1 - العداله : اذ قالوا اولا فى بناء نظريه
الخلافه: لا تنعقد امامه
الفاسق، لان المراد من الامام مراعاه النظر
للمسلمين،
والفاسق لم ينظر لنفسه فى امر دينه، فكيف ينظر فى
مصلحه
غيره((247))؟
وقالوا: ان هذا الفسق يمنع من انعقاد الامامه، ومن
استدامتها،
فاذا طرا على من انعقدت امامته خرج منها((248)).
2 - الاجتهاد : اذ عدوا فى شروط الامام: ان يكون من
افضلهم
فى العلم والدين، والمراد بالعلم هو العلم المودى
الى الاجتهاد
فى النوازل والاحكام، فلا تنعقد امامه غير العالم
بذلك، لانه
محتاج لان يصرف الامور على النهج القويم ويجريها
على
الصراط المستقيم، ولان يعلم الحدود ويستوفى الحقوق
ويفصل الخصومات بين الناس، واذا لم يكن عالما
مجتهدا لم
يقدر على ذلك((249)).
لكن سرعان ما انهارت هذه الشروط حين تغلب على
الخلافه
رجال لم يكن فيهم شىء منها، لا العداله، ولا العلم
المودى الى
الاجتهاد..
قال الفراء: قد روى عن الامام احمد(رحمهاللّه)
الفاظ تقتضى
اسقاط اعتبار العداله والعلم والفضل، فقال: (ومن
غلبهم
بالسيف حتى صار خليفه وسمى امير المومنين، فلا يحل
لاحد
يومن باللّه واليوم الاخر ان يبيت ولا يراه اماما
عليه، برا كان او
فاجرا، فهو امير المومنين)((250)).
وقال القلقشندى: ان لم يكن الخليفه المتغلب بالقهر
والاستيلاء جامعا لشرائط الخلافه، بان كان فاسقا
او جاهلا،
فوجهان لاصحابنا الشافعيه، اصحهما: انعقاد امامته
ايضا((251)).
ان اول ما فى هذا الكلام هو نقض ما اتفقوا عليه من
تعريف
الامامه فى الاسلام بانها (رئاسه عامه فى امور
الدين والدنيا
لشخص من الاشخاص نيابه -او خلافه - عن النبى
(ص))((252))
فكيف تكون حكومه الجائر الفاسق الجاهل
خلافه نبوه؟!
اذن قبولها على هذه الصوره يستدعى السعى الدائم
لازاحتها
وارجاع الامر الى صيغته الشرعيه.
هذا ما ذهب اليه الشيخ رشيد رضا وقد استعرض هذه
الاراء،
فقال:
معنى هذا ان سلطه التغلب كاكل الميته ولحم الخنزير
عند
الضروره، تنفذ بالقهر، وتكون ادنى من الفوضى.
ومقتضاه انه يجب السعى دائما لازالتها عند
الامكان، ولا يجوز
ان توطن الانفس على دوامها، ولا ان تجعل كالكره بين
المتغلبين يتقاذفونها ويتلقونها كما فعلت الامم
التى كانت
مظلومه وراضيه بالظلم((256)).
لكن الواقع كان على العكس من ذلك، فقد حرموا دائما
الخروج
على السلطان الجائر والفاسق، وعدوا اى محاوله من
هذا القبيل
من الفتن التى نهى عنها الدين وحرم الدخول فيها..
يقول الزرقانى: اما اهل السنه فقالوا: الاختيار ان
يكون الامام
فاضلا عادلا محسنا، فان لم يكن فالصبر على طاعه
الجائر اولى
من الخروج عليه، لما فيه من استبدال الخوف بالامن،
واهراق
الدماء، وشن الغارات، والفساد، وذلك اعظم من الصبر
على
جوره وفسقه((257)).
كما ثبت عن الامام احمد بن حنبل انه قال بلزوم
(الصبر تحت
لواء السلطان على ما كان منه من عدل او جور، ولا
يخرج على
الامراء بالسيف وان جاروا)((258)). استعرض الشيخ ابو
زهره
هذين القولين، ثم قال: وهذا هو المنقول عن ائمه اهل
السنه،
مالك، والشافعى، واحمد ((259)).
فهل ينسجم هذا الاعتقاد مع احكام الاضطرار
والاكراه؟!
لقد طعن الشيخ محمد رشيد رضا هذه العقيده فى الصميم
حين قال بوضوح وبكل يقين: ان توسيد الامه الاسلاميه
امرها
الى غير اهله لا يمكن ان يكون باختيارها وهى عالمه
بحقوقها
قادره على جعلها حيث جعلها كتاب اللّه تعالى، وانما
يسلبها
المتغلبون هذا الحق بجهلها وعصبيتهم التى يعلو
نفوذها نفوذ
اولى الامر حتى لا يجرو احد منهم على امر ولا نهى،
او يعرض
نفسه للسجن او النفى او القتل..
هذا ما كان ، وهذا هو سبب سقوط تلك الممالك الواسعه
وذهاب تلك الدوله العظيمه.
وقد عنى الملوك المستبدون بجذب العلماء اليهم
بسلاسل
الذهب والفضه والرتب والمناصب، وكان غيرهم اشد
انجذابا،
ووضع هولاء العلماء الرسميون قاعده لامرائهم
ولانفسهم هدموا
بها القواعد التى قام بها امر الدين والدنيا فى
الاسلام، وهى: انه
يجوز ان يكون اولياء الامور فاقدين للشروط الشرعيه
التى دل
على وجوبها واشتراطها الكتاب والسنه، وان صرح بها
ائمه
الاصول والفقه، فقالوا: يجوز، اذ فقد الحائزون لتلك
الشروط.
مثال ذلك: انه يشترط فيهم العلم المعبر عنه
بالاجتهاد. وقد
صرح هولاء بجواز تقليد الجاهل، وعدوه من الضروره،
واطلق
الكثيرون هذا القول، وجرى عليه العمل. وذلك من
توسيد الامر
الى غير اهله الذى يقرب خطوات ساعه هلاك الامه، ومن
علاماتها: ذهاب الامانه، وظهور الخيانه .. ولا خيانه
اشد من
توسيد الامر الى الجاهلين..
روى مسلم وابو داود حديث ابن عباس: (من استعمل عاملا
من
المسلمين وهو يعلم ان فيهم اولى بذلك منه واعلم
بكتاب اللّه
وسنه نبيه، فقد خاناللّه و رسوله و جميع المسلمين)((260)).
و طعنها ايضا فى قوله: ما افسد على هذه الامه امرها و
اضاع
عليها ملكها الا جعل طاعه هولاء الجبارين الباغين
واجبه شرعا
على الاطلاق، وجعل التغلب امرا شرعيا كمبايعه اهل
الحل
والعقد للامام الحق، وجعل عهد كل متغلب باغ الى
ولده او
غيره من عصبته حقا شرعيا واصلا مرعيا لذاته((261))!
