-وحين يتوفى رسول اللّه(ص) يخص عليا بميراثه دون عمه العباس، فسئل ولد العباس عن ذلك فقالوا: ان عليا كان اولنا به لحوقا، واشدنا به لصوقا((459)). وغير هذا كثير، وقد عرفه الصحابه فى حياه الرسول..

الصحابه والمعرفه بالترشيح :

سمع الصحابه وشهدوا نصوص النبى وسلوكه فى ترشيح على وتعيينه لخلافته مباشره، فادركوا ذلك ووعوه، حتى ظهر فى اقوال بعضهم، وظهر عند آخرين قولا وعملا.

- فاشتهر عن بعضهم تمنيه ان لو كانت له واحده من تلك الخصال التى خص بها على(ع)، كما عرف ذلك عن: عمر بن الخطاب، وسعد بن ابى وقاص، وعبداللّه بن عمر((4604)).

- واشتهر عن آخرين متابعتهم له حتى عرفوا فى ذلك العهد بشيعه على، منهم: ابو ذر، وعمار، وسلمان، والمقداد((461)).

- بل كان عامه المهاجرين والانصار لا يشكون فى ان عليا هو صاحب الامر بعد رسول اللّه(ص)((462)).

وابو بكر سمع بنفسه قول ابنته عائشه لرسول اللّه بصوت عال:

(واللّه لقد علمت ان عليا احب اليك من ابى)! فاهوى اليها ليلطمها، وقال: يا ابنه فلانه، اراك ترفعين صوتك على رسول اللّه((463))! - قال معاويه بن ابى سفيان فى رسالته الى محمد بن ابى بكر، وهى الرساله التى اشار اليها الطبرى ثم قال: كرهت ذكرها لامور لا تحتملها العامه، قال فيها معاويه مخاطبا محمد بن ابى بكر: (قد كنا وابوك معنا فى حياه نبينا نرى حق ابن ابى طالب لازما لنا، وفضله مبرزا علينا)((464)).

- وشهيره كلمه عمر بن الخطاب يوم غدير خم: (هنيئا لك يابن ابى طالب، اصبحت مولى كل مومن ومومنه)((465)). علما ان هذه الكلمه (مولى) و(ولى) لم تعرف لاحد من الصحابه الا لعلى (ع) فى جمله من الاحاديث النبويه: (من كنت مولاه فعلى مولاه). (وهو وليكم بعدى). (انت ولى كل مومن ومومنه بعدى)((466)). بل فى القرآن ايضا: (انما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاه ويوتون الزكاه وهم راكعون)((467)). قال الالوسى: غالب الاخباريين على انها نزلت فى على بن ابى طالب((468))، وعليه شبه اجماع لدى المفسرين((469))، وطائفه من اصحاب الحديث((470)).

وهذا كله كان يعرفه الصحابه من المهاجرين والانصار خاصه لقربهم من النبى(ص).

- ومن قول محمد بن ابى بكر فى رسالته الى معاويه، يصف عليا(ع): (وهو وارث رسول اللّه(ص) ووصيه، وابو ولده، اول الناس له اتباعا، واقربهم به عهدا، يخبره بسره، ويطلعه على امره)((471)). - وعبداللّه بن عباس، حبر الامه، يصفه ايضا لمعاويه، فيسميه (سيد الاوصياء)((472)).

- وابو ذر الغفارى يقول: (وعلى بن ابى طالب وصى محمد ووارث علمه) ((473)).

- وحذيفه بن اليمان: (الحقوا بامير المومنين، ووصى سيد المرسلين) ((474)).

- وعمرو بن الحمق الخزاعى، الصحابى الذى دعا له النبى ان يمتع بشبابه، فبقى الى آخر عمره يتمتع بكل سيماء الشباب، يقول لعلى: احببتك بخصال خمس: انك ابن عم رسول اللّه، ووصيه...((475)) - والحسن السبط(ع) خطب خطبته الاولى بعد وفاه ابيه فذكر:

(عليا خاتم الاوصياء)((476)).

- وخزيمه بن ثابت، ذو الشهادتين، يصفه للسيده عائشه، فيقول:

وصى رسول اللّه من دون اهله وانت على ما كان من ذاك شاهده((477)) - وحجر بن عدى، حجر الخير، الصحابى الذى بكاه اهل السماء، يصفه فى ارجوزه له يقول فى آخرها:

واحفظه ربى واحفظ النبيا فيه، فقد كان له وليا ثم ارتضاه بعده وصيا((478)) - والنقيب البدرى ابو الهيثم بن التيهان، يقول فيه:

ان الوصى امامنا وولينا برح الخفاء وباحت الاسرار((479)) - فكما عرفوه (وليا) عرفوه (وصيا) ايضا، وذو الشهادتين حين ادلى بشهادتيه على ان عليا وصى النبى (ص) ، لم يقف عند هذا الحد، بل الزم عائشه ايضا الشهاده على ذلك.

وقبل هذا كله بكثير ظهرت كلمه (الوصى) فى شعر الصحابه، فبعد وفاه النبى(ص) وحادثه السقيفه، وابان ما شجر من نزاع بين الانصار وبعض قريش من بنى اميه خاصه، انشد النعمان بن العجلان ردا على عمرو بن العاص:

وقلتم حرام نصب سعد، ونصبكم عتيق بن عثمان - حلال - ابا بكر واهل ابو بكر لها خير قائم وان عليا كان اخلق بالامر وكان هوانا فى على، وانه لاهل لها ياعمرو من حيث لاتدرى فذاك بعون اللّه يدعو الى الهدى وينهى عن الفحشاء والبغى والنكر وصى النبى المصطفى وابن عمه وقاتل فرسان الضلاله والكفر((480)) وقد نسب الى حسان بن ثابت شعر فى تلك الايام ايضا يذكر فيه عليا(ع) فيعرفه بالوصى، رواه اليعقوبى والزبير بن بكار((481))، يقول:

الست اخاه فى الهدى ووصيه واعلم منهم بالكتاب وبالسنن؟! وربما تردد المحققون فى قبول كثير من الشعر المنسوب الى حسان، وهذه الابيات ليست فى المختار من ديوانه، لكن احدا لا يقطع بان هذا المختار هو كل ما انشده حسان.. وايضا فالزبير بن بكار واليعقوبى لا يوردان من مثل هذه الاخبار الا ما اشتهر منها، كما يلاحظ بالتتبع فى كتابيهما.

