تاريخ
الاسلام الثقافى والسياسى
مسار الاسلام بعد الرسول
ونشاه المذاهب
صائب عبدالحميد هذا الكتاب الدوافع
والاهداف والمنهج
من هنا اصبح الوعى التاريخى جزءا لا يتجزا من الوعى
العقيدى..
واصبح تصحيح المخزون التاريخى شرطا اساسا فى تصحيح
الاعتقاد.
اننا بلا شك امه ذات تاريخ عريق جدير ان تفخر به
وتعتز، فلم
تكن نقله التوحيد الكبرى التى احدثها الاسلام فغير
بها صوره
الحياه على الارض بالامر اليسير او الهين.. ولا كانت
رساله
القرآن الشامله الخالده بالامر الذى يطوى او يقلل
من اهميته
شىء على الاطلاق.. ولا كان المد الحضارى الذى صنعه
المسلمون طوال ثلاثه عشر قرنا ملكوا فيها بالشىء
الذى يغيب
اثره.. انه جدير بنا ان نفخر بذلك كله، وان
نربىاجيالنا على
الفخر به، فنبرز دوما دواعى الفخر ونحفها بالاطراء
والتبجيل
والتقديس..
لكننا فى الوقت ذاته بحاجه اكيده الى الاعتراف
بوقوع الخطا
والانحراف فى المسار التاريخى، ثم تشخيص ذلك
وتحديده
وتتبع اصوله وجذوره لملاحظه مدى الاثر الذى تركه فى
الامه
فكريا واجتماعيا، ذلك لما احتله التاريخ الاسلامى
من دور
معرفى خطير.. (فمما لا شك فيه انه قد وقعت انحرافات
كثيره
فى المجال السياسى عن الخط الاسلامى الاصيل، وان
هذه
الانحرافات قد وقعت فى وقت مبكر من تاريخ الاسلام
لم يكن
ينبغى ان تقع فيه)((1)).
اذن فالذى ننظر اليه نظره التبجيل والتقديس ونكرس
فى
اظهاره والدفاع عنه كل الطاقات والامكانات ليس هو
الواقع
التاريخى الناجز بكل ما يحويه من حلو ومر، بل هو
الاطروحه
والموقف والانجاز الذى يتحرك مع اهداف الشريعه
ومقاصدها
بغض النظر عن مصدره، اهو السلطان والنظام السياسى
القائم،
ام الخطوط الاسلاميه المعارضه للسلطان ونظامه..
فليس من الموضوعيه فى شىء ان نجعل الواقع
التاريخى
الناجز هو المقوم للحقيقه وللتاريخ نفسه، بل
الشريعه بنصوصها
ومعالمها ومفاهيمها ومقاصدها هى المرجع فى تقويم
ذلك
كله.
لا بد ان نتنبه وننبه دوما الى الفصل بين سياده
الاسلام
وانتشاره كقيمه حضاريه وانسانيه وبين الدوله
السلطانيه التى
قد تلتقى معه فتكون جزءا منه حيا فعالا دافعا
لحركته باتجاهها
الصحيحح،وقد تفترق عنه فتكون اهم ما يعيق حركته من
الداخل! (الا ان رحا الاسلام دائره، فدوروا مع
الكتاب حيث دار،
الا ان الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا
الكتاب، الا انه
سيكون عليكم امراء يقضون لانفسهم ما لا يقضون لكم
فاذا
عصيتموهم قتلوكم واذا اطعتموهم اضلوكم)((2))!
فالمسيره
مع الكتاب، التى قد يفارقها السلطان، هى التى تمثل
تاريخ
الاسلام الحق الذى ينبغى ان نبرزه ونقدمه للاجيال
منار هدى
ورايه فخر.. هذه الرويه تشكل المقدمه الاولى لقراءه
واعيه فى
التاريخ يكون النقد الموضوعى البناء اهم لوازمها..
اما المقدمه الثانيه فتنصب على دواوين التاريخ
الاسلامى :
تلك الدواوين، مراجع التاريخ، التى ان كانت قد حملت
الكثير
والكثير جدا من حقائق التاريخ، او تكاد فى مجموعها
ان تكون
قد حفظت جميع حقائقه، فهى بلا شك قد حملت الى جنب
ذلك اباطيل كثيره:
منها: ما هو اسرائيلى الصنع!
ومنها ما هو من صنع الزنادقه الذين تستروا بالاسلام
فكادوا له
شرا، وهولاء كانوا دائما اقدر على تزيين اساطيرهم
وترويجها، اذ
كانوا يضعون اساطيرهم دائما فى خدمه اهواء اصحاب
الفرق
الدينيه او السياسيه المتناحره، وفى اجواء هيجان
الصراع
الفكرى بينها، فمن الطبيعى ان تجد لها على الفور
انصارا
يتمسكون بها ولا تعنيهم مصادرها ما دامت قد حققت
ماربهم!
ومنها ما نقل خطا، من غير قصد، بتوهم انه الحق.
ومنها اكاذيب القصاصين وتحسيناتهم حين لم تكن
غايتهم
الكذب والكيد والقاء بذور الفتن، بل حين يمضون وراء
تجارتهم،
او مواقعهم الاجتماعيه، او نهجهم القصصى.
ومنها ما اختصت به المصادر الحديثه، من كتب فى
التاريخ او
دراسات تاريخيه، مما ترشح عن مدارس الاستشراق، او
التفاسير الماديه او القوميه للتاريخ الاسلامى!
من كل هذا تجمع حول الحقيقه التاريخيه غبار كثيف،
وجاءت
الحقائق مفرقه، موزعه هنا وهناك.
فمن هنا اكتسبت الدعوه الى تصحيح التراث واعاده
كتابه
التاريخ مصداقيتها، واصبحت ضروره لاغنى عنها فى اى
جهد
معرفى، ابتداء بالمطالعه العامه، الى التثقيف
والتعليم، الى
التاصيل، والى اعاده الصياغه بما يتناسب مع لغه
العصر
وحاجاته وما توفر فيه من ادوات للنقد ومناهج للبحث..
(ان
هناك عده ملاحظات فى اكثر من اتجاه تجعلنا نلح على
ضروره اعاده كتابه التاريخ الاسلامى)((3)).
