فقال له محمد بن جبير بن مطعم: لا واللّه
يا امير المومنين،
لقد خرجنا نحن وانتم منه، ولم تكن يدنا ويدكم الا
جميعا فى
الجاهليه والاسلام((333))!
وقد اعتزل محمد عليا والحسن عليهما السلام فى
حربهما مع
معاويه، فلما تم الصلح كان محمد ممثلا فى وفد
المدينه الى
معاويه للبيعه((334)).
واما سعد بن ابراهيم بن عبدالرحمن بن عوف: فقد كان
قاضيا
لبعض ملوك بنى اميه على المدينه((335)).
واما ولده ابراهيم بن سعد: فهو صاحب العود والغناء،
كان يعزف
ويغنى، وجاءه احد اصحاب الحديث لياخذ عنه، فوجده
يغنى،
فتركه وانصرف، فاقسم ابراهيم الا يحدث بحديث الا
غنى قبله!
وعمل واليا على بيت المال ببغداد لهارون الرشيد((336)).
وخطوه اخرى الى الامام فى التحقيق تضعنا امام صوره
اكثر
وضوحا، حيث ترينا كيف حل هذا الحديث محل الحديث
الصحيح الوارد فى على(ع) بعين هذا المتن!
لما حضر رسولاللّه(ص) قالت صفيه ام المومنين: يا
رسول اللّه،
لكل امراه من نسائك اهل تلجا اليهم، وانك اجليت
اهلى، فان
حدث حدث فالى من؟
قال: (الى على بن ابى طالب) اخرجه النسائى، واخرجه
الطبرانى ورجاله رجال الصحيح((337)).
فاذا لم نكن قد نسينا ما قراناه فى (نقد التاريخ)((338))
فان
نظره واحده فى هذه السلسله الواحده لهذا الحديث
تكشف لنا
الكثير عن حقيقته، وربما مصدره ايضا حين نرى ان راس
هذه
السلسله - جبير بن مطعم - قد عاش نحو سبع عشره سنه فى
خلافه معاويه على اغلب الاقوال، لم يفرقهما شىء
فى جاهليه
ولا فىاسلام.. والمفترض ان يكون جبير ابعد افراد
هذه
السلسله عن تهمه الوضع فى الحديث((339)).
كما تجيبنا قراءتنا فى (نقد التاريخ) عن اهم ما
يعترضنا هنا،
وهو: كيف اصبح هولاء جميعا فى عداد رجال الشيخين -
البخارى ومسلم - فيما اقصى آخرون لا يقاس هولاء بهم،
كالامام جعفر الصادق، الذى كان ينبغى ان يكون حديثه
اكثر
اعتمادا، اذ لا يفصله عن البخارى سوى واسطه واحده
او
واسطتين، توفى الصادق(ع) سنه 148 ه، وولد البخارى سنه
194 ه!
هذا النص، الذى جاء بهذه السلسله الوحيده، هو الذى
راى فيه
ابن حزم وغيره نصا جليا على خلافه ابى بكر((340))!
غير ان
الجرجانى والتفتازانى لم يذكراهاصلا فى
احتجاجاتهما لخلافه
ابى بكر، فيما ذكرا نصوصا كثيره اضعف منه سندا،
واقل منه
دلاله((341))!
فقد ظهر ابراهيم بن سعد فى هذا الحديث ايضا، وهو
صاحب
الحديث المتقدم، صاحب العود والغناء، صاحب هارون
الرشيد.
اما الزهرى وعروه وعائشه فقد عرفنا بدقه موقفهم من
الخلافه
ومن على(ع) خاصه وبنى هاشم عامه.
واورده البخارى من طريق آخر ينتهى ايضا الى عائشه،
فهى
وحدها راس هذا الحديث فى جميع طرقه.
ولعل اقوى ما يثار هنا: ان هذه الاحاديث قد رواها
الشيخان،
فكيف يمكن الشك فيها والطعن عليها؟ وما ايسر الجواب
لمن
تجرد للحقيقه دون سواها، فقبل قليل فقط قرانا تفسير
ذلك
على السنه الكبار ممن حقق فى طبيعه هذا الامر
وتطوره:
قراناعننفطويه: اناكثرالاحاديثالموضوعه
فىفضائلالصحابهاختلقت فى ايام بنى اميه تقربا
اليهم فى ما
يظنون انهم يرغمون به انوف بنى هاشم!
وقرانا عن المدائنى قوله: فرويت اخبار كثيره فى
مناقب
الصحابه مفتعله، لا حقيقه لها.. حتى انتقلت تلك
الاخبار
والاحاديث الى الديانين الذين لا يستحلون الكذب
والبهتان،
فقبلوها ورووها وهم يظنون انها حق، ولو علموا انها
باطله لما
رووها ولا تدينوا بها!
وقرانا عن الامام الباقر قوله: حتى صار الرجل الذى
يذكر
بالخير، ولعله يكون ورعا صدوقا، يحدث باحاديث
عظيمه
عجيبه من تفضيل بعض من قد سلف من الولاه، ولم يخلق
اللّه
تعالى شيئا منها، ولا كانت وقعت، وهو يحسب انها حق
لكثره
من رواها ممن لم يعرف بالكذب ولا بقله ورع!
فليس بمستنكر اذن ان تنفذ هذه الاخبار الى الصحيحين
وغيرهما.. فمن اين ياتى الاستنكار وهم ما رووها الا
وهم
يعتقدون صحتها؟!
وهذا الحديث بالذات مما شهد المعتزله بان البكريه
وضعته فى
مقابل الحديث المروى عنه(ص) فى مرضه: (ائتونى بدواه
وبياض اكتب لكم كتابا لاتضلوا بعده ابدا) فاختلفوا
عنده، وقال
قوم منهم: لقد غلبه الوجع، حسبنا كتاب اللّه((343))!
ومما يشهد لهذا القول، بل يجعله يقينا لا شك فيه، ما
ثبت عن
ابن عباس فى وصف اختلافهم عند النبى الذى حال دون
كتابه
ذلك الكتاب، فقد كان ابن عباس يصف هذا الحدث بانه
(الرزيه،
كل الرزيه) ويذكره فيقول: (يوم الخميس، وما يوم
الخميس!)
ويبكى حتى يبل دمعه الحصى((344))! فلو كان الامر كما
وصفه الحديث المنسوب الى عائشه (يابى اللّه
والمومنون الا ابا
بكر) لم تكن ثمه رزيه يبكىلها ابن عباس كل هذا
البكاء
ويتوجع كل هذا التوجع.
