وبهذا نجح الزهرى فكان حظيا عند الامويين
لا يقدمون عليه
احدا حتى توفى.
ولكن لم يات هذا النجاح الا بما هدره من حقائق الدين
والتاريخ
التى لواظهرها لكان الزهرى عندهم غير الزهرى!
ثم الم يكن فى اخفاء صفحات هامه من السيره تغييرا
لوجه
السيره، وعرضها بوجه جديد مخالف لوجهها الحقيقى؟
فكيف
يعد هذا مسلكا وسطا؟!
ويزيد فى تغيير وجه السيره ما يقع اثناء الحديث من
ذكر
لموقف اشترك فيه مع على بن ابى طالب رجل آخر، فحين
يحذف اسم على سيبرز الاخر فى صوره جديده لم تكن هى
الصوره التى تحققت فى الواقع.
فحين يذكر الزهرى ان النبى(ص) امر ابا بكر
(رضىاللّه) على
الحج((113)).ثم
يخفى ماوراءها من انه(ص) قد بعث عليا(ع)
على اثره وامره ان ياخذ منه (براءه) فيبلغها فى
الموسم، فعاد
ابو بكر الى رسول اللّه(ص) فقال: انزل فى شىء يا
رسول اللّه؟
فقال الرسول(ص): (لا، ولكنى امرت الا يبلغ عنى الا
انا او رجل
منى)((114)).
انه عندما يقطع هذا الجزء فسوف تظهر الواقعه
بوجه آخر.
ان الذى سخر منه الزهرى آنفا من قول بنى اميه فى
كاتب
الكتاب يوم الحديبيه((115))، قد وقع فى مثله فى مواضع
كثيره من مغازيه.. واكثر هذه المواقع وضوحا ما نقله
فى سد
ابواب المسجد، فقال:
قال النبى(ص): (سدوا هذه الابواب الشوارع فى المسجد
الا
باب ابى بكر(رضىاللّه) فانى لا اعلم رجلا احسن يدا
عندى من
الصحابه من ابى بكر)((116)).
وحديث سد الابواب انما هو لعلى لا لابى بكر، حتى
اشتهر انه لا
يدخل المسجد جنبا الا رسول اللّه(ص) وعلى.
وقوله(ص): (سدوا هذه الابواب الا باب على) رواه احمد
والترمذى والنسائى وابن كثير والعسقلانى وغيرهم((117)).
قال ابن ابى الحديد المعتزلى: حديث سد الابواب كان
لعلى(ع)
فقلبه البكريه لابى بكر((118)).
ومن اوضح الدلائل على ان حديث سد الابواب كان لعلى،
وليس لابى بكر:
ا - ما ثبت عن عمر فى قوله المشهور: (لقد اوتى ابن ابى
طالب
ثلاث خصال، لئن يكون لى خصله منها احب الى من ان
اعطى
حمر النعم: تزويجه فاطمه، وسكناه المسجد مع رسول
اللّه
يحل له ما يحل له، والرايه يوم خيبر)((119))!
ب - حديث ابن عباس الذى يذكر فيه هذه الخصله لعلى فى
خصال لم يشركه فيها احد((120)). كان هذا وصفا مجملا
لمغازى الزهرى.
5 - مغازى تلامذه عروه والزهرى :
كان من اصحاب المغازى: يزيد بن رومان تلميذا لعروه
والزهرى، وابو الاسود تلميذا لعروه وهو ربيبه،
وموسى بن عقبه
تلميذا للزهرى، وقد جعل هولاء اعتمادهم بالمرتبه
الاولى على
روايه عروه والزهرى((121)). فلا شك اذن ان تاتى مغازيهم
بتلك الخصائص نفسها.
مثال ذلك: ما رواه يزيد بن رومان عن عروه بن الزبير
فى قصه
مهاجرى الحبشه وحديث النجاشى معهم، فقال: انما كان
يكلم
النجاشى عثمان بن عفان!
قال ابن اسحاق: وليس كذلك، انما كان يكلمه جعفر بن
ابى
طالب((122)).
والذى ذكره ابن اسحاق هو الذى عليه سائر اصحاب
السير((123)).
اما روايه يزيد بن رومان عن عروه فهى من
جنس ما ذكره الزهرى عن بنى اميه فى حديث كاتب الكتاب
يوم الحديبيه!
هذا المصدر نجا نسبيا من اسر التطرف او الانحياز
الذى وقعت
فيه المصادر السابقه، فذكر كثيرا من سير الانصار
واخبارهم
واطرافا من سير على(ع)((124)).
ولعل السر فى ذلك يعود الى امرين:
الاول: انه كان من الانصار، فجده قتاده بن النعمان
الانصارى
الذى سقطت عينه اثر ضربه فى معركه احد، فردها رسول
اللّه(ص) بيده الشريفه فعادت احسن من قبل.
والثانى: انه كان يحدث فى عهد عمر بن عبدالعزيز، وهو
عهد
اكثر اعتدالا، استطاع فيه بعض اهل العلم ان يظهروا
من العلم
ما لم يكن يظهر فى عهود سائر خلفاء بنى اميه قبل عمر
بن
عبدالعزيز وبعده.
لكنه كان يحدث فى مسجد دمشق، فهو بلا شك لم يستطع ان
يقول كل مايعلم فيصدم اهل الشام بما ينكرونه، وهم
كما
وصفهم معاويه بن ابى سفيان: (لايعرفون عليا ولا
قرابته، ولا
عمارا ولا سابقته، ولا الزبير ولا صحبته، ولا طلحه
ولا هجرته،
ولا يهابون ابن عوف ولا ماله، ولا يتقون سعدا ولا
دعوته)((125)).
اما الاخرون من اصحاب المغازى والسير الذين لم
يقفوا عند
تلك الحدود ولا خضعوا لتلك الضوابط، فاثبتوا من
السير ما
صح لديهم او ما بلغهم حتى من سير على وبنى هاشم
والانصار،
فكان من اليسير جدا ان ينبزوا بالتشيع، وعندما يقال
لمورخ او
محدث انه يتشيع فليس المراد التعريف بمذهبه وحسب،
بل
المراد الطعن بروايته وردها.
وهكذا كان نصيب الكثير من مورخى تلك المرحله،
والمرحله
اللاحقه ايضا، فقيل فيهم: (كان اصحاب المغازى
يتشيعون،
كابن اسحاق، وابو معشر، ويحيى بن سعيد الاموى
وغيرهم)((126)).
قد تقدم التعريف بابن اسحاق وسياتى بتفصيل اكثر فى
الفقره
اللاحقه.