فهى ضروره قد ادركها عامه المهتمين بشان التاريخ،
وعقدت
لاجلها الجامعات العربيه موتمرا علميا كبيرا اقيم
فى جامعه
الكويت عام 1974 م، وانتهى الموتمر باقرار ضروره
تنفيذ
مشروع لاعاده كتابه التاريخ الاسلامى((4)). وقبل
انعقاد هذا
الموتمر بعقود من الزمن كانت تتردد مثل هذه الدعوه
من
مصادر مختلفه، لكن المشكله فى تلك الدعوات - وان لم
تخل
من دعوات مخلصه - انها غالبا ما تكون دعوات مغرضه،
تنوى
حشر التاريخ الاسلامى فى قوالب غريبه عليه، قوميه،
او ماديه،
او متاثره بواحده من الفلسفات الغربيه والاتجاهات
الاستشراقيه الحديثه!
وهذه الدعوات اخطر على تاريخ الاسلام من كل ما
حملته
دواوينه من اباطيل وظلمات، لانك تجد الى جنب هذه
الاباطيل والظلمات حقائق لها نور تهتدى به ما اردت
الهدى،
اما حين يصاغ التاريخ وفق قوالب غريبه عليه، فسوف
لا تجد
بين ظلماته واباطيله نورا لحقيقه!
وحين ننتقل الى الدعوات الاسلاميه المنبعثه باخلاص
فى هذا
الاتجاه، فسوف نصطدم بمشكله معقده اخرى، وهى ان
الكثير
منا ما زال لا يعرف الف باء فقه الحريه! فهو لا يرى
اللّه الا من
خلال السلطان! فالسلطان عنده هو المعبر دائما عن
اراده اللّه
واهداف الشريعه!
ان وجود هذا الطراز من الناس بين طلائع المورخين
ونقاد
التاريخ قد شكل فى نظرنا اهم مبررات التصحيح واعاده
كتابه
التاريخ، دون ان يقلل من اهميه المبررات الاخرى.
ثم ان طائفه من نقاد التاريخ الاسلاميين قد قطعوا
شوطا
طويلا فى فقه الحريه، فاثارتهم ظاهره الاستبداد فى
التاريخ،
فراحوا يحللون عناصرها، فوجدوا (وعاظ السلاطين)
ظاهره
ملازمه لها، فلما توغلوا فى التفصيل ليقدموا نماذج
من وعاظ
السلاطين وادوارهم التخريبيه، اذا بهم ينتخبون
(فرنسيس
بيكون) مثلا! ذلك الفيلسوف الانجليزى الذى امتلك كل
دواعى الفخر من علم وفطنه وقدرات شخصيه، الا الشرف!
ذلك لانه كان يرتشى! وكان يقضى احيانا بحسب رغبه
السلطان!!
ان رجالا فى تاريخنا القديم والمعاصر مثلوا هذا
الدور ودخلوا
فى تكوين العقليه المسلمه - نسبه الى المسلم لا الى
الاسلام -
هم اجدر بكثير ان يكونوا امثلتنا عن وعاظ السلاطين
ونحن
نواجه مشكلات تاريخنا الخاصه، ثم بعد ذلك سوف لا
تنتفى
الفائده من التمثيل بفرنسيس بيكون وغيره.
ان مجموع تلك الروى والملاحظات وما يتشعب عنها من
فوائد
قد صاغت لدينا المعالم الاساسيه فى المنهج
المتكامل لنقد
وقراءه التاريخ الاسلامى، والتى بوسعنا تبيانها
على النحو الاتى:
1- ان الدوله السلطانيه والنظم السياسيه بعد الرسول
الاعظم
(ص) لا تعبر بالضروره عن كلمه الاسلام واهدافه، بل
قد
تختلف معها وتقاطعها، وهذه حقيقه تاريخيه ملموسه
لا تضر
ابدا فى كون الاسلام مشروعا حضاريا شاملا قد ادخل
فى
حسابه عناصر الزمان والمكان والفطره البشريه.
2- عدم التسليم بكل ما تضمنه تراثنا التاريخى من
نصوص.
3- عدم التسليم باراء الناقدين والمحللين من
القدامى
والمحدثين.
4- استبعاد المواقف المسبقه ازاء الاحداث والقضايا
التاريخيه،
والحكم عليها وفق معطيات ونتائج البحث العلمى.
5- استبعاد المناهج الغريبه على الاسلام، فى
القراءه والنقد
والتحليل، سواء فى ذلك المناهج الاستشراقيه،
والقوميه،
والماديه، والباطنيه، والطائفيه، والفوضويه
المتاثره بالذوق
الشخصى او بالظروف الخارجيه المتقلبه.
6- اعتماد الادوات العلميه والموضوعيه اللازمه فى
محاكمه
الروايه والراى، واختيار ما تثبت الادوات صحته،
ونفى الاخر
الذى لا تجد له اثرا فى الطرف الاخر من المعادله،
فهو انما
اندس فى تراثنا عند غياب رقابه تلك الادوات، او
بالالتفاف
عليها.
7- النظر الى مناهج المورخين المتقدمين وطبيعه
تتبعهم
واختيارهم للاخبار، كواحده من ادوات البحث، فالذى
يختاره
واحد او اكثر ممن عرف بالتثبت ودقه الاختيار اولى
بالقبول
من روايه من غلب على منهجه جمع الاخبار دون تمحيص،
حين تاتى روايته بلا اسناد او باسناد فيه ضعف بين.
واصحاب التفصيل والاطناب حكم على اصحاب الايجاز فى
ما
تحوم حوله شبهه انكار.. وصاحب الهوى متهم فى ما يرمى
به
خصمه حين يتفرد به، او حين لا يشاركه فى روايته الا
آخر
مثله.. وهو متهم ايضا فى ما يتفرد به من مناقب وفضائل
ينسبها
الى طائفته، لكن شهادته مقبوله حين يشهد على طائفته
بتقصير او انحراف.. الى غير ذلك من خصائص منهجيه ذات
صله بهذا الموضوع.
8 - سحب المرجعيه والاصاله من المراحل التاريخه
ورجال
التاريخ كافه، ووضعها فى محلها الصحيح، فى الكتاب
الكريم
والسنه المطهره، من قول النبى(ص) وتقريراته وسيرته
العمليه، وكل ما وراء هذين المصدرين من مراحل
التاريخ
ورجاله فهو موزون بهما، معروض عليهما، محكوم عليه
باحكامهما، ولا يصح بحال اعتباره فى نفسه مرجعا
ترجع اليه
القضايا التاريخيه المتنازع فيها، او اصلا تقاس
اليه.. قال تعالى :
( فان تنازعتم فى شىء فردوه الى اللّه والرسول ان
كنتم
تومنون باللّه واليوم الاخر ذلك خير واحسن تاويلا )((5)).