ان بكاء ابن عباس وتوجعه الشديد لهذا الحدث لهو
دليل لا شىء
اوضح منه على ان الذى اراده النبى(ص) من ذلك الكتاب
لم
يتحقق، بل تحقق شىء آخر غيره لم يكن النبى(ص) اراده
ولا
اشار اليه ادنى اشاره. وتزداد هذه الحقيقه رسوخا
حين ندرك
ان ابن عباس هو واحد من ساده بنى هاشم الذين لم
يبايعوا
لابى بكر الا بعد سته اشهر((345))!
فمع هذه الثوابت لا يبقى احتمال لصحه الحديث
المنسوب الى
عائشه!
اخرجه الترمذى وابن ماجه((346))، واعتمده كثيرون فى
اثبات النص على ابى بكر وعمر، او فى اثبات صحه
خلافتهما((347)).
لكن ابن حزم استهجن كثيرا الاستدلال بهذه الروايه،
وعده
عيبا يترصد امثاله الخصوم، فقال ما نصه: ولو اننا
نستجيز
التدليس والامر الذى لو ظفر به خصومنا طاروا به
فرحا، او
ابلسوا اسفا، لاحتججنا بما روى (اقتدوا باللذين من
بعدى ابى
بكر وعمر) ولكنه لا يصح، ويعيذنا اللّه من الاحتجاج
بما لا
يصح((348)).
4 - نصوص اخر نسبت الى على(ع)، امعانا فى سد الثغرات
او
قطع الطريق على الخصم، استبعد المحب الطبرى صحه
شىء
منها لتخلف على عن بيعه ابى بكر سته اشهر، ونسبته
الى
نسيان الحديث فى مثل هذه المده بعيد((349)).
وهذا حق،
يويده ما اشتهر عن على(ع) من ذكر حقه فى الخلافه((350)).
هذه جمله ما اعتمدوه منالنصوصالحديثيه فى النص
على ابى
بكر وتقديمه.
ثانيا - نصوص من القرآن الكريم :
قالوا: الخطابهنا للصحابه، فوجبان يوجد
فىجماعه
منهمخلافهيتمكن بها الدين، ولم يوجد على هذه
الصفه الا
خلافه الخلفاء الاربعه، فهى التى وعد اللّه بها((352)).
حتى
صرح بعضهم بان الايه نازله فيهم، او فى ابى بكر وعمر
خاصه((353)).
وهذا الاستدلال ضعفه المفسرون بامرين:
الاول : ما ذهبوا اليه من ان المراد فى هذه الايه هو
(الوعد
لجميع الامه فى ملك الارض كلها تحت كلمه الاسلام،
كما
قال عليه الصلاه والسلام: (زويت لى الارض، فرايت
مشارقها
ومغاربها، وسيبلغ ملك امتى ما زوى لى منها) والصحيح
فى
هذه الايه انها فى استخلاف الجمهور، واستخلافهم هو
ان
يملكهم البلاد ويجعلهم اهلها.
وان هذه الحال - التى تصفها الايه - لم تختص بالخلفاء
الاربعه
رضى اللّه عنهم حتى يخصوا بها من عموم الايه، بل
شاركهم
فى ذلك جميع المهاجرين، بلوغيرهم. الا ترى الى
اغراء قريش
المسلمين فى احد وغيرها، وخاصهالخندق، حتى اخبر
اللّه
تعالى عن جميعهم فقال: (اذ جاءوكم من فوقكم ومن اسفل
منكم واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر
وتظنون باللّه
الظنونا × هنالكابتلى المومنون وزلزلوا زلزالا
شديدا)((354))
ثم ان اللّه رد الكافرين فلم ينالوا خيرا، وامن
المومنين واورثهم
ارضهم وديارهم واموالهم، وهو المراد بقوله:
(ليستخلفنهم فى
الارض). وقوله: (كما استخلف الذين من قبلهم) يعنى بنى
اسرائيل، اذ اهلك اللّه الجبابره بمصر، واورثهم
ارضهم وديارهم،
فقال: (واورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق
الارض
ومغاربها)((355)). وهكذا كان الصحابه
مستضعفين خائفين،
ثم ان اللّه تعالى امنهم ومكنهم وملكهم، فصح ان
الايه عامه
لامه محمد(ص) غير مخصوصه، اذ التخصيص لا يكون الا
بخبر
ممن يجب له التسليم، ومن الاصل المعلوم التمسك
بالعموم)((356)).
وهذا يعنى بوضوح ان الخطاب غير محصور بالصحابه رضى
اللّه
عنهم، بل هو عام لكل امه محمد فى كل زمان((357)).
والثانى : ما ذكروه فى سبب نزول الايه، فانه منطبق
تماما على
ما ذكر آنفا، لا يساعد على تخصيصها فى الخلفاء
الراشدين او
بعضهم،
وان كان فيه ما يفيد تخصيصها بالنبى(ص)
واصحابه
((358)).
ففى روايه البراء، قال : فينا نزلت ونحن فى خوف شديد.
وفى روايه ابى العاليه، يصف حال اصحاب الرسول وهم
خائفون،
يمسون فىالسلاح ويصبحون فى السلاح، فشكوا ذلك الى
النبى(ص) فانزل اللّه الايه، فاظهر اللّه نبيه على
جزيره العرب،
فامنوا ووضعوا السلاح.
ومثلها روايه ابى بن كعب، وقوله فى روايه ثانيه عنه:
لما نزلت
على النبى(ص) (وعد اللّه الذين آمنوا وعملوا
الصالحات) الايه،
بشر هذه الامه بالسنا والرفعه والدين والنصر
والتمكين فى
الارض، فمن عمل منهم عمل الاخره للدنيا لم يكن له فى
الاخره من نصيب((359)).
اما روايه عبد بن حميد عن عطيه ففيها تخصيص آخر
مخالف
للتخصيص المذكور فى الخلفاء الراشدين، اذ قال عطيه:
هم
اهل بيت هاهنا! واشار بيده الى القبله((360)).
وفى هذا عطف على ما ذهب اليه بعض مفسرى الشيعه من ان
الايه فى المهدى الموعود(ع) الذى تواترت الاخبار
على انه
سيظهر فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا،
وان
المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات هنا: النبى(ص)
والائمه
من اهل بيته(ع)((361)).