وهذه حقيقه ادركها عالم مستقص حريص، وليست دعوى
مجازف او متهاون.
صور ثلاثه :
الصوره الاولى - لماذا اسقط مذهب ابى حنيفه؟
فاسقط ذكر ابى حنيفه، وهكذا فعل سائر المتكلمين فى
هذه
المساله، وكان ابا حنيفه ليس من ائمه اهل السنه!
وعله ذلك ان ابا حنيفه كان على خلاف هذه العقيده،
فهو لا
يرى صحه الخلافه للمتغلب الفاقد للشرائط، بل كان
يسميهم
(اللصوص)!
وكان يحرم اطاعتهم حتى فى المعروف، فكان يقول: (لو
ارادوا
بناء مسجد، وارادونى على عد آجره، لما فعلت)!
وكان يرى وجوب الثوره عليهم، فناصر ثوره زيد الشهيد
بكل ما
يستطيع، حتى اصدر فيه فتواه الشهيره: (لقد ضاهى
خروجه
خروج رسول اللّه فى بدر). وبعد استشهاد زيد ونهوض
محمد
ذى النفس الزكيه بايعه ابو حنيفه وناصره سرا
وعلانيه، وبقى
على بيعته حتى مات فى سجن المنصور((263)).
لاجل هذا اسقطت رويه ابى حنيفه بالكامل عن نظريه
اهل
السنه، وكان هذه النظريه قد قامت على اساس قبول
امامه
الفاسق والجائر والجاهل، وكل قول لا ينسجم مع هذا
فلا
يحسب على اهل السنه، ولا يعد قائله فى ائمه اهل
السنه الذين
يرجع اليهم فى مثل هذه المسائل!
فلا ذكر للسبط الشهيد الامام الحسين بن على
وثورته..((264))
ولا مئات المهاجرين والانصار وبقيه الصحابه
فى مدينه الرسول(ص) ونهضتهم على يزيد ابن
معاويه..((652))
ولا عبداللّه بن الزبير.. ولا الامام الشهيد زيد
بن على بن الحسين.. ولا الصحابى سليمان بن صرد
الخزاعى
ومن معه اصحاب ثوره التوابين.. ولا القراء فى الكوفه
وثورتهم!
كل اولئك اسقطوا من هذه النظريه، فاخرجوا عن دائره
اهل
السنه!
لقد بالغ بعض كبار المتكلمين باسم اهل السنه فى
النيل من
اولئك العظماء الاشراف، ولعل من اشهرهم ابن تيميه
الذى
وصف نهضه سيد شباب اهل الجنه سبط الرسول وريحانته
بانها
فساد كبير، ولا يرضى بها اللّه ورسوله! وكذا وصف
نهضه بقيه
المهاجرين والانصار فى المدينه المنوره، ثم بالغ
فى اعذار يزيد
فى التصدى لهم وقتلهم جميعا لاجل حفظ ملكه، ولم
ينكر
على يزيد الا انه اباح المدينه ثلاثه ايام((266))!
وقال فى هذا الامر ايضا: مما يتعلق بهذا الباب ان
يعلم ان
الرجل العظيم فى العلم والدين من الصحابه
والتابعين ومن
بعدهم الى يوم القيامه، اهل البيت وغيرهم، قد يحصل
منه نوع
من الاجتهاد مقرونا بالظن ونوع من الهوى الخفى ،
فيحصل
بسبب ذلك ما لا ينبغى اتباعه فيه وان كان من اولياء
اللّه
المتقين، ومثل هذا اذا وقع صار فتنه((267))!
ترى لماذا كان ابن تيميه اعلم بمداخل الفتنه وابعد
عن الهوى
الخفى من اولئك العظماء من الصحابه واهل البيت؟ هل
لانه
رضى امامه الفاجر والجاهل، ورفضها اولئك؟
هكذا تلقى هذه النظريه بنفسها فى مازق حرج حين تعرض
عن
ذلك الاثر الضخم من آثار عظماء السلف وائمتهم.
الصوره الثالثه :
اذن لماذا اصبح الخارج على الامام، مره واحده فقط
فى تاريخ
الامامه، ماجورا؟!
حين كان الامام هو على بن ابى طالب، اخص الناس برسول
اللّه
واكثرهم علما وجهادا واولاهم بالعدل، عندئذ فقط حق
للناس
ان يخرجوا على الامام!
وسوف لا يكون خروجهم - هذه المره - فتنه وفسادا، بل
هو
اجتهاد، وهم ماجورون عليه، مثابون لاجله وان
اخطاوا!!
انها صور لو عرضت ايا منها على تلك النظريه لوجدت
فتقا لا
يرتق الا بتكلف ظاهر، والتواء سافر.
ولنعد الان الى دعائم هذه النظريه.
ضروره النص بين الخليفه والنبى :
وانما صار ذلك للخليفه خوفا من وقوع الفتنه واضطراب
الامه((269)).
فمن اجل ذلك كان بعض الصحابه يراجع عمر ويساله ان
ينص
على من يخلفه((270)).
هذا كله حق، ولكن اليس النبى(ص) اولى بالتفكير فى
ذلك،
وبرعايه هذه المصلحه؟
انه الرحمه المهداه، بلا شك.. اليس من تمام الرحمه
وجمالها
ان يجنب امته المحذور من الاختلاف بعده؟
لقد احب امته وحرص عليها (عزيز عليه ما عنتم حريص
عليكم
بالمومنين رووف رحيم)((271)).
وايضا فقد كان(ص) يعلم اننا سوف لا ننتظر بعده نبيا
يعيد
نظم امرنا!
لقد بصر ابن حزم بذلك، فحاول ان يتداركه، فقال:
وجدنا عقد
الامامه يصح بوجوه: اولها واصحها وافضلها ان يعهد
الامام
الميت الى انسان يختاره اماما بعد موته، سواء فعل
ذلك فى
صحته او عند موته، كما فعل رسول اللّه(ص) بابى بكر،
وكما
فعل ابو بكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبدالملك
بعمر بن
عبدالعزيز.
قال: وهذا هو الوجه الذى نختاره، ونكره غيره، لما فى
هذا
الوجه مناتصال الامامه، وانتظام امر الاسلام
واهله، ورفع ما
يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع فى غيره من
بقاء
الامه فوضى، ومن انتشار الامر وحدوث الاطماع((272)).
لقد لحظ ابن حزم اكثر من ثغره فى تلك النظريه، فاظهر
مهاره فى محاوله رتقها، بان جمع بين الضرورات
الدينيه
والعقليه والاجتماعيه وبين الامر الواقع ، ليخرج
بصيغه اكثر
تماسكا..
