فجاء التاريخ مسالما وعاذرا بل مطاوعا
لمن ابغضهم وعاداهم
وحاربهم!!
فحين يكون ابو ذر وعمار قد تاثرا بابن سبا، او
انحرفا عن الجاده
باثاره الفتنه، فسوف يكون الحق مع خصومهم، فالخصوم
اذن
هم الذين لزموا الصراط المستقيم، وما كان عليه ابو
ذر وعمار
هو الباطل!!
فهذا هو مصير السنه حين يكتب التاريخ باقلام
العاذرين
ولارضاء العامه واستجلاب رضا المتغلبين.
انه لفصام كبير بين مسار الاسلام كما اراده اللّه
ورسوله، وبين
المسارالواقعى الذى شهده تاريخ الاسلام فى بعض
مراحله،
ومضى عليه التدوين فى كثير من فصوله.. تلك حقيقه وقف
عليها الكثير من الدارسين والمحققين، ولم تعد من
الامور
الغامضه التى قد تثير حفائظ المتمسكين بكل ما ينسب
الى
التراث.
لقد ادرك الجميع حقيقه ان معظم المورخين الذين
صاغوا
هذا التاريخ هم من الموالين للسلطات سياسيا، فى
عهود تاجج
فيها النزاع السياسى وازدادت حدته حتى امتد الى كل
ميادين
الحياه، فكان اقل ما يفعله المورخون هو تبرير اعمال
الخلفاء
والامراء، ايا كانوا، ومهما كانت اعمالهم، والكف
عن ذكر ما
يزعجهم من حقائق التاريخ، وما لا ياذنون بكتابته!
كما ان معظم المورخين كانوا ايضا موالين للسلطات
مذهبيا،
فى عهود كان فيها النزاع المذهبى على اشده (وقد صار
كل
الفرق يحكى الشر عن مخالفيه ويكتم الخير، ويروى
الكذب
والبهتان، وينتحل الاحاديث النبويه والماثورات عن
السلف
خدمه لاغراض المتخاصمين)((180))!
ووجد المتدينون والفقهاء فى هذا التاريخ ماده دسمه
فى
الانتصار لاوليائهم فى السياسه والمذهب.
تذكير : ولا بد من التذكير بما قدمناه اولا من محاسن
مراجعنا
التاريخيه ونقاط القوه فيها، ليزول اللبس، ويعلم
ان هذه
الظاهره لم تمتد على كل مساحات التاريخ، فهناك
المساحات
الحره التى لا تثير احدا، وهناك ما يمر موضوعيا بين
الروايات
المتعدده، وهناك ما يمكن تقبله ولو على مضض، وهناك
فترات تضعف فيها رقابه الراى العام، وهناك شجاعه
المورخ
واخلاصه للحقيقه، كل ذلك يقلص من مساحه الاثر
السياسى
والمذهبى على التاريخ، لكنه لا يلغيه.. وتلك
الحقائق التى
قدمناها آنفا شاهده عليه.
تلك الحقائق هى التى جمعت الدارسين والمنصفين من
اهل
التحقيق والنظر على قول واحد مفاده: ان معلوماتنا
عن
التاريخ بحاجه الى مراجعه جاده ودراسه فى ضوء رويه
شموليه
للتاريخ الاسلامى..
رويه تحيط بجوهر رساله الاسلام..
رويه تكون فيها الشريعه الاسلاميه بمصدريها
الاساسين -
القرآن والسنه - هى المعيار الذى تقوم على اساسه
الاطراف
المتنازعه والفئات المختلفه.
- وهذا هو الذى اردناه فى هذا الكتاب..
× فالقرآن والسنه هما المصدران المعصومان اللذان
يحكمان
على كل ما عداهما، ولا شىء يحكم عليهما.
× وان القرآن والسنه يعكسان الصوره التامه لمسار
الاسلام، فى
حياه الرسول(ص) وبعده.
× واما الواقع الذى صنعه المسلمون بعد الرسول(ص) فهو
من
صنع المسلمين انفسهم، وهو خاضع لميزان القرآن
والسنه،
فما كان منه موافقا لهما فهو من الاسلام ومن مساره
الشرعى
الذى لا شك فيه، وما كان منه مخالفا لهما فهو مسار
آخر اولى
ان ينسب الى اصحابه.
كما نرفض فى دراستنا نوعين من الموازين خضعت لهما
اكثر
الدراسات فى التاريخ والعقيده، وهما:
× ميزان منح اصول المذهب سمه العصمه، فجعل نصوص
القرآن والسنه وحقائق التاريخ كلها خاضعه له، فما
وافق
المذهب فهو الحق عنده، وما خالف المذهب اعمل فيه
التاويل
ولو الى حد التعطيل وخصوصا مع آيات الكتاب الكريم،
وما لا
يمكن تاويله من السنه والحقائق التاريخيه انكرها
بالمره وكذب
بها.
× وميزان منح السياسه النافذه والامر الواقع فى
مرحله ما سمه
العصمه، وجعلها هى الحاكمه على نصوص القرآن
والسنه، فلا
يقبل الاما وافقها، واما ما خالفها فمصيره اما الى
التاويل الذى
يبلغ احيانا منزله النسخ والتعطيل، واما الى
التكذيب والانكار
الذى ينال الكثير من السنه النبويه والوقائع
التاريخيه.
واللّه المسدد للصواب ..
الباب الثانى
ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله..
ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون((181))
الذى يعرفه علماء الاجتماع ومتكلمو المسلمين ان
وجود
النظام ضروره لازمه لحفظ الاجتماع، وعدمه يعنى
الفوضى
التامه.
وقد عبر ابن خلدون عن هذا النظام بانه: (قوانين
سياسيه
مفروضه يسلمها الكافه وينقادون الى احكامها، فاذا
خلت الدوله
من مثل هذه السياسه لم يستتب امرها ولم يتم
استيلاوها (سنه
اللّه فى الذين خلوا من قبل))((182)).
وراى ابن حزم ان ذلك معلوما بضروره العقل وبديهته،
وان
قيام الدين ممتنع غير ممكن الابالاسناد الى واحد -
(امام)
(خليفه) - يكون على راس هذا النظام((183)).
فما هو موقف الاسلام من هذه الضروره؟
انها لمن دواعى الاستغراب ان تكون الضروره وسنه
اللّه فى
خلقه هى مفترق الطرق بين المسلمين!
هل تفاعل الاسلام - كدين ومنهج للحياه - مع هذه
الضروره،
سنه اللّه فى خلقه؟
الاسلام الذى تشعبت احكامه وتشريعاته حتى استوعبت
الجزئيات الصغيره فى حياه الانسان، هل نتوقع انه
اهمل اول
الضرورات واهمها، ضروره حفظ المجتمع وحفظ الدين
واقامه
حدوده واحكامه؟
ان فريقا كبيرا منا يقول: نعم، اهمل الاسلام ذلك.