لكن المفسر الطباطبائى الذى يمنع التخصيص هنا لعدم
وجود
قرينه من لفظ او عقل تدل عليه، يوكد ان الايه نص على
بعض
الامه، لا جميعها، وهم الذين آمنوا وعملوا
الصالحات((362))،
وان هذا المجتمع الطيب الطاهر كما تصوره الايه، ان
انطبق
فلينطبق على زمن ظهور المهدى(ع) على ما ورد من صفه
ذلك الزمان فى الاخبار المتواتره عن النبى وائمه
اهل البيت،
لكن على ان يكون الخطاب للمجتمع الصالح، لا
للمهدى(ع)
وحده((363)).
وهذا موافق لما روى عن الامام زين العابدين(ع) فى
الايه((364)).
هذه هى الايه الاولى، ومع ظهور ما تقدم من افادتها
العموم، لا
يبقى وجه للتمسك بها هنا، وايضا فهى لم تكن عند
المحتجين
بها نصا فى الاستخلاف، انما ارادوا الاستدلال بها
على صحه
الخلافه، فلم تنهض دليلا حتى بالقدر الذى ارادوه!
وكذا مع
الايه الثانيه:
2 - قوله تعالى: (قل للمخلفين من الاعراب ستدعون الى
قوم
اولى باس شديد تقاتلونهم او يسلمون فان تطيعوا
يوتكم اللّه
اجرا حسنا)((365)).
فقد جعل الداعى مفترض الطاعه، والمراد به ابو بكر
وعمر
وعثمان،
فوجبت طاعتهم بنص القرآن، واذ قد وجبت
طاعتهم
فرضا فقد صحت امامتهم وخلافتهم((366)).
والصحيح الذى يوافق تاريخ نزول الايه الكريمه،
ويوافق الوقائع،
هو ماذكره الرازى من ان الداعى هو النبى(ص)((367))،
اذ
كانت الايه المذكوره نازله فى الحديبيه بلا خلاف،
وهى فى
سنه ست للهجره،وبعدها غزا النبى هوازن وثقيف وهم
اولوا
باس شديد، فى وقعه حنين الشهيره وذلك بعد فتح مكه فى
السنه الثامنه للهجره، وفتح مكه هو الاخر دعوه الى
قتال قوم
اولى باس شديد قاتلوا الاسلام واهله حتى اظهره
اللّه عليهم فى
الفتح، ثم كانت غزوه موته الشديده، ثم غزوه تبوك
وهى
المعروفه بجيش العسره، التى استهدفت محاربه الروم
على
مشارف الشام، ثم دعاهم مره اخرى لقتال الروم فى جيش
اسامه الذى جهزه وامر بانفاذه وشدد على ذلك فى مرضه
الذى
توفى فيه.
فكيف يقال ان النبى(ص) لم يدعهم الى قتالهم بعد نزول
الايه؟
ولاجل الفرار من هذا المازق ذهبوا الى آيه سوره
التوبه النازله
فى المخلفين: (فان رجعك اللّه الى طائفه منهم
فاستاذنوك
للخروج فقل لن تخرجوا معى ابدا ولن تقاتلوا معى
عدوا)((368)).
قال ابن حزم بعد ان ذكر هذه الايه ما نصه:
وكان نزول سوره براءه التى فيها هذا الحكم بعد غزوه
تبوك بلا
شك التى تخلف فيها الثلاثه المعذورون الذين تاب
اللّه عليهم
فى سوره براءه، ولم يغز(ع) بعد غزوه تبوك الى ان
مات(ص).
وقال تعالى ايضا: (سيقول المخلفون اذا انطلقتم الى
مغانم
لتاخذوها ذرونا نتبعكم يريدون ان يبدلوا كلام
اللّه قل لن
تتبعونا كذلكمقال اللّه من قبل)((369)) فبين ان العرب لا
يغزون مع رسول اللّه(ص) بعد تبوك((370))!
وهذا اول التهافت، فالايه الثانيه، آيه سوره
الفتح، نزلت فى
الحديبيه سنه ست للهجره بلا خلاف، اى قبل تبوك
بثلاث
سنين! ويتضح التهافت جليا حين يواصل القول مباشره:
(ثم
عطف سبحانه وتعالى عليهم اثر منعه اياهم من الغزو
مع رسول
اللّه(ص) وغلق باب التوبه فقال تعالى: (قل للمخلفين
من
الاعراب ستدعون الى قوم اولى باس شديد تقاتلونهم او
يسلمون) فاخبر تعالى انهم سيدعوهم غير النبى(ص) الى
قوم
يقاتلونهم او يسلمون)((371)).
وهكذا قلب ترتيب الايات، فقدم آيه التوبه النازله
بعد تبوك
سنه تسع، واخر آيه الفتح النازله فى الحديبيه سنه
ست، ليتفق
له ما يريد!
وهذا هو الخطا الاول، فكيف يكون ما نزل سنه تسع من
الهجره
مقدما على ما نزل سنه ست؟!
واما الخطا الثانى فليس باقل ظهورا من الاول: فايه
سوره الفتح
النازله فى الحديبيه فى السنه السادسه قد جاء فيها
الاخبار عن
وقوع الدعوه، وتعليق الثواب والعقاب بالطاعه
والعصيان منهم،
فنص الايه يقول: (ستدعون الى قوم...) وقد وقعت الدعوه
منه(ص) حقا فى حنين وموته وتبوك.
اما آيه سوره التوبه فى المخلفين المنافقين فقد
اغلقت عليهم
طريق التوبه ومنعت خروجهم مع النبى ومع غيره ايضا،
اذ
كيف يدعوهم ابو بكر او عمر الى جهاد الكفار وهم قد
شهد
عليهم اللّه ورسوله بالكفر والموت على الضلال،
فقالتعالى فى
تلك الايه نفسها (فان رجعك اللّه الى طائفه منهم
فاستاذنوك
للخروج فقل لن تخرجوا معى ابدا ولن تقاتلوا معى
عدوا انكم
رضيتم بالقعود اول مره فاقعدوا مع الخالفين × ولا
تصل على
احد منهم مات ابدا ولا تقم على قبره انهم كفروا
باللّه ورسوله
وماتوا وهم فاسقون).
وهذا صريح فى حكم اللّه تعالى عليهم بالكفر وقت
نزول الايات،
وانهم يموتون على الكفر والضلال، واكد ذلك بقوله فى
الايه
التاليه مباشره: (ولا تعجبك اموالهم واولادهم انما
يريد اللّه ان
يعذبهم بها فى الدنيا وتزهق انفسهم وهم كافرون)((372)).
فهولاء اذن المقطوع بكفرهم وموتهم على الكفر، غير
اولئك
الذين ذكرتهم سوره الفتح ووعدتهم بالثواب ان هم
استجابوا
للداعى!