اذن لم يكن لقب (الوصى) محدثا كما صوره بعض الدارسين الذين اغفلوا شهاده التاريخ ثم اسقطوا نزعاتهم الشخصيه على المفاهيم، وعلى التاريخ كله، فصوروا (الوصى) وكانه من صنع اليهود، ومنهم انتقل الى المسلمين، عن طريق عبداللّه بن سبا المزعوم او غيره((482))، او هو من صنع الشيعه ، ابتدعه هشام ابن الحكم (191 ه) ولم يكن معروفا قبله لا من ابن سبا ولا من غيره((483))! فالاشعار المتقدمه المحفوظه عن الصحابه سبقت ميلاد هشام بن الحكم بنحو ثمانين سنه! كلا، بل ذاك مما عرفه الصحابه او بعضهم لعلى، وحفظه تاريخهم، لهم اوعليهم! وربما يقال ان فى تلك المصادر نزعه شيعيه، والشيعه ليس من حقهم ان يساهموا فى كتابه التاريخ، بل ليس من حقهم ان يكتبوا تاريخهم الخاص ايضا! لكن هل يقال هذا فى ابن حجر العسقلانى؟ فى شرحه لصحيح البخارى يثبت ابن حجر ان (الشيعه) كانوا يتداولون احاديث الوصيه، فنهضت السيده عائشه فى مواجهه ذلك التيار بحديثها الذى اثبته البخارى، تقول فيه: ان النبى(ص) لما نزل به الموت وراسه على فخذى غشى عليه ثم افاق، فقال: (اللهم الرفيق الاعلى) فكانت آخر كلمه تكلم بها (اللهم الرفيق الاعلى).

قال العسقلانى نقلا عن الزهرى فى ما يرويه عن جماعه من اهل العلم فيهم عروه بن الزبير: كان عائشه اشارت الى ما اشاعته الرافضه ان النبى(ص) اوصى الى على بالخلافه وان يوفى ديونه((484))! فخبر الوصيه اذن كان يطرق آذانها، حتى واجهته بهذا الخبر...

لكن لا العسقلانى ولا الزهرى ولا جماعه اهل العلم يشاوون ان يتقدموا فى التحقيق خطوه واحده الى الامام، لان الخطوه اللاحقه سوف تنفض ايديهم مما وضعه فيها حديث السيده عائشه! فالسيده ام سلمه اقسمت على كذب الحديث المروى عن عائشه، حين اقسمت ان آخر الناس عهدا بالنبى هو على بن ابى طالب (ع)! قالت: (والذى احلف به ان كان على لاقرب الناس عهدا برسول اللّه(ص)، عدنا رسول اللّه(ص) غداه بعد غداه يقول: (جاء على) مرارا، فجاء بعد، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب وكنت من ادناهم الى الباب، فاكب عليه على، فجعل يساره ويناجيه، ثم قبض(ص) من يومه ذاك وكان اقرب الناس به عهدا)((485)). فالصحابه اذن كانوا يعرفون ذلك، وان انكرته عائشه فدخل حديثها صحيح البخارى دون حديث ام سلمه الذى كان رجاله رجال الصحيح! واخيرا، فالوصيه التى يفخر بها هذا العدد من الصحابه سوف تبقى اكبر من (وصيه على قضاء الديون الخاصه) قد لا تكون محلا لمثل هذا الذكر والفخر..

-وفى محاوره السيده ام سلمه للسيده عائشه وقد اغضبتها البيعه لعلى فعزمت على المسير الى البصره، اعادت عليها ام سلمه اشياء كثيره تذكرها ما تعلمه من حق على، ومن ذلك:

(قالت ام سلمه: ويوم كنت انا وانت مع رسول اللّه(ص) فى بعض اسفاره، فاقبل ابوك وعمر فاستئذنا، فقمنا الى الحجاب، فدخلا ثم قالا: يا رسول اللّه، انا واللّه ما ندرى ما قدر ما تصحبنا، افلا تعلمنا خليفتك فينا فيكون مفزعنا اليه؟ فقال(ص): اما انى قد ارى مكانه، ولو فعلت لنفرتم عنه كما نفرت بنو اسرائيل عن هارون بن عمران! فلما خرجا خرجت انا وانت فقلت له وكنت جريئه عليه: يار سول اللّه، من كنت مستخلفا عليهم؟ فقال: خاصف النعل.

فنظرت الى على فقلت: ما ارى الا على بن ابى طالب! فقال: هو ذاك. اتذكرين هذا؟ قالت: نعم). هذا الحوار نقلته مصادر مهمه ((486)).

- والحوارات التى ادارها عمر بن الخطاب مع ابن عباس هى الاخرى حوارات كاشفه عن هذا المعنى:

ففى احدها: يكشف عمر عن معرفته بذلك فيقول: (لقد كان النبى يربع فى امره وقتا ما، ولقد اراد فى مرضه ان يصرح باسمه، فمنعت من ذلك، اشفاقا وحيطه على الاسلام! ورب هذه البنيه لا تجتمع عليه قريش ابدا).

اما ابن عباس فيوكد له ان النبى(ص) قد نص على على، وانه سمع ذلك من على والعباس((487)).

وفى اخرى: يوكد عمر اراده قريش، فيقول: كرهت قريش ان تجتمع فيكم النبوه والخلافه فتجخفوا جخفا((488))، فنظرت قريش لنفسها فاختارت..

لكن ابن عباس يحمل على هذه الحجه حملا عنيفا، متسلحا باى القرآن هذه المره، فيقول: (اما قولك: كرهت قريش! فان اللّه تعالى قال لقوم: (ذلك بانهم كرهوا ما انزل اللّه فاحبط اعمالهم)((489)). واما قولك: انا كنا نجخف! فلو جخفنا بالخلافه جخفنا بالقرابه، لكنا قوم اخلاقنا مشتقه من اخلاق رسول اللّه(ص) الذى قال له اللّه تعالى: (وانك لعلى خلق عظيم)((490)) وقال له: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المومنين)((491)).

واما قولك: فان قريشا اختارت! فان اللّه تعالى يقول: (وربك يخلق مايشاء ويختار ما كان لهم الخيره)((492)).

وقد علمت يا امير المومنين ان اللّه اختار من خلقه لذلك من اختار! فلو نظرت قريش من حيث نظر اللّه لها لوفقت واصابت!! ولهذا الحوار مصادره المهمه ايضا((493)).

وهذه هى نظريه النص فى اطارها التام: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيره) وان اللّه اختار من خلقه لهذا الامر من اختار.. النظريه التى اصبحت من مقولات الشيعه ومن خصائص التشيع واعمدته((494))، ومن لا يحب ان يكون شيعيا فعليه ان يخالف فيها ولو بمجرد الاعراض عنها! -وفى اخرى: ان ابن عمك قد اجهد نفسه فى العباده، يرشح نفسه بين الناس للخلافه! قال ابن عباس: وما يصنع بالترشيح! قد رشحه لها رسول اللّه(ص) فصرفت عنه((495))! -والحوار الطويل الذى اداره عثمان ايام خلافته مع ابن عباس يكشف عن وضوح تام لهذه القضيه، اذ يختم عثمان حديثه بقوله: (ولقد علمت ان الامر لكم، ولكن قومكم دفعوكم عنه، واختزلوه دونكم)! فاكد ابن عباس هذا المعنى فى جوابه، وذكر العله فيه كما يراها، ويرى انها لم تكن خفيه ايضا على عثمان، فيقول: (اما صرف قومنا عنا الامر فعن حسد قد واللّه عرفته، وبغى قد واللّه علمته، فاللّه بيننا وبين قومنا)((496))! هذا كله وكثير غيره عرفه الصحابه، وحفظه التاريخ لهم او عليهم! فحق اذن لقائل ان يقول: ان غالبيه المسلمين حين توفى النبى(ص) كانوا مع الاتجاه الذى يمثله على بن ابى طالب واصحابه، لان النبى كان زعيم هذا الاتجاه((497)).