فترك الامه دون تعيين ولى الامر الذى يخلف زعيمها
يعنى
بقاء الامه فوضى، وتشتت امرها، وظهور الاطماع فى
الخلافه لا
محاله.. وهذا مما ينبغى ان يدركه النبى(ص) فيبادر الى
تلافيه، ولو فى مرضه الذى توفى فيه.
وتعيين الخليفه بهذه الطريقه سيضمن اتصال الامامه،
وانتظام
امر الاسلام.
واذا كان ابو بكر قد ادرك ذلك فنص على من يخلفه،
وادركه
ايضا عمر، وادركه سليمان بن عبدالملك، فكيف نظن
بالنبى(ص) انه قد اغفل ذلك؟
انها اثارات جاده دفعته الى حل وحيد يمكنه ان ينقذ
هذه
النظريه، كما ينقذ الامر الواقع بعد الرسول(ص)،
وتمثل هذا
الحل عنده بنص النبى على ابى بكر بالخلافه.
اذن فلا النبى(ص) قد ترك هذا الامر للامه، او تركها
فوضى،
ولا كانت بيعه ابى بكر فلته.
انها اطروحه متينه، كفيله بقطع النزاع، لو تمت..
ولكنها - للاسف - لم تكن سوى مجازفه، فمن البديهى
عندئذ
ان تكون عاجزه عن تحقيق الامل المنشود منها! فلا هى
تداركت تلك النظريه وعالجت ثغراتها، ولا هى انقذت
الامر
الواقع!
وذلك لسبب بسيط، وهو ان النص على ابى بكر لم يثبت،
بل لم
يدع وجوده احد، بل تسالمت الامه على عدمه. فمن اراد
ان
يثبت مثل هذا النص على ابى بكر(رضىاللّه) بالخصوص،
فعليه
ان ينفى حادثه السقيفه جمله وتفصيلا.
عليه ان يكذب بكل ما ثبت نقله فى الصحاح من كلام ابى
بكر
وعمر وعلى والعباس والزبير فى الخلافه..
عليه ان يهدم بعد ذلك كل ما قامت عليه نظريه اهل
السنه فى
الامامه، فلم تبن هذه النظريه اولا الا على اصل
واحد، وهو
البيعه لابى بكر بتلك الطريقه التى تمت فى السقيفه
وبعدها!!
فمن تلك الواقعه اولا جاءت نظريه الشورى بين اهل
الحل
والعقد.
عليه ان ينفى ما تحقق عندهم من (الاجماع على ان النص
منتف فى حق ابى بكر)((273))!
لقد ساق الغزالى كلاما موافقا لهذا الاجماع قوض فيه
ما بنى
عليه ابن حزم قوله..
قال الغزالى متسائلا: فهلا قلتم ان التنصيص واجب من
النبى
والخليفه، كى يقطع ذلك دابر الاختلاف؟
ثم اجاب قائلا: قلنا انه لو كان واجبا لنص عليه
الرسول(ص)،
ولم ينص هو، ولم ينصعمر ايضا((274))!
وحين يواصل ابن حزم عرض نظريته تراه يلغى بالكامل
مبدا
الشورى واختيار اهل الحل والعقد، ويسند امر اختيار
الخليفه
الى النص!
ولم يكن هذا الطرح منسجما مع هذه المدرسه ومبادئها،
وانما
هو محاوله لسد ثغراتها، ومقابله للالحاح الذى
تقدمه النظريه
الاخرى القائمه على اساس النص، ولقطع دابر النزاع،
كما ذكر
هو، وكما اشار الغزالى فى تساوله.
انه كان مقتنعا بضروره النص، ولكنه اراد نصا منسجما
مع الامر
الواقع، وان لم يسعفه الدليل!!
وقال: (قدموا قريشا ولا تتقدموها). وليس مع هذا النص
المسلم
شبهه لمنازع، ولا قول لمخالف((275)).
واشترطوا لهذا القرشى ان يكون قرشيا من الصميم، من
بنى
النضر بن كنانه، تصديقا للنص((276)).
وقال الامام احمد: (لا يكون من غير قريش خليفه)((277)).
واستدلوا على تواتر هذا النص بتراجع الانصار
وتسليمهم
الخلافهللمهاجرين القرشيين حين احتجوا عليهم
بهذا النص
فى السقيفه((278)).
وقال ابن خلدون: بقى الجمهور على القول باشتراطها -
اى
القرشيه - وصحه الخلافه للقرشى ولو كان عاجزا عن
القيام
بامور المسلمين((279)).
وهكذا ثبت النص الشرعى، وثبت تواتره، وثبت الاجماع
عليه.
وحين تراجع بعضهم عن الالتزام بهذا النص - كابى بكر
الباقلانى - فسر ابن خلدون سر تراجعه، ورد عليه،
فقال: لما
ضعف امر قريش، وتلاشت عصبيتهم بما نالهم من الترف
والنعيم، وبما انفقتهم الدوله فى سائر اقطار
الارض، عجزوا
بذلك عن امر الخلافه وتغلبت عليهم الاعاجم، فاشتبه
ذلك
على كثير من المحققين حتى ذهبوا الى نفى اشتراط
القرشيه،
وعولوا على ظواهر فى ذلك مثل قوله(ص): (اسمعوا
واطيعوا
وان ولى عليكم عبد حبشى)((280)).
قال: وهذا لا تقوم به حجه فى ذلك، لانه خرج مخرج
التمثيل،
للمبالغه فى ايجاب السمع والطاعه((281)).
وثبت النص واستقر، ولا غرابه، فهو نص صحيح، بل
متواتر.
وهو فوق ذاك ينطوى على فائده اخرى، فهو النص الذى
يعزز
اركان هذهالنظريه اذ يضفى الشرعيه على الخلافه فى
عهودها
كافه، ابتداء من اول عهود الخلافه الراشده،
وانتهاء باخر خلفاء
بنى العباس، فهذا كل ما يتسع له لفظ القرشيه هنا.
لما تغلب معاويه بالسيف بلغه ان عبداللّه بن عمرو
بن العاص
يحدث انه سيكون ملك من قحطان، فهب معاويه غضبا فجمع
الناس وخطبهم قائلا: اما بعد، فانه بلغنى ان رجالا
منكم
يحدثون احاديث ليست فى كتاب اللّه ولا توثر عن رسول
اللّه،
اولئك جهالكم! فاياكم والامانى التى تضل اهلها،
فانى سمعت
رسول اللّه(ص) يقول: (ان هذا الامر فى قريش، لا
يعاديهم احد
الا كبه اللّه فى النار على وجهه)((282)).
