرى تماما؟
هل وفى الزهرى للحقيقه وادى الامانه على اتم وجه؟
الحق ان من تتبع روايه الزهرى للسير والمغازى يجد
انه لم
يكن كذلك، فعلى امتداد سيره النبى(ص) ومغازيه لا تجد
لعلى بن ابى طالب ذكرا، الا حين لاينطوى ذكره على
فضيله
تميزه على غيره((104))، وحين سئل عن فضيله له
جحدها!
ففى ذكر اول من اسلم نقل عبدالرزاق ما نقله معمر عن
غير
الزهرى: ان اول من اسلم على بن ابى طالب. لكن الزهرى
قال:
ما علمنا احدا اسلم قبل زيد ابن حارثه((105)). فى
حين لا
يكاد يعرف هذا عن احد غير الزهرى((106)).
ثم يواصل الزهرى ذكر من اسلم فلا يذكر اسلام على ولا
احد
من بنى هاشم.
ثم يمضى فى ذكر السيره والمغازى فلا تجد عليا فيها
الا رجلا
غريبا ليس له فيها خبر ولا اثر، مع انه لا يمر على
اثر لابى بكر
وعمر الافصل فيه وزينه، اما على فلا ذكر له لا فى
العهد
المكى، ولا فى الهجره، ولا فى المواخاه، ولا فى
بدر، ولا فى
احد، ولا فى الخندق، ولا فى خيبر، ولا فى فتح مكه،
ولا فى
حنين، ولا فى تبوك، ولا فى غير ذلك!!
انه ليبدو لقارى مغازى الزهرى ان عليا رجل غريب على
السيره!
ولقد استشعر عبدالرزاق ذلك وهو يروى مغازى الزهرى
فتداركه فى مواضع معدوده فقط:
فروى خبر اسلام على من حديث معمر عن قتاده وعن عثمان
الجزرى((107)).
وروى مبيت على(ع) على فراش النبى(ص) يوم الهجره من
حديث معمر عن عثمان الجزرى وعن قتاده((108)).
اما حديث
الزهرى فكان يرويه عن عروه عن عائشه، وليس فيه ذكر
لعلى((109)).
وروى قول النبى(ص) لعلى(ع) حين خلفه اميرا على
المدينه
يوم تبوك (اما ترضى ان تكون منى بمنزله هارون من
موسى،
الا انه لا نبى بعدى) رواه من حديث معمر عن قتاده
وعلى بن
زيد بن جدعان((110)).
هذا مع ان الزهرى يثبت فى مغازيه حديث ابن عباس الذى
يدين فيه ام المومنين عائشه للسبب نفسه، كتمان
مواقف
على!
قال الزهرى: اخبرنى عبيداللّه بن عبداللّه بن عتبه
ان عائشه
اخبرته، قالت: اول ما اشتكى رسول اللّه(ص) فى بيت
ميمونه،
فاستاذن ازواجه ان يمرض فى بيتى، فاذن له - قالت -
فخرج
ويد له على الفضل بن عباس، ويد اخرى على يد رجل آخر،
وهو
يخط برجليه فى الارض.
فقال عبيداللّه: فحدثت به ابن عباس، قال: اتدرى من
الرجل
الذى لمتسم عائشه؟ هو على بن ابى طالب، ولكن عائشه
لا
تطيب نفسا بخير
((111)).
استظهار :
من هذه القراءه فى مغازى الزهرى يظهر بما لا يدع
مجالا
للشك ان ذلك المورخ الذى سماه المدائنى (ابن شهاب
ابن
عبداللّه) والذى طلب اليه خالد القسرى ان يكتب له
السيره، انه
هو ابن شهاب الزهرى هذا، فابن شهاب هو الغالب على
تسميه
الزهرى، و هو محمد بن مسلم بن عبيداللّه بن
عبداللّه بن
شهاب، فوقع اللبس لما فيه من نسبه الى الجد الاعلى
مع
تقديم و تاخير.
ويويد ما قلناه انه لم يكن احد من اهل العلم بالسير
ممن عاصر
خالد القسرى يعرف بابن شهاب الا ابن شهاب الزهرى.
اذن هذه هى مغازى ابن شهاب الزهرى التى عرف بها
بنفسه،
فقال: قال لى خالد القسرى: اكتب لى السيره.
فقلت له: فانه يمر بى الشىء من سير على بن ابى
طالب،
فاذكره؟
فقال: لا، الا ان تراه فى قعر الجحيم((112))!
فلما لم يجد الزهرى عليا فى وربما ظن انه قد سلك مسلكا وسطا، فلا هو ارضاهم فى النيل من على وبنى هاشم، ولا هو اسخطهم بذكر سير على وبنى هاشم! |