فقبل ذلك قيل لقد كان عامه المهاجرين والانصار لا يشكون فى على((498)).

النص والترشيح فى حديث على:

واضح جدا فى قراءه تلك الحقبه من التاريخ ان عليا(ع) هو اكثر من تبنى اظهار النصوص والاشارات الداله على ترشيحه لخلافه الرسول (ص)، او النص عليه بالاسم. وصحه نسبه هذه الكلمات اليه قد فرغ منها اصحاب التحقيق حين تجردوا عن الاهواء، وسكن اليها اكثر من خمسين علما من شراح كلماته، ودافعوا عنها دفاعا معززا بالبراهين الباعثه على الاطمئنان((499)).

فى حقه خاصه :

على(ع) هو الذى اعاد الى الاذهان احاديث نبويه تبرز حقه بالخلافه بلا منازع، كانت قد حجر عليها ايام الخلفاء اذ منعوا من الحديث الا ما كان فى فريضه، يريدون بها الاحكام وفروع العبادات:

1 - فقد جمع الناس ايام خلافته فخطبهم خطبته المنقوله بالتواتر، يناشد فيها اصحاب رسول اللّه (ص) من سمع منهم رسول اللّه بغدير خم يخطب فيقول: (من كنت مولاه فعلى مولاه) الا قام فشهد((500)).

2 - وعلى هو الذى اعاد نشر حديث آخر يرشحه على ابى بكر وعمر خاصه، اذ اخبر النبى ان من اصحابه من يقاتل بعده على تاويل القرآن كما قاتل هو(ص) على تنزيله، فتمنى ابو بكر ان يكون هو ذلك الرجل، فلم يصدق النبى امنيته، بل قال له (لا)! فتمنى ذلك عمر لنفسه فلم يكن احسن حظا من ابى بكر، ثم قطع النبى الامانى كلها حين اخبرهم انه على، لا غير((501))! هذه الاحاديث وغيرها وان رويت عن غيره الا ان روايتها عنه امتازت بكونها خطبه على جمهور الناس، لا حديثا لواحد او لبضعه نفر، وهذا ابلغ فى التاكيد على حقه الذى ايقن به، وايقن بان كثيرا من الصحابه كانوا يعرفونه ولا يجهلونه.

3 - وقد ذكر عنه اكثر من هذا بكثير فى يوم الشورى او بعدها، لكن اختلفوا فى تفصيله وفى اسناده ايضا، وان كان قد ثبت عندهم ذلك بالجمله، واقل ما ذكر من مناشدته تلك ما اخرجه ابن عبدالبر: قال على لاصحاب الشورى: (انشدكم اللّه، هل فيكم احد آخى رسول اللّه بينه وبينه، اذ آخى بين المسلمين، غيرى؟).

وقال ابن عبدالبر بعده: روينا من وجوه عن على(رضى اللّه) انه كان يقول: (انا عبداللّه واخو رسول اللّه، لا يقولها احد غيرى الا كذاب)((502)). ورواها فى كنز العمال حديثا طويلا عن ابى الطفيل انه سمع عليا يوم الشورى يقول - الحديث((503))، وما اخرجه ابن عبدالبر قطعه منه، لكن اسناد كنز العمال فيه جهاله((504))، وقد دار حوله جدل، فقيل: رواه زافر عن رجل، فالرجل مجهول، وزافر لم يتابع عليه، وانكره بعضهم لاجل متنه، ولا يعتد بهذا الانكار لانه مبنى على فهم لا اصل له يصور البيعه لابى بكر على انها كانت اجماعا او شبه اجماع، وما خالف هذا التصور فهو عنده منكر، وهذا فرط خيال كما هو ثابت.

واما الاسناد فقد توبع عليه زافر كما فى الاسناد الذى اورده ابن عبدالبر فى (الاستيعاب)((505))، وقد قال ابن حجر العسقلانى: ان زافرا لم يتهم بكذب، وانه اذاتوبع على حديث كان حسنا((506)). وفى اول هذا الحديث، قال ابو الطفيل: كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الاصوات بينهم، فسمعت عليا يقول: (بايع الناس لابى بكر، وانا واللّه اولى بالامر منه، واحق به منه، فسمعت واطعت مخافه ان يرجع الناس كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم بايع الناس عمر وانا واللّه اولى بالامر منه، واحق به منه، فسمعت واطعت مخافه ان يرجع الناس كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم انتم تريدون ان تبايعوا عثمان! اذا اسمع واطيع) ثم ذكر امر الشورى وشرع يحصى عليهم من فضائله وخصائصه التى امتاز بها عليهم، وكانت اولاها القطعه التى رواها ابن عبدالبر فى المواخاه((507)).

ولهذا الكلام ما يشهد له ايضا مما سياتى فى فقرات لاحقه.

4 - وعلى جدد التذكير ايضا بما يبرز حقه فوق ابى بكر خاصه، حين ذكر الناس بقصه اخذه سوره براءه من ابى بكر! روى النسائى باسناد صحيح عن على(ع): ان رسول اللّه(ص) بعث ببراءه الى اهل مكه مع ابى بكر، ثم اتبعه بعلى فقال له:

(خذ الكتاب فامض به الى اهل مكه) قال: فلحقته فاخذت الكتاب منه، فانصرف ابو بكر وهو كئيب، فقال: يا رسول اللّه، انزل فى شى ء؟ قال: (لا، انى امرت ان ابلغه انا او رجل من اهل بيتى)((508)). وفى كل واحد من هذه الاحاديث رد على من يقول ان عليا لم يذكر شيئا يدل على احقيته فى الخلافه، هذا ولما ندخل بعد رحاب نهج البلاغه.

5 - ومن اشهر اقواله، قوله بعد ان بلغه خبر السقيفه ومبايعه الناس لابى بكر: (ماذا قالت قريش؟).

قالوا: احتجت بانها شجره الرسول(ص).

فقال: (احتجوا بالشجره واضاعوا الثمره)((509))!

6 - وفى احتجاجه المشهور على نتائج السقيفه ايضا، قوله:

فان كنت بالشورى ملكت امورهم فكيف بهذا والمشيرون غيب وان كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك اولى بالنبى واقرب((510))

7- خطبته الشقشقيه، التى حضيت دائما بمزيد من التوثيق((511))، وهى من اكثر كلماته المشهوره وضوحا ودلاله وتفصيلا:

(اما واللّه لقد تقمصها فلان، وانه ليعلم ان محلى منها محل القطب من الرحا، ينحدر عنى السيل ولا يرقى الى الطير..

فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا، وطفقت ارتئى بين: ان اصول بيد جذاء، او اصبر على طخيه عمياء! .. فرايت ان الصبر على هاتا احجى، فصبرت وفى العين قذى، وفى الحلق شجا، ارى تراثى نهبا! حتى مضى الاول لسبيله، فادلى بها الى فلان بعده..

فيا عجبا، بينا هو يستقيلها((512)) فى حياته، اذ عقدها لاخر بعد وفاته!! لشد ما تشطرا ضرعيها!..

فصبرت على طول المده، وشده المحنه.. حتى اذا مضى لسبيله جعلها فى جماعه زعم انى احدهم، فياللّه وللشورى، متى اعترض الريب فى مع الاول منهم حتى صرت اقرن الى هذه النظائر!..) ((513)).

اذن ابو بكر ايضا كان يعلم ان محل على من الخلافه محل القطب من الرحا! وقد يبدو هذا فى منتهى الغرابه لمن الف التصور القدسى لتعاقب الخلافه، ذاك التصور الذى صنعه التاريخ وفق المنهج الذى قراناه فى الفصول المتقدمه، ومن هنا استنكروه، كما استنكروا سائر كلامه فى الخلافه، وقبله استنكروا جمله من الحديث النبوى الشريف الذى يصدم تلك القداسه! لكن الحقيقه، كل الحقيقه، انك لو تلمست لذاك التصور القدسى شاهدا من الواقع مصدقا له لعدت بلا شى ء! لكن لم يالف التاريخ الاصغاء لعلى!! التاريخ الذى اثبت، بما لا يدع مجالا لشبهه، ان عليا لم يبايع لابى بكر، الا بعد سته اشهر، صم آذانه عن سماع اى حجه لعلى فى هذا التاخر! تناقض لم يستوقف احدا من قارئى التاريخ! وكيف يستوقفهم على عيوب نفسه، وهو وحده الذى صاغ تصوراتهم وثقافتهم؟
8 - من كلام له بعد الشورى، وقد عزموا على البيعه لعثمان:

(لقد علمتم انى احق بها من غيرى، وواللّه لاسلمن ما سلمت امور المسلمين ولم يكن فيها جور الا على خاصه، التماسا لاجر ذلك وفضله، وزهدا فى ما تنافستموه من زخرفه وزبرجه)((514)). وجد ابن ابى الحديد ان هذه الكلمه هى آخر ما قاله على(ع) آنذاك فى كلام نقله هنا بعد ان ازاح عنه كل شك فى صحته، فقال: نحن نذكر فى هذا الموضع مااستفاض فى الروايات من مناشدته اصحاب الشورى، وقد روى الناس ذلك فاكثروا، والذى صح عندنا انه لم يكن الامر كما روى من تلك التعديدات الطويله، ولكنه قال لهم بعد ان بايعوا عثمان وتلكا هو(ع) عن البيعه: (ان لنا حقا ان نعطه ناخذه، وان نمنعه نركب اعجاز الابل وان طال السرى) فى كلام قد ذكره اهل السيره..

ثم قال لهم: انشدكم اللّه، افيكم احد آخى رسول اللّه(ص) بينه وبين نفسه غيرى؟ قالوا: لا.

قال: افيكم احد قال له رسول اللّه(ص): (من كنت مولاه فهذا مولاه) غيرى؟ قالوا: لا.

قال: افيكم احد قال له رسول اللّه(ص): (انت منى بمنزله هارون من موسى) غيرى؟ قالوا: لا.

قال: افيكم من اوتمن على سوره براءه وقال له رسول اللّه(ص):

(انه لايودى عنى الا انا او رجل منى) غيرى؟ قالوا: لا. قال: الا تعلمون ان اصحاب رسول اللّه(ص) فروا عنه فى ماقط الحرب((515))فى غير موطن، وما فررت قط؟ قالوا: بلى.

قال: الا تعلمون انى اول الناس اسلاما؟ قالوا: بلى.

قال: فاينا اقرب الى رسول اللّه(ص) نسبا؟ قالوا: انت.

فقطع عليه عبدالرحمن بن عوف كلامه، وقال: يا على، قد ابى الناس الا عثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا! ثم توجه عبدالرحمن الى ابى طلحه الانصارى((516))، فقال له: يا ابا طلحه، ما الذى امرك عمر؟ قال: ان اقتل من شق عصا الجماعه! فقال عبدالرحمن لعلى: بايع اذن، والا كنت متبعا غير سبيل المومنين!! وانفذنا فيك ما امرنا به!! فقال على(ع) كلمته هذه: (لقد علمتم انى احق بها من غيرى، وواللّه لاسلمن ما سلمت امور المسلمين ولم يكن فيها جور الا على خاصه...)((517)).

اذن هذا كلام خبره مستفيض، وليس هو من غرائب الاخبار او منكراتها.

9 - (وقد قال قائل: انك على هذا الامر يابن ابى طالب لحريص.

فقلت: بل انتم واللّه لاحرص وابعد، وانا اخص واقرب، وانما طلبت حقا لى، وانتم تحولون بينى وبينه، وتضربون وجهى دونه! فلما قرعته بالحجه فى الملا الحاضرين هب كانه بهت لا يدرى ما يجيبنى به)((518))!! والقائل اما سعد بن ابى وقاص يوم الشورى على قول اهل السنه، او ابو عبيده بعد يوم السقيفه على قول الشيعه، وايا كان فهذا الكلام مشهور يرويه الناس كافه كما يقول المعتزلى السنى ابن ابى الحديد((519)).

10 - (اللهم انى استعديك على قريش ومن اعانهم، فانهم قطعوا رحمى، وصغروا عظيم منزلتى، واجمعوا على منازعتى امرا هو لى، ثم قالوا: الا ان فى الحق ان تاخذه وفى الحق ان تتركه) ((520))!

11 - (اما بعد.. فانه لما قبض اللّه نبيه(ص) قلنا: نحن اهله وورثته وعترته واولياوه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه احد، ولا يطمع فى حقنا طامع، اذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الامره لغيرنا...).

هذه هى مقدمه خطبته فى المدينه المنوره فى اول امارته ولما يمض على امارته اكثر من شهر((521))!

12 - (اما الاستبداد علينا بهذا المقام.. فانها كانت اثره شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم اللّه، والمعود اليه القيامه).

قاله  فى جواب سائل ساله: كيف دفعكم قومكم عن هذاالمقام وانتم احق به؟ ثم يصل جوابه بما ينقله الى ما هو اولى بالاستنكار، فيقول:

ودع عنك نهبا صيح فى حجراته ولكن حديثا ما حديث الرواحل وهلم الخطب فى ابن ابى سفيان، فلقد اضحكنى الدهر بعد ابكائه...)((522)).