وهذه المفارقات الظاهره لا تخفى على كبار
المتكلمين لولا
التقليد والاصرار على نصره المذهب! وهذه العله هى
التى
اوقعت الكثير من كبار المتكلمين فى العقائد بمثل
هذه
التناقضات والمفارقات الغريبه التى لا تخفى على
البسطاء،
لكنها بلا شك محل اعتصام المقلدين الذين يعجبهم كل
ما من
شانه نصره المذهب! وهذه ظاهره عامه، فلا فرق بين
مقلد
متعصب، وآخر مثله.
-ثمه التفاته لم اجد من اشار اليها مع انها داخله فى
صلب هذا
الموضوع الى حد الحسم فى تحديد غايته! وهى: انه فى
ذات
الواقعه التى نزلت فيها الايه الاولى: (قل للمخلفين
من
الاعراب ستدعون الى قوم اولى باس شديد تقاتلونهم او
يسلمون فان تطيعوا يوتكم اللّه اجرا حسنا) اى فى
الحديبيه
ذاتها، قال النبى(ص) لوفد قريش: (يا معشر قريش،
لتنتهن او
ليبعثن اللّه عليكم منيضرب رقابكم بالسيف على
الدين، قد
امتحن قلبه على الايمان) قالوا: من هو يا رسول
اللّه؟ فقال ابو
بكر: من هو يا رسول اللّه؟ وقال عمر: من هو يا رسول
اللّه؟ قال:
(خاصف النعل) وكان قد اعطى عليا نعلا يخصفها.
اخرجه الترمذى والنسائى وابن ابى شيبه باسانيد
صحيحه((373)).
ونحو هذا ثقيف، قال لهم النبى (ص): (لتسلمن او لابعثن
عليكم رجلا منى - او قال: مثل نفسى - ليضربن اعناقكم،
وليسبين ذراريكم، ولياخذن اموالكم) قال عمر:
فواللّه ما
تمنيت الاماره الا يومئذ، فجعلت انصب صدرى رجاء ان
يقول:
هو هذا. فالتفت الى على فاخذ بيده وقال: (هو هذا، هو
هذا)((374)).
ونحوه ما اخبر به النبى(ص) انه واقع بعده، فقال: (ان
منكم من
يقاتل على تاويل القرآن كما قاتلت على تنزيله)
فاستشرف له
القوم، وفيهم ابوبكر وعمر، فقال ابو بكر: انا هو؟
قال: (لا). قال
عمر: انا هو؟ قال: (لا، ولكن خاصف النعل) وكان على
يخصف
نعل النبى(ص)((375)).
وهذه نصوص اجتمعت صراحه على نفى واثبات:
نفت صراحه ان يكون الداعى ابو بكر او عمر..
واثبتت صراحه ان كان داع بعد الرسول فهو على!
وبعد وجود هذه النصوص الموثقه المتظافره فلا مسوغ
للرجوع
الى مداخلات المتكلمين.
اثاره فى الختام :
-فماذا يقال ازاء النص الوحيد الذى ظهر يوم السقيفه
على
لسان عمر حين قال لابى عبيده: ابسط يديك لابايعك
فانت
امين هذه الامه((376))؟ بل الذى نقله الطبرى وابن
الاثير ان
ابا بكر هو الذى قال ذلك لابى عبيده((377))!
هذا هو النص الوحيد الذى تناقلته اخبار السقيفه بعد
نص
(الائمه من قريش) فصاحب هذا النص اولى بالخلافه اذن،
ولو
بسط يده وبايعوه لكان هو افضل الصحابه بلا جدال!
ولاصبح
هذا النص (امين الامه) هو النص الذى يتصدر جميع
بحوثنا
الكلاميه فى الامامه، ولما وجدنا للنصوص التى
يذكرها
المتكلمون فى ابى بكر عينا ولا اثرا!
-وماذا لو قدر ان تتم الخلافه لعمرو بن العاص اولا؟
عندئذ سوف تنتقل كل تلك البراهين والنصوص باتجاه
عمرو،
بلا ادنى شك، وله بذلك حجه ظاهره: - فقد نصبه النبى(ص)
اميرا على جيش فيه ابو بكر وعمر وابو عبيده جميعا،
فى ذات
السلاسل! وكانوا مامورين بطاعته وملازمته! وكان
اثناء ذلك
كله يومهم فى الصلاه((378))، حتى امهم فى بعض صلواته
جنبا((379))!
فهاتان خصلتان كبيرتان تقدم فيهما
علىالمهاجرين الثلاثه الذين شهدوا السقيفه، ابى
بكر وعمر
وابى عبيده، اماره عليهم جميعا، وامامه الصلاه
عليهم جميعا!
وله بعد ذلك منقبه لم تكن لواحد منهم، فقد بعثه
النبى(ص)
اميرا على سريه الى عمان، فامن اهلها على يديه((380)). ثم
هو
قرشى ايضا يصدق عليه الحديث (الائمه من قريش)! وقد
اسلم
قبل الفتح وهاجر الى المدينه((381))!
وسوف يدعم ذلك كله برهان طالما اعتمدوه فى اثبات
شرعيه
الخلافه، وهو انه لو كانت الامامه لغيره وقدمته
الامه لكانت هى
شر امه لانتزاعها الامامه من صاحبها والاحق بها ثم
منحها لمن
هو دونه، ولكنها خير امه كما اخبر القرآن الكريم.
بعد هذا كله تتجلى الحقيقه التى تقول:
لكن لما كانت هذه النظريه قائمه اساسا على تبرير
الامر الواقع
الذى تحقق بعد الرسول(ص) فهى لم تبحث عن النصوص بحثا
موضوعيا لغرض الوقوف على النصوص الصحيحه قطعا
والتى
تفيد فائده حقيقيه فى تعيين خلفاء الرسول، وانما
ذهبت
تفتش عن نصوص تسند ذلك الواقع التاريخى، وتضفى
عليه
سمه الشرعيه، فحين لم تجد ما يسعفها فى ذلك راحت
تتلمس غايتها وراء النصوص المصنوعه، بغض النظر عن
سلامه
اسانيدها وضعف دلالاتها! او من خلال اقحام الاراء
على
النصوص وتحميلها ما لا تتحمل، فقادها هذا وذاك الى
جمله
من التهافتات والتناقضات الموسفه!