ولعل هذا الاصل المنهجى الاخير هو اهم ما يميز هذه
الدراسه
عن غيرها من محاولات الاسلاميين السابقه على طريق
التصحيح واعاده كتابه التاريخ الاسلامى.
ولقد قررنا منهجيا ان يقتصر هذا الكتاب على المرحله
الحاسمه
والاكثر حساسيه فى تاريخ الاسلام والمسلمين، والتى
تبتدى
بوفاه الرسول الاعظم(ص)، وتنتهى بظهور الفرق
والمذاهب
الرئيسيه وتمايزها.. ذلك لان هذه المرحله هى اصل
النزاعات
وام الخلافات الواقعه بين المسلمين، واليها يرجع
كل ما تدعيه
الفرق الاسلاميه على تعددها((6)).
وقد تقسمت هذه الدراسه على خمسه ابواب، تراوحت
فصولها
بين الاثنين والثلاثه لكل باب..
ركزنا فى الباب الاول على مجموعه من الاثارات
الكبيره
والارقام الهامه الشاهده على وقوع الاضطراب الكبير
والتناقضات الكثيره فى مصادرنا التاريخيه، سواء ما
كان منها
مختصا بتواريخ الفرق والمذاهب وعوامل نشاتها، او
ما كان
مختصا بالتاريخ السياسى والاجتماعى.. لنذكر اثناء
ذلك
الابواب والمنافذ المحتمله لدخول الاخبار
المتناقضه
والمتضاربه، ليكون فى هذه الفقره ذاتها، التى
انتظمت فى
الفصل الثانى، مع فقرات اخر تضمنها الفصل ذاته مما
يفى
بتعضيد وتجسيد ضروره القراءه النقديه الدقيقه
لتاريخنا
الاسلامى.
وفى الباب الثانى تناولنا النظريه السياسيه عند
المسلمين منذ
نشاتها، اذ كانت فى يومها الاول مفتاحا للواقع
الجديد لمرحله
ما بعد الرسول (ص)، ثم راينا كيف ترك الواقع
التاريخى نفسه
اثره على صياغه النظريه السياسيه وتطورها فى
مراحلها
اللاحقه.. ذلك الاثر الذى كان مرآه لاثر الواقع
التاريخى نفسه
فى دواوين التاريخ وكتب الفرق والمذاهب.
وابتداء من هذا الباب فقد التزمنا البحث عن البديل
الصحيح
لكل قضيه لا تصمد امام النقد، ولا يسندها البرهان
العلمى.
وتناولالباب الثالث التفصيل فى معالم المسار
الجديد، سياسيا،
ودينيا واجتماعيا، فتجاوز معالم السياسه الى معالم
الحركه
الدينيه المتمثله فى الموقف من القرآن والسنه
والتصور الكامل
لدورهما فى الحياه السياسيه والاجتماعيه، وموقع
الاجتهاد
وتطوره، والى معالم الحاله الاجتماعيه، وحركه
الفتوح
الاسلاميه.
وانتقل الباب الرابع الى مرحله جديده مر بها
التاريخ الاسلامى،
تميزت بمحاوله الاصلاح والتصحيح لما وقع من اخطاء
سياسيه
او دينيه او اجتماعيه فى المرحله السابقه، وتقويم
اى اعوجاج او
انحراف قد طرا فى المسار لاعاده وصله باصله الاول -
مسار
الاسلام فى حياه الرسول (ص) - مع التوقف فى اثناء ذلك
على
الصعوبات التى كانت تواجهها حركه التصحيح،
والمشاكل
الحادثه فى طريقها، ذات الصله الاكيده بالمرحله
السابقه.
اما الباب الخامس والاخير فقد توقف عند معالم مرحله
جديده،
هى مرحله انعطاف خطير فى المسار التاريخى، كانت
خصبه
بالخلافات والنزاعات التى كانت اسبابا مباشره فى
نشاه الفرق
والمذاهب، مع التركيز على العوامل الخاصه الداخله
فى نشاه
وتكوين كل واحد من هذه الفرق والمذاهب.
ثم الحقناه بخاتمه جمعت فى استعراض سريع اهم
النتائج التى
توصلت اليها هذه الدراسه.. ثم فهرسا مفصلا فى مطالب
الكتاب، وآخر فى المراجع والمصادر المعتمده فى هذا
الكتاب،
ضمناه تعريفا مفصلا بالنسخ المعتمده لدينا لملاحظه
اختلاف
الطبعات فى ارقام الصفحات، وفى تسلسل الاحاديث
والتراجم
احيانا ان وجدت.
واخيرا : اخص بوافر شكرى من ساهم فى تدعيم هذا
الكتاب من
العلماء والاساتذه والاخوه الافاضل، من خلال نظره
شامله، او
مراجعه دقيقه لبعض ابوابه، او حوار فى افكاره
العامه وبعض
فقراته، او توفير مصدر من مصادره، او توفير ظروف
طباعته،
والايدى التى ساهمت فى الطباعه والاخراج فى جميع
مراحلها.. وكل منهم سيعلم حين يقف على هذا انه مقصود
بذكرى واعجابى وشكرى وخالص دعائى وتقديرى وفخرى.
كما اتقدم بوافر شكرى الى الاساتذه الباحثين وذوى
الخبره
الذين يقومون ما يقفون عليه من خطا او قصور فى هذه
الدراسه، فلست ادعى لها الكمال، وقد ابى اللّه
الكمال لكتاب الا
كتابه!
وما عند اللّه خير وابقى.. وهو حسبى ونعم الوكيل..
صائبعبدالحميد
الجمعه 22ربيعالثانى 1417- 6/9 / 1996 م
الباب
ولاجل هذا فقد وضعوا قواعد، واصلوا اصولا اعتمدوها
فى تمييز
الفرق ليبلغوا بها هذا العدد، ظانين انهم ان لم
يبلغوه ويقفوا
عنده فقد اخطاوا فى الاحصاء، وطعنوا فى الحديث
المذكور!
وكانهم تعجلوا قيام الساعه، فحين اخبر الحديث
بحصول هذا
العدد فلا بد ان يكون قد تم ذلك على عهد هذا المصنف
او
ذاك!