-ابو معشر : نجيح بن عبدالرحمن السندى (170 ه ) - مولى ام
موسى بن المهدى العباسى((127))، اشخصه المهدى معه من
المدينه الى بغداد سنه 160 ه وامر له بالف دينار،
وقال له: تكون
بحضرتنا فتفقه من حولنا((128)). فهذا من اين ياتيه التشيع،
الا ان يكون قد روى من سير على وبنى هاشم ما كان لا
ياذن به
الامويون من قبل؟
لقد لاحظ بعض المحققين ان مغازى ابى معشر كانت تضم
كل
احداث حياه الرسول(ص)((129)).
فهو اذن لم يقتطع تلك الاجزاء التى اقتطعها عروه
والزهرى
وتلاميذهم، وهذا هو التشيع!
هذا رغم ان الظاهر من روايه ابى معشر انه كان متحفظا
فى
نقل هذا النوع من الحديث، كما هو ظاهر فى الروايه
الوحيده
التى نقلها عنه الطبرى فى ما يخص عصر الرسول(ص)، وهى
روايته لاماره ابى بكر(رضىاللّه) على الحج وبعث
على(ع) على
اثره وتبليغ سوره براءه، فقد اخفى ابو معشر ما فى
هذه الواقعه
من مزيه لعلى(ع) فى قول النبى(ص): (امرت الا يبلغ عنى
الا
انا او رجل منى) فلم يات هذا الحديث فى روايته((130)).
واما فى عهود الخلفاء فقد روى الطبرى عنه كثيرا((131))،
ولكن لم يرو عنه فى الغالب الا تاريخ غزوه، او تاريخ
وفاه، او
اسم من ولى الحج فى كل سنه من السنين!
- يحيى بن سعيد : ابن ابان بن سعيد بن العاص الاموى
(194ه
) تلميذابن اسحاق، اخذ عنه المغازى((132))، وروى عنه
كتاب الخلفاء((133)). من هنا لحق به مالحق بابن
اسحاق،
ورغم انه روى عن هشام بن عروه بن الزبير وآخرين من
خصوم
الشيعه الا ان هذا لم يمح عنه سمه التشيع التى لم
يمحها نسبه
الاموى ايضا!
وقد اخرج له الطبرى ست روايات ليس فيها ما يمت الى
التشيع او سير على وبنى هاشم بصله، بل منها ما هو من
روايه
عروه والزهرى((134)).
8 - سيره ابن اسحاق :
الكتاب الجامع للسيره النبويه والمغازى ، وهو كتاب
كبير
اختصره ابن هشام فى كتابه الشهير (السيره النبويه
لابن
هشام). رواه عنه ثلاثه من تلامذته، واحدى الروايات
هى التى
اختصرها ابن هشام، وهى روايه البكائى((135)).
وقد عدد ابن اسحاق مصادر كتابه فروى عن الزهرى
ويزيد بن
رومان وفاطمه بنت المنذر بن الزبير زوجه هشام بن
عروه بن
الزبير، كما روى عن عاصم بن عمر بن قتاده، وروى عن
الاعمش وعبداللّه بن الحسن بن الحسن بن على بن ابى
طالب(ع).
اما تشيعه ففسره بعضهم بقوله: كان له انقطاع الى
عبداللّه بن
الحسن بن الحسن، وكان ياتيه بالشىء فيقول له: اثبت
هذا فى
علمك. فيثبته ويرويه عنه((136)).
ترى لماذا لا يقال فى من وقف كتابه على روايه عروه
والزهرى
انه كان بكريا او عثمانيا، فيجعل ذلك عيبا قادحا
فيه؟
على اى حال فقد اثبت ابن اسحاق كثيرا من سير على
والانصار
التى اعرض عنها غيره ممن تقدم ذكرهم، وربما تكون من
ابرز
رواياته فى ذلك: حديث سلمان الفارسى وهو يسال رسول
اللّه(ص): يا رسول اللّه، انه ليس من نبى الا وله وصى
وسبطان،
فمن وصيك وسبطاك؟
فيجيبه النبى(ص) بقوله: (والذى نفسى بيده لانا خير
النبيين،
وان وصييى لخيرالوصيين - يعنى عليا(ع) -
وسبطاىخيرالاسباط -) يعنىالحسن والحسين(ع)((137)).
اختصار ابن هشام :
تركت ذكرها للاختصار، ولاجل الامانه فقد اوضح عن
تلك
الاشياء التى حذفها فى مقدمته، وقد تضمنت: بعض
اخبار ما
قبل النبوه، وبعض الانساب التى لا تتصل بالرسول(ص)،
واشعارا تفرد بذكرها ابن اسحاق، ثم ذكر اشياء اخرى
حذفها
فقال:
(واشياء: - بعضها يشنع الحديث به.
وبعض يسوء بعض الناس ذكره.
وبعض لم يقر لنا البكائى بروايته).
ولعل هذه الاشياء هى اخطر ما حذف من سيره ابن اسحاق،
وبالخصوص الثانى منها الذى قال عنه (يسوء بعض الناس
ذكره) وسوف تظهر معالم هذه الاشياء المحذوفه عند
الحديث
عن تاريخ الطبرى، وعن منهاج التدوين فى تلك
المرحله، علما
ان ابن هشام قد توفى فى سنه 213 ه .
ثانيا - مع مصادر القسم الثانى:
فكيف تعامل الطبرى مع الاحداث، وبالخصوص ما يتصل
منها
بمواضع النزاع لمذهبى وارضاء الراى العام او
اسخاطه؟
النقاط التاليه ستقدم لنا الجواب الشافى باكبر قدر
ممكن من
الايجاز:
1 - اعتمد الطبرى كثيرا من كتب المغازى والسير
المتقدمه،
واضاف اليها كثيرا مما سمعه من مشايخه ومن رواه
الاخبار،
فاسند رواياته غالبا، ونسبها الى مصدرها احيانا،
وخروجا من
العهده فقد ذكر ذلك فى مقدمته، ثم قال: فما يكن فى
كتابى
هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره
قارئه، او
يستشنعه سامعه من اجل انه لم يعرف له وجها فى الصحه
ولا
معنى فى الحقيقه فليعلم انه لم يوت فى ذلك من قبلنا،
وانما
اتى من قبل بعض ناقليه الينا((138)).
لقد دافع بعبارته هذه عن نفسه، لا عن الحقيقه
التاريخيه بل
تستبطن عبارته ادانه للتاريخ.. فهو برىء مما جاء
فى بعض
مروياته من تهافت او مناقضه للحقيقه، وانما التبعه
فى ذلك
على الرواه.
ولا يخفى ان عبارته هذه تستبطن الادانه للتاريخ،
الذى حمل
الغث والسمين.
واذا كان وجه العذر فى انه حين عرف بالاسانيد فقد
ترك
الطريق واضحا امام الدارسين ليعرفوا الصحيح منه،
ويعرفوا
الضعيف والباطل المفترى كذلك من خلال معرفه حال
الرواه،
وهو امر قد اصبح هينا بعد احكام علم الجرح
والتعديل، اذا كان
هذا هو وجه العذر فلا شك انه وجه صحيح لو تم كما اراد
له
صاحبه.