ومهما كان، فان هذه المحاولات تصطدم مره اخرى بعقبه
كوود: فلم يثبت عن احد من الصحابه انه ادعى النص على
ابى
بكر، بل الثابت عنهم هو العكس تماما، كما ثبت عن عمر
حتى
آخر حياته، وكما ثبت حتى عن السيده عائشه التى
نسبوا اليها
بعض النصوص المتقدمه، فقد نقلوا عنها شهادتها بان
النبى(ص) لم يستخلف، فقالوا لها: من كان رسول اللّه
مستخلفا
لو استخلف؟ فقالت: ابا بكر. قالوا: ثم من؟ قالت: عمر.
قالوا: ثم
من؟ قالت: ابا عبيده((383))!
ولا يخفى ايضا ان هذا الترتيب هو الترتيب الذى
افرزته
السقيفه، وافرزه تتابع عهود الخلافه: ابو بكر، ثم
عمر، ثم تمنى
عمر لو كان ابو عبيده حيا ليستخلفه.. وليس هو
الترتيب الذى
تفرزه سير الصحابه حول الرسول، ولا هو الترتيب
المتبع فى
التفضيل عند اهل السنه!
ورغم ذلك فان ابن حزم ينسب عمر وعائشه الى الغفله عن
ذلك، وانه قد خفى عليهما النص كما خفى عليهما كثير
من
امر رسول اللّه((384))!!
وهذا تبرير لا يرتضيه احد، ولا يقوم الا على الظن،
بل لو كان
ثمه نص على ابى بكر وامكن ان يخفى، لخفى على الجميع
الا
عمر وعائشه اللذين كانا اكثر الناس اجتهادا فى
تثبيت خلافته!
وايضا فثمه ما يشبه الاجماع عند اهل السنه على عدم
النص،
وشذت طائفه من المعتزله عن قول اسلافها فزعمت ان
النبى(ص) نص على صفه الامام ونعته، ولم ينص على اسمه
ونسبه، وهذا قول احدثوه قريبا، وكذلك قالت جماعه من
اهل
الحديث، هربت حين عضها حجاج الاماميه، ولجات الى ان
النبى(ص) نص على ابى بكر، فتركت مذهب اسلافها((385))!
لكن تسارع الاحداث فى تلك الاثناء، واحكام
القبضه،لم يتركا
لشىء من تلك النصوص موقعا يرتجى، اما حين تحققت
بارقه
امل يوم اجتماع الاصحاب السته للشورى ولم يبت فى
الامر
بعد، فلم يتوان على(ع) عن التذكير بطائفه منها..((387))
وبعد ان تمت له البيعه كانت الاذهان اكثر استعدادا
للاصغاء،
واوسع فسحه للتامل.. فبالغ فى التذكير ببعضها، نصا
او دلاله،
حتى امتلات بها خطبه الطوال والقصار، وكان لا يخلو
تذكيره
احيانا من تقريع، ظاهر، او خفى!
وبواحد من مواقفه نستهل هذه الطائفه من النصوص:
1 - (من كنت مولاه فعلى مولاه).
خطب على(ع) فى الناس، فقال: انشد اللّه من سمع رسول
اللّه(ص) يقول يوم غدير خم: (من كنت مولاه فعلى مولاه)
لما
قام فشهد!
فقام اثنا عشر بدريا، فقالوا: نشهد انا سمعنا رسول
اللّه(ص)
يقول يوم غدير خم: (الست اولى بالمومنين من انفسهم؟)
قلنا:
بلى، يا رسول اللّه.
قال: (فمن كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من
والاه، وعاد
من عاداه)((388)).
وحديث غدير خم لم يرو فى مسند احمد اكثر منه طرقا
الا
حديثا واحدا((389))! اما فى كتاب السنه لابن ابى
عاصم (287
ه) وتاريخ ابن كثير فلا يضاهيه حديث((390))!!
ورواه غيرهم باسانيد صحيحه، كالترمذى، وابن ماجه،
والنسائى، وابن ابى شيبه، والحاكم((391))، ونص الذهبى على
تواتره((392)).
لكن بعد هذا جاء دور المتكلمين، فبذلوا جهودا مضنيه
فى
تاويله وصرفه عن معناه، بل تجريده من كل معنى!!
فحين راوا ان الاقرار بدلالته على الولايه العامه
يفضى الى ادانه
التاريخ وتخطئه كثير من الصحابه، ذهبوا الى تاويله
بمجرد
النصره والمحبه، فيكون معنى الحديث: يا معشر
المومنين،
انكم تحبوننى اكثر من انفسكم، فمن يحبنى يحب عليا،
اللهم
احب من احبه، وعاد من عاداه((393))!
وحين راوا ان جماعه من الصحابه قد عادوه وحاربوه،
ومنهم:
عائشه وطلحه والزبير، وان آخرين قد اسسوا دينهم
ودنياهم
على بغضه، ومنهم: معاويه وعمرو بن العاص والمغيره
ومروان..
ذهبوا الى حق هولاء فى الاجتهاد مقابل ذلك النص،
فهم
معذورون وان اخطاوا، بل ماجورون اجرا واحدا لاجل
اجتهادهم((394))!!
وهكذا اصبح الخروج على نصوص الشريعه، حتى فى مثل
تلك
الطرق السافره، اجتهادا يثاب صاحبه، وليس بينه
وبين الاخر
الذى تمسك بالشريعه وقاتل دونها الا فرق الاجر،
فالذى قاتل
الشريعه له نصف اجر الذى قاتل دونها! لقد كان الاولى
بهم ان
يتابعوا سنه الرسول، ويوقروا نصه الشريف الثابت
عنه، بدلا عن
افراطهم فى متابعه الامر الواقع الذى ظهر فيه
اختلاف
كثير..ثم اذا ارادوا بعد ذلكان يعذروا الصحابه،
فما
اوسعابوابالاعذار، ولقد اجاد ابن تيميه خاصه فى
اعذارهم فى
ما ثبت عنهم من فتاوى او افعال تخالف السنه الثابته((395)).
فالحق ان هذا نص صريح فى ولايه على(ع)، لا يحتمل شيئا
من
تلك التاويلات التى ما كانت لتظهر لولا الانحياز
للامر الواقع
ومناصرته. ومما يزيد فى ظهور هذا النص وامتناع صحه
شىء
مما قيل فى تاويله: انه لم يات يتيما، فاقدا لما
يشهد لمضمونه،
بل فى السنه ما ينصره ويفسره، واهمها:
2 - قوله(ص): (ان عليا منى وانا منه، وهو ولى كل مومن
بعدى) حديث صحيح((396)).