وهذا تعجل، فالزمن لم يتوقف عندهم، والاحقاب التى
اعقبتهم
قد افرزت فرقا جديده لم يعرفوها، فاذا كان تقسيمهم
صحيحا
فقد زاد العدد بعدهم على الثلاث والسبعين!
انهم لم يعرفوا البابيه((8))، ولا البهائيه((9))، ولا
الوهابيه((10))،
ولا القاديانيه((11))، بل لم يعرفوا اليزيديه
والعدويه((12))
التى نجمت فى اواخر القرن السادس الهجرى،
وربما اتى الزمان بالجديد، فالاختلافسنه من سنن
هذه
الحياه!
وقد طعن الشهرستانى هذه الطريقه، فقال: من المعلوم
الذى
لا مراء فيه ان ليس كل من تميز عن غيره بمقاله ما عد
صاحب
مقاله، والافتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر
والعد، فلا بد
من ضابط فى مسائل هى اصول وقواعد يكون الاختلاف
فيها
اختلافا يعتبر مقاله، ويعد صاحبه صاحب مقاله((14)).
لكن الشهرستانى حين وضع هذا الضابط، عاد فوجهه على
النحو الذى ينتهى بالفرق الى ثلاث وسبعين فرقه قد
تحقق
وجودها فعلا حتى ذلك العهد، فهو لم يخرج اذن عن
دائره
التعسف فى محاوله تفسير هذا الحديث.
تحديد اصول المذاهب وتاريخ نشوئها :
فعند غيابالمعالم الثابته لذلك التاريخ، وغياب
الادله القطعيه
على انتسابها الى تلك الاصول، فسوف يضطر هولاء الى
اقحام
آرائهم الشخصيه فى ذلك، ولم تخل الاراء دائما من
ميل الى
فئه، وهوى مع طائفه، وتحامل على اخرى.
فادى ذلك الى ظهور اخطاء كثيره، وقاد الى مزيد من
الغموض، كما حمل كثيرا من الفرق ابعادا غريبه
عليها.
ومن امثله ذلك: ما ذهب اليه البعض من ارجاع الكثير
من
الفرق الاسلاميه الى اصول غريبه عن الاسلام،
كاليهوديه
والنصرانيه والمجوسيه واليونانيه والهنديه.
وقد ظهر هذا الاتجاه قديما فى كتب الملل والنحل،
ومضى
عليه ابن تيميه وتطرف فيه((15)).
واخذ به الكثير من المتاخرين، واكثر المستشرقين((16)).
بينما ذهب بعض المتاخرين الى نظريه مضاده نفت ذلك
النوع
من التاثر، ورات اصاله الفرق الاسلاميه على
اختلافها، فقال
الدكتور النشار ملخصا وجهه نظره فى هذه المساله: ان
فلسفه
ايه امه من الامم هى انبعاث داخلى عقلى يعبر عن
الروح
الحضاريه لهذه الامه، وانه ليس من المعقول ان
تتشابه
الانبعاثات الداخليه العقليه لامتين مختلفتين اشد
الاختلاف
جنسيا وعقليا ولغويا، وان فلسفه امه ما من الامم لا
تخرج عن
دائره السنه التى تضعها هذه الامه، ومن خرج عن هذه
الفلسفه
لفظ حتما من الدائره العقليه، ولم يعد يمثل فلسفيا
سوى فكره
الذاتى((17)).
وقال الدكتور محسن عبدالحميد: اننا لو راجعنا بدء
تحرك
الاحداث السياسيه والاجتماعيه الكبرى فى صدر
الاسلام،
لحصل عندنا يقين كامل انه هو الذى ولد الحركه
الفكريه التى
حدثت فى ما بعد، والتى ارادت ان تلتمس من القرآن
الكريم
اسس انطلاقها فى المجتمع((18)).
فبينما ذهب اصحاب الراى الاول الى ان عقيده
الجبريه، التى
دعا اليها الجهم بن صفوان ترجع الى اصل يهودى، وان
اول من
تكلم بها: طالوت بن اعصم اليهودى، وقد بثها الى ابان
بن
سمعان، وبثها ابان الى الجعد بن درهم، واخذها الجهم
بن
صفوان من الجعد بن درهم((19)).
وان عقيده القدريه، التى دعا اليها معبد الجهنى،
وغيلان
الدمشقى، انما ترجع الى اصل نصرانى، فان رجلا
نصرانيا يدعى
سوسن كان قد اظهر الاسلام فاخذ عنه غيلان الدمشقى
هذه
العقيده، واخذها معبد عن غيلان، ثم ان ذلك النصرانى
قد ارتد
وعاد الى نصرانيته((20)).
فان اصحاب الراى الثانى القائل بالاصاله قد ذهبوا
الى غير
ذلك، فقالوا: ان ظهور الجبريه والقدريه معا كان من
داخل
المجتمع الاسلامى، ومن اثر الاحداث السياسيه
والاجتماعيه
الكبرى فيه، وذلك: ان انتهاء حكم الخلافه الراشده،
وانتقاله
الى الامويين وتسلطهم على العباد وابتعادهم عن
تطبيق
العداله الاسلاميه، كان مقدمه منطقيه للحركات
المضاده التى
قامت ضدهم، مما دفعهم الى العنف الدموى، فاحتاجوا
حينئذ
الى تاويل بعض الايات القرآنيه التى يدل ظاهرها على
الجبر
لتسويغ اعمالهم والقول بان الاراده الالهيه اقتضت
ان يفعلوا
ذلك، وانهم مجبرون فى اعمالهم .. او ان تلك الاراده
هى التى
قدرت ان ياتوا الى الحكم ليفعلوا ما يفعلوا..
ثم ان دعوه الامويين لتثبيت دعائم هذه النظريه،
كانت سببا
مهما لظهور الاتجاه القدرى الذى انكر الجبر ونادى
بحريه
الاختيار الانسانى، واول من نادى بذلك: التابعى
الجليل
والمحدث الصدوق معبد الجهنى((21))!
فمعبد الجهنى حسب النظريه الاولى واحد من فراخ
النصارى،
واما فى هذه النظريه فهو التابعى الجليل والمحدث
الصدوق!
والذى يبدو ان هذه النظريه الاخيره هى اكثر مساسا
بالواقع،
وابعد عن تعسفات المتكلمين واقحامهم الاراء
اقحاما،
وتحميلهم الوقائع ابعادا قد تكون غريبه عليها.