ولكن هنا مسالتان:
الاولى : ان الذين سينتفعون من ذلك انما هم الخاصه
من اهل
العلم ذوى الباع الطويل فى علوم الروايه والدرايه،
واهل
التخصص فى هذا الفن، وهولاء اندر من الكبريت الاحمر
فى كل
عصر ومصر، اما السواد الاعظم من الناس بما فيهم
الكثره
الغالبه من اهل المعرفه والاطلاع وحتى بعض
المتخصصين
فى التاريخ فهم بعيدون عن معرفه ذلك والتقحم فيه،
وانما
يقروون تاريخا مسطورا ومنظما، ومما يزيد فى تقبلهم
لكل ما
فيه واطمئنانهم اليه هو هذه الاسانيد نفسها!
وهنا انقلب دور هذه الاسانيد لتاتى بالنتيجه
المعكوسه تماما
عند الغالبيه العظمى، بل عند عامه الامه وسائر
طبقات
المتعلمين من ابنائها على مدى العصور وتعاقب
الاجيال!
هذه هى الحقيقه الواقعه .. وهذه هى العاقبه الخطيره
لتلك
الطريقه من الحذر..
وسوف تتضح لنا خطوره هذه النتيجه اكثر حين نلتفت
الى انه
ليس المهم فى كتابه التاريخ تبرئه الكاتب المصنف او
القاء اللوم
عليه، انما المهم فيه والمطلوب منه هو ما سيتركه
كتابه من
اثر فى ثقافه الاجيال ورويتها لحقائق التاريخ
واحداثه الهامه.
الثانيه : ان كبار المورخين الذين اخذوا عن الطبرى -
وهم
عاده من خاصه اهل العلم والتحقيق - قد وقعوا فى ذلك
المحذور فى كثير مما اخذوه عنه، حيث اعتمدوا اشد
الروايات
ضعفا واكثرها تهافتا ومناقضه للواقع.
وهذه حقيقه لائحه للناظر فى تاريخ ابن الاثير
(الكامل فى
التاريخ)، وتاريخ ابن كثير (البدايه والنهايه)،
وتاريخ ابن
خلدون، بل حتى تاريخ المسعودى (مروج الذهب) الذى
اثنى
على تاريخ الطبرى اشد الثناء ولم يشر الى روايته عن
المتروكين والضعفاء.
ومن امثله تلك الروايات المتهافته الروايات التى
تنتهى الى
سيف بن عمر، فلعله لم يعرف فى التاريخ روايات اضعف
منها
سندا ولا اشد منها نكاره!!
فسيف بن عمر معروف عند اهل الجرح والتعديل بلا خلاف
بينهم: انه متروك، كذاب، يضع الحديث، متهم
بالزندقه((139)).
اضف الى ذلك ان الرجل الذى روى كتب سيف - وهو شعيب
بن ابراهيم - هو رجل مجهول ليس بالمعروف((140)).
لكن
هذه المعرفه بحال سيف بن عمر وراوى كتبه لم تمنع
اكابر
المورخين من اعتماده بالدرجه الاولى وخاصه فى اكثر
مراحل
التاريخ الاسلامى حساسيه، وهى المرحله التى سنعرف
بها فى
النقطه التاليه.
2 - ان اكثر مراحل التاريخ الاسلامى حساسيه هى
المرحله التى
تبتدى بمرض رسول اللّه(ص) ووفاته وابتداء عهد
الخلافه وما
نجم فيها من خلافات وفتن ابتداء باحداث سقيفه بنى
ساعده
لانتخاب اول الخلفاء، وانتهاء بمعركه الجمل التى
قادها نصف
من بقى من اعضاء الشورى((141)) - طلحه والزبير - لقتال
رابع الخلفاء وهو ربع من بقى من اعضاء الشورى، فيما
اعتزل
الربع الاخر - سعد ابن ابى وقاص - ولكن كان قلبه
ولسانه مع
الربع المستهدف فى تلك الحرب - على ابن ابى طالب(ع).
وقد تمخضت تلك المرحله عن احداث كانت بمثابه النواه
الاولى لاول خلاف وقع بين المسلمين، ذلك الخلاف
الذى
اخذ ينمو مع الزمن ومع تعاقب الاحداث، ومع نموه كان
يظهر
فى الميدان مزيد من الاهواء التى اتخذت اشكالا شتى
دخلت
فىالاحاديث المنسوبه الىالنبى(ص) وفى مواقف
الصحابه
ونزعاتهم.
ففى مرحله كهذه ينبغى ان يكون المورخ حذرا كل الحذر
فلا
يجنح الى روايه من عرف بالكذب ووضع الحديث، ولا الى
صاحب الهوى وهو ينتصر لهواه.
فكيف كان اختيار الطبرى فى تاريخه لهذه المرحله؟
انه مما يلفت النظر ان الطبرى قد جعل جل اعتماده فى
تدوين
احداث هذه المرحله بطولها على روايه سيف بن عمر،
المعروف
بالكذب ووضع الحديث والمتهم بالزندقه!
ففى هذه المرحله، ابتداء من مرض الرسول(ص)، وانتهاء
بمعركه الجمل، لا يفارق الطبرى روايه سيف الا حين
يضع الى
جانبها روايه اخرى، وغالبا ماتجد الفرق شاسعا بين
روايه سيف
وغيره((142)).
ولعله سيتضح السبب فى اعتماد روايه سيف عند المرور
على
النقاط التاليه.
3 - وقف الطبرى عند قصه ابى ذر مع بنى اميه، فرآها من
اخطر الاحداث التى تصف مسار التاريخ وتكشف عن وجهه
الحقيقى، فاعرض عن كل ما روى فيها باستثناء ما رواه
سيف
بن عمر، لانه الكاتب الوحيد الذى حفظ للسلطان ماء
وجهه
واستنقذه من عواقب تلك الاحداث كما صرح بذلك الطبرى
نفسه فى مستهل حديثه عن هذه القصه، فقال:
(فى هذه السنه - سنه 30 ه - كان ما ذكر من امر ابى ذر
ومعاويه، واشخاص معاويه اياه ،((143)) امور كثيره كرهت
ذكر
اكثرها، فاما العاذرون معاويه فانهم ذكروا فى ذلك
قصه كتب
بها الى السرى يذكر ان شعيبا حدثه سيف ...).
ويسرد الطبرى هذه القصه مرددا بين فقراتها (قال سيف)
(قال
سيف) حتى اتى على آخرها، ثم قال: (واما الاخرون فانهم
رووا
فى سبب ذلك اشياء كثيره وامورا شنيعه كرهت
ذكرها)((144))!