فى اهل البيت :

مثل ما ظهر هناك من وضوح وتركيز فى استعراض حقه خاصه، يظهر هنا فى شان اهل البيت فى جمله من كلماته:

1 - (اللهم بلى، لا تخلو الارض من قائم للّه بحجه، اما ظاهرا مشهورا، واما خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج اللّه وبيناته) ((523)). يرى ابن ابى الحديد المعتزلى ان هذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الاماميه((524)).

2 - (لا يقاس بال محمد(ص) من هذه الامه احد).

(هم اساس الدين، وعماد اليقين..

ولهم خصائص حق الولايه، وفيهم الوصيه والوراثه...)((525)).

فبعد ذكر حق الولايه، هذا واحد من مواضع يذكر فيها الوصيه تصريحا او تلميحا((526))، ثم هو الموضع الاكثر صراحه فى نسبه الوصيه الى نفسه واهل البيت، مع هذا فهو الموضع الذى اهمله الدكتور محمد عماره وهو يستقصى هذه المفرده فى كلام على، او غفل عنه، لاجل ان يقول: اننا لا نجد فى خطب على وكلامه ومراسلاته التى ضمها نهج البلاغه وصفه بهذا اللفظ! هذا كله لاجل ان يدعم مقاله حلق فيها بدءا حين نسب كلمه (وصى) فى الحديث النبوى (انت اخى ووصيى) الى صنع الشيعه الذين وضعوها بدلا من كلمه (وزيرى)((527))! مع ان الروايه السنيه للحديث لم تعرف غير كلمه (وصيى)((528)).

3 - (ان الائمه من قريش، غرسوا فى هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاه من غيرهم)((529)).

وقد وقفنا قبل على طائفه من النصوص الصحيحه التى اصطفت بنى هاشم من قريش وقدمتهم عليهم، وطائفه من الوقائع واحداث السيره التى قدمت بنى هاشم على سواهم، فلا تحتج قريش بحجه الا وكان بنو هاشم اولى بها.

4 - (اين تذهبون! وانى توفكون! والاعلام قائمه، والايات واضحه، والمنار منصوبه، فاين يتاه بكم؟! وكيف تعمهون وبينكم عتره نبيكم وهم ازمه الحق، واعلام الدين، والسنه الصدق؟! فانزلوهم باحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش.

ايها الناس، خذوها عن خاتم النبيين(ص): انه يموت من مات منا وليس بميت، ويبلى من بلى منا وليس ببال)((530)).

استنكار لاذع، واسف على هولاء الناس الذين تركوا عتره نبيهم، رغم وضوح الدلائل على لزوم اتباعهم! 5 - (انا سنخ اصلاب اصحاب السفينه، وكما نجا فى هاتيك من نجا ينجو فى هذه من ينجو، ويل رهين لمن تخلف عنهم.. وانى فيكم كالكهف لاهل الكهف، وانى فيكم باب حطه، من دخل منه نجا ومن تخلف عنه هلك، حجه من ذى الحجه فى حجه الوداع:

(انى تركت بين اظهركم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى ابدا:

كتاب اللّه وعترتى اهل بيتى))((531)).

6 - (انظروا اهل بيت نبيكم، فالزموا سمتهم، واتبعوا اثرهم، فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم فى ردى.. فان لبدوا فالبدوا، وان نهضوا فانهضوا.. ولا تسبقوهم فتضلوا، ولا تتاخروا عنهم فتهلكوا)((532)).

7 - (.. الم اعمل فيكم بالثقل الاكبر، واترك فيكم الثقل الاصغر؟)((533)). الثقل الاكبر: القرآن الكريم، والثقل الاصغر: الحسن والحسين(ع).

8 - (المهدى منا اهل البيت، يصلحه اللّه فى ليله) اخرجه احمد والسيوط ى، عن على(ع)(((534)).

(المهدى منا، من ولد فاطمه) اخرجه السيوط ى عن على(ع)((535)). وهكذا تقسمت كلمات على هذه بين حديث نبوى بحرفه او بمضمونه، وبين وصف او تقييم لحدث تاريخى حاسم، وليس فى هذا كله على الاطلاق ما يشذ عن وقائع التاريخ فى صغيره ولا كبيره.

خلاصه يقين على بحقه:

ايقن على(ع) بحقه فى الخلافه يقينا من موقعه الممتاز عند الرسول(ع) ومن حياته الخالصه فى الاسلام، فلقد كان فى حياه الرسول يقول: (ان اللّه يقول: (افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم)((536)) واللّه لاننقلب على اعقابنا بعد اذ هدانا اللّه، واللّه لئن مات او قتل لاقاتلن على ما قاتل عليه حتى اموت، واللّه انى لاخوه ووليه وابن عمه ووارث علمه، فمن احق به منى)((537))؟! وهو القائل: (فلما مضى(ص) تنازع المسلمون الامر من بعده، فواللّه ما كان يلقى فى روعى ولا يخطر ببالى ان العرب تزعج هذا الامر من بعده عن اهل بيته! ولا انهم منحوه عنى من بعده! فما راعنى الا انثيال الناس على فلان يبايعونه...)((538)).

هكذا اذن (اراده حقا يطلبه الناس، ولا يسبقهم هو الى طلبه) ((539)).

البيعه :

من تلك النصوص النبويه الثابته، وخلاصتها فى نص الثقلين ونص الغدير والاثنى عشر خليفه، اصبحت الامامه فى اثنى عشر اماما من اهل البيت تعيينا، فى على بعد الرسول مباشره، لان تلك النصوص بمثابه العهد بالخلافه والامامه، وهو عهد من الرسول، فهو ناجز وثابت لهم، فهم الائمه بالحق سواء بايعت لهم الناس ام لم تبايع، اما طريقهم الى ممارسه الحكومه والاداره، فهو البيعه، بلا ريب.

فالبيعه هى عقد الطاعه للامام ليمارس دوره كحاكم ومرشد سياسى ودينى، اما كونه هو صاحب هذا المكان فقد تم بعهد النبى(ص) لا بالبيعه.

(ولا شك ان البيعه للقائد المعصوم واجبه، لا يمكن التخلف عنها شرعا، ولكن الاسلام اصر عليها واتخذها اسلوبا من التعاقد بين القائد والامه لكى يركز نفسيا ونظريا مفهوم الخلافه العامه للامه)((540)). وكون الامامه حاصله بالعهد، قد مضى عليه اهل السنه ايضا..

قالوا: اذا عهد الخليفه الى آخر بالخلافه بعده، فان بيعته منعقده، وان رضى الامه بها غير معتبر، ودليل ذلك ان بيعه الصديق لعمر لم تتوقف على رضى بقيه الصحابه((541)).

هذا مع اننا لا نجد بين ابى بكر وعمر بيعه، وانما هو عهد بالخلافه لا غير..