ويذهب اصحاب الراى الاول الى ان التصوف يعود الى
اصول
غير اسلاميه، اذ صنف احمد امين الصوفيه الى ثلاثه
اصناف:
صنف تاثر بالفلسفه اليونانيه، وصنف تاثر بالفلسفه
الهنديه،
واخذ الصنف الثالث اصوله من النصرانيه.
وعن الصنف الثالث يقول: اخذوا: (شيخ الطريقه)
و(المريد)
كما عند النصارى: (الكاهن) و(المهتدى)! واخذوا منهم
نظام
الرهبنه، واخذوا منهم ايضا حلقات الذكر ونظامها((22)).
وهذا التصنيف اقرب الى تصنيف المستشرقين منه الى
تصنيف
ابن تيميه، فابن تيميه يستثنى طائفه من الصوفيه
فيصحح
عقائدهم وسلوكهم، ويذكر من امثلتهم: الجنيد،
وعبدالقادر
الجيلى، وسهل التسترى((23)).
اما المستشرقون: فمنهم من ذهب الى ان الصوفيه اخذت
عن
النصرانيه((24))، ومنهم من جعلها يونانيه
الاصل حتى من
حيث التسميه، حين راى مناسبه بين كلمه (صوفيه) وكلمه
(سوفيا) اليونانيه التى تعنى: الحكمه. فهى تشابه
الصوفيه لفظا
ومعنى((25))!
لكن هذه النظريه الاخيره بالخصوص تعرضت للنقض من
قبل
مستشرق آخر - تيودور نولدكه - حين راى ان السين
اليونانيه
تثبت عند التعريب سينا، ولا تقلب صادا، فكلمه
(فيلوسوفيا)
تصبح بالتعريب (فلسفه) لا (فلصفه)((26)).
بينما ذهب اصحاب الراى الثانى الى ان حركه الزهد
والتصوف
الاسلامى كانت ثمره طبيعيه للمبادى الاخلاقيه التى
رسمها
القرآن الكريم للحياه البشريه وطبقها الرسول
الكريم وصحابته
الكرام فى حياتهم((27)).
والحق انه ينبغى ان يضاف الى هذا ما كان للاوضاع
السياسيه
من اثر كبير فى لجوء الكثير من اهل العلم الى طلب
العزله
وحياه الزهد، والذى يعد النواه الاولى لحركه
التصوف فى
الاسلام.
وقد اشار الغزالى الى هذا اشاره واضحه فى قوله: انه
لما انقرض
عهد الخلفاء الراشدين افضت الخلافه الى قوم تولوها
بغير
استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والاحكام،
فاضطروا الى
الاستعانه بالفقهاء والى استصحابهم فى جميع
احوالهم، وقد
كان بقى من العلماء من هو مستمر على الطراز الاول
وملازم
صفو الدين، فكانوا اذا طلبوا هربوا واعرضوا((28)).
كما ساعد على نمو التصوف الياس الذى اصاب الناس من
الحكومات المتعاقبه المتطاحنه، والبعد عن حقيقه
الفقه فى
الدين، فدفعهم كل ذلك الى الانزواء عن حياه يرونها
مليئه
بالمظالم والمفاسد، مع غياب الامل فى الاصلاح،
فوجدوا فى
الصوامع والتكايا انسا فى العباده ينقذهم من كل
اضطراب
يبعثه فى النفوس ازيز الدنيا وتناقضاتها.
بين التاصيل والتهجين :
فاذا كانت السبئيه((29)) والراونديه من آثار
الديانات
القديمه((30))،
فان مصيرهما هو النبذ والطرد من الدائره
العقليه الاسلاميه..
واذا كان المعتزله قد تاثروا بالفلسفه القديمه،
فهم لم ياخذوا
عقائد اليونان والهنود والفرس، وانما اخذوا مناهج
البحث
والاستنباط، فتاثروا مثلا بالمنطق الارسطى،
والمنطق لغه
نافعه فى البحوث العقليه، وليس هو لغه عقيده، اى
انهم اخذوا
آله البحث، ولم ياخذوا سيره ونتائجه.
ولكن كل هذا لا يعنى انعدام التاثر بالعقائد
الغريبه بالكامل،
واظهر مايكون هذا التاثر لدى الفرق الغاليه على وجه
الخصوص، ومع هذا فالغلو ليس كله اقتباس، بل لما كان
الغلو
هو منتهى التطرف الدينى، فقد يصيب الشذاذ من كل مله
دون
ان يقتبس بعضهم من بعض.
ربما نرى فى النقطه اللاحقه بعض آثار التاثر
والاقتباس عند
غير الغلاه ..
اين يصنف اصحاب التجسيم :
اذ ان القائلين بالتجسيم هم اكثر الناس رجوعا الى
الحديث،
حتى عد التجسيم من خصائص الحشويه من اصحاب الحديث،
والظاهريه المتمسكين بظواهر النصوص((33))!
فاذا كانت اولى العقائد التى دونت على المجسمه
قولهم: ان اللّه
تعالى على العرش استقرارا، وانه بجهه الفوق لا غير،
مماس
للعرش من جهته العليا، وانه قد امتلا به العرش، او
انه - تعالى
شانه - على بعض اجزاء العرش، على قولين لهم، كما
جوزوا
عليه تعالى الانتقال والتحول والنزول..((34))
اذا كانت تلك هى عقائد المجسمه، فهذه جميعها داخله
فى
عقائد اصحاب الحديث والظاهريه، بل قد تطرقت الى
الفقهاء
من اصحاب الحديث! ولعل اشهرهم فى ذلك ابن تيميه..
لقد نصر ابن تيميه تلك العقائد بكل قوه وكافح عنها
طويلا،
وصنف فيها كثيرا، واثبت القول بالجهه والاستواء
والانتقال
والنزول((35)).
ودافع عن القول بامتلاء العرش به تعالى، ومع
ذلك فهو لم ينكر القول بانه تعالى على بعض العرش،
ولا عده
فى الاباطيل والموضوعات!
واحتج ابن تيميه لتلك العقيده بروايه عبداللّه بن
خليفه التى
تنص على: (ان كرسيه وسع السماوات والارض، وانه ليقعد
عليه فما يفضل منه مقدار اربع اصابع، وان له اطيطا
كاطيط
الرحل الجديد اذا ركب، من ثقله)!