اذن لا شىء عن هذا الحدث الحاسم الذى يكشف كثيرا
من
اسرار التاريخ، لا شىء عنه فى هذه الموسوعه
التاريخيه الكبرى
الا ما يرويه المتزندق سيف، وينقله عنه راويته
المجهول
شعيب، ولا شىء بعد ذلك، فهولاء هم العاذرون
معاويه، واما
الاخرون فلا بد من وضع الاكف على افواههم، فالطبرى
يكره
ذكر اخبارهم!
ترى لماذا نسى الطبرى منهجه فى الروايه؟
الم يقرر فى مقدمته انه يروى ما بلغه، ثم اذا كان
فيه ضعف او
خلاف للواقع فالعهده فيه على الناقلين، لا عليه؟
فلماذا اذن تجنب روايه الطرف الاخر وكره ذكرها، الم
يكن
الاولى ان يذكرها ايضا ثم يترك الامر من بعده لاهل
التمحيص
فينظروا اى الروايتين احسن اسنادا واولى
بالاعتماد؟
ربما يظهر من كلام الطبرى ان روايه هذا الطرف -
العاذرين ابا
ذر - قد حوت امورا شنيعه، فكره ذكرها، ولم تكن روايه
سيف
كذلك.
لكن هذا العذر مردود بامرين:
الاول : ان روايه سيف جاءت بما هو شنيع، بل بما هو
اشنع من
تلك الامور التى كره الطبرى ذكرها..
فاما الشناعه التى كره الطبرى ذكرها فمفادها: ان
معاويه كان
يحب المال والزينه، وانه سير الصحابى الكبير ابا ذر
من الشام
الى المدينه على بعير بلا وطاء حتى تاكل لحم فخذيه.
وحين
قدم ابو ذر المدينه امر الخليفه عثمان بن عفان
بنفيه الى
الربذه بعد جدل دار بينهما اصر فيه ابو ذر الا يكف
عن طعن
الامراء الذين شغلتهم الدنيا وجمع الثروات
الطائله، وخرج ابو
ذر الى الربذه ولم يجرو احد ان يودعه سوى على وولديه
الحسن والحسين((145)).
واماروايهسيفالتىلايذكر
الطبرىسواها،فاولها:(لما ورد
ابنالسوداء ((146))الشام لقى ابا ذر، فقال: يا
ابا ذر، الا تعجب
الى معاويه، يقول: المال مال اللّه؟! الا ان كل شىء
للّه، فكانه
يريد ان يحتجبه دون المسلمين ويمحو اسم المسلمين!
فاتاه ابو ذر فقال: ما يدعوك الى ان تسمى مال
المسلمين مال
اللّه! .. قام ابو ذر بالشام وجعل يقول: يا معشر
الاغنياء واسوا
الفقراء.. فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك واوجبوه
على
الاغنياء.. ثم يذكر تسيير معاويه ابا ذر الى المدينه
على احسن
هيئه، ويكرمه الخليفه (رضىاللّه) احسن اكرام
ويتلطف به، غير
ان ابا ذر يصر على ان يهجر المدينه ليرتد اعرابيا!!
فهذه القصه التى حملت على رابع الاسلام - ابى ذر((147)) -
فجعلته تابعا لاراده ذلك اليهودى الماكر، ثم جعلت
منه رجلا
متمردا على الخليفه بايعاز من ذلك اليهودى، ثم جعلت
منه
مرتدا اعرابيا بعد الهجره..
اليس فى هذه القصه من الشناعه ما يكفى لنفور المورخ
منها
حين يكون عهده النفور من امثالها وما هو ادنى منها؟!
الثانى : ان الطبرى باختياره هذا يصرح قولا وعملا
انه قد وقف
فى تاريخه الى جانب الامير الغالب، ملتمسا له العذر
على كل
حال وان لم يجد هذا العذر الا عند الزنادقه كسيف بن
عمر!!
الا تراه كيف كان صريحا فى اعراضه عن سائر احاديث
العاذرين
ابا ذر - الطرف المغلوب - واكتفائه بروايه العاذرين
معاويه -
الامير الغالب - رغم انه لا يجد هذا العذر الا عند
الموصوف
بالزندقه والمعروف بالكذب والوضع سيف بن عمر، ومن
طريق
روايته المجهول شعيب؟!
ان موقفا كهذا ينبغى الا يظهر فى تدوين التاريخ،
وبالخصوص
تاريخ الاسلام.
- وهنا نلحظ ان عذر الطبرى بترك تلك الروايات بانها
حوت
امورا شنيعه، قد جاء مطابقا لعذر ابن هشام فى حذف
اشياء من
سيره ابن اسحاق حين قال عنها: (يشنع الحديث به)!
4 - موقف آخر يتبناه الطبرى فى تاريخه:
وقف الطبرى على مكاتبات جرت بين محمد بن ابى بكر لما
ولى مصر، وبين معاويه بن ابى سفيان، فقال الطبرى: عن
يزيد
بن ظبيان انه قال: (ان محمد بن ابى بكر كتب الى
معاويه بن
ابى سفيان لما ولى) وقطع الطبرى الكلام الى هنا ثم
قال:
(فذكر يزيد بن ظبيان مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها
لما
فيه مما لا يحتمل سماعه العامه)((148))!
وهذا كلام صريح بان اذهان العامه قد شحنت بثقافه
منحازه،
وقد تعصبت لها كثيرا فهى لا تحتمل سماع ما يناقضها
وان كان
هو الحق.
ان عباره الطبرى هذه تحدد لنا بوضوح ما عناه ابن
هشام حين
حذف اشياء من سيره ابن اسحاق فقال عنها: (يسوء بعض
الناس
ذكره)!
فما هى معالم هذه الثقافه التى شحنت بها اذهان
العامه؟
لقد تقدمت نبذ من ذلك عند ذكر كتاب ابان بن عثمان
الذى
خرقه سليمان ابن عبدالملك لما فيه من ذكر للانصار،
وفى
حديث خالد القسرى لابن شهاب حين طلب منه ان يكتب
المغازى شريطه ان لا ياتى لعلى(ع) بذكر الا ان يجده
فى قعر
جهنم، وفى حديث الزهرى عن كاتب الكتاب يوم
الحديبيه: لو
سالت بنى اميه لقالوا هو عثمان.
وسناتى على مزيد من معالم تلك الثقافه فى فقره
لاحقه
اعددناها لهذا الغرض، بعنوان (منهاج التدوين).
عوده الى اختصار ابن هشام :
1 - حديث سلمان الفارسى، وسواله النبى عن وصيه، وقول
النبى(ص) له: (ان وصيى على).
وهذا حديث مثبت فى القسم الموجود من سيره ابن
اسحاق((149))،
وليس له فى سيره ابن هشام اثر!
فهذا بعض ما حذفه ابن هشام لاعذاره المتقدمه.
2 - حديث على(ع) فى قصه انذار النبى(ص) قومه من بنى
هاشم وبنى المطلب عند نزول قوله تعالى: (وانذر
عشيرتك
الالآقربين) وقوله فى آخرها وهو آخذ بيد على: (ان هذا
اخى،
ووصيى، وخليفتى فيكم، فاسمعوا له واطيعوا).