-ومثله قوله(ص) فى على: (انه منى وانا منه، وهو وليكم
بعدى.. انه منى وانا منه وهو وليكم بعدى) يكررها((397)).
-
ومثله قوله(ص) لعلى: (انت وليى فى كل مومن بعدى) او
(انت ولى كل مومن بعدى ومومنه)((398)).
وبعد اليقين بصحه هذه الاحاديث، لا يمكن ان تفسر
بحسب
ظاهرها فتدين الواقع التاريخى.. فلما ارادوا تفسير
الولايه هنا
ايضا بالنصره والمحبه، نظير ما فى قوله تعالى:
(والمومنون
والمومنات بعضهم اولياء بعض)((399))، صدمهم قوله:
(بعدى) الذى لا يمكن ان يتشابه معناه!
ولما كانت قدسيه الرجال اعظم من قدسيه النص، رغم
ثبوت
صحته عندهم، شهروا سيف التكذيب، فقالوا: اسناده
صحيح مع
نكاره فى متنه، لشذوذ كلمه (بعدى)!
ولما ارادوا البرهان على هذه النكاره والشذوذ فمن
اليسير جدا
ان يرموا بها (شيعيا) ورد فى اسناد بعضها((400))!
لكن من البديهى ان مثل هذا البرهان الاخير يحتاج
الى توثيق،
خصوصا ازاء حديث يرد باسانيد صحيحه متعدده، فكيف
وثقوه؟
ليتهم لم يوثقوه، ليتهم تركوه مجازفه كمجازفات
الكثير من
اصحاب الاذواق!!
قالوا فى توثيقه: يويده ان الامام احمد روى هذا
الحديث من
عده طرق ليست فى واحده منها هذه الزياده((401)).
انها مقاله من لا يخشى فضيحه التحقيق!!
فالنصوص الثلاثه التى ذكرناها لهذا الحديث، وفى
جميعها
كلمه (بعدى) جميعها فى مسند احمد((402))
واغرب من هذا ان المحقق الذى ينقل قولهم المتقدم
ويعتمده، يخرج بعضها على مسند احمد نفسه((403))!
ومره اخرى ينهار ذلك البرهان وتوثيقه امام الحديث
الذى رواه
احمد فى مسنده، وفيه: (انت وليى فى كل مومن
بعدى)((404))،
وليس فى اسناده واحد من اولئك (الشيعه)
الذين اتهموا به! بل اتفق على صحته: الحاكم والذهبى
والالبانى((405))!
ان هذه الدلائل ليست فقط تثبت صحه قوله: (بعدى)، انما
تثبت ايضا - مع المعرفه بحقائق التاريخ وموقف
الرواه من
فضائل على - ان الروايه التى وردت فى مسند احمد او
غيره
وليس فيها كلمه (بعدى) انما قام (بتهذيبها) انصار
التاريخ
الذين نصروه حتى فى اوج انحرافه عن السنه..
كيف لا، وهى ادانه صريحه لمساره المنحرف الذى صار
عقيده
يتدينون بها، ويضللون من خالفهم فيها؟!
(ان هذا اخى، ووصيى، وخليفتى فيكم، فاسمعوا له
واطيعوا)
((406)).
فاذا كان الذى دهش قريشا فى جاهليتها هو ان يومر ابو
طالب
بان يسمع لابنه ويطيع((407))، فقد دهشها بعد الاسلام ان
يومر كل الصحابه بذلك!
ولعل الذى صرف عنه اصحاب السنن هو من نحو ما ذكره
ابن
كثير فى تعليقه على الحديث، قائلا: ذكروا فيه
عبدالغفار بن
القاسم، وهو كذاب، شيعى، اتهمه على بن المدينى بوضع
الحديث، وضعفه الباقون((408)).
لكن ابا مريم، عبدالغفار بن القاسم، قد حفظ له
التاريخ غير ما
ذكر ابن كثير!
حفظ لنا خلاصه سيرته، وصلته بالحديث، ومنزلته فيه،
ثم
حفظ عله تركهم حديثه: قال ابن حجر العسقلانى: (كان -
ابو
مريم - ذا اعتناء بالعلم وبالرجال.. وقال شعبه: لم ار
احفظ منه..
وقال ابن عدى: سمعت ابن عقده يثنى على ابى مريم
ويطريه،
ويجاوز الحد فى مدحه، حتى قال: لو ظهر على ابى مريم
ما
اجتمع الناس الى شعبه)
((409))!!
اذن لامر ما لم يظهر على ابى مريم، قال البخارى:
عبدالغفار
بن القاسمليس بالقوى عندهم.. حدث بحديث بريده (على
مولى من كنت مولاه)
((410))!
لكن حديث بريده هذا قد اخرجه ابن كثير نفسه من طريق
آخر
وصفه بانه اسناد جيد قوى رجاله كلهم ثقات((411))!
ذلك هو ابو مريم!
تلك خلاصه رساله السماء.. ومفتاح المسار الصحيح
الذى اراده
النبى لشريعته.
وهذا كلام لا يختلف فى فهمه عامى وبليغ.. فمن اين
ياتيه
التاويل؟!
انه لو قدر ان تتحقق الخلافه لعلى اولا، لما ارتاب
احد فى هذا
النص الصريح الصحيح.. لكن اختلاف المسار الجديد
عنه،
وتقديس الرجال، هما وراء كل ما نراه من ارتياب
وتجاهل لنص
لا شىء ادل منه على تعيين ائمه المسلمين، خلفاء
الرسول!!
ان اغرب ما جاء فى (تعطيل) هذا النص قول متهافت
ابتدعه
ابن تيميه حين راى انه ليس فيه الا الوصيه باتباع
الكتاب، وهو
لم يامر باتباع العتره، ولكن قال: (اذكركم اللّه فى
اهل
بيتى)((415))!
فقط وفقط، ولا كلمه واحده!!
ولهذا القول المتهافت مقلدون، والمقلد لا يقدح فى
ذهنه ما
يقدح فى اذهان البسطاء حتى! ليعيد على شيخه السوال:
اين
الثقل الثانى اذن؟! اين الخليفه الثانى اذن؟! من
هذان اللذان
لن يفترقا حتى يردا الحوض معا؟!
وليست هذه الاسئله من شان المقلد، كما لم تكن من شان
المتاول، لان شانهما ان يستترا وراء التاويل، عن
لمعان النص
ودويه!
(كتاب اللّه) و(عترتى اهل بيتى) انهما المحوران
اللذان
سيمثلان محل القطب فى مسار الاسلام الاصيل غدا بعد
وفاه
الرسول(ص).