فقال ابن تيميه: يروى هذا الحديث بالنفى - اى (ما
يفضل منه
اربع اصابع) - ويروى بالاثبات - اى (ما يفضل منه الا
اربع
اصابع) - قال: ولفظ النفى لا يرد عليه شىء((36))!
نعرض هنا انموذجا واحدا خال من التعقيد يعطينا صوره
عن
تلك الوجوه المتنافره لحقيقه واحده، ومثالنا هذا
عن المعتزله:
ففى تفسير نشاه المعتزله، قال بعض الكتاب: ان منشا
الاعتزال
كان على ايدى جماعه من اصحاب على(ع) اعتزلوا السياسه
واعتزلوا كل الناس بعد الصلح الذى تم بين الحسن(ع)
ومعاويه
بن ابى سفيان((37)).
فيما نسبهم آخرون الى الجماعه الذين اعتزلوا الحرب
فى
خلافه على(ع)، ومنهم: سعد بن ابى وقاص، وعبداللّه بن
عمر،
ومحمد بن مسلمه، واسامه بن زيد، فقالوا: هولاء هم
سلف
المعتزله الى الابد((38)).
فى حين ليس لهذين الاعتزالين اى صله بجمله العقائد
التى
ميزت فرقه المعتزله!
وايضا فاذا كان مجرد الاعتزال هو الاصل الذى يصح ان
تنسب
اليه الفرقه المعروفه، فلماذا لا يكون سعد بن عباده
هو امام
المعتزله وسلفها؟
فسعد بن عباده، شيخ الانصار، هو اول من اعتزل الناس
بعد
وفاه الرسول(ص) وبقى معتزلا حتى قتل بعد سنين فى عهد
عمر!
اما عبدالرحمن بدوى، فقد ذهب الى ان انطلاق اول
مبادى
المعتزله - وهو القول بالمنزله بين المنزلتين فى
مرتكب
الكبيره - انما كان فكره سياسيه بحته اتخذوها ذريعه
لاعتزال
التنازع المحتدم بين اهل السنه والخوارج فى هذه
المساله
السياسيه الدينيه الخطيره((39)).
بينما ذهب بعض المستشرقين الى انهم سموا معتزله
لانهم
كانوا زهادا اتقياء، ابتعدوا عن الدنيا وملاذها((40)).
ويزداد الامر غموضا فى الراى الذى يضيفه احمد امين
بقوله:
لنا فرض آخر بتسميه المعتزله، لفتنا اليه ما قراناه
فى (خطط
الشام) للمقريزى، من ان بين الفرق اليهوديه التى
كانت
منتشره فى ذلك العصر وما قبله طائفه يقال لها
(الفروشيم)
وان معناها: المعتزله!
قال: وذكر بعضهم ان هذه الفرقه كانت تتكلم فى القدر،
فلا
يبعد ان يكون هذا اللفظ قد اطلقه على المعتزله قوم
ممن
اسلموا من اليهود لما راوا بين الفرقتين من الشبه((41))!
وهذا مخالف لما قال به آخرون من ان شيوخ المعتزله
الاوائل
قد تاثروا بمعبد الجهنى الذى كان قد اخذ عقيدته فى
القدر
عن سوسن النصرانى الذى اسلم ثم ارتد نصرانيا((42))!
وخالف القولين معا الشيخ ابو زهره حين راى ان عقائد
المعتزله
قد ظهرت نتيجه التاثر بالفلسفه القديمه، يونانيه
وهنديه
وفارسيه، لا اليهوديه ولا النصرانيه((43))!
وخالف الجميع من نسب المعتزله الى ابى الاسود
الدولى (69ه
) صاحب الامام على(ع) ((44)).
وهكذا تتعدد التفسيرات وتتناقض لحقيقه واحده!
تسميه الفرق :
(الرافضه) او (الخشبيه) او (الشيطانيه)؟!
ان نظره واحده الى تلك الاسماء ونظائرها تبعث الى
يقين لا
شك فيه بانها اسماء لا تصدر عن اصحاب هذه الفرقه، او
تلك،
انفسهم، ولا عن جهه محايده تنظر الى شتى الفرق بعين
واحده، انما يستطيع المرء ان يقطع بانها لا تصدر
الا عن خصم
لا يعرف اللين والمداهنه.
فاى خصم هذا الذى اذا اذاع بيانا ذاع وانتشر، واذا
اطلق على
طائفه اسما نفذ واشتهر، حتى تستجيب له تلك الفرقه
نفسها
وترتضيه علما عليها؟!
لا بد ان يكون هو الخصم الاقوى فى الميدان!!
صحيح انه قد تاتى التسميه نسبه الى الرجل الذى
تنتسب اليه
الطائفه، فقيل: (الزيديه)، نسبه الى زيد بن على بن
الحسين(ع)، و(الجهميه) نسبه الى الجهم بن صفوان،
و(الكراميه) نسبه الى محمد بن كرام، وهكذا..
او قد تلاحظ فى الطائفه مناسبه ما، فتشتق التسميه
من تلك
المناسبه، فقيل: (الخوارج) لانهم خرجوا على الامام
الواجب
الطاعه، و(الرافضه) لانهم رفضوا زيد بن على،
و(الخشبيه)
لانهم قاتلوا بالخشب، او طافوا حول الخشبه التى صلب
عليها
زيد..
غير انه فى الحالين لم يخرج الامر عن تلك القاعده
الواقعيه،
فهى تسميات صدرت من خارج تلك الطوائف لا من
اصحابها،
ومن الخارج الغالب، فليس من شان المغلوب ان يفرض
دعاياته
على الغالب الاقوى، كما ليس من المعقول ان تختار
تلك
الطوائف لانفسها مثل تلك الاسماء المنفره، بل لو
ترك الامر
اليها لما انتخبت الا اتم الاسماء واكثرها دلاله
على ملازمه
الصراط المستقيم!
ولو قدر ان يكون المغلوب غالبا لكان من الطبيعى ان
تتبدل
الاسماء بتبدل المواقع!
وهذه امثله من الواقع شاهده على تلك الحقيقه:
1- فى اثناء ثوره زيد الشهيد(رضىاللّه) جاءته
طائفه من جنده
فطلبوا اليه ان يبرا من الخليفتين ابى بكر وعمر،
فرفض ذلك،
فرجع اولئك عنه ورفضوا القتال معه.