فعهد النبى(ص) اولى ان يتبع، بلا مسوغ للخلاف، فهو ماض، وبه تحققت الخلافه لعلى(ع) بعد الرسول(ص) مباشره سواء بايعته الامه على الطاعه او لم تبايع، فالبيعه اذن انما تنشى عقد الطاعه وتسليم مقاليد الحكم والاداره، فهذا لا يتم الا بالبيعه، وقد عرضت على على(ع) من قبل العباس فرفض ان تكون الا جهره على الملا وعامه فى المسجد النبوى الشريف، ثم لما اتته الخلافه اتته بالبيعه فبايع الناس على ذلك، فكانت البيعه طريقه الى الحكم، وهكذا كان الامر مع الحسن(ع).

وحين حبست البيعه عن الائمه الذين اختارهم اللّه ورسوله فقد حيل بينهم وبين ممارسه الحكم والاداره العامه، دون ان يسلبهم ذلك حق الامامه الثابت لهم، شانهم فى ذلك شان الكثير من الانبياء الذين عصتهم اممهم وحالت بينهم وبين ممارسه دورهم الحقيقى فى القياده والارشاد والتوجيه، دون ان يسلبهم ذلك منزلتهم التى انزلهم اللّه تعالى بها.

اثر الواقع الجديد فى الموقف من هذه النصوص :

لقد آمن اهل السنه بلا شك بالكثير من فضائل اهل البيت(ع)، وعلى تفاوت بينهم فى مدى هذا الايمان، لكنه مهما ترقى فى درجاته فهو دائما الايمان الذى لا يناقض الواقع الجديد المتمثل ببيعه (الخلفاء الراشدين). فكل نص عندهم محكوم لهذا الواقع، فما خالفه فينبغى تاويله، وما لا يمكن تاويله بوجه من الوجوه فينبغى رده.

ومن هنا انكر متكلموهم صحه نسبه نهج البلاغه الى الامام على لاجل احتوائه على تلك النصوص وامثالها، فيما اكتفى المدافعون عن نهج البلاغه من شراحه خاصه بشرح غريبه فقط دون الوقوف عند مفاهيم كلماته ومدلولاتها. وكلا الموقفين ينطوى على الفرار من مواجهه التناقض الذى يبدو حاسما فى مواضع كثيره بين نصوص نهج البلاغه وبين وذلك الواقع الجديد.

فلم تقف هذه النصوص عند نقد وسيله اختيار الخلفاء، كما صورها الدكتور صبحى ملتمسا ذلك من بعض تعليقات ابن ابى الحديد((542)). بل فى تعليقات ابن ابى الحديد ما يشير بوضوح الى ان فى كلامه(ع) ما يفيد تعيينه(ع) خليفه بالنص، الامر الذى استنكروا بعض لوازمه، فاستنكروه لذلك، فيما حاول المعتزله ان يتخذوا منه موقفا وسطا:

قال ابن ابى الحديد: واصحابنا يحملون ذلك كله على ادعائه الامر بالافضليه والاحقيه، وهو الحق والصواب، فان حمله على الاستحقاق بالنص تكفير او تفسيق لوجوه المهاجرين والانصار.

قال: ولكن الاماميه والزيديه حملوا هذه الاقوال على ظواهرها، وارتكبوا بها مركبا صعبا! ثم قال: ولعمرى ان هذه الالفاظ موهمه مغلبه على الظن ما يقوله القوم - اى الاماميه والزيديه - لكن تصفح الاحوال يبطل ذلك الظن، ويدرا ذلك الوهم، فوجب ان يجرى مجرى الايات المتشابهات الموهمه ما لا يجوز على البارى((543))! ومره اخرى يرى ابن ابى الحديد ان بعض كلمات عمر داله صراحه على وجود النص على على(ع)، لكنه يعود ويستبعد من الصحابه رد النص((544)).

كيف يقال اذن: غايه راى على فى كيفيه نصب الامام انه نقد وسيله اختيار الخلفاء قبله.

ولكنه لم ينقد الاختيار عامه كوسيله موديه الى نصب الامام؟ انه استقراء ناقص، لكنه بلا شك اقرب الى الموضوعيه كثيرا من نفى اى نقد يمس وسيله اختيار الخلفاء! ان المعتزله لو استطاعوا ان يدفعوا شبهه التكفير او التفسيق المترتبه ظاهرا على ما تفيده ظواهر كلمات الامام على(ع) من استحقاقه الخلافه بالنص، لامنوا بها كما هى دون اللجوء الى هذا التاويل بالذات.

بل لو استطاع الاشاعره واصحاب الحديث وغيرهم من انصار مدرسه الخلفاء دفع هذه الشبهه لما اضطروا الى التكذيب بهذه الكلمات كلها او جلها! لكن لماذا لم يدفعوا هذه الشبهه بناء على تصفح الاحوال؟ لماذا لا يكون تصفح الاحوال قرينه على دفع شبهه التكفير او التفسيق، مع الابقاء على ما تفيده ظواهر كلماته المتعدده المتعاضده من استحقاقه الامامه بالنص؟ خصوصا مع وفره ما يويدها من النصوص النبويه المتفق عليها، انهم لو فعلوا ذلك لاصابوا حقيقه لا يضطربون بعدها، ولا يفرطون بهذا الكم الكبير من الاحاديث الهاديه - احاديث النبى وعلى - نفيا، او تاويلا يشبه التعطيل..

ولو فعلوا ذلك لاتلفوا من بعد اختلاف، ولعادت الطوائف التى تعددت امه واحده كان لم تختلف قط، ولعاد الاختلاف الذى عقب وفاه النبى(ص) درسا من دروس التاريخ لا يستهوى احدا ابدا..

ولو فعلوا ذلك لارتفعوا كثيرا فوق مواطن الاضطراب التى تكشف عن ضعف وهزيمه ورغبه مذهله فى غلق ذلك الملف..

لماذا تكفير؟ لماذا، وعلى(ع) صاحب تلك الكلمات لم يكفر احدا من خصومه، وحتى محاربيه؟! فلو كفر اصحاب الجمل لاباح سلبهم، لكنه منع من ذلك، كما منع من ملاحقه مدبريهم، والاجهاز على جرحاهم! ولو كفر الخوارج لما نهى عن مقاتلتهم بعده، اذ قال: (لا تقاتلواالخوارج بعدى فليس من طلب الحق فاخطاه كمن طلب الباطل فادركه)((545)).

فلم يكن قتاله اياهم بناء على مقولاتهم المذهبيه، ولا بما رموه به(ع) من الشرك والكفر، بل قاتلهم لعدوانهم على المومنين الابرياء وسفكهم الدماء واخافه السبيل بغير حق((546)).

وقد جاءه رجل يذكر له رجلا من الخوارج، فقال: يا امير المومنين انى وجدت هذا يسبك! قال على(ع): فسبه كما سبنى.