عندئذ اوقف هذا الفريق نفسه امام الحاجه الملحه الى
ملء هذا
الفراغ الكبير فى النظام الاسلامى.
فالاسلام الذىاخذ على عاتقه تنظيم حياه
بنىالانسان كافهالى
يوم القيامه سياتىبفراغ كبير حينلا يقدم جوابا
محددا
لاولاسئلهالحياه والمجتمع والشريعه((184)).
وامام هذه الحاجه الملحه قالوا: نعم، ان الاسلام قد
ترك هذا
الامر للامه، تختار لنفسها ما تراه الاصلح لحفظ
نظامها وحفظ
الشريعه، فعندئذ لا يعد هذا اهمالا.
وهنا يتصدر سوال جديد، يقول: ما هى الضوابط اللازم
توفرها
لضمان شرعيه ما تختاره الامه؟
فمن البديهى ان (نظام الحكم) موضوع مشترك بين
الاسلام
وغيره من الانظمه، سماويه كانت او ارضيه، انما الذى
يميزه
عن غيره هو هذه النسبه الملحقه به (اسلامى). فكونه
اسلامى
يعنى بالضروره ان يكون محددا بمبادى الاسلام
واحكامه، فمن
هنا فقط يستمد اسلاميته، لا من هويه الشخص الحاكم.
امام هذا السوال برز افق جديد، حين اسند الامر هنا
بالكامل الى
الواقع التاريخى للامه فى عصر الصحابه، ورغم ان
الكلام هنا
سيدور على نفسه، اذ يصبح اختيار بعض الامه هو
الدليل على
شرعيه ما اختاروه، رغم ذلك فهو قول لا مناص منه!
وبهذا اصبح الواقع التاريخى للامه - كما سيتضح
قريبا - جزءا
من الدين، ومصدرا من مصادر العقيده.
واصبح الواقع الذى يسود فى الامه، والقرار النافذ
الذى يتخذه
الخليفه، جزءا من الشريعه يجب ان ننظر اليه كما
ننظر الى
السنه النبويه.
وهذا المبدا هو الذى شكل السبب المباشر - ولو ظاهرا -
فى
اقصاء على بن ابى طالب(ع) عن الخلافه يوم الشورى، اذ
عرض
عليه عبدالرحمن بن عوف البيعه على كتاب اللّه وسنه
رسوله
وسيره الشيخين ابى بكر وعمر، فلما اظهر على(ع)
اعتقاده
بالالتزام بكتاب اللّه وسنه رسوله وحسب، وبانه غير
ملزم باتباع
سيره الشيخين لانها ليست من مصادر الشريعه، عندئذ
راى
ذلك الفريق ان هذا الاعتقاد يعد مبررا كافيا فى
اقصاء صاحبه
عن الخلافه واسنادها الى رجل آخر يتعهد بالتزام ذلك
الشرط
مصدرا ثالثا مع الكتاب والسنه((185)).
اذن دخلت سياسه الامر الواقع فى التقسيم العملى
لمصادر
التشريع، وبالخصوص فى مجال النظام السياسى
الاسلامى، كما
فى المثال السابق، وكما فى الاعم الاغلب من تفاصيل
هذا
النظام كما سنرى..
فحين جعل اختيار الامام - راس النظام السياسى
وفاتحه
مساره المقبلمنوطا بالامه، فلا بد من مزيد بيان
وتحديد، فما
معنى ان الامر منوط بالامه؟
هل يعنى ان تجتمع الامه بكامل افرادها على رجل واحد
فى
وقت واحد لتتم له البيعه فتصح خلافته؟
-ذهب الى هذا بعض المعتزله - كابى بكر الاصم
والهشاميه -
ولكن لم يوافقهم عليه احد لانه امر لم يتحقق قط، ولا
يمكن
تحققه فى الواقع بحال من الاحوال، فهو تكليف ما لا
يطاق.
لذا خفف آخرون من شده ذلك، فقالوا: ان المراد بالامه
هنا
فضلاوها من كل بلد ومدينه، لا سائر افرادها.
-لكن هذا الراى هو الاخر لم يحظ بالقبول لانه لم يكن
له فى
الواقع مصداق، بل راى البعض فساد هذا الراى لانه لا
بد من
ضياع امور المسلمين قبلان يجمع جزء من مئه جزء من
فضلاء
اهل البلاد الاسلاميه المتعدده الاطراف((186)).
والى هنا لم يكن لهذه الاراء دليل من الشرع ولا من
الواقع.
-اما الجمهور فذهب الى ان الامامه تنعقد باختيار
اهل الحل
والعقد فقط، لا جميع الامه ولا جميع فضلائها.
من هم اهل الحل والعقد؟
فمن هم اهل الحل والعقد؟
ما هى مواصفاتهم؟ ومن الذى يتولى اختيارهم؟ وكيف
يتم
اختيارهم؟ وكم يكون عددهم؟ وما هى حدود صلاحياتهم؟
وما
هو الاسلوب الذى سيعتمدونه فى انتخاب الخليفه؟
ليس هناك نص من الشرع ولا شىء من السيره النبويه
يمكن
الرجوع اليه فى الاجابه على شىء من هذه الاسئله،
من هنا
تعددت الاجابات وتناقضت، ومع ذلك فان ايا منها لم
يقدم حلا
شافيا لتلك الاسئله..
-فبعضهم قال : لا تنعقد الامامه الا بجمهور اهل الحل
والعقد
من كل بلد، ليكون الرضا بهم عاما، والتسليم لامامته
اجماعا.
-ورده الاخرون، فقالوا: هذا مذهب مدفوع ببيعه ابى
بكر(رضىاللّه) على الخلافه باختيار من حضرها، ولم
ينتظر
قدوم غائب عنها.
ومن هولاء من قال: اقل ما تنعقد به الامامه خمسه من
اهل
الحل والعقد يجتمعون على عقدها، او يعقدها احدهم
برضا
الاربعه، واستدلوا لذلك بامرين:
الاول : ان بيعه ابى بكر انعقدت بخمسه اجتمعوا عليها
ثم
تابعهم الناس فيها. والخمسه هم: عمر بن الخطاب، وابو
عبيده
بن الجراح، وسالم مولى ابى حذيفه، واسيد بن خضير،
وبشير
بن سعد.
والثانى : ان عمر بن الخطاب جعل الشورى فى سته ليعقد
لاحدهم برضا الخمسه.
ومنهم من قال: بل تنعقد بثلاثه، يتولاها احدهم برضا
الاثنين،
ليكونوا حاكما وشاهدين، كما يصح عقد النكاح بولى
وشاهدين.
ومنهم من قال: بل تنعقد بواحد، لان العباس قال
لعلى(رضىاللّه): امدد يدك ابايعك، فيقول الناس: عم
رسول
اللّه بايع ابن عمه. فلا يختلف عليك اثنان. ولانه
حكم، وحكم
واحد نافذ((187)).