وقفه مع هذا النص :
ولكن حين لم يكن ابو عبيده حيا كاد ذلك المبدا - النص
- ان
ينهار، وكاد ذلك النص المتواتر ان ينسى، كل ذلك على
يد
الرجل الذى كان من اول المحتجين به على الانصار،
عمر بن
الخطاب!
انه لما لم يجد ابا عبيده حيا، قال: (لو كان سالم
مولى ابى
حذيفه حيا لوليته)((284)).
ولما لم يكن سالم حيا، قال: (لو كان معاذ بن جبل حيا
لوليته)((285)).
فهل كان سالم قرشيا؟ ام كان معاذ كذلك؟
اما سالم: فاصله من اصطخر، من بلاد فارس، وكان مولى
لابى
حذيفه((286))!
واما معاذ: فهو رجل من الانصار!
هذا فى وقت تزدحم فيه المدينه بشيوخ المهاجرين
القرشيين،
وفيهم من هو افضل من هذين الرجلين بالاجماع.
ورغم ان ابن خلدون قد دافع عن النظريه القائمه على
هذا
النص (الائمه من قريش) ورد قول عمر هذا بانه قول
صحابى
واحد، ومذهب الصحابى ليس بحجه((287))، الا ان هذا لا
يقطع دابر الاسئله التى يثيرها هذا الموقف..
فلو قدر لاحد الرجلين ان يكون حيا لتولى الخلافه،
ولعطل
النص الذى كان يوم السقيفه حجه فى انتزاع الخلافه
من غير
القرشى!
ومما يدعم هذا الفرض ان احدا من الصحابه لم يرد على
عمر،
ويذكره بان الامامه فى قريش دون سواهم، بذلك النص
الذى
اجمعوا عليه من قبل، وبشرط السقيفه ايضا!!
- فاما ان يكون سكوتهم اقرارا بعدم اشتراط القرشيه،
وهذا
مخالف للنص الذى اجمعوا عليه من قبل!
-او انهم سكتوا هيبه للخليفه، وهذا لا ينبغى ان يكون
مع وجود
النص!
-او انهم سكتوا حين لم يجدوا هناك حاجه للتسرع فى
بحثالموضوع ما دام الرجلان قد ماتا، وما
دامالخليفه لم يبت
بالامر بعد، ثم راوا ان الحاجه الى ذلك قد انتفت حين
اسند
الامر الى سته كلهم من قريش، وهذا احسن الاعذار
لويتم.
وايا كان، فان هذه الوجوه جميعا تثير الشكوك حول
قيمه
الاحتجاج بسكوت الصحابه على انه دائما يمثل
الاجماع
الاقرارى!
اما حين يتوجه السوال الى عقيده عمر نفسه فى هذه
النظريه
فانه يحتاج الى توجيه آخر، وقد حاول ذلك ابن خلدون،
فقال:
ان مولى القوم منهم، وعصبيه الولاء حاصله لسالم
مولى ابى
حذيفه فى قريش، وهى الفائده فى اشتراط النسب! ولما
استعظم عمر امر الخلافه وراى شروطها كانها مفقوده
فى ظنه
عدل الى سالم لتوفر شروط الخلافه عنده فيه حتى من
النسب
المفيد للعصبيه، ولم يبق الا صراحه النسب، فرآه غير
محتاج
اليه، اذ الفائده فى النسب انما هى العصبيه، وهى
حاصله من
الولاء، فكان ذلك حرصا من عمر(رضىاللّه) على النظر
للمسلمين((288)).
ولا يعدو هذا الكلام ان يكون اجتهادا فى مقابله
النص، اما تاويل
النسب بالعصبيه فهو من صياغه ابن خلدون، ومن
خصوصيات
نظريته فى السياسه، وليس من الضرورى ان يكون هو
المراد
من النص على قريش، فثمه احاديث صحيحه ميزت قريشا
بمنزله ليست لغيرها، كحديث: (ان اللّه اصطفى كنانه
منولد
اسماعيل، واصطفى قريشا من كنانه..) الحديث((289)).
وذهب آخرون الى تبرير آخر، فاحتجوا بالحديث: (مولى
القوم
منهم، ومن انفسهم، وابن اخت القوم منهم) فاعتمدوا
نصا
جديدا فى توسيع النص الاول، بدلا من اللجوء الى
التاويل
والاجتهاد فى مقابله النص.
لكن هذا ايضا لم يقع موقع الرضا لدى الجمهور، اذ هو
مخالف
للاجماع.. قال ابن حزم: ان الاجماع قد تيقن وصح على
ان
حكم الحليف والمولى وابن الاخت كحكم من ليس له حليف
ولا مولى ولا ابن اخت. فاذا صح البرهان بان لا تكون -
الخلافه
- الا فى قريش، لا فى من ليس قرشيا، صح بالاجماع ان
حليف
قريش ومولاهم وابن اختهم كحكم من ليس قرشيا((290)).
هذا كله عن سالم مولى ابى حذيفه، ولكن ليس ثم هناك
جواب
عن اختيار معاذ، وهو من الانصار الذين اغار عليهم
القرشيون
الثلاثه فى السقيفه، وفيهم عمر، واحتجوا عليهم بان
الائمه من
قريش، وهيهات ان ترضى العرب بغير قريش! هذا الكلام
قاله
عمر فى خطابه للانصار فى السقيفه، ثم واصل خطابه
قائلا:
(ولنا بذلك الحجه الظاهره، من نازعنا سلطان محمد
ونحن
اولياوه وعشيرته، الا مدل بباطل، او متجانف لاثم،
او متورط
فى هلكه؟!)((291)).
ان تعدد هذه المواقف المختلفه اضفى كثيرا من الغموض
على
عقيده عمر فى الخلافه، مما يزيد فى ارباك نظريه
الخلافه
والامامه اذا ما ارادت ان تساير المواقف جميعها، من
هنا
اضطروا الى الضرب على اختلافات عمر حفاظا على صوره
اكثر
تماسكا لهذه النظريه، كل ذلك لاجل تثبيت هذا المبدا
القائم
على النص الشرعى: (الائمه من قريش).
واضح اذن كيف تم الانتصار للنص على الراى المخالف.
وواضح ايضا كيف كان قد تم الانتصار لمبدا النص على
مبدا
الشورى، وذلك حين راى الخليفه ضروره النص على من
يخلفه.
فدخل النص اذن فى قمه النظام السياسى، رغم انه يلغى
قاعده
الشورى بالكامل.
ومره اخرى، تمشيا مع النص النبوى الشريف (الائمه من
قريش) ينهزم مبدا الشورى امام السيف! فمن تغلب على
الامه
وانتزع الخلافه بالسيف وكان قرشيا، صحت خلافته،
لانها لا
تخرج عن النص المتقدم.