قال : ويتوعدك! قال على(ع) : لا اقتل من لم يقتلنى... ثم قال(ع): (لهم علينا ثلاث: ان لا نمنعهم المساجد يذكروا اللّه فيها، وان لا نمنعهم الفىء ما دامت ايديهم مع ايدينا، وان لا نقاتلهم حتى يقاتلونا). قال ابو عبيد: افلا ترى عليا راى للخوارج فى الفىء حقا ما لم يظهروا الخروج على الناس، وهو مع هذا يعلم انهم يسبونه ويبلغون منه اكثر من السب، الا انهم كانوا مع المسلمين فى امورهم ومحاضرهم، حتى صاروا الى الخروج بعد((547)). ثم هو(ع) القائل فى احتجاجه على الخوارج:

(وواللّه ان جئتها - اى القبول بالتحكيم - انى للمحق الذى يتبع، وان الكتاب لمعى ما فارقته مذ صحبته، فلقد كنا مع رسول اللّه(ص) وان القتل ليدور على الاباء والابناء والاخوان والقرابات فما نزداد على كل مصيبه وشده الا ايمانا ومضيا على الحق وتسليما للامر وصبرا على مضض الجراح..

ولكنا انما اصبحنا نقاتل اخواننا فى الاسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهه والتاويل، فاذا طمعنا فى خصله يلم اللّه بها شعثنا ونتدانى فيها الى البقيه فيما بيننا رغبنا فيها وامسكنا عما سواها)((548)).

لماذا الا التكفير؟! ان الشيعه الذين تمسكوا بهذه النصوص من دون تاويل، لم يلزموا انفسهم تكفير احد بناء على هذه النصوص، بل استبعدوه كثيرا((549))؟! لكن المعتزله حين ابتكروا مقولتهم التى تميزوا بها، مقوله المنزله بين المنزلتين، فمرتكب الكبيره عندهم ليس بكافر، لكنه ايضا ليس بمومن، انما هو فاسق! فحينئذ وجدوا انفسهم مضطرين الى القول بفسق عدد كبير من الصحابه لو انهم اخذوا بظاهر تلك النصوص! فلم يذهبوا اذن الى تعديل مقولتهم عملا بالنصوص وموافقه لتصفح الاحوال، بل ذهبوا الى تاويل النصوص حفظا لسلامه مقولتهم! وهذا هو الخطر الكبير الذى يرتكبه التقليد المذهبى، فمقوله المذهب دائما مقدمه على نصوص الشريعه، وتقدم قولنا ان ابا الحسن الكرخى انما كان يحكى عن لسان حال المذهبيه حين قال: (الاصل ان كل آيه تخالف قول اصحابنا فانها تحمل على النسخ، او الترجيح، والاولى ان تحمل على التاويل من جهه التوفيق، وكذا الحال مع الحديث)((550))! واذا قدرنا ان كل مذهب من المذاهب الاسلاميه المتعدده سوف يفعل مثل هذا ازاء كل نص يصطدم مع مقولاته، فسوف نقترب من ادراك مدى الانحرافات الطارئه على مسار الاسلام فكرا وعقيده! لقد كان حريا بهم ان يوفقوا بين تلك النصوص وبين الثابت من احوال صاحب النصوص وحقائق التاريخ، ليخرجوا بالحكم الموضوعى المتماسك، لكنهم ادخلوا الى عناصر الحكم مصدرا آخر، وهو مقدماتهم الاعتقاديه التى ارتكزت عليها مذاهبهم وتميزت بها، وهذا العنصر الاخير هو الاصل الثابت دائما وفق الرويه المذهبيه، فلا يخرج عنه فهم لشىء من نصوص الشريعه، او استنباط شىء من احكامها، او تفسير ظاهره ما! هذا الذى صرف المعتزله اذن عن هذه النصوص.

غير ان لبعض طوائف المعتزله كلاما قد يكون اقرب الى التوفيق بين النص واحوال صاحب النص منه الى التاويل، فابو القاسم البلخى واصحابه قالوا:

لوان عليا نازع عقيب وفاه رسول اللّه(ص) وسل سيفه، لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدم عليه، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين اظهر نفسه، ولكنه مالك الامر وصاحب الخلافه، اذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، واذا امسك عنها وجب علينا القول بعداله من اغضى له عليها، وحكمه فى ذلك حكم رسول اللّه(ص)، لانه قد ثبت عنه فى الاخبار الصحيحه انه قال: (على مع الحق والحق مع على، يدور معه حيث ما دار). وقال له غير مره: (حربك حربى، وسلمك سلمى).

عندئذ قال ابن ابى الحديد: هذا المذهب هو اعدل المذاهب عندى، وبه اقول((551)).

وغنى عن التذكير ان اغضاء صاحب الحق عن حقه لا يعنى دائما الاقرار بعداله خصمه.

لقد راينا كثيرا من الاساتذه المعاصرين قد اعجب كثيرا بالفكر المعتزلى وثرائه((552))، لكن دون ان يذهبوا معهم الى القول بان عليا (مالك الامر، وصاحب الخلافه) الذى هو اقرب شىء الى القول بالنص! اما الذى صرف الجمهور عن تلك النصوص والتصريحات فقياسهم الاشياء، نصوصا ووقائع، على اساس التسليم بصحه وشرعيه نظام الخلافه الذى تحقق بعد الرسول، وكل نص او حال لا ينسجم مع هذا فهو عندهم مرفوض او فاول، وتبرز هنا مساحه اكبر للتنكر لوقائع التاريخ او الاغضاء عنها، تمشيا مع المبدا الذى عرف فى ما بعد بمبدا (عداله الصحابه) الذى اصبح حاكما على النص وعلى وقائع التاريخ ايضا، علما ان هذه النصوص والوقائع قد حفظت غالبا فى دواوينهم الحديثيه والتاريخيه، على تفاوت فى الكم والتفصيل، حتى بلغ الكثير والاهم منها حد التواتر فى مجموع تلك الدواوين كحديث (من كنت مولاه فعلى مولاه)، وحديث الثقلين (كتاب اللّه وعترتى) فيما لم ترد الروايه الاخرى (كتاب اللّه وسنتى) الا مرسله فى مصدر واحد من مصادرهم المهمه (موطا مالك)((553))، وقد وصل اسنادها بعده ابن عبدالبر فكان اسنادا واهيا عرف مصدره بالوضع والكذب((554))! ورغم ذلك فقد اعتمدها اهل السنه فى بحوثهم ومجادلاتهم وتعليم اجيالهم، واغفلوا الاخرى الصحيحه المتواتره! كل ذلك لانها لا تحفظ لهم سلامه الواقع الجديد بعد النبى(ص)، وربما مست مبدا عداله الصحابه ايضا! وآخرون ادركوا حقا ان التمسك بروايه (وسنتى) لا تغنى وحدها فى الخلاص من تبعه الروايه الاصح والاشهر (كتاب اللّه وعترتى) فذهبوا الى تاويل الاخيره تاويلا عجيبا، ومبتدع هذا التاويل هو ابن تيميه.