والاضطراب واضح فى هذه الاجابات، ومصدره رجوعها
الى
الامر الواقع فى وجوهه المختلفه، والى اقيسه غير
صحيحه
لاختلاف الموضوع بين عقد الخلافه وعقد النكاح او
حكم
الواحد.
-وقد كشف ابن حزم عن فساد هذه الاراء فى اثناء عرضه
لها،
وقال: كل قول فى الدين عرى عن دليل من القرآن او من
سنه
رسول اللّه(ص) او من اجماع الامه المتيقن فهو باطل
بيقين،
قال تعالى: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) ((188))فصح
ان من لا برهان له على صحه قوله فليس صادقا فيه((189)).
ثم قال: فاذ قد بطلت هذه الاقوال كلها فالواجب النظر
فى
ذلك على ما اوجبه اللّه تعالى فى القرآن والسنه
واجماع
المسلمين، كما افترض علينا عز وجل اذ يقول: (اطيعوا
اللّه
واطيعوا الرسول واولى الامر منكم فان تنازعتم فى
شىء فردوه
الى اللّه والرسول ان كنتم تومنون باللّه واليوم
الاخر)((190)).
ولكن ابن حزم حين ابطل هذه الاراء كلها لانها كانت
عريه عن
الدليل الشرعى، لم يفلح فى ايجاد البديل المتماسك
كما
سنرى ذلك فى محله من هذا الفصل.
وجوه تعيين الخليفه :
عندئذ وجدنا انفسنا مضطرين الى قبول تلك الاساليب
كلها، لا
لكونها مويده بدليل من الشرع، بل لانها قد حصلت فى
الفتره
المتقدمه من تاريخ الامه، اى فى عهد الصحابه، مع
انها كانت
عريه عن دليل الاجماع ايضا..
فقالوا: هناك ثلاثه وجوه لتعيين الخليفه:
الوجه الاول : اختيار اهل الحل والعقد، ويطلق عليه
(نظام
الشورى) ايضا. لكن نظام الشورى هذا لم يتخذ شكلا
واحدا عند
الصحابه، لذا فقد فصلوا فيه تبعا لذلك الاختلاف،
فقالوا:
الشورى على شكلين:
الاول : نظامالشورىابتداء، كما حدث فى بيعه ابى
بكر وعلى بن
ابى طالب. والثانى : نظام الشورى بين عدد يعينهم
الخليفه
السابق، كما صنع عمر.
الوجه الثانى : العهد.
وهو ان ينص الخليفه قبل موته على من يخلفه. وقد اتخذ
هذا
العهد اشكالا ثلاثه:
الاول : ان يعهد الخليفه الى واحد، كما صنع ابو بكر
فى عهده
الى عمر.
الثانى : ان يعهد الى جماعه يكون الخليفه واحدا
منهم، كما
صنع عمر فى عهده الى سته نفر ينتخبون الخليفه
القادم من
بينهم.
الثالث : ان يعهد الى اثنين فاكثر ويرتب الخلافه
فيهم بان
يقول: الخليفه بعدى فلان، فاذا مات فالخليفه بعده
فلان، وفى
هذا النظام تنتقل الخلافه بعده على الترتيب الذى
رتبه، كما
عهد سليمان بن عبدالملك الى عمر بن عبدالعزيز بعده
ثم الى
يزيد بن عبدالملك، وكذلك رتبها هارون الرشيد فى
ثلاثه من
بنيه: الامين، ثم المامون، ثم الموتمن((191)).
الوجه الثالث : القهر والاستيلاء، او الغلبه بالسيف((192)).
قال الامام احمد: (ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفه
وسمى
امير المومنين فلا يحل لاحد يومن باللّه واليوم
الاخر ان يبيت
ولا يراه اماما، برا كان او فاجرا).
وعند وجود امام مستقر ثم يخرج عليه آخر طلبا للملك،
فقد
قال الامام احمد: (الامامه لمن غلب) واحتج لذلك بان
ابن عمر
صلى باهل المدينه فى زمن الحره، وقال: (نحن مع من
غلب)((193)).
والامر مطرد، فلو ثبتت الامامه لواحد بالقهر
والاستيلاء، فيجىء
آخر ويقهره ويستولى على الامر، ينعزل الاول ويصير
الامام هو
الثانى((194)).
وظاهر جدا ان هذه النظريه انما هى نظريه تبرير، لا
نظريه
تشريع.
انها نظريه تبرير الامر الواقع واضفاء الشرعيه
عليه، والدافع
الوحيد الى هذا التبرير هو اعفاء الصحابه من تهمه
العمل فى
هذا الامر الخطير بدون دليل من الشرع، واعفاوهم مما
ترتب
على ذلك من نتائج.
لاجل هذا ظهر فى هذه النظريه من التكلف والتعسف ما
لا
يخفى، ومن ذلك:
1 - ان ايا من هذه الوجوه الثلاثه لا يستند الى دليل
شرعى
البته، ولم يكن يعرفه حتى فقهاء الصحابه قبل ظهوره
على
الواقع. ومن هنا طعن ابن حزم هذه الوجوه كلها كما
تقدم.
2 - ان مبدا الشورى المذكور فى الوجه الاول والماخوذ
من
بيعه ابى بكر(رضىاللّه) لم يكن قد تحقق فى تلك
البيعه،
وليس لاحد ان يدعى ذلك بعد ان وصفها عمر(رضىاللّه)
- فى
خطبته التى رواها البخارى وغيره واصحاب السير -
بانها كانت
فلته، عن غير مشوره!
ولم يكن هذا قول عمر وحده، بل كان يقينا فى اذهان
الصحابه
وعلى السنتهم، لذا قال بعضهم: لئن مات عمر لابايعن
لفلان،
فما كانت بيعه ابى بكر الا فلته.
فلما بلغ عمر ذلك لم ينكره بل اكده، فقال: (لا يغترن
امرو ان
يقول انما كانت بيعه ابى بكر فلته وتمت، الا انها قد
كانت
كذلك، ولكن وقى اللّه شرها)((195))!
وشتان بين الشورى والفلته!
والغريب ان عمر قد نهى عن تكرار مثل تلك البيعه،
وحذر من
العوده لمثلها تحذيرا شديدا خشيه ان يكون عاقبتها
القتل،
فقال: (فمن بايع رجلا من غير مشوره من المسلمين فلا
يبايع
هو ولا الذى بايعه تغره ان يقتلا).
انه يقول: (من عاد لمثلها فاقتلوه)((196))!!
وفى هذا وحده دليل كاف على الغاء صفه الشرعيه عن تلك
البيعه، فانما هى بيعه ساقتهم اليها الاحداث، فلا
يصح العوده
لمثلها بحال.