رواه الخازن فى تفسيره نقلا عن ابن اسحاق((150))،
وليس له
فى سيره ابن هشام اثر!
فهذا بعض ما حذفه ابن هشام لاعذاره المتقدمه.
مورخون على اثر الطبرى :
قال ابن الاثير فى مقدمه كتابه وهو يعرف بمنهجه
ويذكر
مصادره: (اقول: اننى قد جمعت فى كتابى هذا ما لم
يجتمع
فى كتاب واحد.. فابتدات بالتاريخ الكبير الذى صنفه
الامام ابو
جعفر الطبرى، اذ هو الكتاب المعول عند الكافه عليه،
والمرجوع عند عند الاختلاف اليه،
فاخذت ما فيه من
جميع
تراجمه، لم اخل بترجمه واحده منها..).
قال: (فلما فرغت منه اخذت غيره من التواريخ المشهوره
فطالعتها واضفت منها الى ما نقلته من تاريخ الطبرى
ما ليس
فيه.. الا ما يتعلق بما جرى بين اصحاب رسول
اللّه(ص)..).
هذه هى النقطه الخطيره التى استوعبت تلك المرحله
الحساسه من تاريخ الاسلام، فما هو موقف ابن الاثير
ازاء ما فيها
من احداث حاسمه فى تشخيص الحقائق؟
قال ابن الاثير مواصلا كلامه: (الا ما يتعلق بما جرى
بين
اصحاب رسول اللّه(ص)، فانى لم اضف الى ما نقله ابو
جعفر
شيئا .. وانما اعتمدت عليه من بين المورخين اذ هو
الامام
المتقن حقا، الجامع علما وصحه اعتقاد وصدقا)((152)).
فهل غفل ابن الاثير عما قدمه الطبرى على مروياته من
اسانيد،
وما صرح به من انه لم ينقلها ثقه بها وانما هى
روايات بلغته
والعهده فيها على رواتها؟
لقد اسقط ابن الاثير تلك الاسانيد وابقى النصوص
وكانها
الحقائق التى لا شك فيها ولا غبار عليها!
فاذا تذكرنا ان هذه الحقبه الحاسمه من التاريخ قد
حصرها
الطبرى بروايه سيف بن عمر فى الاغلب الاعم، واذا
تذكرنا من
هو سيف، ومن هو راويته الاول، علمنا عندئذ فداحه
الامر الذى
ارتكبه ابن الاثير.
وعلمنا ايضا مدى ما لقوله الاتى من حقيقه، ومدى ما
له من اثر
فادح فى ثقافه الاجيال وعقائدها .. ذلك قوله وهو يصف
مصادره التى اعتمدها فى تاريخه وفى مقدمتها روايات
الطبرى عن كتب سيف، فيقول: (على انى لم انقل الا من
التواريخ المذكوره، والكتب المشهوره، ممن يعلم
بصدقهم فى
ما نقلوه، وصحه ما دونوه.. ولم اكن كالخابط فى ظلماء
الليالى،
ولا كمن يجمع الحصباء واللالى)((153)).
فكم بين هذا وبين ما قاله الطبرى فى ديباجته؟
فالطبرى لم يوثق ما نقله، بل علىالعكس علم ان فيه
ما
يستنكر ويستشنع لما فيه من مجانبه الصواب، فقدم
عذره الى
قرائه بان هذا قد اتى من رواته لا منه هو، وجعل
وسيلته الى
هذا العذر ان ذكر الاسانيد كامله ليقف القارى عليها
فياخذ
بروايات الصادقين والممدوحين ويترك روايات
الكذابين
والمتروكين.
اما ابن الاثير فقد اتى على تلك الاسانيد فحذفها،
ثم حكم
بصحه كل ما وراءها، معللا ذلك بان الطبرى قد رواها
فى
تاريخه، والطبرى امام لا شك فى علمه وصدقه!!
ان هذا لفادح من الامور..
ولم يكن الطبرى وحده ضحيته، بل ضحيته هذه الاجيال
التى
عرضت لها الاباطيل وكانها الحقائق، ورسم لها تاريخ
الاسلام
فى كثير من فصوله منكوسا على راسه وهى تخال انه قائم
على
قدميه!
وهكذا تستولى الاباطيل على عقائد الناس، حين يغتر
الناس
بكلام معسول كديباجه ابن الاثير هذه..
ب - ابن خلدون : ابن خلدون ايضا يوكد اعتماده على ما
نقله
الطبرى دون غيره، ثم يزيد على ذلك فيهاجم المورخين
الذين نقلوا اخبارا غير التى نقلها سيف بن عمر
والعاذرون،
فيقول بعد ان فرغ من ذكر وقعه الجمل: (هذا امر الجمل
ملخصا من كتاب ابى جعفر الطبرى، اعتمدناه للوثوق
به،
ولسلامته من الاهواء الموجوده فى كتب ابن قتيبه((154))
وغيره)((155)).
وفى موضع آخر وبعد ان فرغ من الكلام فى امر الخلافه
الاسلاميه، قال:
(هذا آخر الكلام فى الخلافه الاسلاميه وما كان فيها
من الرده
والفتوحات والحروب، ثم الاتفاق والجماعه، اوردتها
ملخصه
عيونها ومجامعها من كتاب محمد بن جرير الطبرى، وهو
تاريخه الكبير، فانه اوثق ما رايناه فى ذلك، وابعد
عن المطاعن
والشبه فى كبار الامه من خيارها وعدولها من الصحابه
والتابعين. فكثيرا ما يوجد فى كلام المورخين اخبار
فيها
مطاعن وشبه فى حقهم اكثرها من اهل الاهواء، فلا
ينبغى ان
تسود بها الصحف)((156)).
ان ما قيل فى حق ابن الاثير يقال هنا ايضا فى حق ابن
خلدون.
ج - ابن حزم : اورد ابن حزم فى سيرته اخبار الخلفاء
باختصار
شديد، وفى حديثه المختصر عن خلافه امير المومنين
على(ع)
وذكر وقعه الجمل وصفين، قال: (وفى ايامه كانت وقعه
الجمل
وصفين، وعلم الناس منه فيها كيف قتال اهل البغى).
ثم انتقل فورا ليوجه القارى الى المصادر التى تكفلت
ذكر
الغزوتين، فقال: (وحديثهما قد اعتنى به ثقات اهل
التاريخ،
كابى جعفر بن جرير وغيره)((157)).
فقد اكتفى بذكر الطبرى من بين ثقات اهل التاريخ، فى
حين
لم يعتمد الطبرى فى اخبار معركه الجمل سوى روايه
سيف بن
عمر!!