بل امام هذا النص قد انهارت جميع الشروط الواجب
توفرها فى
الخليفه، كالاجتهاد والعدل والتقوى، فاذا كان
الخليفه قرشيا
صحت خلافته وان كان ظالما جاهلا فاسقا، بل عاجزا عن
امر
الخلافه!
هذه هى حقيقه موقع النص، اما النظريه فما زالت
تتنكر له،
وتتبنى مبدا الشورى ابتداء فى المرتبه الاولى،
ولكن ينبغى
لهذه الشورى الا تخرج عن دائره هذا النص، فلا تنتخب
الا
قرشيا من الصميم.
اما ابن حزم فقد تبنى مبدا النص اولا، ثم ادعى نص
النبى(ص)
على ابى بكر (رضىاللّه)، قطعا للنزاع، لكنه لم
يفلح حين خالف
حقيقه معلومه بالاجماع وبشواهد التاريخ.
اذا ثبت لدينا نص صريح صحيح وفاعل فى هذه النظريه،
وهو
الحديث الشريف (الائمه من قريش) وقد اخرجه البخارى
ومسلم واصحاب السنن والسير بالفاظ مختلفه وهذا هو
محصلها.
ضروره التخصيص فى النص :
واول من لمس هذه الحقيقه هم الصحابه انفسهم رضى
اللّه
عنهم منذ انتهاء الخلافه الراشده، ثم اصبحت
الحقيقه اكثر
وضوحا لدى من ادرك ثانى خلفاء بنى اميه - يزيد بن
معاويه -
ومن بعده.
ففى صحيح البخارى: لما كان النزاع دائرا بين مروان
بن الحكم
وهو بالشام، وعبداللّه بن الزبير وهو بمكه، انطلق
جماعه الى
الصحابى ابى برزه الاسلمى(رضىاللّه) فقالوا له: يا
ابا برزه، الا
ترى ما وقع فيه الناس؟ فقال: انى احتسب عند اللّه
انى اصبحت
ساخطا على احياء قريش، ان ذاك الذى بالشام واللّه
ان يقاتل الا
على الدنيا، وان الذى بمكه واللّه ان يقاتل الا على
الدنيا!!((292))
2 - واهم من هذا انه ثمه نصوص صحيحه توجب تضييق دائره
النص المتقدم، فلقد حذر النبى(ص) من الاغترار
بالنسب
القرشى وحسب، وانذر بان ذلك سيودى الى هلاك الامه
وتشتت امرها!
ففى صحيح البخارى عنه (ص) انه قال: (هلكه امتى على يدى
غلمه من قريش)
كيف اذن سيتم التوفيق بين النصين: (الائمه من قريش)
و(هلكه امتى على يدى غلمه من قريش)((293))؟
اليس لقائل ان يقول: ما هو ذنب الامه؟ انها التزمت
نص
النبى(ص) (الائمه من قريش) فقادها هذا النص الى هذا
المصير حين ذبح خيار الامه بسيوف قريش انفسهم! اليس
النص هو المسوول؟
حاشا لرسول اللّه(ص) ان يضع امته على حافه هاويه،
وهو الذى
كان قد استنقذها من الهاويه.
انهم ارادوا ان يحفظوا الرسول بحفظ جميع الصحابه
واضفاء
الشرعيه حتى على المواقف المتناقضه تجاه القضيه
الواحده،
فوقعوا فى ما فروا منه!
بل وقعوا فى ما هو اكبر منه حين صار النص النبوى هو
المسوول عما آل اليه امر الامه من فتن، ثم هلكه!
ان العقيده التى توكد على تبرئه الرسول (ص)، وتصفه
دائما
بالعصمه والكمال واداء الامانه، ينبغى لها ان لا
تنزلق فى هذا
المنزلق الخطير.
انه ينبغى لها وفق هذه العقيده فى الدفاع عن الرسول
(ص)
اولا، ومما بين ايديها من السنه الصحيحه ثانيا، ومن
شواهد
الواقع ثالثا، ينبغى لها ان تلتزم بان الرسول (ص) لا
يمكن ان
يكتفى بهذا القدر من النص، فيقول: (الائمه من قريش)
ويقف
عند هذا القدر، ثم يقول مره اخرى: (هلكه امتى على يدى
غلمه من قريش)!
فهولاء الغلمه انما يكون هلاك الامه على ايديهم
عندما يملكون
امر الامه، لكن الامه لم ترض بهم الا اتباعا للنص
الاول (الائمه
من قريش) فهل يكون هذا الا اغراء؟!
حاشا لرسول اللّه ان يكون ذلك منه، وانما هو من
علامات
التهافت فى هذه النظريه التى اغضت عن كل ما ورد فى
السنه
مما يفيد تخصيص ما ورد فى حق قريش.
نوعان من التخصيص :
1 - تخصيص السلب : ثمه نصوص صريحه تستثنى قوما من
قريش، فتبعدهم عن دائره التكريم، ناهيك عن التقديم!
قال
ابن حجر الهيتمى: فى الحديث المروى بسند حسن انه(ص)
قال: (شر قبائل العرب: بنواميه، وبنو حنيفه، وثقيف).
قال: وفى الحديث الصحيح - قال الحاكم: على شرط
الشيخين
- عن ابى برزه(رضىاللّه) انه قال: كان ابغض الاحياء
- او الناس
- الى رسول اللّه بنو اميه((294)).
والذى ورد فى ذم آل الحكم - ابو مروان - خاصه كثير
ومشهور.
فهل يصح ان تسند الامامه الى شر قبائل العرب، وابغض
الناس
الى رسول اللّه (ص)؟!
ومن دقائق النص الاول اقرانه بنى اميه ببنى حنيفه،
وبنو
حنيفه هم قوممسيلمه الكذاب،وقوم نافع بن الازرق
ونجده بن
عوير من ائمه المارقين!!
فاذا اصبح هولاء هم الحكام فى الواقع فعلينا ان
نشهد ان هذا
الواقعمنحرف عن النص، بدلا من ان نسعى لتبريره
واخضاعه
للنص.
2 - تخصيص الايجاب : الحديث الذى ميز قريشا بالاصطفاء
على سائر القبائل لم يقف عند دائره قريش الكبرى، بل
خص
منها طائفه بعينها، فقال: (ان اللّه اصطفى كنانه من
ولد
اسماعيل، واصطفى قريشا من كنانه، واصطفى من قريش
بنى
هاشم، واصطفانى من بنى هاشم)((295)).
وهذا تقديم لبنى هاشم على سائر قريش:
ساق ابن تيميه هذا الحديث الصحيح، واضاف قائلا: (وفى
السنن انه شكا اليه العباس ان بعض قريش يحقرونهم!