وهكذا رآها ابو على الجبائى والقاضى عبدالجبار،
فقالا: ان
الفلته ليست هى الزله والخطيئه، وانما تعنى البغته
من غير
رويه او مشاوره، ويقصد عمر بقوله: (من عاد الى مثلها
فاقتلوه)
ان من عاد الى الطريقه التى تمت بها البيعه لابى بكر
من غير
مشاوره او عذر ولا ضروره، ثم طلب من المسلمين
البيعه،
فينبغى قتله((197)).
هذا ما كان يعرفه الصحابه وكثير غيرهم عن تلك
البيعه اذن..
اما عامه المتاخرين فكانهم قد عز عليهم ان ينظروا
اليها بتلك
النظره، فاضفوا عليها صبغه الشورى ليجعلوا منها -
فى ثوبها
الجديد - الوجه الشرعى الاول فى اختيار الخليفه.
ولم يكتف بعضهم بهذا القدر حتى اضفى عليها صبغه
الاجماع
ابتداء، كما فعل ابن تيميه((198))!
غير انها دعوى لا يويدها شىء من النقل الصحيح، بل
حتى غير
الصحيح، فليس فى شىء من اخبار تلك البيعه ما يشير
الى
ذلك الاجماع من قريب او بعيد.
والذى دعا ابن تيميه الى هذا هو عقيدته فى شرط صحه
البيعه، اذ كان يرى وفقا للمذهب الحنبلى انه يشترط
لصحه
البيعه اجتماع جمهور اهل الحل والعقد فى بلد
الخليفه((199)).
لكن الاخرين ردوا هذا الشرط تصحيحا لبيعه ابى بكر
خاصه،
فقالوا: هذا مذهب مدفوع ببيعه ابى بكر، فقد تمت بعقد
رجل
واحد ورضا اربعه، ولم ينتظر فيها حضور من لم
يحضرها((200)).
وهذا الكلام الاخير هو الموافق لما صح عن عمر فى
خطبته
المتقدمه، والموافق لسائر ما ورد من النقل فى اخبار
السقيفه.
3 - الخوف من وقوع الفتنه، كان هو العذر المنتخب فى
تبرير
اول بيعه لاول خليفه حين تمت عن غير مشوره، ولم
ينتظر
فيها حضور الكثير من كبار المهاجرين والانصار ممن
ينبغى ان
يكون فى طليعه اهل الحل والعقد.
فالعذر فى هذا التعجل هو خوف الاختلاف والفتنه،
وهذا ظاهر
ايضا فى نص خطبه عمر(رضىاللّه).
لكن الغريب ان (الفتنه) قد عادت لتصبح طريقا شرعيا
من
طرق تعيين الخليفه!
ففى الوجه الثالث يرون القهر والاستيلاء والتغلب
بالسيف
طريقا الى الخلافه، والمتغلب دائما هو الخليفه
الشرعى الواجب
الطاعه! وما يزال الطريق مفتوحا امام كل طامح!
وهل الفتنه شىء غير هذا؟!
ثم كيف يقول بهذا من يعتمد بمبدا الشورى، واختيار
اهل الحل
والعقد؟!
ان المضى على طريقه تبرير الامر الواقع هو الذى ادى
الى
ظهور هذا التناقض وامثاله.
4 - هل يستدعى قبول الامر الواقع كل هذا القدر من
التنظير
والتبرير؟
اليس من الاولى ان تكون هناك نظريه ثابته محدده
المعالم
تبنى باعتماد نصوص الشريعه ومفاهيم الاسلام وروح
الاسلام،
ثم بعد ذلك توزن عليها عقود الخلافه التى تمت
بالفعل، فكل
عقد وافق هذه النظريه وانسجم معها فهو عقد شرعى
صحيح،
يكون عنده الخليفه الذى تمت له البيعه اماما واميرا
للمومنين
وخليفه من خلفاء رسول اللّه(ص) بحق، وكل عقد لم
يوافق
تلك النظريه فهو عقد غير صحيح؟
وعندئذ يكون قبول الامر الواقع المخالف للشروط
الصحيحه
حاله من حالات الضروره ما دامت الامه عاجزه عن
اصلاحه.
وهذا القول هو الذى تويده السنه، اذ اطلقت على هذا
النوع من
الحكماسم (الملك العضوض) اى الذى فيه عسف وظلم،
فكانهم يعضون فيه عضا!
وروى ايضا (ملوك عضوض) وهى صيغه جمع، مفردها: ملك
عض، وهو الخبيث الشرس((101)).
فكيف يجتمع هذا مع الخلافه الشرعيه؟
امامه المفضول :
والامر الوحيد الذى قلب الموقف من اشتراط الافضليه
هنا : هو
القبول بشرعيه التغلب بالسيف طريقا الى الخلافه،
بعد ان كان
طريقها الشورى والعهد!
فحين كان لزاما تبرير خلافه معاويه بن ابى سفيان
وتقديمه
على سائر الصحابه، كان لزاما ان يلغى القول باشتراط
الافضليه
فى الامامه!
هذا فيما كان الراى ان الامامه لا تكون الا للافضل((202))،
حتى اشتد النزاع وطال فى تفضيل بعض الصحابه على بعض
تثبيتا لهذا المبدا، وحتى ظهرت العقيده بان
الخلفاء الراشدين
هم افضل الامه، وان ترتيبهم فى الفضل موافق
لترتيبهم فى
الخلافه، فافضل الامه: ابو بكر، ثم عمر، ثم عثمان،
ثم
على((203)).
وشدد بعضهم فى التزام هذه القاعده حتى قال: من فضل
عليا
على عثمان فقد ازرى على المهاجرين والانصار((204)).
ليصور فى ذلك ان المهاجرين والانصار لم يقدموا
عثمان فى
الخلافه الا لاعتقادهم انه افضل من على.
لكن لما اريد تبرير قبول خلافه معاويه ومن بعده،
كان لا بد من
ظهور قول آخر:
- قال الجوينى امام الحرمين: والذى صار اليه معظم
اهل السنه
انه يتعين للامامه افضل اهل العصر، الا ان يكون فى
نصبه هرج
وهيجان فتن، فيجوز نصب المفضول اذ ذاك.
وقال: مساله امتناع امامه المفضول ليست بقطعيه.
ثم علل ذلك بان الشرع لا يمنع منه، كيف ولو تقدم
المفضول
فى امامه الصلاه لصحت الصلاه وان ترك الاولى((205))؟
-وبرر الرازى ذلك بان دخول الفاضل تحت امامه
المفضول مما
يسهل على من هو انقص فضلا من الامير الدخول تحت
طاعته،
ففى امامه المفضول رياضه للفاضل وكسر ما فيه من
نخوه((206))!
- ودافع ابن حزم عن امامه المفضول من عده وجوه:
الاول : انه لا يمكن معرفهالافضل الا بالظن، والظن
لا يغنى من
الحق شيئا.
الثانى : ان قريشا قد كثرت وطبقت الارض من اقصى
الشرق
الى الغرب، ولا سبيل الى معرفه الافضل من قوم هذا
مبلغ
عددهم.