حيث يقول: الحديث الذى فى مسلم اذا كان النبى(ص) قد قاله فليس فيه الا الوصيه باتباع الكتاب، وهو لم يامر باتباع العتره، ولكن قال: (اذكركم اللّه فى اهل بيتى)((555))! ورغم ان تاويل ابن تيميه هذا كان مكابره صارخه بوجه النص، قدتكون ايضا مدعاه للسخريه، الا ان هناك من يانس به ويطمئن بها مهربا من الزام النص! ما العمل اذا كان الناس يانسون ويستمتعون انتصارا لمذاهبهم، ولو بمثل هذا التصريف المتهافت! ولعل (منهاج السنه) لابن تيميه هو اكبر موسوعه سنيه فى تاويل الاحاديث الخاصه فى على واهل البيت(ع) وفى التنكر للوقائع الهامه التى قدمتهم على غيرهم تقديما لا يبقى معه اى مسوغ لصرف الخلافه عنهم((556)).

ويلحظ المتتبع لتاويلات ابن تيميه فى هذا القسم من الحديث انه قد تاثر كثيرا بطريقه القاضى عبدالجبار المعتزلى فى كتابه (المغنى) واخذ عنه كثيرا من تاويلاته.. لكن الفارق يبقى كبيرا بين الطرفين، فمنزله على عند المعتزله هى اسمى منها بكثير عند ابن تيميه.

فحين لا يريد ابن تيميه لحديث (من كنت مولاه فعلى مولاه) ان يتجاوز حدود المحبه التى يشاركه فيها جميع المسلمين، فلا مزيه فيه لعلى على احد((557))! يرى فيه المعتزله لعلى منزله لا يشاركه فيها احد، فاذا اوجب النبى(ص) موالاته(ع) ولم يقيده بوقت فيجب ان يكون باطنه كظاهره فى سائر الاوقات، وهذه منزله عظيمه تفوق منزله الامامه((558))، ويختص بها هو دون غيره((559)).

ويبالغ ابن تيميه فينكر الشطر الثانى من الحديث (اللهم وال من والاه،وعاد من عاداه)((560)) لانها قادحه بلا شك بمبدا (عداله الصحابه)! ولانها مستلزمه قطعا البراءه من رجال دخلوا فى عداد الصحابه لم يتورعوا فى اظهار بغضهم لعلى وعدائهم له ومحاربتهم اياه، فيما لم يتردد المعتزله فى القول بهلاك هولاء((561)). وجدير بالتذكير ان ابن تيميه الذى كان من اوسع الناس تاويلا لهذا الباب من الحديث ، حفظا للمذهب، هو من اشد الناس طعنا فى التاويل واكثرهم تمسكا حرفيا بظواهر مفردات النص، فى باب الصفات خاصه، حفظا لمذهبه فى التجسيم! واثر آخر من آثار الواقع السياسى لمسناه فى (النص المعارض) الذى كان يخوض المعركه جنبا الى جنب مع تاويل النص وتكذيب الحدث..

فلما كان الحديث الصحيح، حديث السيده صفيه، تسال النبى(ص) قبيل وفاته: ان حدث بك حدث فالى من؟ فيقول:

(الى على بن ابى طالب)..((562)) جاء الحديث المعارالمعارض (ان لم تجدينى فات ابا بكر) عن سلسله من الرواه ذوى الاهواء الامويه((563))، جاء ليذاع ويشتهر فيطغى على الحديث الاول، حتى اتى الشيخان فوجداه مالوفا على السن الرواه ومنهم من لا يتهم بكذب، فادخلاه فى المختار من صحيحيهما..

ولما كان حديث السيده عائشه فى تكذيب احاديث الوصيه، هو المنسجم مع العهد الجديد دون حديث السيده ام سلمه، فكان لا بد ان يذاع بواسطه عروه بن الزبير والزهرى واصحابهما، الى صدور الحفاظ وبطون الدواوين، حتى يجده الشيخان اولى بالنقل من غيره((564)).

وهكذا مع نظائرها، كالذى تقدم فى حديث (ادعى اباك واخاك اكتب كتابا)((565)) وحديث سد الابواب((566)).

ثم ياتى المتاخرون فيعضون بالنواجذ على كل ما اورده الشيخان ويسقطون من الاعتبار كل ما خالفها، ليكون الاول دينا يدان به بحجه اختيار الشيخين او اتفاقهما.. فلم انتخبه الشيخان حتى وجداه دينا يدان به.. وهذا حق.. ولكن خطوه واحده الى الامام ستفتح العينين على كل الحق..

ان الحق كل الحق ان الشيخين ما وجداه دينا الا بفضل كفاح دووب واصله حراس العهد الجديد مئتى عام حتى جاء الشيخان!! مئتا عام، قبل مجىء الشيخين وتدوين اوسع دواوين الحديث، قضاها خصوم على وبنيه فى كفاح دووب لاقصاء ما لا يروق لهم ونشر ما يريدون، بكل ما عرفوه من فنون الاقصاء والنشر((567))! مئتا عام والتيار هادر، لم يسكن الا اياما لا تكفى حتى لمراجعه الذاكره((568))! فكم بين نصيب احاديث تجرى بعكس اتجاه ذاك التيار، ونصيب احاديث حملها ذاك التيار على ظهره؟! هذا ما لم يلتفت اليه المتاخرون.. لان لفته واحده اليه ستعنى الكثير .. ستعنى ادانه التاريخ واعاده النظر فى كثير من قضاياه..

جديد :

حاول بعض المعاصرين ان يكتشف طريقا جديدا ياخذ به بعيدا عن اسر كلمات على(ع)، فراح يبرهن على ان اهل البيت لم يذكروا ما يدل على اختصاصهم بنص او وصيه، من خلال ما وجدوه من كلمات منقوله عن السبطين(ع) وليس فيها تصريح بهذا..((569)) وهكذا ببساطه يعرضون عن كل ما اثر عن على(ع)! واكثر من هذا حاولوا حين حرفوا شرط الامام الحسن(ع) على معاويه فى بنود الصلح الذى تم بينهما، فقالوا: ان الحسن(ع) كتب فى شروطه على معاويه: (وليس لمعاويه بن ابى سفيان ان يعهد الى احد من بعده عهدا، بل يكون الامر من بعده شورى بين المسلمين).

اذن اقر الحسن(ع) مبدا الشورى، ولم يدع مجالا لدعوى النص حتى على على(ع) خاصه((570))! لقد ارتضوا من هذا العهد نصه المحرف، لا غير، نصره للمذهب، دون تحقيق! ونص هذا العهد ينقله: ابن قتيبه، وابن الاثير، والذهبى وابن كثير، وابن حجر العسقلانى وغيرهم، وفيه: (ان لمعاويه الامامه ما دام حيا، فاذا مات فالامر للحسن من بعده)((571)).

فليس لمعاويه اذن ان يعهد لاحد من بعده، لان الخلافه بعده للحسن(ع)، ولا شىء وراء ذلك!