فقال
(ص): (والذى نفسى بيده لا يدخلون الجنه حتى يحبوكم
للّه
ولقرابتى) واذا كانوا افضل الخلائق فلا ريب ان
اعمالهم افضل
الاعمال.. ففاضلهم افضل من كل فاضل من سائر قبائل
قريش
والعرب، بل وبنى اسرائيل وغيرهم)((296)).
وليس المقام مقام تفضيل وحسب، بل ان قريشا لا يصح
لها
ايمان ما لم تحب بنى هاشم حبين: للّه، ولقرابه
الرسول!
فهل يصح ان تكون قريش كلها سواء فى حق التقدم
والامامه،
وفيها بنو هاشم الذين رفعهم النص الى اعلى منزله،
وفيها بنو
اميه الذين خفظهم النص الى اردى الرتب؟!
اذا كان الواقع قد آل الى هذه الحال، فعلينا ان نشهد
انه واقع
منحرف عن النص، لا ان نسعى الى تبريره.
نتيجه البحث :
ان تناقضات الامر الواقع فى ادواره المتعدده قد
ظهرت
جميعها فى هذهالنظريه، مما افقدها قيمتها كنظريه
اسلاميه
فى معالجه واحده من قضايا الاسلام الكبرى ..
-فالقول بالنص الشرعى لم يقف عند جوهر النص، ولا
التزم
شروطه وحدوده.
-والقول بالشورى تقهقر امام نص الخليفه السابق،
وصلاحيات
الشورى، والقهر والاستيلاء، والتغلب بالسيف.
-اما نظام اهل الحل والعقد فهو اشد غموضا..
فمره يكون اهل الحل والعقد رجلا واحدا نصب نفسه
فتابعه
اثنان كما فى عقد الزواج، او تابعه اربعه، او
يكونوا سته يعينهم
الخليفه السابق دون الامه، بل (تطور) الامر عن هذا
كثيرا،
حتى (ان فيلسوفا مدققا كابن خلدون قد جعل حاشيه
الخليفه
وبطانته واقاربه - بصرف النظر عن مدى علمهم
واجتهادهم
وتقواهم - هم اهل الحل والعقد الذين عارضوا الخليفه
المامون
ان ينقل الخلافه الى على الرضا من بعده)((297))!
والحقيقه التى نرجو ان لا تصدم احدا ان هذا قد ظهر
من قبل،
فى النصف الثانى من خلافه عثمان حيث برز على راس
اصحاب الراى والمشوره رجال من قرابته - بنى اميه -
خاصه،
لم يكونوا من اولى الفضل والاجتهاد والسابقه فى
الدين، مع
كثره ،من كثره من اجتمعت فيهم هذه الخصال فى ذلك
الوقت !)
وكان اهل الحل والعقد هولاء هم: عبداللّه بن عامر،
وعبداللّه بن
سعد بن ابى سرح((298))، وسعيد بن العاص، ومعاويه
بن ابى
سفيان، ومروان بن الحكم!
نقل الطبرى من طريقين: ان عثمان ارسل الى معاويه
وعبداللّه
بن سعد بن ابى سرح وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص
وعبداللّه بن عامر، فجمعهم ليشاورهم فى امره، فقال
لهم: ان
لكل امرىء وزراء ونصحاء، وانكم وزرائى ونصحائى
واهل ثقتى..
وقد صنع الناس ما قد رايتم، وطلبوا الى ان اعزل
عمالى، وان
ارجع عن جميع ما يكرهون الى ما يحبون، فاجتهدوا
رايكم
واشيروا على.
فلما اشاروا عليه عمل بما رآه من مجموع مشوراتهم،
فردهم
على اعمالهم، وامرهم بالتضييق على من قبلهم،
وامرهم
بتجمير الناس فى البعوث((299))، وعزم على تحريم
اعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا اليه((300)).
هذه الوجوه المتناقضه كلها من المستحيل ان تجتمع فى
نظريه واحده، فتكون نظريه منسجمه وذات تصور واضح
ومحدد ومفهوم.
هذا كله، وبقدر ما يثيره من شكوك حول صلاحيه هذه
النظريه، فانه يرجح الراى الاخر الذى يذهب الى
اعتماد النص
الشرعى فى تعيين خليفه الرسول.
الى هذه النتيجه ايضا خلص الدكتور احمد محمود صبحى
وهو
يدرس نظريه الامامه، اذ قال: (اما من الناحيه
الفكريه فلم يقدم
اهل السنه نظريه متماسكه فى السياسه تحدد مفاهيم
البيعه
والشورى واهل الحل والعقد، فضلا عن هوه ساحقه تفصل
بين
النظر والتطبيق، او بين ما هو شرعى وبين ما يجرى فى
الواقع.
لقد ظهرت نظريات اهل السنه فى السياسه فى عصر متاخر
بعد
ان استقر قيام الدوله الاسلاميه على الغلبه.. كما
جاء اكثرها
لمجرد الرد على الشيعه.. والتمس بعضها استنباط حكم
شرعى
من اسلوب تولى الخلفاء الثلاثه الاوائل.
وان الهوه الساحقه بين تشريع الفقهاء وبين واقع
الخلفاء، فضلا
عن تهافت كثير من هذه الاراء واخفاقها فى استنباط
قاعده
شرعيه، هو ما مكن للراى المعارض - القول بلنص - ممثلا
فى
حزب الشيعه)((301)).
الفصل الثانى
لقد احس الكثير من المتكلمين واصحاب الحديث
بالحاجه الى
النص فى تعيين اول الخلفاء على الاقل، لتتخذ
الادوار اللاحقه
له شرعيتها من شرعيته.
فجزم ابن حزم بالنص على ابى بكر صراحه،فتابعه
البعض،فيما
اقتنع آخرون بان فى هذه النصوص اشاره كافيه على
وجوب
تقديم ابى بكر، لكن دون التصريح بذلك، وربما راوا
فى هذا
مذهبا وسطا بين الشورى والنص الصريح، كما راوا فيه
تثبيتا
لمبدا الشورى، لا نقضا، حين وفقوا بين نتائج الشورى
وبين
اشاره النص.
وليس غريبا ان تتعدد اوجه الاستدلال بتعدد
المتكلمين وتعدد
اساليبهم وتعدد النصوص التى يعتمدونها، وكثيرا ما
يتعلق
المتكلمون بما يشفع لمذاهبهم وان كانوا يلمحون فيه
علامات
الوضع!
لقد عرض المتكلمون فى تثبيت خلافه ابى بكر نصوصا من
القرآن ونصوصا من السنه، نستعرض اهمها بتركيز
وايجاز
مبتدئين بنصوص السنه لكونها اكثر تصريحا، ولان
النصوص
القرآنيه اعتمدت فى تصحيح خلافته لا فى اثبات النص
عليه.