والثالث : اجماع الامه على بطلان شرط الافضليه فى
الامامه،
فان جميع الصحابه ممن ادرك ذلك العصر اجمعوا على
صحه
امامه الحسن او معاويه، وقد كان فى الناس افضل
منهما، كسعد
بن ابى وقاص وسعيد بن زيد وابن عمر، فلو كان ما قاله
الباقلانى - فى وجوب امامه الافضل - حقا، لكانت
امامه الحسن
ومعاويه باطله((207)).
ملاحظات :
1 - ان الخوف من وقوع الهرج وهيجان الفتن الذى كان
مبررا
لقبول خلافه معاويه وفى الناس من هو افضل منه، هذا
العذر
نفسه قد جرى على لسان عمر بن الخطاب(رضىاللّه) فى
تقديم ابى بكر(رضىاللّه) على على(ع)!
قال عمر فى حديث له مع ابن عباس يذكر فيه امر
الخلافه
وحق على(ع) فيها، قال: لقد كان فى رسول اللّه من امره
ذرو
من قول((208))..
ولقد اراد فى مرضه ان يصرح باسمه فمنعت
من ذلك اشفاقا وحيطه على الاسلام! ورب هذه البنيه لا
تجتمع قريش عليه ابدا((209))!
ومره اخرى قال عمر لابن عباس (رضىاللّه): اتدرى ما
منع
الناس منكم؟
قال: لا.
قال عمر: لكنى ادرى، كرهت قريش ان تجتمع فيكم النبوه
والخلافه فتجخفوا جخفا((210))، فنظرت قريش لنفسها
فاختارت((211)).
- وفى ثالثه قال: ما اظنهم منعهم عنه الا انه استصغره
قومه((212)).
- وفى رابعه قال فيه: واللّه لولا سيفه لما قام عمود
الاسلام، وهو
بعد اقضى الامه، وذو سابقتها، وذو شرفها.
فقيل له: فما منعكم عنه يا امير المومنين؟
قال: حداثه السن، وحبه بنى عبدالمطلب((213)).
- وفى خامسه قال: استصغرناه، وخشينا الا تجتمع عليه
العرب
وقريش لما قد وترها((214)).
- وفى سادسه: فى خطبته التاريخيه فى وصف قصه
السقيفه،
اذ قال فى ختامها: (فارتفعت الاصوات، وكثر اللغط،
فلما
اشفقت الاختلاف قلت لابى بكر: ابسط يدك ابايعك،
فبسط
يده، فبايعته وبايعه المهاجرون وبايعه الانصار...
خشينا ان فارقنا
القوم ولم تكن بيعه ان يحدثوا بعدنا بيعه، فاما ان
نتابعهم على
ما لا نرضى، او نخالفهم فيكون فساد((215))!
اذن لماذا لا يقال ان تقديم ابى بكر(رضىاللّه) كان
لهذه الاعذار
او بعضها، وليس على اساس التفضيل؟
ان الاغضاء عن كل هذه النصوص، وعن غيرها مما ثبت عن
كثير من الصحابه فى تفضيلهم عليا(ع) على غيره امر لا
يقره
البحث الموضوعى.
2 - اغرب من ذلك انهم استدلوا على جواز امامه المفضول
بجواز امامته فى الصلاه، فكما تصح امامه المفضول فى
الصلاه
تصح امامته على الامه.
هذا مع ان الامامه فى الصلاه كانت هى الدليل الاول
على
تفضيل ابى بكر(رضىاللّه) وعلى امامته، فحين قلنا
بتفضيل
ابى بكر واحقيته فى الخلافه، قلنا: ان اول الادله
على ذلك
تقدمه فى الصلاه!
فلماذا لا يقال انه قدم فى الصلاه لجواز تقديم
المفضول على
الفاضل؟
انه تناقض ظاهر..
3 - ان طريقه انتخاب ابى بكر كانت صريحه تماما بغياب
مبدا
التفضيل، وكلمه عمر المتفق على صحتها: (ان بيعه ابى
بكر
كانت فلته، ولكن وقى اللّه شرها) من اهم الادله على
ذلك.
فلا يستطيع احد ان يدعى اذن ان الصحابه قد اجمعوا
على ان
الامام لا يكون الا الافضل، ثم اجمعوا على تفضيل
ابى بكر
فبايعوه على هذا الاساس!
ان اى دعوى من هذا القبيل تنهار امام كلمه عمر
المتقدمه،
كما تنهار امام تفاصيل احداث السقيفه والبيعه.
4 - قول ابى بكر فى اول خطبه له: (وليتكم ولست بخيركم)
انما كان - كما راى الباقلانى - لكى يدلهم على جواز
امامه
المفضول عند عارض يمنع من نصب الفاضل((216)).
اذن لماذا لا نذهب الى ان المفضول هنا هو ابو بكر،
مع تصريحه
بذلك، ثم نجتهد فى تبرير العارض الذى منع من نصب
الفاضل؟!
الاول : ان هذه النظريه قد تقلبت مع تقلب الاحداث
متابعه
للامر الواقع، وانها لم تستند على دليل شرعى ثابت
لتكتسب
منه الثبات؟
والثانى : ان هذه العقيده فى ترتيب الخلفاء فى الفضل
بحسب
ترتيبهم فى الخلافه انما هى عقيده ظهرت متاخره عن
عهد
الخلفاء من اجل تثبيت طرق البيعه واضفاء الشرعيه
عليها؟
والى مثل هذا خلص الدكتور احمد محمود صبحى، حيث قال:
الواقع ان متكلمى اهل السنه وفقهائهم لم يسلموا
بجواز امامه
المفضول مستندين الى اصل من اصول الدين، ولكنهم
جوزوا
ذلك اما تبريرا لسلطان الخلفاء ولخلع الصفه
الشرعيه على
خلافتهم، واما على سبيل معارضه آراء خصومهم من
الشيعه((217)).
والامران معا - تبرير الواقع، ومعارضه الخصوم - كانا
اصلا فى
ولاده مبدا جديد رافق هذه النظريه، الا وهو مبدا
(اعذار
السلف).
اعذار السلف :
لكن الحق ان الناظر الى هذا المبدا بتجرد لا يراه
الا مبدءا
متهافتا قد صيغ اصلا لتبرير الواقع ومعارضه
الخصوم!! فمثلا:
حين كان ينبغى لهذا المبدا ان يتسع للسلف الصالح
قاطبه،
نراه قد توجه توجها منحازا الى الفئه المتنفذه
وصاحبه القرار
السياسى، فلا يتردد اصحاب هذا المبدا فى صب اللوم
على
رجال من كبار الصحابه حين اظهروا خلافا، او ابدوا
رايا معارضا
للخلافه فى بعض عهودها، دون ان يراعى فيهم مبدا
(اعذار
السلف)..