د - محمد ابو زهره : نقل اخبار عبداللّه بن سبا من
تاريخ
الطبرى، ثم قال: وهكذا نرى شيخ المورخين يبين كيف
كانت
موامره هولاء لافساد امر المسلمين، واتخذوا من
الشكوى من
بعض ولاه عثمان ذريعه للدعوه الى الانتقاص وبث
الافكار
المنحرفه المفرقه((158)).
هكذا، جزما، دون ان يلتفت ادنى التفاته الى
الاسانيد التى
حرص الطبرى على اثباتها، ونبه عليها فى مقدمته!!
طريقه الانتقاء
وقد كشف الطبرى عن بعض حدود منهاجه هذا بصريح القول
احيانا، واحيانا اخرى بما التزمه بالفعل من شروط
الانتقاء وان
لم يصرح بها قولا.
ومن ذلك:
1 - انتقاوه اخبار العاذرين معاويه وترك ما سوى ذلك.
وحجته فى ذلك حفظ السلف. ولكن الحق انه مهما اجهد
نفسه
فى انتقاء الاخبار وتهذيبها فلا يستطيع اعذار
معاويه حتى ينال
من خصومه وهم دائما من كبار السلف الذى لا يقرن بهم
معاويه.
اذن فالسلف الذى يعنى الطبرى بحفظه هو معاويه وفئته
فقط،
لا كل السلف.
2 - انتقاوه ما يرضى العامه ويوافق اهواءها دون سواه.
فاذا تذكرنا ان العامه كانت تهوى هوى الفئه
الغالبه، وتعتقد بما
اذن المتغلبون بنشره من عقائد، ادركنا ان التاريخ
قد مال ايضا
الى هذه الفئه، وغمص الاخرين حقهم.
3 - متابعه الامر الواقع والذب عنه ما وجد لذلك
سبيلا.
وهذا النهج واضح، اولا: فى التزام الشرطين
المتقدمين.
وثانيا: فى التزام روايه سيف بن عمر على طول هذه
المرحله
الحساسه، ابتداء بوفاه الرسول وانتهاء بمعركه
الجمل. وسيف هو
الراوى الذى نذر نفسه لهذا الغرض وصنع لاجله
الاساطير
وزور الحقائق وقلب الاخبار((159)).
وعلى هذا النحو سار الاخرون، كما راينا ذلك واضحا
عند ابن
الاثير وابن خلدون وقد جعلا تلك الامور شروطا فى
صحه
الخبر. وثمه ترابط وثيق بين هذه الامور الثلاثه
سيظهر جليا
فى الفقره اللاحقه.
- ومع حذر الطبرى الشديد وتمسكه بتلك النقاط لم ينج
من
اولئك العامه، فقد اتهموه بمناصره الشيعه((160))!
فكيف
بنيت اذن ثقافه
فمنذ ان ظهر الاختلاف بين المسلمين بعد وفاه رسول
اللّه(ص) كانت هذه القضيه المحور الاهم فى محاور
الخلاف،
وما زالت تنمو حتى بلغت اوجها فى عهد معاويه بن ابى
سفيان.
واهم من ذلك انه فى هذا العهد وضعت اللبنات الاولى
لهذه
المرحله من مراحل التدوين. فلم تشا السياسه آنذاك
ان تدع
الثقافه تجرى بعيدا عن سلطانها، بل بسطت عليها
سلطانها
كما بسطته على شوون الاداره والاجناد، فرسمت لها
مسارا لا
تتعداه. وقد تمت معالم هذا المسار مبكرا على يد
معاويه بن ابى
سفيان، الذى كان قد انجز منها شوطا هاما فى حدود
سلطانه
ايام ولايته على الشام.
ولقد حفظ لنا التاريخ ذلك فى نصوص شهد لها الواقع
بجزئياته، نقلت عن ائمه ثقات كالامام محمد
الباقر(ع)،
والمدائنى، ونفطويه. واتفقت هذه النصوص فى وصف
الخلاصه
التى تمثل هويه هذا المسار الجديد، فيما كان حديث
المدائنى
معنيا بتحديد المراحل التى اتبعت فى ذلك، فقال:
- كتب معاويه نسخه واحده الى عماله بعد عام الجماعه:
(ان
برئت الذمه ممن روى شيئا فى فضل ابى تراب واهل بيته).
هذه هى الخطوه الاولى من خطوات هذا المشروع، ان
يمنع
التحدث بسيرهعلى واهل البيت وفضائلهم لئلا تنتقل
الى
العامه فتدخل فى ثقافاتهم وعقائدهم.
وعلى اثر هذه الخطوه، قال المدائنى: (قامت الخطباء
فى كل
كوره وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبروون منه ويقعون
فيه
وفى اهل بيته).
فعلى واهل بيته لم يكونوا مجردين من الفضائل غرباء
على
السيره فقط، وانما هم هولاء الذين يلعنهم خطباء
المسلمين
ويبروون منهم!!
وهكذا ابتدا المشروع الجديد بهدم ما فى اذهان
العامه الذين
يعلمون ان عليا(ع) هو احد خلفاء المسلمين، وانه صاحب
السابقه والعلم والجهاد والزهد، وان اهل بيته هم
اهل بيت
رسول اللّه(ص).
ثم جاءت الخطوه الثانيه :
قال المدائنى: وكتب معاويه الى عماله فى جميع
الافاق: (الا
يجيزوا لاحد من شيعه على واهل بيته شهاده).
هولاء الذين ما زالوا يحتفظون بحب على، تهدر
كرامتهم
ويعاملون معامله الفساق فلا تقبل لهم شهاده، ومن
كانت هذه
حاله فلو حدث بحديث فحديثه باطل ومردود بلا كلام،
فكيف
توخذ احاديث الرسول(ص) ممن لا تقبل شهادته؟!
وهكذا فعلا ردت شهادات اهل هذه الطائفه، وتركت
احاديثهم،
فلما جاء اهل الجرح والتعديل فى فتره لاحقه عللوا
ترك
احاديثهم بانهم كانوا يتشيعون، وصار كل حديث يرد
عنهم
بخلاف ما الفه الناس يعد حديثا منكرا.
ثم جاءت الخطوه الثالثه :
قال المدائنى: وكتب الى عماله: (ان انظروا من قبلكم
من
شيعه عثمان ومحبيه واهل بيته والذين يروون فضائله
ومناقبه
فادنوا مجالسهم وقربوهم واكتبوا لى بكل ما يروى كل
رجل
منهم واسمه واسم ابيه وعشيرته.
ففعلوا ذلك حتى اكثروا فى فضائل عثمان ومناقبه، لما
كان
يبعثه اليهم معاويه ويفيضه عليهم، وكثر ذلك فى كل
مصر،
وتنافسوا فى المنازل والدنيا. فلبثوا بذلك حينا..).
فهذه هى الخطوه الثالثه من خطوات هذا المشروع
الثقافى
الجديد.