وليس بعد هذا الحديث، وحديث غدير خم، ما يستدعى
البحث
عن نصوص اخر لمن شاء ان يومن بالنصوص...
الخطاب الجامع . . مفترق الطرق :
ثم قال: (ان اللّه مولاى، وانا ولى كل مومن) ثم اخذ
بيد
على(رضىاللّه)، فقال: (من كنت وليه فهذا وليه،
اللهم وال من
والاه وعاد من عاداه).
قال ابو الطفيل: قلت لزيد: سمعته من رسول اللّه(ص)؟
قال: نعم، وانه ما كان فى الدوحات احد الا رآه
بعينيه وسمعه
باذنيه((417)).
هذا الخطاب، على نحو مئه الف من المسلمين
شهدوا حجه الوداع، وعند مفترق طرقهم الى مدائنهم،
لم
يعش النبى(ص) بعده الا نحو ثمانين يوما((418))،
ليكون هذا
الخطاب ذاته بعد اليوم الثمانين مفترق الطرق بين
المسلمين،
وحتى اليوم!!
ثمانون يوما لا تكفى لنسيانه!!
ودواعى الذكرى التى احاطت به لا تسمح بتناسيه!!
لكن لم يحدثنا التاريخ ان احدا قد ذكره فى تلك
الايام الحاسمه
التى ينبغى الا تعيد الاذهان الى شىء قبله، فهو
النص الذى
يملا ذلك الفراغ، ويسكن له ذلكالهيجان، وتنقطع
دونه
الامانى، او فرص الاجتهاد..
(انى يوشك ان ادعى فاجيب..
وانى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى: كتاب
اللّه،
وعترتى اهل بيتى..
من كنت مولاه فعلى مولاه..).
والعهد، بعد، قريب، جد قريب ..
فاذا وجدنا اليوم من لم يومن بالنص على خليفه
النبى، فليس
لان النبى لم يقله، بل لان الناس يومئذ لم يذكروه!!
فلو لم يرد النص الا فى غزوه تبوك، لما افاد ذلك
تخصيصه
بتلك الغزوه ما دام الحديث نصا فى العموم. ومع هذا
فقد ورد
هذا النص فى غير تلك الواقعه ايضا، كما رواه ابن
حبان وغيره
فى خبر المواخاه((423)).
6 - (يكون بعدى اثنا عشر خليفه، كلهم من قريش) متواتر،
لا
نزاع فيه((424))!
-وفى السنن انه شكا اليه العباس ان بعض قريش
يحقرونهم،
فقال: (والذى نفسى بيده، لا يدخلون الجنه حتى يحبوكم
للّه
ولقرابتى).
-ثم قال: واذا كانوا افضل الخلائق فلا ريب ان
اعمالهم افضل
الاعمال((425)).
ولا ريب ان اهل البيت افضل بنى هاشم:
يقول ابن تيميه فى الموضع ذاته: وفى صحيح مسلم عنه(ص)
انه قال يوم غدير خم: (اذكركم اللّه فى اهل بيتى،
اذكركم اللّه
فى اهل بيتى، اذكركم اللّه فى اهل بيتى).
وظاهر ان ابن تيميه لا يريد ان يذكر مقدمه الحديث:
(انى
تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه.. واهل بيتى) لانه لا
يريد ان يرى
الامر جليا بوجوب التمسك باهل البيت!
ويمكن ان يضاف الى هذا كثير:
-(اللهم هولاء اهل بيتى، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم
تطهيرا) على وفاطمه والحسن والحسين، ولا احد
سواهم..((426))
(انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل
البيت ويطهركم تطهيرا)((427)).
-(نحن بنو عبدالمطلب ساده اهل الجنه: انا، وحمزه،
وعلى،
وجعفر، والحسن، والحسين، والمهدى)((428)).
-(الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنه)((429)).
-(المهدى من عترتى، من ولد فاطمه)((430)).
فلم يبق فى الامر ادنى غموض، بعد تقديم بنى هاشم
الصريح،
وتقديم اهل البيت خاصه على سائر بنى هاشم، وصراحه
النصوص المتقدمه، لا سيما الغدير والولايه
والثقلين، وببساطه
كبساطه هذا الدين الحنيف، وبعيدا عن شطط التاويل
بعد هذا
الدين عن التعقيد والتنطع، تبدو عندئذ كم هى ظاهره
امامه
اثنى عشر سيدا من ساده اهل البيت.. وتحديدا، اولهم
على،
فالحسن، فالحسين، وآخرهم المهدى.
ومن لحظ الاضطراب الشديد والتهافت الذى وقع فيه
شراح
الصحاح عند حديث الخلفاء الاثنى عشر ((431))،
ازداد يقينا
فى اختصاص ساده اهل البيت بهذا الحديث، دون سواهم.
وقد اهتدى الى هذا المعنى بعض من شرح اللّه صدره
للاسلام
من اهل الكتاب لما راوا فى اسفارهم الخبر عن اثنى
عشر اماما
يكونون بعد النبى العظيم من ولد اسماعيل((432))،
فناقضهم
ابن كثير، نقلا عن شيخه ابن تيميه، ليجعل هولاء
العظماء هم
الخلفاء الذين يعدون فيهم معاويه ويزيد ومروان
وعبدالملك
وهشام، او الذين لا يدرون من هم((433))!!
واهل البيت اولا ..
لو لم يكن ثمه نص فى الامامه، وكان للامه ان ترشح
لها اهلها،
وبعد ما تقدم فى فضيل بنى هاشم، واهل البيت خاصه،
فهم
الاولى بالامامه بلا منازع.
واهل البيت اولا ..
لو كانت الخلافه محصوره فى قريش، اما لنص النبى(ص)،
او
لقول المهاجرين فى السقيفه: (ان قريشا اولياوه
وعشيرته)،
(وقومه اولى به)، (وهيهات ان يجتمع سيفان فى غمد)،
(ولا
تمتنع العرب ان تولى امرها من كانت النبوه فيهم)..
واخيرا:
(فمن ينازعنا سلطان محمد ونحن اولياوه وعشيرته،
الامدل
بباطل، او متجانف لاثم، او متورط فى هلكه؟!)((434)).
فان هذا كله لا يرشح احدا قبل بنى هاشم، فاذا كان
قومه اولى
به فلا ينازعهم الا ظالم، فما من احد اولى به من بنى
هاشم، ثم
اهل البيت خاصه!