فيقع اللوم على المقداد وعمار حين تكلما فى امر
الخلافه
بحجه انهما ليسا من قريشفلا يحقلهما التدخل
فىاختيار
الخليفه، فهذا الامر منحققريش وحدها..
ولكن حين تدخل فيه سالم مولى ابى حذيفه اصبح سالم
معدودا فى اهل الحل والعقد الذين تنعقد بهم البيعه..
هذا ولم
يكن سالم قرشيا، بل لم يكن عربيا ايضا!
والسر فى هذا التناقض ان سالما كان احد الخمسه
الذين
انعقدت بهم البيعه لابى بكر، بينما كان المقداد
وعمار يدعوان
الى حق على(ع) فى الخلافه.
ولما نجمت الخلافات ايام عثمان(رضىاللّه) كان
ينصب اللوم
على عبداللّه بن مسعود وابى ذر وعمار وعباده بن
الصامت
ومحمد بن ابى حذيفه وعمرو بن الحمق الخزاعى رضى
اللّه
عنهم دون خصومهم، فلم ينظر فيهم الى مبدا (اعذار
السلف)!
لكن هذا المجرى لم يمض مطردا، بل توقف عن دورته هذه
مره، وفى مرحله واحده من مراحل الخلافه.. فلم يكن
الصحابه
الذين اظهروا خلافا على على(ع) ايام خلافته محل لوم
وتعنيف، بل ولا محل عتاب.. ففى هذا العهد وحده فتح
مبدا
اعذار السلف بابه على مصراعيها، فخصوم على(ع) كانوا
دائما
مجتهدين ماجورين على خلافهم ذاك حين اخطاوا فى
الاجتهاد، وكل ما ثبت عنهم من الخلاف فلا بد ان
(يستنبط له
تاويلا، فما تعذر عليك تاويله، فقل: لعل له تاويلا
وعذرا لم
اطلع عليه)((218))!
وهكذا مع من قاتل عليا(ع) من الصحابه جميعا..
فمعاويه ومن معه مخطئون، مجتهدون، ماجورون اجرا
واحدا
((219))،
حتى وان تواتر الحديث: (من كنت مولاه فعلى
مولاه)! وحتى مع ابى الغاديه قاتل عمار، رغم انه قد
صح
الحديث فى عمار: (قاتله وسالبه فى النار)((220))!
يقول ابن حزم: (فابو الغاديه(رضىاللّه) متاول
مجتهد مخطى
فيه، باغ عليه، ماجور اجرا واحدا)((221))!!
لكن الامر مع خصوم عثمان مختلف تماما.. يقول ابن حزم:
(وليس هذا كقتله عثمان(رضىاللّه)، لانه لا مجال
للاجتهاد
فى قتله)((222))!!
وجاوز بعضهم الحد فعكس اتجاه دوران هذا المبدا
(اعذار
السلف) فى عهد على(ع) بمقدار مئه وثمانين درجه عن
اتجاهه فى العهود السابقه، فصار اللوم يقع هنا على
الخليفه
الحاكم، لا على مخالفيه.
فابن تيميه يرى ان عليا(ع) لم يكن على شىء، لانه
انما كان
يقاتل على الملك، ولاجل ان يطاع هو، ولم يكن
يقاتلللّه((223))!
حتى اذا انقضى عهد على(ع) عاد مبدا اعذار السلف
يستانف
دورته الاولى، فكل من اظهر خلافا على الخلفاء فهو
صاحب
فتنه! فلا الحسين السبط كان معذورا، ولا مئات
المهاجرين
والانصار من اهل المدينه المنوره كانوا معذورين فى
خلافهم
ليزيد((224))!
هذا هو مبدا اعذار السلف، يظهر مره، ويختفى مره،
ويتنقل من
موقع الى موقع، دفاعا عن الواقع التاريخى النافذ،
لا دفاعا عن
السلف.
وهكذا يبدو بما لا يدع مجالا للشك ان هذه النظريات
انما
استمدت اصولها وتفاصيلها من الواقع التاريخى
للنظام
السياسى الذى ظهر بعد وفاه الرسول الاكرم(ص) وحتى
بدايات العهد الاموى.
لقد اقصى التشريع الاسلامى هنا عن رسم مسار الاسلام
بعد
رسول اللّه(ص)، فيما اسند هذا الامر كليا الى الواقع
التاريخى.
فهل كان التشريع الاسلامى مفتقرا للمبادى التى
تساهم فى
تحديد مسار الاسلام؟
فالامر اذن من ابداع المسلمين وصياغتهم حين وجدوا
انفسهم
امام الامر الواقع بعد غياب الرسول(ص)، ولا شىء من
الكتاب
والسنه.
لكن هذا الراى يواجه سوالا شديد الاحراج: فهل يصح
لهذه
الشريعه ان تغفل اولى ضرورات النظام وحفظ المجتمع،
ثم
تكون هى شريعه الانسان الى يوم الدين؟
لقد اظهر الغزالى بعباره واضحه رده على الراى
المتقدم الذى
اسند الموضوع الى الاجماع، فقال: لسنا نكتفى بما
فيه من
اجماع الامه، بل ننبه على مستند الاجماع، ونقول:
نظام امر
الدين مقصود لصاحب الشرع(ع) قطعا، وهذه مقدمه قطعيه
لا
يتصور النزاع فيها، ونضيف اليها مقدمهاخرى: وهو
انه لا يحصل
نظام الدين الا بامام مطاع. فيحصل من المقدمتين صحه
الدعوى، وهو وجوب نصب الامام((226)) . استنادا الى مقصد
صاحب الشريعه، وليس الى الاجماع.
وهنا يبدو السوال اكثر وضوحا، فاذا كان نظام امر
الدين مقصود
صاحب الشريعه(ع) قطعا، وهذا النظام لا يحصل الا
بامام مطاع،
فكيف نظن بصاحب الشريعه(ع) ان يترك مقصوده عرضه
للضياع؟
وراى آخرون ان هذا الاجماع على وجوب نصب الامام لم
يكن
مويدا بمقصد صاحب الشريعه وحسب، بل بنصوص من القرآن
والسنه ايضا، فقالوا: الامامه واجبه سمعا، لقوله
تعالى: (اطيعوا
اللّه واطيعوا الرسول واولى الامر منكم) ((227))وطاعه
اولى
الامر تقتضى وجوب نصبهم وامامتهم، فاولى الامر هم
الائمه
المتامرون((228)). وزاد ابن حزم على ذكر الايه
الشريفه فقال:
مع احاديث كثيره فى طاعه الائمه، وايجاب الامامه
ايضا((229)).