ثم كانت الخطوه الرابعه :
قال المدائنى: ثم كتب الى عماله: (ان الحديث فى عثمان
قد
كثر وفشا فى كل مصر وفى كل وجه وناحيه. فاذا جاءكم
كتابى
هذا فادعوا الناس الى الروايه فى فضائل الصحابه
والخلفاء
الاولين..
ولا تتركوا خبرا يرويه احد من المسلمين فى ابى تراب
الا
وتاتونى بمناقض له فى الصحابه، فان هذا احب الى
واقر لعينى،
وادحض لحجه ابى تراب وشيعته، واشد عليهم من مناقب
عثمان وفضائله).
فقرئت كتبه على الناس، فرويت اخبار كثيره فى مناقب
الصحابه مفتعله لا حقيقه لها..
وجد الناس فى روايه ما يجرى هذا المجرى حتى اشادوا
بذكر
ذلك على المنابر.. و القى الى معلمى الكتاتيب،
فعلموا
صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع.. حى رووه
وتعلموه
كما يتعلمون القرآن.. وحتى علموه بناتهم ونساءهم
وخدمهم
وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء اللّه..
فظهر حديث كثير موضوع.. وبهتان منتشر..
ومضى على ذلك: الفقهاء، والقضاه، والولاه، والقراء
والمراوون،
والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون
الاحاديث ليحظوا بذلك عند الائمه، يصيبوا به
الاموال والضياع
والمنازل..
حتى انتقلت تلك الاخبار والاحاديث الى الديانين
الذين لا
يستحلون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنون
انها
حق، ولو علموا انها باطله لما رووها ولا تدينوا
بها!!((161))
والى مثل هذا انتهى حديث الامام الباقر(ع) وهو يصف
حال اهل
البيت وشيعتهم فى ذلك العهد، الى ان قال: (وحتى صار
الرجل الذى يذكر بالخير -ولعله يكون ورعا صدوقا -
يحدث
باحاديث عظيمه عجيبه من تفضيل بعض من قد سلف من
الولاه، ولم يخلق اللّه تعالى شيئا منها، ولا كانت
وقعت، وهو
يحسب انها حق لكثره من رواها ممن لم يعرف بالكذب ولا
بقله
ورع)((162))!!
والى مثله ايضا انتهى كلام نفطويه فى تاريخه حيث
يقول: (ان
اكثر الاحاديث الموضوعه فى فضائل الصحابه اختلقت
فى ايام
بنى اميه تقربا اليهم بما يظنون انهم يرغمون به
انوف بنى
هاشم)((163))!!
ثم جاء اللاحقون من اهل الجرح والتعديل وتدوين
الحديث
والتاريخ فاعتمدوا على ما ثبت فى ذلك العهد من
احاديث
واخبار مدونه او محفوظه، فمن وثقه المعتمدون
الماذونون
فى ذلك العهد فهو الثقه المامون، ومن مضى على مثل
طريقه
فهو مثله على امتداد العصور، ومن طعنه اولئك فهو
المطعون
وحديثه المتروك، ومن مضى على مثل طريقته فهو مثله..
فهولاء هم اهل الاهواء الذين ينبعى الا تسود الصحف
باحاديثهم،
كما قال ابن خلدون، وكما صنع ابن هشام والطبرى.
هكذا يكشف لنا التاريخ عن هويته..
هويه حددتها تلك المدرسه الثقافيه الشامله التى
انشئت فى
اول عصور التدوين وان هذه الحقيقه لتستدعى اثاره
الشكوك
حول الكثير مما جمعته عيون التاريخ وكانه الحقيقه
التى لا
مراء فيها..
انها تستدعى ان يحاكم هذا التاريخ محاكمه جاده حتى
يتميز
ما ثبت فيه مما هو حق، وما ثبت فيه تاثرا بتلك
المدرسه وما
خلفته فى اذهان الناس، حتى وجد ابن هشام والطبرى
نفسيهما مكتوفى الايدى لا يستطيعان ان يثبتا حقيقه
واحده
تصطدم وعقائد الناس وما ترسخت عليه اهواوهم.. بل حتى
وجدا نفسيهما منساقين لتلك الاثار، يعدان ما
خالفها فى عداد
الامور الشنيعه التى يجب الا تكتب!
ان الاثار التى تركتها تلك المدرسه فى اذهان عامه
الناس قد
بلغت حدا يصعب تصوره!
فالنبى(ص) يخص ابا ذر بقول عجب!! ويمنح عمارا شهاده
عجبا!! ويخبر الانصار بنبا عجب!! ويخبر عليا بمثله
وزياده!!
ويقرن بين الانصار وعلى بما يثير الدهشه والعجب!!
1 - ابو ذر : النبى(ص) يخص ابا ذر بقول عجب، فيقول(ص):
(ما اقلت الغبراء، ولا اظلت الخضراء اصدق لهجه من
ابى
ذر)((164))!!
لم هذا الاختصاص لابى ذر وحده، وفى الصحابه كثير من
اهل
الصدق الذين لم يعرف لاحدهم كذبه قط؟
ان الاطلاله على هذا التاريخ تنبئك ان النبى(ص) لم
يكن
بقوله الشريف هذا يريد الاطراء على ابى ذر وحسب،
وانما كان
النبى(ص) يريد ان يقف بنفسه المقدسه وبحديثه الشريف
الى
جنب ابى ذر حين تقف الدوله ضده بكامل ثقلها.. يريد ان
يشهد
له ويصدقه حين تكذبه الناس، وحين يتهمه التاريخ!
وحين يبقى ابو ذر الرجل الذى ينطق وحده، وينفى
وحده،
ويموت وحده!
حين يكون خصمه الدوله بكامل ثقلها، بامرائها
وقضاتها
ومحدثيها ومورخيها، فيعلو عليه الضجيح لتضيع اصداء
صوته
المخنوق!!
حينئذ يقف رسول اللّه(ص) بشخصه الكريم وسنته
المطهره
فيشهد له بانه الاصدق قولا من كل ذلك الرعيل، وانه
الاثبت
لهجه من كل ذلك الضجيج..
فان جفاه الناس، واعرض عنه التاريخ، فلا ضير عليه،
فانه كان
وحده امه فى مقابل تلك الامه، وسيبعث وحده يوم
القيامه((165))!!
وفى الحالين هو الامه الاصدق لهجه
والامضى حجه والاعز ناصرا.
ان رسول اللّه(ص) قد قال لنا بهذا الحديث: اذا رايتم
امه تتهم
ابا ذر وترد عليه، فصدقوه وكذبوها، ولا يغركم ان
فيها رواه
ومحدثون، فابو ذر هو الاصدق لهجه على الدوام..
ولا يغركم فيها كثره او غلبه، فابو ذر وحده امه!
وقبل ذلك كان النبى(ص) قد اخبر ابا ذر بما سيكون معه،
اذ
دخل المسجد يوما فوجده منجدلا فيه، فقال له: (الا
اراك
نائما؟).