اولا - نصوص من السنه :
الاثاره الاولى : ان القول بعدم الفصل بين امامه
الصلاه والامامه
العامه قول غريب، واغرب منه قول الجرجانى (لا قائل
بالفصل)((303))!
-فابن حزم يقطع بان هذا قياسا باطلا، ويقول: (اما من
ادعى انه
انما قدم قياسا على تقديمه الى الصلاه، فباطل
بيقين، لانه
ليس كل من استحق الامامه فى الصلاه يستحق الامامه
فى
الخلافه، اذ يستحق الامامه فى الصلاه اقرا القوم
وان كان
اعجميا او عربيا، ولا يستحق الخلافه الا قرشى،
فكيف؟
والقياس كله باطل)((304)).
-والشيخ ابو زهره ينتقد هذا النوع من القياس ووجه
الاستدلال
به، فيقول: اتخذ بعض الناس من هذا - النص - اشاره الى
امامه
ابى بكر العامه للمسلمين، وقال قائلهم: (لقد رضيه(ع)
لديننا،
افلا نرضاه لدنيانا) ولكنه لزوم ما ليس بلازم، لان
سياسه الدنيا
غير شوون العباده، فلا تكون الاشاره واضحه.. وفوق
ذلك فانه
لم يحدث فى اجتماع السقيفه، الذى تنافس فيه
المهاجرون
والانصار فى شان القبيل الذى يكون منه الخليفه، ان
احتج احد
المجتمعين بهذه الحجه، ويظهر انهم لم يعقدوا
تلازما بين
امامه الصلاه وامره المسلمين((305)).
والذى يستشف من كلامه استبعاد صحه نسبه هذا الكلام
الى
الامام على(ع)، هذه النسبه التى لا تحتمل الصحه، لما
ثبت فى
الصحاح من ان عليا(ع) لم يبايع الا بعد سته اشهر((306))،
كما
ان الصحيح المشهور عن على(ع) خلاف ذلك، فجوابه كان
حين بلغه احتجاج المهاجرين بان قريشا هم قوم النبى
واولى
الناس به، قال: (احتجوا بالشجره واضاعوا الثمره)((307))!
الاثاره الثانيه : ان امامه الصلاه وفقا لفقه هذه
المدرسه لا
يترتب عليها اى فائده فى التفضيل والتقديم، فالفقه
هنا يجيز
مطلقا امامه المفضول على الفاضل، بل يجيز امامه
الفاسق
والفاجر لاهل التقوى والصلاح، وكثيرا ما نرى
الاستدلال لذلك
بصلاه بعض الصحابه خلف الوليد بن عقبه وهو سكران،
وصلاتهم خلف امراء بنى اميه ممن لم تكن له فضيله
تذكر!
الاثاره الثالثه : اخرج احمد ومسلم وابو داود وابن
ماجه،
والنسائى: ان عبدالرحمن بن عوف قد صلى اماما
بالمسلمين
وكان فيهم رسول اللّه(ص)((308)). وهذه الروايه اثبت مما
ورد فى تقديم ابى بكر - كما سياتى - فالحجه فيها اذن
لعبدالرحمن بن عوف اظهر، فتقديمه اولى وفقا لذلك
القياس((309)).
الاثاره الرابعه : فى صحيح البخارى: كان سالم مولى
ابى حذيفه
يوم المهاجرين الاولين واصحاب النبى(ص) فى مسجد
قباء،
وفيهم: ابو بكر، وعمر، وابو سلمه، وعامر بن ربيعه((310)).
وكان عمرو بن العاص اميرا على جيش ذات السلاسل،
وكان
يومهم فى الصلاه حتى صلى بهم بعض صلواته وهو جنب،
وفيهم: ابو بكر، وعمر، وابو عبيده((311)).
فهل يستدل من هذا ان سالما وعمرو بن العاص افضل من
ابى
بكر وعمر وابىعبيده، واولى بالخلافه منهم؟
الاثاره الخامسه : نتابعها فى النقاط التاليه:
ا - ثبت فى جميع طرق هذا الحديث بروايته التامه انه
بعد ان
افتتح ابوبكر الصلاه، خرج النبى(ص) يتهادى بين
رجلين -
على والفضل بن العباس - فصلى بهم اماما وتاخر ابو
بكر عن
موضعه فصلى موتما بالنبى(ص) عن يمينه.
اثبت ذلك تحقيقا ابو الفرج ابن الجوزى فى كتاب صنفه
لهذا
الغرض، فقسمه الى ثلاثه ابواب: فجعل الباب الاول فى
اثبات
خروج النبى(ص) الى تلك الصلاه وتاخيره ابا بكر عن
امامتها،
وخصص الباب الثانى فى بيان اجماع الفقهاء على ذلك،
فذكر
منهم: ابا حنيفه ومالك، والشافعى، واحمد، واثبت فى
الباب
الثالث وهن الاخبار التى وردت بتقدم ابى بكر فى تلك
الصلاه،
ووصف القائلين بها بالعناد واتباع الهوى((312)).
وقال ابن حجر العسقلانى: تضافرت الروايات عن عائشه
بالجزم
بما يدل على ان النبى(ص) كان هو الامام فى تلك
الصلاه((313)).
ومن هنا قال بعضهم: متى نظرنا الى آخر الحديث احتجنا
الى
ان نطلب للحديث مخرجا من النقص والتقصير، وذلك ان
آخره: ان رسول اللّه(ص) لما وجد افاقه واحس بقوه خرج
حتى
اتى المسجد وتقدم فنحا ابا بكر عن مقامه وقام فى
موضعه. فلو
كانت امامه ابى بكر بامره(ص) لتركه على امامته وصلى
خلفه،
كما صلى خلف عبدالرحمن بن عوف((314)).
ب - مما يعزز القول المتقدم ما ورد عن ابن عباس من
انه قبل
ان يوذن بلال لتلك الصلاه قال النبى(ص): (ادعوا عليا).
فقالت
عائشه: لو دعوت ابا بكر! وقالت حفصه: لو دعوت عمر!
وقالت ام
الفضل: لو دعوت العباس! فلما اجتمعوا رفع رسول
اللّه(ص)
راسه فلم ير عليا((315))!!
ج - ويشهد لذلك كله ما ثبت عن على(ع) من انه كان يقول:
ان عائشه هى التى امرت بلالا ان يامر اباها ليصل
بالناس، لان
رسول اللّه(ص) قال: (ليصل بهم احدهم) ولم يعين .. وكان
على(ع) يذكر هذا لاصحابه فى خلواته كثيرا، ويقول:
انه(ص)
لم يقل: (انكن لصويحبات يوسف) الا انكارا لهذه
الحال، وغضبا
منها لانها وحفصه تبادرتا الى تعيين ابويهما،
وانه(ص)
استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب((316)).