اذن حين اسند وجوب نصب الامام الى الشريعه((230))،
فهل
هناك ما نلتمس منه ان الشريعه قد تقدمت خطوه اخرى
لاجل
التفصيل فى هذا الوجوب، كتعيين شرائط الامامه وفى
من
تكون، ام تركت ذلك للامه تختار لنفسها؟
ان النظريه التى نعيش معها تقول بان الامر متروك
للامه.. وهنا
وقع اضطراب كبير عند البحث عن الدليل الشرعى فى
تفويض
هذا الامر الى الامه، وعند محاوله اثبات شرعيه
الاسلوب الذى
سوف تسلكه الامه فى الاختيار.
لقد راوا فى قوله تعالى: (وامرهم شورى بينهم)((231))
افضل
دليل شرعى يدعم هذه النظريه، ومن هنا قالوا: ان اول
وجوه
انتخاب الخليفه هو الشورى.
لكن ستاتى الصدمه لاول وهله حين نرى ان مبدا الشورى
هذا
لم يطرق اذهان الصحابه آنذاك..
فانتخاب اول الخلفاء كان بمعزل عن هذا المبدا
تماما، فانما
كان (فلته) كما وصفه عمر، وهو الذى ابتداه وقاد
الناس اليه!
ثم كان انتخاب ثانى الخلفاء بمعزل ايضا عن هذا
المبدا!
نعم، ظهر هذا المبدا لاول مره على لسان
عمر(رضىاللّه) فى
خطبته الشهيره التى ذكر فيها السقيفه وبيعه ابى
بكر(رضىاللّه) فحذر من العوده الى مثلها، فقال:
(فمن بايع
رجلا من غير مشوره من المسلمين فلا يبايع هو ولا
الذى
بايعه، تغره ان يقتلا).((232)) لكنه حين ادركته الوفاه
اصبح
يبحث عن رجل يرتضيه فيعهد اليه بالخلافه بنص قاطع
بعيدا
عن الشورى!
فقال: لو كان ابو عبيده حيا لوليته((233)). ثم قال: لو كان
سالم مولى ابى حذيفه حيا لوليته((234)). ثم قال: لو كان
معاذ
بن جبل حيا لوليته((235)).
اذن لم يكن عمر يرى ان الاصل فى هذا الامر هو
الشورى، وان
كان قد قال بالشورى فى خطبته الاخيره الا انه لم
يعمل بها الا
اضطرارا حين لم يجد من يعهد اليه. لقد اوضح عن
عقيدته
التامه فى هذا الامر حين قال قبيل نهايه المطاف: (لو
كان
سالم حيا ما جعلتها شورى)((236))!!
والراجح ان الذى دعا عمر ااى تقديم نظريه الشورى هو
قطع
الطريق على على(ع)!ذلك ما كشف عنه حديث الزهرى فى
هذه الخطبه ذاتها و نقله العسقلانى و غيره و صحح فيه
ان
الرجل الذى رد عليه عمر فى خطبته هذه هو الزبير، و
انما كان
الزبير قد قال :(لو قد مات عمر لبايعنا عليا )((237))!ولعل
تفاصيل الشورى و نتائجها الاتى ذكرها ستوكد ان هذا
هو السر
فى ولاده نظريه الشورى فى هذا الوقت بالذات.
ثم كانت الشورى.. واى شورى!!
انها شورى محاطه بشرائط عجيبه لا مجال للمناقشه
فيها،
وجملتها:
1 - انها شورى بين سته نفر، وحسب، يعينهم الخليفه
وحده
دون الامه.
2 - ان يكون الخليفه المنتخب واحدا من هولاء السته،
لا من
غيرهم.
3 - اذا اتفق اكثر السته على رجل وعارض الباقون، ضربت
اعناقهم.
4 - اذا اتفق اثنان على رجل، واثنان على آخر، رجحت
الكفه
التى فيها عبدالرحمن بن عوف - احد السته - وان لم
يسلم
الباقون ضربت اعناقهم.
5 - الا تزيد مده التشاور على ثلاثه ايام، والا ضربت
اعناق السته
اهل الشورى باجمعهم.
6 - يتولى صهيب الرومى مراقبه ذلك فى خمسين رجلا من
حمله السيوف، على راسهم ابو طلحه الانصارى((238)).
فالحقان هذا النظام لم يتركالامر الى الامه
لتنظر وتعمل
بمبدا الشورى، بل هو نظام حدده الخليفه، ومنحه سمه
الامر
النافذ الذى لا محيد عنه، ولا تغيير فيه، ولا يمكن
لصوره كهذه
ان تسمى شورى بين المسلمين، ولا بين اهل الحل
والعقد.
ولقد كان فريق من كبار الصحابه يقدر نتائج تلك
الشورى قبل
انعقادها، ويعلم انها ستنتهى الى ما انتهت اليه..
لقد استشفوا
ذلك من تلك القيود التى احيطت بتلك الشورى! ادرك ذلك
على بن ابى طالب(ع) والعباس(رضىاللّه)..
- فاشار العباس على على ان لا يدخل فى هذه
الشورى((239)).
- وقال على لجماعه من بنى هاشم: عدلت عنا!
قالوا له: وما علمك؟
قال: (قرن بى عثمان، وقال: كونوا مع الاكثر، فان رضى
رجلان
رجلا، ورجلان رجلا، فكونوا مع الذين فيهم
عبدالرحمن بن
عوف.. فسعد لا يخالف ابن عمه((240))، وعبدالرحمن صهر
عثمان لا يختلفون، فلو كان الاخران معى لم
ينفعانى)((241))!
لقد كانت تلكالظروف اذن كفيله بتعطيل اول شورى فى
تاريخ الاسلام عن محتواها، فطعنت اذن فى تلك
القاعده
الاساسيه المفترضه (قاعده الشورى).
والحق ان هذه القاعده معطله من قبل.. فلم يكن ابو بكر
مومنا
بمبدا الشورى قاعده للنظام السياسى واصلا فى
انتخاب
الخليفه، ولا مارس ذلك بنفسه، بل غلق دونها الابواب
حين
سلب الامه حق الاختيار وممارسه الشورى اذ نص على
عمر
خليفه له، ولم يصغ الى ما سمعه من اعتراضات بعض كبار
الصحابه على هذا الاختيار.
علما ان هولاء الصحابه المعترضين لم يعترضوا على
طريقه
اختيار الخليفه التى مارسها ابو بكر(رضىاللّه)،
ولا قالوا: ان
الامر ينبغى ان يكون شورى بين الامه، ولااحتج احدهم
بقوله
تعالى: (وامرهم شورى بينهم)، وانما اعتراضهم على
اختياره
عمر بالذات، فقالوا له: استخلفت على الناس عمر، وقد
رايت ما
يلقى الناس منه وانت معه، فكيف به اذا خلى بهم؟!
وانت لاق
ربك فسائلك عن رعيتك((242))!
فلا كانت خلافه ابى بكر قد تمت وفق مبدا الشورى، ولا
خلافه
عمر، ولاخلافه عثمان كما راينا تفاصيلها، ولا كان
الصحابه قد
احتجوا بهذا المبدا فى عهد من العهود.