فبنو هاشم، دون سواهم من بطون قريش، هم المعنيون
بايه
الانذار فى بدء الدعوه النبويه: (وانذر عشيرتك
الاقربين).
وبنو هاشم هم المعنيون بالمحاصره فى شعب ابى طالب
ثلاث
سنين، وليس معهم الا بنى المطلب، اما بطون قريش
الاخر،
تيم وعدى واميه ومخزوم وزهره وغيرها، فهم الذين
تحالفوا
على محاصره عشيره محمد الاقربين، بنى هاشم وبنى
المطلب!!
فهل خفى هذا على احد، لو خفيت عليه النصوص؟!
فالذى جادل فى النصوص ودفعها بانها لو صحت، او لو
افادت
الخلافه، لما خفيت على عظماء الصحابه وجمهورهم..
عليه ان
يقف امام هذه الحقيقه، كيف خفيت عليهم؟!
-فالحق اذن .. ان التشريع الاسلامى لم يغفل النص
الحاسم فى
تحديد معالم مسار الاسلام بعد الرسول..
-والحق ايضا .. انه مهما تنازع الناس فى هذا النص
وموداه فان
كفه على ابن ابى طالب هى الراجحه..
سلوك النبى فى ترشيح على :
منذ البدء، نشا على فى بيت النبى (ص) يتبعه اتباع
الظل، حتى
بعث(ص) فكان على اول من آمن به مع زوجته
خديجه((436)).
-وكان النبى(ص) يخرج الى البيت الحرام ليصل فيه،
فيصحبه
على وخديجه فيصليان خلفه، على مراى من الناس، ولم
يكن
على الارض من يصلى تلك الصلاه غيرهم..((437))
وكان على يصف ايامه تلك، فيقول: (وقد علمتم موضعى من
رسول اللّه(ص) بالقرابه القريبه والمنزله الخصيصه،
وضعنى فى
حجره وانا ولد، يضمنى الى صدره.. وكان يمضغ الشىء
ثم
يلقمنيه، وما وجد لى كذبه فى قول، ولا خطلهفى فعل..
ولقد
كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لى فى كل يوم
من اخلاقه
علما ويامرنى بالاقتداء به، ولقد كان يجاور فى كل
سنه بحراء
فاراه ولا يراه غيرى، ولم يجمع بيت واحد يومئذ فى
الاسلام
غير رسول اللّه(ص) وخديجه وانا ثالثهما، ارى نور
الوحى
والرساله واشم ريح النبوه..)
((438)).
- ويوم انذر عشيرته الاقربين، رفع شان على عليهم
جميعا،
وخصه بمنزله لا يشركه فيها غيره.
-
ويوم هجرته الى المدينه، اختار عليا يبيت فى
فراشه، ثم يودى
ما كان عند النبى من امانات، ثم يهاجر بمن بقى من
نساء بنى
هاشم.
-ثم اختصه بمصاهرته فى خير بناته سيده نساء
العالمين((439))، بعد ان تقدم لخطبتها ابو
بكر ثم عمر
فردهما(ص)((440))! وقال لها: (زوجتك اقدم امتى
سلما،
واكثرهم علما، واعظمهم حلما)((441)).
-وآخى بين المهاجرين والانصار، ثم اصطفى عليا لنفسه
فقال
له: (انت اخى فى الدنيا والاخره)، او (انت اخى وانا
اخوك)((442)).
فكان رسول اللّه(ص) سيد المرسلين وامام
المتقين ورسول رب العالمين الذى ليس له خطير ولا
نظير
من العباد، وعلى بن ابى طالب، اخوين((443)).
-وفى سائر حروبه كان لواوه(ص) او رايه المهاجرين بيد
على(ع)((444)).
وفى عباره بعضهم: بعث ابا بكر فسار بالناس فانهزم
حتى رجع
اليه، وبعث عمر فانهزم بالناس حتى انتهى اليه..((446))
وفى
عباره بعضهم: فعاد يجبن اصحابه ويجبنونه((447)).
- ويقول لاصحابه: (ان منكم من يقاتل على تاويل القرآن
كما
قاتلت على تنزيله) فيستشرفون له، كل يقول: انا هو؟
وفيهم ابو
بكر وعمر، فيقول: (لا) (لا) (لكنه على)((448)).
-ويبعثابا بكر بسوره براءه اميرا علىالحج، ثم
يبعث خلفه عليا
فياخذها منه، فيعود ابو بكر الى النبى(ص) فيقول:
احدث فى
شىء، يا رسول اللّه؟
فيقول(ص): (لا، ولكنى امرت الا يبلغ عنى الا انا او
رجل
منى)((449))!
-وكان لبعض الاصحاب ابواب شارعه فى المسجد، فقال
لهم:
(سدوا هذه الابواب، الا باب على)((450)).
-وكان الصحابه عنده فى المسجد، فدخل على، فلما دخل
خرجوا، فلما خرجوا تلاوموا، فرجعوا، فقال لهم(ص):
(واللّه ما انا
ادخلته واخرجتكم، بل اللّه ادخله واخرجكم)((451)).
-
ودعاه يوم الطائف يناجيه، فقال بعضهم: لقد طال
نجواه مع
ابن عمه!! فقال لهم(ص): (ما انا انتجيته، ولكن اللّه
انتجاه)((452)).
-وربما اراد ان يعلم اصحابه ادبا، فيقول لهم: (الا
قلتم كما قال
على بن ابى طالب)((453))؟!
-فى حجهالوداع اشركه فى هديه، دون غيره مناصحابه
او
ذوى قرباه((454)).
-وفيها خطب خطبته الشهيره فى على فى طريق عودته من
حجه الوداع، وهو آخذ بيده يرفعها حتى يراها الجمع
الكبير:
(انما انا بشر يوشك ان ادعىفاجيب، وانى تارك فيكم
ما ان
تمسكتم به لن تضلوا: كتاب اللّه، وعترتىاهل بيتى)
(الست
اولى بالمومنين من ا نفسهم؟ فمن كنت مولاه فعلى
مولاه)((455)).
-وخصه النبى(ص) مده حياته الشريفه بمنزله ليست لاحد،
خصه بساعه من السحر ياتيه فيها كل ليله((456)).
-
واذ نزل قوله تعالى: (وامر اهلك بالصلاه) ((457))
كان
النبى(ص) ياتى باب على كرم اللّه وجهه صلاه الغداه
كل يوم،
ويقول: (الصلاه، رحمكم اللّه، انما يريد اللّه
ليذهب عنكم
الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)
((458)).
|