ففى هذه الواقعه - على فرض صحتها - رفضان: زيد يرفض
مبدا اولئك، واولئك رفضوا قياده زيد.. ويلاحظ ايضا
ان زيدا
(رضىاللّه) هو الذى ابتدا بالرفض، فلما رفض ما
طلبوه منه
اعتزلوه..
اذن كان بمقدور اولئك ان يطلقوا على زيد الشهيد
واتباعه
اسم (الرافضه)! لكن الذى حصل هو العكس تماما، فان
زيدا
واتباعه هم الذين اطلقوا على اولئك هذا الاسم ليثبت
علما
عليهم فلا يعرفون الابه!
والسبب فى ذلك واضح، وهو ان زيدا واتباعه كانوا هم
اصحاب
الراى الغالب واصحاب الثوره التى استمرت بعد تخاذل
اولئك
وانسحابهم من الميدان.
ولا يفهم من هذا اننا ندين زيدا الشهيد، معاذ
اللّه، وانما نسجل
تلك الواقعه التى افرزت طائفه جديده واسما جديدا،
نسجلها
كما هى.
والمذكور آنفا فى اصل الرافضه هو المشتهر بين اصحاب
الفرق
((45))وبعض
اصحاب التاريخ((46))، لكنه لا يصمد للتحقيق
رغم شهرته، وكم من مشهور لا اصل له!!
فالرفض مصطلح سياسى يراد به مخالفه الحاكم وترك
طاعته،
واصحاب هذا الموقف يسمون: (الرافضه).
قال ابن منظور: الروافض جنود تركوا قائدهم
وانصرفوا، فكل
طائفه منهم رافضه، والنسبه اليهم رافضى((47)). وقد
اطلق
معاويه هذا اللفظ على طائفه من انصاره تركوا عليا(ع)
وقدموا
اليه يقودهم مروان بن الحكم، فكتب معاويه الى عمرو
بن
العاص - وكان فى فلسطين - كتابا قال فيه: اما بعد،
فانه كان
من امر على وطلحه والزبير ما قد بلغك، وقد سقط الينا
مروان
بن الحكم فى رافضه اهل البصره..((48))
فهولاء الرافضه نواصب اذن!!
وايضا فهم اسبق نشاه من رافضه زيد، فلماذا انصرف
اسم
الرافضه الى اولئك دون هولاء؟ انها مصداق آخر من
مصاديق ما
ذكرناه فى تسميه الفرق.
ومن ناحيه اخرى فقد ذكر ابو الفرج الاصفهانى ثوره
زيد
مفصله ولم يذكر فيها هذه القصه، بل الذى ذكره - وهو
مذكور
عند غيره ايضا - يفيد تكذيبها، اذ ذكروا ان زيدا قد
اضطر الى
المواجهه قبل الموعد الذى عينه لاصحابه وان الكثير
منهم قد
حبسهم الوالى فى المسجد الجامع قبل التحاقهم
بالمعركه
التى وقعت فجاه قبل اوانها المحدد عندهم، فلما وجد
زيد
نفسه فى قله من اصحابه يقاتل يوما بعد آخر، قال لاحد
قاده
جنده: اتخاف ان يكونوا قد فعلوها حسينيه؟ يريد انهم
يخذلوه
كما خذلوا الحسين(ع)! فلو كان يعلم انهم قد رفضوه،
وان شيئا
من ذلك الحوار والرفض قد حصل، لما قال هذا.. ثم بعد
ذلك
توجه بمن معه نحو المسجد الجامع لاخراج المحبوسين
فيه
فلم يتمكن من اخراجهم((49)).. وايضا فقد سبق من اهل
الكوفه مثل هذا الخذلان مع على والحسن والحسين(ع)
ولم
يكن هناك اثر لهذه النغمه، نغمه البراءه من
الخليفتين ابى بكر
وعمر!
فمن كان وراء هذه التسميه اذن؟!
لكن الذى حصل قديما وثبت الى اليوم هو العكس من ذلك،
فاصحاب التفويض والتخيير هم الذين سموا (قدريه)!
تماما كما
يسمى الابيض اسود، والاسود ابيض!
انها تسميه للشىء بضده، ولكن لا كما يقال للاعمى:
بصير.
وللديغ: سليم، فشتان بين الامرين!!
والسبب فى ذلك اكثر وضوحا، فالقائلون بالقضاء
والقدر هم فئه
الخلافه، وقد كان يبلغهم الحديث المروى: (القدريه
مجوس
هذه الامه)((50))! فمن يا ترى يستطيع ان يقول
ان هولاء هم
القدريه الذين اخبر عنهم ذلك الحديث النبوى؟!
ان ذلك يعنى ان الخلفاء الذين قامت هذه العقيده
لاجل
نصرتهم وتبرير سياساتهم هم كبار مجوس هذه الامه!!
وهل
يستطيع احد ان يشير الى هذا بادنى اشاره؟
ثم على اى الطوائف سيقع هذا الاسم ان لم يقع على
الطائفه
التى انبرت للرد على تلك العقيده وتفنيدها؟ حتى لو
كانت
هذه الطائفه هى ابعد الطوائف عن هذه التسميه
ومصاديقها!!
وهكذا اصبح القدريه هم الذين ينفون القدر اللازم
ويقولون
بالتخيير، ليصبحوا هم مجوس هذه الامه!!
وبعد ان اطلقت الفئه الغالبه هذا الاسم على خصومها
ادركت
انها قد اوقعت نفسها موقع السخريه، فتداركت الامر
بوضع
احاديث تفسر معنى القدريه المذكوره فى الحديث
الاول على
النحو الذى ارادوه، وبلغه تناسب افهام العامه
وتستهويهم،
فيتعلقون بها ويتخذونها دينا!
ومن تلك الاحاديث التفسيريه:
حديث يقول: (القدريه يقولون: الخير والشر بايدينا)((51))!
وحديث يقول: (القدريه يقولون: لا قدر)((52))!
وقول ابن حبان فى راوى الحديث الاخير: (انه كان يقلب
الاخبار) لهوادق بيان لهذا الحديث، والذى قبله
ايضا، اذ يتحد
معه معنى.
احاديث تشهد على انفسها انها موضوعه لاتمام
اللعبه، واحكام
الطوق حول الخصم، وسلبه اى قدره على النفوذ فى
الوسط
الاجتماعى.
3- هكذا ظهر ان السنه النبويه لم تكن قادره على ان
تفرض
احكامها واهدافها على ذلك الواقع، بل كان الواقع هو
الذى
يخضع السنه لارادته ويوجهها فى خدمته، وان تطلب ذلك
قلب المعانى الظاهره، ووضع الحديث!!