فهذه صور منسجمه ومتماسكه لا تبقى اثرا للاستفاده
من هذا
النص او تلك الواقعه، ويمكن ان يضاف اليها ملاحظات
اخر
ذات قيمه لا يستهان بها:
منها: الاختلاف الشديد والتعارض بين روايات هذه
الواقعه، وقد
صرح بهذا ابن حجر العسقلانى، ثم حاول التوفيق بينها
بعد
جهد((317)).
ومنها: ملاحظه بعض نقاد الحديث ان هذا الحديث لم يصح
الا
من طريق عائشه، لذا لم تقم حجته((318)).
ومنها: ان ابن عباس قد طعن هذا الحديث طعنا عبقريا
لم
يتنبه له الرواه، اذ كانت عائشه تقول فى روايتها
لهذا الحديث:
(خرج النبى يتهادى بين رجلين، احدهما الفضل بن
العباس)
ولا تذكر الرجل الاخر، فلما عرض احدهم حديثها على
عبداللّه
بن عباس، قال له ابن عباس: فهل تدرى من الرجل الذى لم
تسم عائشه؟ قال: لا.
قال ابن عباس: هو على بن ابى طالب، ولكن عائشه لا
تطيب
نفسا له بخير((319))!
الاثاره السادسه : اثبت كثير من اصحاب التاريخ
والسير ان ابا
بكر كان ايام مرض رسول اللّه(ص) الاخير هذا، كان
مامورا
بالخروج فى جيش اسامه، وكان النبى(ص) يشدد كثيرا بين
الاونه والاخرى على التعجيل فى انفاذ هذا الجيش..
فكيف
ينسجم هذا مع الامر بتقديمه فى الصلاه؟ ناهيك عن
قصد
الاشاره الى استخلافه!
لقد ادرك ابن تيميه ما بين الامرين من منافاه
وتعارض
صريحين، فنفى نفيا قاطعا كون ابو بكر ممن سمى فى
بعثه
اسامه((320))!!
لكن مثل هذا النفى لا ينقذ الموقف، خصوصا وان ابن
تيميه لم
يقدم برهانا ولا شبهه فى اثبات دعواه، فيما جاء ذكر
ابى بكر
ودخوله فى ذلك الجيش فى مصادر عديده وهامه، اصحابها
جميعا من القائلين بصحه تقدم ابى بكر((321))!
اما نفى ذلك، او تحرج بعض المورخين عن ذكره، فانما
مرجعه
الى الاختيار الشخصى فى مسانده المذهب، لا غير، حين
ادركوا بيقين ان شيئا مما استدلوا به على امامته
سوف لا يتم لو
كان ابو بكر فى من سمى فى جيش اسامه، اذ هو مامور
بمغادره
المدينه المنوره ايام وفاه رسول اللّه(ص)، تحت امره
اسامه بن
زيد الشاب ابن الثمانى عشره سنه((322))!
1 - ان امراه سالت رسول اللّه(ص) شيئا، فامرها ان ترجع
اليه،
فقالت: يا رسول اللّه، ارايت ان جئت فلم اجدك؟ -
كانها تريد
الموت - فقال: (فان لم تجدينى فاتى ابا بكر)((323))!
وهذا الحديث متحد عند الشيخين فى سلسله واحده، وهى
(ابراهيم بن سعد، عن ابيه، عن محمد بن جبير بن مطعم،
عن
ابيه جبير بن مطعم: ان امراه سالت رسول اللّه...).
فلم يروه من الصحابه الا جبير بن مطعم، ولم يروه عن
جبير الا
ولده محمد، ولم يروه عن محمد غير سعد (وهو ابن
ابراهيم بن
عبدالرحمن بن عوف) ولم يروه عن سعد غير ولده
ابراهيم، ثم
اخذه الرواه عن ابراهيم بن سعد!
الاسناد : نظره واحده فى هذا الاسناد، بعيدا عن
التقليد، تحبط
الامال التى يمكن ان تعقد عليه: فجبير بن مطعم: هو
صاحب
ابى بكر، تعلم منه الانساب واخبار قريش((243))،
وكانت
عائشه تسمى له وتذكر له قبل ان يتزوجها النبى(ص)((325))،
وذكره بعضهم فى المولفه قلوبهم وفى من حسن اسلامه
منهم((326)).
وكان شريفا فى قومه بنى نوفل وهم حلفاء بنى
اميه فى الجاهليه والاسلام. وهو احد الخمسه الذين
اقترحهم
عمرو بن العاص على ابى موسى الاشعرى للمشوره فى
التحكيم، وهم: (جبير بن مطعم، وعبداللّه بن الزبير،
وعبداللّه
بن عمرو بن العاص، وابو الجهم بن حذيفه، وعبدالرحمن
بن
الحرث بن هشام بن المغيره)((327))وكلهم مائل عن
على(ع)، فابن الزبير وعبدالرحمن بن الحرث كانا فى
اصحاب
الجمل الذين قاتلوا عليا فى البصره، وعبداللّه بن
عمرو مع ابيه
عمرو بن العاص فى اصحاب معاويه، وجبير وابو الجهم
من
مسلمى الفتح هواهما مع بنى اميه((328))!
وجبير بن مطعم هو سيدالغلامالحبشى وحشى، وهوالذى
قال
لهيوم احد: ان قتلت محمدا فانتحر، وان قتلت عليا
فانتحر،
وان قتلتحمزه فانت حر((329))!
ولما قسم النبى(ص) خمس خيبر لبنى هاشم وبنى المطلب
حاك ذلك فى صدور قوم من بنى نوفل - قوم جبير - وبنى
اميه، فكان جبير بن مطعم وعثمان بن عفان هما
المعترضان
على النبى(ص) نيابه عن قوميهما، قال جبير: مشيت انا
وعثمان بن عفان الى النبى(ص) فقلنا: اعطيت
بنىالمطلب
من خمس خيبروتركتنا، ونحن بمنزله واحده منك! فقال:
(انما بنو هاشم وبنوالمطلب شىء واحد)((330)). وروى لابن عباس معه حديث هام: كان ابن عباس يحدث عن رسولاللّه(ص) فى المتعه، فقال جبير بن مطعم: كان عمر ينهى عنها. فقال له ابنعباس: يا عدى نفسه، من هنا ضللتم! احدثكم عن رسول اللّه، وتحدثنى عن عمر((331))!! ثم ان محمد بن جبير بن مطعم: هو القائل لعبدالملك بن مروان وقد ساله: هل كنا نحن وانتم - يعنى اميه ونوفل - فى حلف الفضول((332))؟ |