فاذا تجاوزنا خلافه ابى بكر وقلنا ما قاله عمر فيها:
(انها فلته
وقى اللّه شرها) فماذا يقال فى خلافه عمر؟
لو كان الخليفتان يعتقدان بان مبدا الشورى هو الاصل
فى
انتخاب الخليفه لما حصل من ذلك شىء، ولدعوا
الصحابه
للتشاور فى الامر تشاورا حرا، لكن الذى حصل من نص
ابى بكر
على عمر، وقبول عمر بذلك، ثم تمنيه فى عهده ان لو
كان ابو
عبيده، او سالم، او معاذ حيا، كل ذلك ليدل بوضوح على
عدم
اعتقادهما بصلاحيه الشورى لحل هذا الامر، فى ذلك
الزمان
على الاقل.
بل كان عمر صريحا كل الصراحه فى ذلك حين قال: (لو كان
سالم حيا لما جعلتها شورى)((243))!!
ان عهدا كهذا ليلغى راى الامه بالكامل، وحتى
الجماعه التى
يطلق عليها (اهل الحل والعقد)!
- قالوا: اذا عهد الخليفه الى آخر بالخلافه بعده،
فهل يشترط
فى ذلك رضى الامه؟
فاجابوا: ان بيعته منعقده، وان رضى الامه بها غير
معتبر، ودليل
ذلك: ان بيعه الصديق لعمر لم تتوقف على رضى بقيه
الصحابه((244))!
لم يكن اذن لقاعده الشورى اثر فى تعيين الخليفه.
نعم، كان للشورى اثر فى ما هو دون ذلك، فربما لجا
الخليفه
الى الشورى فى بعض ما ينتابه من امور طارئه لا يملك
لها حلا
عاجلا او تاما، اما ان تكون الشورى على راس النظام
السياسى
اتفق المسلمون على اعتمادها فى تعيين الخليفه،
فهذا ما لم
يتحقق فى عهود الخلافه الاولى ولا بعدها، الا ما
كان بعد مقتل
عثمان(رضىاللّه) اذ حصل شبه الاجماع لدى اهل
المدينه
المنوره بالبيعه لعلى(ع)، ولكن حتى هذا لم ياخذ اول
الامر
شكل الشورى، ثم هو لم يدم آخر الامر غير ليال حتى
خرج عليه
كبار الداعين اليه، طلحه والزبير.
لعل هذه الملاحظات هى التى دفعت ابن حزم الى تاخير
مبدا
الشورى وتقديم النص والتعيين الصريح من قبل
الخليفه
السابق، فقال: (وجدنا عقد الامامه يصح بوجوه، اولها
واصحها
وافضلها: ان يعهد الامام الميت الى انسان يختاره
اماما بعد
موته)((245))!
ولم نكتف بهذا، بل ذهبنا الى تبرير تلك الوجوه
المتناقضه بلا
استثناء، وبدون الرجوع الى اى دليل من الشرع،
ودليلنا الوحيد
كان دائما: (فعل الصحابه) رغم اننا نعلم علم اليقين
ان
الصحابه لم يجتمعوا على راى واحد من تلك الاراء
والوجوه.
كما اننا نعلم علم اليقين ايضا ان خلاف المخالفين
منهم وانكار
المنكرين كان ينهار امام الحكم الغالب.
ورغم ذلك فقد عمدنا الى القرار الغالب والنافذ فى
الواقع،
فمنحناه صبغه الاجماع، بحجه انه لم يكن لينفذ فى
عهدهم
الا باجماعهم عليه، او اقرارهم اياه.
وبهذا تنكرنا لحقيقه ان القرار النافذ كان يبتلع كل
ما صادفه
من اصوات المخالفين والمنكرين، ولا يلقى لها بالا،
وهذا هو
الغالب على كل ما يتصل بالخلافه والمواقف السياسيه
الكبرى..
فماذا اغنى اعتراض بنى هاشم ومن معهم من المهاجرين
والانصار على نتائج السقيفه؟
وما اغنى انكار الصحابه على ابى بكر يوم استخلف
عمر؟
وما اغنى انكار الصحابه سياسه عثمان فى تقديمه بنى
اميه
على خيار الصحابه مع ما كان عليه اولئك من حرص على
الدنيا وبعد عن الدين؟
ثم لم يشتد هذا الانكار ويعلو صداه حتى تغلب على
شوون
الامه والخليفه غلمان بنى اميه ممن لم يكن معه كثير
دين
وورع، كمروان بن الحكم، وعبداللّه بن سعد بن ابى
سرح،
والوليد بن عقبه، وعمرو بن العاص، ومعاويه.
ومع هذا فلم يكن انكارهم عندنا حجه، بل كانوا به
ملومين!
فمتى اذن كان انكار الصحابه حجه، ليكون سكوتهم
اقرارا؟!
فاذا كانت الخطوه الاولى فى التراجع عن مبدا الشورى
هى
القبول بتسليم الامر الى الخليفه القائم ليستخلف
بعده من
يشاء، فان الخطوه الثانيه كانت خطوه مره حقا..
فلما تجنب الخلفاء مبدا الشورى ومبدا النص
والاستخلاف معا،
واختاروا مبدا القهر والاستيلاء والتغلب بالسيف،
قبلنا به واحدا
من طرق الخلافه!
فكم بين الشورى، والتغلب بالسيف؟
ان اقرار مبدا التغلب بالسيف ليعد اكبر انتكاسه
لمبدا الشورى!
واذا كانت الشورى مستمده من القرآن، فمن اين استمدت
قاعده التغلب بالسيف؟
وثم سوال اشد احراجا من هذا:
فاذا كانت الشورى هى القاعده الشرعيه المستمده من
القرآن،
فماذا عن عهود الخلافه التى لم تتم وفق هذه
القاعده؟
وحين لم يتوفر الجواب الذى ينقذ هذه النظريه من هذا
المازق
الكبير، راينا ان المهرب الوحيد هو ان نبرر جميع
صور الخلافه
التى تحققت فى الواقع: فمره بعقد رجل واحد ومتابعه
اربعه،
ومره بنص من الخليفه السابق، ومره فى سته يجتمعون
لانتخاب احدهم، ومره بالقهر والاستيلاء، حتى ادى
هذا المبدا
الاخير الى ان تصبح الخلافه وراثه بحته لا اثر
للدين فيها.
مصير شروط الامامه :
يقول الشيخ محمد رشيد رضا: بنو اميه هم الذين زحزحوا
بناء
السلطه الاسلاميه عن اساس الشورى، اذ كونوا
لانفسهم
عصبيه بالشام هدموا بها سلطه اولىالامر بالحيله
والقوه((246)).
لكن هذه الطريقه لم تسقط الشورى وحدها ان كان ثمه
شورى، بل اسقطت معها اهم شروط الامامه الواجبه لصحه
عقدها، والتى منها:
|