4 - ومره اخرى يمحو الواقع آثار السنه:
ذلك مع طائفتين جاءت بذكرهما السنه، حيث ورد بطرق
عديده عن على(ع) انه قال غير مره: (عهد الى رسول
اللّه(ص)
ان اقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين)((53)).
لقد عرف المارقون بالخوارج ..
اما الناكثون، فهم الذين قاتلوا عليا يوم الجمل،
بعد ان بايعوه،
فقد نكثوا بيعتهم..
واما القاسطون فهم معاويه واصحابه الذين قسطوا، اى
جاروا
وظلموا واعتدوا.
فاذا كان اصحاب الجمل لم يظهروا شيئا من العقائد
تميزهم
كفرقه مستقله، فليسالقاسطون كذلك، بل
استحقالقاسطونان يفرزوا كفرقهباسبابثابته
فيهم، حينوجد
نظير تلكالاسباب عند غيرهماصبحوا فرقامتميزه،
فمنتلكالاسباب:
ا- رفضوا الامام الذى تمت له البيعه، واظهروا سبه
والبراءه منه
ومن اهل بيته: الحسن والحسين، سبطى النبى وسيدى
شباب
اهل الجنه، ولم يكتفوا بذلك حتى قاتلوه وقاتلوا
ابناءه من بعده،
وفى اقل من ذلك تميزت الفرقه التى عرفت بالرافضه
كما
تقدم عند اصحاب الفرق والتاريخ!
فلماذا لا تكون براءه هولاء من على وسبطى النبى
كافيه فى
جعلهم فرقه كالرافضه؟
ذلك لو فرضنا عدم صحه ما جاء فى تسميتهم بالقاسطين،
فلماذا لا يكونوا (رافضه) وقد زادوا على الرافضه بان
قاتلوا
الامام؟ فهم شر من اولئك الرافضه لو صح ما قيل فيهم
من
انهم رفضوا زيدا واظهروا البراءه من الشيخين. فهم
قد رفضوا
عليا، واظهروا البراءه منه ومن السبطين، وقاتلوه
ثم قاتلوا من
بعده السبطين!!
1- ان كثيرا مما نقراه عن الفرق الاسلاميه هو مفتعل
مصنوع لا
اصل له، وانما افرزه امران:
الاول : النزاع الطائفى المحتدم فى المراحل الاولى
من نشاه
المذاهب والفرق.
والثانى : آراء الدارسين والنقاد، التى حلقت فى
فضاء رحب، فلا
يكاد يضبطها ضابط.
2- ليس من الضروره ان يكون اسم الفرقه تعبيرا صادقا
عن
هويتها ومبادئها، ليكون وحده كافيا فى اعطاء صوره
كليه
واضحه عنها، فقد يكون هناك تطابق تام، وقد يكون على
درجات متفاوته، وقد لا يكون اصلا.
عند استحضار هاتين الملاحظتين نستطيع ان نكون نظره
موضوعيه، وفهما موضوعيا، ننطلق منه لدراسه الفرق
الاسلاميه كمبادى ومفاهيم مجرده، بعيدا عن
التحميلات
الخارجيه، سلبيه كانت ام ايجابيه، وبعيدا عن اجواء
التسميات
وما تضفيه من الوان جذابه، او اخرى منفره.
وهذه خطوه منهجيه لا غنى عنها فى اى دراسه موضوعيه
تتصل بالفرق الاسلاميه او الموروث الفكرى، فهى
الخطوه
الاساس فى قنوات شتى، منها:
ا - قناه التقريب بين المذاهب الاسلاميه.
ب - قناه التعرف على حقيقه المذاهب الاسلاميه.
ج - قناه التعرف على مساحات الحركه الفكريه
والعقليه
والاجتهاديه لدى الامه الاسلاميه، والتى تعد اساسا
فى التعريف
بالمستوى الحضارى الذى بلغته الامه فى كل مرحله من
مراحل تاريخها.
د - قناه الصياغه النظريه لنشوء مفهوم اسلامى معين،
وتطوره.
ه قناه الافاده من التراث الاسلامى فى مصادره
المتعدده.
وان (تصحيح التراث الاسلامى) سيكون الميدان الذى
تلتقى
فيه هذه القنوات مجتمعه.
الفصل الثانى- مراجع التاريخ الاسلامى
ويمكن تقسيم هذه المصادر الى قسمين: اختص الاول
بتدوين
حياه الرسول(ص) وعصر الرساله. فيما اتسع الثانى
لجهود
الخلفاء بعد الرسول وحتى عصر المورخ غالبا.
مصادر القسم الاول :
وابرز من عرف من مورخى هذا القسم:
1 - عروه بن الزبير بن العوام (93 ه): كان من فقهاء
المدينه،
اعتزل الحياه السياسيه فى عهد اخيه عبداللّه بن
الزبير، وقد
اكثر الروايه عن ام المومنين عائشه ((54)).
2 - ابان بن عثمان بن عفان (105ه): عمل واليا على
المدينه
لعبدالملك بن مروان سبع سنين((55)).
3 - وهب بن منبه (110 او 114 ه): لم يكن معتمدا فى الحديث
واخبار الاسلام، وانما كانت غزاره علمه فى
الاسرائيليات،
وعمل قاضيا على صنعاء((56)).
4 - عاصم بن عمر بن قتاده (120 ه): تابعى حدث عن ابيه
وعن جابر بن عبداللّه وانس، والامام على بن الحسين
والحسن
بن محمد بن الحنفيه وعبيداللّه الخولانى، وحدث عنه
ابن
اسحاق كثيرا، وابو الاسود ربيب عروه. امره عمر بن
عبدالعزيز
ان يجلس فى المسجد الاموى بدمشق فيحدث الناس
بالمغازى ومناقب الصحابه((57)). وثقه ابو زرعه والنسائى
وغيرهما.
5 - شرحبيل بن سعد (123 ه ): كان من اعلم الناس بالمغازى
الا انه كان يجعل لمن لا سابقه له سابقه، فاسقطوا
مغازيه
وعلمه((58)).
لكن سفيان بن عيينه قال فيه: لم يكن احد
اعلم بالمغازى والبدريين منه. ووثقه يحيى بن معين
وابن
حبان، وخرج له ابن حبان وابن خزيمه فى صحيحيهما((59)).
|