فقال ابو ذر: فاين انام، هل لى من بيت غيره؟
فجلس اليه رسول اللّه(ص) ثم قال له: (كيف انت اذا
اخرجوك
منه؟).
قال: الحق بالشام، فاكون رجلا من اهلها.
فقال له: (كيف انت اذا اخرجوك من الشام؟).
قال: ارجع اليه فيكون بيتى ومنزلى.
فقال له: (فكيف انت اذا اخرجوك منه الثانيه؟)((166)).
فهذا الذى اخبر النبى(ص) بوقوعه هو الذى كذب به
العاذرون
لان فيه امورا شنيعه بحق بعض السلف!!
ثم ان رسول اللّه(ص) هو الذى اخذ على ابى ذر الا
تاخذه فى
اللّه لومه لائم((167)).
قال ابو ذر: (بايعنى رسول اللّه(ص) خمسا، وواثقنى
سبعا،
واشهد اللّه على سبعا الا اخاف فى اللّه لومه لائم).
اما عاذرو السلف فقالوا: انما اغواه ابن سبا!!
تلك قصه ابى ذر بين السنه والتاريخ.
لقد اراد رسول اللّه(ص) ان يسلط الضوء على ذلك
الفريق
الساعى فى تزييف التاريخ.
2 - عمار : ومثل الذى كان مع ابى ذر كان مع عمار الذى
قال
فيه النبى(ص): (اذا اختلف الناس كان ابن سميه مع
الحق)((168))!
وهكذا عرف به الصحابى الكبير حذيفه بن اليمان، حيث
سئل
عن الفتن وانشقاق الامه فرقا، فقال: (انظروا الفئه
التى فيها
ابن سميه - عمار - فاتبعوه، فانه يدور مع كتاب اللّه
حيث
دار)((169)).
واعجب من هذا فان عمارا قد اجاره اللّه من الشيطان
على
لسان نبيه(ص)، وبهذا كان يعرفه اصحاب رسول اللّه(رضى
اللّه
عنهم)((170)).
فحين ياتى التاريخ ليصف عمارا بانه كان من اول
المتاثرين
بدعوه ابن سبا، تاثر به فاظهر الخلاف على
عثمان(رحمهاللّه)!
وتاثر به فتعصب لعلى(ع) وشدد على حقه فى الخلافه((171))!
عندئذ تظهر ابعاد تلك الاحاديث الشريفه.
فكانه(ص) يقول لنا: اذا جاءكم احد بمثل هذا عن عمار
فاعلموا
انما هو افتراء باطل، فان عمارا قد اجاره اللّه
تعالى من الشيطان،
فما كان يقوله عمار فهو دينه وعقيدته، وهو الحق،
وما هو من
وحى شيطان.. ذلك غبار يثار بوجه الفئه التى انتظم
فيها
عمار، وهى الفئه المحقه، فمهما تعددت الفئات فان
عمارا مع
الفئه المحقه، لا يفارقها، يدور مع كتاب اللّه حيث
دار.. فلا
يصدنكم هذا عنه، ولا يغرنكم انه يقال من قبل الفئه
القويه
المتغلبه على الارض وعلى تدوين التاريخ، فان تلك هى
الفئه
الباغيه .. فان عمارا (تقتله الفئه الباغيه)!!
انها معجزه النبوه..
فقد علم(ص) ان عمارا سيكون قطبا من الاقطاب التى
يدور
عليها اختلاف الناس، فسوف يكون له اعداء يحاربونه
باكثر من
سلاح، منها:
ا - انهم سيتهمونه فى عقيدته ويزعمون انه قد تاثر
بشياطين
الانس فاغوته ومالت به عن الرشاد.
ب - سيصفونه باثاره الفرقه والفتنه فى هذه الامه..
ج - سيقاتلونه فيقتلونه.
فرد النبى(ص) على الاول بابلاغه اصحابه ان عمارا قد
اجاره
اللّه من الشيطان!! فمن اتهم عمارا بشىء من ذلك
فكذبوه
واعلموا انه مفتر من حزب الشيطان.
ورد على الثانى فقال: (اذا اختلف الناس كان ابن سميه
مع
الحق) (يدور مع كتاب اللّه حيث دار) فاذا رايتم فئه
تخالف
عمارا فاعلموا ان تلك هى فئه الباطل والضلال!
واذا دعاهم عمار الى شىء فردوه وكذبوه فانما
يدعوهم الى
الحق، وهم يدعون الى الباطل.. وتعجب النبى(ص) من امر
الناس مع عمار فقال: (ما لهم ولعمار؟! يدعوهم الى
الجنه
ويدعونه الى النار!)((172)).
ورد على الثالث، فقال: (تقتله الفئه الباغيه).
وقال: (من يعاد عمارا يعاده اللّه، ومن يبغض عمارا
يبغضه
اللّه)((173))!!
انها شهادتان فى آن واحد: شهاده ببراءه عمار،
وشهاده بجنايه
التاريخ.
شهاده لعمار بانه مع الحق، وشهاده على التاريخ بانه
مع
الباطل.
وهكذا رسمت السنه مسارا، وسار التاريخ فى مسار آخر.
3 - الانصار : قال النبى(ص) للانصار: (ستلقون بعدى
اثره،
فاصبروا حتى تلقونى على الحوض)((174))!
فهناك الجزاء، وهناك النبى(ص) معهم، خصم لمن استاثر
عليهم، ومن كان النبى خصمه فقد خسر!!
وذاق الانصار تلك الاثره، وذاقوا مر الصبر عليها..
وقال(ص): (آيه الايمان حب الانصار، وآيه النفاق بغض
الانصار)((175))!
وقال(ص): (الانصار لا يحبهم الا مومن، ولا يبغضهم الا
منافق،
فمن احبهم احبه اللّه، ومن ابغضهم ابغضه اللّه)((176)).
فتغلب اناس على امور المسلمين ابغضوا الانصار
واستاثروا
عليهم، فطاوعهم التاريخ على ذلك!
4 - على : اولئك الذين نال منهم التاريخ - ابو ذر،
وعمار،
والانصار - هم فئه على(ع): ابو ذر وعمار هما اللذان لم
يفارقا
عليا قط، ولا قدما عليه بشرا غير رسول اللّه(ع)..
والانصار هم
الذين احبوا عليا واحبهم، حتى جر عليهم حبه تلك
الاثره.
وبعد، فعلى هو العنوان المستهدف على الدوام من قبل
خصومه
السياسيين المتغلبين على البلاد. وكما جعل النبى(ص) حب الانصار آيه الايمان، وبغضهم آيه النفاق، وجعل ذلك لعلى(ع)، فعهد اليه عهدا: (لا يحبك الا مومن، ولا يبغضك الا منافق)((177))! وقال له: (من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه)((178))! وقال له ولاهل بيته: (انا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم)((179))! |